← Джавами‘

Джавами‘ · id 4473

مجلة الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (23 804 стр.). Показаны 3606–3645 · переход к 3611.

стр. 3606

٤- لغة القبائل العدنانية: وهي لغة القبائل التي تنتسب إلى عدنان بن إسماعيل ﵇، وكانت تسكن القسم الشمالي من الجزيرة العربية الذي يشمل: هجر، ونجد، والحجاز.. وقد سبقت الإشارة إلى أن إسماعيل ﵇ نشأ في كَنَف إحدى القبائل البائدة - جرهم - أو هي فرع من فروعها، ويشير الحديث الصحيح [٢٣] إلى أنه ﵇ أعجبهم وأنفسهم - أي أنه كما يبدو فاقهم فصاحة في لغته، وقد روي عن النبي ﷺ أنه قال: "أول من فتق الله لسانه بالعربية المبينة إسماعيل"رواه الحاكم في مستدركه والزبير بن بكار في كتاب النسب وقال الحافظ ابن حجر في حديث الزبير: إنه حسن [٢٤] . وتأمل قوله (العربية المبينة) تتوصل إلى كل ما نريد قوله عن اللغة العدنانية وأنها تمثل المرحلة النهائية في مراحل تطور العربية المرحلة التي بلغت فيها قمة الفصاحة - والفصاحة هي الإبانة - بعد أن كانت أقل إبانة وفصاحة، مرحلة تفتقت فيها اللغة العربية كأنها هي زهرة كانت منكمشة في كمها ثم انفتحت.. حُكي عن الشرقي بن قطامي أنه قال [٢٥] : "إن عربية إسماعيل كانت أفصح من عربية يعرب بن قحطان وبقايا جرهم وحمير". وانظر إلى آثار حكمة الله العظيمة لما اصطفى لغة هذه الأمة لتكون وعاءً (لكلامه المقدس) سخر لها من عوامل النماء والنقاء ما لم يتوفر لأي لغة أخرى: أولاً: بيئة جغرافية نقية - صحراوية - بعيدة لوعورتها عن مختلف البيئات الأخرى وهذه البيئة هي أواسط جزيرة العرب التي اختارها الله مركزاً للّغة المصطفاة المتكاملة في خصائصها وثروتها اللغوية.. والتي تشمل نجداً والحجاز.

стр. 3607

ثانياً: أوحى إلى نبيه - إبراهيم الخليل - وهو بابلي من العراق أن يرحل بزوجه - هاجر - وهي مصرية ليتركها مع وليدها - إسماعيل - في هذه الأرض القاحلة الصحراوية من أرض الحجاز، ثم يتم اتصال - هاجر - بقبيلة جرهم فكأنما صبت الأصول: البابلية، المصرية، العربية البائدة في بوتقة واحدة لتفتق عربية إسماعيل.. ثالثاً: ثم يسخر الله لذرية إسماعيل - العدنانيين - عاملاً آخر مهماً من العوامل التي ساعدت على نماء لغتهم وهي هجرة - القحطانيين - بعد انهيار سد مأرب واختلاطهم بهم.. فبقيت هذه اللغة - العدنانية - تأخذ طريقها إلى النمو والتصاعد لتشكل في نهاية الأمر اللغة العربية الرئيسية المتكاملة التي بقيت إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، بينما أخذت اللغات الأخرى ومنها (الحميرية) طريقها إلى الانقراض.. حتى لم يبق اليوم إلا بقايا أثرية في الأطلال والنقوش وكتب اللغة.. نتائج البحث: ١- اللغة العربية: أفصح اللغات البشرية، وأوسعها، وأغزرها مادة وأقواها تكويناً، والدليل على ذلك: اختيارها لتكون وعاء لكتاب إلهي عظيم بعد بين الكتب الإلهية المنزلة: المنهاج الإلهي الشامل الكامل العالمي الذي وسع جميع البشر وسائر الأزمنة المتعاقبة، فلغة اتسعت لتعبير عن هذا المنهاج العظيم - القرآن- تعد بحق أعظم لغات الأرض ولولا أنها تملك من خصائص البيان ما لا تملكه اللغات الأخرى لما أمكنها ذلك: قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ قُرْآناً عَرَبِيّاً غَيْرَ ذِي عِوَجٍ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ [٢٦] . وقال: ﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ﴾ [٢٧] .

стр. 3608

ومثل هذه النصوص تدل على أن غير العربية من اللغات - الأعجمية - لا تملك من خصائص الإبانة والاستقامة ما تملكه اللغة العربية.. ولعلي أستطيع في وقت قريب - إذا شاء الله - أن أقدم نموذجاً من خصائص هذه اللغة التي تنفرد بها.. ٢- معروف لدى جميع الباحثين من علماء اللغات أن اللغة متطورة متغيرة لأنه يستحيل أن تسلم لغة ما من عوامل التطوير والتغيير، واللغات الحية يستفيد بعضها من بعض، ولا يمكن للغة تنكمش على نفسها وتنقطع صلاتها الأخرى، والمدنيات الأخرى، أن تدوم على قيد الحياة طويلاً فلكي تستمر اللغة في الوجود يجب أن تتقبل التطوير، ولكي تزداد نمواً وازدهاراً يجب أن تتصل بلغات الأمم الأخرى وتستفيد منها.. لكن هذا الأمر دقيق عجيب، فإن بعض اللغات يقضي عليها التطوير وتتلاشى عند الاتصال بالأمم الأخرى، فهناك إذاً عوامل أخرى تصحب هذا العامل المهم ويمكن تلخيص أهمها فيما يلي: أولاً: استعداد اللغة في أصل تركيبها وتكوينها وخصائصها الذاتية للتطور والنمو، والقدرة على احتواء التغيرات الحضارية البشرية مهما اتسعت والقدرة على الصمود أمام مختلف العوامل المؤثرة.. ثانياً: قوة الأمة التي تتكلم بها: حضارياً، وفكرياً، وسياسياً، فإن الأمم الضعيفة التي لا تمتلك من الخصائص الحضارية والفكرية ولا يكون لها كيان سياسي قوي لا تستطيع أن تحافظ على لغتها فضلاً عن أن تنشرها وتفرضها على الناس. ثالثاً: انتشار هذه الأمة التي تتكلم بتلك اللغة: واتصالها بالأمم الأخرى بشتى وسائل الاتصال: إما بالغزو والفتوحات، أو بالمبادلات والعلاقات التجارية والثقافية، أو بحركات الهجرة والنزوح..

стр. 3609

وإذا طبقنا هذه العوامل الثلاث على اللغة العربية وأمة العرب نجدها متوفرة جميعها، فقوة تكوينها الذاتي يمكن أن تستنتجه مما سبق بيانه والحديث عنه عند الكلام عن نشأتها والمراحل التي مرت بها، ويكفي دليلاً عليه صمودها طوال هذه القرون والحقب، على الرغم من تعرضها لشتى العوامل الرهيبة التي تفكي للقضاء على أي لغة أخرى كاللغة - العبرية - مثلاً.. فاللغة - العبرية - كانت لغة محلية، ولم تكن تملك من الخصائص ما يؤهلها للانتشار، ولا من المميزات الذاتية ما يسمح بالاستمرار، ثم تعرضت لهزات عنيفة نتيجة تشرد أهلها وتفرقهم بدداً في أرجاء العالم فانقرضت وهي منقرضة وإن استمات اليهود اليوم (عليهم لعائن الله) في محاولتهم لإحيائها.. أما اللغة العربية فنتيجة لقوة تكوينها الذاتي وامتلاكها لخصائص النمو والبقاء لم تؤثر فيها الهزات العنيفة، ولا انتشار أهلها واسع في عدة مراحل من التاريخ كما سأبينه في النقطة التالية.. وقد سبق أن أشرت إلى حركات النزوح والانتشار التي تعرضت لها أمة العرب وكان أشهرها وأعظمها: الهجرة الأولى: من منطقة الهلال الخصيب والرافدين باتجاه الجزيرة العربية ووادي النيل وربما شمالاً وشرقاً إلى جهات أخرى.. الهجرة الثانية: من اليمن إلى سائر أنحاء الجزيرة والرافدين والشام ووادي النيل. الفتوحات الكبرى: وهي أعظم حركات الانتشار العربية، وقد أوصلت العرب إلى منطقة تمتد من مشارف الصين شرقاً وبلاد الهند والسودان جنوباً إلى المحيط الأطلسي غرباً، ثم مشارف أوروبا شمالاً امتداداً من فرنسا وصقلية وقبرص وبيزنطة ثم القفقاس وبلاد الخزر وأواسط آسيا وفرغانة التي هي بلاد الترك، وهي منطقة كما نلاحظ تحتوي على أمم كبرى رئيسية: أمة الهند، والترك، والبربر، والروم، والفرس.

стр. 3610

فلو أن أي أمة غير أمة العرب انتشرت هذا الانتشار لم أشك لحظة أنه كان يُقضى على سائر خصائصها ومنها - اللغة -، أو على الأقل تضعف وتنضب مقوماتها وخصائصها، لكن الذي حدث بالنسبة للعرب والعربية أن صمدت مقوماتهم وازدادت العربية قوة وازدهاراً وتماسكاً فبدل أن تحتويها كل تلك الأمم والحضارات واللغات وتطغى عليها، احتوت هي كل تلك الأمم والحضارات، وطغت على سائر تلك اللغات، ولا شك أن العاملين الآخرين كان لهما دون رئيسي في ذلك وهما: نزول القرآن دستور الإسلام باللغة العربية وتكلم الرسول ﷺ بالعبرية فهذان جعلا - دين الإسلام - كله عربياً، وهو دين عالمي، فكان دخول الأمم في حظيرة الإسلام دخولاً في حظيرة العربية.. وهذا أعطى اللغة العربية عامل: الفكر والثقافة والخصائص الحضارية بأوسع نطاق، فسعدت العربية بظهير حضاري لم تسعد به أي لغة أخرى حتى ولا العبرانية أو الرومانية أو غيرها.. والعامل الآخر: قوة الكيان السياسي الذي تمثل في أوج الفتوحات بشكل لم يسبق له نظير في العالم، بحيث أصبحت الدولة العربية التي حملت لواء الإسلام أقوى دولة بلا منازع، وذلك أعطى اللغة العربية الفرصة لكي تكون اللغة العالمية بلا منازع أيضاً.. فكانت لغة الفكر والثقافة والعلم والأدب، والطب والحكمة وسائر ما يحتاج إليه البشر.. ٣- النتيجة الثالثة والأخيرة وهي أهم نتائج هذا البحث بل هي مقصودة ومرامه، أن - اللغة العربية المتكاملة الرئيسية - التي نزل بها القرآن كانت هي - العدنانية - بسائر لهجاتها وفروعها.. وكان الفرع الرئيسي الذي حظي بأكبر حظ من الآيات والحروف لسان قريش - أعظم القبائل العدنانية -.

