Полный текст (23 804 стр.). Показаны 2871–2910 · переход к 2876.
стр. 2871
لقد جاء النبي ﷺ ليربط بين الناس وإله الناس، وليوثق العلاقة بينهم وبين ربهم عن طريق العقيدة الصحيحة، والعبادة الخالصة فدعاهم إلى الإيمان بالله وحده وحذرهم من أن يشركوا مع الله أحدا ودعاهم أيضا إلى الإيمان بملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر ودعاهم كذلك إلى إخلاص العبادة لله.
قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالا بَعِيداً﴾ [١٢] . وقال: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾ [١٣] .
كذلك جاء ﵊ يدعو إلى عمارة الكون، والإحسان إلى خلق الله، وربط الناس بعضهم ببعض عن طريق المعاملة الكريمة، والسياسة الحكيمة، والعمل الصالح، والتعاون المثمر والعدل النزيه، والإحسان المجدي، فلا بطالة ولا تواكل، ولا تعاون على الشر، ولا تعصب للباطل ولا عكوف على الشهوات والمنكرات، ولا انتهاك للحرمات، ولا إهمال للحقوق والواجبات.
قال تعالى: ﴿وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ وَسَتُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [١٤]
стр. 2872
وقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ [١٥] وقال: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ [١٦] وقال: ﴿وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ [١٧] . وقال: ﴿لا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ [١٨]
وهنا نسأل:
أكان يمكن أن يتلقى دعوة التوحيد من مجتمع وثني يقول:
﴿أَجَعَلَ الآلِهَةَ إِلَهاً وَاحِداً إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ﴾ [١٩]
أكان يمكن أن يتلقى عقيد البعث والإيمان باليوم الآخر من مجتمع يقول:
﴿أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَاباً ذَلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ﴾ [٢٠]
ويقول في سخرية واستنكار:
﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا هَلْ نَدُلُّكُمْ عَلَى رَجُلٍ يُنَبِّئُكُمْ إِذَا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّكُمْ لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ [٢١]
أكان يمكن أن يتلقى الأمر بأن للفقير حقا على الغني يجب أن يسلمه، من مجتمع يقول:
﴿أَنُطْعِمُ مَنْ لَوْ يَشَاءُ اللَّهُ أَطْعَمَه﴾ [٢٢]
أكان يمكن أن يتلقى هذا التوجيه الكريم:
﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطاً﴾ [٢٣]
стр. 2873
أكان يمكن أن يتلقى مثل هذا التوجيه الكريم من مجتمع يباهي بالأحساب، ويفاضل بين الأنساب ولا يسوي بين بني آدم ويقول كبراؤه في صلف وكبرياء: "لن نؤمن لك حتى تطرد من معك من الفقراء والضعفاء"؟
أكان يمكن أن يتلقى الدعوة بالوقوف إلى جانب الحق عن وعي وبصيرة وتقليم ظفر العصبية الجاهلية من مجتمع يعيش عليها ويفاخر بها ويحارب في سبيلها؟
أكان يمكن أن يتلقى الأمر بمحاربة المنكرات من مجتمع يمارس الشرور ويعاقر الخمور، ويبالغ في الفجور؟
لقد كان كل شيء يدل على أنه صادق في دعواه وأنه – كما كان يقول – رسول من عند الله أميته ودعوته:
أمي يعلم الأميين بل يعلم المتعلمين إلى يوم الدين.
وفي كشف ما جاء به من علوم ونظم وقوانين وذخائر ورائعات يتخصص النوابغ ليظفروا بأرقى الشهادات:
كفاك بالعلم في الأمي معجزه
في الجاهلية والتأديب في اليتم.
في العلم إن دانت لك العلماء
يا أيها الأمي حسبك رتبة
أمي يتخرج من جامعته الإسلامية حكام وساسة وجنود وقادة، وفقهاء وحكماء وحساب وكتاب، ومحدثون ومدرسون، ووعاظ ومفتون، وقضاة عادلون.
خرجت هؤلاء وهؤلاء وما كان سقفها سوى الجريد وفراشها سوى الحصباء.
ودعوة جامعة لكل خير، مانعة من كل شر، صالحة لكل زمان ومكان، يستبعد العقل أن تنبثق من أرض تموج بالشهوات والمنكرات والأهواء، ويؤكد الفكر الحصيف الواعي أنها وحي تنزل من السماء.
وبعد..
стр. 2874
فيكفي برهانا على صدق الرسول ورسالته، ودليلا على عظم دعوته، أنها أخرجت العرب من الظلمات إلى النور، ومن الجهل إلى العلم، ومن الخصام إلى الوئام ومن الفرقة إلى الوحدة، ومن العداوة إلى الألفة ومن الجمود إلى الحركة، يكفي أنها أقامت للعرب في أقل من قرن إمبراطورية واسعة الأنحاء، شاسعة الأرجاء لا يستطيع البليغ أن يبين مداها بأبلغ ولا بأوجز مما قاله أحد الخلفاء وقد رأي سحابة في السماء: (امطري حيث شئت فإن خراجك سيحمل الينا)
إمبراطورية لها حاسم يقوم على شؤونها، وجيش يسهر على رعايتها وتأمين حدودها، ويعمل على مصلحة الدولة والدعوة، ودستور يتحاكم إليه الحاكم والمحكوم، وقانون ينصف كل مظلوم: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِداً وَمُبَشِّراً وَنَذِيراً وَدَاعِياً إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجاً مُنِيراً وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ بِأَنَّ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ فَضْلاً كَبِيراً﴾ [٢٤]
نسأل الله أن يزيدنا إيمانا برسالته، ويوفقنا للعمل بدعوته إنه سميع قريب مجيب الدعاء وهو نعم المولى ونعم النصير.
--------------------------------------------------------------------------------
[١] سورة الفتح – آية ٢٩
[٢] سورة النساء آية ١٢٣
[٣] سورة الجمعة آية ٢
[٤] سورة الجمعة آية ٢١
[٥] سورة يونس آية ١٦
[٦] سورة يوسف آية ٣
[٧] سورة القصص آية ٨٦
[٨] سورة الفرقان آية ١٠٧
[٩] سورة الأنبياء آية ١٠٧
[١٠] سورة اقرأ الآية الأولى
[١١] سورة البقرة الآية ١٥١
[١٢] سورة النساء الآية ١٣٦
[١٣] سورة البينة الآية ٥
[١٤] سورة التوبة آية ١٠٥
[١٥] سورة النحل آية ٩٠
стр. 2875
[١٦] سورة المائدة الآية ٢
[١٧] سورة المائدة آية ٨
[١٨] سورة الممتحنة آية ٨
[١٩] سورة ص آية ٥
[٢٠] سورة ق آية ٣
[٢١] سورة سبأ آية ٧
[٢٢] سورة يس أية ٤٧
[٢٣] سورة الكهف آية ٢٨
[٢٤] سورة الأحزاب آيات ٤٥-٤٧
стр. 2876
العدد ١٨
فهرس المحتويات
١- دفع إيهام الاضطراب عن آيات الكتاب: لفضيلة الشيخ محمد الأمين الشنقيطي
٢- من ثمرات التوحيد: بقلم: الشيخ عبد القادر شيبة الحمد
٣- من أعلام المحدثين - أبو خيثمة زهير بن حرب: للشيخ عبد المحسن العباد
٤- أتوعِد سنات الرسول بمَحوها: الدكتور محمد تقي الدين الهلالي
٥- الحكم بقطع يد السارق في الشريعة الإسلامية: بقلم الدكتور: أحمد عبيد الكبيسي
٦- الإسلام حرية منظمة وإخاء: بقلم الشيخ السعيد الشربيني الشرباصي
٧- الإسلام والحياة: بقلم أحمد عبد الرحيم السايح
٨- المسئولية في الإسلام: بقلم الشيخ عبد الله قادري
٩- إلى طيبة: للشيخ أحمد مختار بزرة
١٠- قصص عن الطرق الأولية للعلاج النفسي عند العرب: للدكتور أحمد محمد سليمان
١١- من أعلام السنة النبوية: بقلم الشيخ عبد القادر بن حبيب الله السندي
١٢- أثر الاستعمار في مناهج التربية والتعليم في بعض البلاد العربية: بقلم: الشيخ محمد المهدي محمود
١٣- من الصحف والمجلات: إعداد العلاقات العامة
١٤- ندوة الطلبة - انتهت قصتي: شعر الطالب محمد محمود جاد الله
١٥- المنهج العلمي عند بعض مفكري الإسلام وعند مفكري أوربا: بقلم الطالب عبد الرزاق بسرور
١٦- خطورة الدعوة إلى كتابة اللغة العربية بالحروف اللاتينية: بقلم الطالب عبد الرحمن الأنصاري
١٧- ليس للإنسان إلا ما سعى: شعر الطالب عارف عبد الله الحسن
١٨- غايات وأهداف: بقلم الطالب سعد بن حامد المطرفي
١٩- شياطين الإنس: بقلم الطالب محمد عبد الخالق الضبع
٢٠- أخبار الجامعة: إعداد العلاقات العامة
٢١- يستفتونك: يتولى الرد على أسئلة القراء سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز رئيس الجامعة الإسلامية
عمادة البحث العلمي - جميع الحقوق محفوظة ١٤٢٣ هـ / ٢٠٠٢ م
стр. 2877
دفع إيهام الاضطراب عن آيات الكتاب
لفضيلة الشيخ محمد الأمين الشنقيطي - المدرس بالجامعة
سورة الأعلى
قوله تعالى: ﴿سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسَى إِلا مَا شَاءَ اللَّهُ﴾ الآية. هذه الآية الكريمة تدل على أن النبي ﷺ ينسى من القرآن ما شاء الله أن ينساه - وقد جاءت آيات كثيرة تدل على حفظ القرآن من الضياع كقوله تعالى: ﴿لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ﴾ وقوله: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ .
стр. 2878
والجواب أن القرآن وإن كان محفوظا من الضياع فإن بعضه ينسخ بعضا وإنساء الله نبيه بعض القرآن في حكم النسخ فإذا أنساه آية فكأنه نسخها ولا بد أن يأتي بخير منها أو مثلها. كما صرح به تعالى في قوله: ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا﴾ . وقوله تعالى: ﴿وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَكَانَ آيَةٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ﴾ . وأشار هنا لعلمه بحكمة النسخ بقوله: ﴿إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ وَمَا يَخْفَى﴾ وقوله تعالى: ﴿فَذَكِّرْ إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرَى﴾ . هذه الآية الكريمة يفهم منها أن التذكير لا يطلب إلا عند مظنة نفعه بدليل أَنْ الشرطية. وقد جاء آيات كثيرة تدل على الأمر بالتذكير مطلقا كقوله: ﴿فَذَكِّرْ إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرَى﴾ وقوله: ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾ . وأجيب عن هذا بأجوبة كثيرة منها أن في الكلام حذفا أي إن نفعت الذكرى وإن لم تنفع كقوله: ﴿سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرّ﴾ أي والبرد وهو قول الفراء والنحاس والجرجاني وغيرهم. ومنها أنها بمعنى (إذ) وإتيان (إن) بمعنى (إذ) مذهب الكوفيين خلافا للبصريين. وجعل منه الكوفيون قوله تعالى: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ وقوله تعالى: ﴿وَأَنْتُمُ الأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ وقوله تعالى: ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ وقوله تعالى: ﴿لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ﴾ وقوله ﷺ : "وإنا إن شاء الله بكم لاحقون" وقول الفرزدق:
جهارا ولم تغضب لقتل بن حازم
أتغضب إن أذنا قتيبة حزتا
وأجاب البصريون عن آيات إن كنتم مؤمنين بأن فيها معنى الشرط جيء به للتهييج وعن آية إن شاء الله والحديث بأنهما تعليم للعباد كيف يتكلمون إذا أخبروا عن المستقبل وعن البيت بجوابين:
стр. 2879
أنه من إقامة السبب مقام المسبب والأصل: أتغضب إن افتخر مفتخر بحز أذني قتيبة إذ الافتخار بذلك يكون سببا للغضب ومسببا عن الحز.
أحدهما:
أتغضب أن تبين في المستقبل أن أذني قتيبة حزتا.
الثاني:
ومنها أن معنى ﴿إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرَى﴾ الإرشاد إلى التذكير بالأهم أي ذكر بالمهم الذي فيه النفع دون ما لا نفع فيه. فيكون المعنى ذكر الكفار مثلا بالأصول التي هي التوحيد، لا بالفروع لأنها لا تنفع دون الأصول وذكر المؤمن التارك لفرض مثلا بذلك الفرض المتروك لا بالعقائد ونحو ذلك لأنه أنفع.
ومنها أن ﴿إِنْ﴾ بمعنى (قد) وهو قول قطرب.
ومنها أنها صيغة شرط أريد بها ذم الكفار واستبعاد تذكرهم كما قال الشاعر:
ولكن لا حياة لمن تنادي
لقد أسمعت لو ناديت حيا
ومنها غير ذلك.
والذي يظهر لمقيد هذه الحروف عفا الله عنه بقاء الآية الكريمة على ظاهرها وأنه ﷺ بعد أن يكرر الذكرى تكراير تقوم به حجة الله على خلقه مأمور بالتذكير عند ظن الفائدة أما إذا علم عدم الفائدة فلا يؤمر بشيء هو عالم أنه لا فائدة فيه لأن العاقل لا يسعى إلى ما لا فائدة فيه وقد قال الشاعر:
لشيء بعيد نفعه الدهر ساعيا
لما نافع يسعى اللبيب فلا تكن
стр. 2880
وهذا ظاهر ولكن الخفاء في تحقيق المناط. وإيضاحه أن يقال: بأي وجه يتيقن عدم إفادة الذكرى حتى يباح تركها. وبيان ذلك أنه تارة يعلمه بإعلام الله له به كما وقع في أبي لهب حيث قال تعالى فيه: ﴿سَيَصْلَى نَاراً ذَاتَ لَهَبٍ، وَامْرَأَتُهُ﴾ الآية. فأبو لهب هذا وامرأته لا تنفع فيهما الذكرى لأن القرآن نزل بأنهما من أهل النار بعد تكرار التذكير لهما تكرار تقوم عليهما به الحجة فلا يلزم النبي ﷺ بعد علمه بذلك أن يذكرهما بشيء لقوله تعالى في هذه الآية: ﴿فَذَكِّرْ إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرَى﴾ . وتارة يعلم ذلك بقرينة الحال بحيث يبلغ على أكمل وجه ويأتي بالمعجزات الواضحة فيعلم أن بعض الأشخاص عالم بصحة ثبوته وأنه مُصرّ على الكفر عنادا ولجاجا فمثل هذا لا يجب تكرير الذكرى له دائما بعد أن تكرر عليه تكريرا تلزمه به الحجة. وحاصل إيضاح هذا الجواب أن الذكرى تشتمل على ثلاث حكم:
خروج فاعلها من عهدة الأمر بها.
الأولى:
رجاء النفع لمن يوعظ بها وبين الله تعالى هاتين الحكمتين بقوله تعالى: ﴿قَالُوا مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ وبيّن الأولى منها بقوله تعالى: ﴿فَتَوَلَّ عَنْهُمْ فَمَا أَنْتَ بِمَلُومٍ﴾ . وقوله تعالى: ﴿إِنْ عَلَيْكَ إِلا الْبَلاغُ﴾ ونحوها من الآيات. وبين الثانية بقوله: ﴿وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ .
الثانية:
стр. 2881
إقامة الحجة على الخلق وبينها الله تعالى بقوله: ﴿رُسُلاً مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ . وبقوله: ﴿وَلَوْ أَنَّا أَهْلَكْنَاهُمْ بِعَذَابٍ مِنْ قَبْلِهِ لَقَالُوا رَبَّنَا لَوْلا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولاً﴾ الآية. فالنبي ﷺ إذا كرر الذكرى حصلت الأولى والثالثة فإن كان في الثانية طمع استمر على التذكير وإلا لم يكلف بالدوام والعلم عند الله تعالى.
الثالثة:
وإنما اخترنا بقاء الآية على ظاهرها مع أن أكثر المفسرين على صرفها عن ظاهرها المتبادر منها وأن معناها: فذكر مطلقا إن نفعت الذكرى وإن لم تنفع لأننا نرى أنه لا يجوز صرف كتاب الله عن ظواهره المتبادر منه إلا لدليل يجب الرجوع له. وإلى بقاء هذه الآية على ظاهرها جنح ابن كثير حيث قال في تفسيرها أي ذكر حيث تنفع التذكرة ومن هنا يؤخذ الأدب في نشر العلم فلا يضعه في غير أهله كما قال على ﵁: ما أنت بمحدث قوما حديثا لا تبلغه عقولهم إلا كان فتنة لبعضهم. وقال حدث الناس بما يعرفون أتريدون أن يكذب الله ورسوله.
(تنبيه) هذا الإشكال الذي في هذه الآية إنما هو على قول من يقول باعتبار دليل الخطاب الذي هو مفهوم المخالفة وأما على قول من لا يعتبر مفهوم المخالفة شرطا كان أو غيره كأبي حنيفة فلا إشكال في الآية وكذلك لا إشكال فيها على قول من لا يعتبر مفهوم الشرط كالباقلاني فتكون الآية نصت على الأمر بالتذكير عند مظنة النفع وسكت عن حكمه عند عدم مظنة النفع فيطلب من دليل آخر فلا تعارض الآية الآيات الدالة على التذكير مطلقا.
سورة الغاشية
قوله تعالى: ﴿لَيْسَ لَهُمْ طَعَامٌ إِلا مِنْ ضَرِيعٍ﴾ تقدم وجه الجمع بينه وبين قوله تعالى: ﴿وَلا طَعَامٌ إِلا مِنْ غِسْلِينٍ﴾ .
стр. 2882
قوله تعالى: ﴿فِيهَا عَيْنٌ جَارِيَةٌ﴾ الآية. ظاهر هذه الآية أن الجنة فيها عين واحدة وقد جاءت آيات آخر تدل على خلاف ذلك كقوله: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ﴾ . والجواب هو ما تقدم في الجمع بين قوله: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ﴾ مع قوله فيها: ﴿فِيهَا أَنْهَارٌ مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آسِنٍ﴾ الآية. فالمراد بالعين العيون كما تقدم نظيره في سورة البقرة وغيرها.
سورة الفجر
قوله تعالى: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفّاً صَفّاً﴾ يوهم أنه ملك واحد وقوله: ﴿صَفّاً صَفّاً﴾ يقتضي أنه غير ملك واحد بل صفوف من جماعات الملائكة.
