Полный текст (23 804 стр.). Показаны 3326–3365 · переход к 3331.
стр. 3326
أضواء من التفسير
للشيخ عبد القادر شيبة الحمد: المدرس بكلية الشريعة
قال تعالى: ﴿وَاذْكُرْ عَبْدَنَا أَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطَانُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ. ارْكُضْ بِرِجْلِكَ هَذَا مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ وَشَرَابٌ. وَوَهَبْنَا لَهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنَّا وَذِكْرَى لأُولِي الأَلْبَابِ. وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثاً فَاضْرِبْ بِهِ وَلا تَحْنَثْ إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِراً نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾ .
المناسبة:
بعد أن ذكر الله قصتي داود وسليمان ﵉ المبرزتين لآلاء الله على عباده الصالحين، المبينتين لقرب أمد الفتن التي يفتن بها المرسلون، ذكر قصة أيوب ﵇ لتضمنها المعنى السابق في القصتين السابقتين تأكيداً وتقريراً.
القراءة:
قرأ الجمهور "أني مسني": بفتح الهمزة، وقرئ "إني مسني"بكسرها, وقرئ "بنُصْب": بضم النون وسكون الصاد. وقرئ "بنُصُب"بضمتين. وقرئ أيضاً "بنَصَب ":بفتحتين.
المفردات:
стр. 3327
"أيوب": أحد أنبياء بني إسرائيل. "نادى": دعا. "مسني": أصابني. "بنصب": على سائر القراءات بمعنى التعب والمشقة فهي لغات فيها بمعنى واحد من قولهم: أنصبني. وقيل إنها على القراءة الأولى جمع نَصَب كَوُثْن ووَثَن. "عذاب":أي ألم. "أركض برجلك ": أي اضرب بها. "مغتسل": أي ماء تغتسل به. "وهبنا": أعطينا. "أهله": زوجته وأولاده الذين كانوا معه فسلمهم له وجمع بينهم. "مثلهم": مقدارهم. "ذكرى": عبرة. "ضغثا": قال ابن عباس:: المراد عثكال النخل. وقال الضحاك: حزمة من الحشيش مختلفة. وقال الأخفش: هو الشجرالرطب. وقيل هو القبضة من الحشيش أو القضبان ومنه قولهم: ضغث على إبالة والإبالة الحزمة من الحطب. "التحنث": الحنث هو الخلف في اليمين. "وجدناه": علمناه. "صابرا":حابسا نفسه عن الجزع راضيا كل الرضى بقضاء الله.
التراكيب:
قوله "واذكر عبدنا أيوب " الواو لعطف اذكر عبدنا أيوب على قوله:" اذكر عبدنا داود". وإنما لم يصدر قصة سليمان بهذا العنوان لكمال الإاتصال بينه وبين داود ﵇ حتى كأن قضيتهما واحدة. "وأيوب"عطف بيان لعبدنا أو بدل منه بدل كل من كل. وقوله "إذ نادى"بدل اشتمال من عبدنا. وقوله"أني مسني الشيطان بنصب وعذاب "بفتح الهمزة أي "بأني"وعلى قراءة كسر الهمزة فهو مقول لقول مقدر واقع جواب سؤال مقدر على سبيل الاستئناف البياني. أو في محل نصب على الحال من فاعل دعا. وإسناد مس النصب والعذاب إلى الشيطان تأدباً مع الله تعالى في عدم إسناد الشر إليه، فأسند إليه الشيطان لأنه سبب كل بلاء يصيب الناس في الدنيا إذ هو الذي تسبب في إخراج أبينا آدم من الجنة. فكل ألم يلقاه الناس فبسببه، ويجوز إسناده إليه. والتنوين في "نصب": للتفخيم.
стр. 3328
وقوله: " اركض برجلك "مقول لقول مقدر معطوف على نادى والتقدير: فقلنا له اركض. وقوله "هذا مغتسل بارد وشراب" مقول لقول مقدر معطوف على مقدر أيضا يفهم من السياق تقديره: فركض بها فنبعت له عين فقلنا له: هذا مغتسل بارد وشراب، فاغتسل وشرب، فأزلنا ما به ووهبنا له أهله. والمغتسل اسم مفعول على الحذف والإيصال والأصل: مغتسل به أو منه. وقال مقاتل: هو اسم مكان أي هذا مكان تغتسل فيه. وظاهر السياق يشهد للأول وقوله "رحمة " مفعول لأجله. وذكرى معطوف عليه أي وهبناهم له لأجل رحمتنا إيّاه وليتذكر بحاله ألوا الألباب. أي ليصبروا على الشدائد كصبره، ويلجئوا إلى الله تعالى كلجوئه، فيحسن عاقبتهم كما أحسن عاقبته. وقوله "وخذ بيدك ضغثا" عطف على اركض. وقوله"إنا وجدناه صابرا" تعليل لتفريج كربه وتيسير أمره وتهوين الضرب المحلوف عليه. والمخصوص بالمدح في قوله "نعم العبد "محذوف تقديره: أيوب. وقوله "إنه أواب" تعليل لمدحه ﵇.
المعنى الإجمالي:
وتذكر يا محمد قصة عبدنا أيوب، تذكر دعاءه لربه، والتجاءه إليه، لما أصابه الضر ففرجنا كربه، وأزلنا ضره وقلنا له: اضرب برجلك، فضرب بها، فنبعت له عين ماء، فقلنا له: هذا ماء تغتسل به وشراب تشرب منه، فاغتسل وشرب، فذهب ما كان يعانيه، وسلمنا له أهله، وزدناهم إلى الضعف، لأجل رحمتنا إياه، وليتذكر بحاله أصحاب العقول فيلجئوا إلى الله كما لجأ، فيكشف ضرهم، ويفرج كربهم، وقلنا له: تناول بيدك حزمة من حشيش فاضرب به هذا الحبيب، وبر بيمينك، لأنه اختبر في باب الصبر فنجح، نعم العبد أيوب، إنه رجّاع إلى مرضاة ربه.
ما ترشد إليه الآيات:
(١) ثناء الله على أيوب.
(٢) استحباب إسناد الشر إلى الشيطان.
(٣) اختبر أيوب بأذى في نفسه وأهله فصبر.
стр. 3329
(٤) كشف ضره ومعافاته في نفسه وأهله.
(٥) منحه مثل أهله معهم.
(٦) رحمة الله لعباده الصالحين.
(٧) أن الله فعل به هذا ليقتدي به أصحاب العقول.
(٨) إنه حري بأهل الصبر أن يخفف عنهم.
(٩) مدح أيوب ﵇.
(١٠) إنه قدوة يقتدى بها.
قال تعالى: ﴿وَاذْكُرْ عِبَادَنَا إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ أُولِي الأَيْدِي وَالأَبْصَارِ. إِنَّا أَخْلَصْنَاهُمْ بِخَالِصَةٍ ذِكْرَى الدَّارِ. وَإِنَّهُمْ عِنْدَنَا لَمِنَ الْمُصْطَفَيْنَ الأَخْيَارِ. وَاذْكُرْ إِسْمَاعِيلَ وَالْيَسَعَ وَذَا الْكِفْلِ وَكُلٌّ مِنَ الأَخْيَارِ﴾ .
المناسبة:
بعد أن ذكر الله تعالى قصص داود وسليمان وأيوب وما فيها من الأسوة أتبع ذلك بذكر إبراهيم ومن معه ليتأسى بهم رسول الله ﷺ أيضا وليتسلى بذكرهم، وليكون حجة على العرب ,الذين قالوا: أجعل الآلهة إلها واحدا لأنهم يعظمون إبراهيم وملته التوحيد.
القراءة:
قرأ الجمهور "عبادنا "على الجمع، وقرئ " عبدنا". وقرأ الجمهور "الأيدي "بالياء وقرئ "الأيد " بغير ياء. وقرئ بخالصة بالتنوين، وقرئ بغير تنونٍ أيضاً. وقرأ الجمهور "اليسع" وقرئ "اللّيْسع"بتشديد اللام وسكون الياء.
المفردات:
стр. 3330
"الأيدي": بثبوت الياء جمع يد, وكني بذلك عن كثرة أعمالهم الجليلة، وخص اليد لأن أكثر الأعمال بها. ولأن الذي لا يسخر جوارحه في طاعة الله كأنه لا جوارح له. وأما قراءة "الأيد" بغير ياء فقيل هي الأيدي بالياء وحذفت الياء تخفيفاً، لدلالة الكسرة عليها، وقيل الأيد القوة وهذا هو الأصل. "الأبصار"جمع بصر وهي الجارحة والمراد أنهم المنتفعون حقيقة بأبصارهم كما أنّهم هم المنتفعون حقيقة بأيديهم. "أخلصناهم"خصصناهم. "بخالصة"بخصلة عظيمة لا شوب فيها. "ذكرى"تذكر "الدار"الآخرة. "المصطفين" المختارين من بين أبناء جنسهم. "الأخيار"جمع خَيّر وهو الفاضل الكريم. "اليسع"أحد أنبياء بني إسرائيل وهو خليفة إلياس فيهم. "ذو الكفل"قيل هو إلياس وقيل هو يوشع بن نون وقيل هو نبي آخر اسمه ذو الكفل، وقيل كان رجلاً من الصالحين.
