← Джавами‘

Джавами‘ · id 4473

مجلة الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (23 804 стр.). Показаны 2836–2875 · переход к 2841.

стр. 2836

ولما خلا داود إلى نفسه أنبها على الفزع منهم ولامها على الخوف من الخلق، وقام بخاطره أنه فتن للفزع من البشر فطلب من ربه المغفرة وسقط إلى الأرض ساجدا، فتجاوزنا عن فزعه، وإن لداود عندنا لدرجة رفيعة ومنزلة عالية وجميل مرجع. هذا وقد ساق الله تعالى هذه القصة الكريمة لينبه نبيه محمدا ﷺ إلى أنه لا يفزع من كفار مكة الذين يتوعدونه ولا يخاف منهم ويقول له: اصبر على ما يقولون واذكر عبدنا داود التقي الصالح صاحب القوة في الدين الأواب إلى الله تعالى، الذي سخرنا الجبال معه يسبحن بالعشي والإشراق والطير محشورة كل له أواب وشددنا ملكه وآتيناه الحكمة وفصل الخطاب لما فزع عند دخول الخصمين عليه وتسورهما المحراب ظن أنه فتن وأنه قصر في حق سيده العظيم فاستغفر ربه وخر راكعا وأناب فلا تفزع ولا تخف.

стр. 2837

وقد ذكر جمهور المفسرين هنا قصة عجيبة غريبة نقلا عن اليهود لعنهم الله تعالى فقالوا إن داود كان في المحراب فوجد طائرا جميلا فمشى خلفه حتى صعد فوق المحراب فوجد امرأة أوريا تغتسل فأعجب بجمالها وأراد أن يضمها إليه فبعث زوجها أوريا إلى الحرب حتى قتل وأخذها لنفسه وكان له تسع وتسعون امرأة غيرها وليس لأوريا إلا هذه المرأة فقط فأرسل الله تعالى له ملكين في صورة متخاصمين وتسوروا المحراب على داود ففزع منهم فقالوا له: ﴿لا تَخَفْ خَصْمَانِ بَغَى بَعْضُنَا عَلَى بَعْضٍ﴾ إلى قوله: ﴿إِنَّ هَذَا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً وَلِيَ نَعْجَةٌ وَاحِدَةٌ﴾ – وقصدوا بالنعاج النساء – فقال: أكفلنيها وعزني في الخاطب فقال داود لقد ظلمك بسؤال نعجتك إلى نعاجه وإن رام ذلك ضربنا منه هذا وهذا وأشار إلى أنعه وأصل جبهته. فقال الملكان – وهما صاعدان إلى السماء – حكمت على نفسك، أنت تستحق أن يفعل بك ذلك، فأيقن أنه ابتلى بسبب امرأة أوريا واستغفر ربه وخر راكعا وأناب، وبكى بكاء مرا حتى خرج العشب من أثر دموعه وكان يسبح في سجوده الطويل المرير حتى تاب الله عليه. وهذه القصة لا أصل لها من الصحة بل هي مختلقة وباطلة لأنها لو صحت لجاز وقوع الكبائر من الأنبياء ﵈ مع أنهم معصومون من ذلك، فضلا عن أنه لو نسب إلى رجل من العوام لتبرأ منه فكيف يحدث من نبي عظيم كداود ﵊؟.

стр. 2838

حول الإعجاز العلمي للقرآن الكريم في العصر الحديث بقلم الشيخ محمد المهدي محمود المدرس بدار الحديث التابعة للجامعة الحمد لله الذي أنزل القرآن تبيانا لكل شيء، وهدى ورحمة وشفاء لما في الصدور، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، ورضي الله عن الصحابة والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين. . وبعد.. فقد سعدت الدنيا بالنور المنزل على المصطفى صلوات الله وسلامه عليه، فكانت رسالته رحمة عامة شاملة مباركة، رحمة في الدنيا والآخرة. رحمة في العقيدة، والتشريع، والقانون، والأخلاق، والنظام العام في الأسرة والمجتمع والشعوب. رحمة للفرد والجماعة. قال الله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ فسعدت البشرية التائهة في بيداء الظلم والضلال، واهتدت بنور خالق الأرض والسماء . ما أجمل الدنيا وقد سعدت بنور الله ﵎. لقد شهدت الإنسانية نورا عاما في مناحي الحياة منبعثا من كتاب الله نورا في العقيدة، وضياء في المعرفة الكونية، وهداية لأقوم السبل. بأسلوب معجز. يتحدى الناس جميعا في كل العصور على اختلاف ثقافتهم ومعارفهم وعلومهم. إن إعجاز القرآن عام في كل أنواع المعرفة. إن القرآن بحر لا ساحل له، وتقدم العلوم والمعارف، إنما يكشف لنا عن بعض ما في كتاب الحق ﵎ من معان تتحدى أساطين الكشف والاختراع. قال الله ﵎: ﴿قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَاداً لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَداً﴾ صدق الله العظيم.

стр. 2839

فالقرآن العظيم من أي ناحية ارتشفت من رحيقه وشهده وجدت الشفاء والهداية. وجدت الأعجاز العام الخالد الذي يتحدى الزمن. يقرؤه البليغ فيجد فيه الأعجاز البلاغي، ويقرؤه العالم الاجتماعي فيجد فيه أسباب سعادة المجتمع، ويقرؤه الطبيب فيخر ساجدا أما أسراره التي لا تقف عند حد، وهكذا كان القرآن الكريم المعجزة الخالدة. قال الحق ﵎: ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الأِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً﴾ وقد كشف العلم الحديث عن معنى بعض الآيات القرآنية، وكلما تقدمت العلوم كلما زاد اكتشاف جواهر القرآن، وأسراره وكنوزه، وسيأتي الوقت الذي يكون فيه العلماء الماديون أقرب الناس إلى الدين وإلى الإيمان بالله. ومن أجل أن نلقي بعض الضوء على موضوع الاعجاز العلمي للقرآن الكريم في العصر الحديث نحتاج إلى تقديم أمثلة ونماذج لكي نضع أمام القارئ الكريم صورة عن هذا الاتجاه من هذا البيان لتوضيح إعجاز القرآن. بيد أن الأمثلة لا يمكن أن نوفيها بعض حقها في مقالة واحدة فأرجو أن يكون لنا لقاءات بعد تقديم هذا النموذج من الشرح والإيضاح في مقالات أخر ونسير بمشيئة الله في تسخير العلم لفهم بعض آيات الله في الكون وإبداعه في الخلق، وبذلك نوضح للعالم شرقا وغربا بعضا من نور الإسلام وإعجاز القرآن. إننا في حاجة إلى أن نتسلح بالأسلحة العلمية لكي نبرز بعضا مما في كتاب الله من كنوز وجواهر ولآلئ علمية في هذا العصر.. إن القرآن معجز في هدايته.. هدايته في الآيات الكونية، وفي الآيات التشريعية، وفي الآيات الخلقية، وهدايته في كل بيان جاء به. لقد وردت في القرآن الكريم آيات بينات اشتملت على حقائق علمية كشفها العلم الحديث وبينها ووضحها، وصدق الله القائل:

стр. 2840

﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ﴾ . وسنذكر قطرة من بحر لنسترشد بها في بان بعض نواحي الإعجاز العلمي للقرآن الكريم. يقول الله ﵎ عن عسل النحل: ﴿فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ﴾ .. اشتملت الآية الكريمة على كثير من النواحي الطبية التي اكتشفها الطب الحديث والتي تعتبر من معجزات القرآن العلمية لقد أثبتت جميع المعامل الطبي العالمية أن عسل النحل يشتمل على مواد تعالج الكثير من الأمراض. كما أن له مفعولا كبيرا في شفاء الكثير من الأمراض لأنه يقتل الكثير من الميكروبات. ثم هو يحتوي على نسبة عظيمة من الفيتامينات والجلوكوز. على أنه ضد التسمم الناشئ من أمراض التسمم البولي، والاضطرابات المعدية، والمعوية، وأكبر منشط للكبد، ومن أجل أن نشرح هذا الموضوع شرحا وافيا لا بد أن نفصل الكلام على وجه البسط حتى تتضح الحقائق العلمية العظيمة التي أثبتت بعض ما يحتويه عسل النحل من عناصر – وما فيه من فوائد وأن التحليل العلمي للآية الكريمة يقتضي منا أن نتحدث عن مشتملات العسل على الترتيب الآتي: أولا – الخمائر. ثانيا – الأملاح المعدنية الموجودة في العسل. ثالثا – العسل قلوي. رابعا – الفيتامينات الموجودة في العسل. ثم بعد ذلك نتحدث عن الأمراض التي يستعمل العسل في علاجها. اكتشف الإنسان منذ أقدم العصور ما لعسل النحل من أهمية غذائية عظمى وبتقدم علم الكيمياء أمكن تحليل العسل ومعرفة تركيبه الكيماوي بدقة كبيرة. فالعسل يتكون أساسا من سكرى العنب والفواكه، وعدد كبير من الأملاح المعدنية، والخمائر والفيتامينات، والمركبات النباتية الفعالة ونسبة من الماء. وجميع السكريات التي تدخل الجسم معقدة التركيب ولا يمكن للجسم أن يستفيد منها إلا بعد تحليلها.. أما عسل النحل فإن الجسم ستفيد منه سريعا.