والجواب: أن قوله تعالى: ﴿والملك﴾ معناه والملائكة ونظيره قوله تعالى: ﴿وَالْمَلَكُ عَلَى أَرْجَائِهَا﴾ . وتقدم بيانه بشواهده العربية في سورة البقرة في الكلام على قوله تعالى: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنّ﴾ الآية.
سورة البلد
قوله تعالى: ﴿لا أُقْسِمُ بِهَذَا الْبَلَدِ﴾ . هذه الآية الكريمة يتبادر من ظاهرها أنه تعالى أخبر بأنه لا يقسم بهذا البلد الذي هو مكة المكرمة مع أنه تعالى أقسم به في قوله: ﴿وَهَذَا الْبَلَدِ الأَمِينِ﴾ .
والجواب عن هذا من أوجه:
стр. 2883
الأول: وعليه الجمهور: أن ﴿لاَ﴾ هنا صلة على عادة العرب فإنها ربما لفظت بلفظة (لا) من غير قصد معناها الأصل بل لمجرد تقوية الكلام وتوكيده لقوله: ﴿مَا مَنَعَكَ إِذْ رَأَيْتَهُمْ ضَلُّوا، أَلا تَتَّبِعَنِ﴾ يعني أن تتبعني وقوله: ﴿مَا مَنَعَكَ أَلا تَسْجُدَ﴾ أي أن تسجد على أحد القولين. ويدل له قوله في سورة ص ﴿مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ﴾ الآية. وقوله: ﴿لِئَلا يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتَابِ﴾ أي ليعلم أهل الكتاب، وقوله: ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ﴾ أي فوربك، وقوله: ﴿وَلا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلا السَّيِّئَةُ﴾ أي والسيئة، وقوله: ﴿وَحَرَامٌ عَلَى قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا أَنَّهُمْ لا يَرْجِعُونَ﴾ على أحد القولين، وقوله: ﴿وَمَا يُشْعِرُكُمْ أَنَّهَا إِذَا جَاءَتْ لا يُؤْمِنُونَ﴾ على أحد القولين، وقوله: ﴿قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلا تُشْرِكُوا﴾ على أحد الأقوال الماضية وكقول أبي النجم:
لما رأين الشمط القفندرا
فما ألوم البيض ألا تسخرا
يعني أن تسخر وكقول الشاعر:
وللهو داع دائب غير غافل
وتلحينني في اللهو أن لا أحبه
يعني أن أحبه و (لا) زائدة. وقول الآخر:
نعم من فتى لا يمنع الجود قاتله
أبى جوده لا البخل واستعجلت به
يعني أبى جوده البخل و (لا) زائدة على خلاف في زيادتها في هذا البيت الأخير ولاسيما على رواية البخل بالجر لأن (لا) عليها مضاف بمعنى لفظة لا فليست زائدة على رواية الجر وقول امرئ القيس:
لا يدعي القوم أني أفر
فلا وأبيك ابنة العامري
يعني وأبيك. وأنشد الفراء لزيادة (لا) في الكلام الذي فيه معنى الجحد.
قول الشاعر:
وإلا طيبان أبو بكر ولا عمر
ما كان يرضى رسول الله دينهم
يعني وعمر و (لا) صلة وأنشد الجوهري لزيادتها قول العجاج:
بافكه حتى رأى الصبح جشر
стр. 2884
في بئر لاحور سرى وما شعر
فالحور الهلكة يعني في بئر هلكة و (لا) صلة قاله أبو عبيدة وغيره.
وأنشد الأصمعي لزيادتها قول ساعدة الهذلي:
غاب تسنمه ضرام مثقب
أفعنك لا برق كأن وميضه
ويروي أفمنك، وتشيمه بدل أفعنك وتسمنه.
يعني أعنك برق و (لا) صلة. ومن شواهد زيادتها قول الشاعر:
وكاد صميم القلب لا يتقطع
تذكرت ليلى فاعترتني صبابة
يعني كاد يتقطع. وأما استدلال أبي عبيدة لزيادتها بقول الشماخ:
يضيعون الهجان مع المضيع
أعائش ما لقومك لا أراهم
فغلط منه لأن (لا) في بيت الشماخ هذا نافية لا زائدة ومقصودة أنها تنهاه عن حفظ ماله مع أن أهلها يحفظون ما لهم أي لا أرى قومك يضيعون مالهم وأنت تعاتبيني في حفظ مالي وما ذكره الفراء من أن لفظة (لا) لا تكون صلة إلا في الكلام الذي فيه معنى الجحد فهو أغلبه لا يصح على الإطلاق بدليل بعض الأمثلة المتقدمة التي لا جحد فيها كهذه الآية على القول بأن (لا) فيها صلة وكبيت ساعدة الهذلي وما ذكره الزمخشري من زيادة (لا) في أول الكلام دون غيره فلا دليل عليه.
الوجه الثاني: أن ﴿لا﴾ نفي لكلام المشركين المكذبين للنبي ﷺ وقوله: ﴿أقسم﴾ إثبات مستأنف وهذا القول وإن قال به كثير من العلماء فليس بوجيه عندي لقوله تعالى في سورة القيامة ﴿وَلا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ﴾ لأن قوله تعالى ﴿وَلا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ﴾ يدل على أنه لم يرد الإثبات المؤتنف بعد النفي بقوله أقسم والله تعالى أعلم.
الوجه الثالث: أنها حرف نفي أيضا ووجهه أن إنشاء القسم يتضمن الإخبار عن تعظيم المقسم به فهو نفي لذلك الخبر الضمني على سبيل الكناية والمراد أنه لا يعظم بالقسم بل هو في نفسه عظيم أقسم به أولا وهذا القول ذكره صاحب الكشاف وصاحب روح المعاني ولا يخلو عندي من بعد.
стр. 2885
الوجه الرابع: أن اللام لام الابتداء أشبعت فتحتها والعرب ربما أشبعت الفتحة بألف والكسرة بياء والضمة بواو فمثاله في الفتحة قول عبد يغوث ابن وقاص الحارثي:
كأن لم تر قبلي أسيرا يمانيا
وتضحك مني شيخة عبشمية
فالأصل كأن لم تر ولكن الفتحة أشبعت - وقول الراجز:
ولا ترضاها ولا تملقي
إذا العجوز غضبت فطلق
فالأصل ترضها لأن الفعل مجزوم بلا الناهية - وقول عنترة في معلقته:
زيافة مثل الفنيق المكدم
ينباع من ذفري غضوب جسرة
فالأصل ينبع يعني أن العرق ينبع من عظم الذفرى من ناقته فأشبع الفتحة فصار ينباع على الصحيح وقول الراجز:
يا ناقتي ما جلت من مجالي
قلت وقد خرت على الكلكال
فقوله الكلكال يعني الكلكل، وليس إشباع الفتحة في هذه الشواهد من ضرورة الشعر لتصريح علماء العربية بأن إشباع الحركة بحرف يناسبها أسلوب من أساليب اللغة العربية ولأنه مسموع في النثر كقولهم كلكال وخاتام وداناق يعنون كلكلا وخاتما ودانقا. ومثله في إشباع الضمة بالواو، وقولهم: برقوع ومعلوق يعنون برقعا ومعلقا. ومثال إشباع الكسرة بالياء قول قيس بن زهير:
بما لاقت لبون بني زياد
ألم يأتك والأنباء تنمى
فالأصل يأتك لمكان الجازم - وأنشد له الفراء:
أصبحت كالشن البال
لا عهد لي بنيضال
ومنه قول امرئ القيس:
على عجل مني أطأطئ شيمالي
كأني بفتحاء الجناحين لقوة
ويروى: صيود من العقبان طأطأن شيمالي. ويروى دفوف من العقبان الخ. ويروى شملال بدل شيمال وعليه فلا شاهد في البيت إلا أن رواية الياء مشورة. ومثال إشباع الضمة بالواو قول الشاعر:
من هجو زبان لم تهجو ولم تدع
هجوت زبان ثم جئت معتذرا
وقول الآخر:
يوم الفراق إلى إخواننا صور
الله أعلم أنا في تلفتنا
من حيثما ما سلكوا أدنوا فأنظور
وإنني حيثما يثني الهوى بصري
стр. 2886
يعني فانظر، وقول الراجز:
فانهض فشد المئزر المعقودا
لو أن عمرا عم أن يرقودا
يعني يرقد، ويدل لهذا الوجه قراءة قنبل: (لأقسم بهذا البلد) بلام الابتداء وهو مروي عن البزي والحسن والعلم عند الله تعالى.
قوله تعالى: ﴿أَوْ مِسْكِيناً ذَا مَتْرَبَةٍ﴾ يدل ظاهره على أن المسكين لاصق بالتراب ليس عنده شيء فهو أشد فقرا من مطلق الفقير كما ذهب إليه مالك وكثير من العلماء وقوله تعالى: ﴿أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ﴾ الآية. يدل على خلاف ذلك لأنه سماهم مساكين مع أن لهم سفينة عاملة للإيجار.