التراكيب:
قوله "واذكر عبادنا إبراهيم وإسحاق ويعقوب" معطوف على اذكر عبدنا أيوب. وإبراهيم وما عطف عليه بدل من عبادنا أو بيان له. وقيل نصب إبراهيم بإضمار أعني والباقي عطف عليه. ومن قرأ عبدنا بالإفراد فإبراهيم وحده بدل أو بيان له أو منصوب بأعني ويجوز أن يكون عبدنا للجنس فيكون كالقراءة الأولى.
стр. 3331
وقوله "إنا أخلصناهم بخالصة ذكرى الدار" تعليل لما وصفوا به من شرف العبودية. والباء في قوله"بخالصة "للتعدية إن كان أخلصناهم بمعنى خصصناهم وللتعليل إن كان أخلصناهم بمعنى جعلناهم خالصين. والتنوين في خالصة للتفخيم، ومن قرأ "بخالصة"بالتنوين فذكرى بدل منه أو خبر لمبتدأ محذوف أي هي ذكرى. ومن قرأ بغير تنوين فيخرج على أن خالصة مصدر بمعنى إخلاص فيكون مصدرا مضافا لمفعوله. وذكرى كذلك مصدر مضاف لمفعوله و"أل"في الدار للعهد أي الدار الآخرة للإشعار بأنها الدار الحقيقية. وقوله "وإنهم عندنا لمن المصطفين الأخيار"معطوف على الجملة التي قبله لتأكيد مضمونها. وقوله "عندنا "من صلة الخبر الذي هو متعلق الجار والمجرور. وقوله: "واذكر إسماعيل"عطف لاذكر على "اذكر عبادنا"، وخص إسماعيل بالذكر ولم يعطفه على أبيه وأخيه وابن أخيه اعتناء بشأنه من حيث إن جميع بنيه من العرب لا يشارك العرب فيه غيرهم، وإشادة بذكره الذي حاول اليهود قبحهم الله إخفاءه إذ حذفوا من التوراة تاريخه، ولم يبقوا من ذكره سوى ولادته وإبعاده وهو صغير إلى برية فاران. كل هذا لحقدهم على العرب وعصبيتهم لبني إسرائيل. واللام في "اليسع"زائدة لازمة لمقارنتها للوضع ولا ينافي هذا كونه غير عربي فإنها قد لزمت في تعض الأعلام الأعجمية كالإسكندر وقد لحّن التبريزي من قال اسكندر بلا لام. وقيل هو اسم عربي منقول من يسع مضارع وسع و"أل "فيه للمح الأصل.
ولا أستبعد هذا لتداخل اللغات وعدم ضبط تاريخ استعمال اللفظ. وأما من قرأ "الليسع"فقيل هو كذلك علم أعجمي دخلت عليه اللام. وقيل أصله ليسع كفيعل من اللسع دخلت عليه "أل"للمح أصله. والتنوين في قوله "وكل من الأخيار"عوض عن المضاف إليه والتقدير وكل المذكورين من الأخيار.
المعنى الإجمالي:
стр. 3332
وتذكر يا محمد قصة عبادنا إبراهيم وإسحاق ويعقوب أصحاب الأعمال الجليلة والمعارف النافعة المنتفعين حقيقة بأيديهم وأبصارهم. إنا خصصناهم بخصلة خاصة بهم هي تذكر دار الآخرة والدعوة إلى عمارتها. وإنهم لدينا من المختارين الجديرين بهذا الاختيار لشرف نفوسهم وكريم سجاياهم.
وتذكر قصة إسماعيل واليسع وذا الكفل وكل المذكورين من أهل الخير والصلاح.
ما ترشد إليه الآيات:
(١) ثناء الله على هؤلاء المرسلين.
(٢) أنه لا فائدة في الجوارح إذا لم تثمر العمل الصالح.
(٣) أن هؤلاء هم طلاب الدار الآخرة.
(٤) أن الله اختارهم.
(٥) هم أهل لأن يختاروا.
قال تعالى: ﴿هَذَا ذِكْرٌ وَإِنَّ لِلْمُتَّقِينَ لَحُسْنَ مَآبٍ. جَنَّاتِ عَدْنٍ مُفَتَّحَةً لَهُمُ الأَبْوَابُ. مُتَّكِئِينَ فِيهَا يَدْعُونَ فِيهَا بِفَاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ وَشَرَابٍ. وَعِنْدَهُمْ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ أَتْرَابٌ. هَذَا مَا تُوعَدُونَ لِيَوْمِ الْحِسَابِ. إِنَّ هَذَا لَرِزْقُنَا مَا لَهُ مِنْ نَفَادٍ﴾ .
المناسبة:
لما أمر الله نبيه بالصبر على سفاهة قومه وذكر له جملة من أحوال إخوانه المرسلين، ذكر هنا ما يؤول إليه حال المؤمنين والكافرين من السعادة والشقاوة ومقر كل واحد من الفريقين، مع التنبيه على أن في القصص السابقة كفاية لأصحاب العقول، والإشارة إلى تحدي العرب وإعجازهم بهذا الذكر.
القراءة:
قرأ الجمهور "جنات "بالنصب، وقرئ " جنات "بالرفع. وقرأ الجمهور "هذا ما توعدون "بالتاء، وقرئ بياء الغيبة أيضاً، وقرأ الجمهور "مفتحة "بالنصب وقرئ بالرفع.
المفردات:
стр. 3333
"ذكر " شرف لهم وثناء عليهم في العاجلة. "للمتقين "الذين يجعلون بينهم وبين غضب الله وقاية بعملهم ما يرضيه والمراد بهم هنا إما المذكورون خاصة أو عموم المتقين , "جنات "بساتين. "عدن"إقامة من قولهم عدن بالمكان إذا أقام فيه، على معنى أنهم يقيمون بها لا يريمون عنها. "متكئين " جمع متكئ وهو الجالس على هيئة المتمكن المتربع المستريح. "يدعون " ينادون. "قاصرات الطرف "حابسات العين يعني على أزواجهن. "أتراب "متماثلات في الأسنان والحسن والشباب أو مساويات لأزواجهن في السن. من قولهم فلان ترب لك وهو من وُلِد معك في وقت واحد كأنهما وقعا على التراب في زمن واحد. "ما توعدون "موعدكم. "ليوم الحساب "ليوم الجزاء. "لرزقنا "لعطائنا "نفاد"انقطاع.
التراكيب:
قوله تعالى "هذا ذكر" جملة مستأنفة يؤتى للفصل بين كلامين. وهو أسلوب بديع يذكر للانتقال من حال إلى حال. وفيه تنبيه إلى أن ما ذكر كان كافيا لمن كان له قلبٌ، وفيه إشارة إلى التحدي بالقرآن والإعجاز به. والإشارة إلى ما تقدم من الآيات الناطقة بالثناء على هؤلاء الصالحين. وقوله "وإن للمتقين لحسن مآب "من قبيل عطف القصة على القصة , ويجوز أن يكون معطوفا على الجملة التي قبلها أي هذا شرف لهم في الدنيا وإن لهم في الآخرة لحسن مآب. وقوله "جنات عدن "على قراءة النصب بدل اشتمال من حسن مآب ويجوز أن يكون منصوبا على المدح، أما انتصابها على أنها عطف بيان فإنه لا يجوز إلا على مذهب الكوفيين والفارسي الذين يجيزون أن يكون عطف البيان نكرة تابعا لنكرة. أما البصريون فإنهم لا يجيزون عطف البيان إلا إذا كان معرفة تابعا لمعرفة. وقولهم " مفتحة "بالنصب صفة لجناب عدن والأبواب نائب فاعل مفتحة والرابط العائد على الجنات إما ضمير محذوف تقديره الأبواب منها كما هو رأي البصريين أو الألف واللام القائمة مقام الضمير كما هو رأي الكوفيين.
стр. 3334
ويجوز أن تكون مفتحة حالا من محذوف يدل عليه المعنى تقديره يدخلونها مفتحة لهم الأبواب. ومن قرأ جنات بالرفع وكذلك مفتحة فهما مبتدأ وخبر أو هما خبران لمبتدأ محذوف. وقوله "متكئين "حال من ضمير "لهم " وهي حال مقدرة لأن الاتكاء ليس في حال تفتيح الأبواب بل بعده. وجوز بعض أهل العلم أن كون "متكئين "حالا من ضمير يدعون وقدم لرعايته الفاصلة. وقوله "يدعون " استئناف بياني كأنه قيل:ما حالهم بعد دخولها؟ فقيل: يدعون متكئين. وأما على الإعراب الأول لمتكئين فإنه يجوز أن تكون حالا من ضمير "لهم " أيضا وهي مقدرة كذلك. وقوله "هذا ما يوعدون"على قراءة الياء على مقتضى الظاهر لأن المقام للغيبة، إذ قبله "وعندهم " وأما على قراءة الجمهور ففيها التفات. واللام في "ليوم الحساب "للتوقيت كما يقال: كتب هذا لخمس خلوْن من رمضان أي بعد خمس. وقوله "ما له من نفاد "ما نافية وله خبر مقدم ومن جيء بها لاستغراق النفي ونفاد مبتدأ مؤخر. والجملة في محل نصب حال من رزقنا أو في محل رفع خبر ثان لان.