стр. 2841

١- خمائر العسل: الخمائر أو الإنزيمات هي مركبات فعالة تستطيع القيام بعمليات التحليل الكيميائي للمكونات الغذائية بكفاءة مذهلة تعجز عنها أعظم المعامل الكيميائية. وقد اتضح أن العسل يحتوي على الخمائر الآتية: أ- الخميرة التي تحول النشا إلى سكر. ب – الخميرة التي تحول سكر القصب إلى سكر عنب وسكر فواكه. جـ – والخمائر التي تهضم المواد الدهنية. من هنا نعلم السر في القدرة الهائلة على إزالة عسر الهضم وأمراض الجهاز الهضمي الموجودة في العسل بسبب احتوائه على الخمائر التي ذكرنا بعضا منها. ٢- الأملاح المعدنية الموجودة في العسل: يحتوي العسل على عدد كبير من الأملاح المعدنية بنسبة دقيقة بحسب احتياجات تركيب جسم الإنسان، من هذه الأملاح ما يأتي: أملاح أالكالسيوم ب والحديد ج والكلور د والفسفور هـ والكبريت وواليود، وتكاد نسبة الأملاح المعدنية في العسل تعادل نسبتها في دم الإنسان. وقد ظهر من التحليلات التي أجريت على عسل النجل أنه يحتوي على عناصر المنجنيز ب والألومنيوم ج واليورون وغيرها، هذه الأملاح المعدنية لها أهمية عظمى بالنسبة لجسم الإنسان. ٣- العسل قلوي: يصاب جسم الإنسان باضطرابات خطيرة نتيجة لكثرة الأحماض الناتجة من كثرة المواد الزلالية أو الاجهاد العصبي المرهق، ولما كان العسل طعاما قلويا لاحتوائه على عناصر البوتاسيوم والصوديوم والكالسيوم والمغنسيوم لذلك كان أثره عظيما في إيجاد توازن قلوي في الجسم وتخليص الجسم من الأحماض التي تفت في عضد الإنسان وتقتل حيويته وتصيبه بالفتور والملل ولذلك يشعر الإنسان بعد تعاطيه للعسل بحيوية كبيرة وميل إلى النشاط والحركة.

стр. 2842

٤- فيتامينات العسل: الفيتامينات هي مركبات كيميائية توجد في طعام الإنسان، وتوجد في الخضروات والفواكه بكثرة، ولها أهمية ضخمة في حسن انتظام سير العمل في أعضاء الجسم المختلفة، ووقايتها من الأمراض، ويصاب الجسم بكثير من الأمراض الخطيرة التي تصيب الإنسان في حالة خلو طعامه من أنواع معينة من الفيتامينات وذلك مثل مرض فقر الدم والكساح والبلاجرا. وقد اتضح من التحليلات العلمية للعسل أنه يحتوي على الفيتامينات الآتية: ١- فيتامين ب بأنواعه. ب١ – الذي يساعد على قوة الإبصار وب٢ الذي يساهم في التمثيل الغذائي الخاص بالنشويات والسكريات والدهون والزلاليات وفي امتصاص سكر العنب من الأمعاء ولذلك يعتقد بعض الأطباء أن العسل من عوامل المناعة غير المحدودة ضد الأمراض، وفيتامين ب ٣ يمنع من التهابات الجلد ويساهم في التمثيل الغذائي الخاص بالسكريات. وفيتامين هـ يساهم في التمثيل الغذائي الخاص بالدهون والزلاليات ويساعد على بناء الجسم، وهذا الفيتامين يحفظ الجسم من الإصابة بأمراض الاكزيما والقوباء والدمامل والصدفية، وفيتامين ك يستعمل في وقف النزيف خصوصا النزيف الداخلي، وفيتامين ج يزيد في مناعة الجسم ضد العدوى ويساهم في عمليات تكوين الدم. استعمال العسل:

стр. 2843

يستعمل العسل من أزمان بعيدة في علاج كثير من الأمراض وكتب مشاهير الأطباء القدامى من المصريين والإغريق والهنود والعرب مملوءة بالوصفات التي تحتوي على عسل النحل وبعد اكتشاف التركيب الكيميائي للعسل، أصبح يستعمل في علاج كثير من الأمراض بدرجة لا تقف عند حد، فلا يكاد يخلو كشف جديد في جميع أنحاء العالم من استعمال لعسل النحل في علاج مرض خطير أو داء مستعص، ونبدأ بالخواص العلاجية لأهم مكونات عسل النحل، وهو سكر العنب أو الجلوكوز، الذي يستعمل بكثرة لعلاج أمراض الدورة الدموية وزيادة التوتر والحساسية والنزيف، خصوصا المعدى وقرح المعدة وأمراض أمعاء الأطفال والأمراض المعدية مثل التيفوس والدوسنتاريا والملاريا والتهاب الحلق والحمى والحصبة التسمم. والجلوكوز علاج هام لأمراض الكبد ويزيد من مقاومة الكبد لحالات التسمم، على أن الجلوكوز من المصادر الحيوية لزيادة النشاط عند الإنسان ولعمليات بناء الأنسجة والتمثيل الغذائي. أهم الأمراض التي يستعمل العسل في علاجها: ١- علاج الجروح: أوصى الحكيم العربي ابن سينا باستعمال لبخة من العسل المخلوط بالدقيق في علاج الجروح واستعمل الأطباء اليوم الكثير من المراهم التي يدخلها عسل النحل في شفاء الجروح المستعصية وكانت النتيجة مذهلة بسبب سرعة التئام الجروح وشفائها. علاج أمراض الجهاز التنفسي استعمل العسل في شفاء أمراض المسالك التنفسية قديما واستعمل حديثا على هيئة محلول يستنشق منه المريض. وفي علاج الزكام ينصح الأطباء باستعمال العسل مع اللبن الدافئ مع الراحة لمدة يومين. وفي علاج السل ينصح الرئيس ابن سينا بتناول مزيج العسل مع خلاصة الورد، وستعمله في الصباح وفي المساء وقد تأكد الأطباء في العصر الحديث من أن العسل له أثر عظيم في زيادة مقاومة الجسم للسل.

стр. 2844

وفي علاج أمراض المعدة والأمعاء تدل الأبحاث العلمية الحديثة على أن تناول عسل النحل يقلل من الحموضة العالية في المعدة وهو علاج قوى للذين يشكون من قرح المعدة والأثنى عشر وفي هذه الحالة يجب أن يؤخذ العسل قبل الأكل بساعة ونصف وأفضل الأوقات لتناوله هو قبل الإفطار، وأحسن النتائج تحدث عند تناول العسل في كوب ماء دافئ، ونحن نقرر بكل اعتزاز وفخر أن المصطفى ﷺ كان بتناول العسل بالماء وهكذا يخضع العلم الحديث أمام تعاليم نبي الإسلام وأمام عظمة القرآن. وأما علاج أمراض الكبد فيستعمل العسل على نطاق واسع في علاج أمراض الكبد ويرجع أثره الطبي إلى أنه يزيد مخزون الكبد من السكر وينشط عملية التمثيل الغذائي في الأنسجة، وتقوم الكبد بعمل المرشح فتكون ترياقا من السموم وتدل التقارير الطبية على أن الانتظام في تناول العسل يأتي بالشفاء من التهاب الكبد المزمن والتهاب المرارة، وفي علاج الأمراض العصبية أوصى الرئيس ابن سينا بتناول القليل من العسل، وفي الطب الحديث اتضح أن عسل النحل المذاب في الماء الدافئ علاج ناجح للأمراض العصبية، وأجريت التجارب في هذا الصدد، وكانت النتائج مرضية جدا، واختفى الصداع والأرق وقل تهيج المرضى وزادت بهجتهم ويرجع ذلك إلى احتواء العسل على مقدار كبير من سكر العنب. وأيضا أجريت تجارب كثيرة ناجحة في علا الأمراض الجلدية وأمراض العيون وكان العسل أهم عناصر تلك المراهم الشافية، وأخيرا تحسين حال مرضى السكر – لوحظ في تجارب عديدة أن كثيرا من مرضى السكر استفادوا كثيرا من تعاطى العسل حيث انخفضت نسبة السكر في دمهم، فأصبحت مقاربة لنسبتها في دم الأصحاء، ويرجع ذلك إلى وجود مواد في العسل تجعل تمثيل السكر أكثر سهولة في الجسم، فلا يظهر بنسبة مرتفعة في الدم.

