← Джавами‘

Джавами‘ · id 4473

مجلة الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (23 804 стр.). Показаны 3571–3610 · переход к 3576.

стр. 3571

وخانته قربك الأيام فيمسك الصاحب بتلابيبه ثم يقول: "إنه بيت، رقية العقرب أقرب إلى الأفهام منه، فإن قوله: (فيك) لو وقع في عبارات الجنيد والشبلي لتناءت عنه المتصوفة دهراً ... ورقية العقرب هذه تذكرنا قول ابن الرومي في شعر البحتري: رقى العقارب أو هذر البناة إذا أضحوا على شعف الجدران في صخب ويقلِّب الصاحب نظره في رثاء المتنبي لأم سيف الدولة، وفيه من الفخامة ما يليق بجلال الملوك، فإذا هو يقذف بالقهقهات المثيرة هنا وهناك، ثم يسجل ملاحظته في مثل هذه الكلمات: يقول الصاحب: ولما أبدع (المتنبي) في هذه المرثية واخترع قال: صلاة الله خالقنا حنوط على الوجه المكفن بالجمال وقد زعم بعض من يغلو في المتنبي أن هناك استعارة، فقلت: صدقت. ولكنها استعارة حداد في عرس. ولا يفوتنا غرابة (الحداد في عرس) فهي من ابتداع الصاحب، فيما أظن، وقد بقيت ملكه حتى أخذها شاعر حديث فقال: ضحك الأمس، فرنّت في الدجى ضحكة الثاكل في ليلة عرس ويقرأ الصاحب قول أبي الطيب: إن كان مثلك كان أو هو كائن فبرئت حينئذ من الإسلام فلا يهمه ما في البيت من سخف المعنى والمبنى، بمقدار ما تسوؤه لفظة (حينئذ) لذلك يكشف عورتها وهو ينادي (إنها ههنا أنفر من عيَر منفلت!) . وهكذا هو يصنع في ذلك البيت الآخر الذي يتساءل به المتنبي عن الطلول: أسائلها عن المتديريها فما تدري، ولا تُذْري دموعا فإذا هو يقبض على هذه (المتديريها) بكلتا يديه، ويقول: "لو وقعت هذه اللفظة في بحر صاف لكدرته ولو ألقي ثقلها على جبل سام لهدته! ..." ولَكَم ثار فضول الناس حول قول المتنبي الآخر: أُحاد أم سداس في أُحاد ليَُيْلَتُنا المنوطة بالتنادي!

стр. 3572

فلم ينتهوا إلى الكلمة الأخيرة فيه حتى اليوم، ولكن الصاحب لا يرى فيه إلا نوعاً من الهذر يجمع من الحساب ما لا يدرك بالارتماطيقي، وبالأعداد الموضوعة للموسيقى، ثم يجهز عليه بهذه الطعنة النجلاء إذ يقول: "هذا كلام الحكل ورطانة الزط.. وما ظنك بممدوح قد تهيأ للسماع من مادحه فصك سمعه بهذه الألفاظ الملفوظة، والمعاني المنبوذة! ..." وقد يقع الصاحب على كلمة بارعة قالها أحد النقاد في شعر المتنبي، فيكتفي بها معبراً عن رضاه، كما صنع في هذا البيت: فما للنوى، جُد النوى، قطع النوى كذاك النوى قطاعة لوصال فيورد عنه كلمة أحد شيوخ الأدب إذ يقول: "لو سلط الله على هذا البيت شاة لأكلت هذا النوى كله! ..." ثم استمع إلى قول المتنبي هذا: إذا كان بعض الناس سيفاً لدولة ففي الناس بوقات لها وطبول وقديماً شغل الشراح عن معنى هذا البيت بالجدل على (بوقات) .. بعضهم يصححها وبعضهم يخطئها، أما الصاحب فينصرف عن كل ذلك ليقول: "إن هذا التحاذق كغزل العجائز، ودلال الشيوخ! ...". ويحلق الصاحب في فن التعبير، حين يقع على قول المتنبي: جواب مُسائلي: أله نظير؟ ولا لك في سؤالك لا.. ألا لا فإذا هو يعقب عليه بهذا السهم الذي شَفَى به واشتفى. يقول: "لقد سمعت بالتمتام ولم أسمع باللألاء، حتى رأيت هذا المتكلف المتعسِّف، الذي يقف حيث يعرف". ويتابع الصاحب الساخر سقطات أبي الطيب، أو ما يراه هو سقطات، بهذا المبضع الذي لا يرحم، فما إن يصل إلى قوله: عظمت فلما لم تكلم مهابة تواضعت وهو العظم عظماً عن العظم حتى يصرخ "ما أكثر عظام هذا البيت!..". وما أروع عبارته حين يعرض لقول أبي الطيب، في وصف أسير أخذ منه الخوف حتى هبط إلى مرتبة الأطفال في اللفائف: فغدا أسيراً قد بللت ثيابه بدم، وبل ببوله الأفخاذا فكأنه حسب الأسنة حلوة

стр. 3573

أو ظنها البرنيّ والآذاذا وإذا علمت أن (البرني والآذاذ) من التمر أدركت جودة التعليق الذي أتحفنا به الصاحب عندما قال: "لا أدري أكان في الحرب أم في سوق التمارين في البصرة ...". ولا ينكر ناقد منصف أم الصاحب لم يكن عادلاً في جميع نقده للمتنبي، فشذ ما جار عليه، وكثيراً ما أبرز لآلئه في صورة الخرز.. ولكنه لم يعدم التوفيق في كثير من تجريحه. ولعل أفضل ما يقع عليه قارئ هذه الرسالة، تلك النفحة التي بلغ بها قمة السخر الفني، حين يعرض قول أبي الطيب: لو استطعت ركبت الناس كلهم إلى سعيد بن عبد الله بعُرانا ثم يعقب عليه بهذه الوخزة البارعة: "ومن الناس أمه ... فهل ينشط لركوبها؟! والممدوح أيضاً لعل له عصبة لا يحب أن يُركبوا إليه! ...". وبعد فهذه طائفة من طرائف تلك الرسالة التي تنفس عنها صدر ذلك الأديب الناقم من كبرياء أبي الطيب. وليس الصاحب بن عباد هو الناقم الوحيد الذي دفعه المتنبي إلى صفوف أعدائه بتعاليه وتعاظمه وعنجهيته، ولكنه واحد من الذين يحسنون الرمي عن خبرة.. فليس بوسعه أن يحشره بين عضاريط الفسطاط وشُوَيْعري بغداد ... ونحن إذ نستعرض غمزاته هذه لا يسعنا أن نؤيده في كل ما ذهب إليه من رأي في النماذج التي تناولها من شعر أبي الطيب، ففي كثير من مآخذه تحامل بيّن، لا يمكن الزعم بأن الناقد على جهل منه، ولذلك اكتفينا من تلك الغمزات بما هو أقرب إلى الإنصاف، وقليل من التروي في تقييم [٢] هذه الأبيات المجروحة يؤكد صدق ما أطلقة الصاحب عليها من الأحكام ...

стр. 3574

ومن الحق أن نقول: "إن الصاحب لم يستسلم لهواه بإزاء أبي الطيب، إلى الحد الذي يخرجه عن كل تقدير له، فإلى جانب هذه الطعنات القليلة، إنصاف غير قليل، عالج به مجموعة من أمثال المتنبي، في كتاب خاص، لم يبخس فيه الشاعر الحكيم حقه، وهو نفسه لا يهجم على المتنبي في رسالته الساخرة هذه الهجوم المنكر لعبقريته، وإنما دفعه إلى تأليفها حديث دار بينه وبين بعض المتعصبين لأبي الطيب، فقد سأله هذا عن رأيه في شعره فأجابه بما يلي: "إنه بعيد المرمى كثير الإصابة، إلا أنه ربما يأتي بالفقرة الغراء مشفوعة بالكلمة العوراء.. فلم يرق ذلك للسائل، بل تحداه أن يثبت زعمه كتابة، فاضطر الصاحب إلى تأليف هذه الرسالة تسويغاً لما ذهب إليه ..." على أن من طرائف القدر أن يُبْتلى الصاحب نفسه بمثل ما ابتُلِيَ به المتنبي من خصومته... فلقد رماه الدهر بباقعة من فطاحل كتاب العربية، لا يعجزه أن يجعل من الحق باطلاً، ومن الباطل حقاً.. ذلك هو أبو حيان، صاحب كتاب (الإمتاع والمؤانسة) الذي خص الصاحب بصفحات من النقمة المبدعة، توشك أن تجعل منه ضحكة الأبد. -------------------------------------------------------------------------------- [١] لم يستعمل الأقدمون هذا الفعل بما نريده الآن، ولكنه عند المولدين كثير، ونرى قبوله بدلالة حروف الزيادة على الطلب. الكاتب [٢] بعض اللغويين ينكر هذه الصيغة ويأبى إلا رد الياء إلى أصلها (الواو) ونرى أن الصيغة صحيحة على أساس أن اشتقاقها من (القيمة) مباشرة كاشتقاق (التعييد) من العيد الذي هو في الأصل بالواو. الكاتب.

стр. 3575

ليكن شعارنا الدائم: الله وحده بقلم الشيخ السعيد الشربيني الشرباصي المدرس بكلية الدعوة وأصول الدين بالجامعة وبعد: فهذه كلمة أريد بها تسجيل حقيقة مركوزة في نفوس المسلمين ولكنهم ينسونها، ومستقرة في عقول الموحدين ولكنها قد تغيب عنهم، رغبة مني في رد الأمور إلى نصابها، ومذكراً بتطهير عقائدنا من سلطان لغير الله. وهي تأتي لا عن دراسة مني ولكن عن تجربة مريرة عشت فيها سنوات، ظننت خلالها أنني أستطيع بوسائلي ووسائل الناس أن أصنع شيئاً لنفسي ينقذني مما أنا فيه، ولكن ضاعت كل هذه الوسائل وخرجت بالنتيجة التي استقرت في قلبي ومشاعري وضميري وما أذكره هنا من حقائق ليس تعبيراً عن هذه التجربة ولكن استدلالاً عليها وتبياناً لها.. لقد خاطب القرآن الكريم محمداً ﵊ بقوله: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحاً مُبِيناً، لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ صِرَاطاً مُسْتَقِيماً﴾ . فالله هو الذي فتح على محمد ﵊، وهو الذي جعله فتحاً مبيناً شاملاً كاملاً، ومع هذا الفتح العظيم الذي أقر به عيون المؤمنين وثبت به قلوب الموحدين وأرسى به قواعد الدين، غفر الله له ما تقدم من ذنبه، وما تأخر ـ فضلاً وكرماًـ ثم هداه صراطاً مستقيماً. هذه النعم المتلاحقة على خير المجاهدين وأعظم الموحدين هل كانت إلا منحاً ربانية بدأت من الله وانتهت إلى الله الغفور الرحيم.