المعنى الإجمالي:
هذه الآيات الناطقة بمحاسن هؤلاء الصالحين شرف لهم وثناء عليهم في العاجلة، وإن لهم لتقواهم لجميل مرجع في الآخرة إن لهم بساتين إقامة لا يروحون عنها، أبوابها مفتحة لهم، معتمدين فيها على الأرائك ينادون خدمهم بإحضار فاكهة كثيرة وشراب كثير، ولديهم حور قصرن عيونهن عليهم، متماثلات في السن، والحسن والشباب. وهذا المذكور موعدكم أيها المتقون في يوم الجزاء. إن هذا المعد لكم لعطاء منا لا ينقطع.
ما ترشد إليه الآيات:
(١) العمل الصالح يورث شرف الدنيا وسعادة الآخرة.
(٢) للمتقين نعيم مقيم في جنات عدن.
(٣) نساء الجنة متماثلات في السن والحسن والشباب.
(٤) النعيم الحق في الآخرة.
стр. 3335
(٥) عدم فناء الجنة.
стр. 3336
من أعلام المحدثين
أبو بكر ابن أبي شيبة (١٥٩-٢٣٥ هـ)
للشيخ عبد المحسن العباد
المدرس في كلية الشريعة بالجامعة
نسبه:
هو عبد الله بن محمد بن أبي شيبة إبراهيم بن عثمان بن خُواستي بخاء معجمة مضمومة ثم واو مخففة ثم ألف ثم سين مهملة ساكنة ثم تاء مثناة من فوق ثم ياء مثناة من تحت هكذا نسبه النووي وضبط اسم جده الأعلى في شرحه لصحيح مسلم عند أول حديث في المقدمة، ونسبه هكذا الحافظ ابن حجر في تهذيب التهذيب وقبله الذهبي في تذكرة الحفاظ، وأبو شيبة كنية جده إبراهيم وكان قاضي واسط وهو ضعيف متفق على ضعفه كما قال النووي، وأما أبوه محمد قال فيه النووي: كان على قضاء فارس وكان ثقة قاله يحيى بن معين وغيره انتهى. وله أخوان: عثمان وهو ثقة والقاسم وهو ضعيف.
كنيته:
يكنى أبا بكر وعد اشتهر بكنيته منسوبا إلى جده مكنى فيقال فيه كثيرا غالبا: أبو بكر بن أبي شيبة.
نسبته:
هو واسطي الأصل ونزل الكوفة ومات بها واشتهرت نسبته إليها، قال الحافظ في التقريب: الواسطي الأصل أبو بكر بن أبي شيبة الكوفي.
وقال الحافظ في الفتح (١١- ٢٨٠) أصله من واسط وسكن الكوفة، ويقال له العبسي بموحدة مولاهم كما في الخلاصة وكذا نسبه إلى عبس نسبة ولاء الحافظ ابن حجر في تهذيب التهذيب في تذكرة الحفاظ.
ممن روى عنهم:
روى عن كثير من الأئمة فروى عن أبي الأحوص سلام بن سليم وعبد الله بن ادريس وعبد الله بن المبارك وشريك بن عبد الله وهشيم ابن بشير وأبي بكر بن عياش وإسماعيل ابن عياش وجرير بن عبد المجيد وأبي أسامة وأبي معاوية ووكيع وابن علية وعبد الرحمن بن مهدي ويحيى ابن سعيد القطان وسفيان بن عيينة وأبي خالد الأحمر وعبد الأعلى بن عبد الأعلى ومحمد بن فضيل ويزيد ابن هارون وأمم سواهم.
ممن رووا عنه:
стр. 3337
روى عنه البخاري ومسلم وأبو داود وابن ماجه وابنه أبو شيبة إبراهيم ابن أبي بكر وأحمد بن حنبل وأبو زرعة وأبو حاتم الرازيان وعبد الله ابن أحمد بن حنبل إبراهيم الحربي ويعقوب ابن شيبة وبقي بن مخلد وابن أبي عاصم وغيرهم.
من خرّج حديثه:
خرج حديثه الجماعة سوى الترمذي فالبخاري ومسلم وأبو داود وابن ماجه رووا عنه بغير واسطة والنسائي روى عنه بواسطة وقد أكثر مسلم من إخراج حديثه في صحيحه ولم يرو عن أحد من شيوخه مثل ما روى عنه إذ روى عنه ألفا وخمسمائة وأربعين حديثا كما نقل ذلك الحافظ ابن حجر في ترجمته في تهذيب التهذيب ولهذا قلّ أن تنظر في صفحات صحيح مسلم فلا تجد ذكر أبي بكر بن أبي شيبة وقد التزم مسلم ذكره بكنيته وكنية جده، أما البخاري فقد روى عنه ثلاثين حديثا كما في تهذيب التهذيب لابن حجر ويذكره باسمه وكنية جده , وقد يكنيه , قال الحافظ في الفتح (١١- ٥٢٨) : وفي شيوخ البخاري عبد الله بن محمد وهو أبو بكر بن أبي شيبة لكنه لم يسم أباه في شيء من الأحاديث التي أخرجها إما يكنيه ويكني أباه أو يسميه ويكني أباه ومراده تكنية جده فقد قال في الفتح (١١- ٢٨٠) : هو أبو بكر وأبو شيبة جده لأبيه وهو ابن محمد ابن أبي شيبة واسمه إبراهيم أصله من واسط وسكن الكوفة وهو أحد الحفاظ الكبار وقد أكثر عنه المصنف - يعني البخاري - وكذا مسلم لكن مسلم يكنيه دائما والبخاري يسميه وقلّ أن كناه انتهى.
من ثناء الأئمة عليه:
стр. 3338
أثنى عليه الأئمة وذكروه بما هو أهله من الفضل والحفظ. قال الإمام أحمد: أبو بكر صدوق هو أحب إليّ ممن أخيه عثمان وقال العجلي: ثقة حافظ. وقال الفلاس: ما رأيت أحفظ من أبي بكر بن أبي شيبة وكذا قال أبو زرعة الرازي وقال أبو عبيد: انتهى الحديث إلى أربعة فأبو بكر ابن أبي شيبة أسردهم له وأحمد أفقههم فيه وابن معين أجمعهم له وابن المديني أعلمهم به، وقال صالح بن محمد: أعلم من أدركت بالحديث وعلله علي لين المديني وأحفظهم عند المذاكرة أبو بكر بن أبي شيبة.
وعن أبي عبيد: أحسنهم وضعا لكتاب أبو بكر بن أبي شيبة وقال الخطيب: كان أبو بكر متقنا حافظا صنف المسند والأحكام والتفسير. هذا ما نقله الذهبي في التذكرة عن الأئمة في الثناء على أبي بكر بن أبي شيبة وقال هو فيه: الحافظ عديم النظير الثقة النحرير، ونقل ابن أبي حاتم عن أبيه أنه قال فيه: كوفي ثقة. وقال ابن كثير في البداية والنهاية: أحد الأعلام وأئمة الإسلام وصاحب المصنف الذي لم يصنف أحد مثله قط لا قبله ولا بعده. وقال ابن خراش: ثقة، وقال ابن حبان في الثقات: كان متقنا حافظا دينا ممن كتب وجمع وصنف وذاكر وكان أحفظ أهل زمانه للمقاطيع، وقال ابن قانع: ثقة ثبت، وقال الذهبي في العبر: الإمام أحد الأعلام، وقال نفطويه: لما قدم أبو بكر بن أبي شيبة بغداد في أيام المتوكل حزروا مجلسه بثلاثين ألفا، وقال ابن ناصر الدين كما في شذرات الذهب لابن العماد: كان ثقة عديم النظير وقال الذهبي في الميزان: الحافظ الكبير الحجة وثقه الجماعة وما يكاد يسلم، قال الميموني: تذاكرنا يوما فقال رجل: ابن أبي شيبة يقول عن عفان فقال أحمد بن حنبل: دع ابن أبي شيبة في ذا وانظر ما يقول غيره يريد أبو عبد الله كثرة خطئهثم قال الخطيب:أرى أنّ أحمد لم يرد ما ذكره الميموني من أن أبا بكر كثير الخطأ وأظن حديث عفان الذي ذكر له عن أبي بكر قد كان عنده فأراد غيره ليعتبر به الخلاف والله أعلم.
стр. 3339
وقال جعفر الفريابي: سألت محمد بن عبد الله بن نمير عن بني أبي شيبة ثلاثتهم فقال فيهم قولا لم أحب أن أذكره ثم قال الذهبي: قلت: أبو بكر ممن قفز القنطرة وإليه المنتهى في الثقة، وقال الحافظ في الفتح (١١- ٢٨٠) : وهو أحد الحفاظ الكبار , وقال في تقريب التهذيب: ثقة حافظ صاحب تصانيف.
آثاره:
قال الذهبي في التذكرة: صاحب المسند والمصنف وغير ذلك. وقال في العبر: صاحب التصانيف الكبار، وقال الخزرجي في الخلاصة: صنّف التفسير وغيره وقال الحافظ في التقريب: صاحب تصانيف وقال الخطيب في تاريخه: صنّف المسند والأحكام والتفسير، وقال ابن كثير صاحب المصنّف الذي لم يصنّف أحد مثله قط لا قبله ولا بعده انتهى، وقد تم طبع أجزاء من كتابه المصنّف، ومن مؤلفاته كتاب الإيمان يوجد مخطوطا في المكتبة الظاهرية في دمشق تحت رقم ٢٧٩ حديث وقد طبع في المطبعة العمومية بدمشق بتحقيق الشيخ ناصر الدين الألباني وكتاب الأدب يوجد مخطوطا في الظاهرية في المجموع ٧٨ وهو ناقص.