стр. 2887
والجواب عن هذا محتاج إليه على كلا القولين - أما على قول من قال إن المسكين من عنده مالا يكفيه كالشافعي فالذي يظهر لي أن الجواب أنه يقول: المسكين عند الإطلاق ينصرف إلى من عنده شيء لا يكفيه فإذا قيد بما يقتضي أنه لا شيء عنده فذلك يعلم من القيد الزائد لا من مطلق لفظ المسكين وعليه فالله في هذه الآية قيد المسكين بكونه ذا متربة فلو لم يقيده لانصرف إلى من عنده ما لا يكفيه فمدلول اللفظ حالة الإطلاق لا يعارض بمدلوله حالة التقيد وأما على قول من قال بأن المسكين أحوج من مطلق الفقير وأنه لا شيء عنده فيجاب عن آية الكهف بأجوبة منها: أن المراد بقوله مسكين أنهم قوم ضعاف لا يقدرون على مدافعة الظلمة ويزعمون أنهم عشرة خمسة منهم زمني، ومنها أن السفينة لم تكن ملكا لهم بل كانوا أجراء فيها أو أنها عارية واللام للاختصاص، ومنها أن اسم المساكين أطلق عليهم ترحما لضعفهم. والذي يظهر لمقيده عفا الله عنه أن هذه الأجوبة لا دليل على شيء منها فليس فيها حجة يجب الرجوع إليها. وما احتج به بعضهم من قراءة علي رضى الله عنه لمساكين بتشديد السين جمع تصحيح لمساك بمعنى الملاح أو دابغ المسوك التي هي الجلود فلا يخفى سقوطه لضعف هذه القراءة وشذوذها. والذي يتبادر إلى ذهن المصنف أن مجموع الآيتين دل على أن لفظ المسكين مشكك تتفاوت أفراده فيصدق بمن عنده مالا يكفيه بدليل آية الكهف، ومن هو لاصق بالتراب لا شيء عنده بدليل آية البلد كاشتراك الشمس والسراج في النور مع تفاوتهما، واشتراك الثلج والعاج في البياض مع تفاوتهما. والمشكك إذا أطلق ولم يقيد بوصف الأشدية انصرف إلى مطلقه هذا ما ظهر والعلم عند الله تعالى. والفقير أيضا قد تطلقه العرب على من عنده بعض المال كقول مالك ومن شواهده قوال راعي نمير:
وفق العيال فلم يترك له سبد
أما الفقير الذي كانت حلوبته
فسماه فقيرا مع أن عنده حلوبة قدر عياله.
سورة الشمس
стр. 2888
قوله تعالى: ﴿فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا﴾ يدل على أن الله هو الذي يجعل الفجور والتقوى في القلب وقد جاءت آيات كثيرة تدل على أن فجور العبد وتقواه باختياره ومشيئته كقوله تعالى: ﴿فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى﴾ وقوله تعالى: ﴿اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدَى﴾ ونحو ذلك. وهذه المسألة هي التي ضل فيها القدرية والجبرية. وأما القدرية: فضلوا بالتفريط حيث زعموا أن العبد يخلق عمل نفسه استقلالا عن غير تأثير لقدرة الله فيه. وأما الجبرية فضلوا بالإفراط حيث زعموا أن العبد لا عمل له أصلا حتى يؤاخذ به. وأما أهل السنة والجماعة فلم يفرطوا ولم يفرطوا فأثبتوا للعبد أفعالا اختيارية ومن الضروري عند جميع العقلاء أن الحركة الارتعاشية ليست كالحركة الاختيارية وأثبتوا أن الله خالق كل شيء فهو خالق العبد وخالق قدرته وإرادته وتأثير قدرة العبد لا يكون إلا بمشيئة الله تعالى. فالعبد وجميع أفعاله بمشيئة الله تعالى مع أن العبد يفعل اختيارا بالقدرة والإرادة اللتين خلقهما الله فيه فعلا اختياريا يثاب عليه ويعاقب. ولو فرضنا أن جبريا ناظر سنيا فقال الجبري: حجتي لربي أن أقول إني لست مستقلا بعمل وإني لا بد أن تنفذ في مشيئته وإرادته على وفق العلم الأزلي فأنا مجبور فكيف يعاقبني على أمر لا قدرة لي أن أحيد عنه؟ فإن السني يقول له كل الأسباب التي أعطاها للمهتدين أعطاها لك جعل لك سمعا تسمع به وبصراً تبصر به وعقلا تعقل به وأرسل لك رسولا وجعل لك اختيارا وقدرة ولم يبق بعد ذلك إلا التوفيق وهو ملكه المحض إن أعطاه ففضل وإن منعه فعدل كما أشار له تعالى بقوله: ﴿قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ﴾ . بمعنى أن ملكه للتوفيق حجة بالغة على الخلق فمن أعطيه ففضل ومن منعه فعدل. ولما تناظر أبو إسحاق الإسفرائيني مع عبد الجبار المعتزلي؛ قال عبد الجبار سبحان من تنزه عن الفحشاء وقصده أن
стр. 2889
المعاصي كالسرقة والزنى بمشيئة العبد دون مشيئة الله لأن الله أعلى وأجل من أن يشاء القبائح في زعمهم، فقال أبو إسحاق: كلمة حق أريد بها باطل ثم قال: سبحان من لا يقع في ملكه إلا ما يشاء. فقال عبد الجبار: أتراه يخلقه ويعاقبني عليه؟ فقال أبو إسحاق: أتراك تفعله جبرا عليه؟ أأنت الرب وهو العبد؟ فقال عبد الجبار: أرأيت إن دعاني إلى الهدى وقضى على بالردى أتراه أحسن إلي أم أساء؟ فقال أبو إسحاق: إن كان الذي منعك منه ملكا لك فقد أساء وإن كان له فإن أعطاك ففضل وإن منعك فعدل فبهت عبد الجبار وقال الحاضرون والله ما لهذا جواب. وجاء أعرابي إلى عمرو ابن عبيد وقال له ادع الله لي أن يرد على حمارة لي سرقت مني فقال اللهم إن حمارته سرقت ولم ترد سرقتها فارددها عليه فقال له الأعرابي: يا هذا كف عني من دعائك الخبيث إن كانت سرقت ولم يرد سرقتها فقد يريد ردها ولا ترد. وقد رفع الله إشكال هذه المسألة بقوله تعالى: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ فأثبت للعبد مشيئة وصرح بأنه لا مشيئته للعبد إلا بمشيئة الله جل وعلا. فكل شيء صادر من قدرته ومشيئته جلا وعلا. وقوله: ﴿قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ﴾ وأما على قول من فسر الآية الكريمة بأن معنى فألهمها فجورها وتقواها أنه بين لها طريق الخير وطريق الشر، فلا إشكال في الآية وبهذا المعنى فسرها جماعة من العلماء. والعلم عند الله تعالى.
سورة الليل
قوله تعالى: ﴿إِنَّ عَلَيْنَا لَلْهُدَى﴾ . يدل على أن الله التزم على نفسه الهدى للخلق مع أنه جاءت آيات كثيرة تدل على عدم هداه لبعض الناس كقوله: ﴿وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾ . وقوله: ﴿وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ وقوله: ﴿كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْماً كَفَرُوا﴾ الآية. إلى غير ذلك من الآيات.
стр. 2890
والجواب هو ما تقدم من أن الهدى يستعمل في القرآن خاصا وعاما فالمثبت العام والمنفي الخاص ونفي الأخص لا يستلزم نفي الأعم وأما على قول من قال أن معنى الآية إن الطريق الذي يدل علينا وعلى طاعتنا هو الهدى لا الضلال، وقول من قال أن معنى الآية إن من سلك طريق الهدى وصل إلى الله فلا إشكال في الآية أصلا.
سورة الضحى
قوله تعالى: ﴿وَوَجَدَكَ ضَالاً فَهَدَى﴾ . هذه الآية الكريمة يوهم ظاهرها أن النبي ﷺ كان ضالا قبل الوحي مع أن قوله تعالى ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾ يدل على أنه ﷺ فطر على هذا الدين الحنيف ومعلوم أنه لم يهوده أبواه ولم ينصراه ولم يمجساه بل لم يزل باقيا على الفطرة حتى بعثه الله رسولا ويدل لذلك ما ثبت من أن أول نزول الوحي كان وهو يتعبد في غار حراء فذلك التعبد قبل نزول الوحي دليل على البقاء على الفطرة.
والجواب أن معنى قوله: ﴿ضَالاً فَهَدَى﴾ أي غافلا عما تعلمه الآن من الشرائع وأسرار علوم الدين التي لا تعلم بالفطرة ولا بالعقل وإنما تعلم بالوحي فهداك إلى ذلك بما أوحى إليك فمعنى الضلال على هذا القول الذهاب من العلم ومنه بهذا المعنى قوله تعالى: ﴿أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الأُخْرَى﴾ وقوله: ﴿لا يَضِلُّ رَبِّي وَلا يَنْسَى﴾ . وقوله: ﴿قَالُوا تَاللَّهِ إِنَّكَ لَفِي ضَلالِكَ الْقَدِيمِ﴾ .
وقول الشاعر:
بدلا أراها في الضلال تهيم
وتظن سلمى أنني أبغي بها
стр. 2891
ويدل لهذا قوله تعالى: ﴿مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلا الإِيمَانُ﴾ لأن المراد بالإيمان شرائع دين الإسلام وقوله: ﴿وَإِنْ كُنْتَ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الْغَافِلِينَ﴾ . وقوله: ﴿وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ﴾ . وقوله: ﴿وَمَا كُنْتَ تَرْجُو أَنْ يُلْقَى إِلَيْكَ الْكِتَابُ إِلا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ﴾ . وقيل المراد بقوله ضالا. ذهابه وهو صغير في شعاب مكة وقيل ذهابه في سفره إلى الشام والقول الأول هو الصحيح والله تعالى أعلم ونسبة العلم إلى الله أسلم.