стр. 3611

ولما كانت اللغة العدنانية: البوتقة الأخيرة التي صبت فيها سائر اللغات العربية الأخرى خصائصها ومفرداتها وانصهرت فيها وجدنا أنها احتوت على أحسن ما في تلك اللغات من مفردات وخصائص واطّرحت ما لم يستحسنه لسان العدنانيين.. فاستحقت بذلك أن تكون هي اللغة الرئيسية التي انتشرت واكتسحت اللغات الأخرى: القحطانية، فإذا وجدنا من العلماء من يقول إن في القرآن لهجة أو مفردات (حميرية) فإنه يكون قد غفل عن هذه الحقيقة التي شرحناها في بحثنا هذا، أو وجدنا آخرين يقولون إن في القرآن ألفاظاً حبشية أو نبطية أو سوريانية أو عبرانية هكذا على إطلاقه فهو كذلك لم يعرف ما هي اللغة العربية ولا اطّلع على حقيقتها الرائعة، أو وجدنا آخرين يقولون إنه لا يوجد في القرآن (مُعرّب) ولا من لسان غير العرب، وأن تلك الألفاظ التي حُكي أنها أعجمية هي مما وافقت فيه لغة العرب لغة العجم تصادفاً لا عن نقل أو اقتباس فإننا نلحقه بصاحبيه ونقول له: هذا كلام من لم يفهم طبيعة اللغات جميعاً، فضلاً عن أن يدرك سر العربية، هذا هو ما حاولنا الرد عليه في بحثنا هذا، وقد استعرض فضيلة الدكتور محمد تقي الدين الهلالي طرفاً من أدلتهم وناقشها.. ملحق: استقصى بعض الباحثين الألفاظ المتشابهة بين اللغات: الآرامية، والبابلية، والعبرية، والحميرية، والعربية العدنانية (الفصحى) ، راجع في ذلك بحثاً نشر في مجلة (المجمع العربي) بدمشق المجلد ٤٤ الجزء ١ عدد شوال سنة ١٣٨٨هـ وراجع بحثاً آخرا نُشر في مجلة (عالم الفكر) بالكويت المجلد ٢ العدد ٤ يناير ١٩٧٢م الصفحة ١١١١-١١١٤، ونحن نذكر مقتطفات من ذلك في الجدول التالي: عربي عدناني بابلي أشوري عبري أرامي سورياني حميري أبٌ أبو أب أب أب ابنٌ بنو بنْ برا بن أخٌ أخو أح أحا أحو اثنتان شنا شنايم ترين سنيت

стр. 3612

أخذ -يأخذ أخوز أحز - ياحز أحد – نحود أخز – ياخز أرض أرصتُو أرص أرعا، أرقا أرضٌ اسم شومو شم شما سم أمٌ أمُو أم أما أم أمّةٌ أمْتُو أمْهَ أمْتا أمةٌ أنا أنْكُو أنا أنا أنا إنسان نشو إنوش ناشا إنش أنثى اششتو اشته أتاتا أُنْسَتْ بئرٌ بورو بور بر بئر بيتُ بتُو بيت بيتا – بُوت بيت سلّم - سلام شلمو شَلَم - شَلُوم شلما - شُلم سلم -سلام ومن الألفاظ المتشابهة بيت العربية (العدنانية) والآرامية: (أبْ) بمعنى الثمرة، وفي الآرامية (آبو) (إفك) بمعنى الكذب، " " (هِفِخ) (بعير) اسم للجمل، " " (بعيرو) (بقعة) ، " " (فُقْقَتُو) (بِيَعُ) المكان الذي يتعبد فيه النصارى، وفي الآرامية (بِيعَتْوُ) (التّبَار) بمعنى التفتيت والتكسير، وفي الآرامية تبّر بمعنى كسر (تَنُور) بيت النار أو مكان النار، وفي الآرامية (بيْتْ نُورو) (تجارة) ، وفي الآرامية (تَجَارُو) (بين) ، " " (تينو) (مثقال) ، " " (متجولو) (ثَمّ) أي هناك، وفي الآرامية (تمُون) (جبار) أي متسلط متكبر، وفي الآرامية (جَبُورُو) -------------------------------------------------------------------------------- [١] العدد الثالث من السنة الثالثة المؤرخ بمحرم ١٣٩١هـ.

стр. 3613

[٢] أعني به بحثاً نشر حول نفس الموضوع في العدد الأول من السنة السادسة المؤرخ برجب ١٣٩٣هـ فقد أثار كاتبه (ص٨٠) الإشكال حول المعرَّب في القرآن بطريقة تدل على أنه لم يطلع على البحث المشار إليه وتدل على عدم اطلاع كاف في الموضوع. [٣] المحبر لأبي جعفر محمد بن حبيب الهاشمي ص٥ (ط المكتب التجاري بيروت) . [٤] توجد منه نسخة مخطوطة بالمكتبة المحمودية بالمدينة المنورة. [٥] راجع تفسير الآية رقم ٧٧ من سورة الصافات. [٦] تفسير ابن كثير (ط الحلبي بمصر) ٢ - ٤٤٧. [٧] عباس محمود العقاد في كتابه (إبراهيم أبو الأنبياء) . [٨] الأحقاف - ٢١. [٩] الحجر - ٨٠. [١٠] عقود الجمان للقلقشندي ص١٩ (ط بتحقيق إبراهيم الأبياري ١٣٨٣هـ بمصر) . [١١] سبأ - ١٥ -١٩. [١٢] راجع تفسير ابن كثير لهذه الآية.. [١٣] عقود الجمان للقلقشاندي. [١٤] صفة جزيرة العرب للهمداني. [١٥] فتح الباري ٦ -٥٣٧ (ط السلفية بمصر) . [١٦] صحيح البخاري - كتاب الجهاد. [١٧] صحيح البخاري - مناقب الأنبياء. [١٨] البقرة ٣١-٣٣. [١٩] تفسير ابن جرير (ط دار المعارف بمصر) ١- ٤٨٢. [٢٠] علم اللغة للدكتور عبد الواحد وافي (ط السلفية بمصر) ص١٢٨ - ١٦٨. [٢١] عباس محمود العقاد في كتابه - إبراهيم - [٢٢] مولد اللغة للشيخ أحمد رضا العامل (من منشورات مكتبة الحياة بيروت) ص٥٢. [٢٣] صحيح البخاري - كتاب الأنبياء. [٢٤] فتح الباري (ط السلفية بمصر) الجزء ٦- ص٤٠٣. [٢٥] رواه ابن هشام وذكره ابن حجر في فتح الباري ٦-٤٠٣. [٢٦] الزمر - الآية ٢٨. [٢٧] النحل - الآية ١٠٣.

стр. 3614

الهَوَس الفكرِيّ بقلم الأستاذ مرزوق بن محمد الدوسري مراقبة المطبوعات بالمدينة يحكى أن مدخولاً قد زال عقله، وذهب بصره، وفقد سمعه، خرج ذات يوم من داره هائماً على وجهه في متاهات شاسعة لا حدّ لها نهاية، وبقي سائراً على قدميه، شاخصاً بصره، رافعاً عقيرته إلى أن أعياه السير، وأنهكه الضنى فخر صريعاً على وجهه. ولما أفاق من غيبوبته، واستعاد شيئاً من نشاطه وقف على صخرة، وراح يخطب بأعلى صوته آمراً مرة وناهياً أخرى وموجهاً ثالثة. ولما لم يسمع صوتاً يرد عليه، ولم يقم أحد يضع الوثاق في يديه، اعتقد أن الأمر قد صار له، وأن الكل طوع بنانه، وأنه هو الآمر الناهي، الموجه المرشد الذي يستطيع أن يبني ويهدم، ويخطط ويشرع معتمداً على ما بقي في ذهنه من خليط بين أفكار مجنون وأحلام نائم. ذكرني بهذه القصة أولئك الذين أصموا آذانهم، وأغمضوا أعينهم، وراحوا يصرخون إما في إذاعة أو يقذفون في كتاب بأفكارهم المريضة وآرائهم السخيفة، غير مبالين بما يكون لذلك من نتيجة. ذلك أنهم لا يهتمون بالنتائج بقدر ما يهتمون بقول ما قيل لهم أن يقولوه. أي أنه لا يهمهم إلا أن يضعوا ما حملوا به سفاحاً من أفكار ليست حاجة هذا الشرق هي التي والدتها في أذهانهم، وإنما ولدتها حاجة أنفسهم التي فقدت أصالتها وثقتها بعد أن نفث في روعها أنها لا تستطيع البقاء في الحياة إلا إذا تفاعلت مع العدو، وانصهرت في بوتقته فكرياً، وعقائدياً، واجتماعياً، واقتصادياً، وسياسياً، هذا الاعتقاد الراسخ لدى هؤلاء بعدم القدرة على البقاء في الحياة، والاعتماد على النفس هو الذي حملهم على أن يجعلوا من أنفسهم أبواقاً لأعداء هذه الأمة وعوامل هدم وتخريب لكنها والحمد لله أبواق مبحوحة وعوامل مغلولة ليس نصيبها من الفشل والعجز عن التأثير بأقل من نصيب كل محاولة سبقتها للنيل من هذه الأمة.