وفاته:
стр. 3340
توفي أبو بكر بن أبي شيبة يوم الخميس لثمان خلون من المحرم سنة خمس وثلاثين ومائتين، أرخ وفاته بهذا البخاري فيما نقله ابن القيسراني في الجمع بين رجال الصحيحين ونقل تاريخ وفاته بهذه السنة عن البخاري أيضا الذهبي في التذكرة والخزرجي في الخلاصة وأرخ وفاته بهذه السنة الذهبي في الميزان والعبر والنووي في شرج صحيح مسلم وابن حجر في تقريب التهذيب وابن كثير في البداية والنهاية وابن العماد في شذرات الذهب ونقل الخطيب في تاريخه عن إبراهيم ابن محمد بن عرفة أنه توفي سنة أربع وثلاثين ومائتين ثم قال الخطيب: هذا وهم لأنه مات في سنة خمس وثلاثين ومائتين ونقل عن عبيد الله بن محمد بن خلف البزار ومحمد بن عبد الله الحضرمي أنه مات لثمان خلون من المحرم سنة خمس وثلاثين ومائتين وقد ذكر الخطيب تاريخ سنة ولادته فقال: ولد سنة تسع وخمسين ومائة، فمدة عمره ست وسبعون سنة ﵀.
ممن ترجم له:
١- ابن أبي حاتم في الجرح والتعديل٢/٢/١٦٠.
٢- والذهبي في التذكرة٢/٢٠.
وفي الميزان٢/٤٩٠
وفي العبر١/٤٢١
٣- وابن حجر في التقريب١/٤٤٥ وتهذيب التهذيب٦/٢.
٤- والخزرجي في الخلاصة١٧٩.
٥- وابن القيسراني في الجمع بين رجال الصحيحين ٢٥٩.
٦- والنووي في شرح صحيح مسلم١/٦٤.
٧- وابن كثير في البداية والنهاية١٠/٣١٥.
٨- والخطيب في تاريخ بغداد١٠/٦٦.
٩- وابن العماد في شذرات الذهب٢/٨٥.
١٠- وكحالة في معجم المؤلفين٦/١٠٧.
стр. 3341
محاسن الشريعة ومساوئ القوانين الوضعية
للشيخ عطية محمد سالم
القاضي بالمحكمة الشرعية بالمدينة
محاسن الشريعة:
ليس من السهل على أي إنسان أن يبين محاسن الشريعة ولا أن يعدد جوانب الإحسان فيه لأنها شريعة الإحسان كما قال ﷺ : "إن الله كتب الإحسان على كل شيء وكل شيء لم يخرج منه ولا شيء حتى في حالة القتل وإزهاق الروح فلا بد من الإحسان وفي ذبح الحيوان وفي المحلات التي لا يتذكر الإنسان فيها معنى للإحسان. فإذا قتلتم فأحسنوا القتلة وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبحة" إلى آخر الحديث.
ثم لو ذهبنا نتبع مرافق الحياة كلها لوجدنا الإحسان يتوجها بل إن الغاية من خلق الإنسان وإماتته وإحيائه لم يكن لشيء إلا للإحسان: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ. الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً﴾ . ﴿إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الأَرْضِ زِينَةً لَهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً﴾ .
وفي الحديث بعد بيان الإسلام ثم يتدرج إلى الإيمان ثم يتوج الجميع بالإحسان إنها صبغة الله ﴿صِبْغَةَ اللَّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً وَنَحْنُ لَهُ عَابِدُونَ﴾ .
ولو ذهبنا نعدد جوانب الإحسان ولو على سبيل الإجمال نجد ابتداء من القول باللسان نجد قوله تعالى: ﴿وَقُلْ لِعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ حتى في الجدال: ﴿وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ ..وفي الدعوة إلى الله: ﴿بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ﴾ ..حتى مع المسيء: ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ السَّيِّئَةَ﴾ . ﴿وَلا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ ..
стр. 3342
وفي العشرة الزوجية إذا لم تدم: ﴿فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ ..ومع الوالدين: ﴿وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً﴾ .. إلى ما لا نهاية له.. وأخيرا ومن العموم: ﴿وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ ..
وهذا أمر من الله تعالى بعموم الإحسان مقرونا بالعدل: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالأِحْسَانِ﴾ . إنها شريعة الله أنزلت في كتاب أحكمت آياته ثم فصلت من لدن حكيم خبير على من اصطفاه الله من خلقه وخاتم رسله بالمؤمنين رؤوف رحيم. لخير أمة أخرجت للناس تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر وتؤمن بالله..
إنها الشريعة التي ارتضاها الله فأتمها وأكملها: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الأِسْلامَ دِيناً﴾ ..
لقد كانت شرائع من قبل وكانت أديان لمن قبلنا نزلت بها كتب وبعثت بها رسل. فجاءت هذه الشريعة أكملها وهذا الدين أتمها والكتاب الذي أنزل بها مصدق لما بين يديه ومهيمن عليه. والرسول ﷺ أرسل بها خاتم الرسل وأفضلهم وارتضاها الله لمن اصطفاه من خلقه لخير أمة أخرجت للناس فهي خير ما أنزل على خير من أرسل لخير من أنزل إليهم فهي الخير أجمع.
стр. 3343
ومن ناحية أخرى: إنها وحي من الله بكلام الله فلها ارتباط بصفة من صفات الله. وكمال صفاته سبحانه فرع عن كمال ذاته.. ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقاً وَعَدْلاً لا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ . وهذا النور الذي أخرج الله به الناس من الظلمات إلى النور: ﴿مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لا شَرْقِيَّةٍ وَلا غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ نُورٌ عَلَى نُورٍ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَضْرِبُ اللَّهُ الأَمْثَالَ لِلنَّاسِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ ..
أسس الإحسان: ومن أسس الإحسان فيها عناصر ثلاثة:
١- الكمال.
٢- الشمول. ٣- السماحة. ٤- البقاء.
أما الكمال فلأنها من الله وبكلمات الله: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقاً وَعَدْلاً﴾ وبالحق أنزلناه وبالحق نزل ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الأِسْلامَ دِيناً﴾ وفي الحديث: "ما تركت شيئا يقربكم إلى الله إلا بينته لكم وأمرتكم به ولا شيئا يباعدكم عن الله إلا بينته لكم ونهيتكم عنه"..وعليه قال مالك بن أنس ﵀: من سن سنة وزعم أنها حسنة فقد زعم أن محمدا خان الرسالة لأن الله أخبر بأنه أكمل لنا الدين وما كان كاملا لا يحتمل زيادة. ومن أراد الزيادة فقد زعم فيه النقص حتى يتمه هو ولن يكون.
فهذه النصوص وأمثالها صريحة في كمال الشريعة..
التطبيق الفعلي لكمال الشريعة
ومن الناحية الفعلية للشريعة نجد في مقاصدها البرهان القائم على ذلك للأن جميع حكماء العالم يقولون مقاصد العقلاء في أمرين: جلب النفع ودفع الضر..
стр. 3344
والشريعة جاءت بتحقيق هذين المطلبين وزادت مطلبا ثالثا: وهو الحث على مكارم الأخلاق ومحاسن العبادات.
جلب المنافع: فمن جلب المنافع إباحة جميع ما في الأرض وتسخير كل القوة لخدمة الإنسان والقاعدة في ذالك عند الفقهاء: الأصل في الأشياء الإباحة حتى يأتي الحضر.وعليه قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً﴾ – ﴿اللَّهُ الَّذِي سَخَّرَ لَكُمُ الْبَحْرَ لِتَجْرِيَ الْفُلْكُ فِيهِ بِأَمْرِهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ . ﴿وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً مِنْهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ ..
وقد شرعت العقود لتناول هذه المنافع من بيع وإيجار وشركة وغير ذلك مما يجلب النفع على الفرد وعلى الجماعة..وأقيمت على أسس قويمة ولم تترك لتراضي المتعاقدين حسب أهوائهم بل لاضرر ولا ضرار. والغرم بالغلم وكل شرط ليس في كتاب الله فهو باطل وإن كان مائة شرط، لاكما يقول المقننون: (العقد شرعة المتعاقدين) . لأن العقد أحياناً يكون بين قوي وضعيف أو غني وفقير فيقع الحيف....
أما دفع المضار: فقد دفعت عما يسمى بالضروريات بقصد حمايتها وهي الضروريات لكل مجتمع وقد جاءت جميع الأديان بحمايتها لأنه لاحياة بدونها ولا استقرار ولا أمن ولا طمأنينة وهي:
١- الأديان ٢- الأنفس ٣- العقول ٤- الأنساب ٥- الأعراض ٦- الأموال.
стр. 3345
أما الأديان: فضرورة اجتماعية فلا توجد أمة بدون تدين سواء كان دينها صحيحا أو فاسدا فإذا كان من عند الله وجب حفظه. لأن به نظام المجتمع وارتباطه. وعليه أمر الله المسلمين بقتال المشركين ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ﴾ وقال: ﴿تُقَاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ﴾ والحديث: "أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله ".. إلى آخر الحديث..
فإذا أسلم العبد وجب الحفاظ على دينه فشرع قتل المرتد وتتمة لذلك حرم الابتداع في الدين وحرمت الزندقة وفسق المبتدع وقتل الزنديق.