стр. 3576

والقرآن يذكر الغافلين من البشر الساهين اللاهين، منادياً ألا هبوا ولا تركنوا إلى موت الحياة وحياة الموتى ﴿أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْيَاءٍ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ﴾ . ثم يوضح لهم قيمة ما يعتزون به فيقول لهم: ﴿إِنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ﴾ . ﴿وَاللَّهُ الْغَنِيُّ وَأَنْتُمُ الْفُقَرَاء﴾ . وعلى سبيل المثال أنا الآن أتناول هذه الصفحات لأكتب والله ما استقر في ذهني ما أريد أن أخطه ولكني أكتفي بورق ومداد وقلم ... والله وحده هو الذي يدفع، وهو الذي يوفق، وهو الذي يلهم ... ونحن مع كل صباح نتناول الصحف اليومية وتقع عيوننا على الصفحات الأولى متلهفين على أخبار العالم وأحداثه التي لا تستقر ولا تسكن، ولا تهدأ ولا تثبت، وكان الأجدر بنا أن نطالع الصفحة الأخيرة لنعرف مصيرنا المحتوم، ونرى ما طواه من أجزاء الإنسانية، وما غيبه الموت من أحباب لنا وصحاب ... وعندما نطالع هذه الصفحة فنجد أحباباً لنا قضوا، وأعزاء علينا تولوا ... ونشهد مصارع جبابرة تسلطوا باسم المال فجمعوه، وباسم الطغيان فاقترفوه، وباسم الحكم فأفسدوه، نشهق شهقة الناجي من الغرق، ضارعين صارخين مرددين: لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم إنا لله وإنا إليه راجعون. ثم نفيق من خداع أبصارنا وأفكارنا حينما كنا نظن أن هؤلاء الطغاة كانوا شيئاً ما فنقول في ثقة وإيمان: البقاء "لله وحده ". وهذا يذكرنا بحقائق ثلاث: أولاها: أن الحياة الدنيا التي تسيطر علينا وعلى وجودنا وعقولنا سيطرة طاغية أحياناً، وسيطرة معقولة آناً، هذه الحياة بصورها ومغرياتها لعب ولهو، ويتحتم علينا أن نستبدل هذا اللعب بالعمل، وهذا اللهو بالجد: ﴿إِنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَإِنْ تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا يُؤْتِكُمْ أُجُورَكُمْ وَلا يَسْأَلْكُمْ أَمْوَالَكُمْ﴾ . سورة محمد (٣٦) .

стр. 3577

والحقيقة الثاني: أننا لا نصنع نفوسنا بل الله وحده هو الصانع. واسأل معي نفسك لماذا أنت في هذا المكان؟ بينما زميلك فلان في مكان مختلف إلى حد كبير.. ما هي الدعائم التي صنعتها أنت لتكون ما أنت عليه الآن، وقد ننخدع نحن الذين وصلنا إلى جانب من النجاح أننا بذلنا واعتصمنا وجاهدنا وجالدنا.. ولو فرض أن هذا حقيقي. لكن من الذي منحنا التوفيق والسداد.. إن كان الأمر مرجعه إلى الجهاد والجلاد فقد جاهد آخرون وجالدوا ولم يصلوا إلى النجاح. لماذا؟ إن التوفيق لم يصادفهم. انظر بإمعان إلى بعض الأسباب الواهية التي يتسبب عنها تغيير مجرى حياتك: تأخر درجة واحدة بل نصف درجة، بل أحياناً أقل من ذلك تجعلك في كلية أخرى غير الكلية التي وصل إليها زميلك الذي ربما كان أضعف منك فهل من المعقول أن يكون هذا التحول هو معيار التفوق أو ميزان الامتياز بين الناس لا.. ثم لا.. ولكن: ﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى﴾ . والحقيقة الثالثة: أننا نركن إلى أشياء نعتبرها العون، ونعدها للخلاص وأحياناً تكون هذه الأشياء مدخرات مالية، أو عصابات بشرية، أو فلسفات ذهنية، أو تمذهب سياسي، أو تجمع ديني.. ثم نركن إلى هذا منتظرين منها النصر، طالبين العون، ولكن عندما تحين ساعة الاستغاثة نمد أيدينا إلى ما أعددنا فلا نجد ما أعددنا بنافع ولا مغن عنا من قضاء الله شيئاً، إلا أن يشاء الله وحده. وساعة القضاء يتخلى عنا الأحباب والأصدقاء ويضيع المال، ويندحر الأنصار وتنقلب الأمور ولا نجد شيئاً مما أعددنا.. ثم تظلم الدنيا في وجوهنا ونضيق بكل آفاقها، وتعجز كل إمكانياتنا عن الحل، بل حتى على مجرد الصبر أو الأمل، ولا يبقى أمامنا أي شيء ... إلا شيئاً واحداً هو: "الله وحده ".

стр. 3578

وعندما نولي وجهنا إلى الله نجد الرضا والسكينة، والأمل والطمأنينة، ونبصر النور ونحس بالقوة، وتأتينا العزيمة على تحمل ما نحن فيه من صعاب، وما نزل من شدائد، ويقوى فهمنا وعزيمتنا لما يحيط بنا، ثم يأتي نصر الله: ﴿وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ﴾ . ولكن الحقائق الثلاث التي ذكرتها ليست جديدة ولا وليدة بل ولا مجحودة أو معارضة عند الكثير من الناس. وبذلك لا تضيف إلى فكر البشرية ما لم يكن، ولا تزيد في ضمير الإنسانية ما لم يستقر. وعلى الرغم من هذا كله فإني أجد لذة في أن أتحث فيها، وأجد قلبي مفعماً بالغبطة وأنا أحاول تسجيلها، لأنها قصة التجربة التي عشتها، والنتيجة الحلوة التي وصلت إليها بعد ظلام طويل.. والذين يصلون إلى نتائج مرضية يحاولون أن يحكوا ما وصلوا إليه وأن يرددوه كلما أتيحت الفرصة ويجد كل منهم اللذة في أن يتكلم، كما يجد رغبة في أن يسمع غيره ما ذاق وما عرف. هذا بالإضافة إلى أن بعض الغافلين لا يلتفتون إليها إلا عرضاً. والذين يلتفتون إليها لا يتأملونها. والذين يتأملونها لا يعيشون فيها. وأنا أدعو إلى أن نعيش فيها صباح مساء بحيث تملأ علينا الوجود، وتملأ علينا الحياة، وتصبح هي مصدر الدفع والجذب، ومبعث النشاط والإحجام ومثار الرضا والسخط، والدافع إلى الكف أو إلى العمل، فتكون للإنسان نوره الذي يسير في هداه، ويشعر أنه لا يعمل لغير الله تعالى، ولا يتوقف لأحد سواه. وإنه لحتم على المؤمن المتيقظ أن يتأمل آيات الله التي ترشد إلى أنه الحكيم الخبير ويراقب الصانع العظيم في كل صورة ومع كل رؤية، وعند كل حركة، ومع كل سكون..

стр. 3579

ثم يكون صدوره ووروده لله تعالى وتكون بدايته ونهايته له وحده ويكون حبه في الله، وبغضه لله، وتكون صلاته من أجل الله وحده لا شريك له. فالبشر عدم، والعظماء حقراء، والسادة عبيد، والرؤساء في نظره أذناب، والخوف مع الله أمان، والنار برعايته برد وسلام، واليأس من الناس رجاء ﴿يَا نَارُ كُونِي بَرْداً وَسَلاما﴾ على جنود الرحمن وعباد اللطيف المنان. ولست بهذه الكلمة راغباً في وضع تخطيط لنهج علمي، وتسجيل بحث لدراسة خاصة ولكني أرغب في الدعوة إلى تخليص الأفراد مما يقيد فكرهم وعقلهم عن الانطلاق إلى لب الوجود، وحقيقة الحقائق منادياً: بإلغاء كل الشعارات الزائلة، والاتجاهات الباطلة لنرفع شعاراً واحداً لا يتغير ولا يتبدل هو الشعار الأصيل: "الله وحده ". لقد آثرت في حياتي الصمت تاركاً الكلام لغيري، واكتفيت من وجودي بالنظر العميق إلى ما وراء هذا الوجود متأملاً فيما صنع الرحمن، وفيما أعطى وفيما وهب. واعتقادي أن ما نراه قليلاً هو كثير، وأن البسيط عظيم، وأن ما نلقاه من متاعب راحة، وما يصادفنا من مشقات سعادات. وإني لأعجب من بعض الصالحين الذين يدعون ربهم فيقولون: الله بارك لنا في القليل الذي بين أيدينا. ولكني أقول: يا رب بارك لي في الكثير الذي أعطيتني.. فله الحمد حتى يرضى، وما أستطيع أن أرفع نظري إليه شاكراً لأنه حتى في التوفيق إلى الشكر هو صاحب الفضل. فالعجب كل العجب لمتفضل بالنعمة يضاعفها ثم يسبغها، ثم يحفظها، ثم يعطيك الهداية لشكرها فهو صاحب الفضل في كل حال، وهو الموفق للطاعة ثم يثيب عليها.. سبحانه يعين على الشكر والذكر وحسن العبادة ثم يمنح الأجر ... اللهم لك الحمد على الدوام. ولا إله إلا أنت ولا عون إلا بك ومنك ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوهَا إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ .

стр. 3580

وحسبنا الإقرار بالعجز، والتعبير عن النقص، وإظهار العذر، والإقرار بالذنب، والاعتراف بالقصور، ثم الاعتصام بحوله وقوته.. لا شريك له.. داعياً إخواني الغافلين ليهبوا من غفلتهم، ويفيقوا من نسيانهم موحدين حنفاء لله غير مشركين به، محطمين كل شعار، ملتفين حول الواحد الأحد، فمنه النصر، وبه العون، وإليه المصير. للحديث بقية.