стр. 2845

ومجمل القول لقد استخدم الأطباء قديما وحديث عسل النحل في كثير من المستحضرات الطبية، ولعلاج حالات مرضية، ونذكر منها على سبيل المثال لا على سبيل الحصر علاج الصداع العصبي، لجلب النوم، لتغذية الأطفال، لتغذية الناشئين والناقهين من الأمراض في مقاومة أمراض الشيخوخة، لمنع شلل الأطفال، لتزويد أصحاب الأعمال الفكرية بالطاقة اللازمة للعمل، لمساعدة الحوامل أثناء الحمل، استعماله لمساعدة الأطفال عند التسنين في حالات الاضطرابات الجلدية والحساسة في المسالك التنفسية عامة في حالات فقر الدم في أمراض الكبد والمعدة والأمعاء والقولون والمرارة والبنكرياس والقلب والمسالك البولية، ومن الجميل أن بعض الأطباء ينادي باستعمال العسل وترك السكر ويبرر طلبه الأدلة العلمية التي منها: ١- لا يسبب عسل النحل اضطرابات لأغشية القناة الهضمية الرقيقة. ٢- يحدث تمثيل العسل في الجسم سريعا وسهلا. ٣- لا يضر عسل النحل بالكلي ولا يسبب تلف أنسجتها. ٤- يزود عسل النحل الإنسان بأعظم قوى النشاط بأقل مجهود للجهاز الهضمي. ٥- يساعد الرياضيين على استعادة قواهم سريعا، ورغم ظهور هذه المزايا فما زال في العسل مواد غير معروفة تبلغ ٧٣ر٣ في المائة عجز العلم عن اكتشافها للآن وهكذا يقرأ المسلم بكل فخر على مسامع الدنيا صباحا ومساء ﴿فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاس﴾ . ويا حبذا لو أن الأثرياء والأغنياء وأهل الأموال والبساتين يقومون بتربية النحل على نطاق واسع لأجل أن يستفيد الناس من هذا الشفاء المبارك تحقيقا لقول الله تعالى: ﴿فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاس﴾ فالمسلمون أحق الناس بالانتفاع بتوجيهات الإسلام الخالدة العظيم. يقول الله في قصة السيدة مريم أم عبد الله ورسوله سيدنا عيسى عليه وعلى نبينا أفضل الصلاة والسلام: ﴿وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَباً جَنِيّا﴾

стр. 2846

أثبت التحليل العلمي للرطب أنه يحتوي على مادة تخفف ضغط الدم عند السيدات الحوامل، وتؤثر تأثير كبيرا في مساعدة السيدات الحوامل على سهولة الولادة وقد قدم الدكتور عبد العزيز شرف بحثا علميا عن الرطب وتأثيره على الحامل أثبت فيه أن التمر يقوي انقباضات عضلات الرحم وخصوصا في الشهور الأخيرة من الحمل ويقول الدكتور شرف أنه استرشد في بحثه هذا بالآية القرآنية الكريمة من سورة مريم وهزي إليك بجذع النخلة تساقط عليك رطبا جنيا. ويقول أيضا أن الرطب له تأثيره الخاص على حركة الأمعاء على أن الرطب يعادل اللحم في قيمته الغذائية ويتفوق عليه بما يعطيه من سعرات حرارية ومواد معدنية وسكرية وذلك بالإضافة إلى أنه غني بالكلسيوم والفسفور والحديد ويحتوي على غالبية الفيتامينات الهامة، كما أنه يفيد في وقاية الجسم وعلاجه من أمراض العيون وضعف البصر والأمراض الجلدية والأنيميا ولين العظام. ولننتقل بكم إلى مثل آخر من أمثلة إعجاز القرآن العلمي: لقد حرم الإسلام الخمر. وقد ثبت طبيا أن الخمر أساسها مادة الكحول وهذه المادة إن دخلت المعدة سببت فيه الالتهابات الحادة والقروح المعوية التي تؤدي في نهاية الطريق إلى السرطان. كما أنها تحدث التهابا في الأعصاب وفي الكلي وتصلبا في الشرايين وتحجرا في الكبد. ولما كان الكبد هو بمثابة المعمل الكيميائي في الجسم فإن ما ينتج من تحجر أو تليف في الكبد لهو إنذار صادق بالفناء ولهذا حرم الإسلام من الخمر القليل والكثير والقاعدة العامة "ما أسكر كثيره فقليله حرام". إن الحديث عن إعجاز القرآن العلمي في العصر الحديث: لا يمكن أن ينتهي.

стр. 2847

إن كتاب الله اشتمل على كل شيء ينفع الإنسان في حياته في الدنيا والآخرة، والهدف من هذه المقالة أن يعرف المسلمون بعض ما في القرآن من أسرار وعجائب خالدة باقية وأن يرجع المسلمون عامة في مشارق الأرض ومغاربها إلى كتاب الله وإلى نوره الذي أنزله هداية للناس أن يرجع المسلمون إلى كتاب الله في عقائدهم وتشريعاتهم وأخلاقهم وآدابهم وثقافتهم حتى تعود لهم السيادة ويعود النصر الذي كتبه الله للمؤمنين الصادقين في إيمانهم. كتب الله للمسلمين عودة كريمة إلى نور الإسلام وهدايته ووفق الله المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها للاعتصام بكتاب الله ونصر دين الله وجمعهم تحت راية الإسلام. المراجع ١- كتب التفسير والحديث. ٢- كتاب نحل العسل وشفاء الأمراض للدكتور أحمد لطفي عبد السلام. ٣- نحل العسل للدكتور عبد الخالق وفا. ٤- كتاب الإسلام والطب.

стр. 2848

من الصحف والمجلات ظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس ليذيقهم بعض الذي عملوا لعلهم يرجعون إعداد العلاقات العامة في الولايات المتحدة تجاوزت الجريمة أكثر أضعافها في السنوات الأخيرة وأصبح معدل الجريمة: جريمة قتل كل دقيقة، سرقة مسلحة كل دقيقة. جريمة اغتصاب كل عشرين دقيقة. جرائم دون اغتصاب أي بالتفاهم بين المجرمين على حساب الأسرة والمجموع البشري، تتم دون أن يتم حصرها. والعنف المنظم جزء لا يتجزأ من العلاقات الاجتماعية في هذا المجتمع، ومن الملحوظ أن جرائم القتل الحادة تكثر بين الشبان من سن ١٥- ٣٥ أي هؤلاء الذين تتضخم لديهم الطاقات الباحثة عن الإشباع دون أن يجدوا متنفسا حقيقيا للتفريغ. وفي روسيا تعتبر الحياة كلها جريمة، فالأسرة مفقودة بالمعنى الطبيعي للأسرة, والإنسان آلة لا تحس بحركتها الذاتية، ولأنه لا يستطيع التفريغ في المجتمع الحديدي، فهو يقوم بالتفريغ في ذاته وفي من هو حوله. وأخيرا طالب الروس بمزيد من حرية الاستهلاك وبمزيد من الحرية التي لم تكن موجودة أصلا لأنهم بدوا يبحثون عن أنفسهم بعد سجن أكثر من نصف قرن، وهم – وبعدهم الصينيون – سيصلون إلى نفس المحط لأنهم بالطبع لا يحتمل أن يسيروا في طريق الإسلام والحضارة الحقيقية. وفي ألمانيا تضاعفت جرائم القتل الناري عشرة أضعاف، وفي عام ١٩٦٩م سجلت إحصائيات الإجرام أكثر من ألفي جريمة قتل. وفي عام ١٩٧٠م وصلت إلى ألفين وخمسمائة وفي عام ١٩٧١م وصلت إلى ثلاثة آلاف وزيادة مطردة. وفي بريطانيا ارتفع إحصاء الجريمة في السنوات الأخيرة من ١٥٧٥٩ إلى ٤١٠٨٨ عام ١٩٧٠م وربما وصلت الآن إلى خمسين... وجرائم السطو ارتفعت في عامين لتبلغ نصف مليون جريمة.