وأما حفظ العقل: فلأنه هو عامل التمييز ومناط التكليف فهو أعز منال وسبب التكريم فلزم الحفاظ عليه حفظا لما أنيط به وقد عقد بعض الأدباء مناظرة بين العقل والحلم ليظهر فيها فضل العقل ونعمته فقال:
فبالعقل تتمثل الأوامر وتجتنب النواهي فحرم الله كل مسكر ومفتر وجعل حد السكر بالجلد. وحرم القليل من المسكر وإن لم يسكر.. فقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنْصَابُ وَالأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ﴾ وبين مفاسد المسكر بقوله تعالى ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ﴾ .
وفي النسب: الذي هو رباط الأسرة وعامل تكوينها فقد أحيط بسياج من الحفاظ عليه بتحريم الزنا ووجوب العدة عند الفرقة. وشرع حد الزنا جلدا أو رجما - وحرم على التأبيد المتزوجة في العدة. وتتمة لحفظ النسب من الزنا حرم الخلوة الأجنبيات.
стр. 3346
وفي العرض: الذي هو مدار المروءة والكرامة والعفة والنزاهة. حرم القذف وشرع حد القذف بالجلد وتتمة لذلك حرم الغيبة والنميمة. المسلم ليس بسباّب ولا لعاّن: ﴿وَلا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ وَلا تَنَابَزُوا بِالأَلْقَابِ بِئْسَ الاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الأِيمَانِ وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ .
والمال: وهو قوام الحياة حثت الشريعة على جمعه من الحلال وحرم التكسب غير المشروع وقال تعالى: ﴿وَلا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقاً مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالأِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ ..وحرم الغش والتدليس والسرقة وجعل حد السرقة قطع يد السارق وقد جاء في الحديث بأصولها: "ألا إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا".. الحديث.
ومثله حديث: "المسلم على المسلم حرام دمه وماله وعرضه"..
أما مكارم الأخلاق:
стр. 3347
فقد كان عنوانها في شخصية الرسول صلى الله عليه سلم في قوله تعالى عنه: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ وشرحت عائشة ﵂ هذا بقولها: "كان خلقه القرآن ".. وقد أمر المسلمون بالإقتداء والتأسي به ﷺ : ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ .. فجاء ببر الوالدين وحسن العشرة وحسن الجيرة وصدق القول. والوفاء بالوعد وحفظ العهد ونحو ذلك مما لا يحصى. وقد أشير إليه في قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ . ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ وَلا تَنْقُضُوا الأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلاً إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ﴾ .
وقد تسامى هذا الخلق الإسلامي بهذه الأمة حتى مستوى المثالية من الإيثار على النفس والإحسان على المسيء كما قال تعالى: في حق الأنصار ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّأُوا الدَّارَ وَالإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ إلى قوله تعالى ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾ . وقال: ﴿وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ .
стр. 3348
وفي وقعة ذهب أحد المقاتلين بعد المعركة يبحث عن أخ له ومعه قدح من ماء لعله يسعفه به فلما وجده وقدم إليه القدح فأهوى به إلى فمه سمع أنينا بجواره فأشار إلى أخيه أن اذهب بالماء إليه لعله أحوج إليه مني فلما وصله وأهوى بالقدح إلى فيه سمع هو أيضا أنينا بجواره فقال له اذهب به إليه لعله أحوج إليه مني. فلما وصل إليه وجده قد فارق الحياة فعاد إلى الثاني فوجد روحه قد فاضت فعاد إلى أخيه فإذا به قد استسلم وبقي القدح على يديه ومات ثلاثتهم ظمأ إيثارا للغير على النفس في أحوج المواقف وأشد الحاجة.
وفي الإحسان إلى المسيء الصور العديدة ومن أوضحها ما حكي عن زين العابدين ابن الحسن بن علي ﵃ أن جارية كانت تصب عليه الماء فسقط منها الإبريق فآذاه. فنظرت إليه في إشفاق وقالت: يا يسدي الله تعالى يقول: ﴿وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ﴾ فقال لها كظمت غيظي، ثم قالت ﴿وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ﴾ . فقال لها عفوت عنك، فطمعت وقالت ﴿وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ قال: اذهبي فأنت حرة لوجه الله ...
ومما يدل في هذا المجال التوجيه إلى ما هو أفضل وأحسن والانطلاق إلى الفضائل والإحسان سواء في العبادات والقرب إلى الله أو في المعاملات وحقوق الإنسان.
فمن العبادات في الصوم ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْراً فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ﴾ فالحد الأدنى للفدية عن اليوم طعام مسكين. ثم ندبه إلى الزيادة في الخير ومن تطوع خيرا فهو خير له..
стр. 3349
ومن المعاملات: أولا في الدين الحد الأدنى إنظار المعسر: ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾ ثم يندبه إلى ما هو أحسن: ﴿وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ﴾ .. وفي تنصيف الصداق المسلم إذا وقعت الفرقة قبل الدخول فتنصيفه حد أدنى: ﴿فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ﴾ ..ثم يندبه إلى الأحسن: ﴿إِلا أَنْ يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ .. وهذا كثير وسيأتي بيانه في الحكم والقضاء. ولعل فيما تقدم من بيان جلب المنافع ودفع المضار والحث على مكارم الأخلاق ما يكفي لإثبات كمال الشريعة بجانب ما قدمنا من النصوص الصريحة في ذلك..
وإن من أكمل الأدلة على كمالها لوجودها منذ تشريعها بكمالها. لم تحتج إلى ما يكملها ولم يطرأ عليها ما ينقصها، فقد سايرت السنين والقرون ولم يستطع معاند أو موالي أن يستدرك على ما فيها وما تجرأ إنسان على معارضتها إلا مكابر ومعاند وهو بمعارضته يعلن عن جهله وقصور نظره وهو في عمله أصدق ما يكون عليه قول الشاعر: -
كناطح صخر يوما ليوهنها
فلم يضرها وأوهى قرنه الوعل
بل إن القوانين الوضعية ما تمت ولا تطورت إلا بمقدار ما اقتربت منها واقتبست عنها. كما في أصل نشأة القانون الجرماني فقد كان منه قانون العوائد أخذ من عادات الشعب الإسباني من بقايا الفقه المالكي..
وهاهي ذي الحكومات في الدول الأوروبية تبدأ تأخذ تشريعات للأسرة من نكاح وطلاق وميراث.
أما الشمول: فقد شملت هذه الشريعة جميع الطبقات والطوائف والأفراد والجماعات. ونظمت علاقة الخلق بالخالق والحاكم بالمحكوم فيما بينهم.
стр. 3350
فاشتملت على التشريع الديني في العبادات والدنيوي في المعاملات والأخروي في طرق اكتساب الحسنات واجتناب السيئات.. فهي شريعة الدين والدنيا أو كما يقال: الدين والدولة. وكل شيء كما قال تعالى: ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾ ..
ومن أوسع معاني الشمول فيها أنها شملت كل أمة من عرب ومن عجم وجمعت بينهم سواسية وسايرت كل زمان ومكان.. فهي شاملة لكل الناس على اختلاف أجناسهم صالحة لكل زمان قديما وحديثا ولكل مكان حاضرة وبادية..
ومن آثار هذا الشمول وذاك الكمال فهي تساير الدنيا إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها بخلاف الشريعة المتقدمة عند اليهود حينما قست قلوبهم وغلبتهم ماديتهم مالوا بها إلى المال بكل حيلة واستحلوا لكل غاية كل وسيلة حتى استحلوا ما حرم الله عليهم من الصيد يوم السبت وأكل الشحوم بالبيع وأكل الثمن..
فجاءت الديانة للمسيحيين تخفف من مادية اليهود فمالوا إلى الرهبانية. فلم تأخذها اليهود ولم يأخذ المسيحيون بما عند اليهود من تشريع للمعاملات وأخذوا يشرعون لأنفسهم تتمة لما تشمله تشريعاتهم..
أما هذه الشريعة فجاءت كما قلنا للدين والدنيا: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسَعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ. فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيراً لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ .
﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعاً سُجَّداً يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَاناً﴾ إلى آخر السورة..
стр. 3351
أما السماحة في الشريعة: فهي صفتها الخاصة كما في الحديث بعثت بالحنيفية السمحة. ومن سماحتها أن الله لم يجعل فيها من حرج في التكليف كما قال تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ .. وقوله ﴿مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ﴾ ولم يكلف نفسا إلا وسعها: ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلا وُسْعَهَا﴾ ..
ومن قواعدها: إن كل مشقة تجلب التيسير. ومن هذا الباب جميع الرخص في الشريعة.. ومن السماحة عدم المؤاخذة في حالة النسيان أو الخطأ أو الإكراه.. وقد كان إصرا على من كانوا قبلنا فحط الله عنا وفي الحديث: "عفي لي عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه".. ومفهوم عفي لي أنه لم يعف لغيره كما أعطى ﷺ خمسا لم يعطهن أحد قبله كما في الحديث "نصرت بالرعب مسيرة شهر وأحلت لي الغنائم وأعطيت الشفاعة وكان الرجل يبعث إلى قومه خاصة فبعثت إلى الناس كافة. وجعلت لي الأرض مسجدا وطهورا".. فقد خص بما لم يخص به غيره ﷺ وعليهم أجمعين. وفي قوله ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ﴾ .. إلى قوله تعالى: ﴿أَنْتَ مَوْلانَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾ .. فيقول الله تعالى عند كل دعاء قد فعلت.