стр. 3581

العدد ٢٣ فهرس المحتويات ١- استنكار لإخراج فيلم محمَّد رَسُولُ الله ﷺ : رئيس الجامعة الإسلامية عبد العزيز بن عبد الله بن باز ٢- مِن أعْلامِ المُحَدِّثِين - محمد بن إسحاق بن خزيمة ٢٢٣- ٣١١هــ: للشيخ عبد المحسن العباد ٣- القاديَانيَّة: بقلم الشيخ عبد القادر شيبة الحمد ٤- مع صاحب الفضيلة والدنا الشيخ محمد الأمين الشنقيطي ﵀: بقلم الشيخ عطيه محمد سالم ٥- أبُو الحسن الأشعري: بقلم الشيخ حماد بن محمد الأنصاري ٦- رَسَائِل لمْ يَحْمِلهَا البَريْد: بقلم الشيخ عبد الرؤوف اللبدي ٧- مِنَ المنهَل الصَّافي قل الله أعبد مخلصا له ديني: للشيخ عبد الله المحمد الغنيمان ٨- قصَصٌ لا تُنسى وعاد في صمت إلى مزرعة: بقلم الشيخ محمد المجذوب ٩- دراسات في السُّنَّة النبوِيَّة: بقلم الشيخ محمد ضياء الرحمن الأعظمي ١٠- بَيْنَ توحيد الأهِلَّة وَالمرصَد الفلكيّ: للشيخ عبد الله بن إبراهيم رجب ١١- دِرَاسات في أُصوُل اللُّغة العَرَبيَّة: بقلم الأستاذ عبد العزيز القارئ ١٢- الهَوَس الفكرِيّ: بقلم الأستاذ مرزوق بن محمد الدوسري ١٣- قضَايا أسَاسيَّة في تطوير المكتَبة العَرَبيَّة والإسلاميَّة: بقلم عيد عبد الله عيد السيد ١٤- مُشارَكَة الجَامعَة الإسلاميَّة فِي مَعرضِ الكتابِ السُعُودي: بقلم صالح بن أحمد الغامدي ١٥- العقيدة بين الفلسفة والوحي: للشيخ عبد الوهاب لطف الديلمي ١٦- من الصحف والمجلات: إعداد العلاقات العامة ١٧- مقتطفَاتٌ من كتَاب الكنز المَرصُود في قَواعِدِ التَّلمُود: تَرجَمهُ مِنَ اللغَةِ الفَرَنسَاويَّة الدكتور يوسف حنا نصر الله ١٨- نَدوة الطَلَبَة - أنا مسلم: بقلم الطالب أحمد بن حسن المعلم ١٩- العَام الحَادي عَشر عَامٌ لهُ أهميّة في تاريخ الإسلام: بقلم الطالب عز يزو محمد مغربي ٢٠- وَعِندَ الله للنّاجِين شهد: بقلم الطالب محمد محمود جاد الله ٢١- الفَتَاوَى:

стр. 3582

استنكار لإخراج فيلم محمَّد رَسُولُ الله ﷺ رئيس الجامعة الإسلامية عبد العزيز بن عبد الله بن باز الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف المرسلين نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين. وبعد: فقد اطّلعت على ما نشرته مجلة المجتمع الكويتية في عددها ١٦٢ الصادر بتاريخ ٩/٧/١٣٩٣ تحت عنون (فيلم محمد رسول الله) وقد تضمن الخبر المذكور أنه خلال الأيام الماضية تم التوقيع على عقد تأسيس الشركة العربية للإنتاج السينمائي العالمي وتولى التوقيع ممثلوا حكومات ليبيا والكويت والمغرب والبحرين وأن الشركة المذكورة تعاقدت مع المخرج مصطفى عقاد لإنتاج فيلم عن النبي ﷺ حياته وتعاليمه بالسينما سكوب والألوان يستمر عرضه ثلاث ساعات ويخرج بعشرين لغة عالمية بما فيها العربية. وذلك بالاستناد إلى قصة أقرها الأزهر والمجلس الشيعي الأعلى واشترك في صياغتها توفيق الحكيم وعبد الحميد جوده السحّار وعبد الرحمن الشرقاوي، انتهى الخبر المذكور.. ولكون ذلك فيما نعتقد أمراً منكراً وحدثاً خطيراً يترتب عليه مفاسد كبرى وأضرار عظيمة واستهانة بالمصطفى ﷺ وتعريض لذاته الشريفة إلى التلاعب بها والاستهزاء والتنقص، رأيت المساهمة في إنكار هذا المنكر والإهابة بالدول الأربع الموافقة على إخراجه بالرجوع عن ذلك تعظيماً للنبي ﷺ واحتراماً له واحترازاً عن تعريض ذاته الشريفة للتنقص والاستهانة والسخرية.

стр. 3583

ومعلوم أن الرجوع إلى الحق خير من التمادي في الباطل وقد عرض هذا الموضوع على المجلس التأسيسي لرابطة العالم الإسلامي بمكة المكرمة فقرر تحريم إخراج فيلم عن النبي ﷺ وتحريم تمثيل الصحابة ﵃ وذلك في المادة السادسة من قراره المتخذ في دورته الثالثة عشرة المنعقدة خلال المدة من ١شعبان ١٣٩١ إلى ١٣ شعبان ١٣٩١ وهذا نص المادة المذكورة: ١- يقرر المجلس التأسيسي بالإجماع تحريم إخراج فيلم محمد رسول الله ﷺ لما فيه من تمثيله ﷺ بآلة التصوير الكاميرا مشيرة إليه وإلى موضعه وحركاته وسائر شؤونه بالتحديد وتمثيل بعض الصحابة ﵃ في مواقف عديدة ومشاهد مختلفة وهو محرم بالإجماع. ٢- يوصي المجلس الأمانة العامة للرابطة بإبلاغ هذا القرار لجميع الدول الإسلامية والمنظمات الإسلامية والجمعيات الدينية في البلاد العربية والإسلامية ووزارات الإعلام ومشيخة الأزهر ومجمع البحوث الإسلامية بالأزهر والمجلس الأعلى للشؤون الإسلامية بالقاهرة والصحف والإذاعات في البلاد الإسلامية كافة. ٣- يوصي المجلس الأمانة العامة لرابطة العالم الإسلامي، بإخطار مخرج هذا الفيلم بهذا القرار جواباً على طلبه الأخير بإخراج الفيلم وإنذاره بأن الأمانة العامة للرابطة ستتخذ الإجراءات القانونية ضد كل من يحاول الاعتداء على قدسية وحرمة صاحب الرسالة العظمى ﷺ وحرمة أصحابه الأكرمين في أية جهة من العالم.

стр. 3584

٤- يوصي المجلس الأمانة العامة لرابطة العالم الإسلامي بوضع رسالة في حرمة إخراج فيلم عن النبي ﷺ وعن أصحابه رضوان الله عليهم أجمعين تضم ما أجرته الأمانة العامة للرابطة بشأنه في جميع مراحله وما صدر فيه من قرارات في المجلس التأسيسي لرباطة العالم الإسلامي والمنظمات الإسلامية الأخرى وما صدر بشأنه من القرارات والفتاوى في البلاد الإسلامية عامة ونشر ذلك في البلاد الإسلامية تبصرة وتنويراً وإرشاداً وتحذيراً. ٥- يشكر المجلس الأمانة العامة لرابطة العالم الإسلامي على ما قامت به من جهود موفقة في هذا الموضوع الخطير، انتهى.. كما قررت هيئة كبار العلماء بالمملكة العربية السعودية منع تمثيل الصحابة ﵃، والنبي ﷺ من باب أولى، وذلك بقرارها رقم ١٣ وتاريخ ١٦/٤/٩٣ هـ الآتي نصه: (الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف المرسلين وعلى آله وصحبه أجمعين والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، أما بعد فإن هيئة كبار العلماء في دورتها الثالثة المنعقدة فيما بين ١/٤/١٣٩٣ و١٧/٤/١٣٩٣ قد اطلعت على خطاب المقام السامي رقم ٤٤/٩٣ وتاريخ ١/١/١٣٩٣ الموجه إلى رئيس إدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد والذي جاء فيه ما نصه: نبعث إليكم مع هذه الرسالة الواردة إلينا من طلال بن الشيخ محمود البنى المكي مدير عام شركة لونا فيلم من بيروت بشأن اعتزام الشركة عمل فيلم سينمائي يصور حياة (بلال) مؤذن رسول الله ﷺ ونرغب إليكم بعد الإطلاع عليها عرض الموضوع على كبار العلماء لإبداء رأيهم فيه وإخبارنا بالنتيجة، وبعد إطلاع الهيئة على خطاب المقام السامي وما أعدته اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء على ذلك وتداول الرأي قررت ما يلي:

стр. 3585

١- إن الله سبحانه أثنى على الصحابة وبيّن منزلتهم العالية ومكانتهم الرفيعة، وفي إخراج حياة أي واحد منهم على شكل مسرحية أو فيلم سينمائي منافاة لهذا الثناء الذي أثنى الله عليهم به، وتنزيل لهم من المكانة العالية التي جعلها الله لهم وأكرمهم بها. ٢- إن تمثيل أي واحد منهم سيكون موضعاً للسخرية والاستهزاء ويتولاه أناس غالباً ليس للصلاح والتقوى مكان في حياتهم العامة والأخلاق الإسلامية مع ما يقصده أرباب المسارح من جعل ذلك وسيلة إلى الكسب المادي وأنه مهما حصل من التحفظ فسيشتمل على الكذب والغيبة كما يضع تمثيل الصحابة رضوان الله عليهم في أنفس الناس وضعاً مزرياً فتزعزع الثقة بأصحاب الرسول الله ﷺ وتخف الهيبة التي في نفوس المسلمين من المشاهدين وينفتح باب التشكيك على المسلمين في دينهم والجدل والمناقشة في أصحاب محمد ﷺ ، ويتضمن ضرورة أن يقف أحد الممثلين موقف أبي جهل وأمثاله ويجري على لسانه سب بلال وسب الرسول ﷺ . وما جاء به الإسلام ولا شك أن هذا منكر، كما يتخذ هدفاً لبلبلة أفكار المسلمين نحو عقيدتهم وكتاب ربهم وسنة نبيهم محمد ﷺ . ٣- ما يُقال من وجود مصلحة وهي إظهار مكارم الأخلاق ومحاسن الآداب مع التحري للحقيقة وضبط السيرة وعدم الإخلال بشيء من ذلك بوجه من الوجوه رغبة في العبرة والاتعاظ فهذا مجرد فرض وتقدير، فإن من عرف حال الممثلين وما يهدفون إليه عرف أن هذا النوع من التمثيل يأباه واقع الممثلين ورواد التمثيل وما هو شأنهم في حياتهم وأعمالهم.

