← Джавами‘

Джавами‘ · id 4473

مجلة الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (23 804 стр.). Показаны 2801–2840 · переход к 2806.

стр. 2801

ونتيجة لهذه الحالة يتكون البغض والحقد بين طبقات المجتمع ويوجد أناس يرفعون من قيمة اليد العاملة إلى درجة سيادتها على بقية الطبقات الأخرى، وتحطيم هذا النظام البرجوازي ليعوض عنه بنظام غير عادل أيضا ألا وهو الشيوعية، التي تأخذ بزمام الأمور وتوجه حربها ضد أي غني ولو كان ماله حلالا حصل عليه بعرق جبينه بدعوى التسوية بين البشر!. وهي لا شك نظرة خاطئة لأن الناس لا يولدون متساوين، وإذا أردنا أن نسوي بينهم فلنبدأ بخلقهم متساوين في القدرات العقلية والطاقات الجسدية، وهذا طلب للمحال، ثم لنفرض أن هذه الاشتراكية جاءت على أساس حب العدالة للمجتمع، فهل يلزم أن يكون الذي بيده السلطة مثالا لهذه العدالة؟ أو ليس امتياز العامل على غيره هو امتياز طبقة على أخرى؟.. وهيمنة المطرقة والمنجل على الإنسان؟!.. وإذن فلا المال ولا المعول يقدر قيمة هذا الإنسان لأنه يكون عبدا لهما، ويستمر العامل هكذا ممتلئا بالمشاكل والبؤس لأن كلا من الرأسمالية والشيوعية استغلال طبقة لأخرى، الأولى عمادها الثراء والثانية عمادها الذكاء، وهي أخطر من الأولى لأنها تطعمنا السم ممزوجا بالعسل وهذه حقيقة مزيفة لواقع الإنسان. فيا أيها الإنسان تعال نتعاون لنتخلص من هذه العبودية غير العادلة تعال نوفق بين الأجناس ولا نفرق بين الأبيض والأسود، ونعدل بينهم بإتاحة الفرصة لجميع الناس حتى يعمل كل حسب طاقته ونتخلص من هذه السرقات الخفية التي تخنق الإِنسان. ولنمتثل لقول الله تعالى: ﴿وَقَالُوا كُونُوا هُوداً أَوْ نَصَارَى تَهْتَدُوا قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفاً وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ ذلك هو كتاب الدكتور صلاح الدين كشريد الداعية الإسلامي الكبير وقد حاولت استعراض بعضه للقارئ الكريم تنبيها إلى أن الإسلام في حاجة إلى دعاة بجميع لغات العالم وأننا مقصرون في هذه الناحية فنسأل الله الإعانة على خدمة الحق ونصرة الإسلام.

стр. 2802

الشباب دعامة المستقبل بقلم: عبد العزيز يوسف بهزاد خريج كلية الشريعة بالجامعة إن الشباب هم عماد الدين وأساس بنائه ولبنات المستقبل، ففي ارتفاع مستواهم يسمو مستوى الأمم والمجتمعات، ويعلو إلى أعلى الدرجات وبانخفاضه يهبط المجتمع وينخفض إلى الحضيض. وإن ما نراه اليوم من عدم اهتمام الشباب بالمسؤوليات الملقاة على عاتقهم شيء مؤسف جدا لأن الشباب هم الذين سيتحملون المسؤولية الكبرى وتبعاتها غدا، وأما الموجودون اليوم فهم لا شك لن يبقوا لنا بل سينتهي أمرهم – سنة الله في خلقه – إما إلى الموت والفناء أو إلى الشيخوخة والعجز. وإن ضلال الشباب وانحرافاته التي نشاهدها اليوم في كثير من الدول الإسلامية من السير خلف التقليعات وقشور الحضارة الحديثة من تخنفس وتخنث وتعر وميوعة وعدم شعور بالمسؤولية واللامبالاة.. والاهتمام بالملابس المزركشة، والضيقة، وذات الألوان الصارخة، وتطويل الشعور وتقصير الملابس أو الفساتين، والسير خلف تقاليع اليهود والنصارى والكفرة والملحدين وغيرهم من الشرق والغرب وتقليدهم تقليدا أعمى وتشبه الرجال بالنساء وتشبه النساء بالرجال ... كل ذلك له مسؤول بل مسؤولون وهم: أولا – الآباء وأولياء الأمور حيث تقع عليهم المسؤولية الكبرى والتبعة. ثانيا – المسؤولون في الحكومات، وعليهم شطر المسؤولية أيضا، وكل ما حدث ويحدث في هذا الوقت هو مصداق لقول الرسول ﷺ : "لتتبعن سنن من كان قبلكم شبرا بشبر وذراعا بذراع حتى لو دخلوا جحر ضب لدخلتموه"قالوا: اليهود والنصارى؟ قال: فمن إذا؟ " أو كما قال ﷺ : "لعن الله المتشبهين من الرجال بالنساء ولعن الله المتشبهات من النساء بالرجال" دليل على علمه ﷺ بما سيقع في هذا الزمان وما قبله وما بعده بما علمه الله وأوحى إليه.

стр. 2803

فمما لا شك فيه أن الآباء هم المسؤولون أولا حيث أول ما يشاهد الطفل في هذه الدنيا والداه ويسير على حسب ما يسيرانه، ويتخذ منهم القدوة فكيف السبيل لاصلاحهم؟ إننا لا يجب علينا الضغط على الأبناء لأن ذلك يسبب الانفجار والضلال والإصرار على الغواية بدل الهداية، وكذلك لا يجوز إطلاقهم على أهوائهم دون إرشاد أو تنوير فذلك يجعل الشباب ضالا فكلا هذين الأمرين لا يجوزان، بل يجب على الوالد اختيار الوسط بإرشاده أحيانا، وبضربه أحيانا أخرى إذا اقتضى الأمر، بنصحه وزجره وتوبيخه مرات أخرى وتنوير طريقه بالنصائح والإرشادات، وتبيان الضار من النافع والطريق القويم المستقيم، وما يدل عليه من أدلة وأمثلة. وكذلك الطريق الفاسد غير المستقيم وأضراره ومفاسده المترتبة عليه، وضرب أمثلة وأدلة على كل ذلك ليكون لدينا جيل قوي مستقيم.

стр. 2804

وهكذا إنني أحمل الآباء مسؤولية ضلال الجيل الناشئ الجديد، لأنه خرج إلى الحياة على الفطرة كما قال الرسول ﷺ : "كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه" وهم مسؤولون أمام الله الواحد القهار في يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم. ورسولنا ﷺ يقول: "كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته" ومما يقطع القلوب أننا نرى كل يوم الخنافس وأشباه الرجال في تزايد مع شعورهم الطويلة التي تشبه القرود في تقليدها الأعمى والخنازير في قبحها، وتشمئز أنفسنا من مشاهدة المناظر البشعة في معظم الدول الإسلامية. وكذلك عادة تطويل السوالف المأخوذة من اليهود الصهاينة خاصة، كما هو معروف عندنا وفي أوربا وأمريكا والدول العربية أن اليهود يتميزون بتربية السوالف وشبابنا صغارا وكبارا وحتى بعض المربين يقتدون بهم طواعية، أحد الأصدقاء كان له سوالف وأخبرني أنه زار بعض الأقطار العربية واستغرب أحدهم منه فسأله بدهشة واستغرب: هل أنت مسلم؟ وكان يظنه يهوديا. والرسول ﷺ يقول: من تشبه بقوم فهو منهم ومن أحب قوما حشر معهم، ونحن لا نأخذ أحكامنا ومبادئنا إلا من كتاب الله وسنة رسوله ﷺ . ونعود إلى المسؤول الثاني وهو الحكومات والمسئولين فيها، فعليهم مثلنا مسئولية كبرى وباستطاعتهم وضع ما يرونه من عقوبات على هذه الأشياء المخالفة والنافية للشرع. وليت جميع الدول والحكومات الإسلامية تتخذ أوامر صارمة بمنع تربية السوالف والشعور الطويلة وتفرض العقوبات على أي شخص يخالف ذلك.

стр. 2805

وقد بادرت كثير من الدول باتخاذ قرارات مشابهة ومقاربة لما ذكرته، وأذكر أن إحدى هذه الدول قد قامت باعتقال جميع الخنافس وحلقت رؤوسهم وساقتهم إلى الجبهة لتجنيدهم وتدريبهم على الأعمال العسكرية الخشنة تدريبا إجباريا، فهذا أيضا من الأدوية الناجعة لمعالجة طيش الشباب المسيطر على الكثيرين منهم. وبلغني أن أحد مديري المدارس منع جميع الطلاب الخنافس من دخول المدرسة ورفض أن يقبل أي واحد منهم. بعد كل ذلك ينبغي أن نعلم بأنه يجب أن يكون هناك تعاون يبدأ بالبيت والأسرة ثم المدرسة وينتهي بالسلطة الحكومية، حتى نخرج جيلا ناهضا يستطيع القيام بأداء واجبه على أكمل وجه وينفع وطنه وأمته. وختاما نسأل الله التوفيق للجميع، وأن يجعلنا ممن يستمع القول فيتبع أحسنه، وأن ينفعنا بما علمنا ويعلمنا ما ينفعنا والله ولي التوفيق والقادر على ذلك.

