Полный текст (23 804 стр.). Показаны 2906–2945 · переход к 2911.
стр. 2906
ويأتي السلف الصالح رضوان الله عليهم فينهج سنة سيد القائمين والقانتين في العناية بكتاب الله تلاوة وعملا، ويحكمون كتاب الله في كل شيء من أمور دينهم ودنياهم، فكانت لهم السعادة، وتكونت الأمة الإسلامية في أوج عظمتها وسيادتها، فقهرت الفرس والروم، وزلزلت عروش الأكاسرة والقياصرة، ودانت لهم البلاد بالنصر والفتح المبين وصحبهم نصر الله، ونصر الله للمؤمنين الصادقين المجاهدين في ظل راية القرآن وهداية القرآن الكريم وصدق الحكتاب أنزلناه إليك مبارك ليدبروا ق ﵎: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾ .
إن هذا النور الإلهي يهدي ويوصل للتي هي أحكم وأقوم وأعدل، يهدي لأقوام الطرق وأرشدها وأكملها.
стр. 2907
ظل المسلمون على خير حال إلى أن ابتعدوا عن مصدر عزهم ومجدهم.. وأهملوا كتاب ربهم.. وفقدوا صلتهم بأخلاق القرآن وآدابه وهديه.. فمالت الراية الإسلامية وضاعت الخلافة العثمانية بسبب مؤامرات الأعداء من اليهود والصليبيين الذين توصلوا إلى تحطيم هذا الطرد الشامخ عن طريق إبعاد المسلمين عن آداب القرآن وهديه، وإشاعة الفوضى الخلقية، وبث الدسائس والفتن والمؤتمرات، وكر المستعمرون بدورهم على الدول الإسلامية يحتلونها ويسلبون خيراتها، وينشرون الفساد العام في كل ناحية من النواحي، وظهرت الحرب الصليبية من جديد، ولكنها في شكل آخر، ومظهر مغاير، بدأت الحرب الصليبية على يد إنجلترا وفرنسا وإيطاليا وأسبانيا والبرتغال وهولندا تحاول إبعاد المسلمين عن دينهم، وسلب خيرات بلادهم، وسيق أحرار الرجال إلى السجون والنفي، ولكن المستمر الماكر الخبيث يرى أن كل هذا لا يكفي، ولن يطمئن إلا إذا أبعد المسلمين عن القرآن الذي كان سببا وباعثا في بناء الدولة الإسلامية وقوتها وصمودها، فلا بد من الحيلولة بين المسلمين وبين مصدر عزهم ومجدهم وعظمتهم، وها هو ذا اللورد غلادستون يقف في مجلس العموم البريطاني ويعلن السياسة الاستعمارية في حربها للقرآن الكريم فيقول: لا قرار لكم في مصر ما دام هذا الكتاب في أيدي المصريين.
وبدأت الحرب الصليبية تسير في قوة وعنف عن طريق الغزو الفكري الصليبي، ويبدو في وضوح في الأمور الآتية:
١- الإرساليات التبشيرية
٢- المستشفيات التبشيرية
٣- المدارس الأجنبية
٤- البعثات التعليمية
٥- السيطرة على التعليم والتحكم في مناهجه وتوجيهها وجهة رسمها المستعمرون لتحقيق أهدافهم وأغراضهم.
стр. 2908
قامت الإرساليات التبشيرية بممارسة نشاطها في أفريقية وآسيا مدعمة بجميع الإمكانيات المادية من أجل أن تنشر النصرانية في ربوع أفريقية بين المسلمين وغير المسلمين وما زالت هذه الإرساليات تمارس نشاطها حتى الآن في بعض الدول بأساليب شتى، منها المستشفيات العديدة في البلاد التي تمارس فيها التبشير.
ومنها المدارس التي أنشأتها زاعمة أنها للعلم والتهذيب وهي لصبغ أبناء المسلمين بصيغة الحادية، وإبعادهم عن فهم الإسلام وتعالميه، وإخراج جيل بعيد عن الإسلام عقيدة وروحا وشعورا.
ومنها البعثات التعليمية التي تختار من بين المعروفين بميولهم الإلحادية. هذه لمحات سريعة عن خطر الإرساليات التبشيرية والمستشفيات التبشيرية، والمدارس الأجنبية التي تغزو المسلمين في أفريقية، وما زالت تمارس نشاطها في الكثير من البلاد، وكل من يقوم بجولة في ربوع أفريقية يرى بوضوح هذه السياسة التبشيرية، ويلمس حاجة المسلمين إلى المعونات الأدبية والمالية، وقد أفاض في بيان ذلك فضيلة الأستاذ محمد العبودي أمين عام الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة في كتابه القيم (في أفريقية الخضراء) واستطلع أحوال المسلمين، وناقش قضاياهم واحتياجاتهم في التوجيه الديني، والدفاع عن الإسلام، وذكر الكثير من الأمور التي تعوق نشاط المسلمين وتقدمهم بأسلوب قيم سهل جذاب.
стр. 2909
وأخطر شيء في هذا الغزو الصليبي إنما هو الاستعمار الثقافي أو الغزو الفكري الذي يحطم العقيدة والأخلاق، ويمحو شخصية الفرد والأسرة والمجتمع فيصبح الفرد منتميا للإسلام بالاسم فحسب، وتتعرض الأسرة لعوامل التحلل والتفكك ويفقد المجتمع أهم مقوماته كمجتمع مسلم ينتمي إلى الإسلام ويهتدي بهداه، ويصبح المجتمع مسلما اسما فقط بعد أن تلاشت منه مبادئ الإسلام وأركانه وأخلاقه وآدابه وعاداته وتقاليده، ومما يتوسل به الاستعمار إلى هذه الأهداف دور الخيالة (السينما) والإذاعة والصحافة، وأجهزة الإعلام عامة، فيشجع عرض الروايات الخليعة الفاجرة، وترسل الإذاعة الأغاني التي تنافي الفضيلة والحياة، وتسير الصحافة الخليعة في هذا التيار المنحرف.
ولقد تحدث الكثير من الكتاب المصلحين وقادة الرأي الإسلامي عن خطر هذه التيارات المنحلة التي هي من آثار الاستعمار والطغيان، وأوضحوا للعالم الإسلامي خطورتها على المجتمع الإسلامي.
стр. 2910
ومن المقالات القيمة التي نشرت بهذا الصدد مقال بعنوان: الغزو الفكري لفضيلة الأستاذ ممدوح فخري المدرس بكلية الدعوة وأصول الدين بالجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة، بدأ المقال بالحديث عن كارثة سقوط الخلافة الإسلامية وزوال الدولة العثمانية، وأن هذه الدولة كانت تمثل مظهرا كريما من مظاهر الوحدة الإسلامية، وأن السبب الأساسي في سقوطها الدسائس اليهودية والمؤامرات الصليبية، ثم تحدث عن فكرة فصل الدين عن الدولة، وعن فكرة القوميات والعصبيات الجاهلية، وفكرة الوطنية وفكرة العلمانية، وعن شعارات المدنية والحضارة والتقدم، وعن الحركة النسائية وفكرة تحرير المرأة ثم عن برامج التعليم، ثم يختم مقالة القيم بالحديث عن تنظيم هذه القوى الغازية والاهتمام بمراكز القوة من أجل استمرار الغزو الفكري، وأنهم يتوصلون إلى ذلك باحتلال مراكز الجيش من أجل حماية الأفكار الدخيلة المناقضة للإسلام. ١٠-هو ص ٢١ (راجع العدد الأول – السنة الثانية –– رجب سنة ١٣٨٩هـ- مجلة الجامعة الإسلامية) .
من هذه المقدمة يظهر لنا في وضوح جانب من الحرب الاستعمارية الصليبية الفكرية ضد المسلمين، بيد أن أخطرها وأعنفها إنما يتمثل في السيطرة على التعليم والتحكم في مناهجه، وتوجيهها وجهة تحقق أهداف المستعمر وتنفيذ أعراضه ومراميه..
سبق أن قلنا أن جلادستون وقف في مجلس العموم البريطاني، وأعلن عن السياسة الاستعمارية التي هي امتداد للحروب الصليبية، وأنه لا قرار للإنجليز في مصر ما دام القرآن موجودا في أيدي المصريين، ومعنى هذا أنه أعلن الحرب على القرآن وعلى الإسلام، لكي يتم تمزيق الوحدة الإسلامية، ويسهل توزيع الدول الإسلامية غنائم على المشتركين في هدم صرح الخلافة الإسلامية ثم جاء (دنلوب) إلى مصر موجها لمدارس الحكومة، فسار على أهداف (جلادستون) وظل يناوئ وحدة المسلمين واجتماع كلمتهم، ومفتاح عزهم وسيادتهم.
стр. 2911
إن القرآن هو سبب سيادة المسلمين وعزتهم ومجدهم، والاستعمار يريدهم دويلات مفككة ضعيفة، بل يريد لها المحو والفناء إن استطاع، فبعد أن حطم مركز الخلافة الإسلامية كر على الأمم الإسلامية ينشر فيها الفساد العام في كل نواحي الحياة: في السياسة والثقافة والقانون والأخلاق والاقتصاد والدفاع.
لقد كتب الاستعمار صفحة سوداء من الخسة والنذالة والاستبداد والعدوان والإجرام الوحشي، ويوم يكتب تاريخ الاستعمار في أفريقية وآسيا سيسجل على المستعمرين أفظع ما عرفته الإنسانية من إجرام.