стр. 2892
قصص عن الطرق الأولية للعلاج النفسي عند العرب
للدكتور أحمد محمد سليمان
دعي الرازي الطبيب العظيم ليعالج الأمير منصور الذي كان يشكو من أمراض روماتيزمية في مفاصله أعجزت كل من عاده من الأطباء ولما وصل إلى بخارى جرب طرقا عديدة لعلاج الأمير دون أن ينجح. وقال له آخر الأمر: "سأجرب في غد طريقة جديدة، ولكنها ستكلفك خير حصان وخير بغل في حظيرتك".
ووافق الأمير ووضع الحيوانين تحت تصرفه. وفي اليوم التالي ذهب الرازي بالأمير إلى حمام ساخن خارج المدينة، وربط الحصان والبغل خارجه بعد أن أسرجهما وألجمهما. ثم دخل الحجرة الساخنة وحده مع مريضه الذي وضعه تحت الدش الساخن عدة مرات وسقاه جرعة كان قد أعدها له عندما يجيء الوقت الذي تنضج الأخلاط في مفاصله.
ثم خرج ولبس ثيابه، ودخل ثانية وفي يده سكين، ووقف برهة يشتم الأمير قائلا: "لقد أمرت أن أقيد وأن ألقى في القارب، متآمرا بذلك على حياتي، وإن لم أقتلك عقابا لك على هذا فليس اسمي محمد بن زكريا، فغضب الأمير غضبا شديدا وثارت ثائرته وهب واقفا على قدميه مدفوعا بالغضب من جهة والخوف من جهة أخرى". فأسرع الرازي بالفرار من الحمام وقصد إلى حيث كان غلامه ينتظره في الخارج مع الحصان والبغل، وركب حصانه وانطلق به راكضا بأقصى سرعة، ولم يتوقف في هربه حتى عبر نهر أوكسس ووصل إلى مرو، ومن هناك كتب إلى الأمير:
"أطال الله حياة الملك. لقد بذلت في علاجك أقصى ما لدي من قدرة وفقا لما تقتضيه مهنتي. ولكن نظرا لنقص الحرارة عندك كانت مدة العلاج ستطول إلى حد بعيد، لهذا عدلت عن العلاج الطويل إلى العلاج النفساني، ولما تعرضت الأخلاط الفاسدة للحرارة في الحمام الساخن إلى الحد الكافي، أثرتك عامدا حتى أزيد حرارتك الطبيعة، وبذلك اكتسبت من القوة ما يكفي لإذابة الأخلاط التي كانت قد لانت".
стр. 2893
وخفَّت حدة غضب الأمير. وسره أن رأى صحته عادت إليه وأصبح قادرا على الحركة.
والقصة الثانية: لمريضة من أهل بيت الملك، كانت منحنية وهي تعد المائدة وأحست فجأة (بورم روماتزمي في المفاصل) فلما أردت أن تعتدل وجدت نفسها عاجزة عن ذلك. واستدعي طبيب الملك وأمر بأن يداويها، ولما لم يجد في متناوله أدوية، لجأ إلى (تدبير نفساني) فأزال أولا خمارها، ثم نطاق ثوبها مستجداً بشعور الخجل الذي (بعث فيها وهجا من الحرارة) أذاب الأخلاط الروماتزمية فوقفت منتصبة القامة وقد شفيت تماما.
والقصة الثالثة: قدم ابن سينا متخفيا إلى جرجان على ساحل بحر قزوين وهو يحاول الهرب من السلطان محمود الغزنوي، وكان أحد أقارب حاكم جرجان طريح الفراش بداء أعيا جميع الأطباء المحليين. ودعي ابن سينا لعيادته وإبداء رأيه، وبعد أن فحص المريض طلب معاونة شخص عليم بكل نواحي البلاد ومدنها. وكان هذا الشخص يذكر أسماءها بينما كان ابن سينا واضعا أصبعه على نبض المريض. فلاحظ عند ذكر بلدة معينة خفقة في نبض المريض. فقال: "أنا الآن في حاجة إلى شخص يعرف كل أحياء هذه البلدة وشوارعها وبيوتها".
ولاحظ عند ذكر اسم ساكنة من منزل بعينه مزيدا من الخفقان وحينئذ قال ابن سينا "لقد انتهيت، فالصبي يحب فتاة اسمهما كذا تقطن في منزل كذا في شارع كذا في بلدة كذا زواجه بالفتاة هو دواء المريض". فعقد له عليها في ساعة موافقة اختارها ابن سينا، وهكذا تم علاج المريض.
وهذا يدل على سرعة شفاء المريض إذا ما تحققت له أمنيته بأن يجمعه مع محبوبه برباط يقره الدين، ومن هذا يتبين أيضا خضوع الطبيعة البشرية للتخيلات الذهنية.
стр. 2894
والقصة الرابعة: أصيب أمير من أمراء أسرة بويه بالملانخوليا وخيل إليه أنه بقرة. وكان الأمير يخور كل يوم كما تفعل البقرة فتضيق لذلك صدور كل من حوله وكان يصيح "اذبحوني واصنعوا من لحمي طبقا شهيا من اليخنى"وظلت الحال تسوء حتى امتنع عن الأكل بتاتا، بينما الأطباء عاجزون عن أن يفيدوه بشيء، وأخيرا أمكن إقناع ابن سينا أن يتولى الحالة وقد وافق رغم ضغط المشاغل العامة والخاصة والسياسية والعلمية والأدبية. وكان أول ما صنع أن أرسل للمريض رسالة طلب إليه فيها أن يفرح لأن الجزار قادم لذبحه وقيل أن المريض سر لذلك. وبعد فترة من الوقت دخل ابن سيناء حجرة المريض وبيده سكين وقال "أين البقرة حتى أذبحها؟ "فخار المريض خوار البقرة ليدله على مكانه. فألقي بأمر ابن سينا على الأرض موثوق اليدين والرجلين. ثم تقدم ابن سينا فجس جسمه كله ثم قال: "إنه نحيف جدا ولا يصلح للذبح يجب أن يسمن". فقدموا إليه غذاء مناسبا فأقبل عليه يأكل منه بشهية فعادت إليه قوته تدريجيا وتخلص من وهمه، وبريء من علته تماما.
والقصة الخامسة: تروي كيف أن المنافسة بين طبيبين من أطباء البلاط بلغت أخيرا حدا جعلهما يتحدى أحدهما الآخر إلى مبارزة أو امتحان بالسم، ويقضي الاتفاق بأن يتناول كل منهما سما أعده خصمه، ثم عليه أن يحاول أن يبطل مفعوله بدواء مضاد مناسب. وأعد الأول جرعة من السم يبلغ من شدتها أن تذيب الحجارة السوداء، فشرب منافسه الكأس ثم تناول في الحال جرعة مضادة أبطلت مفعوله.
وجاء دوره، فالتقط زهرة من الحديقة، وقرأ عليها رقية وأمر خصمه بشمها: فلما فعل سقط ميتا في الحال، والسبب هو الخوف فحسب. وهنا استعمل الإيحاء لا للإبراء بل للإهلاك.
والقصة رواها الشاعر نظامي في كتابه (مخزن الأسرار) حيث يقول ما ترجمته:
стр. 2895
وبهذه الوردة التي أعطاها له قارئ الرقى تغلب الخوف على العدو فأسلم الروح فذلك بالترياق طرد السم من جسمه بينما مات هذا بالخوف بسبب ورودة.
стр. 2896
من أعلام السنة النبوية
بقلم الشيخ عبد القادر بن حبيب الله السندي
الحمد لله، وكفى، وسلام على عباده الذين اصطفى وبعد:
وقع طرفي أثناء تحضير البحث على عدة تراجم عاطرة لكبار المحدثين السلف رحمهم الله تعالى. أولئك العظام الذين حملوا لواء السنة النبوية على صاحبها الصلاة والسلام وحققوا قوله ﵎: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [١] وكنت عزمت حينئذ على دراسة أحوالهم عند التفرغ، والاطلاع على سيرتهم، ونهجهم، وسلوكهم، فيما قدموا لنا من هذه الثروة العلمية الهائلة، فوجدت في هذه الدراسة متعة روحية للقلب والضمير والنفس، وعرفت بعض ما يمكن معرفته من تقدمهم في العلم، والعمل والتضحية والفداء، وتأخرنا في كل شيء على ما كان هؤلاء الأمجاد رحمهم الله تعالى من التقى والورع، والزهد، والفضل.
من أولئك العمالقة الكرام أمير المؤمنين في الحديث وسيد الحفاظ، والنقاد أبو عبد الله سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري رحمه الله تعالى، وسوف تكون الدراسية في ترجمته على النحو الآتي:
١- نسبه، ومولده، ونشأته، وشيوخه، وتلامذته.
٢- علم سفيان الثوري فقهه وبراعة فهمه، وعلمه بتفسير القرآن.
٣- تخوف سفيان على نفسه من العلم أن لا يسلم منه.
٤- حفظ الثوري، وإتقانه.
٥- جودته لأخذه الحديث.
٦- تزكية لمن أجمل القول في السلف.
٧- كلامه في نافلة الآثار.
٨- تعظيم كل العلماء له، ونزولهم عند قوله، وفتواه.
٩- زهده، وورعه.
١٠- رسالته إلى عباد بن عباد.
١١- دخوله على السلطان، ومناصحته إياه في أموال الأمة.
١٢- تركه قبول بر الأمراء.
١٣- أدبه، وتواضعه.