стр. 2849

وفي فرنسا زادت نسبة الجريمة إلى ٣٢% لاسيما عملية السطو المسلح ولا مجال للاستطراد والنتيجة سيئة للغاية تنبئ بمستقبل مظلم للإنسان، الإنسان المجرد من الروح والعقل والضمير والإحساس لأنه – وهذه هي الحقيقة الأبقى والأخلد؛ لأنه بدون مناخ إسلامي يهيمن بروحه على الحياة لا يوجد بديل إلا عالم الجريمة. نقلا عن مجلة المجتمع الكويتية

стр. 2850

إلى البابا بولس السادس عظيم أهل ملته بقلم: الشيخ محمد مهدي استانبولي سلام على من اتبع الهدى، أما بعد اطلعت على رسالتك التي وجهتها إلى كافة الرجال الخيرين على حد – تعبيرك – من أجل تحقيق السلام في العالم، وذلك في يناير (شباط) عام ١٩٦٨ م عن طريق الاحتفال في اليوم الأول من كل عام بيوم السلام، فأشكرك شكرا كثيرا على اهتمامك في السعي لسعادة البشرية وسلامها وأهم ما أود أن ألفت نظرك إليه أن السلام الصحيح لا يتحقق ما لم نسع لإيقاظ الشعور الإنساني في ضمائر الناس ونذكرهم بأنهم أسرة واحدة، تمت بالأصل إلى أبوين اثنين كما تقول جميع الأديان السماوية فلا فرق بين أبيض ولا أسود، ولا أصفر إلا بالمنافسة في الأعمال المفيدة والبناءة للبشرية جمعاء. ولا شك أن هذه الالتفاتة نحو الأخوة الواحدة من شأنها أن ترقق القلوب القاسية، فلا يعتدي فرد على فرد ولا شعب على شعب مهما كان قويا، ما دام يؤمن بأن البشر جميعا أخوة من أصل واحد مهما تباعدوا في الديار ومهما اختلفوا في الأجناس والألوان واللغات، وحتى في الأفكار وكل ضرر أو مصيبة تصيب جماعة تنتقل إلى الجماعات الأخرى. ووسائل النقل الحديثة من طائرات وغيرها تساعد جدا على تحقيق هذه الفكرة، أكثر من أي وقت سابق فقد أصبح العالم نتيجة ذلك كأنه بلد واحد أو حي واحد، أو أسرة واحدة إذا أصيبت بسوء أو أزمة، انتقلت أزمتها وبلاؤها إلى الآخرين.

стр. 2851

والغريب – والغريب جدا – أن الخيرات والمنتوجات التي أودعها الله تعالى على الأرض، بدلا من أن تكون نعمة على البشرية جميعا، يتقاسمونها فيما بينهم قسمة أخوية إنسانية، كل حسب جهده، ومساعدة الفقراء والذين لا يكفيهم دخلهم، إذا بهم جعلوها سببا للقتال والحروب وسفك الدماء مما تشمئز منه النفوس الكريمة وتأباه الضمائر الحية، وترفضه العقول السليمة أن نجعل من النعم نقما تسبب شقاء البشرية بدلا من سعادتها وكل ذلك نتيجة فقدان الشعور الديني الإنساني السليم من التعصب. ولو كان البشر – شعوبا وحكومات – تشعر بالأخوة الإنسانية بوعي ويقظة لما كان هذا المصير المؤسف الذي هدد ويهدد البشرية بالانهيار والفناء. ومن أهم أسباب تحقيق السلام أيضا علاوة على أحياء الشعور الأخوي وجود تشريع سماوي واحد وصحيح يصلح لكل زمان ومكان بين هؤلاء البشر الأخوة، فلا يدع مجالا للنزاع والخصومة بينهم، كما هو الشأن الآن في التشريعات القومية واللادينية المعاصرة التي تمزق الشعوب وتثير الاختلافات كل ذلك بسبب عجز البشر أن يضعوا التشريعات لأنفسهم كعجزهم عن وضع القوانين الطبيعية. فكما أن الله سبحانه وضع هذه القوانين المادية بين البشر وبين الطبيعة ولا بد من الخضوع لها حتى يفيد الناس من هذه الطبيعة، كذلك أنزل تشريعات دينية بين البشر أنفسهم، فلا بد لهم كي يسعدوا ويعيشوا بسلام من الخضوع لها.

стр. 2852

لقد أنزل الله سبحانه الأديان لتحكم بين الناس بالحق والعدل، وأذكرك بهذه المناسبة بالدين الإسلامي العظيم، وهو امتداد لشريعة المسيح ﵇ كما أن المسيحية امتداد لشريعة التوراة فقد قال المسيح: "ما جئت لأنقض الناموس، بل جئت لأتمم"كذلك قال النبي محمد ﷺ : "إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق" بل إن الإسلام مسيحية مصححة بعيدة عن الانحرافات التي طرأت عليها عبر القرون كما أعلن هذه الحقيقة مؤرخو وعلماء النصارى أنفسهم أمثال (الهرارنست دي يونس) في كتابه (الإسلام: أي النصرانية المصححة) . لقد بشر المسيح ﵇ بهذا النبي في فقرات كثيرة من الأناجيل، فقد جاء في إنجيل يوحنا (١٢:١٦ و ١٣) "إن لي أمورا كثيرة أيضا لأقولها لكم، ولكن لا تستطيعون أن تتحملوا الآن، وأما متى جاء روح الحق فهو يرشدكم إلى الحق، لأنه لا يتكلم من نفسه، بل كل ما يسمع يتكلم به، ويخبركم بأمور آتية". وكان المسيح يعبر عن محمد المبشر به بلفظ (النبي) ، وبلفظ (فارقليط) وهو تقريب لفظ (بيريكلتوس) اليونانية ومعناها (الذي له حمد كثير) أي محمد. وقد جاء في أسفار التوراة والمزامير بشارات كثيرة بالنبي محمد اكتفي بذكر أسمائها وأرقام فقراتها (سفر التثنية – الإصحاح ١٨) والمزمور التاسع والأربعين بعد المائة، والعاشر بعد المائة، وأشعيا في الإصحاحات (٨ و ٩ و ٦ و ٣٥ و ٤٢ و ٤٣) ودانيال في الإصحاح (٢ و ٧) وحبقوق إصحاح (٢) ، وزكريا إصحاح (٣) وملاحي إصحاح (٣) .

стр. 2853

إن المسيحيين لا يزالون إلى الآن بانتظار هذا النبي الذي بشرت به التوراة والإنجيل ليبقى معهم إلى الأبد – أي خاتم الأنبياء – وقد سئل المسيح عن صفاته لتميزه عن الأنبياء الكذبة فقال لرعيته: "من ثمارهم تعرفونهم"وهل أعظم من الثمار التي جاءت في تشريع محمد التي أصلحت العرب ووحدتهم بعد نزاعهم وانطلقت بهم في العالم فقضوا على وثنية الفرس والرومان وفتحوا الدنيا من المحيط إلى المحيط بأقل من قرن. لقد شهد بعظمة الإسلام وصلاحه لكل زمان ومكان وقدرته على سعادة البشرية كلها، وحل جميع مشكلاتهم الاقتصادية والخلقية والسياسية كثير من مفكري وساسة الغرب المنصفين. إن العالم يعيش اليوم على فوهة بركان مدمر في اضطراب وفوضى وخطر داهم بسبب التشريعات الوضعية القاصرة التي كانت من أهم أسباب نزاعه وحروبه. ولما كانت المسيحية لا تملك تشريعا مفصلا كالإسلام، وكانت شريعة إقليمية لعصر معين مضى كما أعلن المسيح نفسه ذلك بقوله "إنما بعثت لشياه بني إسرائيل الضالة" وهي تقتصر على نصائح ووصايا لم يعد أكثرها صالحا للحياة والتطبيق وفيها كثير من المتناقضات مما كان سببا في نفور الغربيين منه وانسلاخهم عنه في تشريعاتهم ومدنيتهم وحياتهم العملية. ولكنهم غدوا مع كل ذلك بلا زمام ودون قيود فتكالبوا على المادة حتى أوشكت أن تقضي عليهم وتعرضهم للمهالك وكل ذلك كانت نتيجة رد الفعل للطقوس النصرانية التي تتنكر للعلم والمدنية كما تتنكر للحياة فتحض حتى على ترك الزواج والعزوف عنه. إن المدنية المعاصرة خطر مدمر بسبب تجردها عن الروحانية الصحيحة الموجودة فعلا في الإسلام الذي جمع بين المادة والروحانية في تعاليمه وحض عليهما.

стр. 2854

وأذكرك – يا عظيم ملته – بهذه المناسبة أن العالم اليوم ينقسم إلى معسكرين، معسكر الرأسمالية، ومعسكر الشيوعية، معسكر الفردية ومعسكر الجماعية، ويمثل هذين المعسكرين: الدول الغربية والدول الشرقية. وبقاء هذين المعسكرين يهدد السلام بالخطر وليس هناك حل سوى الإسلام فهو وسط بين الفردية والجماعية، ووسط بين الروحية والمادية، قد جمع بين كل منها في أروع نظام وأجمل تناسق. وهذا يجعل الفاتيكان إذا اعتنق الإسلام، يتقدم إلى العالم بالحل السلمي الصحيح الذي يرضى جميع المعسكرات المتطاحنة فيتحقق على يده السلام والسعادة الحقيقين. فمن الواجب المحتم إنقاذا للبشرية بالمسارعة إلى اعتناق الإسلام ودعوة الناس إليه. ومن هذه المتناقضات والأدلة على بطلان عقيدة الصلب ما جاء في (سفر التثنية) "لا يقتل الآباء عن الأولاد ولا يقتل الأولاد عن الآباء، كل إنسان بخطيئته يقتل! " إن الإسلام أشاد بعظمة المسيح وأمه مريم الصديقة، وأن الله أنقذه من الصلب ونصره على أعدائه من اليهود ورفعه إليه، وهذا بخلاف ما يزعمه النصارى الذي يعتقدون بأن اليهود أهانوه وعذبوه وصلبوه، ولا أدري كيف تتفق عقيدة الصلب هذه مع قول التوراة: "ملعون من وضع على خشبه"فأي العقيدتين ترفع من شأن المسيح وتشيد بعظمة الله. وكذلك يعتقد المسلمون بأن الله سبحانه واحد لا شريك له، ليس له والدة ولا زوجة ولا ولد شأن البشر، فأين هذا من عقيدة النصارى من احتقار الله وسبه وأنه حمل وولد، وكان يأكل ويشرب ويتغوط وينام، هو الله وابن الله، وأن الله أو ابنه حل فيه، ثم تركه يصلب من قبل اليهود ليكفر عن خطيئة آدم، مع أن الله يقول بأن آدم طلب المغفرة من الله بعد خطيئته فغفر له وانتهت القضية دون أن تلحق أحدا من البشر كما تقتضي أبسط مبادئ العدل الإلهي والبشري.