جاء دنلوب إلى مصر موجها لمدارس الحكومة، منفذا لسياسة الاستعمار العدوانية، ولننقل إلى حضراتكم مقتطفات من محاضرة للدكتور محمد البهي بعنوان: مستوى الكفاية الفنية للتعليم في مصر، يقول فضيلته:
الإسلام واللغة العربية عاملان مقومان لشخصية الشعب العربي والشعب المصري على السواء، اتجه الغرب المستعمر في مصر إلى إضعاف اللغة العربية والإسلام، ونفذ إلى ذلك عن طريق التربية والتعليم، فقد عمد أولا إلى إخلاء مناهج التعليم في الابتدائي والثانوي إذ ذاك من الدين الإسلامي فضلا عن التعليم العالي، ثم جعل لغة التعليم هي اللغة الإنجليزية عدا دروس اللغة العربية، وهذه هي الخطوة الثانية.
وأضاف إلى هاتين التقليل من دروس اللغة العربية في مناهج التعليم. ثم يقول فضيلته:
стр. 2912
والاستعمار في مصر كشف في سياسته الاستعمارية للتعليم المصري عن هذا الهدف، فلورد كرومر، ينص في كتابه (مصر الحديثة) على الصلة بين أضعاف اللغة العربية وخلخلة الإسلام في نفوس المصريين وبين استقرار الاحتلال البريطاني والتقدم المدني في التعليم في مصر الذي يساعد على التعاون بين الشرق والغرب، فكلما ضعف مستوى اللغة العربية وتخلخل الإسلام سنحت الفرصة لثبات الاحتلال من جانب، وللتقدم المدني من جانب آخر، الأمر الذي يجعل الشعب يقبل على الاتصال بالغرب على أنه سيد وموجه، وأصبحت السياسة التعليمية في عهد الاستعمار ترتكز على دعامتين:
الدعامة الأولى: إضعاف الأزهر بعزله عن الحياة التعليمية العامة.
الدعامة الثانية: رعاية التقدم المدني في التعليم، وهذا التقدم يرتكز بدوره على إبعاد الثقافة الإسلامية إبعادا تاما عن مناهج التعليم وعلى تشويه تاريخ العرب والمسلمين وفي الوقت نفسه إحلال تاريخ أوروبا والشعوب الأوروبية محل التاريخ العربي ولإسلامي.
стр. 2913
ثم يورد هنا مقترحات المستر (بول اشميد) في كتابه (الإسلام قوة الغد) وتتلخص في أن يتضامن الغرب المسيحي شعوبا وحكومات، ويعيدوا الحرب الصليبية في صورة أخرى ملائمة للعصر الحديث، ولكن في أسلوب نافذ وحاسم، ويثني على سياسة البريطانيين في مصر بالنسبة للجانب التعليمي، ولكنه يأخذ عليهم أن الأزهر لم يزل بابه مفتوحا لأبناء مصر والوافدين عليه من أبناء العالم الإسلامي ويناشد البريطانيين أن يفعلوا بالأزهر كما فعل الفرنسيون بجامعة الزيتونة في تونس، وبالقيروان في الجزائر، وتثني على موسوليني في منعه طلاب ليبيا من الالتحاق بالأزهر في مصر بإنشائه في الحبشة معهدا إسلاميا يلتحق به أبناء المستعمرات الإيطالية في أفريقية له مظهر الأزهر وجوهر التعليم فيه إيطالي النزعة، وهي نزعة الاستعمار الغربي القائم على تفكيك الشخصية الإسلامية ... ثم ترك الاستعمار تلاميذه يوجهون القيادة التربوية.
هذه لمحات خاطفة ومرور عابر، وصورة سريعة عن جانب من تاريخ الاستعمار في المجال التربوي بمصر في فترة من الزمن انقضت إلى غير رجعة، وكان الحال في المستعمرات الفرنسية والإيطالية والهولندية وغيرها أسوأ حالا، فالاستعمار هو الاستعمار في كل زمان ومكان.. وشاءت إرادة الله أن يكون مصرع الاستعمار على أيدي رجال الأزهر، كما كان مصرعه في البلاد الأخرى على أيدي العلماء الذين يجاهدون في سبيل الله ابتغاء مرضاة الله ويخشونه ولا يخشون أحدا إلا الله، فنصرهم الله، ﴿إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾ .
من النصوص السابقة نرى في وضوح كيف بنى التعليم المدني، وكيف أسس وكيف غذى بتوجيهات معادية للإسلام.
стр. 2914
إنه نبات خبيث سام أسس على غير تقوى من الله، وغذى بأفكار الحادية مارقة، أسس على غير تقوى فلا يصح لنا أن نقوم فيه، ولا أن تتعلم فيه، وهذا هو السبب في أن الكثير من المسلمين في الشعوب الإسلامية كانوا يمتنعون عن إرسال أبنائهم إلى المدارس المصطبغة بهذه الصبغة في الأيام الماضية.
وعلى الرغم المحاولات التي بذلت في هذا الموضوع من أجل التقريب بين التعليم المدني وبين الصيغة الدينية وذلك بإدخال بعض المذكرات والمختصرات في العلوم الدينية والعربية هل وصلنا إلى الهدف الذي ننشده من التربية الإسلامية هل وجدنا جيلا صالحا؟ هل رأينا شبابا قويا في إيمانه وعقيدته، قويا في أخلاقه وسلوكه، قويا في رأيه وعمله في الحياة من أجل الإسلام والمسلمين؟ هل رأينا شبابا يهتدي بنور القرآن وهدي الرسول الأمين ﷺ ويقتدي بالسلف الصالح رضوان الله عليه؟
إن الحكم على التعليم المدني إنما يكون بحسب النتيجة والمشاهدة، وقديما قيل: إنما تعرف الشجرة بثمرها.
وسنضع الآن الثمرة على بساط البحث والمشاهدة، ولنشترك جميعا في رؤيتها بالمنظار المكبر.
إننا الآن أمام مرحلتين من أجل بناء المجد الإسلامي، وإعادة تكوين الأمة الإسلامية الخالدة ذات التاريخ المجيد، المرحلة الأولى مرحلة التطهير والتصفية من آثار الاستعمار عامة، والمرحلة الثانية مرحلة البناء الجديد على أساس من الكتاب والسنة وعمل الصحابة رضوان الله عليهم على أساس من التقوى وحسن الصلة بالله على أساس من القوة العامة قوة الإيمان، وقوة العمل، قوة العلم، وقوة الاختراع والابتكار.
стр. 2915
فالمسلم يرى الكون كله مجالا للعمل لما يرضى الله ﵎، فهو خليفة الله في أرضه، فلا بد أن يمسك مقاليد الخلافة بعزم، يأخذ الكتاب بقوة، حتى يصدق عليه قول الله ﵎: ﴿وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ﴾ .
المرحلة الأولى وهي مرحلة التصفية والتطهير من آثار الاستعمار عامة وفي مناهج التعليم خاصة.
لقد خلف الاستعمار تركة خبيثة في كثير من المجالات وأهمها:
الناحية التشريعية والقضائية.
أولا:
الناحية النسائية وبعدها عن الدين، وعدم تمسكها بالآداب الإسلامية.
ثانيا:
بعد الشباب عن التمسك بالأخلاق الكريمة.
ثالثا:
أجهزة الإعلام.
رابعا:
تشويه الثقافة الإسلامية.
خامسا:
ثنائية التعليم، وتمزيقه، وعدم وحدته.
سادسا:
وسنحاول بفضل الله وكرمه وتوفيقه ومعونته والهامة أن نمر على بعض هذه العناصر مرور الحكيم اللبيب، ينظر ويعتبر، ويعالج في حكمة وأناة وصبر وأن نمر على بعضها مر الكرام اكتفاء بالإشارة عن طول العبارة، وفي عبقرية السادة القراء والحمد لله ما يغني عن الإطالة.
الناحية الأولى: وهي الناحية التشريعية، والقضائية:
لقد أنزل الله القرآن هداية ونورا لكل ما يسعد الإنسان في دنياه وأخراه.
ومن ثمار هذه الهداية الربانية الهداية في الأحكام، ولقد سعدت الأمة الإسلامية في عصورها الزاهية المباركة بنعمة العمل بكتاب الله ، فعرف الناس نعمة الهدوء والأمن والاستقرار، وعاشوا في ظلال حياة وارفة الظلال طيبة الثمار الحياة السعيدة، الحياة الحقة الهادئة الطيبة المباركة، وصدق الله : ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ﴾ .
стр. 2916
ثم جاءت عصور الضعف، وجاء تلاميذ المدارس الاستعمارية، جاءوا حاكمين وموجهين، فأبعدوا الناس عن كتاب الله وعن نور الله وعن هداية الله، واستعاضوا عنها بالقوانين الوضعية التي هي من صنع البشر وتركوا قوانين السماء المعصومة عن الخطأ، أعرضوا عن هدي الله وعن نوره، فماذا كانت النتيجة؟! لقد كثرت حوادث السرقة وتعددت جرائم السلب والنهي، واجترأ اللصوص على القتل من أجل المال ومن أجل السرقة.
والصحافة خير شاهد على ما نقول ففي كل يوم تحمل لنا الصحافة مأساة دامية من أجل سرقة الأموال وكم رأينا من ضحايا يسيل دمها على الأرض يسجل حجة الله على القائمين بالتشريع، الذين كانوا سببا في سلب نعمة الأمن والهدوء والطمأنينة التي هي في ظلال هداية القرآن الكريم، وتشريعات الله، نور الله الخالد، الموصل إلى السعادة الحقة في الدنيا والآخرة.
أعرض أصحاب القوانين الوضعية عن هدي الله ونوره، لأنهم أغرموا بثقافات أجنبية، بعيدة عن الإسلام وعن نور الإيمان، تثقفوا بثقافات نبتت في بيئات الحادية كافرة، إنما هي نتاج عقول طالما كرعت من الخمر وتغذت بلحم الخنزير، وعبدت الصليب.