١٤- حرصه على كتابة السنة.
١٥- رؤيا رجل للثوري بعد وفاته.
١٦- أمره بالمعروف، ونهيه عن المنكر.
١٧- بره بأبيه.
стр. 2897
١٨- عقيدة سفيان الثوري.
١٩- رحلة سفيان الثوري في طلب الحديث.
وأرجو الله تعالى، وأتضرع إليه أن ينفع بهذه الكتابة المتواضعة، ويجعلها خالصة لوجهه الكريم إنه ولي ذلك والقادر عليه وصلى الله، وسلم على عبده، ورسوله محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما نسبة:
فهو الثوري، بفتح الثاء المثلثة، وفي آخرها الراء، هذه النسبة إلى بطن من همدان، وبطن من بني تميم.
قال العلامة السمعاني: وأما ثور تميم فمنهم أبو عبد الله سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري، إمام أهل الكوفة، مات بالبصرة.
قلت: اختلفت الرواية في نسب سفيان الثوري، هل هو من ثور تميم، أم من ثور همدان؟
ذكر السمعاني الروايتين بإسناده، إذ يقول: أخبرنا أبو طاهر الوراق، بنواحي اندخوذ [٢] أنا أبو الحسن المؤذن، أنا أبو سعيد الصيرفي، ثنا أبو العباس الأصم ثنا العباس الدوري، ثنا شاذان، ثنا سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري، ثور بني تميم [٣] .
والرواية الثانية:
وحدثنا [٤] شعبة بن الحجاج، أبو بسطام مولى الأزد. وحدثنا شريك بن عبد الله بن شريك بن الحارث النخعي، وحدثنا عبد الله ابن المبارك الخراساني، وحدثنا الحسن بن صالح بن الحي الهمذاني، ثم الثوري ثور همذان [٥] .
قلت: أما الرواية الأولى، فأيدها الإمام المزي رحمه الله تعالى، والثانية ردها [٦] ، وقال الإمام الذهبي في حقه: الإمام شيخ الإسلام، سيد الحفاظ، أبو عبد الله الثوري، ثور مضر، لا ثور همدان [٧] .
وقال محمد بن سعد في نسبه: سفيان بن مسروق بن حبيب ابن رافع بن عبد الله بن موهبة بن أُبي ابن عبد الله بن منقذ بن نصر بن الحارث بن ثعلبة بن عامر بن ملكان ابن ثور بن عبد مناة بن أد بن طابخه ابن إلياس بن مضر بن نزار، ويكنى أبا عبد الله [٨] ، قلت: يجتمع نسب سفيان الثوري بنسب رسول الله ﷺ في جده السادس عشر، وهو إلياس بن مضر.
стр. 2898
وقال أبو العباس أحمد القلقشندي: بنو تميم من طابخه، وطابخه من عدنان، وهو بنو تميم بن مر بن أد ابن طابخة [٩] ، ثم قال: "بنو طابخه بطن من خندف من مضر من العدنانية، وهم: بنو طابخه –اسمه عمرو- بن إلياس بن مضر، سمي طابخه لأنه كان هو وأخوه في إبل لهما يرعيانها، فاصطادوا صيدا، وقعدا يطبخانه، فعدت عادية على إبلهما، فقال عمرو لعامر:
تدارك الإبل، فجاء بها، وطبخ عمرو، فلما راحا على أبيهما، وأخبراه بشأنهما، فقال لعامر: أنت مدركة، وقال لعمرو: أنت طابخه فسمى عمرو طابخه، من حينئذ [١٠]
وقال الإمام البخاري: والثوري، هو ثور بن عبد مناة بن أد بن طابخة ابن إلياس بن مضر [١١] .
وقال ابن خلكان: والثوري –بفتح الثاء المثلثة، وبعدها واو ساكنة- وراء هذه النسبة إلى ثور بن عبد مناة، وثم ثوري آخر في تميم، وثوري آخر من همدان [١٢] .
وقال ابن حزم: وهو ثور أطحل، نسب إلى أطحل، وهو جبل كان يسكنه، ولد ثور بن عبد مناة: ملكان، فولد ملكان، مالك، وعامر. منهم الفقيه أبو عبد الله سفيان بن سعيد بن مسروق بن حبيب بن رافع ابن عبد الله بن موهبة بن أبي بن عبد الله بن منقذ بن نصر بن الحارث ابن ثعلبة بن عامر بن ملكان بن ثور، وأخواه عمر ومبارك ثقات كلهم، وإن كان أبوهم سعيد أحسب الناس، ومنهم الربيع بن خشيم الفقيه.
وقال بعض العلماء بالنسب: لولا هذان الرجلان، ما عرفت ثور [١٣]
وقال ابن قتيبة: فأما عبد مناة بن أد، فمنهم يتيم بن عبد مناة، وبطونها، وعدي بن مناة، ومنهم ذو الرمة الشاعر –وعكل، وبطونها- وهؤلاء الثلاثة من الرباب، وثور بن عبد مناة وهم رهط سفيان الثوري [١٤]
قلت: ومن هنا عرفت جليا، أن أمير المؤمنين سفيان الثوري هو من ثور بني تميم، وليس من ثور همدان والله تعالى أعلم.
أما مولده:
стр. 2899
فقال ابن سعد: قال محمد بن عمر [١٥] ولد سفيان سنة سبع وتسعين في خلافة سليمان بن عبد الملك [١٦] وأكد الإمام البخاري رحمه الله تعالى مولده في خلافة سليمان بن عبد الملك إذ قال رحمه الله تعالى بإسناده: سفيان بن سعيد بن مسروق، أبو عبد الله الثوري الكوفي، قال أبو الوليد مات سنة ١٦١ قال لي ابن الأسود عن حميد بن الأسود، سألت مالكا، وسفيان فاتفقا أنهما ولدا في خلافة سليمان بن عبد الملك [١٧] .
وقال الخطيب: أخبرنا إبراهيم بن عمر البرمكي، أخبرنا محمد بن عبد الله بن خلف الدقاق، حدثنا عمر بن محمد الجوهري، حدثنا أبو بكر الأثرم، قال سمعت أبا عبد الله، ذكر عن موسى بن داود، خروج سفيان بن سعيد من الكوفة. وسنه، وهو في كتاب التاريخ، فقال: هذا سمعه سماعا كان يثبته، قال هذا مع أنه ولد سنة سبع وتسعين، وليس كما قالوا سفيان سنة سبع وتسعين [١٨] .
ثم قال الخطيب: أخبرنا حمزة بن محمد بن طاهر، أخبرنا أحمد بن إبراهيم، حدثنا عبد الله بن حمد البغوي، حدثني أحمد بن زهير، قال سمعت يحيى بن معين يقول: ولد سنة خمس وتسعين [١٩] .
قلت: هكذا رجح الخطيب وغيره من المحدثين مولد سفيان الثوري في سنة ٩٧ من هجرة الرسول الأعظم ﷺ ، وكان ذلك في نهاية خلافة سليمان بن عبد الملك الأموي وهو ابن ست وستين سنة، وكانت وفاته رحمه الله تعالى في سنة إحدى وستين ومائة فيما قاله الخطيب وغيره.
نشأة سفيان الثوري:
لم أجد مرجعا يبحث نشأة هذا الإمام البارع بالتفصيل، إلا أن هناك روايات عديدة أخرجها أصحاب كتب الرجال وهي تعطينا فكرة أصلية عما كان عليه رحمه الله تعالى من نشاط، وفضل وبر، وتقدم في العلم في صغر سنه.
стр. 2900
قال الإمام أبو القاسم حمزة بن يوسف السهمي: أخبرنا أبو الفتح يوسف بن عمر الزاهد ببغداد، حدثنا أحمد بن الحسن الواعظ، حدثنا خلف بن محمد الهمداني، السبحي [٢٠] ببيت المقدس، حدثنا عبيد الله بن عمر، حدثنا أبي، قال سمعت يوسف بن يونس الجرجاني، يحدث عن عبد الرحيم بن حبيب، قال سمعت وكيع بن الجراح، يقول: قالت أم سفيان الثوري لسفيان: يا بني أطلب العلم، وأنا أكفيك من مغزلي، يا بني إذا كتبت عشرة أحاديث، فانظر هل ترى في نفسك زيادة في مشيك، وحلمك ووقارك؟ فإن لم تر ذلك، فاعلم أنه يضرك، ولا ينفعك [٢١] .
قلت: يستدل من هذه الرواية على عدة أشياء:
١- أن سفيان رحمه الله تعالى نشأ في سنه المبكر بدراسة السنة، وكانت أمه تعينه على العلم، وتوجهه إلى الخير، وترشده إلى كيفية العمل بالسنة، وأخذها.
٢- أنها كانت رحمها الله تعالى عالمة وعابدة وزاهدة تقية وورعة تحث ابنها على تعلم العلم، وتكفيه عن مؤنة العمل وأنها كانت تكسب بيدها فتسد رمق ابنها من عملها الخاص لكي يتفرع للعلم، ويظهر هذا أنه كان في صغر سن سفيان الثوري والله أعلم.
٣- وهذا الكسب بيدها أدى إلى براعة سفيان الثوري في ورعه، وزهده، وتقواه، وفي علمه، وعمله الذي ضرب به المثل الأعلى في التضحية والفداء أمام الخلائق.
٤- كتابة السنة، عمل حافل في سجل المحدثين.