стр. 2855

ولا يخفى ما سببته عقيدة الخطية من تعذيب البشر وخاصة النساء والأطفال منهم وليس لهم ذنب، ولا يخفى أن هذه العقيدة شأن عقيدة التثليث والصلب عقيدة وثنية موجودة في تاريخ الهند القديم وغيرها من الأمم السابقة للمسيحية. وكم أتمنى لو يطلع زعماء النصارى على كتاب (العقيدة الوثنية في الديانة النصرانية) فيرون العجب العجاب وكيف أنهم يدينون بالوثنية وهم يشعرون أو لا يشعرون وهم يعتقدون أنهم لا يزالون يدينون بالمسيحية التي جاءت من عند الله. كل ذلك يدعوك – أيها البابا بولس السادس- عظيم أهل ملته إلى دعوة المسيحيين في العالم لاعتناق الإسلام والدخول فيه إجابة لدعوة المسيح الذي بشر به، وإنقاذا للبشرية مما تعانيه اليوم من اضطراب وفوضى بسبب نظمها الوضعية العاجزة والقاصرة والمجحفة. وأذكركم بهذه المناسبة تمهيدا لانتشار الإسلام والسلام بوجوب دراسة الاختلافات الدينية بين المسيحية والإسلام لإزالتها فما كان دين الله ليتناقض، وليفرق، بل ليجمع ويوحد. إن المسيح أعلن في فقرات كثيرة في الإنجيل أنه عبد الله ورسوله، وأن الحياة الأبدية أن يعرفوا أن الله هو الإله الحقيقي وحده، وأن المسيح رسوله (يوحنا ١٧/٣) حتى أنه لم يقبل أن يقال له (السيد) فقال لحواريه: "السيد هو الله وحده"وهناك عشرات من الآيات سواء في التوراة أو الإنجيل تعلن هذه الوحدانية لله وقد جاء في إنجيل مرقس فأجابه يسوع: أن أول كل الوصايا هي: "اسمع يا إسرائيل: الرب إلهنا واحد" (الفصل ١٢ العدد ٣٩) ويبقى بعدها فقرات قليلة جدا فهم منها بعض المسيحيين ألوهية المسيح، وقد تكون مدسوسة أو محرفة ويجب تأويلها لتتفق مع جميع ما جاء في التوراة والإنجيل خشية أن يقال أن هذا الإنجيل فيه اختلاف وتناقض.

стр. 2856

وأذكر على الدوام أن جميع الكتب السماوية والأنبياء كلهم جاءوا بالتوحيد وأن التثليث جاء طارئا على ديانة المسيح بسبب قسطنطين وبولس وأن مجمع (نيقية) الذي قرر التثليث وهو عقيدة وثنية كانت قبل المسيح بضغط من الملك قسطنطين بينما كانت أكثرية أعضائه تنادى بوحدانية الله وأن المسيح عبده ورسوله. وإنني ألفت نظركم بعدد خطير أصدرته مجلة لايف الأمريكية عام ١٩٥٥ كما أظن تثبت فيه ما طرأ على التوراة والإنجيل من تحريفات حتى خرجا عن أصلهما الأول، فأدعوكم إلى مطالعته فإنه قد يكشف عن أمور هامة. وقبل الخاتمة، إنني أذكرك أيا الباب بولس السادس عظيم أهل ملته بالتبعة الخطيرة الملقاة على عاتقك أمام الله وأمام البشرية وأمام التاريخ في إعلان هذه الحقيقة ودعوة الناس للدخول في الإسلام واعتناقه دينا وتشريعا لتحقيق العدالة والسعادة والسلام. فهو – وحده – كما أعلن ذلك المنصفون من مؤرخي وعلماء الغرب الكفيل بإنقاذ البشرية مما تعانيه من شقاء وما يتهددها من خطر حرب هيدروجينية يمكن وقوعها بين لحظة وأخرى تضيع نتيجتها الحضارة الإنسانية وتفني معظم البشر. وأذكرك أيضا بأن الله العظيم مطلع على القلوب وأن الحياة الدنيا بالنسبة للآخرة لا تساوي شيئا مذكورا، فالحذر الحذر من إضاعة جنة الله، والدخول في ناره إلى الأبد من أجل متاع قليل. وهذه وصايا المسيح نبي الله، ومن قبله ومن بعده من المرسلين، كلها تأمر بالعمل للدار الآخرة وعدم الاغترار بالحياة الدنيا. وآمل أن تمثلوا دور ملك الحبشة المسيحي، فإنه لما بلغه خبر النبي محمد ﵌ من أصحابه الذين هاجروا إليه وسمع سورة مريم بكى هو والرهبان ولما سأل المسلمين ماذا يقولون في المسيح صدقهم وقال: "إن هذا والذي جاء به موسى وعيسى ليخرج من مشكاة واحدة" فآمن به.

стр. 2857

هذا وإني أعلمك أن هذا اليوم في دخول العالم في الإسلام آت لا محالة كما أخبرت الآيات الكريمة والأحاديث النبوية العديدة، وقد أخبر النبي محمد ﷺ بأن روما نفسها – ولعله الفاتيكان – ستدخل في الإسلام. ولعلكم تمهدون لهذا اليوم عقب هذا النداء الذي أوجهه إليكم والذي فيه كل الخير للمسيحية نفسها قبل أن يتقلص ظلها حتى عما عليه الآن في (الفاتيكان) . وما أحسن ما قاله أحد المفكرين: "يمكننا أن نخدع كل الناس نصف الزمن، ويمكننا أن نخدع نصف الناس كل الزمن ولكن لا يمكن أن نخدع كل الناس كل الزمن". ويومئذ تستيقظ شعوب العالم من غفلتها وتنتقم من المضللين الانتهازيين الذين أخفوا الحقائق كل الحقائق، وسيرى الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون في الدنيا ويوم القيامة. ألا قد بلغت ......... اللهم أشهد.

стр. 2858

الزي الإسلامي للمرأة ومزاياه بقلم الدكتور فاروق محمود ساهل نقلا عن مجلة المجتمع الكويتية يقول الله : ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلا يُؤْذَيْنَ وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً﴾ . يأمر الله نبيه الكريم – صلوات الله وسلامه عليه – أن يأمر نساءه وبناته ونساء المؤمنين عامة إذا خرجن لحاجتهم أن يغطين أجسامهن ورءوسهن وجيوبهن – وهي فتحة الصدر من الثوب – بجلباب كاس فيميزهن هذا الزي ويجعلهن في مأمن من معابثة الفساق أو ممن في قلوبهم مرض فلا يتعرضون لهن بأذى أو ريبة. والزي الإسلامي للمرأة هو أن تلبس ما يستر جسدها جميعه بملابس واسعة غير ضيقة ولا شفافة حتى لا تظهر ثنيات الجسم وتفاصيله مع السماح لها بكشف الوجه والدين حتى الرسغين. ولا يخفى ما يبلغه مجتمع من العفة والطهارة إذا خرجت فيه النساء لقضاء حاجتهن حيث سمح لهن رسول الله ﷺ حين قال لعائشة ﵂ "أنه قد أذن لكن أن تخرجن لحاجتكن" على أن تكن محتشمات الملبس.

