← Джавами‘

Джавами‘ · id 4473

مجلة الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (23 804 стр.). Показаны 421–460 · переход к 426.

стр. 421

أجل إن نصر الله قريب.. قريب في هذه اللحظة التي يشعر فيها المؤمن المقاتل أن لم يبق بينه وبين الجنة إلا ضربة بسيف أو طعنة برمح أو قذف بقنبلة أو انقضاض بطائرة في هذه اللحظة بالذات تأخذ الغيوم تتقشع وتتسرب أشعة الشمس من خلال الشقوق بين السحب الدكناء ويتبدى النصر للمجاهدين قليلا قليلا وهم يعانون المآسي ويحتملون الآلام ويبذلون التضحيات إنهم لا يستروحون عبير النصر حتى يشرفوا على لحظات اليأس، وإذ ذاك يتدفق الأمل في النفوس حيا ثجاجا عجاجا ويتنزل النصر من عند الله فيتمسكون به ويضنون به، وإذا تعودت النفوس العزة كبر عليها الذل فتخجل من النكوص على العقبين ومن الارتداد إلى الهزيمة. أجل إن نصر الله قريب ولكنه ليس قريبا إذا استجدى المسلمون إيقاف القتال وعدوهم عليهم ظاهر ولم يكن طعم من ردود الفعل إلا الدموع والتظلم والشكوى. ٣- المصابرة والمرابطة والثبات: ومن ثم صدرت الأوامر من الله إلى الجيش الإسلامي بالمصابرة والمرابطة والثبات، فإنها أعمدة النصر المنتظر إن رفعت على تقوى الله والتزام حدوده فقال : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [٢٢] والسر في ذلك أن الصبر من الحرب كالروح من الجسد، وأن الفريق الأجلد والأصبر هو الفائز بالنتائج الرابحة في المعركة ولذلك أمرنا الله أن نصابر الكافرين في القتال حتى نغلبهم في الصبر وقد أرشدنا سبحانه إلى القوة التي يستمد منها الصبر وتعين عليه ألا وهي تقوى الله، فإن الفار يبوء بغضبه ومن يخشه يمتثل أمره ويثبت قدميه في مستنفع الموت لا يرتدون خائبين وبالصبر أحبط المسلمون يوم الخندق خطة الأحزاب وكان من دواعي فخرهم إن صبروا ويشهد بذلك شعر قاله كعب بن مالك رضوان الله عليه يوم الخندق: ولو شهدت رأتنا صابرينا وسائلة تسائل ما لقينا

стр. 422

صبرنا لا نرى لله عدل وبين أن للصبر غاية منبعها التقوى: نكون عباد صدق مخلصينا لننصر أحمد والله حتى وأحزاب أتوا متحزبينا ويعلم أهل مكة حين ساروا وأن الله مولى المؤمنينا [٢٣] بأن الله ليس له شريك والمرابطة من المصابرة ولكنها الصبر المستديم غير المبتوت الجامع للحذر والتيقظ والرصد الدائم لتحركات العدو. ولا يحفظ بلاد الإسلام إلا المرابطون في الثغور والحدود يصدون عنها الطامعين ومنها ينطلقون فاتحين فهم في حالة دائمة من الاستعداد والتنبيه والتوثب وقد عرف رسول الله ﷺ دور هؤلاء المرابطين فبشرهم بالثواب الطيب فقال من حديث له: "طوبى لعبد آخذ بعنان فرسه في سبيل الله أشعث رأسه مغبرة قدماه، إن كان في الحراسة كان في الحراسة وإن كان في الساقة كان في الساقة، إن استأذن لم يؤذن له وإن يشفع لم يشفع" [٢٤] ولو أنعمنا النظر في كثير من حروب الإسلام الهامة لوجدنا أن الثبات العظيم الذي لبسته فئة مختارة من المجاهدين كان له الأثر البليغ في تلك المعارك وفي مستقبل المسلمين.

стр. 423

ففي معركة أحد جهد المشركون للوصول إلى نبينا محمد ﷺ والحقوا به أذى حتى ظنوا أنه قد قتل ولكن نفرا من الصحابة استماتوا في حياطته والدفاع عنه، فجالدوا جلادا عنيفا، وكان منهم أبو دجانة (ترس دون رسول الله ﷺ بنفسه، يقع النبل في ظهره وهو منحن عليه، حتى كثر فيه النبل) [٢٥] ومنهم سعد ابن أبي وقاص وكان يرشقهم بالنبل رشقا دون رسول الله ﷺ والرسول يناوله السهام وهو يقول: "ارم، فداك أبي وأمي" [٢٦] وأظهر بعضهم من نادر البطولات، في الدفاع عن رسول الله ﷺ ، ووقايته من المشركين ما رفعهم إلى منزلة الشهداء وهم أحياء فكان رسول الله ﷺ يقول في طلحة بن عبيد الله-وكان له في أحد المنجد المعوان-: "من أحب أن ينظر إلى شهيد يمشى على وجه الأرض، فلينظر إلى طلحة بن عبيد الله" [٢٧] ويوم حنين ولى المسلمون عن رسول الله ﷺ حتى خيل للمرتابين هزيمتهم، وما إن أمر رسول الله ﷺ عمه العباس ﵁ أن ينادى: (يا معشر الأنصار، يا معشر أصحاب الشجرة [٢٨] حتى تيقظت في النفوس الذكريات، وتأججت العواطف الخالدة فأجابوا: "لبيك لبيك" [٢٩] وأسرعوا إليه، وما أن تجمع منهم مائة حتى حمى الوطيس، كما قال رسول الله ﷺ ، وثبتوا للعدو، وأخذوا في زحزحته وتقطيعه، (فما رجعت راجعة الناس من هزيمتهم حتى وجدوا الأسارى مكتفين عند رسول الله ﷺ [٣٠] فحقق الله نصره بسيوف هذه المائة من الصابرين وبقلوبهم المؤمنة. ٤- القوة المعنوية العظمى.

стр. 424

وقد جعل الله الثبات والصبر في متناول المسلمين، لما نفحهم به من روح معنوية غالبة على إمكانيات العدو النفسية كلها: إذ أمرهم ألا يسمحوا للوهن أن يجد إلى نفوسهم مدخلا، وبين لهم أن المؤمن الذي يريد أن يسلم له الإيمان نقيا من الشوائب بريئا من المفسدات، هو الذي يضل الخوف عن قلبه شلا، قال-تعالى: ﴿وَلا تَهِنُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [٣١] فلا يحق للمؤمن في تعاليم الله أن يدخل عليه الإحساس بالضعف والفتور، فإن فتر فقد مركز المتفوق والعلو.