стр. 3615

ولئن كانت العوامل الكثيرة والظروف الحاضرة قادرة على أن تساعد هؤلاء على رفع أصواتهم، وأن تمكنهم من الوقوف وقفة الجريء فإنها غير قادرة على أن تجعل منهم أبطلاً حقيقيين ذوي نفوذ قوي، وأفكار فعالة تستطيع التأثير في كيان هذه الأمة، ذلك أن هذه الأمة قد اعتادت رفض العناصر الغريبة التي تطرأ على كيانها، وهؤلاء بحكم ثقافتهم الملوثة، وعقائدهم المشبوهة غرباء. غرباء عن مشاكل هذه الأمة التي تعيشها. غرباء عن آمالها التي تطمح إليها. غرباء عن أهدافها التي تسعى لتحقيقها. غرباء في أطوارهم وتأملاتهم، وهذا ما قادهم إلى المفاهيم الجديدة التي يريدون الخروج بها على العالم الإسلامي مع مخالفتها لكتاب ربهم وسنة نبيهم ﷺ . ولا شك أن هذا ليس دليل رشد في العقل، ولا حكمة في القول، وإنما دليل جهل وغطرسة وقلة دراية بالشريعة الإسلامية، وبطبيعة هذه الأمة، ولا أعني بالطبيعة ما انطبع عليه القوم من تقاليد وعادات قومية وعنصرية وإقليمية، وإنما أعني ما انطبع في قلب المسلم من حب لعقيدته وتشبت بها، وتفان في سبيلها وكراهية شديدة للذين يحاولون تشويشها وتحريفها. ولو أن هؤلاء يدركون الحقيقة لعلموا أن ما يقومون به من محاولات لجرف هذه الأمة من قلعة عزها وحريتها إلى حظيرة الذل والاستعباد إنما هو عبث لا فائدة منه ولا طائل لهم، وبالتالي لرفقوا بأنفسهم من هذا الضجيج الأهوج والادعاء الكاذب.

стр. 3616

لقد رفع هؤلاء شعارات محببة لكل مسلم ألا وهي العمل من أجل الإسلام. العمل من أجل الأمة. العمل من أجل الإنسانية. ولكنها شعارات غير قادرة على أن تخفي ما وراءها من نوايا سيئة لأن الأمة أصبحت من نوايا سيئة لأن الأمة أصبحت لا تؤمن بالشعارات بعد أن روعت في أكثر من مناسبة بما وراءها من مقاصد سيئة وأغراض دنيئة الأمر الذي جعلها تشك في كل داعية مجهول الهوية فتمحص سلوكه مع ربه، وسلوكه مع نفسه، وسلوكه مع غيره قبل أن تفتح له قلبها، وتصغي إلى ما يقول. وأمة وصلت إلى هذا الحد من الحذر والحيطة عسير على الأدعياء أن ينالوا منها شيئاً، أو يجدوا لهم مكاناً في أرضها وبين صفوفها. إن هؤلاء قادرون بحكم الظروف الراهنة أن يتكلموا من الإذاعات، وأن يحتلوا الصفحات الأولى من الجرائد والمجلات، وأن يتحكموا في دور النشر والطباعة، ولكنهم غير قادرين على أن يصلوا إلى القلوب المؤمنة والعقول السليمة لعظم البون بين ما تحمل الأقلام المأجورة من أفكار رديئة، وما يعتقد المسلم من دين قويم. ماذا عسى أن يكون نصيب الكاتب الذي يزعم أن من حقه أن يلغي نصاً من النصوص القرآنية أو الأحاديث النبوية متى كان ذلك النص معارضاً لنظريات اقتصادية أو اجتماعية أو سياسية فرضتها المبادئ الإلحادية، أو متى كان ذلك النص محذراً المسلم من موالاة أعداء دينه، وموادتهم والاتكال عليهم.. أو ماذا يكون نصيب الكاتب الذي يزعم أن من حقه أن يجتهد في القرآن برأيه، ويعتقد أنه يفوق صحابة رسول الله ﷺ في الفهم له، وأنه جدير بأن يوجد نظاماً إسلامياً يجتمع فيه كل إنسان حتى ولو كان شيوعياً لا يؤمن بالله ولا يعترف بالأديان، أو وثنياً يعبد الأشجار والأحجار، ويلوذ بالطواغيت من دون الله.

стр. 3617

إن نصيب مثل هذا الكاتب عند عامة المسلمين كنصيبه عند خاصتهم ليس إلا المقت والازدراء والسخرية، وبالتالي ليس لما يكتب من مكانة في القلوب ولا أثر في النفوس اللهم إلا ازدياد النفور من ضلالاتهم، والحذر من أحابيلهم. إن أكبر مصيبة هؤلاء على أنفسهم أنهم يكتبون ناقدين، ويكتبون موحين على حد زعمهم، ثم يصرحون بأنهم لا يأبهون بمن يكتبون عنهم أو لهم أي أنها لا تهمهم النتائج المترتبة على ما يكتبون، وسبب ذلك شيئان: أحدهما أنهم يكتبون طبقاً لما يوحى إليهم أي أنهم يكتبون بغير إرادة متحررة من الضغوط الهائلة المفروضة عليهم فرضاً قسرياً. وثانيهما أنهم يعلمون للهدم والتخريب لا للبناء والتعمير. وفرق بين من يريد البناء ومن يريد الهدم فالذي يريد البناء يضع كل شيء في مكانه ثم يتفقده بعد ذلك فما كان صالحاً أبقاه وما كان فاسداً أبدله، أو ناقصاً أكمله. أما الذي يريد الهدم فإنه لا يهمه إلا تقويض البنيان وإزالة معالمه. وأصحاب الفهم الجديد للقرآن الذين يريدون تحريف نصوصه وتعطيل أحكامه مجاراة للقوى المادية، والعقائد الإلحادية، لا يريدون بناءً للمجتمع العربي ولا بقاء للدين الإسلامي ولا حياة للأمة الإسلامية وإنما يريدون تقويض هذا المجتمع، وطمس معالم هذا الدين، والقضاء على الأمة التي تلاحمت تحت رايته، لأن من المستحيل أن تجتمع العرب على غير شريعة الله وأن يبقى دين محرف كتابه، ومعطلة أحكامه، وأن تحيي أمة ذات عقيدة سماوية تحاد الله ورسوله، وتواد أعداءه وتواليهم، وتعتبر الكفرة الفجرة أعواناً والملاحدة أنصاراً. فالذين يريدون الالتحام مع الملاحدة والتعاطف معهم، والانقياد لهم إنما يريدون تذويب الشخصية العربية والإسلامية على حد سواء. أجار الله الأمة العربية والإسلامية من المهوسين فكرياً، والمنحرفين عقائدياً، والمنحلين أخلاقياً، ولا حول ولا قوة إلا بالله.

стр. 3618

قضَايا أسَاسيَّة في تطوير المكتَبة العَرَبيَّة والإسلاميَّة بقلم عيد عبد الله عيد السيد: خبير مكتبة الجامعة الإسلامية يعالج هذا المقال في إيجاز شديد اهتمام الإسلام بالعلم وتدوينه، وتاريخ المكتبات الإسلامية وعصور ازدهارها ثم اضمحلالها ويعرض للحديث عن خزانة الحكمة في بغداد وكتبة قرطبة في الأندلس والمكتبات في مصر الفاطمية. ثم يعالج المقال قضية إحياء التراث والاهتمام بالمخطوطات ونعود فنسأل عن ماهية المكتبة في العصر الحديث؟ وعن موقع أمين المكتبة من الثقافة ودوره فيها؟ ثم نعرض في صراحة نواحي النقص في المكتبات العربية وكيفية علاج هذا النقص ونتساءل هل تؤدي المكتبة العربية حالياً رسالتها؟ فيجرنا ذلك للحديث عن النظم الفنية فنعرض للفهرسة وأنواعها ومشكلاتها وكيفية معالجة هذه المشكلات ونتحدث عن التصنيف وخططه وفلسفته ومشكلاته وكيف نسد الثغرات عند تطبيقه؟ وننتهي بالحديث عن الحاجة الشديدة إلى إعداد قوائم برؤوس الموضوعات لمختلف أنواع المكتبات العربية.. اهتمام الإسلام بالعلم: الحمد لله الذي أنعم على الإنسانية برسالة الإسلام وصلى الله عليه وسلم على المثل الأعلى والأسوة الحسنة للبشرية محمد بن عبد الله صفوة خلقه أجمعين وبعد: يقول الحق ﵎: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ خَلَقَ الإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ اقْرَأْ وَرَبُّكَ الأَكْرَمُ الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ عَلَّمَ الإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾ [١] . كانت هذه الآية أول سورة نزلت من القرآن الكريم تنبئ رسولنا ﷺ بالرسالة وتنطق أول كلماتها بالدعوة إلى القراءة التي هي مفتاح التعلم، وتذكر القلم وهو وسيلة الكتابة ونقل العلم والمعرفة وحسب المسلم هذا ليعلم مكانة العلم والعلماء في الإسلام.