стр. 2859

ولقد عزى كثير من المصلحين والباحثين فساد كثير من شباب العصر إلى تعمد المرأة الخروج كاشفة أجزاء من عورتها ظلت تزيد وتزيد فلم يبق إلا القليل المستور من جسدها. وانبرى هدامون عديدون يفسرون ظاهرة كشف المرأة لعورتها وربطوها بنفسية المرأة وحبها للظهور والتبرج وعرض أجزاء من جسدها ثم استمتاعها بما يقع على سمعها من كلمات الغزل والاطراء من العابثين والفاسقين.. ووجدت المرأة من يقوم على تشجيعها بعدم ستر عورتها بجهاز ضخم منظم يشتمل على مصممين للأزياء الحديثة ودور للملبوسات الخليعة ومجلات ومسابقات وعروض وأفانين، وكلها تخضع لتمويل وإشراف اليهود طبقا لما ورد في بروتوكولاتهم من إفساد العباد وملء أوقاتهم بالفارغ من القول وجذب انتباههم بالتافة من العمل باسم التطور والرقى والمدنية و (آخر خطوط الموضة) ليظلوا بعيدين عن أمورهم الهامة ومشاكلهم الملحة، فضلا عن امتصاص الأموال الطائلة. والغريب أن تكاليف الثياب القصيرة أغلى بكثير من تكاليف الثياب المحتشمة البسيطة.. ولكن: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَسَيُنْفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ وَالَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ﴾ . وصدق الله العظيم.. ثم تكون عليهم حسرة.. فبالإضافة إلى مجتمع يسيطر عليه الفساد والانحلال حين تتخلى المرأة عن ثياب العفة والنظافة، وما يخسره هذا المجتمع نتيجة سلوك نسائه ثم شبابه، بالإضافة إلى ذلك فإن الإحصائيات الحالية تشير إلى انتشار مرض السرطان الخبيث في الأجزاء العارية من أجساد الفتيات اللائي يلبسن الملابس القصيرة..

стр. 2860

وقبل أن أذكر تفاصيل ذلك أود أن أقدم له بأن الله جلت قدرته خلقنا وهو أعلم بخلقه وأمرنا باتباع أمور تجلب لنا النفع ونهانا عن أشياء تجر علينا الخراب والعذاب، وفوق نفعها أو ضررها لنا فهي اختبار لمدى طاعتنا لله .. قد لا يبدو لنا من الوهلة الأولى مدى النفع أو الضرر من أمر إلهي ولكن المؤمن الحق يؤمن به ويتبعه دون جدل أو نقاش، وبمرور السنين أو الدهور تتجلى الحكمة الإلهية فيما أمرنا باتباعه أو اجتنابه، ذلك هو الإيمان بالغيب ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ . ﴿لِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَخَافُهُ بِالْغَيْبِ﴾ فالمعروف أن العقل يعتمد على الحواس التي هي محدودة مقيدة ومالا تدركه الحواس لا يدركه العقل. وليس معنى ذلك أن نلغي نعمة العقل والتفكير فلم نؤمر بذلك بل على النقيض أمرنا بالتدبر والتفكر واستعمال عقلنا في غير ما شطط أو ضلال، ونلزم العقل الأصول والقواعد خشية التردي في الهاوية (كما يحدث الآن للحضارات الأجنبية في أوروبا وأمريكا وآسيا) . (ومع ذلك كله تجد فينا من لا يصيخون السمع إلى صوت الدين، وهم يلحدون في آيات الله فيميلون بها عن وجهها حينا، ويجادلون فيها أشد الجدال حينا آخر. ولكنهم يخضعون لهذه المزاعم الداعرة ويرونها فوق النقاش والمراء. هؤلاء قوم لا تقوم عندهم الحجة بالقرآن، ولكنها تقوم بهذه الظنون والأوهام فإذا عارضتهم بالثابت من قول الله – وهم يزعمون أنهم مسلمون – لووا رءوسهم وقالوا: نحدثك في العلم فتحدثنا في الدين؟ كأن هذه الأوهام أثبت عندهم من القرآن) وعلى كل فسنحدثهم بالعلم لعل فيه عبرة لهم وهداية، فلقد نشر في المجلة الطبية البريطانية أن السرطان الخبيث (الميلانوما) الخبيثة.

стр. 2861

والذي كان من أندر أنواع السرطان أصبح الآن في تزايد وإن عدد الإصابات في الفتيات في مقتبل العمر يتضاعف حاليا حيث يصبن به في أرجلهن وأن السبب الرئيسي لشيوع هذا السرطان الخبيث هو انتشار الأزياء القصيرة التي تعرض جسد النساء لأشعة الشمس فترات طويلة على مر السنة، ولا تفيد الجوارب الشفافة أو (النايلون) في الوقاية منه، وناشدت المجلة أطباء الأوبئة أن يشاركوا في جمع المعلومات عن هذا المرض وكأنه يقترب من كونه وباء. ﴿وَإِذْ قَالُوا اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ . ولقد حل العذاب الأليم – أو جزء منه – في صورة السرطان الخبيث بل أخبث أنواع السرطان. وهذا المرض ينتج من تعرض الجسم لأشعة الشمس وأشعة فوق البنفسجية فترات طويلة وهو ما توفره الملابس القصيرة في الحياة العادية أو أزياء البحر على الشواطئ ويصيب كافة الأجناس بنسب متفاوتة ويظهر أولا كبقعة صغيرة سوداء وقد تكون متناهية الصغر غالبا في القدم أو الساق (وأحيانا بالعين) ثم يبدأ بالانتشار في كل مكان واتجاه بينهما هو يزيد وينمو في مكان ظهوره الأول، فيهاجم العقد الليمفاوية بأعلى الفخذ ويغزو الدم ويستقر في الكبد ويدمرها وقد يستقر في كافة الأعضاء ومنها العظام والأحشاء بما فيها الكليتان ولربما يعقب غزو الكليتين البول الأسود نتيجة لتهتك الكلي بالسرطان الخبيث الغازي.. وقد ينتقل للجنين في بطن أمه. ولنا أن نتصور حالة إنسان مصاب بكل هذا يتمنى الموت فيه خلاصا من الآلام والدمار. ولا يمهل هذا المرض صاحبه طويلا ولا يمثل العلاج بالجراحة فرصة للنجاة كباقي أنواع السرطان الخبيث. علما بأن هذا السرطان الخبيث لا يستجيب اطلاقا للعلاج بجلسات الأشعة.

стр. 2862

وبعد، فعلى الرغم من أن التدخين يسبب سرطان الرئة وسرطان المثانة وأمراض القلب والتهاب الشعيبات الهوائية المزمن إلا أن، نسبة المدخنين ثابتة بل لربما في تزايد وأقصى ما فعلته الجهات الصحية في أوروبا أن أجبرت شركات الدخان أن تكتب عبارة (التدخين قد يضر بالصحة!) وذلك على كل علبة من الدخان. وعلى الرغم من أن أمراض الخمر كثيرة جدا وقاتلة فأقصى ما فعلته الجهات الصحية المسؤولة في بعض البلدان أن حذرت الناشئة من تعاطيها.. وعلى الرغم من أن أمراض الزنا (الأمراض السرية) أبادت ملايين الناس رجالا ونساء عبر السنين إلا أن الزنا منتشر. وعليه فلا نتوقع أن يبدأ المسؤولون في نصح الفتيات بعدم ارتداء الملابس القصيرة إلا بعد أن تسقط الضحايا منهن بالآلاف.. ضحايا للاستغلال والمصالح الخاصة والكسب الحرام على حساب أرواح البشر. فإلى فتياتنا ولمن يشجعهن على التخلي عن زيهن الإسلامي محاكاة وتقليدا ها قد تبين لنا أن التقليد ضار بل يؤدي للهلاك في الدنيا وفي الآخرة.. فسواء من الناحية المادية فالأثمان باهظة ومرتفعة.. أم من الناحية الاجتماعية تفكك وميوعة وضلال. أم من الناحية الصحية فالعذاب البدني والموت المحقق.. ولعذاب الآخرة أشد وأبقى.. ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَاراً خَالِداً فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾ وعلى فتياتنا المسلمات أن يفوتن الفرصة على دعاة الفساد وأن يتمسكن بتعاليم دينهن الحنيف يكسبن رضاء الله ويسلمن دنيت وينجين آخرة.