стр. 2917
على أن هذه القوانين الوضعية أضلت أهلها، وكانت سببا في شقائهم ثم أنها في تغير وتبدل مستمرين، فالقوانين الوضعية والمبادئ الشيوعية هما السبب المباشر في شقاء العالم وحيرته وضلاله، وأدنى مقارنة بين الأمن في البلاد السعودية، وفي أرقى بلاد العالم حضارة نجد الفارق عنيفا، أنه فرق ما بين السماء والأرض، فهنا الأمن والأمان والهدوء والطمأنينة الطيبة المباركة، أنها في ظلال هداية القرآن الكريم كتاب الباري جل وعلا، ونحن إذ نتحدث في هذه الموضوعات إنما نتحدث على مستوى عالمي، لا نقصد دولة بعينها، ولا قطراً بذاته، وإنما نقصد كل دولة سبق أن ابتليت بمحن الاستعمار، وكان الاستعمار فيها موجها، وترك تلاميذا له هم أشد خطرا منه، إنما نتحدث بروح علمية نشرح ونوجه ونعالج، ونسأل الله الهداية والتوفيق والرشاد.
العنصر الثاني من الانحرافات انحراف المرأة.
لقد رسم القرآن طريقا لسعادة المرأة، وصانها من التردي في مهاوي الرذيلة رسم لها طريق الحجاب، وأوصى بها خيرا، وأمر بمعاملتها بالمعروف والرفق بها والرحمة والشفقة، ولين الجانب في معاملتها.
والمصطفى ﷺ ضرب أعلى مثل قولا وعملا في سلوكه مع أمهات المؤمنين رضوان الله عليهن ومن أحاديثه الطيبة المباركة صلوات الله عليه وسلامه: "خيركم خيركم لأهله، وأنا خيركم لأهلي".
стр. 2918
ويعلنها المبعوث رحمة للعالمين ﷺ صريحة واضحة قوية مجلجلة تسير مع الزمن، وقد سجلت في سجل الخلود يعلن الوصية بالنساء في حجة الوداع في خطبته المباركة التي هي أعظم قانون يسير عليه البشر، يقول الهادي الأمين ﷺ : "اتقوا الله في نسائكم أخذتموهن بأمانة الله" وهل هناك شيء أعظم من الأمانة، الأمانة في أدق صورها وأكملها، وأجملها وأسماها؟ ولكن المرأة للأسف الشديد تحاول أن تهرب من سياج عزها ومجدها وشرفها وكرامتها، تحاول أن تفر إلى تقاليد الغرب التي جعلت من المرأة سلعة للجمال الرخيص المدنس، لقد أصبحت المرأة في الغرب أفعى سامة وحية رقطاء ناعمة الملمس، وفي لسعها وإغوائها وإغرائها السم المهلك والتردي والفساد.
ما أسعد المرأة في ظل الإسلام، وما أسعد الإنسان بالمرأة الصالحة التقية النقية، وما أسعد المجتمع بالنساء المؤمنات الفاضلات اللاتي يوجهن النشء إلى الآداب الإسلامية المباركة، ويربين الجيل على الفضيلة ومكارم الأخلاق، لأنهن مصدر خير ومنبع فضل، ومشرق نور وهداية.
أعددت شعبا طيب الأعراق
الأم مدرسة إذا أعددتها
والإسلام غني بالمثل العليا للسيدات المسلمات اللاتي تربين على مأدبة القرآن ونشأن في ظلال الإسلام، وفي مقدمتهن السيدة الفاضلة أم المؤمنين خديجة ﵂، التي حباها الله عقلا راجحا، وحكمة بالغة، فسعدت برسول الله وسعد بها الصادق الأمين صلوات الله وسلامه عليه.
والفضل والمنة لله ﷻ الذي أنزل الكتاب نورا وهداية يرسم للبشرية طريق السعادة في الدنيا والآخرة، ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ .
العصر الثالث: بعد الشباب عن التمسك بالأخلاق الكريمة في كثير من الدول فمن المسلم به أن سلوك الشباب يرجع إلى أمرين:
أ- البيئة التي يعيش فيها.
стр. 2919
ب- والثقافة التي ينهل منها، ويغذى روحه بها.
فإذا ما صلحت البيئة، وصفت الثقافة التي ينهل منها كان هناك شباب طاهر تسعد به الأمة الإسلامية.
العنصر الرابع: أجهزة الإعلام.
رسالة أجهزة الإعلام رسالة توجيه، فإن وجهت إلى الخير كان الخير سائدا، وإن وجهت إلى الشر أصبح الشر مستطيرا، وحينما ننظر إلى أجهزة الإعلام في غالب الدول نرى طابع الانحراف يغلب على مناهجها، ونرى تلاميذ المدرسة الاستعمارية يحاولون السيطرة على هذه الأجهزة الهامة.
إذن فهذه الأجهزة الإعلامية تحتاج إلى تطهير على أيدي علماء عرفوا سعة الاطلاع واليقظة لدسائس الغرب الصليبي المستعمر الماكر الخبيث.
والعنصر الخامس: تشويه الثقافة الإسلامية.
فقد حدث على مرحلتين:
المرحلة الأولى: يوم أن ترجمت ثقافة اليونانيين وهي ثقافة مجوسية الحادية وفلسفات ضالة، وما كان أغنى المسلمين عن الفلسفة في عصورها القديمة وعن فلسفات سقراط وأرسطو وأفلاطون وأبيقور وارستيب والفلاسفة أنفسهم لم يتفقوا على رأي ترجمت هذه الفلسفات فانهال على المسلمين صراع جدلي عنيف، ونشأت فرق كلامية وعكف فريق على هذه الدراسات، وتشعبت بمرور الزمن، وارتفعت نارها ولهيبها وانشغل بها المسلمون عن كتاب الله.. لقد كان المسلمون في عصورهم الأولى ينهلون من ينابيع صافية. فيها شفاء للناس، كانوا ينهلون من مصادر معصومة عن الخطأ، من كتاب الله ومن سنة رسول الله ﷺ ، وكتاب الله نور، ورسول الله هو السراج المنير، وحديثه تفسير وشرح وبيان لنور الحق ﵎، وأصحاب رسول الله ﷺ مثل كريمة، مثل عليا للعمل بالكتاب والسنة.
стр. 2920
والمرحلة الثانية من العدوان على الثقافة الإسلامية يوم أن جاء المستعمرون، ويوم أن جاء المستشرقون. مكن العبث بالتراث الإسلامي، ونشر الآراء الإلحادية المارقة، وبث الشبهات والضلالات بين أبناء الجامعات الشرقية، ودسوا كثيرا من الكذب والزور والبهتان في التاريخ الإسلامي وفي السيرة النبوية المطهرة، وكان لهم أذناب من كبار رجال السياسة والأدب والفلسفة هذا هو الطابع العام لأغلب المستشرقين إذ كانوا عملاء لدى وزارت الخارجية للدول المستعمرة.
على أن البعض منهم قد خلت نفسه من التعصب والحقد والكراهية فقدم خدمات علمية، على أنه يجب قراءتها بحذر، فهذا هو كتاب المنجد في اللغة لم يخل من التعبيرات الصليبية.
العنصر السادس في مرحلة التصفية والتطهير هو الحديث عن ثنائية التعليم وتمزيقه وعدم وحدته.
ولقد ظهر من النصوص السابقة أن المستعمر هو الذي أنشأ التعليم المدني وخطط له ووجهه بحسب أغراضه وأهدافه ومراميه التي تنحصر في أمرين: الحرب على الإسلام، والحرب على اللغة العربية وفي الوقت نفسه يعمل على إضعاف التعليم الديني، ويعمل على عزل المتعلمين تعليما دينيا عن الحياة وعن القيادات أيا كانت، على هذا الأساس قام التعليم المدني، ومن ثم تظهر لنا في وضوح الأمور التالية، وهي أمور تنذر بأخطر العواقب وقد برزت بنتيجتها المحزنة في كثير من البلاد الشرقية، وعلى الغيورين على الإسلام أن يبادروا إلى دراستها على نطاق واسع ومعالجتها، والله المستعان.. أهم هذه الأمور ما يلي:
تقسيم التعليم امتداد للحروب الصليبية المقنعة التي تهدف إلى إضعاف الدين الإسلامي رويداً رويداً.
أولا:
تقسيم التعليم تطبيق عملي لمبدأ فصل الدين عن الدولة وتنفيذ لمبدأ (دع ما لقيصر لقيصر، وما لله لله) فالدين في عرف هؤلاء لا يصلح لقيادة الدولة، والمتدينون لا يصلحون لتولي الوظائف العملية، فينبغي حصرهم في صوامعهم للرهبنة.
ثانيا:
стр. 2921
تقسيم التعليم تطبيق لمبدأ العلمانية.
ثالثا:
تقسيم العلوم معول هدام في صرح وحدة الأمة.
رابعاً:
تقسيم التعليم وكر خبيث من أوكار الإلحاد والتحلل والزندقة والمروق من الدين.
خامسا:
تقسيم التعليم حرب على الثقافة الإسلامية.
سادسا:
تقسيم التعليم يسبب انزواء التعليم الديني.
سابعا:
تقسيم التعليم خرج جيلا ضعيفا متهافتا غير أمين على مقدسات الإسلام.
ثامنا:
تقسيم التعليم حرب على القرآن الكريم.
تاسعا:
ولقد تحدث في هذا الموضوع فضيلة الأستاذ الألباني المدرس بالمعهد العلمي في محاضراته القيمة بعنوان: (هذا القرآن العظيم – وما يكيد له الكائدون) .