стр. 425

ذلك أن الوهن النفسي أول الهزيمة ولا يسببه إلا استعظام الموت والجراحات ولا يبعده إلا تناسيها وتهوين أمر المصائب وهي من طبائع الحروب، ولا حرب من غير خسائر تنزل بالفريقين معا: قال تعالى: ﴿إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ﴾ [٣٢] وقد أولى الله هذا العامل النفسي اهتماما كبيرا لأثره الفعال في تقرير مصير المجاهدين، فكان القرآن حريصا على أن يسمو بروحهم المعنوية في المعركة، وقبل أن يدخلها، وبعد أن يخرجوا منها، يتتبع حركات نفوسهم، ولا يسمح لهم بتنازل-وإن قل-في شعور الاستعلاء على العدو، وينهاهم عن السعي إلى السلم فرارا من الزحف قال تعالى: ﴿وَلا تَهِنُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ وَاللَّهُ مَعَكُمْ وَلَنْ يَتِرَكُمْ أَعْمَالَكُمْ﴾ [٣٣] والسبب في ذلك جلي الجلاء الساطع فإننا إن نخرج من المعركة ضعاف النفوس تكن خسارتنا مضاعفة في الجانب المعنوي والجانب المادي معا أما إذا خرجنا بنفوس مستعيلة فلم نخسر ماديا إلا مثل ما أصبنا به أعداءنا فنحن وهم في القروح سواء ونفضلهم بالإيمان وعظم النفس فتبقى لنا الغلبة عليهم.

стр. 426

ولذلك أقر النبي ﵊ ما فعله بعض المؤمنين في القتال مما فيه دلالة على رفعة معنوياتهم، وهو عند الله ورسوله مبغض في غير هذا الموطن: ففي يوم أحد أخذ أبو دجانة السيف من يد رسول الله ﷺ بحقه، وهو أن يقاتل به حتى ينحني. فأخرج عصابة له حمراء فعصب بها رأسه وكان إذا اعلم بها علم الناس أنه سيقاتل، وجعل يتبختر بين الصفين. فقال رسول الله ﷺ حين رأى أبا دجانة يتبختر: "إنها لمشية يبغضها الله إلا في هذا الموطن" [٣٤] وكانت القوة المعنوية التي كان المسلمون عليها قبل القتال سر انتصارهم في كثير من المعارك التي لم يحرزوا فيها نصرا فكانت السر يوم بدر إذ خرج المسلمون قلة، وكثرتهم قريش بالرجال والخيل، ولم يكن للمسلمين قبلها بلاء مشهود، وكان يظلهم خوف أن يتخطفوا عن قلة. وعلم الله ما في نفوسهم وهم يستغيثون فوضع في أيديهم مفتاح النصر ألا وهو التفوق النفسي في المعركة إذ أخبرهم أنهم ليسوا وحدهم في الميدان، وأن الملائكة لتقاتل معهم فكانت البشرى التي حلقت بهم إلى القمة من الثقة فانقضوا على المشركين كالشهاب فشردوهم كل مشرد، قال تعالى يذكرهم هذه المنة الكبرى: ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُرْدِفِينَ وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلاَّ بُشْرَى لَكُمْ وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمْ بِهِ وَمَا النَّصْرُ إِلاَّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ﴾ [٣٥] فكيف لا يصبرون بعدها؟ ومن تحدثه نفسه بفرار وهو يعلم أن الملائكة تضرب وترمي معه إن هذه البشرى هي التي جعلت الجندي المسلم يوم بدر غلابا لعشرة من المشركين بما نفخت فيه من الحمية والحماسة.

стр. 427

فإن قال قائل منا: "وأنى لنا ببشرى كهاتيك حتى تهدأ نفوسنا وتطمئن للنصر اطمئنان البدريين وأمثالهم؟ فإنه يجد الجواب في كتاب الله_تعالى الذي يهبنا البشرى ذاتها ذلك إن ربنا الكريم الرؤوف الرحيم وعدنا النصر القاطع إن اجتمعت لنا مقومات النصر التي أمرنا بحيازتها. أو ليس هو القائل: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾ [٣٦] إنه وعده الحق، ولا مبدل لكلمات الله. وفى القرآن وصف مفصل للعملية الإلهية التي رفعت معنويات المسلمين في بدر وكان الهدف منها إزالة المخاوف والهواجس ووساوس الشيطان وإحلال السكينة محل هذا كله فعمد إلى الخواطر المضطربة والعواطف المصطرعة والأعصاب الثائرة فمحا ما بها بالنوم فذهب القلق وأنزلت السكينة. فناموا فى ليلة لا ينام فيها الخائف أبدا. وصحوا طيبين قريرين ليجدوا السماء قد جادت بالماء فمالت لهم الوديان ولبدت لهم الرمل بينهم وبين العدو. فاغتسلوا وتوضؤوا وشربوا، فطهروا نفسا وجسدا، وتيقنوا فضل الله، وصدقوا وعده، فأقبلوا على القتال لا يرون إلا النصر. فثبتوا، وكان الثبات النتيجة الأخيرة لمرحلة الإعداد النفسي، وخرجوا يومئذ أبطالا، ولكن من صنع الله لا من صنع أنفسهم. قال تعالى: ﴿إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعَاسَ أَمَنَةً مِنْهُ وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ وَيُذْهِبَ عَنْكُمْ رِجْزَ الشَّيْطَانِ وَلِيَرْبِطَ عَلَى قُلُوبِكُمْ وَيُثَبِّتَ بِهِ الأَقْدَام﴾ [٣٧] وبالنوم أيضا هدأ الله خواطر المؤمنين وثبت فيهم اليقين عقب معركة أحد، وأخرجهم من ظلل الغم فقال تعالى: ﴿ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُعَاساً يَغْشَى طَائِفَةً مِنْكُمْ﴾ [٣٨] فكان ذلك وسيلة من وسائل الله للربط على قلوب المسلمين وحشد طاقتهم النفسية في مواطن البأس والغم.

стр. 428

ومن هذه العملية النفسية أن الله أزال من نفوس المؤمنين استعظام خطر الكافرين، بل هو شأنهم، وضاءل في أعينهم خطرهم حتى جرأهم وشجعهم في مهاجمتهم، ولو استعظموا أمرهم لتراجعوا عنهم لأنه وهو الرب يعلم حقيقة النفس البشرية وما هو لها قوة، وما هو لها تثبيط. قال تعالى: ﴿إِذْ يُرِيكَهُمُ اللَّهُ فِي مَنَامِكَ قَلِيلاً وَلَوْ أَرَاكَهُمْ كَثِيراً لَفَشِلْتُمْ وَلَتَنَازَعْتُمْ فِي الأَمْرِ وَلَكِنَّ اللَّهَ سَلَّمَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ الْتَقَيْتُمْ فِي أَعْيُنِكُمْ قَلِيلاً وَيُقَلِّلُكُمْ فِي أَعْيُنِهِمْ لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْراً كَانَ مَفْعُولاً وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الأُمُورُ﴾ [٣٩] إن الهدف الأولي ظاهر وهو نصر المؤمنين على المشركين فجعل السبب إلى ذلك استقلال المسلمين لهم من به، ويذهب عنكم رجز الشيطان جانب واستهانة المشركين بالمؤمنين من جانب ولا شك أن المسلمين لم يجدوا جمع الكفرة كثيرا لما رفع الله من معنوياتهم فهانت عليهم الكثرة فكانت كالقلة، وأن الكافرين استهانوا بالمؤمنين لأنهم قدروهم تقديرا عدديا ولم يفطنوا لما كانت عليه النفوس من الشدة والصلابة والتأجج، فوجدوا عند الصدام ما لم يحتسبوا. فالجيش الإسلامي لا ينبغي له أن يستعظم عدوه أو أن يهوله خطره حتى لا يداخله شيء من الوهن. ولكن يجب علينا أن ندرك الفرق واضحا بين الاستقلال للعدو وبين الاستهانة به فمع الاستقلال والاستصغار له الاستعداد الأوفى والتحفز الأعلى والتآلف الأقوى والإقدام الأمضى. ومع الاستهانة به التراخي والخطأ في التقدير والإهمال والتشتت والجبن. فلا يحق لنا أن نستقل عدونا حتى نعرفه حق المعرفة.