٥- ما كان يكتفون بالكتابة وحدها بل حفظها في الصدر، والعمل بها كما رأيت من نصيحة أم سفيان لابنه رحمهما الله تعالى.
قال الحافظ أبو نعيم: حدثنا إبراهيم بن عبد الله، حدثنا محمد بن إسحاق، ثنا أبو إسحاق السكوني، ثنا مبارك بن سعيد، قال رأيت عاصم بن أبي النجود، يجئ إلى سفيان الثوري يستفتيه، ويقول: أتيتنا يا سفيان صغيرا، وأتيناك كبيرا [٢٢] .
قلت: هذه الرواية أيضا تعطينا فكرة عن نشأة سفيان الثوري على أنه نشأ على العلم، والفضل والسعي وراء أخذ العلم في صغر سنه.
стр. 2901
قال الحافظ أبو نعيم: حدثنا أحمد جعفر بن سليم، حدثنا أحمد بن علي الأبار، ثنا يحي بن أيوب، ثنا أبو المنفى، قال سمعت الناس بمرو يقولون: قد جاء الثوري، فخرجت أنظر إليه فإذا هو غلام قد بقل وجهه [٢٣] .
قلت: تشعر هذه الرواية إلى أن الثوري نال شهرة رفيعة، ومكانة سامية في صغر سنه لما وجد عنده رحمه الله تعالى من رغبة صادقة وعزيمة أكيدة في أخذ حديث رسول الله ﷺ في سنه المبكر.
قال ابن سعد: أخبرنا عفان بن مسلم، قال: حدثنا خالد بن الحارث قال: حدثنا سفيان: قال: حماد ابن أبي سليمان إن في هذا الفتى لمصطنعا، يعني سفيان نفسه [٢٤] .
قلت: هكذا يتوسم فيه كبار الأئمة حال حضوره في حلقات دروسهم رحمهم الله تعالى لما كانوا يلاحظون عليه من الذكاء والخير، والرغبة، وغير ذلك من الأمور الكثيرة، فكان رحمه الله تعالى كما قالوا فيه.
قال الإمام عبد الرحمن بن أبي حاتم: حدثنا عبد الرحمن أنا محمد بن خالد الخراز، قال سمعت مقاتل بن محمد يحكي عن الوليد بن مسلم، قال رأيت الثوري بمكة يستفتى، ولما يخط وجهه بعد [٢٥]
قلت: أكتفي بهذه الروايات في نشأته رحمه الله تعالى، وسوف أواصل البحث في شيوخه، وتلامذته في حلقة قادمة إن شاء الله تعالى، وصلى الله عليه وسلم وبارك على عبده ورسوله محمد ﷺ .
--------------------------------------------------------------------------------
[١] سورة الحجر، الآية ٩.
[٢] اندخوذ: بالفتح ثم السكون وفتح الدال المهملة، وضم الخاء المعجمة، وسكون الواو، وذال معجمة بلدة بين بلخ، ومرو على طرف البر، معجم البلدان ١/٢٦٠.
[٣] الأنساب للسمعاني ٣/١٥٢، واللباب لابن الأثير ١/١٩٨-١٩٩، والاكمال لابن ماكولا ١/٥٨٦، ابن سعد ٦/٣٧١، طبقات خليفة بن خياط ١/٣٩٥.
стр. 2902
[٤] القائل: حدثنا هنا في جميع الروايات، هو شاذان واسمه الأسود بن عامر الشامي، انظر التقريب ١/٧٦.
[٥] انظر الأنساب للسمعاني ٣/١٥٢.
[٦] تهذيب الكمال ٣/٥١٦، تهذيب التهذيب لابن حجر ٤/١١١.
[٧] تذكرة الحفاظ ١/٢٠٤، والعبر في خبر من غبر ١/٢٣٥
[٨] طبقات ابن سعد ٦/٣٧١، وتاريخ بغداد ٩/١٥٤.
[٩] نهاية الأرب في معرفة أنساب العرب ١٨٨.
[١٠] المصدر السابق ٣٢٢، انظر الجمهرة ١٨٧، العبر ٢/٣١٥ر، وصبحي الأعشى ١/٣٤٧.
[١١] التاريخ الكبير ٢/٢/٩٤، انظر الجرح والتعديل ١/٢/٢٢٢
[١٢] وفيات الأعيان ٢/١٢٧-١٢٨.
[١٣] جمهرة أنساب العرب لابن حزم ٢٠١، انظر الاشتياق لابن
[١٤] المعارف ٧٤، انظر ترجمة. تهذيب الأسماء واللغات للنووي سفيان الثوري في ص٤٩٧، انظر ١١/٤٥٠، فهرست لابن النديم ١/٢٢٢، ودائرة المعارف الإسلامية إسحاق الشيرازي ١/٦٥، انظر: ٣١٤-٣١٥، وطبقات الفقهاء لابن ١٤٥ تحفة ذوي الأرب لابن خطيب الدهشة.
[١٥] هو محمد بن عمر الواقدي. انظر ترجمته: ميزان الاعتدال ٣/٦٦٢-٦٦٦، تاريخ متروك، وميزان الأعيان ٦٤٠-٧٤١، إرشاد بغداد ٣/١٩٦-١٩٧، الأنساب للسمعاني الأريب ١٨/٢٧٧-٢٨٢، تاريخ جرجان ١٦٥، طبقات لابن سعد ٥/٤٢٥-٤٣٣.
[١٦] طبقات ابن سعد ٦/٣٧١، انظر تاريخ بغداد ٩/١٥١، تذكرة الحفاظ ١/٢٠٦، والجواهر المضية ٢/٢٥٠، والجروح والتعديل لابن أبي حاتم ١/٢/٢٢٢.
[١٧] التاريخ الكبير ٢/٢/٩٣، تهذيب الكمال ٣/٥١٧، وفيات الأعيان ٢/١٢٨، والعبر في خير من غبر ١/٢٣٥-٢٣٦.
[١٨] تاريخ بغداد ٩/١٧٢
[١٩] المصدر السابق.
[٢٠] في الأصل (الشبخي) والتصحيح من المشتبه ص٢٥٢ المعلق.
[٢١] تاريخ جرجان ٤٤٩.
[٢٢] الحلية للحافظ أبي نعيم ٦/٣٥٧.
[٢٣] المصدر السابق ٦/٣٥٨، انظر الجرح والتعديل ١/٢٢٤.
стр. 2903
[٢٤] طبقات ابن سعد ٦/٣٧١، والجرح والتعديل ١/٢/٢٢٣.
[٢٥] الجرح والتعديل لابن أبي حاتم ١/٢/٢٢٤.
стр. 2904
أثر الاستعمار في مناهج التربية والتعليم في بعض البلاد العربية
بقلم: الشيخ محمد المهدي محمود
المدرس بدار الحديث التابعة للجامعة
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على من اصطفاه الله رحمة للعالمين، سيدنا محمد ﷺ ، الذي سعدت الدنيا ببعثته واستنارت برسالته، واهتدت بنور واستنارت برسالته، واهتدت بنور الله ﵎، قال جل شأنه:
﴿قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ، يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ وقال :
﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِداً وَمُبَشِّراً وَنَذِيراً، وَدَاعِياً إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجاً مُنِيراً﴾ اللهم صل وسلم وبارك على عبدك ونبيك سيدنا محمد ﷺ . أما بعد:
فحينما تجلت رحمة الله ﵎ على هذا العالم، وأراد الله له الهداية، بعث المصطفى ﷺ بخير كتاب كريم، يهدي إلى أقوم سبيل، وبذلك استنارت الدنيا بهذا المصباح السماوي المبارك، وسطعت شمس الهداية الربانية، على يد هادي البشرية، ومنقذها من الضلال، المصطفى ﷺ ، الذي كانت رسالته رحمة عامة، قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ .
رحمة عامة، شاملة مباركة، رحمة في الدنيا والآخرة، رحمة في العقيدة والتشريع والأخلاق، والنظام العام في الأسرة والمجتمع أنها رسالة الأخلاق السامية، قال صلوات الله وسلامه عليه: "إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق" فسعدت البشرية التائهة في بيداء الظلم والضلال، واهتدت بنور خالق الأرض والسماء، ، قال جل شأنه:
стр. 2905
﴿الر كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ﴾ وقال سبحانه: ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الأَلْبَابِ﴾ .
وبذلك شهدت الإنسانية نورا عاما في مناحي الحياة، نوراً في العقيدة، وحكمة في التشريع، وعظمة في الأخلاق، وضياء في المعرفة الكونية، وهداية لأقوم السبل، هداية عامة مباركة للحياتين الدنيا والآخرة، بأسلوب في أعلى مراتب البلاغة والفصاحة، مع إعجاز عام في كل أنواع المعرفة، فالقرآن بحر لا ساحل له، وتقدم العلوم والمعارف يكشف عن بعض ما في القرآن من معان تتحدى أساطين الكشف والاختراع.