تحدث عن فضل القرآن، ثم بين موقف المستعمرين من كتاب الله بأسلوب واقعي مأخوذ من الأحداث التي وقعت، نقتطف منه العبارات الآتية:
قال فضيلته: ما دخل الكفار بلدا إسلاميا إلا صرفوا القرآن عن حياة الناس في الحكم والقضاء وفي التوجيه والتربية والثقافة والتعليم وجاءوا بقوانينهم الكفرية بديل كتاب الله، وجاءوا بأخلاقهم الخاصة وفلسفاتهم المادية، ثم يقول فضيلة: وجاءوا بالعلوم الدنيوية والتي هي وسيلة إلى فهم الإسلام فوجهوا إليها وحدها جهود الطلاب والإباء فنبتت أجيال، أبصارهم إلى التراب، وقلوبهم في التراب، نبتت أجيال ما وجدت رائحة الإيمان، ولا ذاقت حلاوة القرآن، ثم سلمهم الكفار حكم بلادهم سلمهم مقاليد التربية والتعليم فإذا هم يقررون مختلف العلوم ويصرفون أنظارهم عن القرآن وعلومه.
وهنا نتساءل: ما هو موقف حماة الدين من رواسب الاستعمار؟
ما هو موقف العلماء الإجلاء في بلاد الإسلام عامة؟
ما هو موقف ملوك ورؤساء العالم الإسلامي من مختلفات عصور الضعيف والانحلال وطغيان القوى الباغية الكافرة؟
والجواب واضح..
стр. 2922
فالعلماء عليهم أن يبلغوا وأن يوضحوا، عليهم أن يتعاونوا ويتحدوا، وأن يقوموا بنشاط هائل في المنظمات الإسلامية، وفي أجهزة الإعلام عامة، وفي نشر الرسائل، وفي كل ميدان يتأتى فيه التبليغ، وهذا واجب العلماء الذين يريدون الله والدار الآخرة.
وأما واجب الملوك والرؤساء فهو واجب التنفيذ والعمل بما يقوله العلماء فهم أمناء على الحكم، وإن الله سائلهم عما استرعاهم، وأن السعادة الحقة إنما هي في النجاة يوم لقاء الله تعالى.
واجب العلماء:
أن ينادوا بوحدة التعليم على أساس من كتاب الله ونوره وهداه، واجب العلماء أن يعلنوا للناس أن ثنائية التعليم مرض سرطاني خبيث في قلب وحدة الأمة الإسلامية، قام على أساس (فرق سد) فلا بد من العودة إلى كتاب الله، وإن الإسلام هو الذي يبني الدولة، وإن القرآن هو الذي يربي الرجال، ولن يصلح آخر هذه الأمة إلا بما صلح به أولها.
إن العلاج يقتضي منا أن نعيد التخطيط لمناهج التعليم من جديد، وأن نعيدها إسلامية صافية مشرقة نيرة واضحة وضوح الشمس. مشرقة إشراقة الضحى. جميلة جمال الزهر، صافية صفاء السلسبيل، مشرقة بنور الله وهدى رسوله الأمين ﷺ .
إن العلاج يتطلب وضع نظام تربوي جديد، يهدف إلى تكوين الشباب المسلم القوي في دينه، القوي في خلقه، القوي في علمه وتخصصه في علمه بالحياة وما يجري فيها، وكيف يملك زمام الاختراع والابتكار والكشف والعمل والصنع.
стр. 2923
إن الإسلام دين العلم والقوة والخلق، في ظلال من الله الخالق جل وعلا، لقد اشتمل كتاب الله على إجلال العلم والعلماء، واشتمل على الحقائق الكونية، وتقدم العلم يكشف عن بعض ما في القرآن من أسرار فالقرآن معجز في كل ناحية من نواحي العلم والمعرفة، بيد أن العلم في الإسلام يتسم بطابع إلهي وتوجيه رباني. إن العلم في الإسلام يبحث في الكون ويتعمق في دراسته على أنه أثر من آثار قدرة الله جل وعلا، لا يبحث في العلم استقلالا فيؤدي بحثه إلى الإلحاد والكفر، كهؤلاء الذين يبحثون المسائل العلمية باسم الطبيعة الحية.
الإسلام يبحث العلم الكوني بطابع الرحمة والخلق والنفع العام، لا من أجل التدمير والإهلاك.
فلماذا ينعزل رجال الدين في جانب آخر؟
إن هذا الانعزال إنما هو نتيجة لتوجيهات خاطئة.
إن بحوث علماء الإسلام في العصور السابقة انتفع بها الغربيون في نهضتهم وفي أبحاثهم في الكيمياء والرياضيات والفلك والطب والأخلاق ومعرفة البلدان.
فلماذا نتخلى عن هذا المجد العظيم ونترك زمامه للمستعمرين وأذناب المستعمرين.
لماذا نترك لهم القيادة ونجعلهم يتحكمون في الشعوب الإسلامية، لأنهم امتلكوا زمام القوة فغيروا وبدلوا حتى في شريعة الله..
ألم يقل الله : ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ﴾ القوة التي لا تقف عند حد.
قوة الإيمان. قوة العلم. قوة العمل. قوة الكشف والاختراع الابتكار والسبق العلمي في كل مضمار. إني استسمحكم أن أقدم لحضراتكم الطريقة التربوية الآتية:
ويسعدني أن أتقبل النقد البناء الهادف.. ويسعدني أن أتقبل النصيحة من أجل سد الخلل، ورأب الصدع، ولم الشمل، والله الموفق وهو الهادي إلى سواء السبيل..
تتلخص هذه الطريقة في وضع جوهر التربية إسلامية الأصلية في إطار حديث فنجمع بين صفاء الجوهر وجمال العرض.
стр. 2924
أولا: نبقى على مراحل التعليم في وضعها الحالي: المرحلة الابتدائية – المرحلة المتوسطة – المرحلة الثانوية – المرحلة الجامعية – مرحلة الأستاذية، ثم نأخذ جوهر التعليم والتربية الإسلامية ونضعها في هذا الإطار، وتكون المواد والمناهج كالآتي:
المرحلة الابتدائية مدتها ست سنوات تبدأ في السادسة أو الخامسة والهدف منها أولا حفظ القرآن جيدا، وحفظ الأحاديث النبوية، ودراسة السيرة النبوية في صورة مبسطة، وضرورة من حياة الصحابة رضوان الله عيهم، العبادات عمليا مع الشرح المبسط، غرس مكارم الأخلاق والحديث عن أمهات الفضائل، تحسين وإجادة الخط، إجادة مادة الإملاء، بسائط مادة الحساب، تضاف مواد أخرى تراها اللجان الفنية النقية المؤمنة بحيث لا تقلل من الأهداف السامية السابقة ولا تعتدي على الوقت المخصص لها ولا يتسبب عنها إرهاق عقلية الطفل، وتنبني هذه الطريقة على أساس من علم النفس والتربية إذ من المعلوم أن الإنسان في حداثة سنة تقوى فيه ملكة الحفظ، وتثبت عنده الفضائل التي شب عليها.
وينبغي أن تكون المدرسة الابتدائية وسط حديقة مبسطة، فيها الزهور والثمار، وفيها أيضا بعض الطيور الألفية، فيتذوق الطفل معاني الحياة الطيبة، وينشأ بين جمال الخلق وجمال الطبيعة وينبغي أن يمرن الطفل على بعض الأعمال التي تناسب قوته وميوله من أجل أن ينشأ عصاميا، ومن أجل أن ينشأ رجل الحياة والمستقبل.
المرحلة الإعدادية:
يتعلم فيها التلميذ بسائط من المواد الهامة التي تراها اللجان الفنية مع العناية بدروس الدين واللغة العربية.
المرحلة الثانوية:
وهي حلقة الاتصال بين التعليم المتوسط وبين الجامعة، وتنبني المرحلة الثانوية على التخصص المبكر وهي طريقة نهضت بها بعض الدول من كبوتها، وامتلكت بها زمام التقدم العلمي والصناعي.
стр. 2925
أما المستشارون الإنجليز وتلاميذهم فإنهم يتخمون هذه المرحلة بمناهج كاملة في مواد مختلفة فيرهقون أعصاب التلاميذ، ويتخمون عقولهم بعلوم لا يحتاجون إليها في التعليم الجامعي، وسريعا ما ينساها التلميذ على أنه لم يأخذ المقدار الكافي ولم يتخصص في العلوم التي تعده لأن يكون قويا في الجامعة، وكثيرا ما شكا أساتذة الجامعات العلمية من ضعف المستوى الجامعي الناتج عن عدم الإعداد الفني في المرحلة الثانوية، وهذا من عيوب الوضع الحالي، أما الطريقة الحديثة والنظرية التي ينادي بها رجال التربية، فهي نظام التخصص المبكر.
أذكر هذه الطريقة جيدا منذ كان فضيلة الدكتور محمد البهي وزير الأوقاف والأزهر السابق بمصر يحاضرنا في علوم التربية وعلم النفس بتخصص التدريس.. فقد كان حفظه الله يجتهد في أن يجعل منا مفكرين لخدمة الإسلام في شتى المجالات.
تعتمد هذه الطريقة على التخصص المبكر، فتقسم المدارس بحسب حاجة الوطن والبيئة، فمثلا: ثانوي طب، ثانوي زراعة، ثانوي هندسة، ثانوي ميكانيكا، وتسترسل في الأقسام بحسب حاجة البيئة وإمكانياتها.
فالمدرسة الثانوية للطب تدرس علوم الدين واللغة، ومبادئ ومقدمات وعلوم تتصل اتصالا وثيقا بتخصصه في الجامعة.
والمدرسة الثانوية للزراعة تدرس علوم الدين واللغة، وعلوما تتصل بتخصصه في الجامعة.