стр. 3619

على أن الدعوة إلى العلم - في القرآن الكريم - بارزة في كثير من آي الذكر الحكيم قال تعالى: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُون﴾ [٢] وقال جل من قائل: ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَات﴾ [٣] وقال: ﴿وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ﴾ [٤] إلى غير ذلك من آيات بينات. ويمكن القول بلا تحفظ بأن الإسلام خاطب عقل الإنسان وحواسه ومشاعره وجوارحه، ووجهه إلى النظر والمشاهدة والتأمل والاعتبار وغير ذلك من أمور تدفع إلى المعرفة وتنشد الوصول إلى الحقيقة وإن اهتمام الإسلام بالعلم ليس له مثيل أو نظير في غيره من نظم أو أديان حديثة كانت أم قديمة وإذا أردنا أن نعرف مقام العلم في الإسلام فلنرجع بعد القرآن الكريم إلى ما ورد في شأن ذلك على لسان سيد المرسلين إذ يقول: "طلب العلم فريضة على كل مسلم". ولم يقتصر الأمر النبوي على طلب العلم الشرعي بل إن رسول الله ﷺ دعا إلى تعلم كل ما يعود على المسلمين بالخير أو يدفع عنهم الشر، من هذا أنه ﷺ أول ما قدم إلى المدينة أمر زيد بن ثابت الأنصاري أن يتعلم لغة اليهود لأنه لا يأمنهم على دينه [٥] . أليس رسول الله ﷺ هو القائل: "العلماء ورثة الأنبياء" وهذا يدل على أن منزلة العلماء من أرفع المنازل في الإسلام بعلمهم وعملهم وتعليمهم وإرشادهم للمسلمين. ولقد بلغ التشجيع العلمي أوجه عند المسلمين وفتح باب العلم للجميع لا يدفعه دافع ولا يمنعه مانع والتزمت الدولة الإسلامية دائماً بأداء واجبها تجاه العلم والعلماء وتولد عند المسلمين نشاط علمي واسع في ميادين المعرفة المختلفة لم يعهده التاريخ. ولقد حقق هذا النشاط ازدهاراً حضارياً رائعاً لقرون تسعة من تاريخ الإسلام. نشأة المكتبة الإسلامية:

стр. 3620

وربما كنا على حق إذا قررنا أن المكتبات في الإسلام قد نشأت بنزول القرآن الكريم وإن الكتب لازمة من لوازم المسجد لأننا نعلم أن المسجد لم يكن مكاناً خاصاً للعبادة فقط بل كان معقد حلقات العلم ومركز إدارة الخلافة ومنطلق الحياة الاجتماعية والسياسية للمسلمين. وماذا يمنع أن تكون أولى المكتبات الإسلامية في بيت رسول الله ﷺ حيث كان يجمع في بيته ما يدون من الوحي ثم نقلت الصحف من بيت المصطفى ﷺ إلى بيت أبي بكر بعد أن جمعت في مصحف على يد زيد بن ثابت ثم حفظت هذه الصحف عند عمر بن الخطاب أيام خلافته وبقيت عند حفصة حتى نسخ منها مصحف عثمان بن عفان ووزع على الأقطار والأمصار الإسلامية. ويمكن القول بأن المكتبات الإسلامية قد ظهرت بصورة واضحة في نهاية القرن الثاني للهجرة إذ زودها الخلفاء والأمراء وغيرهم من العلماء والأفاضل والأثرياء بما تحتاج إليه من الموظفين ومواد الكتابة (الورق - الرق - البردي.. الخ) ولقد زودت مثل هذه المكتبات بكتب هامة في مختلف العلوم وتبارى الخلفاء والأمراء في اقتناء أنفس الكتب وأكثرها ندرة مهما كلفهم ذلك من أموا ل طائلة [٦] . ولقد ورد في مقالنا (مناهج البحث وطرائقه عنه المسلمين) المنشور في العدد الثالث من السنة الخامسة في المحرم سنة ١٣٩٣هـ بمجلة الجامعة الإسلامية أن العلم منهج وطريقة وأسلوب وإن تحصيل العلم يتم بطرائق متعددة أشهرها التلقين والتعليم الذاتي وكلتا الطريقتين تعتمدان اعتماداً أساسياً على الكتاب. فالكتاب هو الأستاذ الدائم للباحث بعد أن تنقطع علاقته بكل أساتذته من البشر. وقد عرف الإسلام الحنيف قيمة الكتاب فأطلق اللفظ على القرآن الكريم باعتباره مجمل المعرفة الإنسانية ومفتاحها والدافع إليها ﴿الم ذَلِكَ الْكِتَابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدىً لِلْمُتَّقِينَ﴾ .

стр. 3621

روى ابن النديم: قال أبو معشر في كتابه (اختلاف الزيجات) : "إن ملوك الفرس بلغ من عنايتهم بصيانة العلوم وحرصهم على بقائها على وجه الدهر أن اختاروا لها من المكاتب أصبرها على الأحداث وأبقاها على الدهر"ولقد كنت هذه الكتب التي تحدث عنها ابن النديم وبركلمان المستشرق الألماني أساساً لكتب تنقل إلى العربية منذ العصر الأموي. ولعل فيما سبق بيانه من اهتمام الإسلام عقيدة وشريعة بالكتابة والتعلم واهتمام المسلمين منذ مطلع الوحي بالعلم والعلماء ما يدحض الفرية الشهيرة التي لا زال يرددها بعض المستشرقين والحانقين على الإسلام من أن الخليفة العادل عمر بن الخطاب قد أمر بحرق مكتبة الإسكندرية عند الفتح العربي لمصر. على أن الثقاة من كتّاب التاريخ كالمقريزي والطبري وابن الأثير قد دحضوا هذه الفرية بما فيه الكفاية كما شاركهم في ذلك لفيف من كتّاب التاريخ الأجانب منهم بارسون في كتابه (تاريخ مكتبة الإسكندرية) . Parson: History of Alexandrian Library. ازدهار المكتبات الإسلامية: ولقد اتسعت المكتبات في العصر العباسي حتى إن هذا العصر يعد بحق عصر الموسوعات العلمية والمكتبات الإسلامية ولقد ساعد على ذلك اتساع حركة التأليف والترجمة وتقدم صناعة الورق التي هي أساس صناعة الكتاب ومن أشهر مكتبات ذلك العصر. خزانة الحكمة أو بيت الحكمة في بغداد: ولكن هل كانت مكتبة فقط أم مكتبة ومعهداً ومرصداً؟ وأين مكانها؟ وهل أنشأها الرشيد أو المأمون؟ ومنها نظامها؟ وماذا كان بها من أعمال؟ الغالب أن الرشيد هو الذي أنشأ هذه المكتبة وجمع إليها ما كان قد نقل إلى العربية من كتب علمية وطبية وغيرها بالإضافة إلى ما ألف وصنف في العلوم الإسلامية مع ما سعى إليه يحيي بن خالد في جمعه من كتب الهند وما وقع للرشيد من كتب الروم في أنقره وغيرها من الأمصار.

стр. 3622

ولما تولى المأمون أنشأ مجالس الترجمة وجمع في بيت الحكمة كتب العلم بلغاتها اليونانية والسريانية والفارسية والهندية والقبطية فضلاً عن العربية. ونرجح أن يكون بيت الحكمة هذا مجلساً للترجمة أو للنسخ أو للدرس أو للتأليف وربما كان يجلس النساخ في أماكن خاصة ينسخون فيها الكتب لهم ولغيرهم بأجر أو بلا أجر ولعل الأمر كان كذلك بالنسبة للمترجمين والمؤلفين والمطالعين. ومن نساخ بيت الحكمة الذين ورد ذكر شيء عنهم في كتاب الفهرست علان الشعوبي [٧] وأصله فارسي يُقال أنه راوية عارف بالأنساب والمناظرات وأنه عمل نساخاً في بيت الحكمة للرشيد والمأمون والبرامكة. وينسب إليه كتاب (في مثالب العرب) . وذكر أن محمد بن موسى الخوارزمي ويحيى بن منصور الموصلي صاحب الأرصاد في عصر المأمون والفضل بن نوبخت المنجم وأولاد شاكر وغيرهم كانوا من بين المترددين على بيت الحكمة للمطالعة أو التأليف. ولا بد أن يكون لبيت الحكمة هذا قيم يديره يُسمى صاحب بيت الحكمة وممن يُقال أنه شغل هذا المنصب سهل بن هارون. وكان في بيت الحكمة مجلدون إذ يقول ابن النديم: "إن ابن أبي الجريش كان يجلد في خزانة الحكمة للمأمون" ولقد بقيت هذه المكتبة إلى عهد ابن النديم ونقل عنها. وجاء في دائرة المعارف الإسلامية أن أول مكتبة عامة هي مكتبة دار الحكمة التي أنشأها المأمون في بغداد وجمع لها الكتب اليونانية من الإمبراطورية البيزنطية وترجمت إلى العربية وكانت المكتبة تحوي كل العلوم التي اشتغل بها العرب وقد ظلت إلى مجيء التتار سنة ٦٥٦هـ. مكتبة قرطبة:

стр. 3623

ولقد أنشأ المستنصر بن الناصر في الأندلس في قرطبة مكتبة جمع إليها الكتب من جميع أرجاء العالم بل كان يبعث في شرائها رجالاً من التجار ومعهم الطائل من الأموال منافسة لبني العباس في اقتناء الكتب، ويُقال إنه اشترى كتاب الأغاني لأبي الفرج الأصفهاني بألف دينار من ذهب ويقدر ابن خلدون والمقري مجموع ما حوته هذه المكتبة بما يصل إلى أربعين ألف مجلد (٠٠٠ر٤٠) [٨] . وكانت هذه المكتبة تشغل قاعات بقصر قرطبة وأقيم عليها مدير أو مشرف كما وضعت لها الفهارس لكل موضوع من موضوعاتها وذكر أن فهارس الدواوين وحدها بلغت ٤٤ أربعة وأربعين فهرساً في كل فهرس عشرون ورقة [٩] . وقد انتشرت المكتبات في سائر بلاد الأندلس حتى قيل بأن غرناطة وما حولها كان فيها سبعون مكتبة ولعل حب الكتب كان سجية في سكان تلك الديار أو لعل اقتناء الكتب كان من شارات الوجاهة والرئاسة عندهم. وقد ظلت مكتبة قرطبة حتى بيع أكثرها في حصار البربر ثم أجهز الفرنج على الباقي منها. المكتبات في مصر الفاطمية:

стр. 3624

واقتدى بخلفاء بني العباس في بغداد وبني أمية في الأندلس الخلفاء الفاطميون في مصر فحينما تولى الخلافة العزيز بالله سنة ٣٦٥هـ استوزر يعقوب بن كلس [١٠] وكان الخليفة محباً للكتب فكلفه بترتيب الدواوين وتقريب العلماء. ولقد جمع من الكتب جانب كبير في قصر الخليفة في قاعات سميت (خزانة الكتب) وقد بذلت أموال طائلة في الحصول على المؤلفات المهمة في التاريخ والأدب والفقه وغير ذلك وذكر أنه كان بهذه المكتبة أكثر من ثلاثين نسخة من كتاب العين للخليل بن أحمد بخط يده وعشرون نسخة من كتاب الطبري ومائة نسخة من كتاب الجمهرة لابن دريد وكان عدد النسخ يزداد بمرور الأعوام حتى بلغ عدد النسخ من كتاب تاريخ الطبري عند استيلاء صلاح الدين الأيوبي على مصر ١٢٠٠ نسخة وكان فيها ٣٤٠٠ ختمة قرآن بخطوط منسوبة محلاة بالذهب فلا عجب أن يقول المقريزي أنها كانت تحتوي على مليون ألف ٠٠٠ر٠٠٦ر١ مجلد [١١] في الفقه والنحو واللغة والحديث والتاريخ والنجامة والروحانيات والكيمياء ومنها ٠٠٠ر١٨ كتاب في العلوم القديمة فيها ٦٥٠٠ جزء من كتب النجوم والهندسة والفلسفة والفلك على أنه مهما كان من مبالغة في عدد هذه الكتب إلا أنها تدل دلالة واضحة على اهتمام بالغ بشأن الكتب والمكتبات. وكان للعزيز عناية كبيرة بخزانة يتعهدها بنفسه حيناً بعد حين وقد رتب لها قيماً يتولى شؤونها ويجالسه ويقرأ له الكتب وينادمه وممن تولى ذلك أبو الحسن الشابشتي [١٢] .