درج المسلمون في عصورهم الزاهية الأولى. أيام مجدهم، وعظمتهم، وعزتهم، على العناية بكتاب الله. مصدر الهداية الحقة، ومصدر الخير والحق والنور، اقتداء برسول الله ﷺ ، فلقد كان الهادي الأمين صلوات الله وسلامه عليه يوجه عنايته التامة إلى كتاب الله ، لقد أنس بكتاب الله، رأى نور الله في التنزيل الرباني. الذي أحكمه مبدع السماوات والأرض، فعكف على ترتيل كلام الحق جل شأنه، متدبرا ما توحي به الآيات المباركة من فيض المعاني الربانية وما فيها من أسرار قدسية، ويجد أسعد أوقاته في رياض القرآن تاليا ومستمعا ومتدبرا لما ترشد إليه آيات الذكر الحكيم، ويقوم صلوات الله وسلامه عليه، يقوم الليل الطويل مرتلا للقرآن الكريم، ترتيلا لم تشهد الدنيا أجمل منه، يناجي المولى بحديث اختاره الله بعلمه، وأحكمه بقدرته، يتلو كتاب الله في السحر فتسيل عبراته على وجناته، مبللة لحيته الشريفة المباركة يرجو الله، ويستمطر رحمته، ويطلب عفوه، ويستعيد من عقوبته، يطلب رضوان الله، ويسأله الجنة، واللطف بأمته.
стр. 2906
ويأتي السلف الصالح رضوان الله عليهم فينهج سنة سيد القائمين والقانتين في العناية بكتاب الله تلاوة وعملا، ويحكمون كتاب الله في كل شيء من أمور دينهم ودنياهم، فكانت لهم السعادة، وتكونت الأمة الإسلامية في أوج عظمتها وسيادتها، فقهرت الفرس والروم، وزلزلت عروش الأكاسرة والقياصرة، ودانت لهم البلاد بالنصر والفتح المبين وصحبهم نصر الله، ونصر الله للمؤمنين الصادقين المجاهدين في ظل راية القرآن وهداية القرآن الكريم وصدق الحكتاب أنزلناه إليك مبارك ليدبروا ق ﵎: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾ .
إن هذا النور الإلهي يهدي ويوصل للتي هي أحكم وأقوم وأعدل، يهدي لأقوام الطرق وأرشدها وأكملها.
стр. 2907
ظل المسلمون على خير حال إلى أن ابتعدوا عن مصدر عزهم ومجدهم.. وأهملوا كتاب ربهم.. وفقدوا صلتهم بأخلاق القرآن وآدابه وهديه.. فمالت الراية الإسلامية وضاعت الخلافة العثمانية بسبب مؤامرات الأعداء من اليهود والصليبيين الذين توصلوا إلى تحطيم هذا الطرد الشامخ عن طريق إبعاد المسلمين عن آداب القرآن وهديه، وإشاعة الفوضى الخلقية، وبث الدسائس والفتن والمؤتمرات، وكر المستعمرون بدورهم على الدول الإسلامية يحتلونها ويسلبون خيراتها، وينشرون الفساد العام في كل ناحية من النواحي، وظهرت الحرب الصليبية من جديد، ولكنها في شكل آخر، ومظهر مغاير، بدأت الحرب الصليبية على يد إنجلترا وفرنسا وإيطاليا وأسبانيا والبرتغال وهولندا تحاول إبعاد المسلمين عن دينهم، وسلب خيرات بلادهم، وسيق أحرار الرجال إلى السجون والنفي، ولكن المستمر الماكر الخبيث يرى أن كل هذا لا يكفي، ولن يطمئن إلا إذا أبعد المسلمين عن القرآن الذي كان سببا وباعثا في بناء الدولة الإسلامية وقوتها وصمودها، فلا بد من الحيلولة بين المسلمين وبين مصدر عزهم ومجدهم وعظمتهم، وها هو ذا اللورد غلادستون يقف في مجلس العموم البريطاني ويعلن السياسة الاستعمارية في حربها للقرآن الكريم فيقول: لا قرار لكم في مصر ما دام هذا الكتاب في أيدي المصريين.
وبدأت الحرب الصليبية تسير في قوة وعنف عن طريق الغزو الفكري الصليبي، ويبدو في وضوح في الأمور الآتية:
١- الإرساليات التبشيرية
٢- المستشفيات التبشيرية
٣- المدارس الأجنبية
٤- البعثات التعليمية
٥- السيطرة على التعليم والتحكم في مناهجه وتوجيهها وجهة رسمها المستعمرون لتحقيق أهدافهم وأغراضهم.
стр. 2908
قامت الإرساليات التبشيرية بممارسة نشاطها في أفريقية وآسيا مدعمة بجميع الإمكانيات المادية من أجل أن تنشر النصرانية في ربوع أفريقية بين المسلمين وغير المسلمين وما زالت هذه الإرساليات تمارس نشاطها حتى الآن في بعض الدول بأساليب شتى، منها المستشفيات العديدة في البلاد التي تمارس فيها التبشير.
ومنها المدارس التي أنشأتها زاعمة أنها للعلم والتهذيب وهي لصبغ أبناء المسلمين بصيغة الحادية، وإبعادهم عن فهم الإسلام وتعالميه، وإخراج جيل بعيد عن الإسلام عقيدة وروحا وشعورا.
ومنها البعثات التعليمية التي تختار من بين المعروفين بميولهم الإلحادية. هذه لمحات سريعة عن خطر الإرساليات التبشيرية والمستشفيات التبشيرية، والمدارس الأجنبية التي تغزو المسلمين في أفريقية، وما زالت تمارس نشاطها في الكثير من البلاد، وكل من يقوم بجولة في ربوع أفريقية يرى بوضوح هذه السياسة التبشيرية، ويلمس حاجة المسلمين إلى المعونات الأدبية والمالية، وقد أفاض في بيان ذلك فضيلة الأستاذ محمد العبودي أمين عام الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة في كتابه القيم (في أفريقية الخضراء) واستطلع أحوال المسلمين، وناقش قضاياهم واحتياجاتهم في التوجيه الديني، والدفاع عن الإسلام، وذكر الكثير من الأمور التي تعوق نشاط المسلمين وتقدمهم بأسلوب قيم سهل جذاب.
стр. 2909
وأخطر شيء في هذا الغزو الصليبي إنما هو الاستعمار الثقافي أو الغزو الفكري الذي يحطم العقيدة والأخلاق، ويمحو شخصية الفرد والأسرة والمجتمع فيصبح الفرد منتميا للإسلام بالاسم فحسب، وتتعرض الأسرة لعوامل التحلل والتفكك ويفقد المجتمع أهم مقوماته كمجتمع مسلم ينتمي إلى الإسلام ويهتدي بهداه، ويصبح المجتمع مسلما اسما فقط بعد أن تلاشت منه مبادئ الإسلام وأركانه وأخلاقه وآدابه وعاداته وتقاليده، ومما يتوسل به الاستعمار إلى هذه الأهداف دور الخيالة (السينما) والإذاعة والصحافة، وأجهزة الإعلام عامة، فيشجع عرض الروايات الخليعة الفاجرة، وترسل الإذاعة الأغاني التي تنافي الفضيلة والحياة، وتسير الصحافة الخليعة في هذا التيار المنحرف.
ولقد تحدث الكثير من الكتاب المصلحين وقادة الرأي الإسلامي عن خطر هذه التيارات المنحلة التي هي من آثار الاستعمار والطغيان، وأوضحوا للعالم الإسلامي خطورتها على المجتمع الإسلامي.
стр. 2910
ومن المقالات القيمة التي نشرت بهذا الصدد مقال بعنوان: الغزو الفكري لفضيلة الأستاذ ممدوح فخري المدرس بكلية الدعوة وأصول الدين بالجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة، بدأ المقال بالحديث عن كارثة سقوط الخلافة الإسلامية وزوال الدولة العثمانية، وأن هذه الدولة كانت تمثل مظهرا كريما من مظاهر الوحدة الإسلامية، وأن السبب الأساسي في سقوطها الدسائس اليهودية والمؤامرات الصليبية، ثم تحدث عن فكرة فصل الدين عن الدولة، وعن فكرة القوميات والعصبيات الجاهلية، وفكرة الوطنية وفكرة العلمانية، وعن شعارات المدنية والحضارة والتقدم، وعن الحركة النسائية وفكرة تحرير المرأة ثم عن برامج التعليم، ثم يختم مقالة القيم بالحديث عن تنظيم هذه القوى الغازية والاهتمام بمراكز القوة من أجل استمرار الغزو الفكري، وأنهم يتوصلون إلى ذلك باحتلال مراكز الجيش من أجل حماية الأفكار الدخيلة المناقضة للإسلام. ١٠-هو ص ٢١ (راجع العدد الأول – السنة الثانية –– رجب سنة ١٣٨٩هـ- مجلة الجامعة الإسلامية) .
من هذه المقدمة يظهر لنا في وضوح جانب من الحرب الاستعمارية الصليبية الفكرية ضد المسلمين، بيد أن أخطرها وأعنفها إنما يتمثل في السيطرة على التعليم والتحكم في مناهجه، وتوجيهها وجهة تحقق أهداف المستعمر وتنفيذ أعراضه ومراميه..
سبق أن قلنا أن جلادستون وقف في مجلس العموم البريطاني، وأعلن عن السياسة الاستعمارية التي هي امتداد للحروب الصليبية، وأنه لا قرار للإنجليز في مصر ما دام القرآن موجودا في أيدي المصريين، ومعنى هذا أنه أعلن الحرب على القرآن وعلى الإسلام، لكي يتم تمزيق الوحدة الإسلامية، ويسهل توزيع الدول الإسلامية غنائم على المشتركين في هدم صرح الخلافة الإسلامية ثم جاء (دنلوب) إلى مصر موجها لمدارس الحكومة، فسار على أهداف (جلادستون) وظل يناوئ وحدة المسلمين واجتماع كلمتهم، ومفتاح عزهم وسيادتهم.
следующие страницы →