стр. 429

هذا وإن ما يعرفه العدو عن معنويات المسلمين يؤثر تأثيرا بعيدا في كفه عنهم أو تجرئه عليهم وكان رسول الله ﷺ شديد العناية أن يعرف عنه المشركون مواصلة الكفاح بهمم شماء وما زال بالمسلمين يملؤهم بقوة النفس خوفا من انحسارها فيهم. ولقد عادوا من أحد وفيهم الجراح البليغة والأحزان الدكناء وندبهم رسول الله ﷺ إلى ملاحقة قريش حتى لا يظنوا بالمسلمين خورا فاجلبه المؤمنون والجروح عليها الضماد والركائب في كلل. فلما رأى أبو سفيان منهم الجد والعزم تهيب الكرة عليهم فانتصروا عليه بعلو-معنوياتهم وردوه بصبرهم في هذا الموقف العظيم وأمثاله بلغ المسلمون الذروة في القوة النفسية فلم يلقوا بعدها إلا النصر وقد أثنى الله عليهم في محكم كتابه فقال: ﴿الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ مَا أَصَابَهُمُ الْقَرْحُ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ وَاتَّقَوْا أَجْرٌ عَظِيمٌ الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَاناً وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [٤٠] ٥- التآلف والتآزر:

стр. 430

ومن ثم جعل الله سبحانه للقوة المعنوية موارد عديدة يورد المؤمنين منها ما شاء، على أنه من عليهم بمورد دائم فياض لا يغيض ولا ينضب ماؤه يذكي فيهم الحمية والشجاعة ما نهلوا منه إلا وهو منهل التآلف والتعاضد والمؤمن إن رأى نفسه عضوا في جماعة كبيرة متساندة متآخية متحدة الكلمة والرأي استشعر ثقة كبرى، وإن علم أنه يقاتل في جيش يتسابق أفراده إلى الشهادة امتلك حينئذ الثبات والإقدام امتلاكا والحق أن هذه الوحدة في الفكر والشعور هي أظهر ما يميز الجيش الإسلامي، بل هي شعاره ورايته ولم يمن الله عليه بالنصر إلا بها إنها كلمة السر في انتصارات المسلمين وفي عزهم وظهورهم وقد ذكر الله نبيه نعمته تلك في الحديث عن بدر فقال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ﴾ [٤١] ومن نافلة القول أن نذكر أن سبب التأليف هو وحدة العقيدة والتزامهم بها، وأن حظهم من قوة التآلف يقاس بمقدار ما هم عليه من الارتباط بها والاندماج فيها. وما زال الله يجمع بين المؤمنين بالإيمان حتى صنع منهم مثلا لا يدانى في وحدة الصف والكلمة وهل نجد في التاريخ كله مشهدا أقوى اتحادا من مشهد المؤمنين يوم بيعة الرضوان في الحديبية إذ بايعوا رسول الله ﷺ على الصبر أو الموت.

стр. 431

وكانوا في ثياب الإحرام فلم يبالوا إن كانت أكفانهم. في هذا الموقف العظيم لم تكن قوة المشركين مهما عتت قادرة على الصمود في وجه الجيش الإسلامي المتحد، قال تعالى في تلك المناسبة: ﴿وَلَوْ قَاتَلَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوَلَّوُا الأَدْبَارَ ثُمَّ لا يَجِدُونَ وَلِيّاً وَلا نَصِيراً سُنَّةَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلا﴾ [٤٢] ولكن كلمة الله الجليلة أرادت لهم غير القتال ولقد اطلع الله على المؤمنين وهم يبايعون رسول الله ﷺ فعلم حقيقة صدقهم فعجل لهم الثواب من غير عناء قال تعالى: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحاً قَرِيباً﴾ [٤٣] وكان راضيا عنهم لأنهم ارتفعوا إلى أفق من الإيمان والتسليم لله ما يرتفع إليه المؤمنون إلا نصرهم إن شاء قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّمَا يَنْكُثُ عَلَى نَفْسِهِ وَمَنْ أَوْفَى بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً﴾ [٤٤] وليس عندي من التصرف في القول ما أقوى معه على وصف ما كان عليه الجيش الإسلامي الأول من وحدة في الفكر والعمل وما يجب أن يكون عليه جيش الإسلام في كل عصر ومصر ولكن الله وصفهم بنفسه إذ قال في المبايعين بيعة الرضوان في الآية الأخيرة من سورة الفتح:

стр. 432

﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعاً سُجَّداً يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَاناً سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الإنجيل كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْراً عَظِيماً﴾ [٤٥] هؤلاء هم عناصر الجيش الإسلامي صهرهم الإيمان والإخلاص للفرد الصمد فتراحموا فيما بينهم وإذا لقوا الكفار أذاقوهم بأسا مرا. ولقد تكاملوا بالإيمان شيئا فشيئا وصنع الله بعضهم من بعض فلا ينفذ إلى صفوهم وهن أو تفريق كما يتكامل النبات خلية حتى يصير زرعا ناميا معطاء فإذا الجذور والساق والأوراق والأنسجة واللحاء والقشرة يعين بعضها في استقلال تام عن الأجسام القريبة. إن هذا لهو المثل الحق لجيش الإسلام. فمتى يخرج المسلمون جيشا مثله؟ ٣- تشكيل قيادة إسلامية:

стр. 433

وسارت بهذا الجيش الفريد في دروب النصر قيادة إسلامية فريدة يعزى إليها الفضل في إنجاح الخطط وكسب المعارك، ويشهد الاستقراء التاريخي أن الحاكم الأعلى للمسلمين هو القائد الأعلى لقواتهم المسلحة وهو رئيس هيئة أركان حرب الجيش لا يبتعد عن الدراية الدقيقة بمواقف الجند المسلمين، ودرجة استعدادهم وفعاليتهم، وبالمهام المناطة بهم ويظهر من بعض أحاديث الرسول ومن سيرته أنه يستحسن للقائد الأعلى الاشتراك الفعلي في الحروب كلها، أو أكثرها، فكان ﵊ القائد في الغزوات الشهيرة وكان يتمنى لو استطاع أن يكون على رأس السرايا كلها فقال في حديث له: "لولا أن أشق على أمتي ما تخلفت عن سرية ولكن لا أجد حمولة ولا أجد ما أحملهم عليه، ويشق على أن يتخلفوا عني" [٤٦] كما يشهد التاريخ أن الذين عهدت إليهم المسؤوليات في الفتوحات الكبرى كانوا أدهى الناس في شؤون الحرب وأشدهم مراسا لقتال. ولهؤلاء القادة العسكريين صفات لا تكاد تختلف ولا بد من توفرها فيهم ويمكننا التعرف عليها بيسر إذا تقرينا أخبار قادتنا أمثال رسول الله ﷺ وعاصم بن ثابت ابن أبي الأفلج وجعفر بن أبي طالب وزيد بن حارثة وعبد الله بن رواحه وخالد بن الوليد وسعد بن أبي وقاص والمثنى ابن حارثة وقتيبة بن مسلم الباهلي وأفذاذ غيرهم، ولا شك أنهم اختيروا للمركز القيادي لما جعل الله فيهم من الخصال الشماء، أما النبي ﷺ فقد تولى الله اختياره فكان مثلا في القيادة لا يجارى ولا يدانى، وأما القواد الآخرون فاختارهم الحكام اختبارا وبلاء.. ومن سير هؤلاء نستخلص مميزات القيادة فنجد أهمها: أ- الشجاعة الخارقة: فلم يكن للعدو هيبة ولا للموت رهبة في نفوسهم يجذبهم إلى الإقدام جاذب لا يدفع ويدعمهم عزم لا يقطع.

стр. 434

فكان رسول الله ﷺ أسرع الناس إلى مصادر الفزع يسبق الناس إليها على صهوة جواده وحده وأثبتهم في قتال إذا ولى الناس [٤٧] وربما نازل قائد سرية مسلحة لا تتجاوز ستة نفر جمعا كثيرا حتى يقتل [٤٨] وضرب زيد بن حارثة وجعفر بن أبي طالب وعبد الله بن رواحه مثلا في الثبات حتى الموت يرفعون الراية غير مبالين بالسيوف تأخذ من أوصالهم. [٤٩] وإذا كانت الشجاعة أسعدتهم بالشهادة فقد كللت غيرهم بالظفر وكلاهما عند الله فوز وهذه الخليقة لا بد منها في المقاتل قائدا كان أو مقودا إلا أنها في القائد ذات اعتبار خاص فإن تقدمه صفوف المقاتلة يرفع من معنويات الجندي إقتداء به ويستخرج أقصى الجندي إقتداء به ويستخرج أقصى ما عندهم من الثبات والهجوم. ب- الأمانة: ذلك أنه ما تحقق نصر في تاريخ الإسلام إلا بقيادة مخلصة نابعة من أعماق المسلمين الذين التفوا حولها فأخذوا من حكمتها وإخلاصها وأعطوها من صدقهم ونصيحتهم ولقد يبدوا هذا القول من المسلمات الأولى ولكن يصبح النص عليه لازما إذا خلى المسلمون القيادة لفئة ليست منهم يترقبون من قبلها نصرا فتقتحم عليهم الهزائم من كل باب، فهم يفقدون فيها الأمانة والغيرة على أوطانهم ومصالحهم والرفق بهم الشفقة عليهم من المكاره والذل ولا يجدون إلا غلظة وإباحة للحمى وقسوة وامتهانا ولعلنا نستطيع أن نفهم معنى الفضل الإلهي حق الفهم في خطاب الله المؤمنين: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ﴾ [٥٠]

стр. 435

ج- قوة الشخصية: وهي أبرز صفات القائد وقد بين الله معالمها الكبرى في شخصية طالوت إذ اختاره الله ملكا على بني إسرائيل فقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ﴾ [٥١] واستبعد الله الإسرائيليين الجماعين المناعين وكانوا أرادوا الملك لأنفسهم فقالوا معترضين: ﴿أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِنَ الْمَالِ﴾ [٥٢] . وما استبعدهم الله إلا لأن الأثرة تتعارض تعارضا تاما مع التضحية والإيثار. وضرب لنا الرسول ﷺ مثلا في التخفف من أعباء المال فكان يرفع نفقة عياله لسنة ويرد الباقي في موازنة الدفاع. [٥٣] حتى لا تتأثر النفس بشيء من حب الدنيا فتجنح إلى الطيب اللين من العيش فتثاقل إلى الأرض لأن التقشف كان يحفظ نفوسهم من فتور الدعة ويبقى لها شدتها وتنبهها وفعاليتها ومن ثم لم يدخل الاعتبار المادي في اختبار الرسول والخلفاء الراشدين القواد والأمراء وكان عمر ﵁ يعزل العمال الجانحين إلى لين العيش ويستبقي المخشوشنين والحق أن من يتولى القيادة لا يؤثر على الأتباع بغنى وسيع أو مال منتشر ولكن بما يكنون له من تقدير واحترام ومحبة هي الاعتراف بمزاياه وبقوة شخصيته. د- الطاعة: ولا بد من أن تحظى هذه القيادة برضى المسلمين عنها وطاعتهم لها وتنفيذ أوامرها بدقة فهي الرأس المفكر وهم الجوارح المنفذة فإن التجاوب بينها وبين عناصر الجيش كفيل بالنظام والنجاح وقد أمرنا بالطاعة ما لم تكن معصية فإن كانت معصية فلا سمع ولا طاعة [٥٤] وأعظم الطاعات مردودا ما انبعث من المحبة والثقة بالقائد،

стр. 436

فيعتصب الجيش بقيادته اعتصابا ويندمج فيها وتندمج فيه فتتناسق العمليات والخطا وتقل الأخطاء ويعطي الجيش طاقاته كلها في خطة منسقة محققة للنصر، ولو قرأنا أخبار الفتوحات الإسلامية وما حققته من باهر الانتصارات فلن نخطئ أبدا إذا حكمنا بأن جانبا كبيرا من النصر يعزى إلى التواثق والتجاوب بين القيادة والجندي، وفي تاريخنا مواقف خالدة لهذه الطاعة الراضية المرضية فقد بحث رسول الله ﷺ عنها في من أقبل معه إلى بدر في أول مشهد عظيم فوجدها فيهم وارتضاها كان يقول: "أشيروا علي أيها الناس" [٥٥] يستوثق من أصحابه، وكل يجيبه بالطاعة والرضا، وفي مقالة المقداد بن عمرو ما يفحص عن هذه الطاعة التي لا تعرف حدا للإذعان والاستجابة. قال المقداد:"يا رسول الله أمض لما أراك الله فنحن معك، والله لا نقول لك كما قالت بنو إسرائيل لموسى أذهب أنت وربك فقاتلا إنا هاهنا قاعدون، ولكن أذهب أنت وربك فقاتلا إنا معكما مقاتلون، فوا الذي بعثك بالحق لو سرت بنا إلى برك الغماد لجا لدنا معك من دونه حتى تبلغه". وقد علمت المؤمنين الأحداث أن طاعة قيادتهم تقتضي التنفيذ الفعلي الدقيق للأوامر كلها، ولا يحق لأي وحدة من وحدات الجيش أن تتصرف تصرفا خاصا بها، وقد دفعوا يوم أحد الثمن غاليا إذ خالف الرماة عن أمر رسول الله ﷺ ونزلوا عن الجبل طمعا في الغنيمة لما أيقنوا هزيمة القوم فالتفت عليهم خيل المشركين وكلفتهم هذه المخالفة سبعين شهيدا وكانت درسا قاسيا علمت المسلمين بعدها الالتزام الشامل للأوامر الصادرة من رسول صلى الله عليه وسلام فكان أحدهم يوم الخندق إذا أراد الذهاب لبعض حاجته استأذن الرسول ﵊ فيأذن له.