стр. 3625

أما دار العلم أو دار الحكمة فهي غير خزانة العزيز أنشأها ابنه الحاكم بأمر الله سنة ٣٩٥هـ وقد اعتبرها البعض مدرسة اعتماداً على أن الحاكم أقام بها القراء والمنجمين وأصحاب النحو واللغة والأطباء وأجرى لهم الأرزاق. وأباح الدخول إليها لسائر الناس وجعل فيها ما يحتاجون إليه من الحبر والأقلام والورق وكانت تجري بها المناظرات العلمية إلى أن أبطلها الفضل بن أمير الجيوش بدر الدين الجمالي ولكن ابن البطائحي أعادها سنة ٥١٧هـ وقد وصل عدد الكتب بها إلى ما يقرب من ٠٠٠ر١٠٠ كتاب. وخلاصة القول أن المسلمين جمعوا في مكتباتهم العامة والخاصة من الكتب على اختلاف موضوعاتها ما يعد بالملايين وللأسف لم يبق منها إلا جزء صغير جداً أما معظمها فقد ضاع بتدهور الحضارة الإسلامية وتخلف المسلمين. المخطوطات العربية:

стр. 3626

ويوجد من كتب التراث الإسلامي الكثير محفوظاً حتى اليوم في مكتبات اكسفورد وكمبردج ولندن والمكتبة الأهلية في باريس ومكتبة الاسكوريال في مدريد وفي مكتبات برلين وليبزج وهامبورج وميونخ وليننجراد وطشقند وليدن وأمستردام وفينا وابسالا وكوبنهاجن ومكتبة الكنجرس الأمريكية وتعتبر مكتبة جامعة برنستون في الولايات المتحدة الأمريكية أجمع مكتبة للمخطوطات العربية في الأمريكيتين..وقد وفق الأستاذ فلوجل ناشر كتاب الفهرست وكتاب كشف الظنون إلى إحراز قوائم المكتبات العربية على ما بلغت إليه قبل النهضة الأخيرة وشيوع الطباعة في الشرق في لبنان ومصر بالذات وذيل كتاب كشف الظنون بأسماء تلك الكتب بحسب موضوعاتها وقد بلغ مجموع الكتب بالقسطنطينية وحدها ٢٧٤٤٥ كتاباً أما ما بقي ففي مصر ودمشق وحلب ورودس ومجموع كتبها ٢٤٠٠ والباقي في المكتبات العامة ربما يصل إلى نحو ٠٠٠ر٣٠ كتاب، وهذه الكتب مخطوطة وتمثل بلا شك ثروة علمية عظيمة تحتاج إلى العناية والرعاية والحفظ من جميع ما قد تتعرض له من عوامل التلف بفعل الأرضة والسوس والحشرات والرطوبة والتعفن ومن العوامل العابثة الأخرى كالحريق والسرقة والغرق وانتقام الجهلاء عند وقوع الحروب وغير ذلك. ومن خير الوسائل لحفظ هذا التراث أخذ صور فوتوغرافية كبيرة عن أصولها وتجليد تلك الصور كالكتب تماماً ووضعها للتداول بين أيدي الباحثين من أهل العلم وعشاقه على أن تبقى أصول هذه المخطوطات في المكتبة محفوظة بكل رعاية وبكل وسيلة من وسائل الحفظ. ويمكن تصوير هذه المخطوطات على أفلام دقيقة (ميكروفيلم) توضع في قطع معدنية صغيرة في علب على كل منها اسم الكتاب المصور ويكن تكبير هذه الأفلام عند الحاجة إليها أو لمن يطلبها من الباحثين.

стр. 3627

ولا تزال أكثر المكتبات في البلاد العربية والإسلامية في أشد الحاجة إلى العناية بما لديها من مخطوطات إذا استثنينا منها دار الكتب المصرية والمكتبة الظاهرية في دمشق. ولعل في إنشاء معهد إحياء المخطوطات التابع لجامعة الدول العربية ما يمكن في المدى القريب - إن شاء الله - من حفظ التراث العربي من الضياع وعسى أن يتمكن هذا المعهد من نقل صور لكل المخطوطات التي خرجت من أيدينا ورحلت إلى المكتبات الأوروبية، ونحن نعلم أن في هذا المعهد الآن خبراء متخصصين في أيديهم الوسائل والأدوات الحديثة التي تساعدهم في أداء مهمتهم ولكني أطالب بالمزيد من الخبراء والعاملين والمزيد من الدعم المالي ليتمكن المعهد من أداء دوره الخطير في حفظ التراث الإسلامي. ومع بداية النصف الثاني من القرن العشرين بدأ العرب يحاربون التخلف ويستعيدون ما كان لهم من حضارة أو هكذا هم يحاولون وقد أصبح عندنا في جميع البلاد العربية مكتبات كثيرة من حيث العدد فعندنا مكتبات عامة ومكتبات للوزارات والجامعات والمجامع العلمية والمدرسية. . . الخ. ولكن علينا أن نحدد بالضبط ماهية المكتبة في العصر الحديث. معنى كلمة مكتبة: كلمة مكتبة لا تحمل في الواقع معنىً محدداً فهي قد تطلق على أي مجموعة من الكتب كما تستخدم عند الناشرين وبائعي الكتب وإنما مفهوم المكتبة كما نرجوه ونبتغيه هو أن المكتبة "مجموعة من الكتب هيئت لها كل الظروف لكي تحدث ما يمكن أن تحدثه من أثر"ويفهم من هذا أن الكتب التي لا تستعمل استعمالاً كاملاً والتي لم ترتب ترتيباً مدروساً والتي لم تفهرس فهرسة شاملة والتي لا تلقى مجهوداً إيجابياً لتنشيط استعمالها ليست في الحقيقة سوى مكتبات ميتة.

стр. 3628

ولعلنا لا نختلف في أن قيمة الكتاب هي في استعماله والانتفاع به وعليه فأي كتاب لا يستعمل ولا ينتفع به يعتبر هملاً وسقطاً، فإذا قلنا إنه كتاب نادر فمن الطبيعي في تلك الحالة أن يكون مكانه المتحف لا المكتبة. موقع أمين المكتبة من الخدمة المكتبية: على أن معرفة أمين المكتبة أو مديرها المسئول بالكتب والمطبوعات ومصادر البحث وأدواته وطرقه معرفة شاملة في أكثر من ناحية من نواحي المعرفة الإنسانية أمر مرغوب ومطلوب هذا بالإضافة إلى تمرسه بأساليب الإعداد والتنظيم في النطاق العلمي التطبيقي لسلسلة من الإجراءات الفنية مثل اختيار الكتب وفهرسها وتصنيفها وإعارتها واستردادها وخدمة المراجع والإرشاد والبحث. . . الخ. فنحن نريد لأمين المكتبة في عالمنا العربي أن يكون رجل إدارة يحسن توزيع المسئوليات وتقسيم الاختصاصات واختيار المساعدين وتولي عمليات الشراء بالنسبة للكتب والمواد العلمية ووضع اللوائح للمكتبات وتدبير وسائل التعاون مع المكتبات الأخرى. ونريده في نفس الوقت رجل دعوة وإرشاد يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، نريده رجل تعليم وتوجيه يدعو المترددين على المكتبة فيستجيبون له يجمعهم في مكتبه فيناقشون ويبحثون ويدفعهم إلى أن يقرؤون ويتعلموا مع حرص منه على رفع مستوياتهم ودفع حصيلة الفكر والثقافة في محيطه نحو آفاق أوسع وأصلح. نواحي النقص الرئيسية في المكتبات العربية: على أن المكتبات في عالمنا العربي لا تزال تقوم بدور ثانوي بالنسبة لغيرها من المؤسسات رغم أنه يمكن لها أن تكون السند الواقي لكل نهضة مرتقبة أو تقدم منشود. وتعاني هذه المكتبات من نواحي نقص رئيسية تمثل عقبة كئودا أمام مستقبلها وتقدمها من ذلك: ١- انعدام الإشراف على جميع المكتبات مع وجود وحدات لمكتبات صغيرة وقليلة وغير مترابطة.