وهكذا الثانوية في الهندسة والطيران والملاحة وأبحاث البترول والمعادن إلى نهاية هذه الفروع، وبذلك نضمن تخريج علماء في الناحية الدينية والمدنية، ونفهم هذه العلوم فهم عبادة وتفكير في ظل تعاليم القرآن وهدي القرآن وتوجيهاته، ثم تكون المرحلة الجامعية متممة للمرحلة الثانوية، وتتلاقى معها تلاقي الزهور اليانعة بالثمار الحلوة الشهية وبذلك نقضي على ما نحن فيه الآن.
стр. 2926
إن العلم اليوم يتعرض لمحن عنيفة من أجراء المبادئ الهدامة من جراء تيارات الانحلال الخلقي، هذه التيارات التي تسير بعنف نحو الفساد العام في كل ناحية من نواحي الحياة.
إن المدينة الانحلالية أفسدت الأسر والجماعات، وأضلت الشباب فسرت موجة التقليد الفاجرة الماجنة، وإننا نخشى على الشعوب الإسلامية من خطر تسرب موجات الانحلال الخلقي الذي يسري من الدول الإلحادية الكافرة.
وإن العصمة من كل هذا إنما هي في الرجوع إلى هداية القرآن، إلى نور الله الخالد.
إن القرآن الذي أصلح جاهلية الأمس كفيل بإصلاح ما نحن فيه اليوم، إن القرآن الكريم الذي أضاء جزيرة العرب، وحول شركها توحيدا، وكفرها إيمانا وظلمها عدلا وقسوتها رحمة، وغلظتها برا وعطفا وخوفها أمنا، وجهلها علما – إن القرآن الكريم الذي جعل من كفار مكة أساتذة للعالم يضرب بهم المثل في العدل والحكمة والسياسة وقيادة الجيوش، إن هذا الكتاب المبارك، إن هذا النور الإلهي، إن هذا التوجيه السماوي كفيل بإصلاح أحوال العالم وما فيه من مشاكل، إن العالم وما فيه من ظلام، إن العالم ما فيه من ظلام المبادئ الهدامة، ظلام الانحلال الخلقي، وتيار الإباحية والإلحاد والمروق عن الدين وعن هدى الله إن هذا الانحلال الخلقي الذي يسري تيار بقوة عنيفة، ويكاد يغزو غزوا مروعا يغزو الأفراد والجماعات والشعوب، يغزو الأسرة ويبعدها عن الهدوء والاستقرار والأدب الإلهي – إن هذا الظلام المنتشر في الحياة العصرية الحديثة التي فسدت من جراء المبادئ الهدامة، والبعد عن نور الله ﵎.
стр. 2927
إننا حينما نسلط على هذا الظلام الحالي نور الله تبارك تعالى، حينما نوجه نور الحق على هذه الجاهلية الحديثة، وعلى هذه الأصنام الفكرية المجوسية التي تعبد وتقدس من دون هداية الله وتشريعاته، نرجع إلى السعادة الوارفة الظلال الطيبة الثمار، وتعود إلى رحمة الله المرسلة، ونسعد برحمة الله المهداة، ونهتدي بنور الله الذي أنزله لهداية الناس، ونعرف الحياة السعيدة وننعم بنعمة الإسلام الكبرى، وصدق الحق ﵎ إذ يقول: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الأِسْلامَ دِيناً﴾ صدق الله العظيم.
هذا وبالله التوفيق.
стр. 2928
من الصحف والمجلات
كتبت صحيفة الرائد التي تصدر في الهند في عددها السادس ما نصه:
تتلخص النتائج التي أسفرت عنها المذابح التي تعرض لها مسلمو الفلبين إلى ما يأتي:
١- إحراق أكثر من ستة آلاف من بيوت المسلمين كما أحرق أكثر من ستين مسجدا.
٢- إن ضحايا المسلمين أكثر من ثلاثة آلاف شخص رجالا ونساء وأطفالا وشيوخا.
٣- لقد هاجر أكثر من خمسين ألف أسرة من أراضيهم وهم الآن بين الموت والحياة لمعاناتهم الجوع والألم.
٤- المسلمون المهاجرون لم يستطيعون أن يحصدوا مزارعهم لطردهم من أراضيهم وإنما حصدها الجيش الفلبيني وأفراد العصابات المسيحية.
٥- استولى المسيحيون على ١٢ بلدية من أرضي المسلمين.
وجدير بالذكر أن معظم هذه الخسائر حدثت قبل أن يتحد زعماء مسلمي الفلبين وبعد اتحادهم استطاع المسلمون المقاتلون بصبرهم وشجاعتهم وإيمانهم أن ينتصروا في كثير من المعارك التي نشبت بينهم وبين الجيش الفلبيني كما استطاعوا أن يقتلوا كما استطاعوا أن يقتلوا عشرات مقابل شهيد واحد من المسلمين.
هذا وبالرغم من انتصار المسلمين في كثير من المعارك التي دارت بينهم وبين الأعداء بعد اتحاد زعمائهم بالرغم من ذلك كله فإنهم بحاجة ماسة إلى المال والسلاح والذخيرة الأمر الذي دعاهم إلى مناشدة زعماء الدول العربية والإسلامية الوقوف إلى جانبهم بالعون المادي والمعنوي.
ولا ريب أن الاكتفاء بالنداء إلى وقف إطلاق النار بين الجيشين الفلبيني والمسلمين ليس كافيا في تسوية النزاع.
الهزيمة وأسبابها
كتبت صحيفة أخبار العالم الإسلامي في عددها ٢٧٧ ما يلي:
صرح تنكو عبد الرحمن الأمين العام للأمانة الإسلامية لوكالة الإسلامية بأن الهزيمة التي واجهها المسلمون في الشرق الأوسط وشبه القارة الهندية كانت أقسى تجربة يعانيها المسلمون في العصر الحديث.
стр. 2929
وقال الأمين العام: إن هذه التجربة أرادها الله ليذكر بها عباده بأخطائهم وسيأتيهم وبالنسبة للشئون العربية قال إن العرب كانوا أمة عظمى حملت راية الإسلام لأقاصي الأرض وأقاموا حضارة زاهرة في بلاد لم تعرف التقدم ولكنهم بمرور الزمن نسوا واجباتهم كشعب مسلم واستكانوا إلى حياة الرفاه فكان ذلك سببا في انحدارهم.
من أهداف الغزو التبشيري
ونشرت صحيفة أخبار العالم الإسلامي في عددها ٢٧٧ ما نصه:
في العام الماضي نشرت مجلة المجتمع الكويتية وثيقة كنسية خطيرة تبين تخطيط النصارى في بريطانيا لتنصير ما يمكن تنصيره من الطلبة المسلمين ال١٦٠٠٠ الذين يدرسون في المملكة المتحدة.
وأوضحت الوثيقة من جانب آخر نشاط التبشير النصراني في مختلف ديار المسلمين حتى تلك البلاد التي يدين ١٠٠% من سكانها بالدين الإسلامي والذي يتصور ألا مجال فيها (لعمل نصراني) .
وقراءة هذه الوثيقة الخطيرة، في حد ذاتها تجسد خطرا أعمق وهو محاولة تطويق الجزيرة العربية بالكنائس والبعثات التبشيرية في زحف منسق من جميع الجهات.. وهذه الإرسالية التبشيرية تستغل الوسائل المختلفة لتحقيق أغراضها وكانت الجبهة الجديدة التي فتحها المبشرون في غزوهم للجزيرة العربية هي اليمن الشقيق.
وقد جاء في هذه الوثيقة أن أحد المبشرين في احتفال لجمع التبرعات عقد في نيويورك بالولايا المتحدة في العام الماضي لبناء كنائس في الجزيرة العربية قال في الاحتفال:
إن محمدا طرد المسيح من الجزيرة العربية وأن المسيح سيعود للجزيرة منتصرا في القرن العشرون. وإنكم إذ تتبرعون للكنائس في الجزيرة العربية إنما تساعدون في تحقيق حلم المسيحيين في بناء كنسية كبرى ستكون إلى جانب الكعبة في مكة.
стр. 2930
وهذه أول مرة في تاريخ الجزيرة العربية بعد دخولها الإسلام منذ ١٤ قرنا يظهر تحد لقول الرسول الكريم ﷺ "لا يجتمع في جزيرة العرب دينان" فالمخططون لنشر النصرانية الذين هزمت محاولاتهم في نشر النصرانية بين المسلمين أيام كان الاستعمار مسيطرا على العالم الإسلامي بدءوا الآن في تحقيق مخططاتهم عن طريق الاستعمار غير المباشر.
وتذكر الوثيقة التي قدمها مؤتمر الصلاة السنوي لعام ١٩٦٩م وهو مؤسسة انجليكانية ضعيفة الإمكانيات.
إن مؤتمر الصلاة السنوي هذا أطلق نعوتا فاحشة على الإسلام منها: (الإسلام دين الوثنية) ، (الإسلام أداة في يد الشيطان) .
وهذه الوثيقة الخطيرة تذكر أن كون الكثير من البلدان الإسلامية سكانها مسلمون ١٠٠% لا يمنع المبشرين من محاولة تنصيرهم ويذكر التقرير أفغانستان على سبيل المثال وبالتأكيد فإن اليمن مثال آخر ماثل الآن.