وقد بيّن ﷺ حال من كانوا قبلنا من المؤاخذة على النسيان والخطأ والإكراه. وقد أوخذ أبونا آدم على النسيان: ﴿وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَى آدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْماً﴾ .
ومن المؤاخذة على الإكراه الرجلان اللذان مرا بصنم لقوم وأمروهما أن يقربا ولو ذبابا فامتنع أحدهم فقتلوه، بينما في هذه الأمة: ﴿إِلا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالأِيمَانِ﴾ .
стр. 3352
ومن السماحة: التيسير: ﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً. َإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً﴾ .
ولن يغلب عسر يسرين.. أما ما يتعلق بخصوص الحكم من هذا كله- من الكمال والشمول والسماحة فكالآتي:
الكمال في القضاء الإسلامي:
والواقع أن النظر في كمال القضاء يكون في جانبين - في شكله وفي معناه.
١- والجانب الأول ما يعرف الآن بالجانب الإداري الذي يختص بإدارة المحكمة وترتيب القضايا في مواعيد محددة.
ومن هذا قبيل التخصيص بالمكان أو النوع أو المقدار.. وقد وجد النوع الثاني وهو التخصيص في زمن الرسول ﷺ حيث أرسل ﷺ عليا وأبا موسى إلى اليمن وخصص كلا منهما بجانب منه.
أما النوع والمرتبة: فقال كل من ابن قدامة في المغني [١] والقاضي أبو الحسن الماوردي أنه يجوز للولي أن يولي القاضي ولاية عامة في عموم الحقوق فتعم من حيث الزمان والمكان والأقضية. أو عامة في خاص أي عموم الأقضية في خصوص بلدة. أو خاصة في خاص أي في نوع من الأقضية في بلدة وله أن يحدد مبلغا لا يتعداه. وفي الموطأ لمالك: أنه مرّ بقاضي السوق فقال له: لا تكثر لئلا تخطئ. فكان للسوق قاض. وقال عبد الله الزبيري لم تزل الأمراء عندنا بالبصرة برهة من الدهر يستقضون قاضيا على المسجد الجامع يسمونه قاضي المسجد يحكم في مائتي درهم وفي عشرين دينارا فما دونها وتفرض النفقات ولا يتعدى موضعه ولا ما قدره له.
стр. 3353
سلم المحاكم: وهو ما يعرف بالتقسيم الحالي: محكمة مستعجلة وأخرى كبرى ثم استئناف. فهو نوع من التخصيص وزيادة في موضوع الاستئناف. فقد وجدنا من ينفي وجوده في تاريخ القضاء الإسلامي. والحق أنه موجود بأصله في زمن الرسول ﷺ وكان ذلك في قضية عرضت على علي ﵁ باليمن وهي كما ساقها وكيع وفيها عن أحمد في قضاء علي عنه قال: بعثني النبي ﷺ إلى اليمن فأزي الناس زيية الأسد فأصبحوا ينظرون إليه وقد وقع فيها فتدافعوا حول الزيية فخر فيها رجل فتعلق بالذي يليه. وتعلق آخر بآخر حتى خر فيها أربعة. فجرحهم الأسد فتناوله رجل برمح فطعنه وأخرج القوم منها. فماتوا كلهم. فقالت قبائل الثلاثة لقبيلة الأول: هاتوا دية الثلاثة فإنه لولا صاحبكم لم يسقطوا فقالوا: إنما تعلق صاحبنا بواحد فنحن نؤدي دية واحد فاختلفوا حتى أرادوا القتال بينهم فسر رجل منهم إليّ وهم غير بعيد مني فأتيتهم فقلت لهم: تريدون أن تقتلوا أنفسكم ورسول الله ﷺ حي وأنا إلى جنبكم إني قاض بينكم بقضاء فإن رضيتموه فهو نافذ بينكم وإن لم ترضوه فهو حاجز بينكم فمن جاوزه فلا حق له حتى يأتي رسول الله ﷺ فهو أعلم بالقضاء مني فرضوا بذلك فأمرهم أن يجمعوا دية كاملة ممن حضروا البئر ونصف دية وثلث دية. وربع دية، فقضى أن يعطي الأسفل ربع الدية. من أجل أنه هلك فوقه ثلاثة. ويعطي الذي يليه الثلث من أجل أنه هلك فوق اثنان ويعطي الذي يليه النصف من أجل أنه هلك فوقه واحد. ويعطي الأعلى الدية كاملة لأنه لم يهلك فوقه أحد.
стр. 3354
فمنهم من رضي ومنهم من كره، فقال تمسكوا بقضائي حتى تأتوا رسول اله ﷺ بالموسم فيقضي بينكم فوافقوا رسول الله ﷺ عند مقام إبراهيم فساروا إليه فحدثوه بحديثهم. وهو محتب ببرد عليه فقال: إني أقضي بينكم إن شاء الله. فقال رجل من أقصى القوم: إن علي ابن أبي طالب قد قضى بيننا قضاء باليمن، فقال: وما هو؟ فقصوا عليه القصة، فأجاز رسول الله ﷺ القضاء كما قضى علي بينهم.
ففي هذه القصة يتحقق معنى الاستئناف المعروف حاليا أو التمييز الذي هو عبارة عن رفع القضية بعد صدور الحكم الأول فيها إلى جهة أعلى منها للنظر في سيرها ومطابقة حكمها لواقعها. لأن عليا ﵁ قال: فإن رضيتم فقضائي وإلا فهو حاجز بينكم حتى تأتوا رسول الله ﷺ فهو أعلم بالقضاء مني. فرضي البعض ولم يرض البعض الآخر. وهذا هو عين ما يعرف بتقرير عدم القناعة ثم رفع القضية بتمامها، ومن جهة أخرى فقد تقرر مبدأ عدم نظر القضية إذا كانت نظرت من قاض آخر لأن النبي ﷺ لما سمع القائل يقول: قضى فيها علي بنا باليمن توقف عن القضاء حتى سمع الحكم الأول فأقره وهذا بعينه هو سلم المحاكم ومراتبها: مستعجلة- كبرى - استئناف. وفي النظم الأخرى: محكمة الصلح - محكمة أولية - محكمة استئناف - وتوجد محكمة النقض والإبرام. ويوجد ما يقابلها باسم مجلس القضاء الأعلى قد ينظر القضية بين محكمة التمييز وبعض المحاكم الكبرى.
ومنع عمر الأمراء أن يقيموا حكم القتل حتى يعرض عليه. وهو ما عليه العمل الآن من تصديق الملك أو الرئيس على الحكم في القتل.
أما الترتيب الأول فهو سير المحكمة والمحاكمة فهذا الشكل لم يكن معروفا من قبل لأنه لم تكن له حاجة تدعو إليه. وقد تأثرت بمؤثرات الحياة وتطورات المجتمع.
стр. 3355
ما كان عليه الوضع زمن رسول الله ﷺ : والذي كان عليه الوضع زمن الرسول ﷺ هو صورة من صور المسلمين الأولين في بساطتهم وصدق كلمتهم وقصدهم إلى الحق ولم على أنفسهم. فكانوا يعتبرون القضاء إبراء للذمة وخروجا من العهدة حتى أن أحدهم كماعز والغامدية إذا ارتكب حدا يأتي إلى رسول الله ﷺ يطلب إقامة الحد عليه.
فلم تكن قضايا أمثالهم تتطلب أكثر من التشبث منه في إقراره كما فعل رسول الله ﷺ مع ماعز: أبِكَ جنون؟ لعلك قبلت. لعلك فاخذت ... الخ.
стр. 3356
وقصة العسيف الذي زنا بامرأة من يعمل عنده فأتيا رسول الله ﷺ فقال أحدهما يا رسول الله أقض بيننا بكتاب الله وقال الآخر وهو أفقههما: أجل فاقض بيننا بكتاب الله وأذن لي في أن أتكلم فقال: تكلم. قال: إن ابني كان عسيفا على هذا فزنى بامرأته فأخبرت أن على ابني الرجم، فافتديت منه بمائة شاة وبجارية لي ثم إني سألت أهل العلم فأخبروني أن ما على ابني جلد مائة وتغريب عام. وأخبروني إنما الرجم على امرأته. فقال رسول الله ﷺ : أما والذي نفسي بيده لأقضين بينكما بكتاب الله. أما غنمك وجاريتك فرد عليك وجلد ابنه مائة جلدة وغربة عام. وأمر أنيس الأسلمي أن يأتي امرأة الآخر فإن اعترفت رجمها فاعترفت فرجمها. فما كانا إلا مستفتيان. وقد أخبرا من قبل مجيئهما الرسول ﷺ وسألا أهل العلم لمعرفة الحق وفي الأموال كذلك. كما في حديث الرجلين اللذين اختصما في مواريث بينهما درست معالمهما ولا بينة عندهما فقال ﷺ أنكم تختصمون إلي فأقضي لكم على نحو ما أسمع فلعل أحدكم ألحن بحجته من صاحبه فمن قضيت له شيئا من حق أخيه فلا يأخذه فإنما أقطع له قطعة من النار. فتراجع كل منهما وبكى وقال: حقي لصاحبي. فلم يتشاحا أو يتلاحيا وأرشدهم النبي ﷺ لإكمال اللازم بأنفسهما من الاقتسام والإسهام والتسامح.