стр. 2806

من أعلام المحدثين علي بن المديني ١٦١ – ٢٣٤ هـ للشيخ عبد المحسن العباد المدرس في كلية الشريعة بالجامعة نسبه: هو علي بن عبد الله بن جعفر بن نجيح بن بكر بن سعد، هكذا نسبه الخطيب في تاريخ بغداد. كنيته ونسبته: كنيته أبو الحسن، واشتهر بابن المديني – بفتح الميم – وكسر الدال – نسبة إلى مدينة رسول الله ﷺ والنسبة إليها بهذه الصيغة قليلة وأكثر ما ينسب إليها المدني بدون ياء، وإنما نسب إليها لأن أصله منها كما ذكر ذلك البخاري في التاريخ وابن أبي حاتم في الجرح والتعديل وابن الأثير في اللباب وكانت ولادته ونشأته بالبصرة، ولهذا ينسب إليها فيقال له: البصري، ويقال له: السعدي من بني سعد بن بكر نسبة إليهم نسبة ولاء وهو مولى عروة بن عطية السعدي كما في تهذيب الأسماء واللغات للنووي. ولادته: ولد ابن المديني سنة احدى وستين ومائة نقله الخطيب في تاريخه عن علي بن أحمد بن النضر وقال الخطيب: "كان مولده بالبصرة"وكذا أرخه الذهبي في تذكرة الحفاظ وابن السبكي في طبقات الشافعية. ابن المديني من بيت علم: الإمام ابن المديني أحد أعلام المحدثين الذين اشتهروا بحفظ الحديث ومعرفة علله، وأبوه وجده من حملة الحديث ونقلته فأبوه عبد الله محدث مشهور روى عن غير واحد من مشيخة مالك بن أنس وجده جعفر بن نجيح روى عن عبد الرحمن بن القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق ذكر ذلك الخطيب في تاريخه. ممن روى عنهم:

стр. 2807

سمع الحديث من كثير من المحدثين فرواه عن أبيه وحماد بن زيد وسفيان بن عيينة وابن علية وأبي ضمرة وبشر بن المفضل وحاتم بن وردان وخالد بن الحارث وبشر بن السري وأزهر بن سعد السمان وحرمي بن عمارة وحسان بن إبراهيم وشبابة وسعيد بن عامر وأبي أسامة ويحيى بن سعيد القطان ويزيد بن زريع وهشيم بن بشير ومعاذ بن معاذ وعبد الأعلى بن عبد الأعلى وعبد الله بن وهب وعبد العزيز العمى والفضل بن عنبسة وفضيل بن سليمان وغندر ومحمد بن طلحة التيمي ومرحوم بن عبد العزيز ومحمد بن عبد الرحمن الطفاوي ومعن بن عيسى وأبي النضر وهشام بن يوسف وعبد الرزاق ويوسف بن يعقوب الماجشون وأبي صفوان الأموي وجعفر بن سليمان وعبد العزيز الدراوردي ومعتمر بن سليمان وجرير بن عبد الحميد والوليد بن مسلم وعبد الرحمن بن مهدي وعبد الوهاب الثقفي وأبي الوليد الطيالسي وغيرهم، وكتب عن الشافعي كتاب الرسالة وحملها إلى عبد الرحمن ابن مهدي فأعجب بها ذكره أبو إسحاق الشيرازي في طبقات الفقهاء ص ١٠٣. ممن رووا عنه:

стр. 2808

روى عنه البخاري وأبو داود، والذهلي وإبراهيم بن الحارث البغدادي والحسن بن علي الخلال وأبو مزاحم سباع بن النضر وأبو بكر عبد القدوس الحبحباني وأبو بكر بن أبي عتاب الأعين ومحمد ابن عمرو بن نبهان الثقفي وإبراهيم الجوزجاني وحميد بن زنجويه وأبو داود الحراني ومحمد بن عبد الله ابن عبد العظيم ومحمد بن جعفر بن الإمام وهلال بن العلاء الرقي وعباس بن عبد العظيم العنبري، وروى عنه سفيان بن عيينة ومعاذ بن معاذ وهما من شيوخه وأحمد بن حنبل وعثمان بن أبي شيبة وهما من أقرانه وابنه عبد الله بن علي وأحمد بن منصور وإسماعيل بن إسحاق القاضي وحنبل بن إسحاق وصالح جزرة وأبو قلابة وأبو حاتم والصاغاني والفضل بن سهل الأعرج ومحمد بن عبد الرحيم صاعقة ويعقوب بن شيبة وأبو شعيب الحراني وأبو الحسين بن البراء وصالح بن أحمد بن حنبل ومحمد بن علي بن الفضل المديني فستقة وأبو خليفة الجمحي ومحمد بن يونس الكديمي ومحمد بن عثمان بن أبي شيبة وأبو يعلى الموصلي والبغوي وعبد الله بن محمد بن الحسن الكاتب وآخر الذين رووا عنه موتا عبد الله بن محمد بن أيوب الكاتب وأقدمهم شيخه سفيان بن عيينة وبين وفاتيهما مائة وثمان وعشرون سنة ذكره الخطيب وهذا من أمثلة السابق واللاحق. من خرج حديثه: خرج حديثه البخاري في صحيحه وروى عنه فيه ثلاثمائة وثلاثة أحاديث نقل ذلك الحافظ بن حجر في تهذيب التهذيب وخرج حديثه أبو داود في سننه وقد روى عنه البخاري وأبو داود بدون واسطة، وروى عنه أبو داود أيضا بواسطة وخرج حديثه الترمذي والنسائي في سننهما وابن ماجة في التفسير رووا عنه بواسطة. ثناء الأئمة عليه: وكان علي بن المديني موضع تقدير كبار المحدثين أثنوا عليه في حفظه وفي علمه وتبحره وبصره في علل الحديث وأثنوا عليه بوجه عام. فمن الثناء عليه بوجه عام:

стр. 2809

قال أبو حاتم الرازي: "وكان أحمد لا يسمه إنما يكنيه تبجيلا له"قال: "وما سمعت أحمد سماه قط". وقد بلغ مبلغا عظيما قال فيه عباس العنبري: "كان الناس يكتبون قيامه وقعوده ولباسه وكل شيء يقول ويفعل". وقال البخاري: "ما استصغرت نفسي عند أحد إلا عند علي بن المديني". وقال النسائي: "كأن الله خلق علي بن المديني لهذا الشأن". وقال النووي: "وأجمعوا على جلالته وإمامته وبراعته في هذا الشأن وتقدمه على غيره". وقال الذهبي في ميزان الاعتدال: "وأما علي بن المدين فإليه المنتهى في معرفة علل الحديث النبوي مع كمال المعرفة بنقد الرجال وسعة الحفظ والتبحر في هذا الشأن بل لعله فرد زمانه في معناه". وقال ابن حجر في تقريب التهذيب: "ثقة ثبت إمام". حفظه: وكان علي بن المديني من الحفاظ المبرزين قال فيه الذهبي: "حافظ العصر وقدوة أرباب هذا الشأن"وقال ابن أبي يعلى في طبقات الحنابلة: "الحافظ المبرز"، وقال الخطيب في تاريخه: "هو أحد أئمة الحديث في عصره والمقدم على حفاظ وقته". علمه: ومن ثناء الأئمة عليه في علمه قول عبد الرحمن بن مهدي: "ابن المديني أعلم الناس". وقول أبي عبيد القاسم بن سلام: "انتهى العلم إلى أربعة: أبو بكر بن أبي شيبة أسردهم له، وأحمد بن حنبل أفقههم فيه، وعلي بن المديني أعلمهم به، ويحيى بن معين أكتبهم له". بصره بعلل الحديث: ومن ثناء الأئمة عليه وإشادتهم بمعرقته التامة بعلل الحديث قول أبي حاتم: "كان ابن المديني علما في الناس في معرفة الحديث والعلل". وقال ابن حجر في التقريب:"أعلم أهل عصره بالحديث وعلله". وقال الذهبي في الميزان: "إليه المنتهى في معرفة علل الحديث النبوي". وقال ابن الأثير في اللباب: "وكان من أعلم أهل زمانه بعلل حديث رسول الله ﷺ ".

стр. 2810

وقال أبو داود: "ابن المديني أعلم باختلاف الحديث من أحمد بن حنبل". وفي تارخ الخطيب: سئل الفرهياني عن يحيى بن معين وعلي وأحمد وأبي خيثمة فقال: "أما علي فأعلمهم بالحديث والعلل، ويحيى أعلمهم بالرجال، وأحمد بالفقه، وأبو خيثمة من النبلاء". وقال صالح بن محمد: "أعلم من أدركت بالحديث وعلله علي بن المديني، وأفقههم في الحديث أحمد ابن حنبل، وأمهرهم في الحديث سليمان الشاذكوني". دخوله في محنة القول بخلق القرآن وأثر ذلك وكيف انتهى أمره:

стр. 2811

وكان علي بن المديني ﵀ ممن دخل في محنة القول بخلق القرآن دخول الخائف على نفسه ولم يصبر كما صبر الإمام أحمد بن حنبل وغيره بل هاب الإرهاب والقمع الذي حصل لمن لم يوافق دعاة القول بخلق القرآن إلى ما يريدون ومن أجل ذلك لم يرو عنه بعض المحدثين كالإمام مسلم. ولكنه تاب وأناب واتضح من قوله وقول غيره أن دخوله لم يكن عن عقيدة وإنما كان خوفا على النفس. وقد صرح بذلك عن نفسه وصرح به غيره، وقد أورد الذهبي علي بن المديني في كتابه الميزان لكون العقيلي أورده في كتاب الضعفاء وأنحى باللوم على العقيلي لذلك وذب عن هذا الإمام وأشاد بذكره والثناء عليه قال في كتابه الميزان (٣/١٣٨) : "أحد الأعلام الأثبات وحافظ العصر ذكره العقيلي في كتاب الضعفاء، فبئس ما صنع، فقال: جنح إلى ابن أبي دؤاد والجهمية وحديثه مستقيم إن شاء الله"، ثم ذكر الذهبي بعض ثناء الأئمة عليه ثم قال: "وقد بدت منه هفوة ثم تاب منها وهذا أبو عبد الله البخاري – وناهيك به – قد شحن صحيحه بحديث علي بن المديني وقال: ما استصغرت نفسي بين يدي أحد إلا بين يدي علي بن الديني، ولو ترك حديث علي وصاحبه محمد وشيخه عبد الرزاق وذكر أناسا آخرين سماهم، لغلقنا الباب وانقطع الخطاب، ولماتت الآثار، واستولت الزنادقة، ولخرج الدجال، أفما لك عقل يا عقيلي أتدري فيمن تتكلم، وإنما تبعناك في ذكر هذا النمط لنذب عنهم ولنزيف ما قيل فيهم كأنك لا تدري أن كل واحد من هؤلاء أوثق منك بطبقات بل وأوثق من ثقات كثيرين لم توردهم في كتابك فهذا مما لا يرتاب فيه محدث".