стр. 3586

٤- من القواعد المقررة في الشريعة أن ما كان مفسدة محضة أو راجحة فإنه محرم، وتمثيل الصحابة على تقدير وجود مصلحة فيه فمفسدته راجحة، فرعاية للمصلحة وسداً للذريعة وحفاظاً على كرامة أصحاب محمد ﷺ يجب منع ذلك: وقد لفت نظر الهيئة ما قاله طلال من أن محمداً ﷺ وخلفاؤه الراشدين هم أرفع من أن يظهروا صورة أو صوتاً في هذا الفيلم، لفت نظرهم إلى أن جرأة أرباب المسارح على تصوير بلال وأمثاله من الصحابة إنما كان لضعف مكانتهم ونزول درجتهم في الأفضلية عن الخلفاء الأربعة، فليس لهم من الحصانة والوجاهة ما يمنع من تمثيلهم وتعريضهم للسخرية والاستهزاء في نظرهم فهذا غير صحيح لأن لكل صحابي فضلاً يخصه وهم مشتركون جميعاً في فضل الصحبة وإن كانوا متفاوتين في منازلهم عند الله جل وعلا وهذا القدر المشترك بينهم وهو فضل الصحبة يمنع من الاستهانة بهم وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه، انتهى.. ولكل ما تقدم وما سوف يفضي إليه الإقدام على هذا الأمر من الاستهانة بالنبي ﷺ وبأصحابه ﵃ وتعريض سيرته وأعماله وسيرة أصحابه وأعمالهم للتلاعب والامتهان من قبل الممثلين وتجار السينما يتصرفون فيها كيف شاءوا ويبرزونها على الصفة التي تلائمهم بغية التكسب والإتجار من وراء ذلك ولما في هذا العمل الخطير من تعريض النبي ﷺ وأصحابه ﵃ للإستهانة والسخرية وجرح مشاعر المسلمين فإني أكرر استنكاري بشدة لإخراج الفيلم المذكور. وأطلب من جميع المسلمين في كافة الأقطار استنكارهم لذلك كما أرجو من جميع الحكومات والمسؤولين بذل جهودهم لوقف إخراجه وفي إبراز سيرته ﷺ وسيرة أصحابه ﵃ بالطرق التي درج عليها المسلمون من عهده ﷺ إلى يومنا هذا ما يكفي ويشفي ويغني عن إخراج هذا الفيلم.

стр. 3587

وأسأل الله أن يوفق المسلمين جميعاً وحكوماتهم لكل ما فيه صلاح المسلمين في العاجل والآجل ولكل ما فيه تعظيم نبيهم ﷺ وأصحابه الكرام والحذر من كل ما يفضي إلى التنقص لهم أو السخرية بهم أو يعرضهم لذلك إنه جواد كريم وصلى الله على عبده ورسوله نبينا محمد وآله وصحبه ... رئيس الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة عبد العزيز بن عبد الله بن باز

стр. 3588

بَيْنَ توحيد الأهِلَّة وَالمرصَد الفلكيّ للشيخ عبد الله بن إبراهيم رجب: مكة المكرمة تابعت الجهود التي بذلتها الرابطة الإسلامية بالنسبة لتوحيد الأهلة في العالم الإسلامي منذ سنوات مضت - حتى الآن - ولكني فوجئت بأن الرابطة صرفت جهودها إلى إنشاء مرصد فلكي (في مكة المكرمة) أطلق عليه اسم المرصد الإسلامي؟! حيث سيزود بالكفاءات الإسلامية.. والمعدات الإسلامية الحديثة للأرصاد الفلكية - من رؤية وحسابات وقياسات ضوئية وكهربية الخ.. كما نشر في جريدة الرابطة مؤخراً. وكتبت أستوضح المسئولين في الرابطة عن السبب في اختيار مكة بالذات مقراً للمرصد.. فمكة كما هو معروف تقع في وادي إبراهيم.. وليس في مرتفع، وعادة لا يكون إنشاء المراصد إلا في أماكن مرتفعة - وما هو موجود في العالم من حولنا دليل على أن المنخفضات لا تصلح لهذا - ثم إن إثبات الأهلة لا يكون إلا في المرتفعات (يستوي في هذا الرؤية بالعين أو بالمرصد الفلكي) وكان الجواب عملياً على سؤالي.. فقد تقرر اختيار الموقع المناسب للمرصد، وذلك في اجتماعات المرصد التي جرت في شهر رمضان الماضي [١] . ومحاولة الرابطة توحيد الأهلة، وكذلك هيئة كبار العلماء.. تأتي ضمن سلسلة من المحاولات قام بها الأقدمون ويواصل المحدثون بما بدئ من قبل. ففي السنين الأخيرة درس هذا الموضوع، وطرح على بساط البحث في ضوء الكتاب والسنة والإجماع.. ومن البلدان التي اهتمت به أذكر: مصر، في مؤتمر مجمع البحوث الإسلامية بالأزهر، الذي انعقد في أكتوبر ١٩٦٦م. وكوالالمبور، في المؤتمر الإسلامي، الذي انعقد في أبريل ١٩٦٩م. والكويت: في مؤتمر وزراء الأوقاف والشؤون الإسلامية العرب، الذي انعقد في فبراير ١٩٧٣م.

стр. 3589

وتبني المملكة العربية السعودية أعلى الأمل في استخلاص رأي موحد فيه. بعد أن بدا شمل العالم الإسلامي ملتئماً تحت راية التضامن الإسلامي التي رفعها الفيصل - أيده الله بنصره وتوفيقه - عالية فوق كل شعارات الدنيا، فأصبحت هي الشعار الأوحد الذي عادت الأمة به إلى دينها الحق. غير أن المحاولة الجديدة من الرابطة لإنشاء مرصد فلكي (في رأيي الخاص) تقضي على تلك الجهود التي استهدفت توحيد الأهلة. وربما انصرف كثير من الدول عن الاعتماد علينا في الرؤية. في بدء الصوم والخروج منه، والسبب أن معظم الدول لديها مراصد فلكية، تصوم وتفطر بما يصدر عن مراصدها. وإذا كان شبه إجماع على الأخذ برؤية المملكة فيما مضى.. فإنه بمجرد أن يبدأ المرصد (هنا) عمله سوف لايكون شيء من هذا الإجماع. ف (الثابت واقعياً وعملياً والمشاهد حسيا أن الهلال يرى في بعض البلاد بعد غروب الشمس، ولا يرى في بعضها إلا في الليلة الثانية، معنى هذا أن رؤية الهلال أول الشهر قد تكون متيسرة لبعض الأقطار دون بعض فاختلاف مطالع القمر أمر واقعي مشاهد وظاهرة كونية لا جدال فيه) هذا ما يؤكده كثير من المختصين في شؤون الفلك. ولا أخال الدراسات التي تجمعت لدى الرابطة قد أهملت الإشارة لمثل هذه الخلافات العلمية. ثم لا ننسَ حكمة الشارع عندما (جعل صيام رمضان والحج في أشهر قمرية رأفة بعباده كما يقول العلماء حتى لا يحتاج العامي في قريته والبدوي في قفاره إلى الراصدين وحتى لو سها في تعداد أيام الشهر القمري فإن رؤية الهلال تذكره نسيانه وتصحح خطأه فرؤية الهلال لا يختص بمعرفتها العالمون والراصدون ولا يكون لهم كبير امتياز عن العامة) .

стр. 3590

وفي حكم رؤية هلال رمضان.. هل يعم أو يخص؟ وهو موضوع قيم يقول سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز: "أما الحساب فلا يعول عليه وهذا هو الحق وهو إجماع أهل العلم المعتد بهم"إذن لماذا نلجأ إلى الحساب والرصد في أمور تعبدية، لم يطلب الشارع لها ذلك.. ولنذكر أن هذا لم يكن موجوداً زمن رسول الله ﷺ وصحابته ولا زمن التابعين لهم.. ومع هذا كانوا يصومون ويفطرون ويحجون دون الحاجة إلى شيء من هذا. وما دام أن الدين يُسْر، فلماذا نعسر نحن على أنفسنا؟ والله من وراء القصد. . . -------------------------------------------------------------------------------- [١] لم يتقرر اختيار مكان المرصد، ويتجه البحث إلى إنشائه في منطقة الطائف.

стр. 3591

دِرَاسات في أُصوُل اللُّغة العَرَبيَّة بقلم الأستاذ عبد العزيز القارئ المدرس بمعهد الجامعة الإسلامية الثانوي في عدد سابق من مجلة الجامعة الإسلامية [١] أتحفنا فضيلة شيخنا الجليل الدكتور محمد تقي الدين الهلالي ببحث قيم عن ما وقع في القرآن بغير لغة العربية، وكانت آراؤه التي أودعها بحثه وتعليقاته على كلام من سبقه من علماء الإسلام مهمة، ولقد استفدت منها كثيراً، وكنت أتتبع هذا الموضوع منذ زمن في غمرة تتبعي ودراستي لحديث "أنزل القرآن على سبعة أحرف ".. ومما أعطى البحث المذكور أهمية خاصة إلمام فضيلة كتابه بعدد من اللغات منها (العبرانية) وهذا مما يسهل مهمة المقارنة بين اللغات المعنية في هذا البحث. فأحببت أن أسهم فيه بحلقة أخرى تضم إلى حلقاته يتأمل فيها شيخنا الدكتور ويزودنا بمزيد من آرائه، ويستفيد منها القارئ، وخاصة من أشكل عليه هذا الأمر ولم يفهم سره [٢] . ولقد رأيت من الضروري لاستكمال الصورة الواضحة أن تشمل دراستي موضوعين حيث ينبني أحدهما على الآخر: ١- أصل العرب ومنشؤهم. ٢- اللغة العربية: نشأتها، والمراحل التي مرت بها. ولا أدعي أنني آت فيهما بآراء حاسمة ونتائج نهائية، أو أنني مستوفٍ للبحث ومعطٍ له حقه، إنما هي محاولة للدخول في دراسة واسعة متكاملة دقيقة تحتاج إلى جهد عظيم، وعناء شديد ووقت طويل.. ١- العرب:

стр. 3592

من المجمع عليه أن القرآن أنزل بلغة العرب، وأن الله اختار هذه اللغة العظيمة لتكون الوعاء الذي يحمل كلامه المنزل على رسوله، كما اختار أمة العرب ليكونوا الرسل الذين يبلغون دعوته للأمم و ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾ : فاختياره لهذه اللغة يدل بلا ريب على أنها أفضل اللغات وأفصحها , كما أن اختياره لأمة العرب ليكونوا حملة الرسالة ويكون الرسول منهم يدل بلا ريب على أنهم كانوا أفضل الأمم، وأقربها للحق، وأكثرها صلاحية وتهيؤاً لحمل رسالة الإسلام إلى العالم.. فمن هؤلاء العرب؟ أما تعريف العرب، وتحديد أصل بدايتهم، ونشأتهم ومساكنهم وديارهم التي يتضمنها اسمهم، فهذا مما كثر فيه الاختلاف، وندر فيه القطع واليقين وكل ما قيل فيه يحتمل مزيداً من النقد والتمحيص، ويحتاج إلى دراسة علمية دقيقة تستخدم فيها الوسائل المعاصرة التي هي أكثر فعالية في تحديد مثل هذه القضايا التاريخية.. ومن هذه الوسائل: إجراء مسح دقيق شامل لديارهم واستخراج بعض الآثار ودراستها، مع أن ما أخرجته الحفريات من آثار قديمة هي في حد ذاتها أيضاً لا تعطينا معلومات قطعية في غالب الأحوال، ولذلك فإن الدارسين في هذا المجال والمهتمين بهذه الحفائر سرعان ما تتغير آراؤهم كلما أنتجت الحفائر شيئاً جديداً، وقد بذل الغربيون جهداً كبيراً في هذا الشأن وحاولوا الاستفادة منه. ومما ساعد على تشعب الخلاف حول مسألة - أصل العرب - أن تاريخهم قبل الإسلام يلفه غموض شديد حيث لم يدون ولم ينقل إلينا بالقدر الكافي لإيضاح معالمه، لأن العرب في الغالب كانوا أمة أمية لا تدون ولا تقرأ، وقلما تؤرخ، فإن أرخت فبالحوادث المشهورة كقولهم: عام الفيل، وعام الغدر، وعام الماء، وزمن القتاد [٣] .

стр. 3593

إلا أن هناك نواحي في هذا التاريخ يكاد ينعقد عليها إجماع علماء الأنساب والتاريخ، وأشارت نصوص القرآن والسنة إلى بعضها، فنحن نلم من هذين المصدرين بما يكفي لإعطاء صورة واضحة، وإلقاء ضوء ساطع على موضوعنا، ولعل استنتاجاتنا إذ حصرناها في ذلك تكون أقرب إلى القطع واليقين منها إلى الحدس والتخمين.. أصل العرب: اتفق علماء الأجناس وعلماء الأنساب على أنهم من - الفصيلة السامية - وكذلك المؤرخون المسلمون أرجعوا أصلهم إلى - سام بن نوح ﵇ وهو أحد الأصول الثلاثة التي تتفرع منها الأمم وهي (سام، وحام، ويافث) ، روى ابن عبد البر في كتابه عن أنساب العرب والعجم حديثاً عن سمرة بن جندب عن النبي ﷺ أنه قال: "سام أبو العرب وحام أبو الحبش ويافث أبو الروم" ورواه أيضاً الترمذي وأحمد والحاكم عن سمرة، وذكره الحافظ العراقي في كتابه - القرب في محبة العرب -[٤] وحسنه.. ومن المعلوم أن تمايز الأجناس والأمم إنما حدث بالتدريج ابتداءً بهؤلاء الأصول الذين يمثلون ذرية نوح الباقين في الأرض [٥] . ولكننا لا نستطيع أن نجزم ببداية تميز العرب كأمة مستقلة في أي تاريخ كان فضلاً عن أن نحدد لهم أباً بعد - سام - تناسلوا منه: سواء كان هذا الأب هو يعرب، أو قحطان، أو عابر بن شالخ بن أرفخشذ، أو نابت بن إسماعيل، أو حتى إسماعيل ﵇ نفسه.. فالخلاف محتدم في أي من هؤلاء هو الأب الأول الذي يرجع إليه العرب كما سيأتي بيانه عند الكلام على قحطان وعدنان.. لكن يبدو أن المنطقة التي عرفت لدى علماء التاريخ اليوم (بالمثلث) هي منشأ الحضارات ومنطلق الأجناس، وهي موطن الحضارة الأولى، وتمتد من أراضي الرافدين بالعراق في أحد ساقي المثلث وواد النيل في الساق الأخرى وبينهما بلاد الشام في قاعدة المثلث وعلى رأسه اليمن وحضرموت (انظر الشكل رقم - ١-) .

стр. 3594

فمن هذه المنطقة نزحت البشرية إلى سائر أرجاء المعمورة وانتشرت الحضارة وفيها أنزلت الرسالات التي ذكرها القرآن، ولكن في أي جزء من المثلث كان المنطلق في جنوبه - أي اليمن - أم في شماله أي (العراق) أو (سيناء) . . . مما يؤيد عندي الرأي القائل بأن (العراق) كان هو المنطلق أن أحداً من المفسرين لم يذكر أن الجودي الذي استوت عليه سفينة نوح هو في اليمن أو جنوب الجزيرة أو أي مكان آخر، وهذا ابن جرير وهو يستقصي أقوال السلف في تفسيره ينقل بأسانيده عن مجاهد، وسفيان، وقتادة، والضحاك وهم رواد التفسير أنه جبل بالعراق - بل بناحية الموصل منه - ويسند إلى ابن عباس أنه جبل دون تحديد موقعه، وإلى التابعي الجليل زر بن حبيش أنه ناحية بالعراق [٦] ولكن ابن كثير يذكر في تفسيره أن بعضهم يرى أنه الطور دون أن يسمي القائل البشر - سواء كان من العراق بالتحديد أو من الطور أو مما بينهما - فإننا نستطيع أن نقول: إنه حدثت عمليات نزوح كبيرة، وحركات هجرة واسعة لأبناء نوح ومنهم - الساميون - إلى سائر الأرجاء شرقاً وغرباً وشمالاً وجنوباً ومن هذه - الهجرات - التحرك صوب الجنوب حيث أرض صحراوية تحيط بها البحار من الجهات الثلاث، وكانت هذه الهجرات بسبب الحروب والغارات أو بحثاً عن الكلأ والماء والأراضي الخصبة.. ويقول بعض الباحثين إن الإشارة إلى - بدو الآراميين - في التوراة يعني قسماً من الآراميين الذين كانوا يسكنون الشام تحركوا صوب الصحراء الجنوبية حيث عرفوا فيما بعد بالعرب، ويرى أن كلمة (عرب) ترجع إلى أصل - آرام -[٧] . القبائل العربية القديمة:

стр. 3595

وفي زمن متقدم جداً عرفت بعض القبائل من هؤلاء التي استوطنت أنحاء من - الجزيرة العربية - كان معظمها في ثلاث مناطق منها حسبما علمنا.. (اليمامة) و (الشِحْر) من أرض اليمن و (الحِجْر) من أرض الحجاز.. ويسمي المؤرخون والنسابة المسلمون هذه القبائل بـ: طُسَم، وجَدِيس والعمالقة، وعاد، وثمود.. ويزيد ابن جرير الطبري وابن إسحاق: أمَيْم، وعبِيْل، وعبد ضَخْم، وجُرْهُم الأولى، أما طسم وجديس فسكنوا اليمامة في شرق الجزيرة العربية، وأما عاد فذكر القرآن مساكنهم وأنها (الأحقاف) وهي في جنوب الجزيرة العربية والأحقاف جمع حِقْف - بكسر الحاد - وهو الكثيب العظيم المستدير من الرمل، قال تعالى: ﴿وَاذْكُرْ أَخَا عَادٍ إِذْ أَنْذَرَ قَوْمَهُ بِالأَحْقَافِ﴾ [٨] . وأما ثمود فذكر القرآن منازلهم وأنها الحِجْر وهي في الشمال الغربي من الجزيرة العربية قال تعالى: ﴿كَذَّبَ أَصْحَابُ الْحِجْرِ الْمُرْسَلِينَ﴾ [٩] . أما العمالقة فنزل بعضهم بمكة وبعضهم بيثرب من أرض الحجاز وقد وجدت بعض آثارهم في المنطقة.. ويذهب بعض علماء الأنساب أن ثمود كانت تسكن اليمن ثم انتقلت منها إلى الحجر [١٠] . ويمكن القول أن جميع هذه القبائل ينحدرون من أولئك الذين تسميهم - التوراة - بدو الآراميين الذين نزحوا من الشام والعراق صوب الجزيرة العربية.. وهذا يفسر التشابه الواضح في اللغات ومفرداتها بين الكتابات التي وجدت في العراق وسوريا والتي تعود إلى العصور البابلية والآشورية والآرامية والكنعانية وبين الكتابات التي عثر عليها في منطقة اليمن أو حضر موت والتي تعود إلى العهود الحميرية والسبئية، حيث يدل ذلك على أن هناك أصلاً واحداً مشتركاً.. هذا هو ما أمكن أن أجزم به من تاريخ العرب القديم مما يمكن أن يكون ذا علاقة بموضوعنا.. القبائل القحطانية:

стр. 3596

وهذه فترة أخرى من تاريخ نشأة أمة العرب تلي تلك الفترة الموغلة في القدم وهي الفترة التي وجد فيها ما نسميه - بالعرب العاربة - وفيها ظهرت قبائل عربية أخرى ودول وحضارات وبدأت فيها ما يُسمى - بالقبائل القحطانية -. ويتركز الضوء في هذه الفترة على الجزء الجنوبي للجزيرة العربية حيث اليمن وحضرموت وحيث استوطنت تلك القبائل.. وكان لهم تاريخ وملك وحضارة ذكر القرآن شيئاً منها، وكان من أشهر ممالكهم وحضاراتهم: مملكة سبأ، وربما كانت هي أشهرها وأهمها حيث كانت هي المفترق بين مرحلتين والفاصل بين عهدين كما سيتبين.. قال تعالى في وصف حضارة سبأ: ﴿لَقَدْ كَانَ لِسَبَأٍ فِي مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ جَنَّتَانِ عَنْ يَمِينٍ وَشِمَالٍ كُلُوا مِنْ رِزْقِ رَبِّكُمْ وَاشْكُرُوا لَهُ بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ فَأَعْرَضُوا فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ وَبَدَّلْنَاهُمْ بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَوَاتَيْ أُكُلٍ خَمْطٍ وَأَثْلٍ وَشَيْءٍ مِنْ سِدْرٍ قَلِيلٍ ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِمَا كَفَرُوا وَهَلْ نُجَازِي إِلاَّ الْكَفُورَ وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْقُرَى الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا قُرىً ظَاهِرَةً وَقَدَّرْنَا فِيهَا السَّيْرَ سِيرُوا فِيهَا لَيَالِيَ وَأَيَّاماً آمِنِينَ فَقَالُوا رَبَّنَا بَاعِدْ بَيْنَ أَسْفَارِنَا وَظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ وَمَزَّقْنَاهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآياتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ﴾ [١١] .