стр. 3629

٢- ضآلة المخصصات المالية للمكتبات وعدم كفايتها وقلة اهتمام الحكومات العربية بزيادتها أو تدعيمها حتى الآن. ٣- نقص التشريعات واللوائح والقوانين والقرارات الخاصة بالمكتبات إن لم نقل انعدامها. ٤- قلة الأيدي العاملة الفنية المتخصصة أو المدربة في حقل المكتبات القادرة على تحقيق الإدارة السليمة والتطوير المرتقب. وبالنسبة للمكتبات الجامعية دون غيرها من أنواع المكتبات الأخرى نجد أن الحاجة قائمة وملحة إلى ضرورة توافر هيئة من الأخصائيين في فن المكتبات يكفي عددهم لتغطية خمس مجالات في نطاق العلم بالمكتبات وهي الإدارة والمراجع والإرشاد والخدمة المكتبية والإعداد الفني للمواد المكتبية من كتب ومواد علمية أخرى كالمجلات والمخطوطات والمصورات وغير ذلك من أدوات المعرفة ويلزم تدبير عدد يتناسب مع عدد الأخصائيين من الكتابيين وعمال الخدمة والمناولين. والسؤال الآن هل يمكن أن نقوم أداء المكتبة ونبين مدى ما تحققه من خدمة حالية وما يمكن أن تقدمه من خدمات مستقبلاً؟ الجواب على هذا التساؤل هو الذي نؤخره إلى المقال القادم إن شاء الله.. -------------------------------------------------------------------------------- [١] العلق: ١-٥. [٢] الزمر:٩. [٣] المجادلة:١١. [٤] يوسف:٧٦. [٥] محمد عجاج الخطيب (السنة قبل التدوين) ص٣٨ - ٣٩. [٦] أحمد شلبي - تاريخ التربية الإسلامية جـ٤ - ص١٤٦. [٧] ابن النديم: الفهرست: ص١٠٥. [٨] نفح الطيب جـ١-ص٣٦١ وما بعدها ط المكتبة التجارية. [٩] ابن خلدون، جـ٤، ص١٤٦. [١٠] يعقوب بن كلس يهودي أسلم واستوزره العزيز بالله. [١١] المقريزي، السلوك، جـ١،ص٤٠٨- ٤٠٩. [١٢] ابن خلدون جـ ١،ص٣٣٨.

стр. 3630

مُشارَكَة الجَامعَة الإسلاميَّة فِي مَعرضِ الكتابِ السُعُودي بقلم صالح بن أحمد الغامدي: مدير شؤون الطلبة بالجامعة تعيش بلادنا العزيزة نهضة علمية كبرى سريعة الخطا تتمثل فيما تبذله حكومة جلالة الملك فيصل المعظم على العلم والمكتبات والمؤسسات العلمية وقد أخذت على عاتقها تشجيع كل الحركات الثقافية الهادفة إلى إحياء التراث الإسلامي والعربي وفي الأيام القريبة الماضية أقيم في الرياض مؤتمر الإعداد الببليوغرافي للكتاب العربي تحت رعاية وزارة المعارف الجليلة وصدرت عنه عدة قرارات وتوصيات حول الاهتمام بالكتاب العربي والتراث الإسلامي وكيفية تنسيقه وتقريب الاستفادة منه. وبهذه المناسبة أقيم معرض الكتاب السعودي في درا الكتب الوطنية بالرياض شاركت فيه كثير من المؤسسات العلمية والوزارات والمصالح الحكومية بما أنتجته من مطبوعات في مجال العلم والثقافة وكانت الجامعة الإسلامية قد اشتركت في هذا المعرض بمجموعة كبيرة من منشورات ومؤلفات هيئة التدريس فيها وقد اغتنمتها فرصة طيبة فقامت بتوزيع كمية كبيرة من الكتب الإسلامية على وفود المؤتمر والسادة الزوار.

стр. 3631

والحقيقة أن إقامة مثل هذا المعرض يعتبر من الأعمال الجليلة التي تستحق التقدير وذلك لما يترتب عليه من إبراز النشاط العلمي والثقافي في بلادنا وإتاحة الفرصة للمواطن للإطلاع على ما ينتجه أبناء وطنه وما يقدمونه من خدمة لدينهم وبلادهم ولا يفوتني أن أذكر هنا الجهود الكبيرة التي بذلت في سبيل إنجاح المعرض حتى ظهر عملاً مشرفاً اتضح فيه التنسيق الجميل والعرض الرائع، الأمر الذي يجعلنا نتطلع دائماً إلى المزيد من الأعمال الخيرة والجهود المخلصة وقد تفضل سماحة رئيس الجامعة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز بالموافقة على إهداء ما عُرض من مطبوعات الجامعة الإسلامية والكتب التي قامت بعرضها لدار الكتب الوطنية كعادة سماحته في دعم وتشجيع كل ما له علاقة بخدمة العلم وطلابه فجزاه الله خيراً.. وشكراً للمسؤولين في وزارة المعارف ودار الكتب على ما قدموه من خدمات ورعاية لهذا العمل وأسأل الله أن يمن على هذه البلاد بدوام التقدم ونعمة الأمن والاستقرار إنه جواد كريم وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين..

стр. 3632

العقيدة بين الفلسفة والوحي [١] للشيخ عبد الوهاب لطف الديلمي أما الجملة الأولى من كلام (لوبون) فهي مسلم بها لأن الإيمان فطري وهو الذي أطلق عليه كلمة (لا شعوري) وهذا الإيمان قد يُدّعم بالأدلة والبراهين فيصبح قوياً ثابتاً لا يتزعزع، وقد يكتفي صاحبه بمجرد الاستسلام والتصديق. والذين لا تظهر ثمرات الإيمان في أعمالهم كالمخرّفين والمتنكبين عن الجادة هؤلاء تبرز علامات الإيمان الكامن في نفوسهم عند الشدائد والأزمات، حين يفقدون كل حيلة يمكن الخلاص بها مما هم فيه من المآزق، فيرجعون حينئذ إلى مصدر القوة العليا المهيمنة والمسيطرة على الكون كله، والتي بيدها الضرر والنفع، وقد أشار القرآن الكريم إلى ذلك في قوله تعالى: ﴿وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلاَّ إِيَّاه﴾ - ﴿فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ . غير أن (لوبون) لم يصب في سائر عبارته وذلك في نقطتين: الأولى: قوله: إن العقيدة تكره الإنسان على التصديق بقضية من القضايا من غير دليل.. وهذا كلام باطل لا أصل له من الصحة.. ذلك أن العقيدة كثيراً ما تقوم بالبرهان والحجة، ولم يكن هناك في العقيدة السليمة ما هو إيمان أعمى لا يعرف الإنسان ماهيته ولا حقيقته، كما أن العقيدة الصحيحة لا تتعارض مع العلم والدليل. ولذلك يجمع علماء الإسلام على النظر والاستدلال في إثبات العقيدة بطريقة التفكر والتأمل في الكون ودقته، ليُوصل بذلك إلى الإيمان بخالق الكون.. وإن كان الخلاف بين العلماء قائماً على الاستدلال بالطريقة المنطقية والفلسفية ذات المقدمات والنتائج، فيمنعها بعضهم مخالفة الوقوع في الريب والشك، وعدم القدرة على الوصول إلى الحق بطرق سليمة. . .

стр. 3633

ومما يرد على (لوبون) أيضاً أن الله ﵎ يأمرنا بالتوصل إلى معرفته بطريق العلم فيقول: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ﴾ وقد مدح العلماء في مواضع عديدة كقوله تعالى: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ . . . ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾ . . . ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ﴾ - على أحد التأويلين في الآية. ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْم﴾ . كما ذم ونعى على الذين يكتفون بأخذ عقيدتهم عن طريق التقليد ﴿إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ﴾ ﴿أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لا يَعْقِلُونَ شَيْئاً وَلا يَهْتَدُونَ﴾ . وأما النقطة الثانية فهي قوله: "إذا استعان صاحب العقيدة على إثبات صحتها بالعقل استحالت علماً ومعرفة".

стр. 3634

فهو يفصم بين العقيدة والعقل، ولا يريد أن يجعل للعقل مجالاً في إثبات العقيدة وهذا خطأ فادح. فإن الله ﵎ خاطب العقول كثيراً في ما لا أحصي من الآيات، وذلك في مجال العقيدة والدعوة إليها كقوله : ﴿قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ والمراد بالنظر إعمال العقل في آياته فالكونية. وقوله: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ ... ﴿قُلْ سِيرُوا فِي الأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ ... ﴾ . ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ ﴿لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ﴾ . . . إلى غير ذلك. كما نعى على الذين لا يُعملون عقولهم وحواسهم في نشدان الحق ﴿لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لا يَسْمَعُونَ بِهَا﴾ - ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ أَفَأَنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ وَلَوْ كَانُوا لا يَعْقِلُونَ﴾ - ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْظُرُ إِلَيْكَ أَفَأَنْتَ تَهْدِي الْعُمْيَ وَلَوْ كَانُوا لا يُبْصِرُونَ﴾ - ﴿إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ﴾ . و (لوبون) يحول العقيدة التي أثتبها البرهان إلى علم ومعرفة. وأمّا عند المسلمين فلا فرق بين هؤلاء الثلاثة الأشياء: العقيدة، والعلم، والمعرفة. ولعلّ مرد هذا الرأي الذي يقرره لوبون في تحديد العقيدة إلى العقيدة التي شب في أحضانها وترعرع على لبانها، وهي العقيدة النصرانية التي تحرم النظر والسؤال والنقاش، وتفرض التصديق الأعمى دون نزاع ولا جدال.. أمّا العقيدة الإسلامية فهي بعيدة كل البعد عن هذا المفهوم الخاطئ والتعريف السقيم الذي لا يمت إلى حقيقتها بصلة. --------------------------------------------------------------------------------

стр. 3635

[١] فقرة من إجابة الطالب (عبد الوهاب لطف زيد الديلمي) على بعض أسئلة الاختبار في الدورة الصيفية لعام ٩٢- ٩٣.