стр. 2812

وقال الذهبي في الميزان أيضا: "كان ابن المديني خوافا متاقيا في مسألة القرآن مع أنه كان حريصا على إظهار الخير فقد قال ابن أبي خيثمة في تاريخه: سمعت يحيى بن معين يقول: كان ابن المديني إذا قدم علينا أظهر السنة وإذا ورد البصرة أظهر التشيع ثم قال الذهبي: قلت كان ذلك بالبصرة ليؤلفهم على حب علي ﵁، فإنهم عثمانية". انتهى. وقال الحافظ ابن حجر في التقريب: "عابوا عليه إجابته في المحنة لكنه تنصل وتاب واعتذر بأنه كان خاف على نفسه"، وقال الذهبي في تذكرة الحفاظ بعد أن ذكر كثيرا من ثناء الأئمة عليه: "قلت مناقب هذا الإمام جمة لو ما كدرها بتعلقه بشيء من مسألة خلق القرآن وتردده إلى أحمد بن أبي دؤاد إلا أنه تنصل وندم وكفر من يقول بخلق القرآن، فالله يرحمه ويغفر له". انتهى. وقد جاء عنه الثناء على الإمام أحمد في صبره في المحنة وقال: "إن الله أعز هذا الدين برجلين، أبو بكر الصديق يوم الردة وأحمد بن حنبل يوم المحنة". وقال ابن أبي حاتم الرازي في كتاب الجرح والتعديل: "وترك أبو زرعة الرواية عنه من أجل ما كان منه في المحنة وكان أبي يروي عنه لنزوعه عما كان منه". وفي تاريخ بغداد أن عباس العنبري روى عنه أنه قال: "قوي أحمد على السوط وأنا لا أقوى"وقال ابن عمار: "ما أجاب إلى ما أجاب ديانة إلا خوفا"، وقال ابن السبكي في طبقات الشافعية: "وكان علي بن المديني ممن أجاب إلى القول بخلق القرآن في المحنة فنقم ذلك عليه وزيد عليه في القول، والصحيح عندنا أنه إنما أجاب خشية السيف"قال ابن عدي: "سمعت مسددا ابن أبي يوسف الفلوسي يقول: قلت لابن المديني: مثلك في علمك يجيب إلى ما أجبت إليه. فقال يا أبا يوسف: ما أهون عليك السيف"، وعنه: "خفت أن أقتل ولو ضربت سوطا واحدا لمت".

стр. 2813

وهكذا نجد أن ابن المديني ﵀ دخل في المحنة خائفا على نفسه لا معتقدا صحة ذلك كما صرح بذلك عن نفسه وصرح غيره كما في النقول المذكورة وإن دخوله هذا أثر في إعراض بعض المحدثين عن الرواية عنه ولما كان قد تاب واعتذر بأن الذي حمله على الدخول الخوف على نفسه لم يلتفت إلى ما سلف منه كثير من المحدثين فرووا عنه وعلى رأسهم الإمام البخاري الذي شحن صحيحه بالرواية عنه وبلغ جملة ما رواه عنه في الصحيح ثلاثمائة وثلاثة أحاديث. شيوخه يستفيدون منه: وكما كان ابن المديني يستفيد من شيوخه فهم أيضا يستفيدون منه وقد صرح بعضهم بذلك. قال شيخه يحيى بن سعيد القطان: "كنا نستفيد منه أكثر مما يستفيد منا"وقال سفيان بن عيينة: "يلومونني على حب علي، والله كنت أتعلم منه أكثر مما يتعلم مني". آثاره: ألف ابن المديني في الحديث مصنفات كثيرة العدد جليلة القدر. قال النووي في تهذيب الأسماء واللغات: "وكان علي أحد أئمة الإسلام المبرزين في الحديث صنف فيه مائتي مصنف لم يسبق إلى معظمها ولم يلحق في كثير منها". وقد أورد الحاكم أبو عبد الله في كتابه معرفة علوم الحديث – ص ٨٩ – فهرست مؤلفاته نقله عن شيخه محمد بن صالح الهاشمي قال: "سمعت الشريف القاضي أبا الحسن محمد بن صالح الهاشمي قاضي القضاة يقول: هذه أسامي مصنفات علي بن المديني: ١- كتاب الأسامي والكنى ثمانية أجزاء. ٢- كتاب الضعفاء – عشرة أجزاء. ٣- كتاب المدلسين – خمسة أجزاء. ٤- كتاب أول من نظر في الرجال وفحص عنهم – جزء. ٥- كتاب الطبقات: عشرة أجزاء. ٦- كتاب من روى عن رجل لم يره – جزء. ٧- كتاب علل المسند – ثلاثون جزءا. ٨- كتاب العلل لإسماعيل القاضي – أربعة عشر جزءا. ٩- كتاب علل حديث ابن عيينة - ثلاثة عشر جزءا.

стр. 2814

١٠- كتاب من لا يجنح بحديثه ولا يسقط – جزءان. ١١- كتاب الكنى – خمسة أجزاء. ١٢- كتاب الوهم والخطأ: خمسة أجزاء. ١٣- كتاب قبائل العرب – عشرة أجزاء. ١٤- كتاب من نزل من الصحابة سائر البلدان – خمسة أجزاء. ١٥- كتاب التاريخ – عشرة أجزاء. ١٦- كتاب العرض على المحدث – جزءان. ١٧- كتاب من حدث ثم رجع عنه – جزءان. ١٨- كتاب يحيى وعبد الرحمن في الرجال – خمسة أجزاء. ١٩- كتاب سؤلاته يحيى – جزءان. ٢٠- كتاب الثقات والمثبتين – عشرة أجزاء. ٢١- كتاب اختلاف الحديث – خمسة أجزاء. ٢٢- كتاب الأسامي الشاذة – ثلاثة أجزاء. ٢٣- كتاب الأشربة – ثلاثة أجزاء. ٢٤- كتاب تفسير غريب الحديث – خمسة أجزاء. ٢٥- كتاب الإخوة والأخوات – خمسة أجزاء. ٢٦- كتاب من يعرف باسم دون اسم أبيه – جزءان. ٢٧- كتاب من يعرف باللقب – جزء. ٢٨- كتاب العلل المفرقة – ثلاثون جزءا. ٢٩- كتاب مذاهب المحدثين – جزءان. هكذا سردها الحاكم وقد أضفت إليها الترقيم، وبعد فراغه من سياقه قال: "إنما اقتصرنا على فهرست مصنفاته في هذا الموضع ليستدل به على تبحره وتقدمه وكماله". انتهى.

стр. 2815

أقول: "وإن مما يؤسف له أن هذه المكتبة الكبيرة لا وجود لها في الوقت الحاضر، بل إن ذكر أسماء هذه المصنفات قليل في كثير من المصنفات فما رأيت أحدا من مؤلفي المصادر التي رجعت إليها في ترجمته - والتي أثبتها في نهاية الترجمة - تعرض لتسميتها اللهم إلا العليمي صاحب المنهج الأحمد في تراجم أصحاب الإمام أحمد المتوفى سنة ٩٢٨هـ فقد أورد هذا الفهرس الذي سقته هنا عن الحاكم دون أن يشير إلى المصدر الذي استمده منه. ويوجد من آثاره كتاب علل الحديث ومعرفة الرجال مخطوطا في خزانة أحمد الثالث في تركيا وصورته في معهد المخطوطات بجامعة الدول العربية بالقاهرة رقم ٧٤٣ فهرس التاريخ. وفاته: قال البخاري: "مات علي بن المديني ليومين بقيا من ذي القعدة سنة أربع وثلاثين ومائتين". وقال الحارث بن أبي أسامة وغير واحد: "مات بسر من رأى في ذي القعدة"، وكانت وفاته في يوم الاثنين كما في التاريخ الكبير للبخاري. ممن ترجم له: ١- ترجم له الحافظ الذهبي في العبر ١-٤١٨ والميزان ٣-١٣٨ وتذكرة الحفاظ ٢-١٥. ٢- وابن حر العسقلاني في التقريب ٢-٣٩ وتهذيب التهذيب ٧-٣٤٩ ٣- البخاري في التاريخ الكبير ٢-٣-٢٨٤ ٤- الخطيب البغدادي في تاريخ بغداد ١١-٤٥٨ ٥- الخزرجي في خلاصة تذهيب الكمال ١٣٣ ٦- ابن القيسراني في الجمع بين رجال الصحيحين ٣٥٦ ٧- ابن العماد في شذرات الذهب ٢-٨١ ٨- السمعاني في الأنساب ٥١٦ مخطوط ٩- ابن الأثير في اللباب ٣-١١٥ ١٠- ابن أبي يعلى في طبقات الحنابلة ١-٢٢٥ ١١- العليمي في المنهج الأحمد ١-٩٧ ١٢- أبو إسحاق الشيرازي في طبقات الفقهاء ١٠٣ ١٣- ابن السبكي في طبقات الشافعية ١-٢٦٦ ١٤- النووي في تهذيب الأسماء واللغات ١-٣٥٠