وفي الزوجية: قضية جميلة زوجة ثابت بن قيس لما أرادت فراقه جاءته ﷺ وقالت إني والله لا أعيب عليه دينا ولا خلقا ولكني أكره الكفر في الإسلام. صراحة ومروءة لم تتجن عليه فقال ﷺ أتدرين عليه حديقته؟ قالت بلى وزيادة. فقال صلى الله عليه وسل: أما الزيادة فلا. وقال له.: خذ الحديقة وطلقها طلقة. وأمرها أن تعتد عند أهلها. فانتهى الأمر بالسؤال والجواب. ولم يلزمه معه أي إجراء. ونظير ذلك كثيرا.
стр. 3357
تطور الأمر: أما بعد أن تطاول الزمن وتغير الناس وتداخلت الحقوق والتبست الأمور. وغلبت الأهواء. وسنحت النفوس. وظهر الإنكار تغيرت الأوضاع في شكلية القضاء وتطلب الحال تطورا وضبطا وسجلات وكبتا وقد بدأ شيء من ذلك في زمن عمر. فقد كان يرى أن المسلمين كلهم عدولا على بعض وكتب إلى أبي موسى في ذلك حتى أتاه رجل من العراق وقال له جئتك في أمر لا رأس له ولا وذنبا شهادة الزور ظهرت في بلدنا.
فقال عمر: أو حدث ذلك والله لا يرهن مسلم إلا بشاهدي عدل فنشأت تزكية الشهود لمجهول الحال. فكان عمر ينظر إلى الناس كأصحاب رسول الله ﷺ فلما تغيروا غير الوضع بما يضمن المصلحة ويحقق العدالة.
الكاتب والضبط: وقد كان بعد الخلفاء للقاضي كاتب وضبط وقمطر. وكان يعين له مجلس وزمن أو يختار بيته أو المسجد ونص الخلفاء على ترتيب الخصوم الأول فالأول.
ثم خصصت دور للقضاء والحكم سميت بالمحاكم ونظمت مواعيد الجلسات وزمن حضور الخصوم وغير ذلك وكل ذلك من تطور شكل القضاء مع تطور أحوال الناس. وأقضياتهم. والجدير بالتنبيه عليه هو أن الإسلام لا يمانع من أي تطور يحقق المصلحة ولا يتعارض مع نص من كتاب أو سنة وقد أوجد زمن عمر ديوان الجند لحصرهم وترتيب أعطياهم وجمع القرآن في الصحف وكتب المصحف ... الخ. كما اتخذ السجن ونحوه لما فيه مصلحة الأمة.
وبهذه المناسبة فإن القضاء في هذه المملكة وهو قضاء شرعي في منهجه يعتبر مثاليا في شكله وصورته ونظامه من ضبط واختصاص وما يتعلق بذلك. وما ينتج عنه من سرعة إنجاز وفسحه ومعارضته. ويلاحظ لو نظرنا إلى شكوى بعض رؤساء الدول المجاورة عن كثرة القضايا وقلة القضاء وعدم الإنجاز.
стр. 3358
الكمال في منهج القضاء الإسلامي: أما المنهج القضائي في الإسلام فهو المثال الأعلى منذ صدر الإسلام لأنه شمل بالعناية كل من القاضي - والمقضى عليه - والمقضى فيه - والمتقاضين- وسير القضاء، أي ما يسمى بأطراف القضاء أو أركان القضاء.
أ- أما القاضي فقد وضع له شروطا إن لم تتوفر فيه لا يتولى القضاء وسيأتي بحثها مستوفاة إن شاء الله.
ب- والمقضى به فهو كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسل وأقضيات سلف الأمة ممن لهم الاجتهاد وحق الاقتداء بهم. وقياس النظائر بالأشياء.
ج- والمتقاضون سواء كانوا مسلمين أو أهل ذمة على تفصيل سيأتي.
د- أما سير القضاء فقد أقيمت أسسه بقوله ﷺ البينة على من ادعى واليمين على من أنكر.
وقال لعلي حين أرسله إلى اليمن إذا أدلي إليك الخصم فلا تقض له حتى تسمع من الآخر فإنه أحرى أن يتبين لك القضاء.
وضمن للقاضي ارتياحه وطمأنينته أثناء القضاء فنهاه أن يقضي وهو غضبان أو في حالة شبيهة بالغضبان من المشوشات للفكر.
وفي كتاب عمر ﵁ إلى أبي موسى قواعد أساسية لمنهج القضاء في الإسلام لم يوجد بعده ما يسايره في معانيه ولا منهجه.
المنهج القضائي في القرآن والسنة
وإذا كان الغرض من منهج القضاء هو تحقق العدل والإنصاف والمساواة، فإن ما رسمه القرآن بصريح النصوص ليغني عن البيان. منها:
١- قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ﴾ . ففيه الأمر بالحكم بالعدل بين الناس عموما.
стр. 3359
٢- ثم يأتي أخص من هذا وهو في خصوص العدول والخصوم في قوله تعالى: ﴿وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ . ﴿وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ أَنْ صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَنْ تَعْتَدُوا﴾ .
٣- ومع غير المسلمين أيضا: ﴿فَإِنْ جَاءُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ وَإِنْ تُعْرِضْ عَنْهُمْ فَلَنْ يَضُرُّوكَ شَيْئاً وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ .
٤- ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ إِنْ يَكُنْ غَنِيّاً أَوْ فَقِيراً فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا﴾ .
تطبيق ذلك عمليا: وقد طبق ذلك قضاة المسلمين كما فعل شريح في قضية أمير المؤمنين علي مع اليهودي في الدرع ادعى به علي وليس عنده شاهد إلاّ الحسن بن علي ومولاه قنبر فلم يقبل القاضي أن يسمع شهادة الحسن لأبيه وحكم لليهودي وكان سبب إسلام اليهودي واعترافه بالدرع لعلي ففرح علي وأهداه عليه ومائتي درهم.
وقضاء عمر بين رجل من المسلمين وآخر يهودي فقضى عمر لليهودي لما رأى الحق له فأقسم اليهودي لقضيت بالحق فلهزه عمر في صدره وقال: وما يدريك..
وقضاء زيد بن ثابت بين عمر وأبي في نخيل إلى غير ذلك من الأمثلة التي حققت العدالة ولو على الأنفس والأقربين.
وبهذا يتضح الكمال في القضاء شكلا ومنهجا.
أما الشمول في الحكم: فالاتساع نطاق التحكيم حتى شمل العبادات والزوجات وتعدى إلى القبائل والعشائر وما يمكن أن يسمى القضاء الدولي على ما سيأتي تفصيله إن شاء الله مما لم يسبق إليه.
стр. 3360
أ- أما في العبادات ففي تقدير جزاء الصيد ﴿فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ .
ب- وفي تقدير الأمور النسبية: كتقدير نفقة الزوجة والأولاد ومصاريف القصار.
ج- في القضايا الزوجية: حينما تتأزم الأمور أمام القاضي ولا يعلم أسباب الخلاف لما بين الزوجين من الخفاء والتستر ولا طريق إلا الإصلاح: ﴿وَاللاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلاً إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيّاً كَبِيراً. وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَماً مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَماً مِنْ أَهْلِهَا إِنْ يُرِيدَا إِصْلاحاً يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيماً خَبِيراً﴾ .
د- وقد اتسع نطاق الحكم والقضاء في الإسلام فشمل القبائل والطوائف ويمكن أن نقول القرى والمدن والأقطار وما يطلق عليه الآن محكمة العدل الدولية وذلك في قوله تعالى: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ .
وفي هذا السياق ما يستنتج منه إيجاد قضاء عالمي وبوليس دولي إذا اعتبرنا الطائفتين بمثابة الدولتين لأن دولة ما لا يحق لها أن تتدخل بالقوة بين دولتين متقاتلتين حتى ينظر في سبب القتال ويعلم ممن الخطأ وهذا يقضي قضاء دوليا. فيحكم على المعتدين بالكف والامتناع وسعي بينهما بالصلح. فإن لم تكف إحداهما كان لزاما من قتالها ولا يحق لدولة متفردة أن تقاتلها فكان البوليس الدولي ليحجز بينهما. إلى أن يتم الصلح أو القضاء وهكذا.
стр. 3361
ومن خصائص القضاء في الإسلام أن يدعو إلى التسامي عن مواقف العناد أو المقاصة ويسمو بنفس صاحب الحق إلى التسامح والعفو من ذلك:
١- قوله تعالى: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ. وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلا بِاللَّهِ﴾ . فهنا يعطي المدعي حق المعاقبة بالمثل. ولكنه يندبه للصبر ويفضل الصبر للصابرين.
٢- وقوله: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ .ثم قال: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ﴾ .
٣- وقوله: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾ .
فقد تقرر أن الجزاء بالمقاصة مثلا بمثل ولكن ندب إلى العفو والصبر والإصلاح.
٤- وفي قصاص الجروح: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ.. إلى: وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾ ثم يقول تعالى: ﴿فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ﴾ .
٥- وأعظم من هذا كله في قصاص النفس: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالأُنْثَى بِالأُنْثَى فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ﴾ .
مساوئ القانون
الواقع أنه لا يتأتى تعداد مساوئ القانون الوضعي ولا تتبعها في كل مسألة كما لم يتأت تعداد محاسن الشريعة في كل مسألة أوحكم ,وكما أشرنا إلى محاسن الشريعة على سبيل الإجمال فنشير هنا أيضا إلى مساوئ القانون على سبيل الإجمال. ويتلخص هذا في الآتي:
١- نشأة القانون.