стр. 3636

من الصحف والمجلات فضيلة وكيل الجامعة الإسلامية يدلي بتصريح لوكالة الأنباء السعودية إثر عودته من أوربا إعداد العلاقات العامة أدلى فضيلة الشيخ محمد ناصر العبودي وكيل الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة بتصريح لمندوب وكالة الأنباء السعودية عقب عودته من جولة إسلامية في بعض الأقطار الأوروبية في مهمة إسلامية تتعلق بتخصيص منح دراسية في الجامعة الإسلامية لأبناء المسلمين في تلك الأقطار ومدهم بالمساعدات جاء فيه أنه وجد أن حالة المسلمين في تلك البلاد تدعو إلى الاستبشار بالخير وأنهم ينظرون إلى المستقبل بأمل غامر في أن يكون مستقبل المسلمين في تلك البلاد خيراً مما كان في الماضي القريب. وقال إنه لاحظ أن المسلمين في كل مكان وصلت إليه البعثة يتطلعون إلى هذه البلاد وعلى رأسها جلالة الملك فيصل حفظه الله لالتماس المزيد من الدعم والتعضيد الإسلامي وذلك لما عرفوه وأصبحوا يعرفونه عن جلالة الملك فيصل ودعوته الكريمة إلى التضامن الإسلامي الذي من بين أهدافه الرئيسية مساعدة المسلمين ومعاونتهم في كل ما من شأنه رفع شأن الإسلام والمسلمين.

стр. 3637

وأضاف فضيلته قائلاً إن كثيراً من زعماء المسلمين في تلك البلاد صرحوا له بأنهم كانوا إلى زمن غير بعيد إنما يولون وجوههم إلى الكعبة المشرفة لأداء الصلاة والتطلع إلى الحج إلى بيت الله الحرام وتهوي قلوبهم إلى المدينة المنورة لزيارة مسجد الرسول ﷺ أي كان ذلك فقط لأداء الشعائر الدينية ولكنهم الآن ومنذ أن قام جلالة الملك فيصل حفظه الله بدعوة التضامن الإسلامي وتطبيق هذه الدعوة عملياً وذلك بمد يد المساعدة إلى المسلمين في كل بلاد العالم فإنهم أخذوا يتطلعون إلى هذه البلاد لكونها هي الأمل المنتظر بعد الله لمساعدتهم ومعاضدتهم وإنهم يتطلعون أيضاً إلى إرسال أبنائهم إلى المملكة العربية السعودية لتربيتهم وتثقيفهم ثقافة إسلامية خاصة في مدارس المملكة وجامعاتها وبخاصة الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة. لقد تبينت الدراسات أن تراجع المواد الموجودة في القسم الأعلى من الأمعاء الدقيقة إلى المعدة عامل مهم في ظهور القرحة في المعدة ولا يحصل هذا التراجع عادة بفعل الصمام الذي يفصل المعدة عن الأمعاء الدقيقة، بحيث يصد تلقائياً تراجع محتويات الأمعاء إلى المعدة ولكن إذا تحقق الصمام في عمله لسبب من الأسباب سالت الصفراء في الأمعاء الدقيقة إلى المعدة فيهيجها ويؤدي هذا إلى حدوث القرح في المعدة.. خطر ببال طبيبين يعملان في أحد المستشفيات الكبرى في مدينة (شيفلد) في شمال إنكلترا أنه قد يكون التدخين أثره على عمل هذا الصمام، فيحل عمله فيفتح المجال لعودة محتويات الأمعاء الدقيقة إلى المعدة وإحداث القرح فيها فقررا دراسة الموضوع من هذه الناحية.

стр. 3638

تثبت الطبيبان باثنين وعشرين متطوعاً لاختباراتهم وكان ثلاثة عشر منهم في حالة صحية اعتيادية، والبقية يشكون من سوء الهضم، وكانت الخطوة الأولى في هذه التجارب أن يبلع كل من المتطوعين أنبوباً رقيقاً لا يلبث أن يتصل بالأمعاء الدقيقة ثم أن تحقن هذه الأنابيب بمقدار ضئيل من الباريوم لملاحظة عمل الصمام عن كثب، ذلك أن في وسع الأشعة السينية أن تتعرف على الباريوم إذا عاد من الأمعاء الدقيقة إلى المعدة بسبب الاختلال الحاصل في عمل الصمام. كانت النتائج كما يلي: حصل (التراجع) في عشرة من مجموع ١٣ شخصاً هم في حالة صحية اعتيادية وفي سبعة من مجموع تسعة الذين يشكون من عسر الهضم وأبانت هذه المرحلة الثانية من هذه التجارب أمراً آخر يبعث على الدهشة والتأمل. بدأت عملية التراجع هذه في ظرف ٣٠ ثانية فقط بعد التدخين كما أن بعض المتطوعة قد شعروا في الوقت ذاته ببعض المغص في معدهم. من الواضح إذن وجود علاقة وثيقة بين التدخين و (تراجع) محتويات الأمعاء الدقيقة إلى المعدة. إن أهمية هذا التقرير هي أنه يقدم الدليل العلمي القاطع على أثر التدخين في علمية الهضم. (عن مجلة لندن) . القرآن العظيم قال ابن خلدون - رحمه الله تعالى في كتباه (المقدمة) : "أما القرآن وإن كان من باب المنشور إلا أنه خارج عن الوصفين فلا يُسمى مطلقاً ولا مسجعاً بل تفصيل آيات تنتهي إلى مقاطع يشهد الذوق بانتهاء الكلام عندها ثم يعاد الكلام في الآية الأخرى بعد، ويثنى من غير التزام حرف يكون سجعاً ولا قافية، ويسمى آخر الآيات منها فواصل إذ ليست أسجاعاً ولا قواف".

стр. 3639

إن القرآن معجزة بيانية لم يستطع - ولن يستطع - محاكاتها بشر على وجه الأرض. وبلاغة ربانية لها من رنة الجرس، وحسن الإيقاع، وروعة التنسيق، وما تتميز به عن سائر الكلام شعره ونثره ﴿وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ إِنْ هُوَ إِلاَّ ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُبِينٌ﴾ - ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْأِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً﴾ . عن مجلة (البريد الإسلامي) . طه حسين على حقيقته: كان لوفاة الدكتور طه حسين - قبل أيام - ردود فعل بارزة، إذ كثر الكاتبون والمذيعون حوله، ومعظم هؤلاء من المضللين - بالفتح والكسر - الذين خدعوا ببهرج الفكر الإستشراقي المستهدف تشويه الإسلام، وتأثروا بما نقله هذا (الفقيد) خلال خمسين سنة من سموم أساتذته أعداء الإسلام، نقلاً أميناً أحياناً، ونقلاً مضاعفاً للسيئات أحياناً أخرى. والمؤسف أن بين هؤلاء (دكتور) بكاه بالدموع الغزار على صفحات جريدة (الدعوة) التي لم تغفل خدعته، فنشرت في العدد نفسه والصفحة نفسها كلمة منصفة ومعتدلة عن حقيقة طه حسين. وها نحن ننقل عن مجلة (المجتمع) الكويتية فقرات من مقال تحليلي بارع، دبجته براعة الكاتب الإسلامي الكبير الأستاذ أنور الجندي، معقباً على تهويشات أولئك المساكين الذين احترقت قلوبهم أسىً على (عميدهم) الكبير. قال الأستاذ الجندي حفظه الله: "إن طه حسين حين سقط في نظر الناس بعد كتابه (الشعر الجاهلي) أراد أن يعود إليهم كاسباً ثقتهم بالكتابة (على هامش السيرة) وكانت خدعة أخرى كشفها الدكتور هيكل حين قال: إن إحياء الأساطير في هامش السيرة خطر على السيرة نفسها، لأنه بعيد إليها ما حررها منه علماء المسلمين وحرصوا على حمايتها منه".

стр. 3640

"يكذب أو ينخدع أولئك الذين يقولون إن طه حسين استوعب ثقافة التراث - الإسلامي - أو أن وجهته كانت خالصة لوجه الله أو العلم أو الحق، ذلك أنه قد أراد أن يتخذ من التراث منطلقاً إلى إثارة الشبهات والروايات الباطلة، والتقليل من جلال أبطال الإسلام.. فقد عاش حياته كلها يسخر بعظمة أمة الإسلام وبما في صفحاتها من بطولات، ويفسرها طبقاً للمذهب الاجتماعي الفرنسي المفصل بالتفسير المادي للتاريخ القائم على الجبرية.. وهو مذهب ينكر عظمة النفس الإنسانية، وجلال الروح ومكانة المعنويات.." "وكلامه عن الإسلام كله - حسب المفهوم المسيحي - أنه علاقة بين الله والإنسان، عبادة.. لاهوت، وليس أكثر، وهو يعتنق ما كان يعتنقه فولتير ورينان وغيرهما من التفرقة بين الإيمان بالقلب والكفر عن طريق العقل.." "وإن طه حسين بالعمل في مجال الإسلاميات منذ أصدر كتابه (على هامش السيرة) عام ١٩٣٣.. كان يفتح صفحة جديدة وخطيرة في تاريخه وتاريخ الفكر الإسلامي، وهي صفحة تقديم البديل من أجل القضاء على الأصيل.." "ولقد استطاع من خلال كتاباته (الإسلامية) أن يصور الروابط بين الصحابة على نحو مؤسف رديء، وكان قد أعلن من قبل في رده على العلامة رفيق العظم احتقاره للتاريخ، كما اتخذ من بعض الشعراء الماجنين دلالة على فساد القرن الثاني الهجري الحافل بأعلام المسلمين في الفقه والعلم والتصوف والأدب والفكر كله ... ". "وقد استخدم طه حسين هذا المنهج ببراعة ونجح فيه. فلم يكن يؤمن بالدين ولا بالتراث ولا بعظمة هذه الأمة ولا بأمجادها القديمة ولا بحركة اليقظة فيها ... ".