стр. 2816

١٥- ابن أبي حاتم في الجرح والتعديل ١-٣-١٩٣ وفي مقدمته ٣١٩

стр. 2817

أخبار الجامعة للإشراف الاجتماعي بالجامعة نشاطات ملموسة من حيث تنظيم الاجتماعات واللقاءات الخيرة بين مختلف الجنسيات بالجامعة. هذا ويبذل المشرف الأستاذ عبد الله قادري جهودا موفقة في هذا المضمار. هذا وقد عقدت في الأشهر المنصرمة ثلاث ندوات نوقش فيها ما يلي: ١- حث الطلاب على التآخي. ٢- إقامة ندوة خاصة بالتعارف، وذلك ليتسنى للطلاب معرفة إخوانهم المستجدين. ٣- معرفة المذاهب الهدامة التي تحاك ضد الإسلام. ٤- التعرف على مشاكل الطلاب السكنية ووضع حل لها. ٥- اقتراحات الطلاب. وقد قام الطلاب بعدة رحلات تحت مراقبة وإشراف المشرف الاجتماعي بالجامعة. * وصل للمدينة المنورة قادما من نيجيريا فضيلة الشيخ عمر محمد مساعد الأمين العام للجامعة الإسلامية، والمدرس في المسجد النبوي الشريف وذلك بعد أن اشترك مع مندوب دار الإفتاء الشيخ محمد بن إبراهيم بن قعود مدير قسم نشر الدعوة والإرشاد في تفقد أحوال المدارس في نيجيريا لمعرفة مدى تمشي مناهجها مع مناهج الجامعة ليتم قبول الطلاب على ضوء ذلك. هذا وقد اتصل المندوبان بالجمعيات الإسلامية والهيئات الدينية لمعرفة نشاطها ومتطلباتها، وقد استغرقت المهمة حوالي ثلاثة شهور، وهذا مثل تضربه حكومة جلالة الملك وعلى رأسها الفيصل في تفقد أحوال المسلمين والاهتمام بأمورهم. * زار الجامعة الإسلامية فضيلة الشيخ ضياء الدين بن خان مدير الإدارة الدينية ورئس المسلمين في الاتحاد السوفياتي قادما من القاهرة بعد أن اشترك في مؤتمر مجمع البحوث الذي عقد في القاهرة في الآونة الأخيرة، يرافقه كل من مدير العلاقات الخارجية بالإدارة الدينية ورئيس تحرير مجلة (المسلمون) هناك. وقد قام الوفد بزيارة لكليات الجامعة ومنشآتها، واجتمع مع فضيلة رئيس الجامعة الشيخ عبد العزيز بن باز والأمين المساعد.

стр. 2818

هذا وفي ختام الزيارة قدمت الجامعة للوفد بعض الكتب والمناهج المجلات هدية منها. * عقد مجلس الجامعة الموقر أولى جلساته مساء الأحد ١٦-٨-١٣٩٢ هـ بعد إجازة دامت حوالي شهرين، وقد بحث المجلس عدة مواضيع هامة. * في صبيحة يوم السبت الموافق ٢٩-٨-١٣٩٢ هـ قام سمو ولي العهد ووزير الدفاع في دولة البحرين الشقيقة بزيارة للجامعة الإسلامية بالمدينة، وكان في استقبال سموه ومرافقيه صاحب الفضيلة الشيخ عبد العزيز بن باز رئيس الجامعة الإسلامية وكبار المسئولين في الجامعة، وبعد تناول المرطبات والقهوة العربية في مكتب سماحة رئيس الجامعة اتجه سموه ومرافقوه إلى كلية الشريعة بالجامعة حيث اطلع سموه عن كثب على سير الدراسة في هذه الكلية، واستمع إلى بعض المحاضرات التي ألقاها بعض كبار مدرسي الجامعة. هذا وفي ختام زيارة الضيف قدمت الجامعة لسموه بعض الكتب القيمة هدية منها لسموه الكريم. * الشركة المسئولة عن سفلتة شوارع الجامعة الإسلامية تعمل هذه الأيام بجد ونشاط، ومن المتوقع إن شاء الله أن السفلتة ستتم قبل موسم حج هذا العام. * المشرف الاجتماعي، والمشرف الرياضي بالجامعة الإسلامية يقومان في هذه الأيام بنشاطات ملموسة مع بداية العام الدراسي الجديد. وقد نظمت الندوات والاجتماعات، وكذلك جرت بعض المباريات في السباق وغيره. * باشر يوم الاثنين ٩-٩-١٣٩٢ فضيلة الأمين العام للجامعة الشيخ محمد ناصر العبودي عمله بالجامعة الإسلامية بعد إجازة دامت قرابة شهر قام خلالها بجولة في العديد من العواصم العربية، وذلك لوضع الترتيبات اللازمة لاجتماع المجلس التنفيذي لجمعية الجامعات الإسلامية بالمدينة المنورة قبل موسم هذا الحج ١٣٩٢هـ. هذا ومما تجدر الإشارة إليه أن المجلس المذكور سيشارك فيه ممثلون عن أكثر من عشر من الجامعات والكليات الإسلامية.

стр. 2819

* وجه سماحة رئيس الجامعة الإسلامية الشيخ عبد العزيز بن باز الدعوة إلى أعضاء المجلس التنفيذي لجمعية الجامعات الإسلامية لحضور الدورة الثالثة التي ستعقد بمقر الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة ومن الجدير بالذكر أن جدول أعمال هذا المؤتمر قد أرسل للسادة أعضاء المجلس قبل عقد المؤتمر بمدة كافية وذلك ليتسنى لهم إبداء رأيهم في إضافة شيء لهذا الجدول. هذا ومن المقرر أن يقوم أعضاء المجلس بزيارة للجامعات والكليات الجامعية في مدن المملكة وفقا لمنهج معد للزيارة المذكورة وجرى اتخاذ الترتيبات اللازمة لذلك مسبقا. ومما تجدر الإشارة إليه أن فضيلته يزمع هذه الأيام دفع بعض مؤلفاته إلى المطابع. * عقدت لجنة توزيع الكتب في الجامعة أولى جلساتها برئاسة فضيلة الأمين العام المساعد وعضوية كل من: مساعد الأمين العام لشئون التعليم، ومدير العلاقات العامة ورئيس التحريرات. * اجتمع فضيلة الأمين العام للجامعة الإسلامية الشيخ محمد بن ناصر العبودي بمكتبه مع كل من مساعده الشيخ عمر محمد، ومدير العلاقات بالجامعة الأستاذ أحمد عبد الحميد عباس. * اجتمع بمقر دار الحديث التابعة للجامعة مجلس الجامعة وذلك قبل سفر سماحة الرئيس. هذا وقد بحث المجلس عدة مواضيع هامة. * من المتوقع أن تبدأ إجازة آخر شهر رمضان وعيد الفطر بالنسبة للمدرسين والطلاب يوم السبت ٢١ رمضان، وذلك ليتسنى للطلاب الغير سعوديين زيارة أهاليهم وذويهم خارج المملكة. * اجتمع فضيلة الأمين العام للجامعة الإسلامية يوم أمس الأول في مكتبه مع كل من مساعد الأمين العام، ومدير الشئون المالية ومدير شئون الموظفين بالجامعة وذلك لدراسة بعض الموضوعات الهامة ثم اجتمعت لجنة الترقيات في الجامعة التي اتخذت محضرا بترشيح بعض الموظفين.

стр. 2820

* بمناسبة قرب الإجازة بالنسبة للطلاب والمدرسين فقد اجتمع كل من مجلس كلية الشريعة برئاسة فضيلة عميدها وكذلك مجلس كلية الدعوة برئاسة فضيلة عميدها وذلك لدراسة بعض الأمور المتعلقة بالكليتين وبما يكفل استمرار سير الدراسة بها.

стр. 2821

يستفتونك يتولى الرد على أسئلة القراء سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز رئيس الجامعة الإسلامية س ١ – إذا صلى الإمام الصلاة وقام ولم يتشهد التشهد الأول ونبه ولم يرجع وعندما سلم من الصلاة نبه وسلم ولم يسجد وبعد السلام قال له بعض المأمومين لمَ لم تسجد فقال ذهب محله فماذا عليه هل عليه الإعادة لأنه ترك واجبا عمدا، وإذا كان جاهلا والمأمومون يجهلون الحكم فماذا عليهم أفتونا مأجورين؟. ج ١ – التشهد الأول إذا تعمد المصلي تركه بطلت صلاته في أصح قولي العلماء إذا كان عالما بالحكم ذاكرا فإن كان جاهلا فلا شيء عليه وإن تركه ناسيا وجب عليه السجود للسهو فإن تعمد تركه بطلت صلاته أما إذا نسي وسلم قبل أن يسجد ثم نبه أو ذكر فإنه يجب عليه أن يسجد بعد السلام للسهو ثم يسلم كالحال وسجود السهو الذي محله بعد السلام فإن لم يفعل فقد اختلف في بطلان الصلاة بذلك أي بترك سجود السهو بعد السلام سواء كان محله بعد السلام أو قبله فنسيه فصار بعد السلام. قال أبو محمد ابن قدامة ﵀ في المغني: "فإن ترك الواجب عمدا فإن كان قبل السلام بطلت صلاته لأنه أخل بواجب في الصلاة عمدا، وإن ترك الواجب بعد السلام لم تبطل صلاته لأنه جبر للعبادة خارج منها فلم تبطل بتركه كجبرانات الحج، وسواء كان محله بعد السلام أو قبله فنسيه فصار بعد السلام"وقد نقل عن أحمد ما يدل على بطلان الصلاة ونقل عنه التوقف انتهى المقصود.