стр. 2931
ندوة الطلبة
انتهت قصتي
شعر محمد محمود جاد الله الطالب بكلية الشريعة بالجامعة
وسئمت الأيام عرضا وطولا
انتهت قصتي وتمت فصولا
غمرات اللذات فيها فضولا
ولعمري إني رأيت الليالي
ملئت علقما وساءت سبيلا
هكذا العقل يقتضي أن نراها
فأرانا الكثبان ظلا ظليلا
إنما عيشنا سراب تراءى
ورعيل قد راح يقفو رعيلا
وجموع الإنسان من قبل راحت
نومة الموت لم يبلوا غليلا
وشباب في ميعة العمر ناموا
تحت أجداثهم وهال مقيلا
غالهم دهرهم فأمسوا فرادى
لم يكن أيهم مريضا عليلا
إنه الموت قد طواهم زهورا
وكثير الآمال يمسي قليلا
هو حكم على البرية جار
كان في الأرض عيشنا مستحيلا
بعد نوح ومنذ آدم نمضي
كنت شهما أو كنت فدما بخيلا
كلنا نازح سراعا سواء
ومرور الانسام يغدو عويلا
نغمات الأطيار تمسي نواحا
بكرور الأيام صرحا مهيلا
كل صرح ممرد سوف يغدو
من مشى خطوة ومن سار ميلا
ليس يبقى على البسيطة منا
للمنايا وهو لهن رسولا
رب فجر يجمل الكون أضحى
صار في الترب قاطنا ونزيلا
بادي الحسن أو نراه جميلا
رب غصن قد أخجل الروض حسنا
أي شيء من بعد هذا نراه
كنت للموت من قديم خليلا
أيها المشتهي من العيش خيرا
أو سيبقى منغصا أو هزيلا
كل عيش مرفه سوف يبلى
بمرور الأيام شرا وبيلا
وأماني الإنسان في العيس صارت
ومغاني الأفراح تمسي طلولا
وجنان الإنسان تغدو يبابا
كان دوما مآلها أن تزولا
كل نعمى وإن تراءت لحي
واطلبي الله لا ترومي بديلا
أجملي الصبر أيها النفس واسعى
غمرات الأيام صبرا طويلا
إنما الصبر بلسم فلنبادر
إن تحت الأنقاض هما ثقيلا
стр. 2932
إيه يا نفس اقلعي ثم توبي
كل حال مصيره أن يحولا
أيها النفس لا تغري بعيش
стр. 2933
المنهج العلمي عند بعض مفكري الإسلام وعند مفكري أوربا
بقلم: عبد الرزاق بسرور
الطالب بكلية الشريعة وأصول الدين بتونس
منذ القدم، والإنسان يبحث عن قوانين تضبط تفكيرة وتكشف له عن الحقائق التي يروم استكناه سرها فتعددت المناهج والقواعد في البحث عن جوهر الأشياء، والتطلع إلى إدراك ماهياتها.
وكان للسفسطائيين مهاترة تبدو لهم أنها السبيل الأقوم في التفكير، وذلك حين قرروا أن الخطأ مستحيل ما دام الإنسان مقياسا لكل شيء. ثم جاء سقراط، فهدم منهجهم ليبني منهجا جديدا يقوم على فن (توليد المعاني) لتعريف حقائق الأشياء.
ويأتي أفلاطون بطريقة كان لها الأثر في المنطق الأرسطي وهي الطريقة المعروفة (بالقسمة المنطقية) واعتبارا لما تقدم، يكون المنطق قد وجد وظهرت معالمه في التفكير الإنساني قبل أن يوجد المنطق الصوري على يدي أرسطو.
١- منطق أرسطو:
يدرس منطق ارسطو صور التفكير غير أنه لا يهتم بموضوع هذا التفكير. لذلك كان صوريا. فصدق الاستدلال له من الأهمية من حيث شكله لا موضوعه. كان اتباع أرسطو يهدفون إلى الكشف عن الطرق المختلفة التي يمكن اتباعها في استنباط النتائج الضرورية من بعض المقدمات العامة التي يسلم المرء بصدقها. وهو شكلي إذ يسلك مسلك علم الرياضيات في إمكان استبدال القضايا وحدودها برموز أو أحرف.
ثم إنه منطق عام لأن قوانينه صالحة للتطبيق على مختلف المواضيع الفكرية. وسيان أن تطابق هذه النتائج خبرتنا في الواقع أو تتنافى معها فمحك الصواب في القياس الصوري يكون في اتساق نتائجه مع مقدماته، لا تطابقها في الواقع مع العالم الخارجي.
стр. 2934
وهذا القياس لا يؤدي بالباحث إلى كشف معرفة جديدة، حتى مع افتراض أن مقدماته مطابقة للواقع، لأن نتائج القياس متضمنة على الدوام في مقدماته. فإذا سلمت مثلا بالمقدمة التي تقول: أن جميع الناس عرضة للموت ثم أضفت إلى هذا أن سقراط إنسان، كنت على علم بأن سقراط هذا هو أحد الناس الذين وصفتهم في قضيتك الأولى بأنهم عرضة للموت.. وبهذا لا يكون في النتيجة التي ينتهي إليها قياسك –وهي سقراط عرضة للموت- شيء جديد إذ هي من باب تحصيل الحاصل.
من هنا كان القياس الصوري عقيما مجدبا، إذ يفسر لنا ما نعلمه ولا يكشف لنا عما نعلمه.
٢- موقف علماء الإسلام من منطق أرسطو:
دخل منطق أرسطو العالم الإسلامي، ووقف مفكرو الإسلام منه مواقف مختلفة:
أ- منهم من رفضه رفضا تاما لاعتقاد أن روحه مخالفة للروح الإسلامية.. فحاولوا هدمه ليبنوا على أنقاضه منطقا جديدا يتلاءم ومعتقدهم.
ب- ومن العلماء من عاداه العداوة التامة وحرم النظر فيه. ونذكر من هؤلاء ابن الصلاح والنووي.
ج- ومنهم من قبله على أنه وحدة فكرية قائمة الذات، واعتبروه قانون العقل. وهؤلاء هم الشراح الإسلاميون المشاؤون.
وقبل أن نحدد موقف علماء الإسلام من المنطق الصوري نوضح في إيجاز معنى الثقافة في المفهوم الإسلامي.
إن الثقافة حسب التصور الإسلامي تعني الطريقة التي يتوصل بها إلى المعرفة. وهذه الطريقة هي ما عبر عنها القرآن الكريم بلفظة النظر، النظر الذي يولد مجهولا من معلوم. قال تعالى: ﴿قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا تُغْنِي الآياتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ﴾
وقال: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُوراً وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ مَا خَلَقَ اللَّهُ ذَلِكَ إِلا بِالْحَقِّ يُفَصِّلُ الآياتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ [١] .
стр. 2935
وهذه الطريقة الإسلامية الموصلة إلى المعرفة تكون على مراحل:
١- تأمل الموجودات ومشاهدتها بالاعتماد على الملاحظة وعلى الحواس.
٢- تبويب تلك التأملات وتنظيمها وتجريد الحقائق منها بفعالية العقل حتى تستنبط الرابطة أو العلاقة التي تربط بين تلك الحقائق.
٣- درس تلك العلاقة التي ربطت بين الحقائق، ومقارنتها بغيرها حتى يقع استنتاج القانون الذي يعكس للدارس ماهية ذلك الشيء أي الموجودات كما هو في الواقع.
٤- إرجاع ذلك القانون الجديد الذي من مقارنة القوانين الجزئية الأخرى يعطينا قانونا عاما للطبيعة بأسرها. وهو وجود علة أوجدت هذه الموجودات المحيطة بنا. وهي علة واجبة الوجود إلا وهي الله.
فالمنهج الإسلامي في الثقافة يدرس الموجودات لا لمجرد أن يعرفها بل ليردها كذلك إلى علتها الأولى. بعد هذه المقدمة سنقف قليلا عند موقف علماء أصول الدين وأصول الفقه من منطق أرسطو.
أ- موقف علماء أصول الدين من منطق أرسطو:
стр. 2936
رفض المتكلمون أو علماء أصول الدين مبحث القياس الأرسطي.. "فالقاضي عبد الجبار يستخدم في أكثر مواضع كتبه قيس الغائب على الشاهد وهي عملية استدلالية إسلامية" [٢] . وقد ألفت كتب عديدة في نقد المنطق الأرسطي، من طرف بعض المتكلمين نذكر منها كتاب الآراء والديانات لابن النوبختي والدقائق لأبي بكر بن الطيب، ويروي أبو حيان التوحيدي في المقابسات أن أبا علي الجبائي وأبا هاشم والقاضي عبد الجبار كتبوا في نقد المنطق الصوري.. أما الفكرة الرائجة عند أغلب المفكرين وهي أن علماء أصول الدين ما كان لهم أن ينافحوا عن العقيدة الإسلامية إلا بعد أن تسلحوا بالمنطق الأرسطي الذي أكسبهم القدرة على محاجة أهل البدع وأصحاب الديانات الأخرى، فهي فكرة لا تنطبق إلا في أواخر القرن الخامس الهجري على أيدي المتأخرين من المتكلمين.. يقول ابن خلدون في هذا السياق: "وكملت هذه الطريقة وجاءت من أحسن الفنون النظرية والعلوم الدينية.. إلا أن صور الأدلة فيها بعض الأحيان على غير الوجه الصناعي لسذاجة القوم، ولأن صناعة المنطق التي تسير بها الأدلة وتعتبر بها الأقيسة، لم تكن حينئذ ظاهرة في الملة، ولو ظهر منها بعض الشيء، فلم يأخذ به المتكلمون لملابستها للعلوم الفلسفة المباينة للعقائد الشرعية بالجملة، فكانت بجورة عندهم" [٣] .
ب- موقف علماء أصول الفقه من منطق أرسطو:
قبل استعراض موقف علماء أصول الفقه من المنطق الأرسطي يجب أن نلاحظ أن علم الأصول بالنسبة إلى الفقه هو كعلم المنطق بالنسبة إلى الفلسفة. فالأصول هي منهج البحث عند الفقيه أو هي منطق المواضيع التي يبحث فيها.. وأول من وضع منهج الأصول وحدد مسالكها بصفة علمية، الإمام الشافعي.. هاجم الشافعي منطق أرسطو، ونادى بتحريمه لاعتقاده أن هذا المنطق يستند إلى خصائص اللغة اليونانية المخالف لخصائص اللغة العربية، ولو طبق لأفضى ذلك إلى تناقض لا يقره العقل السليم.