стр. 2863

الإسلام والحياة فريضة التفكير في الإسلام بقلم الشيخ: أحمد عبد الرحيم السايح من علماء الأزهر .. والوسائل التي اتخذها الإسلام لنشر العلم تعتمد على عدة خطوات أهمها: أولا – التأمل والدراسة والتدبر في ملكوت السماوات والأرض وما خلق الله من كائنات. ثانيا- البحث العملي بالانتشار في أقطار الأرض لدراسة الجبال والأنهار والصحاري والبحار ومعرفة النبات والحيوان ووسائل الاستفادة من كل هذه الكائنات ﴿وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقاً لَكُمْ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْفُلْكَ لِتَجْرِيَ فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَسَخَّرَ لَكُمُ الأَنْهَارَ وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دَائِبَيْنِ وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَآتَاكُمْ مِنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ﴾ ، ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لَكُمْ مِنْهُ شَرَابٌ وَمِنْهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ يُنْبِتُ لَكُمْ بِهِ الزَّرْعَ وَالزَّيْتُونَ وَالنَّخِيلَ وَالأَعْنَابَ وَمِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ ، ﴿وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومُ مُسَخَّرَاتٌ بِأَمْرِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ ، ﴿وَمَا ذَرَأَ لَكُمْ فِي الأَرْضِ مُخْتَلِفاً أَلْوَانُهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ﴾ ، ﴿وَهُوَ الَّذِي سَخَّرَ الْبَحْرَ لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْماً طَرِيّاً وَتَسْتَخْرِجُوا مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا وَتَرَى الْفُلْكَ مَوَاخِرَ فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾

стр. 2864

فالله لم يخلق هذه الكائنات عبثا وإنما سخرها لنا لننتفع بها بعد دراسة أساليب هذا الانتفاع، على أن نستخدم العقل والحواس معا في سبيل استنباط أيسر السبل وأسهل الوسائل لهذا الانتفاع، وكثيرا ما يلفتنا إلى أن وسيلة العلم هي البحث والتفكير ﴿وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لا تَعْلَمُونَ شَيْئاً وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَالأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ وقد يغفل الناس عن أمر فيلفتهم إليه ليستغلوه ﴿وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ﴾ ثالثا – الاستفادة مما تركه السابقون من معارف وعلوم وآثار ليمحصوها ثم يضيفوا إليها ما يهديهم إليه البحث من حقائق ونظريات ﴿قُلْ سِيرُوا فِي الأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ﴾ ، وللاتعاظ بما وقع فيه السابقون من أخطاء ﴿أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَكَانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً﴾ ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لا تَعْمَى الأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ وكثيرا ما يضرب لهم الأمثلة بالأمم السابقة ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ. إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ. الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلادِ. وَثَمُودَ الَّذِينَ جَابُوا الصَّخْرَ بِالْوَادِ. وَفِرْعَوْنَ ذِي الأَوْتَادِ الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلادِ فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسَادَ فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ﴾

стр. 2865

وكثيرا ما يلفتهم إلى أن الحكمة ضالة المؤمن يلتمسها أنى وجدها ﴿وَفِي الأَرْضِ آيَاتٌ لِلْمُوقِنِينَ﴾ ثم يقرع الغافلين عن البحث والدرس والملاحظة التجريبية ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ آيَةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ﴾ ثم يدعو إلى سؤال علماء الأمم السابقة أو من ورثوا عنها هذه العلوم للمعرفة والتثبت ﴿فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ فَاسْأَلِ الَّذِينَ يَقْرَأُونَ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكَ﴾ رابعا – الرحلة في طلب العلم: قال تعالى: ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيراً﴾ وأوصى نبيه موسى ﵇ بأن يرحل في طلب العلم إلى الخضر ويتنقل معه دارسا متعلما. ويقول الرسول صلوات الله عليه: "من سلك طريقا يطلب فيها علما سلك الله به طريق من طرق الجنة" وتلبية لهذا الأمر شد المسلمون الأولون الرحال وقطعوا الفيافي وجابوا البحار في طلب الحديث والفقه وعلوم الدين فنشروا العلم في أنحاء الأرض ونهضوا بالثقافة الإنسانية إلى عنان السماء وأسسوا حضارة عملية سيطرت على العالم كله مئات السنين.

стр. 2866

والإسلام حين جعل العلم فريضة واجبة الأداء ألزم العلماء بنشر العلم وبث المعرفة دون انتظار مثوبة أو جزاء قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللاَّعِنُونَ إِلاَّ الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا فَأُولَئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ كما توعد الله من حرف الحقائق العلمية ليتخذها وسيلة إلى الضلال. قال تعالى في بني إسرائيل: ﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ﴾ وقد ورد في الحديث الشريف: "من كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده من النار" وقال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لا يُفْلِحُونَ﴾ وقال جل شأنه: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّخِذَهَا هُزُواً أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾ ومن هذا كله نستطيع التأكيد أن الإسلام هو دين العلم والمعرفة والحق.

стр. 2867

محمد رسول الله ﷺ بقلم الشيخ محمود عبد الوهاب قايد ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ﴾ [١] ، هكذا قال الله في كتابه ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلاً﴾ [٢] والشواهد على رسالته ﷺ كثيرة لا يحصيها العد، ولا تقف عند حد، ويكفينا أن نلم بطرف منها، ولنعد إلى العصر الذي ظهر فيه، والى البيئة التي نشأ فيها، ولنعد إلى سيرته وقد اهتم بها المحدثون والمؤرخون فسجلوا بكل دقة وعناية كل ما يتعلق بها، سجلوا أقواله وأفعاله، سجلوا صفاته وحركاته وسكناته وإشاراته، سجلوا كل ما بدر منه أو صدر عنه. ومن يفحص هذا التراث الضخم، ويتأمل ما يطويه وما يحتويه، يخرج منه مستيقنا بصدق رسالته، وصحة نبوته. نعم.. لقد نشأ ﵊ في عصر سادت فيه الجهالة، وعمت فيه الضلالة، وشاعت فيه الغواية، شب بين قوم أميين، وثنيين غير موحدين، يكفرون باليوم الآخر، ويحيون حياة اللهو والمجون، يتعصبون للأهل، يفتخرون بالأنساب، ويتقاتلون لأتفه الأسباب، كانوا قبائل متفرقة، وعشائر متمزقة، لا تربطهم رابطة، ولا تجمعهم جامعة، لم ينصهروا ليعيشوا أمة واحدة، ولم يكن لهم دولة لها مقومات الدولة من حكومة لها سلطان، وجيش يدفع عنها العدوان، ودستور يفصل الحقوق والواجبات وقانون يبين العقوبات. في هذا العصر، وفي هذه البيئة نشأ ﵊.

стр. 2868

ويجمع المؤرخون على أنه ﷺ كان راجح العقل، ثاقب الفكر، سديد الرأي، طاهر القلب، عظيم النفس، صافي الروح، نقي السريرة، كريم الخلق، عالي الهمة، يترفع عن السفاسف والنقائص، ويبتعد عن الدنايا والرذائل، وكان طول حياته حسن السمعة، نابه الذكر، معروفا بين قومه بالصدق والأمانة. والميل إلى حياة الجد، والبعد عن أماكن اللهو، والعزوف عن عبادة الأوثان. وهنا ينبغي أن نسأل أيمكن لهذا الذي عرف بالأمانة، واشتهر بالصدق فيما بين الناس أن يتجرأ على الكذب، وأن يكون أول من يتجرأ عليه، الإله الذي يدعو الناس إليه، ويرهبهم بعقابه، يخوفهم من عذابه، الإله الذي يسيطر على شعوره، ويمتلك كل أموره؟ كذلك ينبغي أن نسأل، ولماذا خرج على حكم البيئة، وللبيئة سلطانها وتأثيرها؟ لقد عاش أربعين سنة كاملة وسط قوم مغرقين في الجهالة، منهمكين في الضلالة فلم تنتقل إليه عدواهم ولم تصبه بلواهم، فنهج منهجا فذا لا يشبه منهجهم، وسلك مسلكا بريئا لا يتفق ومسلكهم، وفي جواب السؤال الأول يقضي علينا المنطق السليم أن نقول: إن محمد ﷺ الذي كان يتحرى الصدق في أقواله وأخباره، ويتحاشى الكذب على الناس أربعين سنة لا يمكن أن يفتري على الله، ولا يمكن أن يجترئ على الكذب على مولاه.

стр. 2869

وفي جواب السؤال الأخير لا مناص أن نقول: إن هناك قوة عليا كان لها – دون شك – سلطان عظيم على قلبه وحوك شديد في صدره، وأثر بالغ في نفسه، انمحى أمامها كل أثر للبيئة وصاحب هذه القوة هو الذي صنعه وصقله وهذبه وأدبه، وهو الذي طبعه على ما نشأ عليه من صفات كريمة، واتجاهات سليمة، ﴿وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ [٣] ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ [٤] ومما يستوقف النظر، ويسترعي الانتباه،أنه صلى الله بدأ فجأة وبعد أربعين سنة يعلن أنه رسول من عند الله،ويتحمس في دعوته، لا يثنيه عنها وعد أو وعيد، ولا يصرفه عنها إغراء أو تهديد عرضوا عليه المال والملك، وآذوه وبالغوا في إيذائه،واضطهدوه وأسرفوا في اضطهاده ومع هذا ظل صابرا محتسبا، يؤمل الخير ويرجوه لنفسه ولاتباعه، وتحقق فعلا ما أمله ورجاه وكلل الله بالظفر مسعاه. نعم. لقد مرت عليه أربعون سنة لا يخطر بباله، ولا يتطرق إلى ذهنه، ولا يجول بخاطره أن يمتن الله عليه بما امتن عليه به قال تعالى: ﴿قُلْ لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ وَلا أَدْرَاكُمْ بِهِ فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُراً مِنْ قَبْلِهِ أَفَلا تَعْقِلُونَ﴾ [٥] . ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَذَا الْقُرْآنَ وَإِنْ كُنْتَ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الْغَافِلِينَ﴾ [٦] ﴿وَمَا كُنْتَ تَرْجُو أَنْ يُلْقَى إِلَيْكَ الْكِتَابُ إِلاَّ رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ فَلا تَكُونَنَّ ظَهِيراً لِلْكَافِرِينَ﴾ [٧]