стр. 2822

وبهذا يعلم أن الصواب صحة الصلاة وعدم وجوب الإعادة على الجميع إلا إذا كان الإمام قد تعمد الترك لما يشرع الإتيان به قبل السلام مع العلم بالحكم الشرعي فإنها تلزمه الإعادة لكونه ترك واجبا بدون عذر شرعي، أما المأموم فعليه أن يسجد للسهو إذا لم يسجد إمامه بعد السلام في قول الأكثرين كما في المغني لأن السهو ينقص صلاة الجميع فإذا لم يسجد الإمام لجبران النقص الحاصل بالسهو وجب على المأمومين السجود سواء سجدوا فرادى أو عينوا من يؤمهم في ذلك لأن الإمام لما امتنع من الواجب انقطعت تبعيتهم له ووجب عليهم الاستقلال بأداء الواجب كما لو سلم عن نقص ونبهوه فلم يرجع للصواب فإنه يلزمهم أن يكملوا صلاتهم فرادى أو بإمام منهم لوجوب تكميل الصلاة على الجميع، فلما امتنع منه الإمام انقطعت تبعيتهم له فإن لم يسجدوا لم تبطل صلاتهم لأنه واجب خارج الصلاة فلم تبطل الصلاة بتركه كالأذان والإقامة وكجبرانات الحج والله أعلم. س٢ – إذا صلى الإمام بعض الصلاة ثم قطع الصلاة وقام محله آخر وأتم الصلاة بغير استخلاف وبعد انقضاء الصلاة حصل عند المأمومين تشويش هل استخلف أم لا؟ وبعضهم سأل الإمام الآخر هل استخلفك الإمام قال لا فهل يلزم المأمومين إعادة الصلاة؟ وهل يلزم البحث إذا كانوا لم يعلموا الحال؟ وهل في المسألة أقوال لأن بعض طلبة العلم أفتى بصحة الصلاة وبعضهم ببطلانها؟.

стр. 2823

ج٢- إذا قدم الإمام رجلا من المأمومين عند احتياجه إلى قطع الصلاة جاز في أظهر أقوال أهل العلم. وقد روي عن عمر وعلي ﵄ وفعله عمر ﵁ لما طعن وهو في الصلاة فإنه قدم عبد الرحمن بن عوف ﵁ ليتم الصلاة والقصة في صحيح البخاري وكذا لو قدم المأمومون أحدهم إذا كانوا قلة أو قدمه بعضهم إذا كانوا كثيرا وكذا لو تقدم أحدهم أتم الصلاة دون أن يقدمه أحد. قال أبو محمد بن قدامة ﵀ في المغني بعد أن استدل للرأي الراجح وهو جواز الاستخلاف: "إذا ثبت هذا فإن للإمام أن يستخلف من يتم بهم الصلاة كما فعل عمر ﵁، وإن لم يستخلف فقدم المأمومون منهم رجلا فأتم بهم جاز، وإن صلوا وحدانا جاز قال الزهري في إمام ينوبه الدم أو يرعف أو يجد مذيا: "ينصرف وليقل أتموا صلاتكم" انتهى. ولا شك أن تقدم أحد المأمومين ليتم بهم الصلاة أولى من إتمامهم الصلاة فرادى وليس الاستخلاف من الإمام ولا من المأمومين شرطا في صحة الصلاة بعد خروج الإمام منها فإنه لو تقدم أحد الجماعة عند إقامة الصلاة وصلى بهم دون أن يقدمه أحد منهم فإن صلاته وصلاتهم وراءه صحيحة فكذا لو تقدم في اثناء الصلاة ليتم الصلاة بعد خروج الإمام وإن لم يقدمه أحد لأن تقدمه يتضمن نية الإمامة ومتابعتهم له تتضمن قصدهم الإتمام به، ولأن الصلاة جماعة مطلوبة شرعا فما كان محققا لها أولى من عدمه والله ولي التوفيق. س ٣ – إذا كان عند رجل رأس مال يتجر به ويستدين من هذا ويأخذ من هذا حتى يصفى التجارة فإذا حال عليه الحول هل يلزمه أن يزكي جميع ما عنده أو يحسب ما عليه من الدين ويزكي الباقي وما هو الراجح لديكم من أقوال العلماء؟.

стр. 2824

ج ٣ – اختلف العلماء في كون الدين مانعا من وجوب الزكاة على أقوال أحدها أن الأموال الباطنة كالنقدين وعروض التجارة لا تجب فيها الزكاة إذا كان الدين ينقصها عن النصاب لأن الزكاة شرعت للمواساة ومن عليه دين ينقص النصاب أو يستغرقه لا يوصف بالغنى بل هو أهل لدفع الزكاة إليه، أما الأموال الظاهرة كالمواشي والثمار فإنه لما كان المنقول عن الرسول ﷺ وخلفائه ﵃ إرسال السعاة لأخذ الزكاة منها دون أن يؤثر عنهم الاستفسار هل على أهلها ديون أم لا فإن الحكم فيها يختلف عن الأموال الباطنة، وبهذا قال مالك والأوزاعي وهو إحدى الروايتين عن الإمام أحمد في الأموال الظاهرة، والقول الثاني لا تجب فيها كالأموال الباطنة لما سبق، والقول الثالث تجب الزكاة في الجميع لما ذكرنا من الأدلة على وجوب الزكاة في الأموال الظاهرة ولو كان على أربابها دين ولأن الأدلة الدالة على وجوب الزكاة في الأموال الظاهرة والباطنة ليس فيها ما يدل على مراعاة الدين فوجب التعميم وهذا قول ربيعة بن أبي عبد الرحمن وحماد بن أبي سليمان والشافعي في الجديد وهو الصواب، وعلى هذا فمحل السؤال تجب فيه الزكاة عملا بعموم الأدلة وعدم المخصص الذي يحسن الاعتماد عليه والله أعلم. س٤ – إذا بيعت الصبرة من الطعام كل صاع بريال وزيادة على جميع الصبرة عشرة أريلة مثلا والصبرة مجهولة فهل هذا يكون من بيع المجهول أولا؟ وإذا كان الناس يتعاملون بمثل ذلك فهل ينهون عنه أم لا؟.

стр. 2825

ج٤- إذا بيعت الصبرة من الطعام كل صاع بريال وزيادة على جميع الصبرة عشر أريل مثلا والصبرة مجهولة فإن البيع صحيح وليس من بيع المجهول الذي لا يجوز لأن البيع معلوم بالمشاهدة والثمن في حكم المعلوم ويدل لذلك أن عليا ﵁ أجر نفسه من امرأة على أن يمتح لها من بئر كل ذنوب بتمرة فمتح ست عشرة ذنوبا فعدت له ست عشرة تمرة فجاء إلى النبي ﷺ فأخبره فأكل منها والحديث أخرجه أحمد وقال فيه الشوكاني في نيل الأوطار "جود الحافظ – يعني ابن حجر – إسناده"وأخرجه ابن ماجة بسند صححه ابن السكن انتهى، وبجواز بيع الصبرة كل قفيز بدرهم قال الأئمة أحمد ومالك والشافعي وأبو يوسف ومحمد صاحب أبي حنيفة ﵏ ولأن الأصل في المعاملات الصحة فلا يبطل منها إلا ما قام الدليل على بطلانه وهذه المعاملة ليس فيها غرر ولا ما يقتضي بطلانها فوجب أن تكون صحيحة والله ولي التوفيق. س٥ – إذا أراد رجل أن يستدين من آخر هل يجوز له أن يقول بعني العشرة باثني عشر؟ وهل يجوز أن يتفقا على مبلغ معلوم والسلعة ليست موجودة لدى التاجر؟ وما معنى حديث حكيم ابن حزام "ولا تبع ما ليس عندك"؟.

стр. 2826

ج٥- قول من يريد الاستدانة للدائن، بعني العشرة باثني عشرة معناه، بعني السلعة التي تساوي عشرة حالة باثني عشر مؤجلة ومثل هذا القول بهذا المعنى لا بأس به لأن العبرة بالمعاني، والبيع بثمن مؤجل أزيد مما تباع به السلعة نقدا جائز عند الجمهور والأدلة الدالة على حل البيع تشمله ويدل له أيضا قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمّىً فَاكْتُبُوهُ﴾ فإنه شامل لما كان فيه الثمن مساويا للبيع نقدا وما كان زائدا عنه ويدل عليه أيضا ما خرجه الحاكم والبيهقي ورجاله ثقات عن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ أن النبي ﷺ أمره أن يجهز جيشا فنفدت الإبل فأمره أن يأخذ على قلائص الصدقة قال: "فكنت آخذ البعير بالبعيرين إلى إبل الصدقة"ذكره الحافظ في بلوغ المرام وهو صريح في هذه المسألة وقد ألف في جواز ذلك العلامة الشوكاني ﵀ رسالة ذكرها في كتابه نيل الأوطار. وإذا كانت السلعة ليست في ملك الدائن أو في ملكه وهو عاجز عن التسليم فليس له أن يبرم عقد البيع مع المشتري وإنما لهما أن يتواطآ على السعر ولا يتم بينهما بيع حتى تكون السلعة في حوزة البائع لحديث زيد بن ثابت ﵁ قال نهى رسول الله ﷺ أن تباع السلع حيث تبتاع حتى يحوزها التجار إلى رحالهم خرجه أحمد وأبو داود وصححه ابن حبان والحاكم، قال ابن القيم في تهذيب السنن في شرح حديث حكيم بن حزام ﵁ "لا تبع ما ليس عندك" وقال: (وبيع ما ليس عنده إنما نهى عنه لكونه غير مضمون عليه ولا ثابت في ذمته ولا في يده فالمبيع لابد أن يكون ثابتا في ذمة البائع أو في يده وبيع ما ليس عنده ليس بواحد منهما فالحديث باقي على عمومه هذا بعض كلامه في تهذيب السنن وانظر إيضاح معنى الحديث أيضا في زاد المعاد لاين القيم وإعلام الموقعين له أيضا.