стр. 2937
أما الإمام الغزالي، فقد مزج المنطق الصوري بعلوم الإسلام: ويظهر هذا المزج في مقدمة كتابه المستصفى واعتبر الغزالي أن المنطق الأرسطي شرط من شروط الاجتهاد وإلا فإن من لا يأخذ به لا يوثق بعلمه. وقد اعترض الفقهاء المسلمون الغزالي في ذلك ونقدوه. وبعد الغزالي، أي في القرن الخامس الهجري وما بعده، بدأ المسلمون مزج المنطق اليوناني بالأصول واعتقده كل حسب اجتهاده، وبذلك فقد المنهج الإسلامي شيئا من ذاتيته في مادة الفقه على الأقل.
٣- المنهج العلمي عند علماء الإسلام:
من الطبيعي وروح الإسلام تدعو إلى الواقعية، أن لا يهضم العقل الإسلامي الصحيح منهج اليونان في البحث، وطبيعي أيضا أن تقوم تلك الثورة الفكرية المتجلية في نقد علماء الإسلام (متكلمين وفقهاء) لذلك المنهج وأن يقع إنشاء منهج ينبع من معتقدهم وذاتيتهم تكون دعامتاه: المحسوس والفكر.. يعتمد المنهج الإسلامي المحسوس منطلقا للبحث عن طريق الملاحظة والتجريب. ثم يسلط العقل للمقارنة وتأويل لمعاني المبهمة التي تمدنا بها الحواس فيحلل ويعلل لاستنباط الحقيقة التي تشرح الواقع وتزيح غموضه. إذن فهو منهج يجمع بين التجربة والتفسير العقلي. إذ أن التجربة وحدها لا تكفي إذا لم يعضدها العقل لتنظيمها وتأويلها، كما أن العقل وحده لا يكفي لمدنا بالمعرفة الموضوعية إذا لم تآزره التجربة. وما التجربة إلا حوار مع الطبيعة.
стр. 2938
آمن المسلمون بهذا المبدأ وجعلوه شعارا لهم في أبحاثهم العلمية، فكان منهجهم يتسم بالتجريبية العلمية.. ولا بد هنا أن أعرج على فكرة ضالة استحكمت بعقول كثير من المفكرين مستشرقين منهم وغير مستشرقين وهي أن البحث العلمي على الطريقة العلمية الحديثة لم تظهر معالمه في تاريخ التطور الفكري إلا بعد عصر النهضة في أوروبا. وينسب الفضل في نشوء طريقة البحث العلمي الحديث إلى فرنسيس بيكون الذي عاش ما بين (١٥٦١-١٦٢٦م) . وقد تكفل بدحض هذا الزعم نزيه من نزهاء الغرب (والفضل ما اعترفت به النزهاء) وهو بريفولت في كتابه بناء الإنسانية. حيث يقول: "إن ما يدين به علمنا لعلم العرب ليس هو ما قدموه لنا من اكتشافهم لنظريات مبتكرة.. بل أنه يدين لهم بوجوده.. فقد أبدع اليونان المذاهب وعمموا الأحكام ولكن طرق البحث وجمع المعرفة الوضعية وتركيزها، ومناهج العلم الدقيقة والملاحظة العميقة والبحث التجريبي كانت كلها غريبة عن المزاج اليوناني.. إن ما ندعوه بالعلم ظهر في أوروبا كنتيجة لروح جديدة في البحث وهي الروح العربية" [٤] .
ويجدر بنا الآن أن نتعرض بإيجاز إلى خصائص المنهج الحديث، وإلى استعراض منهج أحد علماء الإسلام في البحث وذلك حتى نتبين هل أن المنهجين متفقان أو مختلفان.
أ - خصائص المنهج الحديث:
يبتدئ البحث الحديث بمشاهدة الأمور الطبيعية على ما هي عليه في الواقع. ويلي ذلك جمع الحقائق المشاهدة وتبويبها وترتيبها لا لمجرد التبويب والجمع والترتيب وإنما للبحث والتمحيص عن علاقة تربط بين الحقائق العلمية. وقد نسميها قانونا طبيعيا، وقد نسميها نظرية علمية.
стр. 2939
والأمر لا يقف عند الكشف عن هذه العلاقة، فإذا ما تم الوصول إليها تستنبط بالقياس النتائج التي تفضي إليها. ثم يقع البحث عن صحة تلك النتائج ومطابقتها للواقع بالمشاهدة والتجربة. فإذا تحققت تلك النتائج على هذه الصفة كان دليلا على صحة تلك العلاقة علها تقبل التعديل أو التنقيح بما يجعل نتائجها القياسية متفقة والواقع. ورائد البحث في كل طور من هذه الأطوار المتعاقبة، إقرار الحقائق كما توجد دون ميل إلى نزعة من النزعات أو هوى من الأهواء. وأحيانا يستعان في الكشوف العلمية بالتمثيل.
فيهتدي على منوال القريب المعلوم إلى معرفة البعيد المجهول. وخلاصة لما ذكر، فإن عناصر البحث العلمي الحديث هي:
١- الاستقراء
٢- القياس
٣- التمثيل
ب- منهج ابن الهيثم في البحث:
يتضح منهج ابن الهيثم في البحث إجمالا من مقدمة كتابه (المناظر) . بين فيه بإيجاز الطريقة التي هداه تفكيره إلى أنها الطريقة المثلى في البحث، والتي اتبعها في بحوثه.. يقول ابن الهيثم:
".. ونبتدئ في البحث باستقراء الموجودات، وتصفح أحوال المبصرات وتمييز خواص الجزئيات، ونلتقط باستقراء ما يخص البصر في حال الأبصار، وما هو مطرد لا يتغير وظاهر لا يشتبه من كيفية الإحساس. ثم نرتقي في البحث والمقاييس على التدريج والترتيب مع انتقاد المقدمات والتحفظ في النتائج ونجعل غرضنا في جميع ما نستقريه ونتصفحه استعمال العدل لا اتباع الهوى ونتحرى في سائر ما نميزه وننتقده طلب الحق لا الميل مع الآراء" [٥] .
فابن الهيثم أخذ في بحوثه بالاستقراء والقياس، وعنى في البعض منها بالتمثيل وهي كما رأينا عناصر البحوث العلمية العصرية.. وابن الهيثم في هذا كله لم يسبق فرنسيس بيكون إلى طريقته الاستقرائية فحسب، بل سما عليه سموا كبيرا وكان أوسع منه أفقا وأعمق تفكيرا، وإن لم يعن كما عني بيكون بالتفلسف النظري.
стр. 2940
فهذا المنهج يتسم بالحيوية والتكامل إذ يجد فيه رجل العلم ما يرتاح له من أساليب وطرق تسهل له عمله، ويجد فيه الفيلسوف صاحب النظر المجرد، ما يثلج صدره ويقيه جمحات عقله.
يقول أحمد أمين: "وأهم ما امتاز به (ابن الهيثم) معرفة نظريات الرياضة. ومن أهم مميزاته تطبيق علمه على العمل" [٦] .
كان لاكتشافات ابن الهيثم تأثير صالح على التراث الفكري الإنساني، وقد عكس نظرية العلماء اليونان في موضوع الإبصار، حيث أن أقليدس وبطليموس قد زعما بأن الأبصار يكون بإرسال شعاع من العين نحو المبصر من الأشياء.
هدم ابن الهيثم هذه النظرية ليعلمهم أنه (ليس كما ظنه أكثر القدماء من أن الضوء يخرج من العين ليلمس المرئيات بطريقة ما، وليس هناك من أشعة تنطلق من العين لتحقق النظر بل أن شكل الأشياء المرئية هي التي تعكس الأشعة على العين فتبصرها هذه الأخيرة بواسطة عدستها) .
ومن اكتشافاته، اكتشافه قوانين انعكاس الضوء وانكساره، واكتشافه الشكل المنحنى الذي يأخذه الشعاع في سيره في الجو، واكتشافه أن القمر يعكس نور الشمس وبذلك فسر تكوين الهلال وكسوف القمر.
قالت زيكريد هونك الألمانية في كتابها (شمس الله تسطع على الغرب) .
стр. 2941
"لقد كان تأثير هذا العربي (ابن الهيثم) النابغة على بلاد الغرب عظيم الشأن فسيطرت نظرياته في علمي الفيزياء والبصريات على العلوم الأوروبية حتى أيامنا هذه.. فعلى أساس كتاب المناظر لابن الهيثم نشأ كل ما يتعلق بالبصريات ابتداء من الإنكليزي (روجر بيكون) حتى الألماني (فيتللوا) وأما ليوناردو دافنسي الإيطالي مخترع آلة (التصوير الثقب) أو الآلة المعتمة ومخترع المضخة والمخرط وأول طائرة – ادعاء - فقد كان تأثيرا مباشرا بالعرب وأوحت إليه آثار ابن الهيثم أفكار كثيرة. وعندما قام (كبلر) في ألمانيا خلال القرن السادس عشر ببحث القوانين التي تمكن (جليليو) بالاستناد إليها من رؤية نجوم مجهولة من خلال منظار كبير كان ظل ابن الهيثم الكبير يجثم خلفه. وما تزال حتى أيامنا هذه المسألة الفيزيائية الرياضية الصعبة التي حلها ابن الهيثم بواسطة معادلة من الدرجة الرابعة مبرهنا بهذا عن تضلعه البالغ في علم الجبر، نقول ما تزال المسألة القائمة على حسب موقع نقطة التقاء الصورة التي تعكسها المرأة المحرقة بالدوائر على مسافة منها ما تزال تسمى (بالمسألة الهيثمية) نسبة إلى ابن الهيثم) .