стр. 3597

وفي هذه الآيات ما يدل بوضوح على أن مناطق كثيرة من جزيرة العرب كانت عامرة خصبة وهي التي تمتد من اليمن حيث مسكن سبأ إلى الشام التي بها القرى المباركة وذلك في قوله: ﴿وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْقُرَى الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا قُرىً ظَاهِرَةً وَقَدَّرْنَا فِيهَا السَّيْرَ سِيرُوا فِيهَا لَيَالِيَ وَأَيَّاماً آمِنِين﴾ [١٢] . فإن معنى وجود قرى ظاهرة آمنة بين اليمن والشام امتداد منطقة خصبة كثرة الزروع والثمار جيدة المناخ كثيرة العمران طيلة المسافة بينهما.. إذ أن خصوبة الأرض دائماً تابعة لجودة الهواء والمناخ وتوفر الأمطار وينتج منهما انتشار العمران.. ثم أخبرت الآية عن حدوث التحول في هذه الحضارة، بعد انهيار سد مأرب وقضاء السيل على مظاهر حضارتهم، فتبدل حال الأرض من خصوبة إلى جدب تصوره الأنواع المذكورة في الآية: ﴿ذَوَاتَيْ أُكُلٍ خَمْطٍ وَأَثْلٍ وَشَيْءٍ مِنْ سِدْرٍ قَلِيلٍ﴾ فهذه أنواع من النباتات التي لا فائدة منها وتوجد غالباً في الأراضي القاحلة، ومعنى هذا أن المناخ تبدل أيضاً وشح المطر، وينتج من هذين العاملين تضاؤل مظاهر العمران ووعورة المنطقة التي تعبر عنها الآية ببعد المسافة: ﴿بَاعِدْ بَيْنَ أَسْفَارِنَا﴾ وكان هذا بداية تفرق هذه القبائل القحطانية ونزوحها من اليمن إلى سائر أنحاء الجزيرة، ولكن ما هذه القبائل؟ أصول القبائل القحطانية:

стр. 3598

روى بعدة طرق عن ابن عباس ﵄ أن رجلاً سأل النبي ﷺ عن سبأ ما هو؟ فقال ﷺ : "رجل ولد عشر قبائل، فسكن اليمن منها ستة والشام أربعة". رواه الترمذي وأحمد وابن جرير وابن أبي حاتم ورواه ابن عبد البر في كتابه - القصد والأمَم - من عدة طرق، واستقصى الحافظ ابن كثير طرق هذا الحديث في تفسيره لسورة سبأ وبيّن أنه حديث حسن وفي بعض ألفاظه سمّى بعض هذه القبائل فقال ﷺ : "تيامن الأزد والأشعريون وحمير ومَذْحج وأنمار الذين يُقال لهم بَجِيلَة وخَثْعَم وتشاءم لَخْم وجُذاَم وعامُلَة وغَسّان". ويفصّل علماء الأنساب ذلك فيقولون إن سبأ وَلدَ القبائل القحطانية الكبرى وهي: حِمْير، وكَهْلان، وعمرو، وأشْعَر، وعامُلَة. ومن هذه القبائل تفرعت العمائر والبطون: فمن (حمير) قضاعة ومن قضاعة جُهينة وبَلِي وكَلْب وبَهْراء وتنوخ ونَهْد ومَهْره وجَرْم، ومن (كهلان) جُذام ولَخْم وكِنْده وطيّء ومَذْحَج والأزْد وهَمْدان وبنو صُداء وخَوْلان وأنمار أما الأشعريون وعمرو وعامله فلم تتفرع إلى كثير من الفروع والمشهور لدى علماء التاريخ والأنساب أن الأشعريين بقوا في اليمن.. [١٣] . أما بقية القبائل فنزحت منها إلى الجزء الشرقي والشمالي من الجزيرة، فالأزد هاجر قسم منهم إلى عُمان وقسم إلى الحجاز، وطيّء نزلت عند جبلي أجأ وسلمى، وجهينة سكنت منطقة تمتد من ينبع إلى عقبة أيلة [١٤] ، ومن الأزد قسم نزل بيثرب وهم الأوس والخزرج ومنهم قسم نزح إلى الشام وهم غسان، ونزحت إلى الشام أيضاً عاملة، أما لخم فسكنت العراق، وأما جذام فتفرقوا في الديار وكان قسم كبير منهم بالشام. القبائل العدنانية:

стр. 3599

في الوقت الذي كانت تتحرك فيه القبائل القحطانية في هجرتها الكبرى كان منتشراً في القسم الشمالي من الجزيرة العربية ما يُسمى - بالقبائل العدنانية - وهي التي تنحدر من عدنان، وعدنان من ولد إسماعيل بن إبراهيم الخليل ﵉ فأبو العدنانيين بالإجماع هو إسماعيل ﵇ الذي نشأ في كنف جرهم إحدى القبائل العاربة القديمة، وصاهرهم، وإبراهيم ﷺ من البابليين، من العراق، وأم إسماعيل (هاجر) من مصر، فكأنما أراد الله لحكمة عظيمة أن يغذي أصول العدنانيين بكل ذلك، ثم يشاء أن يكمل صهرهم وتهذيبهم باختلاطهم بالقحطانيين بعد الهجرة الكبرى.. ولكن من هو أبو القحطانيين؟ هل هو إسماعيل نفسه؟ هذا هو رأي بعض علماء الأنساب والمحدثين: أن عدنان وقحطان كلاهما من ولد إسماعيل، ومن هؤلاء الزبير بن بكار، وابن إسحاق، وابن حجر العسقلاني [١٥] ، وعلى هذا القول يتخرج قول النبي ﷺ لناس من أسلم: "ارموا بني إسماعيل" [١٦] والمعروف أن أسلم من قبائل الأنصار، والأنصار قحطانيون، وكذلك قول أبي هريرة للأنصار بعد أن روى قصة إبراهيم ﵊ وزوجه سارة: "فتلكم أمكم يا بني ماء السماء" [١٧] .

стр. 3600

لكني لا أرى في قوله ﷺ المذكور ولا في قول أبي هريرة ما يدل على أن القبائل القحطانية من نسل إسماعيل لاحتمال أن يكون داخل قبيلة أسلم المخاطبين في الحديث من الخلاف في أصلهم مثل ما داخل غيرها من القبائل التي اختلف في نسبتها إلى القحطانيين أو العدنانيين، هذا مع أنه روى ابن عبد البر من طريق القعقاع بن أبي حدرد أن النبي ﷺ مر بناس من أسلم وخزاعة وهم يتناضلون فقال: "ارموا بني إسماعيل" فيكون في الخطاب تغليب لخزاعة وفيها خلاف هل هي عدنانية أم قحطانية، وروى أحمد والبزار والطبراني عن عائشة أنه كان عليها رقبة من ولد إسماعيل فجاء سبي من خولان فأرادت أن تعتق منهم فنهانا النبي ﷺ ثم جاء سبي من مضر من بني العنبر فأمرها أن تعتق منهم، وفي لفظ أنه ﷺ قال: "من كان عليه محرر من ولد إسماعيل فلا يعتق من حمير أحداً". وفي هذا دلالة واضحة أن القحطانيين لا ينحدرون من إسماعيل ﵇. أصول القبائل العدنانية: تنحدر القبائل العدنانية من نزار بن معد بن عدنان ولذلك يقال: كل عدناني فهو نزاري ومن نزار تفرعت القبائل العدنانية وهي: (مضر) ومنها قيس عيلان التي تتفرع إلى بطون هي: بنو غطفان، وهوازن، وسَليم، وعُدْوان، (ربيعة) ومنها أسد ووائل، ومن أسد: عنَزَه، وجَدِيْلَة، وعُمَيْره، ومن وائل: بكر وائل، وتغلب، (خِنْدَف) : ومن أشهر عمائرها هُذَيْل (كنانة) : ومن عمائرها بنو مُدْلِج، وقريش، (قريش) وهي أشهر القبائل العدنانية وترجع كما ذكرت إلى كنانة: روى مسلم في صحيحه والترمذي وأحمد من حديث واثلة بن الأسقع أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: "إن الله اصطفى كنانة من ولد إسماعيل واصطفى قريشاً من كنانة واصطفى من قريش بني هاشم واصطفاني من بني هاشم".