стр. 2827

س٦ – إذا اشترى شخص من آخر طعاما إلى أجل فهل يجوز له بيعه قبل قبضه وما هو القبض الشرعي الذي جاء الحديث بالنهي عن البيع قبله وهل إذا اشترى منه سلعا من طعام أو غيره وعدها وهي في محل التاجر هل هذا يعتبر حيازة شرعية وقد أفتى بعض طلبة العلم بجواز ذلك فهل له حجة شرعية أم لا وقد أصبح كثير من الناس يتعاطون ذلك وربما تباع السلعة عدة مرات وهي في محل التاجر الأول خصوصا إذا كان سكرا أو أرزا أفتونا مأجورين ووضحوا ذلك أثابكم الله.

стр. 2828

ج٦ – إذا اشترى شخص من آخر طعاما أو سلعة أخرى بثمن حال أو مؤجل فلا يجوز له بيعه قبل قبضة وذلك بحيازته إلى منزله أو متجره أو غير ذلك ولا يكفي في القبض عدها وإبقاؤها في محلها دون حيازتها ومن الأدلة على ذلك ما ثبت في الصحيحين وغيرهما عن النبي ﷺ أنه نهى عن بيع الطعام حتى يستوفا وفي لفظ حتى يقبض وحديث عبد الله بن عمر ﵄ عند مسلم، كنا نبتاع الطعام جزافا، فيبعث إلينا رسول الله ﷺ من يأمرنا بانتقاله من المكان الذي ابتعناه فيه إلى مكان سواه قبل أن نبيعه، وحديثه في الصحيحين وغيرهما قال: "كانوا يتبايعون الطعام جزافا فنهى رسول الله ﷺ أن يبيعوه حتى ينقلوه"وحديثه فيهما أيضا قال: "رأيت الناس في عهد رسول الله ﷺ يتبايعون جزافا يعني الطعام يضربون أن يبيعوه في مكانهم حتى يؤووه إلى رحالهم" وحديثه في سنن أبي داود والدارقطني والمستدرك وصحيح ابن حبان قال: ابتعت زيتا في السوق فلما استوجبته لقيني رجل فأعطاني به ربحا حسنا فأردت أن أضرب على يده، فأخذ رجل من خلفي بذراعي فالتفت فإذا هو زيد بن ثابت فقال: "لا تبعه حيث ابتعته حتى تحوزه إلى رحلك فإن رسول الله ﷺ نهى أن تباع السلع حيث تبتاع حتى يحوزها التجار إلى رحالهم"، والحديث في إسناده محمد ابن إسحاق قال ابن القيم بعد أن ذكر الحديث مستدلا به على تعميم الحكم في الطعام وغيره، وإن كان فيه محمد بن إسحاق فهو الثقة الصدوق انتهى، وقال عنه الحافظ المنذري في الترغيب والترهيب، أحد الأئمة الأعلام حديثه حسن، وقال الحافظ في الفتح، ما ينفرد به محمد بن إسحاق وإن لم يبلغ درجة الصحيح فهو في درجة الحسن إذا صرح بالتحديث وإنما يصحح له من لا يفرق بين الصحيح والحسن ويجعل كل ما يصلح للحجة صحيحا وهذه طريقة ابن حبان ومن ذكره معه.

стр. 2829

وقال شمس الحق العظيم آبادي في تعليقه على سنن الدارقطني، الحديث أخرجه أبو داود بإسناد صرح فيه ابن إسحاق بالتحديث وابن حبان في صحيحه والحاكم في المستدرك وصححه وقال في التنقيح وسنده جيد فإن ابن إسحاق صرح بالتحديث انتهى، قلت قول الشيخ شمس الحق أن ابن إسحاق صرح في رواية أبي داود بالسماع فيه نظر فقد راجعت السنن فلم أجده صرح بالسماع فلعل ذلك وقع في نسخة الشيخ شمس الحق ولكن رواه الإمام أحمد في المسند من طريق ابن إسحاق مختصرا وصرح بالسماع فالحديث جيد وصريح في الموضوع، على أن السلع أيا كانت لا يجوز بيعها قبل حيازتها ومثله في إفادة العموم حديث حكيم بن حزام عند البيهقي بسند جيد قال قلت يارسول الله إني ابتاع هذه البيوع فما يحل لي منها وما يحرم قال: "يابن أخي لا تبع شيئا حتى تقبضه" ومما يدل على أن الحكم عام في الطعام وغيره حديث ابن عباس ﵄ في الصحيحين وغيرهما أن النبي ﷺ قال: "من ابتاع طعاما فلا يبعه حتى يستوفيه" قال ابن عباس ولا أحسب كل شيء إلا مثله، وقد حكى الخطابي في معالم السنن وابن المنذر كما عزا إليه ابن القيم في تهذيب السنن الإجماع على عدم جواز بيع الطعام قبل قبضه أما غير الطعام فقد حكى الخطابي وكذا ابن القيم للعلماء فيه أربعة أقوال رجح ابن القيم منها القول بتعميم حكم المنع في الطعام وغيره لحديث حكيم بن حزام وزيد بن ثابت الدالين على ذلك وقال إن النهي معلل بعدم تمام الاستيلاء وعدم انقطاع علاقة البائع عنه فإنه يطمع في الفسخ والامتناع من الإقباض إذا رأى المشتري قد ربح فيه ويغره الربح وتضيق عينه منه وربما أفضى إلى التحيل على الفسخ ولو ظلما والى الخصام والمعاداة والواقع شاهد بهذا فمن محاسن الشريعة الكاملة الحكيمة منع المشتري من التصرف فيه حتى يتم استيلاؤه عليه إلى آخر كلامه ﵀ وما تمسك به القائلون بالتفريق بين الطعام وغيره من أن التنصيص على المنع

стр. 2830

جاء في الطعام في أغلب الأحاديث لا يفيد حصر الحكم عليه بل ذلك مع ما ورد في تعميم الحكم يدخل تحت القاعدة المشهورة وهي أن إثبات حكم العام لبعض أفراده لا يفيد قصره عليه والله أعلم، ويؤيد ذلك كما قال العلامة ابن القيم ﵀ أن المنع إذا جاء في الطعام مع شدة الحاجة إليه فمنعه في غير الطعام من باب أولى، أما إذا كان الطعام أو غيره بيع بالكيل أو الوزن فإن قبضه يكون باكتياله أو وزنه لما رواه مسلم في صحيحه عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: "من اشترى طعاما فلا يبعه حتى يكتاله" انتهى، والمبيع بالوزن في معنى المبيع بالكيل ولكن الأحوط والأكمل أن لا يتصرف المشتري فيما اشتراه بالكيل أو الوزن حتى ينقله إلى رحله لعموم الأحاديث الصحيحة الكثيرة المخرجة في الصحيحين وغيرهما المضمنة نهى النبي ﷺ عن بيع الطعام حتى يقبض، ولا شك أن القبض الكامل إنما يكون بالنقل والحيازة لا بمجرد الكيل والوزن والله أعلم وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه.

стр. 2831

أضواء من التفسير لفضيلة الشيخ عبد القادر شيبة الحمد المدرس بكلية الشريعة قال تعالى: ﴿وَهَلْ أَتَاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرَابَ, إِذْ دَخَلُوا عَلَى دَاوُدَ فَفَزِعَ مِنْهُمْ قَالُوا لا تَخَفْ خَصْمَانِ بَغَى بَعْضُنَا عَلَى بَعْضٍ فَاحْكُمْ بَيْنَنَا بِالْحَقِّ وَلا تُشْطِطْ وَاهْدِنَا إِلَى سَوَاءِ الصِّرَاطِ، إِنَّ هَذَا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً وَلِيَ نَعْجَةٌ وَاحِدَةٌ فَقَالَ أَكْفِلْنِيهَا وَعَزَّنِي فِي الْخِطَابِ, قَالَ لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ إِلَى نِعَاجِهِ وَإِنَّ كَثِيراً مِنَ الْخُلَطَاءِ لَيَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ إِلا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَقَلِيلٌ مَا هُمْ وَظَنَّ دَاوُدُ أَنَّمَا فَتَنَّاهُ فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ رَاكِعاً وَأَنَابَ. فَغَفَرْنَا لَهُ ذَلِكَ وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنَا لَزُلْفَى وَحُسْنَ مَآبٍ﴾ . المناسبة: بعد أن عرف بصاحب القصة ووصفه في الآيات السابقة وأثنى عليه ذكر القصة التي سبقت الآيات السابقة تمهيدا لها. القراءة: قرئ ﴿لا تُشْطِطْ﴾ بضم التاء وكسر الطاء الأولى، وقرئ ﴿تَشْطُطْ﴾ بفتح التاء وضم الطاء الأولى، وقرئ ﴿وَعَزَّنِي﴾ – بتشديد الزاي. وقرئ ﴿وعَازَّنِي﴾ بألف بعد العين وتشديد الزاي. وقرء ﴿لَيَبْغِي﴾ بسكون الياء التي بعد الغين، وقرئ: ﴿ليبغيَ﴾ – بفتح الياء الأخيرة – وقرئ: ﴿ليَبغِ﴾ – بحذف الياء – وقرئ: ﴿فَتَنَّاهُ﴾ – بفتح الفاء والتاء وتشديد النون – وقرئ – بفتح الفاء والتاء والنون الخفيفة – وقرئ: ﴿فتَّناه﴾ – بتشديد التاء – وقرئ: ﴿حُسْنَ﴾ – بالنصب – وقرئ: ﴿حُسْنُ﴾ وقرئ: بالرفع. المفردات:

стр. 2832

أتاك: جاءك. نبأ: خبر. الخصم: هو في الأصل مصدر خصم بمعنى خاصم وأصل المخاصمة على ما قال الراغب: أن يتعلق كل واحد بخصم الآخر أي بجانبه، ولذا يستعمل الخصم للواحد والمثنى والجمع والمذكر والمؤنث، والمراد هنا الجمع ﴿تَسَوَّرُوا﴾ يقال: تسور السور أو الحائط تسنمه وعلا ذروته والسور الجدار المرتفع. والمحراب: البيت المرتفع أو القصر الشامخ أو مكان العبادة، ويقول الذين يفسرون المحراب بالقصر أنه سمي بذلك لأنه يحارب من أجله. وأما المحاريب المعروفة الآن بما يدخل في الحائط على سمت القبلة ليتبين الناس منها جهة القبلة فيقول المفسرون: أنها شيء لم يكن قد عرف في الصدر الأول، فزع: ذعر وفرق. خصمان: فريقان متخاصمان. بغى: تعدى وجار. فاحكم: فافصل. بالحق: بالعدل. ولا تشطط – بضم التاء – من اشطط يشطط اشطاطا إذا تجاوز الحد والمعنى: ولا تجر. قال أبو عبيدة: شططت في الحكم وأشططت إذا جرت. فهذا مما اتفق فيه فعل وأفعل، وأما من قرأ: تشطط – بفتح التاء وضم الطاء الأولى – فهو من شط بمعنى أشط. كما قال أبو عبيدة: واهدنا: وأرشدنا. سواء الصراط: وسط الطريق والمراد طريق الحق ونهج العدل. أخي: أي في الدين أو في الصحبة أو في الشركة والخلطة. نعجة: شاة، وهي الأنثى من الضأن وبقر الوحش والمراد بها هنا أنثى الضان. أكفلنيها: أعطنيها وضمها إلي حتى أكفلها وأرعاها. وعزني: وغلبني. ومنه قول الشاعر: تجاذبه وقد علق الجناح قطاة عزها شرك فباتت ومن قرأ وعازني، فالمعنى وغالبني. الخطاب: الكلام. ظلمك: تعدى عليك. بسؤال نعجتك إلى نعاجه: أي إضافة شاتك إلى شائه على سبيل السؤال. الخلطاء: الشركاء الذين خلطوا أموالهم وما شيتهم. ليبغي: ليتعدى. وظن: وقام بنفسه ورجح في خاطره. فتناه: بلوناه واختبرناه وأوقعناه في الفتنة. فاستغفر: فطلب المغفرة. خر: هوى إلى الأرض. راكعا: أي ساجدا كما قال الشاعر: وتاب إلى الله من كل ذنب

стр. 2833

فخر على وجهه راكعا وأناب: ورجع إلى ربه . غفرنا: سترنا ومحونا. لزلفى: درجة عالية ومنزلة رفيعة. وحسن مآب: وجميل مرجع. التراكيب: قوله تعالى: ﴿وَهَلْ أَتَاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ﴾ الواو قيل للعطف على إنا سخرنا من قبيل عطف القصة على القصة وقيل على اذكر، ويجوز أن تكون للاستئناف فبعد أن أثنى على داود استأنف ذكر قصته. وهل للاستفهام المقصود به التشويق إلى ما بعده لكونه أمرا بديعا عجيبا غريبا وقوله: ﴿إِذْ تَسَوَّرُوا﴾ إذ ظرف لمحذوف تقديره نبأ تخاصم وتحاكم الخصم إذ تسوروا. قال أبو حيان وغيره: وليس ظرفا لأتاك لأن اتيان النبأ رسول الله ﷺ لا يقع إلا في عهده لا في عهد داود وليس ظرفا للنبأ لأن النبأ واقع في عهد داود لا في عهده ﷺ وإن أريد بالنبأ القصة في نفسها لم يكن ناصبا فتعين أن يكون ظرفا لمحذوف.

стр. 2834

وقوله: ﴿إِذْ دَخَلُوا﴾ إذ بدل من إذ الأولى أو ظرف لتسوروا. والفاء في ﴿فَفَزِعَ﴾ للسببية. وقوله: ﴿قَالُوا لا تَخَفْ﴾ استئناف بياني نشأ عن سؤال مقدر مرتب على فزعه ﵇ كأنه قيل: فماذا قال الخصم عند مشاهدتهم لفزعه؟ فقيل: قالوا: لا تخف. وقوله ﴿خَصْمَانِ﴾ يحتمل أن يكون هذا موصولا بقوله: ﴿لا تَخَفْ﴾ مبادرة بإخباره ﵇ بما أتيا من أجله، ويحتمل أن يكون سألهم: ما شأنكم؟ فقالوا: خصمان. وخصمان خبر لمبتدأ محذوف أي نحن خصمان وجملة بغى بعضنا على بعض في موضع رفع صفة لخصمان، وقد ثنى هنا باعتبار الفوج والفريق، وجمع في قوله ﴿قَالُوا﴾ لملاحظة أفراد الفريقين. والفاء في قوله ﴿فَاحْكُمْ بَيْنَنَا﴾ فصيحة وقوله ﴿وَلا تُشْطِطْ﴾ تأكيد لمعنى الجملة قبله، وكذلك قوله: ﴿وَاهْدِنَا إِلَى سَوَاءِ الصِّرَاطِ﴾ . وقوله: ﴿إِنَّ هَذَا أَخِي﴾ استئناف لبيان ما فيه الخصومة. وقوله: ﴿أَخِي﴾ يجوز أن يكون بدلا أو عطف بيان أو خبرا لأن. وقوله تعالى: ﴿لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ إِلَى نِعَاجِهِ﴾ جواب قسم محذوف جيء به لقصد المبالغة في إنكار فعل المدعى عليه وتهجين طمعه في نعجة ليس لصاحبها سواها مع أن له قطيعا من الغنم. والسؤال مصدر مضاف لمفعوله، وإنما عدي إلى نعاجه بإلى لأنه متضمن لمعنى الضم والإضافة وقوله: ﴿لَيَبْغِي﴾ بسكون الياء الأخيرة في محل رفع خبر إن واللام للتوكيد وأما على قراءة فتح الياء الأخيرة فقد خرجت على تقدير حذف النون الخفيفة وأصله ليبغين على حد قول طرفة بن العبد. ضربك بالسيف قونس الفرس اضرب عنك الهموم طارقها يعني اضربن. ويكون الكلام حينئذ على تقدير قسم محذوف وهو وجوابه خبر لأن. وأما قراءة ليبغ فإنها بحذف الياء للتخفيف على حد قوله: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَسْرِ﴾ ومنه قول الشاعر: إذا ما خفت من أمر تبالا محمد تفد نفسك كل نفس

стр. 2835

وقوله: ﴿إِلا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ استثناء من الجنس والمستثنى منه بعضهم. وقوله: ﴿وَقَلِيلٌ مَا هُمْ﴾ ، الجملة اعتراضية، تذييلية للتأسف على قلة المؤمنين والتعجب من هذه القلة. وقليل خبر مقدم وما صلة لإفادة التعجب وهم مبتدأ مؤخر وإنما أفادت التعجب لأن الشيء إذا بولغ فيه بإبهامه كان مظنة للتعجب منه قيل: ما أقلهم. وما في قوله: ﴿أَنَّمَا فَتَنَّاهُ﴾ هي الكافة وهي التي تهيئ إن وأخواتها للدخول على الأفعال فهي صلة والمعنى وظن داود أنا فتناه. والفاعل على قراءة تشديد النون هو الله تعالى، وعلى قراءة التخفيف هو الخصمان. والفاء في قوله: ﴿فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ﴾ لإفادة مسارعته ﵇ إلى التوبة وتعقيب الفتنة بالاستغفار، ﴿رَاكِعاً﴾ حال مقدرة. و ﴿ذَلِكَ﴾ مفعول غفرنا وقيل خبر لمبتدأ محذوف أي الأمر ذلك. والإشارة إلى ما فتن به. و ﴿وَحُسْنَ مَآبٍ﴾ على قراءة النصب بالعطف على اسم إن وبالرفع مبتدأ والخبر محذوف تقديره له. المعنى الإجمالي: وهل جاءك يا محمد خبر تخاصم وتحاكم المتخاصمين إذ تسنموا حائط قصر داود ﵇ وقت أن أرادوا الدخول عليه، لقد أخافه دخولهم على هذه الصورة الغريبة، فلما رأوه ذعر منهم طمأنوه بقولهم له: لا تخف أيها الملك: نحن فريقان متخاصمان تعدى بعضنا على بعض فافصل بيننا بالعدل ولا تجر في حكمك، وأرشدنا إلى طريق الحق ومنهج العدل. ثم تقدم إليه المظلوم وقال – مشيرا إلى من ظلمه – إن هذا شريكي له تسع وتسعون شاة ولي شاة واحدة فطلب مني أن يكفلها وقهرني في طلبه. فقال داود: لقد تجاوز حده، وتعدى عليك بسبب طلب ضم شاتك إلى شاءه، ثم وعظهم ﵇ فقال: "وإن كثيرا من الشركاء ليتعدى بعضهم على بعض إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وما أقلهم؟ "