ورغم هذه الصفات وهذا النبوغ الذي شهد له بها فإنه يتحلى بروح علمية سامقة، إذ قرر أن الحقائق العلمية غير ثابتة، وأنها ليست غايات ينتهي إليها العلم بل كثيرا ما يعتريها التبديل والتغيير. وهو يؤمل ويرجو رجاء العالم المتواضع الوصول إلى الحقيقة فيقول: "ولعلنا ننتهي بهذا الطريق إلى الحق الذي يثلج الصدر ونصل بالتدريج والتلطف إلى الغاية التي عندها اليقين، ونظفر مع النقد والتحفظ بالحقيقة التي يزول معها الخلاف وتنحسم بها مواد الشبهات"
وهكذا يتضح أن منهج ابن الهيثم في العلم يلتقي مع المنهج العلمي الحديث وأربى عليه باعتبار سبقه الزمني.
стр. 2942
ولو ذهبنا قدما في استعراض منهج كل عالم إسلامي في البحث، لتكشف لنا أن المتشعبين بروح الإسلام قد اهتدوا إلى هذه الطريق النابعة من طبيعة الإسلام.
والتاريخ الإنساني حافل باكتشافات خطيرة مصدرها العقل العربي الإسلامي وقد ذكرنا بعض كشوف ابن الهيثم ونذكر الابتكارات الهندسية التي ظهر بها محمد البوزجاني (٨-٣٧٦هـ) الذي اشتهر في علمي الفلك والرياضيات وكان له الفضل في تقدم العلوم الرياضية. ونذكر أبا عبد الله البتاني ٢٣٠-٣١٧هـ وقضاياه في علمي الفلك والرياضيات وجابر بن حيان ومنهجه التجريبي في الكيمياء.
وخلاصة القول فإن المنطق الإسلامي أساسه الواقع، يعتمد الملاحظة والتجربة كاعتماده العقل والتفكير.. ولا ننكر أنه أخذ شيئا من المنطق اليوناني، وهذا من طبيعة كل نظرية جديدة حيث لا يمكن لها أن تقوم إلا بالاعتماد على نظريات سبقتها.
--------------------------------------------------------------------------------
[١] الآيتان من سورة يونس
[٢] مناهج البحث عند مفكري الإسلام.
[٣] المقدمة لابن خلدون.
[٤] مناهج البحث عند مفكري الإسلام للنشار.
[٥] الحسن بن الهيثم (بحوث وكشوفه البصرية) لمصطفى نظيف.
[٦] ظهر الإسلام ج١.
стр. 2943
خطورة الدعوة إلى كتابة اللغة العربية بالحروف اللاتينية
بقلم: عبد الرحمن الأنصاري
الطالب بكلية الدعوة وأصول الدين بالجامعة
تمهيد:
جاء الإسلام والبشرية تتخبط في مهاوي الضلال، وانحلال القيم وانعكاس المفاهيم، فلما أراد الله للإنسانية أن تنعم بالسعادة الدنيوية، والأخروية، بعث لها محمدا ﷺ لينقذها من دياجير الظلمات التي تتخبط فيها خبط عشواء.
فجاء الإسلام على أساس الوحدة المتمثلة في عبودية إله واحد هو الله ﷻ ، ودستور واحد هو: كتاب الله، وقبلة واحدة هي: بيت الله الحرام..
وهكذا في سائر العبادات، فإن موقوتيتها لم تكن لأناس (من المسلمين) دون آخرين.
وكما وحد الإسلام في العبادات وحد بين سائر الناس والأجناس الذين يدينون بدين الإسلام –في الحقوق والواجبات..
فمثلا صلاة الظهر المفروضة على أفقر الناس، مفروضة في نفس الوقت على أغنى الناس، وأحملهم لألقاب الرفعة والعلو، بل إن أي لقب يناله مسلم لا يكون به جديرا إلا على أساس الشعور بهذه التبعية لله ولشرعه، والدعوة إليه.
وإن كانت (الجاهلية) في كل زمان ومكان تصنف الناس على أعراقهم، وأنسابهم، وألوانهم..
فإن الإسلام جاء ليقرر بطلان ذلك إذ لا فضل لعربي على أعجمي، ولا لأعجمي على عربي، ولا لابيض على أسود إلا بالتقوى..
وعلى هذا تأسست الدولة الإسلامية الأولى، فأهدت للإنسانية نورا لا زالت إلى يومنا هذا، وإلى أن يرث الله الأرض ومن عليها –ترفل في حلله، وإن تنكر المتنكرون (فالعين تنكر نور الشمس من رمد) .
دور المسلمين من غير العرب أصلا في خدمة العربية:
وعلى أساس هذه الوحدة الإسلامية التي لا تعترف بأية آصرة خارجية عن الإسلام، فقد صار كل داخل في الإسلام أخا وحميما لسائر المسلمين.
стр. 2944
ولما أدرك المسلمون من غير العرب دور اللغة العربية في فهم الإسلام حافظوا عليها محافظة تفوق محافظتهم على لغة آبائهم وأجدادهم لما لها من شرف مخاطبة الله رسوله بها، فناضلوا في الذود عنها وقعدوا –بتشديد العين- لها القواعد، واستخرجوا من خبايا إسارها ما دل على تفانيهم في خدمتها، وحبها، وألفوا- المؤلفات العظيمة التي هي فخر للإسلام والمسلمين- باللغة العربية، لا بلغة آبائهم، وما ذلك إلا لهذه الصياغة التي صاغهم بها الإسلام وجعله إياهم حماة لدينه كغيرهم ممن اصطفى من العرب لهذا الشرف سواء بسواء.
خطورة هذه الدعوة:
ومن الطبيعي أن أعداء الإسلام الذين حاربوه منذ ظهوره وفي سائر العصور إلى يومنا هذا، قد جربوا مع الخبرة الطويلة في (العداء) : إنهم لا يستطيعون تشتيت المسلمين وتفرقة كلمتهم، وسلبهم (قدسهم) إلا بصرفهم عن الإسلام الذي هو رمز وحدتهم، وقد سلك لتحقيق ذلك شتى السبل، والوسائل ومنها على سبيل المثال لا الحصر: إحياء (القوميات) وتجديد النزعات العنصرية الضاربة في القدم، وإحياء ما يسمونه (الفكلور الشعبي) لكل أمة والدعوة إلى النظر في اللهجات المحلية، ورد أصولها إلى أشياء تاريخية معينة.
والاحتفالات التذكارية لمرور كذا من السنين على حكم أكاسرة وأباطرة وثنيين معينين، استنار أبناؤهم فيما بعد بنور الإسلام..وأخيرا الدعوة إلى استبدال الحرف العربي باللاتيني بحجج هي، أوهى من بيت العنكبوت.
وإلى غير ذلك من المكائد، التي لا تهدف في مجموعها إلا إلى شيء واحد هو صرف المسلمين عن دينهم.
العالم الإسلامي ومنحة الدعوة:
ومنذ بدأ الاستعمار بالتغلغل في شرايين العالم الإسلامي لم يكن هدفه الأول، إلا في تثبيت دعائمه، وأقدامه في الوطن الإسلامي بمبادئه التي يتصدرها شعار: فرق تسد..
وهل فرق تسد إلا غزو الأمة في مبادئها التي تغتر بها، ومثلها العليا، التي هي جزء من حياتها..
стр. 2945
ولقد سلك الاستعمار العالمي، ذلك المسلك المشين مع العالم الإسلامي لتتحقق له وسائل السيطرة عليه إلى الأبد.. إن استطاع. وإن ننسى، ولا ننسى مقالة ذلك الزعيم الذي قال قولته المشهورة في يوم احتفالهم: "نحن لا نحتفل بمرور مائة عام على احتلال الجزائر، بل نحتفل بمرور مائة عام على القضاء على اللغة العربية"
ومن أهم الجوانب التي سلكها الاستعمار العالمي لأهدافه السيئة هذه:
١- تنفير الشبيبة من اللغة العربية، بحجة صعوبة قواعدها..
٢- وصم الكتب الإسلامية العلمية –التي هي خلاصة الفكر الإنساني العالمي- بأنها (صفراء بالية) لم تعد تلائم التطور..
علما بأن كل تطور حدث، أو يحدث، إنما كانت أسسه من هذه الكتب الصفراء، بشهادة بعض المنصفين من الأوروبيين، وغيرهم.
٣- تنشئة الشبيبة، على المبادئ الهدامة الفاسدة، المعادية للفكرة الإسلامية من أساسها.
٤- شراء أقلام كتاب محسوبين على الإسلام لترويج الدعاوى المخالفة عن طريقهم.
٥- الدعوة إلى فصل الدين عن الدولة، حتى تكون لغة الدولة، غير لغة الدين.. والنتائج بعد معلومة بالضرورة. إلى غير ذلك من المخططات الاستعمارية المكشوفة التي لا تنطلي إلا على عمي البصائر.. ومن البراهين المشاهدة المحسوسة على صدق ما ذكر: أننا قلما رأينا دولة من الدول التي نالت استقلالها من المستعمر، إلا وكانت لغتها لغة ذلك المستمر.. وأخلاقها وتقاليدها، أخلاق وتقاليد ذلك المستعمر.
هذا إذا لم تنضم تلك الدولة المستقلة بطواعية من نفسها إلى استعمار جديد يحمل طابع (كمنولث..)
ويوم أن كانت الأمة الإسلامية، أمة موحدة، لم تكن أطماع العالم تتجه إلا إلى شيء واحد فقط، هو: طلب مهادنتها، وخطب ودها فقط.
مقدمات الدعوة:
следующие страницы →