٢- وجوده في البلاد الإسلامية.
стр. 3362
٣- عوامل تدعيمه والإبقاء عليه.
٤- الطعن على الشريعة والرد عليها.
٥- مقارنته بين الشريعة والقانون في مسائل الطعن كالقطع والرجم.
نشأة القانون: إن المعتبر الآن من القانون الوضعي يرجع في الأصل إلى القانون الفرنسي مع ما أضيف إليه في كل بلد بحسب حاجاتها ومفاهيمها.
والقانون الفرنسي يتكون في أصله من عدة أصول جاءت محكية في كتاب المقارنة بين القانون الفرنسي والمذهب المالكي للأستاذ سيد عبد الله حسن ١٣٦٦- ١٩٣٧. قال:
أولا: القانون الروماني وكان في جنوب فرنسا إلى سنة ١٧٨٥م.
ثانيا: القانون الجرماني وكان في شمال فرنسا.
ثالثا: قانون الكنيسة الكاثوليكية وكان حول الزواج وما يتبعه.
رابعا: قانون الملكية المطلقة بأوامر لويس ١٤- ١٥ - ١٦.
خامسا: قانون الثروة.
ثم وحدت في قانون واحد سنة ١٨٠٤ وهو الذي كان موجودا بمصر سنة ١٩٢٦م. أما القانون الروماني فقد دخل إلى فرنسا سنة ٥٠ قبل الميلاد حين غزاها الرومان إلى سنة ٤٧٦ بعد الميلاد.
أما القانون الروماني فدخلها سنة ٤٧٦ إلى سنة ٩٨٦. ثم جاء قانون العوائد وبالتالي مزجت تلك القوانين كلها بعد الثورة الفرنسية وجُعلت قانونا واحدا. ولد في أوروبا ونشأ فيها ثم انتقل إلى غيرها.
تواجد القانون في البلاد الإسلامية
أما تواجده في البلاد الإسلامية فإنه ليست لدينا المراجع الكافية للتفصيل في ذلك ولكن على سبيل المثال والإيجاز نذكر عن وجوده في مصر وسوريا والعراق والبلاد العربية. ولم نذكر السعودية لأنه ولله الحمد لم يدخلها قط وكانت دائما تحكم من أبنائها سواء في نجد أو الحجاز وبتحكيم الشريعة.
стр. 3363
أ- أما وجوده في مصر: فكان بدء ذلك سنة ١٨٥٦ وقبلها كان الحكم للإسلام. ولكن بدأ في هذا التاريخ منذ أنشأت مجالس قضائية محلية. بجوار المحاكم الشرعية المحلية أيضا. ثم تشعب القضاء ووجدت الامتيازات والحماية. وفي سنة ١٨٧٦ ظهرت المحاكم المختلطة على يد نوبار باشا في عهد إسماعيل باشا وكان قانونها مكونا من القانون الفرنسي والإيطالي والبلجيكي وواضعه ((مسيو مونري)) المحامي الفرنسي الذي كان موجودا بمصر آنذاك.
فكان في البلاد والمحاكم المختلطة لجميع الأجانب بزعم التخلص من المحاكم المختلطة فكانت على نظامها وأوضاعها. وأنشأت سنة ١٨٧٣ في ١٤ يونيو بأمر عال من الخديوي توفيق باشا فألغيت مجالس الأحكام. وبقيت المحاكم الشرعية للأحوال الشخصية فقط. والمحاكم الأهلية للأحوال المدنية.
وهكذا قضي على القضاء الإسلامي بالقضاء القانوني في خطوات سريعة لم تستغرق أكثر من خمس وعشرين سنة.
أما سوريا فإنه دخلها دفعة حيث نقل إليها القانون المصري الفرنسي فقط سنة ١٩٤٩ ميلادي.
عوامل تدعيم القانون وبقائه: ولما لم يكن لهذا القانون ما يسانده في هذه البلاد وكان مفروضا فرضا ولم يستند على شيء إلا لوجود المستعمر رسم الخطة لتدعيمه ومساندته فأنشأ كلية الحقوق لدراسة القانون وهيأ المراتب والوظائف في الدول لخريجيها ليتولوا زمام الحكم. وأعلى من شأنهم في الوظائف والمرتبات مما صرف النظر إليها ورغب فيها، بينما قلل من فرص العمل أمام رجال الفقه والشريعة وقلل من مرتباهم. حتى لا يتجه إلى تعليم الشريعة إلا ذو العقائد القوية والدين السليم رغبة في الدين ومرضاة لله.
الطعن على الشريعة: ومن ناحية أخرى سلط الطعن على الشريعة من حيث عدم صلاحيتها للقضاء ومن ثم عدم صلاحيتها للحكم. وقال الأستاذ سيد عبد الله أن نقاط الطعن هي:
١- اختفاء العدالة ووجود الفوضى وتفشي الرشوة وعدم تنفيذ الأحكام غالبا.
стр. 3364
٢- تشعب القضاء الإسلامي لوجود الحكم بالمذاهب المختلفة: المالكي ثم الشافعي وأخيرا الحنفي..الخ
٣- قسوة الأحكام الشرعية كالقطع والرجم ويقول الأستاذ الشهيد عبد القادر عودة إن الذين يوجهون مثل هذا الطعن على الشريعة قسمان:
قسم درس القانون ولم يدرس الشريعة.
قسم لم يدرس الشريعة ولا القانون.
ومثل هؤلاء لا يحق لهم أن يحكموا بشيء على الشريعة لعدم دراستهم إياها.
ثم يقول إن طعنهم مبني على قياسهم الشريعة على القانون من حيث مبدأ التطور والتجديد في القانون كلما تطورت الحياة المدنية والحضارة فيرون أن الشريعة بناء على ذلك يجب أن تتطور لأنها منذ عهد بعيد وفي أوضاع مدنية مختلفة.
وقد يكتفي الإنسان برد ادعائهم بأنهم يجهلون الشريعة وكفى ولكن نورد ما يفند مزاعمهم لئلا يغتر بها من كان مثلهم.
أما ادعاؤهم وجود الفوضى والرشوة وغير ذلك من الفساد فليس ذلك راجعا إلى عدم صلاحية الشريعة للحكم. ولكن مرجعه إلى تعطيل الشريعة وفساد الحكام وفرق بين فساد الحكام ونظام الحكم كالفرق تماما بين ضعف المدرس وضعف المنهج.
بل إن قوة المدرس تعطي المنهج قوة وحيوية وكذلك قوة الحاكم وكان الإصلاح السليم هو إصلاح المجتمع وإعداد الحكام والقضاة إعدادا سليما كما فعل المستعمر لقانونه ففتح كليات لتربي حماة لنظامه فهل فتحت معاهد خاصة للقضاة الإسلاميين في جميع المجالات شخصية ومدنية وجنائية.
ب - وأما تشعب القضاء الإسلامي بتعدد المذاهب فإن ذلك أوسع فرصة لوجود نصوص فقهية قضائية وكان الإصلاح هو تقوية القضاة أي مرتبطا بالأول ليكونوا على حالة تمكنهم من إيجاد حل لكل قضية مهما كانت ومن أي مذهب كان. وإن أحد هذه المذاهب التي لا تخرج في مجموعها عن الكتاب والسنة واجتهاد سلف الأمة لهو أولى وأحرى ألف مرة من أخذ قانون أوروبي وضعه محام فرنسي أو افترضه مستعمر ظالم.
стр. 3365
ج - أما قسوة التشريع الإسلامي: فهذه هي محط الرحل وهي التي جعلت ناشئة القانون يتمسكون به ويفرون من تشريع بلادهم ودين آبائهم وأجدادهم. بل وحق الله تعالى عليهم.
وفاتهم المساكين أن تشريع الله لخلقه أرحم وأرأف وألطف من تشريع المستعمر لهم. ولقد كان مشركوا مكة أعقل منهم وإن كانت في دعوى عصبية إذ قال صفوان: لأن يريني رجل من قريش يعني رسول الله ﷺ خير من أن يريني رجل من هوازن.
وأيضا فاتهم أنه الحليم قد يقسوا رحمة بمن يرحمهم كقول الشاعر:
قسى ليزدجروا ومن يك حازما
فليقس أحيانا على من يرحم
وإنا لنورد مقارنة بين الشريعة والقانون فيما اعتبروه قسوة المقارنة:
أولا - في قطع يد السارق:
يرى دعاة القانون أن قطع يد السارق وحشية وغلظة ولا يساير الحضارة والمدنية الحديثة لأن المجرم مريض في المجتمع ويجب أن نعالجه.
والجواب على ذلك من وجوه:
أولا: ومن قريب ما أجاب به جلالة الملك فيصل حفظه الله في مؤتمر صحفي بأمريكا لما سئل هل لا زلتم تقطعون يد السارق في بلادكم ولِمَ؟ فقال: نعم لا زلنا نقطع يد السارق. ولأن الله هو الذي أمر بذلك. أي أنه حكم الله الذي خلقه وهو أعلم بما يصلحه وهو أرحم به.
ثانيا: بما وقع على جواب من سلفهم حينما قال أبو العتاهية:
يد بخمس مئين عسجد وديت
ما بالها قطعت في ربع دينار
فأجاب بعض المؤمنين مبينا الحكمة في ذلك بقوله:
عز الأمانة أغلاها وأرخصها
ذل الخيانة فافهم حكمة الباري
следующие страницы →