стр. 2836

ولما خلا داود إلى نفسه أنبها على الفزع منهم ولامها على الخوف من الخلق، وقام بخاطره أنه فتن للفزع من البشر فطلب من ربه المغفرة وسقط إلى الأرض ساجدا، فتجاوزنا عن فزعه، وإن لداود عندنا لدرجة رفيعة ومنزلة عالية وجميل مرجع. هذا وقد ساق الله تعالى هذه القصة الكريمة لينبه نبيه محمدا ﷺ إلى أنه لا يفزع من كفار مكة الذين يتوعدونه ولا يخاف منهم ويقول له: اصبر على ما يقولون واذكر عبدنا داود التقي الصالح صاحب القوة في الدين الأواب إلى الله تعالى، الذي سخرنا الجبال معه يسبحن بالعشي والإشراق والطير محشورة كل له أواب وشددنا ملكه وآتيناه الحكمة وفصل الخطاب لما فزع عند دخول الخصمين عليه وتسورهما المحراب ظن أنه فتن وأنه قصر في حق سيده العظيم فاستغفر ربه وخر راكعا وأناب فلا تفزع ولا تخف.

стр. 2837

وقد ذكر جمهور المفسرين هنا قصة عجيبة غريبة نقلا عن اليهود لعنهم الله تعالى فقالوا إن داود كان في المحراب فوجد طائرا جميلا فمشى خلفه حتى صعد فوق المحراب فوجد امرأة أوريا تغتسل فأعجب بجمالها وأراد أن يضمها إليه فبعث زوجها أوريا إلى الحرب حتى قتل وأخذها لنفسه وكان له تسع وتسعون امرأة غيرها وليس لأوريا إلا هذه المرأة فقط فأرسل الله تعالى له ملكين في صورة متخاصمين وتسوروا المحراب على داود ففزع منهم فقالوا له: ﴿لا تَخَفْ خَصْمَانِ بَغَى بَعْضُنَا عَلَى بَعْضٍ﴾ إلى قوله: ﴿إِنَّ هَذَا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً وَلِيَ نَعْجَةٌ وَاحِدَةٌ﴾ – وقصدوا بالنعاج النساء – فقال: أكفلنيها وعزني في الخاطب فقال داود لقد ظلمك بسؤال نعجتك إلى نعاجه وإن رام ذلك ضربنا منه هذا وهذا وأشار إلى أنعه وأصل جبهته. فقال الملكان – وهما صاعدان إلى السماء – حكمت على نفسك، أنت تستحق أن يفعل بك ذلك، فأيقن أنه ابتلى بسبب امرأة أوريا واستغفر ربه وخر راكعا وأناب، وبكى بكاء مرا حتى خرج العشب من أثر دموعه وكان يسبح في سجوده الطويل المرير حتى تاب الله عليه. وهذه القصة لا أصل لها من الصحة بل هي مختلقة وباطلة لأنها لو صحت لجاز وقوع الكبائر من الأنبياء ﵈ مع أنهم معصومون من ذلك، فضلا عن أنه لو نسب إلى رجل من العوام لتبرأ منه فكيف يحدث من نبي عظيم كداود ﵊؟.

стр. 2838

حول الإعجاز العلمي للقرآن الكريم في العصر الحديث بقلم الشيخ محمد المهدي محمود المدرس بدار الحديث التابعة للجامعة الحمد لله الذي أنزل القرآن تبيانا لكل شيء، وهدى ورحمة وشفاء لما في الصدور، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، ورضي الله عن الصحابة والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين. . وبعد.. فقد سعدت الدنيا بالنور المنزل على المصطفى صلوات الله وسلامه عليه، فكانت رسالته رحمة عامة شاملة مباركة، رحمة في الدنيا والآخرة. رحمة في العقيدة، والتشريع، والقانون، والأخلاق، والنظام العام في الأسرة والمجتمع والشعوب. رحمة للفرد والجماعة. قال الله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ فسعدت البشرية التائهة في بيداء الظلم والضلال، واهتدت بنور خالق الأرض والسماء . ما أجمل الدنيا وقد سعدت بنور الله ﵎. لقد شهدت الإنسانية نورا عاما في مناحي الحياة منبعثا من كتاب الله نورا في العقيدة، وضياء في المعرفة الكونية، وهداية لأقوم السبل. بأسلوب معجز. يتحدى الناس جميعا في كل العصور على اختلاف ثقافتهم ومعارفهم وعلومهم. إن إعجاز القرآن عام في كل أنواع المعرفة. إن القرآن بحر لا ساحل له، وتقدم العلوم والمعارف، إنما يكشف لنا عن بعض ما في كتاب الحق ﵎ من معان تتحدى أساطين الكشف والاختراع. قال الله ﵎: ﴿قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَاداً لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَداً﴾ صدق الله العظيم.

стр. 2839

فالقرآن العظيم من أي ناحية ارتشفت من رحيقه وشهده وجدت الشفاء والهداية. وجدت الأعجاز العام الخالد الذي يتحدى الزمن. يقرؤه البليغ فيجد فيه الأعجاز البلاغي، ويقرؤه العالم الاجتماعي فيجد فيه أسباب سعادة المجتمع، ويقرؤه الطبيب فيخر ساجدا أما أسراره التي لا تقف عند حد، وهكذا كان القرآن الكريم المعجزة الخالدة. قال الحق ﵎: ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الأِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً﴾ وقد كشف العلم الحديث عن معنى بعض الآيات القرآنية، وكلما تقدمت العلوم كلما زاد اكتشاف جواهر القرآن، وأسراره وكنوزه، وسيأتي الوقت الذي يكون فيه العلماء الماديون أقرب الناس إلى الدين وإلى الإيمان بالله. ومن أجل أن نلقي بعض الضوء على موضوع الاعجاز العلمي للقرآن الكريم في العصر الحديث نحتاج إلى تقديم أمثلة ونماذج لكي نضع أمام القارئ الكريم صورة عن هذا الاتجاه من هذا البيان لتوضيح إعجاز القرآن. بيد أن الأمثلة لا يمكن أن نوفيها بعض حقها في مقالة واحدة فأرجو أن يكون لنا لقاءات بعد تقديم هذا النموذج من الشرح والإيضاح في مقالات أخر ونسير بمشيئة الله في تسخير العلم لفهم بعض آيات الله في الكون وإبداعه في الخلق، وبذلك نوضح للعالم شرقا وغربا بعضا من نور الإسلام وإعجاز القرآن. إننا في حاجة إلى أن نتسلح بالأسلحة العلمية لكي نبرز بعضا مما في كتاب الله من كنوز وجواهر ولآلئ علمية في هذا العصر.. إن القرآن معجز في هدايته.. هدايته في الآيات الكونية، وفي الآيات التشريعية، وفي الآيات الخلقية، وهدايته في كل بيان جاء به. لقد وردت في القرآن الكريم آيات بينات اشتملت على حقائق علمية كشفها العلم الحديث وبينها ووضحها، وصدق الله القائل:

стр. 2840

﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ﴾ . وسنذكر قطرة من بحر لنسترشد بها في بان بعض نواحي الإعجاز العلمي للقرآن الكريم. يقول الله ﵎ عن عسل النحل: ﴿فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ﴾ .. اشتملت الآية الكريمة على كثير من النواحي الطبية التي اكتشفها الطب الحديث والتي تعتبر من معجزات القرآن العلمية لقد أثبتت جميع المعامل الطبي العالمية أن عسل النحل يشتمل على مواد تعالج الكثير من الأمراض. كما أن له مفعولا كبيرا في شفاء الكثير من الأمراض لأنه يقتل الكثير من الميكروبات. ثم هو يحتوي على نسبة عظيمة من الفيتامينات والجلوكوز. على أنه ضد التسمم الناشئ من أمراض التسمم البولي، والاضطرابات المعدية، والمعوية، وأكبر منشط للكبد، ومن أجل أن نشرح هذا الموضوع شرحا وافيا لا بد أن نفصل الكلام على وجه البسط حتى تتضح الحقائق العلمية العظيمة التي أثبتت بعض ما يحتويه عسل النحل من عناصر – وما فيه من فوائد وأن التحليل العلمي للآية الكريمة يقتضي منا أن نتحدث عن مشتملات العسل على الترتيب الآتي: أولا – الخمائر. ثانيا – الأملاح المعدنية الموجودة في العسل. ثالثا – العسل قلوي. رابعا – الفيتامينات الموجودة في العسل. ثم بعد ذلك نتحدث عن الأمراض التي يستعمل العسل في علاجها. اكتشف الإنسان منذ أقدم العصور ما لعسل النحل من أهمية غذائية عظمى وبتقدم علم الكيمياء أمكن تحليل العسل ومعرفة تركيبه الكيماوي بدقة كبيرة. فالعسل يتكون أساسا من سكرى العنب والفواكه، وعدد كبير من الأملاح المعدنية، والخمائر والفيتامينات، والمركبات النباتية الفعالة ونسبة من الماء. وجميع السكريات التي تدخل الجسم معقدة التركيب ولا يمكن للجسم أن يستفيد منها إلا بعد تحليلها.. أما عسل النحل فإن الجسم ستفيد منه سريعا.
следующие страницы →