стр. 3601

قال ابن عبد البر: فقريش عمارة رسول الله ﷺ ، وكنانة قبيلته وعبد مناف بطنه. ٢- لغة العرب: اللغة هي القدرة على تسمية الأشياء، وقد أخبر أنها مما فضل به آدم ﵇ فقال : ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلائِكَةِ فَقَالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلاءِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ قَالُوا سُبْحَانَكَ لا عِلْمَ لَنَا إِلاَّ مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ قَالَ يَا آدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ فَلَمَّا أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ﴾ [١٨] فهذه الآيات تشير إلى أن اللغة تعلمها آدم من ربه فيحتمل أن يكون ذلك تم بطريق الوحي فتكون اللغة حينئذ توفيقية ولكنني لا أرى في الآية ما يدل بوضوح على ذلك، إذ أن لفظة (علّم) ليست صريحة في الوحي ويمكن أن يكون ذلك قد تم بطريق آخر، وهو أنه خلق في آدم القدرة على تسمية الأشياء ومعرفتها والإشارة إلى أشخاصها بأسمائها وألهمه ذلك إلهاماً لا عن طريق الوحي المباشر، ولا شك أن ﴿الأَسْمَاء﴾ في الآية يُراد بها أسماء الأشياء حيث أردفها بقوله: ﴿كُلَّهَا﴾ فلا معنى لحصرها في أشياء مخصوصة، إذ لا مزية حينئذ لآدم يستحق بها التفضيل على الملائكة أن يعلمه الله أسماء عدد مخصوص من الأشياء فالملائكة كذلك جبلهم الله على تسبحه وذكره ففعلوا، لكن المزية التي تستحق هذا الذكر والثناء هي تلك القدرة على تسمية الأشياء والتعرف عليها بتلك الأسماء فلما طلب من الملائكة أن تسمى لكل ما تراه من الموجودات اسماً لم تكن قادرة على ذلك فعلمت أن الله اختص هذا المخلوق الجديد الكريم دونها بما جعله أهلاً للخلافة في الأرض، وهذا التفسير مروي عن ابن عباس رضي

стр. 3602

الله عنهما قال: "علمه اسم كل شيء حتى القصعة والقصيعة" [١٩] . هذه اللغة التي تعلمها آدم ونطق بها هي اللغة (الأم) ، ولا جدوى من أن نقول إنها كانت العربية أو العبرانية أو السوريانية لأن هذه اللغات وغيرها عبارة عن فروع امتدت وتكونت على مرّ العصور وتعاقب الأجيال من ذرية آدم، فكلها تعود إلى تلك اللغة الأم ولا تعود هي إلى واحدة منها ولذلك فإن الجهد الذي صرفه بعض العلماء لإثبات أن أول من تكلم بالعربية آدم، أو نوح، أو سام، أو جبريل كما يُروى عن كعب الأحبار، هو جهد عقيم مبني على التخمين، أو على أخبار الإسرائيلية التي لم تثبت، فلا يثبت بها حكم ولا خبر.. وقد سبق أن بينا في أول البحث أن الناس تناسلوا من أولاد نوح الثلاثة، الذين ترجع إليهم أصول الأمم بنص الحديث عن رسول الله ﷺ وأحدهم (سام ونوح) ، إليه تنسب (اللغة السامية) التي نطق بها ثم انتقلت إلى نسله من بعده.. ومع تكاثر (السامين) وتفرقهم في أنحاء مختلفة متباعدة من الأرض بدأت هذه اللغة تختلف لهجاتها وتتحول إلى عدد من اللغات، وهكذا كانت نشأة اللغات السامية.. وغيرها: وعلماء اللغات يقسمون اللغات ثلاث فصائل [٢٠] : ١- الفصيلة الحامية السامية. ٢- الفصيلة الهندية الأوربية. ٣- الفصيلة الطورانية. أما (الحامية السامية) - وهي الفصيلة التي تعنينا في هذا البحث - فتحتوي على مجموعتين من اللغات: أ- اللغات السامية: وهي الآشورية، والبابلية، والآرامية، والكنعانية - ويراد بها العبرية - والفنيقية - ثم العربية، والحبشية.

стр. 3603

ب- اللغات الحامية: وهي المصرية، والبربرية، واللغات الكوشيتية. والذي يظهر - والله أعلم بالحقيقة - أن اللغات السامية في بداية نشأتها كانت متقاربة جداً كما أسلفنا، حتى إنه ليمكن القول إنها كانت عبارة عن لهجات للغة واحدة. والدارس لهذه اللغات يستطيع أن يلحظ التشابه الشديد بينها، إذ أن أصحاب تلك اللغات كانوا عبارة عن أبناء أمة واحدة تفرقوا في منطقة المثلث (العراق، والشام، ووادي النيل، واليمن وحضرموت) واستوطنوا أنحاء بين هذه المنطقة على مدى حقب التاريخ وأنشأوا ممالك وحضارات واختلط كل قسم منهم بمن جاوره فتأثر به واستفاد منه، وهذا من أهم العوامل لاختلاف اللهجات واللغات وأحياناً لتلاشيها وضعفها، ولذلك فإن كثيراً من الباحثين يعتبر (العربية، والسوريانية، والآشورية، والآرامية، والكنعانية) لهجات للغة واحدة، ثم تمايزت بشكل كبير جعلها تتحول على مدى الأزمنة إلى لغات، والذي حمل هؤلاء على هذا الرأي وجود مفردات متشابهة بمقدار كبير في هذه اللغات (انظر الجدول الملحق بآخر البحث) . بل إن بعض الدارسين يقول: إن السوريانية: أو الآسورية أو الآشورية المراد منها اللغة العربية التي كان ينطق بها أهل سورية وأن (آسورية) لهجة محرفة من (سورية) [٢١] . ووجدوا أن وجود التشابه بين (الحميرية) واللغة السوريانية أكثر من وجوه التشابه بينها وبين لغة قريش.. أما اللغة الآرامية: فقد سبقت الإشارة في أول البحث أن بعضهم يرى أن كلمة - آرام - تعني - عرب - وأن العين والباء قلبتا همزة وميماً، وأنهم ينقسمون إلى حضر وهم سكان (الهلال الخصيب) وبدو وهم سكان الأطراف الجنوبية الصحراوية من منطقة الهلال الخصيب ويسمون بدو الآراميين..

стр. 3604

وأياً ما كان الأمر فإن الذي لا شك فيه أن كل هؤلاء أمة واحدة تسمى - السامية - أما أيهما يرجع إلى الآخر - الآراميين - أو العرب فمسألة ترجع إلى ما سبق أن أشرت إليه - من تحديث أصل بداية العرب كأمة مستقلة معروفة بهذا الاسم - ولكنني أستطيع أن أجزم بأن أحد تلك الفروع من - السامية الأم - استطاع على مدى التاريخ أن يحافظ على أهم خصائص اللغة السامية على حين فقدت الفروع الأخرى كثيراً استطاع ذلك الفرع أن يطور لغته السامية بشكل ضمن لها النماء والتحسن مع الإبقاء على معظم الخصائص دون أن يفسدها التطوير.. ذلك الفرع هو القسم من الساميين الذي اتجه إلى الجزيرة العربية وعرف فيما بعد باسم العرب، أما لماذا كان ذلك؟ فإن السبب الرئيسي يرجع إلى طبيعة المنطقة التي استوطنها وهي منطقة صحراوية وعرة بعيدة عن المناطق العامرة بالأمم الأخرى فأعطى ذلك العرب فرصة الابتعاد عن المؤثرات المباشرة على لغتهم وفرصة أخرى لصقل ما يصلهم من الأمم الأخرى من مفردات أو لهجات حتى إنه لا يصل إليهم إلا وقد عبر مناطق صحراوية تحتم عليه التغير بشكل يلائم تلك البيئة، ويناسب أذواق تلك الأمة الفطرية البعيدة عن تعقيدات المدنيات الفاسدة المختلفة.. المراحل التي مرّت بها اللغة العربية: مرت اللغة العربية بأدوار ومراحل، وارتقت في مختلف الفترات درجات التصاعد والتطور، حتى وصلت إلى درجة ومرحلة نهائية وضعتها في القمة بحيث أصبحت أهلاً لأن ينزل بها آخر كتب الله المنزلة، ولأن تكون وعاءً لكلام الله .. ١- مرحلة النشأة: حيث اللغة الأم (السامية) وحيث كانت العربية في مرحلة مخاض كما سبق تفصيله..

стр. 3605

٢- لغة العرب البائدة: وقد سبق في أول البحث أنهم: عاد، وثمود، وطُسَم، وجَدِيْس، وأمَيْم، وعَبِيْل، والعمالقة، وجُرْهُم.. وذكرنا أن مساكن عاد كانت بجنوب الجزيرة في طرف من صحراء الربع الخالي وثمود بمالها الغربي، وطسم وجديس بشرقها، والعمالقة وجرهم بالحجاز، وبمكة ويثرب.. هؤلاء هم الذين كانوا يتكلمون العربية التي استقلت عن السامية الأم وتطورت إلى أن اتخذت لنفسها شكلاً مستقلاً ونستطيع أن تعتبر عربيتهم فترة متطورة من العربية الأولى التي وجدت في فترة النشأة.. ٣- لغة القبائل القحطانية: ويسميها الباحثون (الحميرية) وهذه القبائل كانت تسكن الجزء الجنوبي من الجزيرة العربية - حضرموت واليمن - حيث جاوروا أقرب الأمم إليهم وهم (الأحباش) وكثر اختلاطهم بهم فتأثرت لغتهم باللغة (الحبشية) مما جعل بعض المستشرقين يعتبر (الحميرية) و (الحبشية) لغتين شقيقتين لما وجد من كثرة التشابه بينهما في المفردات والخصائص، ولا ننسى أنه لم يكن هناك مفراً أمام (الحميرية) من التأثر بشكل واسع بالحبشية بسبب هجرات اليمنيين والغزوات المتبادلة، وقد أقام (الأحباش) زمناً طويلاً باليمن وحكموها فاللغة الحميرية إذن أضافت إلى ما ورثته من لغة العرب البائدة خصائص ومفردات جديدة تأثرت كثيراً بعوامل خارجية..فبذلك هي تمثل فترة مهمة من فترات تطور العربية.. ولم تكن صالحة وحدها وهي في هذه المرحلة لأن ترشح لتلك المهمة العظيمة التي تجعلها - اللغة العربية المتكاملة الواحدة -، ألا وهي مهمة نزول القرآن بها، بل كل ما يمكن أن نقوله أنها كانت مرحلة تهيئ للمرحلة الأخيرة، وإرهاصاً من إرهاصات اللغة المختارة الكريمة المبينة التي كانت - العدنانية - يقول المستشرق - رينان -: إن الحميرية والحبشية لم يكن لهما مكان رئيسي سوى أنهما كانتا أداتين هيئتا لظهور العربية الحجازية [٢٢] .