стр. 437

ويدخل في باب الطاعة أن يردوا القيادة النظر في الأنباء التي تأتيهم عن أحوال العدو وأن يتورعوا عن نشر الشائعات التي تتعلق بأمن الدولة خوف البلبلة والتشويش قال تعالى: ﴿وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلاَّ قَلِيلاً﴾ [٥٦] هـ الخبرة والدراية والإخلاص:

стр. 438

ويختار لمراكز القيادة العسكرية أفذاذ الرجل الذين شهد لهم بالموهبة وعرفوا بالعبقرية في فنون القتال. وهؤلاء يجب أن يبقوا في منأى عن سياسة الدولة منصرفين لدارسة إمكانيات الدفاع والهجوم متتبعين لوسائل الحرب وفنونها. وعليهم أن يتلقوا من القائد الأعلى للمسلمين وهو خليفتهم الأوامر فينفذها على وجهها، ولنا في خالد بن الوليد ﵁ أسوة حسنة إذ أسلم القيادة لأبي عبيدة بن الجراح أمراً من الخليفة عمر عقب انتصار المسلمين في اليرموك وأن الانصراف عن المسائل العامة هو الذي يمكن العسكريين من التعمق في التخصص واستغلال ملكاتهم أحسن استغلال. وإننا لنذكر والأسى العميق يقطع أنياط قلوبنا ما فعلته العصبية القبلية أو المشاركات لسياسية في عديد من قادتنا الكبار منهم قتيبة بن مسلم الباهلي فاتح المشرق وموسى بن نصير فاتح المغرب وطارق بن زياد فاتح أسبانيا. والله وحده يعلم ما كان يمكن أن يكون عليه مستقبل تلك البلاد في المشرق والمغرب لو قدر لهؤلاء القواد أن يبقوا على رأس جيوشهم يتابعون رسالة الفتح ويوطدون الملك في الأقاليم الجديدة قبل أن تتسرب إليها الخلافات وتدب فيها عوامل الضعف حتى انتهى بعضها إلى الانهيار واضطر المسلمون للجلاء عنها بعد قرون من فتحها وعمرانها ويجدر التنبيه على أن التفكير السياسي لكثير من قواد الدولة الإسلامية كان من أكبر عوامل التجزئة فيها، إذ طمع بعضهم بالملك فجعل لنفسه الأمر في البلاد التي ولي عليها ولم يبق له بالخلافة إلا اتصال اسمي فتعددت القيادات في الدولة الإسلامية ولم تكن على وفاق فقاتلت في جهات متعددة وهي متفرقة حين لم يكن بعضها يقاتل بعضا ولا أدل على ذلك من أن سيف الدولة الحمداني في القرن الرابع الهجري حمل وحده عبء الجهاد وغزو الدولة البيزنطية حتى استنفذ قواه ولم يبق له بقية من صمود، وأن الصليبيين لما دخلوا بيت المقدس ذبحوا خمسين ألفا من أبنائه المسلمين والمسلمون من

стр. 439

حولهم أعجز من الأوتاد عن نصرتهم ولم يسترد صلاح الدين الأيوبي القدس إلا وهو على رأس قيادة إسلامية موحدة ولن يستردها غدا إلا مثلها. لقد ذكرنا بعض ما يجب أن تمتاز به القيادة الإسلامية، ونوهنا بدورها الكبير في تحقيق النصر ولكن مهما بلغ شأن الأفراد فيها من علو القدر وقوة الشخصية وتجمع الثقة بهم يجب ألا يؤثر فقدهم على مجرى الحروب وموقف الجندي مهما بلغ حبهم وإعظامهم لأن القائد كغيره من الناس يلقى الأجل المحتوم فهو ذاهب ورسالة الإسلام باقية. ولقد نبه الله تعالى المسلمين إلى هذه الحقيقة عندما ظن بعضهم أن رسول الله ﷺ قد قتل فكاد بعضهم يستيأس قال تعالى: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئاً وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ﴾ [٥٧] ٤- تطهير صفوف الجيش ومراكز انطلاق المسمين من المنافقين والعملاء:

стр. 440

ولا يخلو المجتمع الإسلامي من أعداء فيه ينتسبون إلى الإسلام وهم يبطنون الكفر ويتربصون بالمسلمين الدوائر. وهؤلاء تكشفهم الأحداث التي تحيق بالمسلمين فيسفرون عن وجوههم كالحة كلما زحفت إلينا الأخطار وأحاط بنا الأعداء، فيمسون الأعوان لهم واليد الحذاء بالتآمر معهم، ولكن لا ينكر المسلمون منهم شيئا في الأمن والسلم فهم يشعرونهم أن أهدافهم أهداف المسلمين وأمانيهم أماني المسلمين فيطمئنون إليهم في غير موضع اطمئنان إليهم، ويتركون موضع المخافة من غير حراسة فإذا أدلهم الخطب أجهضوا قوة المسلمين إجهاضا. وكان تنبيه القرآن إليهم ملحا وتحذيره منهم كثيرا شديدا. ومما قاله تعالى في صفتهم: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ وَإِنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾ [٥٨] . ومن أظهر خصائصهم الجبن لما تجن صدورهم من البغضاء للمؤمنين والغدر بهم والخيانة لهم. فهم أكبر مصدر من مصادر الخذلان في الجيش، ولقد رأيناهم يرجعون قبل البدء بالقتال أو المسير إليه في كثير من حروب الرسول ﷺ فرجعوا عنه في بدر وأحد والأحزاب وتبوك وغيرها يريدون تشكيك المؤمنين وضعضعة معنوياتهم.