стр. 3641

"ويردد الراثون لطه حسين أن له حياة حافلة بالنضال.. ولكن أي نضال. . . لقد بدأ طه حسين حياته في محيط حزب الأمة الذي أنشأه كرومر، وفي أحضان لطفي السيد داعية الولاء للاستعمار البريطاني وعدو الجامعة الإسلامية والعروبة والشريعة الإسلامية واللغة العربية وتعليم أبناء الفقراء.. ولم يدخل الوفد إلا بعد أن فقد أمانته للأمة، وانصهرت فيه العناصر القومية والشيوعية..". "أمّا مفاهيمه العامة، فقد أثار الدنيا حين أعلن أن العرب استعمروا مصر كالرومان.. وردت دمشق على هذا الفسوق بأن أحرقت مؤلفاته في ميدان عام..". وبهذه الدوافع الخبيثة كان طه حسين يزعم "أن مصر جزء من حضارة البحر المتوسط. . .وكانت له مواقفه في معارضة العروبة والرابطة الإسلامية في دعوته إلى تمصير اللغة وإلى تمصير الأدب.." ومن أجل ذلك (كان داعية الفناء في غرب تحت خدعة زائفة ظل يروجها، وهي قوله أننا لن نستطيع أن نساوي الغرب إلا إذا سرنا مسيرته..) وقد أعلن أن مراده من ذلك هو أن نأخذ من تلك الحضارة أخذ حاطب الليل "ما يُحمد منها وما يُعاب، وما يُحب منها وما يُكره.." فجزى الله الأستاذ أنور الجندي كل خير على صدعه بالحق، ونسأله الهداية لأولئك الذين غلبهم الهوى فصرف أعينهم عن الأبصار، وأصم آذانهم عن الإصغاء.. فراحوا يكيلون له المدائح، ويقولون فيه ما لم يقله مالك في الخمر. . .

стр. 3642

مقتطفَاتٌ من كتَاب الكنز المَرصُود في قَواعِدِ التَّلمُود تَرجَمهُ مِنَ اللغَةِ الفَرَنسَاويَّة الدكتور: يوسف حنا نصر الله ننشر تباعاً نُبذاً مقتطفة من كتاب (الكنز المرصود في قواعد التلمود) وهو كتاب فريد في بابه وفي حكم المفقود رغم طبعتيه الأولى والثانية. ويتبين القارئ فيه كيد اليهود وحقدهم على الجنس البشري بما قاموا ويقومون به من الجرائم البشعة والفساد في الأرض ونشر الإلحاد والرذيلة والمبادئ الهدامة في شتى المجالات.. وإن ذلك كله إنما هو تطبيق لأحكام كتابهم المقدس (التلمود) الذي يضعونه بمنزلة مساوية للتوراة بل أسمى من التوراة. من مقدمة الطبعة الثانية بقلم: فضيلة الشيخ مصطفى الزرقا لما كنّا أطفالاً في مدينة حلب موطني الأول من بلاد الشام (سورية) كنّا نسمع الأمهات يمنعن أولادهن الصغار من الخروج خارج البيوت وحدهم، ويحذرنهم بأن اليهود يخطفون الأطفال خفية ويأخذونهم إلى حيث يستنزفون دماءهم. وفي يفوعتنا كنا نتلقى التوصيات بأن لا يمر أحدنا في حارة اليهود منفرداً (وهي حارة طويلة متعرجة) وأنه إذا مرّ فيها أحد منا فدعاه يهودي لدخول بيته لإيقاد النار لهم بحجة أنهم لا يمسون النار يوم السبت فيجب أن لا يدخل حذراً من أن يغدروا به فيقتلوه باستنزاف دمه. فلما كبرنا ووعينا وتثقفنا كنت أتذكر هذه التخويفات، التي كنّا نتلقاها في طفولتنا الأولى في يفوعتنا، وأنتقدها وأعدها من الجهالات في أساليب التربية التي درسنا قواعدها الحديثة وأصولها، ومن قبيل إساءة الظن بمواطنين من الأقلية الصغار المساكين!!!

стр. 3643

ثم لما برزت المشكلة الفلسطينية، وذر قرن الصهيونية اليهودية، بدأنا نسمع عن اليهود وعقائدهم الخطيرة وأفاعيلهم المذهلة، ومكرهم العالمي، ومؤامراتهم الخبيثة وخطرهم على البشرية جمعاء ما جعلنا نعيد النظر في الصورة المنطبعة في أذهاننا عن مسكنتهم المصطنعة ولكن بقيت قضية خطف الأشخاص واستنزاف دمائهم في نظرنا خرافة لا تصدق، حتى وقع إليّ منذ سنوات مجموعة الأستاذ أسد رستم (أستاذ التاريخ الشرقي في الجامعة الأمريكية ببيروت، الذي توفي منذ بضع سنوات) التي جمع فيها بعض وثائق تاريخية تتعلق بتاريخ سورية في زمن إبراهيم باشا المصري من سنة ١٢٤٧-١٢٥٥هـ ونقلها عن سجلات المحكمة الشرعية بحلب وأنطاكية وحماة ودمشق في سنة ١٩٢٧م فإذا به يفتتح الجزء الخاص منها بقصة خطف اليهود في دمشق للقسيس الفرنسي الجنسية المسمى: الأب (الباردي) توما وخادمه إبراهيم عمّار، وذبحهم إياها، وإرسال دمهما إلى كبير الحاخامين ليدخلوه في خبز الفطير الذي يوزعه الحاخامات على الأسر اليهودية في عيد الفصح السنوي، وينقل الأستاذ أسد رستم من سجلات المحكمة التي حاكمت الفاعلين من الحاخامين وسواهم محاضر جلساتها ووقائعها وينشرها في كتابه المذكور حرفياً، وتصويرها بصورة زنكوغرافية لأول مرة هذه المحاضر بالخط المدون به في سجل المحكمة، وذلك في عهد احتلال جيش إبراهيم باشا المصري وحكمه في سوريا. فقرأت القصة مذهولاً من التفاصيل التي فيها.. وكان عندي أغرب من هذه الحادثة - التي تدمى لسماعها القلوب ولو كانت متحجرة تلك القواعد الدينية التلمودية التي تم تنفيذ تلك الجريمة الفظيعة النكراء تطبيقاً لها فقد نبشت محكمة أولئك المجرمين، من الحاخامين الآمرين ومن بقية اليهود الذين قاموا بالتنفيذ، أنابيش من نصوص التلمود مذهلة يقف القارئ أمامها مشدوها لا مدهوشاً فقط.

стр. 3644

يكاد الإنسان لا يصدق - لولا الوثائق والنصوص والوقائع التابعة - أن تكون ديانة القوم (بعدما تلاعبت بأصولها وحرفتها أيدي أحبارهم تأمرهم أن يتعبدوا بشرب دماء البشر من غير اليهود، ولا سيما المسيحيين والمسلمين) وباستباحة أرواحهم، وأعراضهم، ووجوب خيانتهم، والغدر بهم، وغشهم واجتناب إغاثة أحد منهم، أو إنقاذه، أو مداواته إلاّ للتجربة أو للإضطرار أو ستراً للمقاصد والعقائد اليهودية السرية، إلى غير ذلك من العقائد المنكرة الخطيرة القائمة على الحقد العام والامتهان لبني البشر أجمعين، وتبرير ذلك نظرياً بأن كل الناس سوى اليهود ليسوا في الحقيقة سوى بهائم من الحيوان في صورة بشر، فليس لهم حرمة ولا ذمة، ولا يلتزم اليهود تجاههم بأي التزام إنساني أكثر مما يلتزم تجاه بهيمة خلقت لمصلحته، يفعل بها ما يشاء ما استطاع إلى ذلك سبيلاً، ولا يخرج عن هذا السلوك المنكر إلا للتقية والتستر والخداع! ومن هذه التقية التظاهر بالضعف والمسكنة أمام الأكثريات الأخرى من الناس. نعم لقد كانت في نظري هذه العقائد اليهودية التي نبشتها المحاكمة في حادثة مقتل القسيس الأب توما - وهو كما سيرى القارئ ممن قضوا حياتهم في الأعمال الإنسانية وإغاثة الملهوفين - أشد غرابة وفظاعة من حادثة القتل نفسها، لأن القتل والتفاصيل المثيرة التي حصلت فيه إنما تستمد فظاعتها من الغاية التي دفعت إلى هذه الجريمة والتي ألبسوها ثوب الدين!!! ومنذ أن وقعت عليّ وقائع هذه الجريمة وملابساتها ومحاضر محاكمتها في مجموعة الأستاذ أسد رستم المذكورة بدأت أتتبع وأستقصي المعلومات عنها وعن أمثالها وعن نصوص التلمود اليهودي..

стр. 3645

حتى رأيت مرة بطريق المصادفة كتاباً لدى صديقي الأستاذ الشيخ ناصر الدين الألباني المحدث المعروف في دمشق، عنوانه (الكنز المرصود في قواعد التلمود) فاسترعى انتباهي هذا العنوان، واستأذنت الأستاذ الألباني في أخذه أياماً لقراءته فأعارني إياه وذهبت به وعكفت من فوري على قراءته فإذا فيه أمنيتي المنشودة!! تعريف بكتاب الكنز المرصود: كان هذا الكتاب ترجمة لكتابين فرنسيين ترجمهم الدكتور يوسف نصر الله من كبار مسيحي مصر: أحدهما كتاب للدكتور روهلنج بعنوان (اليهودي على حساب التلمود) وتكلم في عن مضامين التلمود ومنشئه وتكوينه ومخطوطاته وطبعاته المتعددة منذ القرن الخامس عشر الميلادي، وما فيه من عقائد خطيرة مذهلة تحير العقول، وخرافات عجيبة لا يكاد يصدق الإنسان أن تكون عقائد تعبدية لولا نصوصها المنقولة من التلمود، وفي كتاب الدكتور روهلنج هذا من المعلومات الهامة عن التلمود ما يصعب جداً على الباحث أن يستقصيه من مصادر أخرى. وثانيهما كتاب للدكتور أشيل لوران بعنوان (تاريخ سورية لسنة ١٨٤٠م) تكلم فيه عن حادثة ذبح اليهود للقسيس الأب توما وخادمه إبراهيم الآنفة الذكر في دمشق، ويبين مصير الحكم بالإعدام على المتآمرين المجرمين القتلة ذلك المصير المؤسف الذي خلاصته أن أناساً من كبار أغنياء اليهود المتنفذين في أوروبا تداعوا لإنقاذ المحكوم عليهم وأرسلوا مندوبين اثنين من فرنسا إلى مصر وهما (كراميو، وموبيز مونتيفيوري) فاتصلا بالخديوي محمد علي باشا الذي كان جيشه يحتل سورية في ذلك العهد فأصدر فرماناً بالعفو عن القتلة المحكوم عليهم.
следующие страницы →