стр. 2870

مر عليه شرخ الشباب، وهو الوقت الذي تجيش فيه الصدور بالآمال والأماني فلم تبد منه كلمة فيها تلميح برسالة، أو إشارة لنبوة، وفي الوقت الذي تهدأ فيه النفوس الثائرة، وتسكن فيه الآمال الفائرة بدأ يعلن دعوة غيرت مجرى التاريخ أعلن أنه رسول الله، ورسالته لا تقتصر على العرب وحدهم، ولا على أهل عصره دون سواهم بل رسالته عامة، تشمل كل الذي في عهده، وكل الذي يجيئون من بعده. ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيراً﴾ . [٨] ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ . [٩] ونبحث عن مفهوم هذه الدعوة، ويثير الانتباه أن الذي جاء بها أمي نشأ بين أميين مغرقين في الأمية لكن أول كلمة وجهت إليه، وأنزلت عليه كلمة (اقرأ) ، نعم. إن أول ما نزل عليه ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ . [١٠] " ونعجب بل يعجب هو لهذا الأمر ولكن دهشته تزول على الفور حين يحس بفيوضات من الله تحل به، ونفحات منه تتنزل على قلبه، وبعدها منح من مالك الملك وملك الملوك شهادة فخرية، رشحته بحق ليكون أستاذ البشرية، ومعلم الإنسانية، وهادي البرية، يرشدها إلى كل خير تحتاجه في حاضرها ومستقبلها، وصدق الله العظيم إذ يقول ﴿كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولاً مِنْكُمْ يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِنَا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ﴾ [١١] هذه الدعوة التي جاء بها يجب أن نتعرف عليها، ونبحث عن هدفه منها، وقصده من تبليغها، ونبحث أيضا عن آثارها في نفوس الذي آمنوا بها وأخيرا نعرف ما حققته لهم من عز وظفر وسلام ووئام، وسيادة وسعادة.

стр. 2871

لقد جاء النبي ﷺ ليربط بين الناس وإله الناس، وليوثق العلاقة بينهم وبين ربهم عن طريق العقيدة الصحيحة، والعبادة الخالصة فدعاهم إلى الإيمان بالله وحده وحذرهم من أن يشركوا مع الله أحدا ودعاهم أيضا إلى الإيمان بملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر ودعاهم كذلك إلى إخلاص العبادة لله. قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالا بَعِيداً﴾ [١٢] . وقال: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾ [١٣] . كذلك جاء ﵊ يدعو إلى عمارة الكون، والإحسان إلى خلق الله، وربط الناس بعضهم ببعض عن طريق المعاملة الكريمة، والسياسة الحكيمة، والعمل الصالح، والتعاون المثمر والعدل النزيه، والإحسان المجدي، فلا بطالة ولا تواكل، ولا تعاون على الشر، ولا تعصب للباطل ولا عكوف على الشهوات والمنكرات، ولا انتهاك للحرمات، ولا إهمال للحقوق والواجبات. قال تعالى: ﴿وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ وَسَتُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [١٤]

стр. 2872

وقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ [١٥] وقال: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ [١٦] وقال: ﴿وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ [١٧] . وقال: ﴿لا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ [١٨] وهنا نسأل: أكان يمكن أن يتلقى دعوة التوحيد من مجتمع وثني يقول: ﴿أَجَعَلَ الآلِهَةَ إِلَهاً وَاحِداً إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ﴾ [١٩] أكان يمكن أن يتلقى عقيد البعث والإيمان باليوم الآخر من مجتمع يقول: ﴿أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَاباً ذَلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ﴾ [٢٠] ويقول في سخرية واستنكار: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا هَلْ نَدُلُّكُمْ عَلَى رَجُلٍ يُنَبِّئُكُمْ إِذَا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّكُمْ لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ [٢١] أكان يمكن أن يتلقى الأمر بأن للفقير حقا على الغني يجب أن يسلمه، من مجتمع يقول: ﴿أَنُطْعِمُ مَنْ لَوْ يَشَاءُ اللَّهُ أَطْعَمَه﴾ [٢٢] أكان يمكن أن يتلقى هذا التوجيه الكريم: ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطاً﴾ [٢٣]

стр. 2873

أكان يمكن أن يتلقى مثل هذا التوجيه الكريم من مجتمع يباهي بالأحساب، ويفاضل بين الأنساب ولا يسوي بين بني آدم ويقول كبراؤه في صلف وكبرياء: "لن نؤمن لك حتى تطرد من معك من الفقراء والضعفاء"؟ أكان يمكن أن يتلقى الدعوة بالوقوف إلى جانب الحق عن وعي وبصيرة وتقليم ظفر العصبية الجاهلية من مجتمع يعيش عليها ويفاخر بها ويحارب في سبيلها؟ أكان يمكن أن يتلقى الأمر بمحاربة المنكرات من مجتمع يمارس الشرور ويعاقر الخمور، ويبالغ في الفجور؟ لقد كان كل شيء يدل على أنه صادق في دعواه وأنه – كما كان يقول – رسول من عند الله أميته ودعوته: أمي يعلم الأميين بل يعلم المتعلمين إلى يوم الدين. وفي كشف ما جاء به من علوم ونظم وقوانين وذخائر ورائعات يتخصص النوابغ ليظفروا بأرقى الشهادات: كفاك بالعلم في الأمي معجزه في الجاهلية والتأديب في اليتم. في العلم إن دانت لك العلماء يا أيها الأمي حسبك رتبة أمي يتخرج من جامعته الإسلامية حكام وساسة وجنود وقادة، وفقهاء وحكماء وحساب وكتاب، ومحدثون ومدرسون، ووعاظ ومفتون، وقضاة عادلون. خرجت هؤلاء وهؤلاء وما كان سقفها سوى الجريد وفراشها سوى الحصباء. ودعوة جامعة لكل خير، مانعة من كل شر، صالحة لكل زمان ومكان، يستبعد العقل أن تنبثق من أرض تموج بالشهوات والمنكرات والأهواء، ويؤكد الفكر الحصيف الواعي أنها وحي تنزل من السماء. وبعد..

стр. 2874

فيكفي برهانا على صدق الرسول ورسالته، ودليلا على عظم دعوته، أنها أخرجت العرب من الظلمات إلى النور، ومن الجهل إلى العلم، ومن الخصام إلى الوئام ومن الفرقة إلى الوحدة، ومن العداوة إلى الألفة ومن الجمود إلى الحركة، يكفي أنها أقامت للعرب في أقل من قرن إمبراطورية واسعة الأنحاء، شاسعة الأرجاء لا يستطيع البليغ أن يبين مداها بأبلغ ولا بأوجز مما قاله أحد الخلفاء وقد رأي سحابة في السماء: (امطري حيث شئت فإن خراجك سيحمل الينا) إمبراطورية لها حاسم يقوم على شؤونها، وجيش يسهر على رعايتها وتأمين حدودها، ويعمل على مصلحة الدولة والدعوة، ودستور يتحاكم إليه الحاكم والمحكوم، وقانون ينصف كل مظلوم: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِداً وَمُبَشِّراً وَنَذِيراً وَدَاعِياً إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجاً مُنِيراً وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ بِأَنَّ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ فَضْلاً كَبِيراً﴾ [٢٤] نسأل الله أن يزيدنا إيمانا برسالته، ويوفقنا للعمل بدعوته إنه سميع قريب مجيب الدعاء وهو نعم المولى ونعم النصير. -------------------------------------------------------------------------------- [١] سورة الفتح – آية ٢٩ [٢] سورة النساء آية ١٢٣ [٣] سورة الجمعة آية ٢ [٤] سورة الجمعة آية ٢١ [٥] سورة يونس آية ١٦ [٦] سورة يوسف آية ٣ [٧] سورة القصص آية ٨٦ [٨] سورة الفرقان آية ١٠٧ [٩] سورة الأنبياء آية ١٠٧ [١٠] سورة اقرأ الآية الأولى [١١] سورة البقرة الآية ١٥١ [١٢] سورة النساء الآية ١٣٦ [١٣] سورة البينة الآية ٥ [١٤] سورة التوبة آية ١٠٥ [١٥] سورة النحل آية ٩٠

стр. 2875

[١٦] سورة المائدة الآية ٢ [١٧] سورة المائدة آية ٨ [١٨] سورة الممتحنة آية ٨ [١٩] سورة ص آية ٥ [٢٠] سورة ق آية ٣ [٢١] سورة سبأ آية ٧ [٢٢] سورة يس أية ٤٧ [٢٣] سورة الكهف آية ٢٨ [٢٤] سورة الأحزاب آيات ٤٥-٤٧
следующие страницы →