стр. 441

ولقد عاتب الله تعالى رسوله ﷺ عندما إذن لهم في الخروج معه إلى تبوك فلم يتجاوزوا ثنيات الوداع من المدينة فقال: ﴿عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَتَعْلَمَ الْكَاذِبِينَ﴾ [٥٩] فأعلمنا إن استبعادهم من صفوف الجند واجب لما له من ضرر بالغ في نفوس المقاتلة بتثبيط الهمم فهم يخيلون للمجاهدين عبث الخروج ومضيعة الاحتشاد والسير بقولهم لهم كما حكى الله عنهم ﴿لَوْ نَعْلَمُ قِتَالاً لاَتَّبَعْنَاكُمْ﴾ . فإن كانت الحرب واستجاب لله المؤمنون فكرم منهم من شاء بالشهادة حركوا الأسى في نفوس ذوي الشهداء: ﴿الَّذِينَ قَالُوا لإِخْوَانِهِمْ وَقَعَدُوا لَوْ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُوا﴾ [٦٠] وهم يتربصون بالمؤمنين هزيمة ماحقة ليكشفوا عن السرائر: ﴿وَلَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِمْ مِنْ أَقْطَارِهَا ثُمَّ سُئِلُوا الْفِتْنَةَ لآتَوْهَا وَمَا تَلَبَّثُوا بِهَا إِلاَّ يَسِيراً..﴾ [٦١] ومن هنا يتوجب على المسلمين أن يطهروا صفوفهم منهم عملا بالأمر الإلهي: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ لا يَأْلُونَكُمْ خَبَالاً وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الآياتِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ﴾ [٦٢] ويتفرغ من هذا وجوب التخلص من الذين يتوقع منهم خطر دائم من خيانة أو غدر أو تأليب على المسلمين، وذلك إما بإجلائهم عن مركز انطلاق المسلمين أو بقتلهم كما كان شأن الرسول ﷺ مع بني النضير وبني قريظة، الذين وضعت غزوة الأحزاب تصفية نهائية لهم وكانت هذه التصفية ركيزة النصر في الحروب التي تلتها.

стр. 442

وقد أثبتت الأحداث أن الكفار واليهود بخاصة لا عهد لهم، ولن يألوا غدرا وتآمرا، ولن يفسحوا في حرية الانطلاق لتبليغ أمر الله ونشر رسالته في الأرض، وأنهم إن وادعوا المسلمين باليد لم يوادعوهم باللسان، وإن أظهر لهم المسلمون مودة أبطنوا لهم كراهية وحقدا وإن أشركوهم في بعض مصالحهم أفسدوها عليهم ولقد لقي رسول الله صلى عليه وسلم وأصحابه غدرا بليغا وأسى كبيرا من المشركين كغدرهم بالمسلمين في غزوة الرجيع وبئر معونة إذ لا عهد لهم ولا ذمة، ولذلك نزل الأمر الإلهي بتنظيف الجزيرة العربية من المشركين والكفرة المتآمرين ليأمنوا من ورائهم إذا انطلقوا إلى فتح العالم. وهكذا نجد أن في مقومات النصر الأساسية أ-إبعاد المعوقين عن صفوف الجيش. ب- تطهير مراكز تجمع المسلمين وانطلاقهم من الأعداء الحقيقيين. ٥- التسلح والتعبئة العامة: تمتاز حروب المسلمين بأنها حققت منجزات كثيرة بأعداد قليلة، أعانهم على ذلك عامل خطير، ألا وهو إرهاب العدو وإرعابه. قال ﵊ من حديث له "ونصرت بالرعب" [٦٣] وأشار تعالى إلى هذا العامل الحاسم في هزيمة المشركين فقال: ﴿سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ﴾ [٦٤] وقال في بني قريظة وكانوا معتصمين بالحصون المنيعة، فأسلموها واستسلموا: ﴿وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الأَبْصَارِ﴾ [٦٥] ذلك أن الرعب يقضى على العدو بالهزيمة النفسية، وهي الهزيمة الحقيقية وظل هذا السلاح مقدمة الجيوش الإسلامية ما ضربت في الأرض فاتحة، ترتعد فرائص العدو إذا أحسوا لها اقترابا.

стр. 443

وثمة أسباب للرعب، منها متابعة الغزو في بلاد العدو حتى لا يعرف منا إلا البأس الشديد والنكال الوفاق، فيتهيب إقدامنا ويهزمه الخوف قبل أن يلقى المقاتلة، وفي هذا قصد في الخسائر وكسب في المغانم وتحدثنا كتب السيرة عن الغزوات العديدة المتلاحقة لرسول الله ﷺ حتى لا يكون بين الغزوة والغزوة إلا الأشهر القليلة، وإذا كانت طبيعة الدعوة اقتضت تتابع الغزو زمن الرسول ﷺ فإن المسلمين صبروا على هذه السنة بضعة قرون ولما أغمدوا السيوف وانقطع والغزو جاءهم العدو من كل مكان إذ لم يبق لهم صيت مرعب. ومنها التسلح الأتم والاستعداد العسكري الأوفى، وقد نصت على ذلك الآية في قوله تعالى: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ﴾ [٦٦] فإن العدة مصدر لا يستهان به من مصادر الرهبة، وقد أمر المسلمون باستكمالها، فكان الرسول ﷺ يجعل ما زاد عن نفقة أهله في السلاح، وحين أفاء الله عليه من أموال بني قريظة بعث بسبايا منهم وبأموال إلى نجد ليشتري بها خيل للمسلمين ذلك أن المسلمين لا ينبغي لهم أن يسمحوا لعدوهم أن يفوقهم في درجة الاستعداد العسكري، وعليهم أن يسابقوه إلى التسلح لتبقى رهبتهم في قلبه وعليهم أن يجدوا في ابتكار الوسائل والمخترعات التي تقرب النصر، وتوفر على المسلمين العناء والخسارة كان الخندق الذي احتفره الرسول والمؤمنون في غزوة الأحزاب حول المدينة تخطيطا عسكريا فوجئ به العرب-وكان سلمان الفارسي قد أشار بحفره-حتى زعم بعض المشركين أن هذا الخندق هو الذي ردهم على أعقابهم: لدمرنا عليهم اجمعينا [٦٧] لولا خندق كانوا لديه

стр. 444

كما كان الرسول ﵊ أول من رمى بالمنجنيق في الإسلام في حصار الطائف. وكان لدى الجيش الإسلامي زمن الأمويين والعباسيين مبتكرات ووفرة في السلاح لا يضاهى بمثلها. ومن هنا كان من مقومات النصر الأولى أن يزداد المسلمون في التسلح حتى يتفوقوا على أعدائهم إرهابا له وتمكينا لأنفسهم، وأن من واجبهم أن يصنعوا هم ذلك السلاح ما استطاعوا لصنعه سبيلا كما يدل احتفار الخندق وتركيب المنجنيق فهذا أوعى للتوثق والاطمئنان، وعلى المسلمين وحدهم تقع المسئولية أمام الله إذا سبقوا إلى استحداث سلاح فتاك يهدد وجودهم بالفناء فلم يستحدثوا مثله أو أمضى منه ذلك أن قوام كل نصر بسبب مادي وسبب معنوي فإذا استوى المسلمون والكفرة في العدة والسلاح غلب المؤمنون بإذن الله لتفوقهم المعنوي الظاهر، ولأنه وعد الله ولا يخلف الله وعده. ومنها التعبئة العامة وهي كما كانت عند المسلمين الأولين إجابة داعي الله إلى الجهاد من كل قادر على حمل السلاح، وحشد القوى المالية والنفسية واستخراج ما في الوسع. وكانت النساء ينهضن بعبء الدفاع المدني، جاء في الحديث: [٦٨] عن الربيع بنت معوذ قالت: "كنا مع النبي ﷺ نسقي ونداوي الجرحى، ونرد القتلى إلى المدينة" فإذا استتم المؤمنون الاستعداد واستوفوا شروطه وعزموا على القتال توكلوا عندها على الله حق توكله: ﴿فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ﴾ [٦٩] ٦- ذكر الله واستغفاره في القتال:

стр. 445

ومن أسس النصر في حروب الإسلام: استغفار الله في المعركة والإكثار من ذكره، يقينا أن النصر من عنده وحده، فتخلص له النفوس وتتجه إليه متوكلة صابرة، وقد أمر الله بالذكر فقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيراً لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [٧٠] وعلم المؤمنين الدعاء عند لقاء العدو: ﴿وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلا أَنْ قَالُوا رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾ [٧١] وينبني على هذا أن تدابير المؤمنين في الحذر والاستعداد والتخطيط لا غناء فيها إلا باليقين المطلق أن لا نصر إلا بالله، ولا تنفع من غيره كثرة ولا عدة وكانت موقعة حنين درسا بليغا للمسلمين إذ قال قائل منهم: "لن نغلب اليوم من قلة" [٧٢] ، فطارت الكثرة شعاعا عند الصدمة الأولى فانهزمت وجاء الله بالظفر على يد القلة المؤمنة التي لبت نداء الرسول ﷺ ، وصبرت. قال تعالى: ﴿وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئاً وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ﴾ [٧٣] . لذلك كانت مسألة النصر في حياة المسلمين غاية في الحساسية [٧٤] ، وإن مثلهم مثل جهاز دقيق الصنع عجيب التركيب رهف الآلية لا يصيب الخلل جزءا ضئيلا من أجزائه إلا اضطرب سيره. طبيعة الحروب الإسلامية:

стр. 446

قال تعالى في المؤمنين المنصورين: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ [٧٥] ويلزم في كونهم خير أمة أن انتصاراتهم خير الانتصارات، وأن حروبهم خير الحروب، فما طبيعة تلك الحروب؟ فإن معرفة طبيعتها من الأهمية بمكان إذ مقومات النصر في هذه الطبيعة نفسها: إنها: أ- حرب إيمانية: حمل المسلمون أمانتها لينشروا دين الله في الأرض، ولم تثرها دواعي الطمع، ولم تبلغ ما بلغت من الروعة والقوة بالجشع وهي حروب فذة في تاريخ البشر وقد عين الله هدفها الإيماني وهدف الحرب الكافرة في قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ فَقَاتِلُوا أَوْلِيَاءَ الشَّيْطَانِ إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفاً﴾ [٧٦] ولهذا لا يكون للكفار غرض سوى زحزحة المؤمنين عن دينهم: ﴿وَلا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا﴾ [٧٧] وتخصيص الحرب الإسلامية بهذا الهدف دلالة على أن فكر الإنسان وقلبه أفضل ما فيه، ولذلك وكان القضاء على العقيدة أو تحويل الناس عنها أعظم جرما من إراقة الدم وإزهاق النفس: ﴿وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ﴾ [٧٨] فأمر الله بالقتال حتى يسلم الدين وتوأد الفتنة: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ فَإِنِ انْتَهَوْا فَلا عُدْوَانَ إِلاَّّ عَلَى الظَّالِمِينَ﴾ [٧٩] ومن البين أن القتال لدفع الفتنة ليس مادي الغاية، وإنما هو دفاع عن الإنسان المفكر الذي تختنق الطواغيت قلبه وتكرهه على معتقداتها وفلسفاتها بالبطش والنكال. إن أعظم ما في حروب الإسلام أنها قامت لحماية قلب الإنسان وعقله، وهما أساس سموه وازدهاره الحضاري.

стр. 447

ولنا على ذلك أدلة كثيرة منها: منع شن الحرب لغاية مادية، ومنع الانتهازيين، أرباب المكاسب الشخصية، من الاشتراك فيها: إذ كان مفهوم الغزو عند الجاهليين الحيازة والغنم، فألغى الإسلام هذا المفهوم البائد وأحل مفهوما جديدا: هو القتال لإعلاء كلمة الله: وفي القرآن الكريم تصوير للنفسية العربية وهي تعاني النقلة من القتال المادي إلى القتال من أجل الله، قال تعالى في سورة الفتح: ﴿سَيَقُولُ الْمُخَلَّفُونَ إِذَا انْطَلَقْتُمْ إِلَى مَغَانِمَ لِتَأْخُذُوهَا ذَرُونَا نَتَّبِعْكُمْ يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوا كَلامَ اللَّهِ قُلْ لَنْ تَتَّبِعُونَا كَذَلِكُمْ قَالَ اللَّهُ مِنْ قَبْلُ فَسَيَقُولُونَ بَلْ تَحْسُدُونَنَا بَلْ كَانُوا لا يَفْقَهُونَ إِلاَّ قَلِيلاً﴾ [٨٠] وكشف لهم عن حقيقة الحرب الجديدة لا مغنم فيها إلا الأجر ولا غاية إلا نشر الدين ليصيروا حملة رسالة بعد أن كانوا مطية ضلالة قال تعالى: ﴿قُلْ لِلْمُخَلَّفِينَ مِنَ الْأَعْرَابِ سَتُدْعَوْنَ إِلَى قَوْمٍ أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ تُقَاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ فَإِنْ تُطِيعُوا يُؤْتِكُمُ اللَّهُ أَجْراً حَسَناً وَإِنْ تَتَوَلَّوْا كَمَا تَوَلَّيْتُمْ مِنْ قَبْلُ يُعَذِّبْكُمْ عَذَاباً أَلِيماً﴾ [٨١] ومن الأدلة على ذلك أنه قبل علانية الذين يعلنون إسلامهم على تخوف من الأسر أو القتل ونهى عن قتلهم أو أسرهم: فقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا وَلا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلامَ لَسْتَ مُؤْمِناً تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَعِنْدَ اللَّهِ مَغَانِمُ كَثِيرَةٌ كَذَلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَتَبَيَّنُوا إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيراً﴾ [٨٢] .