стр. 3606

٤- لغة القبائل العدنانية: وهي لغة القبائل التي تنتسب إلى عدنان بن إسماعيل ﵇، وكانت تسكن القسم الشمالي من الجزيرة العربية الذي يشمل: هجر، ونجد، والحجاز.. وقد سبقت الإشارة إلى أن إسماعيل ﵇ نشأ في كَنَف إحدى القبائل البائدة - جرهم - أو هي فرع من فروعها، ويشير الحديث الصحيح [٢٣] إلى أنه ﵇ أعجبهم وأنفسهم - أي أنه كما يبدو فاقهم فصاحة في لغته، وقد روي عن النبي ﷺ أنه قال: "أول من فتق الله لسانه بالعربية المبينة إسماعيل"رواه الحاكم في مستدركه والزبير بن بكار في كتاب النسب وقال الحافظ ابن حجر في حديث الزبير: إنه حسن [٢٤] . وتأمل قوله (العربية المبينة) تتوصل إلى كل ما نريد قوله عن اللغة العدنانية وأنها تمثل المرحلة النهائية في مراحل تطور العربية المرحلة التي بلغت فيها قمة الفصاحة - والفصاحة هي الإبانة - بعد أن كانت أقل إبانة وفصاحة، مرحلة تفتقت فيها اللغة العربية كأنها هي زهرة كانت منكمشة في كمها ثم انفتحت.. حُكي عن الشرقي بن قطامي أنه قال [٢٥] : "إن عربية إسماعيل كانت أفصح من عربية يعرب بن قحطان وبقايا جرهم وحمير". وانظر إلى آثار حكمة الله العظيمة لما اصطفى لغة هذه الأمة لتكون وعاءً (لكلامه المقدس) سخر لها من عوامل النماء والنقاء ما لم يتوفر لأي لغة أخرى: أولاً: بيئة جغرافية نقية - صحراوية - بعيدة لوعورتها عن مختلف البيئات الأخرى وهذه البيئة هي أواسط جزيرة العرب التي اختارها الله مركزاً للّغة المصطفاة المتكاملة في خصائصها وثروتها اللغوية.. والتي تشمل نجداً والحجاز.

стр. 3607

ثانياً: أوحى إلى نبيه - إبراهيم الخليل - وهو بابلي من العراق أن يرحل بزوجه - هاجر - وهي مصرية ليتركها مع وليدها - إسماعيل - في هذه الأرض القاحلة الصحراوية من أرض الحجاز، ثم يتم اتصال - هاجر - بقبيلة جرهم فكأنما صبت الأصول: البابلية، المصرية، العربية البائدة في بوتقة واحدة لتفتق عربية إسماعيل.. ثالثاً: ثم يسخر الله لذرية إسماعيل - العدنانيين - عاملاً آخر مهماً من العوامل التي ساعدت على نماء لغتهم وهي هجرة - القحطانيين - بعد انهيار سد مأرب واختلاطهم بهم.. فبقيت هذه اللغة - العدنانية - تأخذ طريقها إلى النمو والتصاعد لتشكل في نهاية الأمر اللغة العربية الرئيسية المتكاملة التي بقيت إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، بينما أخذت اللغات الأخرى ومنها (الحميرية) طريقها إلى الانقراض.. حتى لم يبق اليوم إلا بقايا أثرية في الأطلال والنقوش وكتب اللغة.. نتائج البحث: ١- اللغة العربية: أفصح اللغات البشرية، وأوسعها، وأغزرها مادة وأقواها تكويناً، والدليل على ذلك: اختيارها لتكون وعاء لكتاب إلهي عظيم بعد بين الكتب الإلهية المنزلة: المنهاج الإلهي الشامل الكامل العالمي الذي وسع جميع البشر وسائر الأزمنة المتعاقبة، فلغة اتسعت لتعبير عن هذا المنهاج العظيم - القرآن- تعد بحق أعظم لغات الأرض ولولا أنها تملك من خصائص البيان ما لا تملكه اللغات الأخرى لما أمكنها ذلك: قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ قُرْآناً عَرَبِيّاً غَيْرَ ذِي عِوَجٍ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ [٢٦] . وقال: ﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ﴾ [٢٧] .

стр. 3608

ومثل هذه النصوص تدل على أن غير العربية من اللغات - الأعجمية - لا تملك من خصائص الإبانة والاستقامة ما تملكه اللغة العربية.. ولعلي أستطيع في وقت قريب - إذا شاء الله - أن أقدم نموذجاً من خصائص هذه اللغة التي تنفرد بها.. ٢- معروف لدى جميع الباحثين من علماء اللغات أن اللغة متطورة متغيرة لأنه يستحيل أن تسلم لغة ما من عوامل التطوير والتغيير، واللغات الحية يستفيد بعضها من بعض، ولا يمكن للغة تنكمش على نفسها وتنقطع صلاتها الأخرى، والمدنيات الأخرى، أن تدوم على قيد الحياة طويلاً فلكي تستمر اللغة في الوجود يجب أن تتقبل التطوير، ولكي تزداد نمواً وازدهاراً يجب أن تتصل بلغات الأمم الأخرى وتستفيد منها.. لكن هذا الأمر دقيق عجيب، فإن بعض اللغات يقضي عليها التطوير وتتلاشى عند الاتصال بالأمم الأخرى، فهناك إذاً عوامل أخرى تصحب هذا العامل المهم ويمكن تلخيص أهمها فيما يلي: أولاً: استعداد اللغة في أصل تركيبها وتكوينها وخصائصها الذاتية للتطور والنمو، والقدرة على احتواء التغيرات الحضارية البشرية مهما اتسعت والقدرة على الصمود أمام مختلف العوامل المؤثرة.. ثانياً: قوة الأمة التي تتكلم بها: حضارياً، وفكرياً، وسياسياً، فإن الأمم الضعيفة التي لا تمتلك من الخصائص الحضارية والفكرية ولا يكون لها كيان سياسي قوي لا تستطيع أن تحافظ على لغتها فضلاً عن أن تنشرها وتفرضها على الناس. ثالثاً: انتشار هذه الأمة التي تتكلم بتلك اللغة: واتصالها بالأمم الأخرى بشتى وسائل الاتصال: إما بالغزو والفتوحات، أو بالمبادلات والعلاقات التجارية والثقافية، أو بحركات الهجرة والنزوح..

стр. 3609

وإذا طبقنا هذه العوامل الثلاث على اللغة العربية وأمة العرب نجدها متوفرة جميعها، فقوة تكوينها الذاتي يمكن أن تستنتجه مما سبق بيانه والحديث عنه عند الكلام عن نشأتها والمراحل التي مرت بها، ويكفي دليلاً عليه صمودها طوال هذه القرون والحقب، على الرغم من تعرضها لشتى العوامل الرهيبة التي تفكي للقضاء على أي لغة أخرى كاللغة - العبرية - مثلاً.. فاللغة - العبرية - كانت لغة محلية، ولم تكن تملك من الخصائص ما يؤهلها للانتشار، ولا من المميزات الذاتية ما يسمح بالاستمرار، ثم تعرضت لهزات عنيفة نتيجة تشرد أهلها وتفرقهم بدداً في أرجاء العالم فانقرضت وهي منقرضة وإن استمات اليهود اليوم (عليهم لعائن الله) في محاولتهم لإحيائها.. أما اللغة العربية فنتيجة لقوة تكوينها الذاتي وامتلاكها لخصائص النمو والبقاء لم تؤثر فيها الهزات العنيفة، ولا انتشار أهلها واسع في عدة مراحل من التاريخ كما سأبينه في النقطة التالية.. وقد سبق أن أشرت إلى حركات النزوح والانتشار التي تعرضت لها أمة العرب وكان أشهرها وأعظمها: الهجرة الأولى: من منطقة الهلال الخصيب والرافدين باتجاه الجزيرة العربية ووادي النيل وربما شمالاً وشرقاً إلى جهات أخرى.. الهجرة الثانية: من اليمن إلى سائر أنحاء الجزيرة والرافدين والشام ووادي النيل. الفتوحات الكبرى: وهي أعظم حركات الانتشار العربية، وقد أوصلت العرب إلى منطقة تمتد من مشارف الصين شرقاً وبلاد الهند والسودان جنوباً إلى المحيط الأطلسي غرباً، ثم مشارف أوروبا شمالاً امتداداً من فرنسا وصقلية وقبرص وبيزنطة ثم القفقاس وبلاد الخزر وأواسط آسيا وفرغانة التي هي بلاد الترك، وهي منطقة كما نلاحظ تحتوي على أمم كبرى رئيسية: أمة الهند، والترك، والبربر، والروم، والفرس.

стр. 3610

فلو أن أي أمة غير أمة العرب انتشرت هذا الانتشار لم أشك لحظة أنه كان يُقضى على سائر خصائصها ومنها - اللغة -، أو على الأقل تضعف وتنضب مقوماتها وخصائصها، لكن الذي حدث بالنسبة للعرب والعربية أن صمدت مقوماتهم وازدادت العربية قوة وازدهاراً وتماسكاً فبدل أن تحتويها كل تلك الأمم والحضارات واللغات وتطغى عليها، احتوت هي كل تلك الأمم والحضارات، وطغت على سائر تلك اللغات، ولا شك أن العاملين الآخرين كان لهما دون رئيسي في ذلك وهما: نزول القرآن دستور الإسلام باللغة العربية وتكلم الرسول ﷺ بالعبرية فهذان جعلا - دين الإسلام - كله عربياً، وهو دين عالمي، فكان دخول الأمم في حظيرة الإسلام دخولاً في حظيرة العربية.. وهذا أعطى اللغة العربية عامل: الفكر والثقافة والخصائص الحضارية بأوسع نطاق، فسعدت العربية بظهير حضاري لم تسعد به أي لغة أخرى حتى ولا العبرانية أو الرومانية أو غيرها.. والعامل الآخر: قوة الكيان السياسي الذي تمثل في أوج الفتوحات بشكل لم يسبق له نظير في العالم، بحيث أصبحت الدولة العربية التي حملت لواء الإسلام أقوى دولة بلا منازع، وذلك أعطى اللغة العربية الفرصة لكي تكون اللغة العالمية بلا منازع أيضاً.. فكانت لغة الفكر والثقافة والعلم والأدب، والطب والحكمة وسائر ما يحتاج إليه البشر.. ٣- النتيجة الثالثة والأخيرة وهي أهم نتائج هذا البحث بل هي مقصودة ومرامه، أن - اللغة العربية المتكاملة الرئيسية - التي نزل بها القرآن كانت هي - العدنانية - بسائر لهجاتها وفروعها.. وكان الفرع الرئيسي الذي حظي بأكبر حظ من الآيات والحروف لسان قريش - أعظم القبائل العدنانية -.
следующие страницы →