стр. 448

ومنها ما نظم من أمر الغنيمة والفيء النظام المعروف في الإسلام، بعد إن كانت الغنيمة في الجاهلية للغانم وحده أو بشركة سيد القبيلة. ب- حرب إنسانية: ولذلك يمكننا أن نصف الحروب الإسلامية بحق أنها حرب إنسانية إذ جعل الله رسالة المؤمن أن يكافح الأذى والسوء وأن يقضي على الطغيان في الأرض وفد قضت سنة الله أن الشر لا يدفعه إلا الخير، وأن الظلم لا يرفعه إلا الحق. وهذه الصفة ظاهرة في حروب الإسلام فلم تكن إلا دفاع في المضطهدين عربا كانوا أو عجما، وليس في حروب المسلمين غير هذا المعنى مهما جهد المؤرخون في وضع النظريات لمنشأ الحروب وغاياتها، إنها حرب إنسانية بأوسع ما في هذه العبارة من معنى سواء كانت دفاعا عن النفس أو عن الآخرين. فإذا كانت دفاعا عن النفس فللرد على ظلم غاشم ومن صفات المؤمنين الأصلية في كتاب الله الأنفة من قبول البغي ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ﴾ [٨٣] ويفرض الله عليهم إن يكونوا حماة المضطهدين والذائدين عن حقوقهم، إذ قال تعالى في استنهاضهم: ﴿وَمَا لَكُمْ لا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ وَلِيّاً وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ نَصِيراً﴾ [٨٤] وقد جعلت لها صفتها الإنسانية آثارا بعيدة المدى باقية على الزمان إذ أعانت على انتشار الإسلام، فأقبل الناس عليه إقبال الغرقى على سفينة النجاة، ولم يلق المقاومة والكيد إلا في الموتورين الحاقدين على الدين والإنسانية كلها. أما الحروب المنبعثة من الجشع أو شهوة القهر والسلطان فإن آثارها تزول بزوال أصحابها.

стр. 449

وطبيعتها الإنسانية لا تمنع أن تكون حربا هجومية، إنها هجومية في أقوى مضمون لهذه الكلمة، لا نداجي ولا نجامل ولا نخجل من هذا المحتوى ولا يحملنا حاضر المسلمين التعيس على إلقاء ظلال كاذبة زائفة على حروبنا، فهي هجوم على الكفر والإلحاد والطغيان ودفاع عن الروح والعقيدة والإنسان إن هذه الصفة باقية لها ما بقى للإلحاد تطاول في وجه الإيمان. وهذه الصفة الإيمانية الإنسانية تفرض أن يكون لها شعار واحد ثابت على الدهور، هو: "لا اله إلا الله، محمد رسول الله"وإنها لتفقد جوهرها وتفرغ من مضمونها إن اتخذت ستارا غيره ولا تسمى حربا إسلامية أي حرب اتخذت شعارا يعارض الحقيقة التي ينبثق منها هذا الشعار، وإن كان وقود هذه الحرب جنودا من أبناء المسلمين. د- حرب عادلة: وتتجلى عدالتها في مواقف المسلمين السمحاء، باعتراف من أعدائهم، ومردها إلى التزامهم تعاليم الله التي شرعها لهم في معاملة المغلوبين والمعتدين. ويكفي أن نشير إلى العدالة المطلوبة في الحال التي تدعو إلى الرد على العدوان: إذ جعل الله للرد مقدار هو جزاء المثل، وقيده بالتقوى. قال تعالى: ﴿الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ﴾ [٨٥] فأوجب الله على المسلم أن يحكم التقوى في سلوكه في المواقف كلها، وفي اللحظة التي لا يخشى في البطش حسيبا من الناس، ولكنه يخشى الله- -فيمسك فإذا هو المحارب التقي العادل. ويعطي الرد العادل أطيب النتائج للفريقين معا، فهو يكف عن المسلمين بأس الذين كفروا، ويفتح لهؤلاء باب الدخول في الإسلام وقد وجدوا جنده مثلا في العدل والرفق.

стр. 450

وهكذا يدخل المسلمون الحرب بقانون ويديرونها بقانون ويمسكون عنها بقانون، وفي كل المواقف تبقى إنسانيتهم التي أعطاهموها الدين ظاهرة فليس غريبا بعد هذا أن يقول كاتب غربي: "لم يعرف التاريخ فاتحا أرحم من العرب" [٨٦] استبقاء النصر: لقد حاز المسلمون هذه المقومات فحرروا أنفسهم والعالم من عبادة الطاغوت ثم دبت فيهم عوامل الضعف على مدى القرون، ففقدوا كثيرا منها، وقد يستعيدونها مرة أخرى - إن شاء الله لهم استعادتها- ويحملون راية الجهاد لإنقاذ البشرية من ويلات أمرا أفدح مما كانت تعانيه قبل ظهور الإسلام، فإذا قدر لهم الله ذلك كان عليهم أن يحتفظوا بالنصر وبأسبابه وليس من بحثنا أن نتحرى عن تلك الأسباب ولكن نعتقد أن الله قد جمعها في الآية الكريمة: ﴿الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الأُمُورِ﴾ [٨٧] . وصية.. كان عمر بن الخطاب إذا بعث أمراء الجيوش أوصاهم بتقوى الله ثم قال لهم: "بسم الله، وعلى عون الله، وامضوا بتأييد الله بالنصر وبلزوم الحق والصبر، فقاتلوا في سبيل الله من كفر بالله، ولا تعتدوا، إن الله لا يحب المعتدين.. لا تجبنوا عند اللقاء، ولا تمثلوا عند القدرة، ولا تسرفوا عند الظهور، ولا تقتلوا هرما، ولا امرأة ولا وليدا، وتوقوا قتلهم إذا التقى الزحفان وفي شن الغارات، ونزهوا الجهاد عن غرض الدنيا. وذلك هو الفوز العظيم". -------------------------------------------------------------------------------- [١] البقرة الآية: ٢٥١. [٢] الأنفال الآية:٢٦. [٣] الكهف آية ١٠. [٤] الأنفال الآية:٢٦ [٥] التوبة: الآية:٣٨ [٦] الأنفال: الآيات:٥-٨ [٧] البقرة: الآية:٢١٦

стр. 451

[٨] الأنفال: الآية:١٧ [٩] آل عمران: الآية:١٤٢ [١٠] النساء: الآية:٧٤ [١١] التوبة: الآية ٣٩ [١٢] التوبة: الآية:٢٣ [١٣] السيرة النبوية لابن هشام: ق١ص٦٢٧. تحقيق السقا [١٤] آل عمران: الآية١٥٧-١٥٨ [١٥] محمد: الآيات٤-٥ [١٦] آل عمران: ١٦٩-١٧١. [١٧] التوبة: الآية١١١ [١٨] التوبة: الآية١١٢ [١٩] آل عمران: الآية١٥٤ [٢٠] الأحزاب: الآية١١ [٢١] البقرة: الآية:٢١٤ [٢٢] آل عمران: الآية٢.. [٢٣] السيرة النبوية لابن هشام: ق٢ ص٢٥٥. تحقيق السقا. [٢٤] صحيح البخاري: باب الجهاد: ح٤ص٢٨ [٢٥] السيرة النبوية لابن هشام: ق٢ص٨٢ [٢٦] السيرة النبوية لابن هشام: ق٢ص٨٠ [٢٧] السيرة النبوية لابن هشام: ق٢ص٨. [٢٨] السيرة لابن هشام ق٢ص [٢٩] السيرة لابن هشام ق٢ص [٣٠] السيرة لابن هشام ق٢ص [٣١] آل عمران: الآية:١٣٩ [٣٢] آل عمران: الآيتان:١٤.-١٤١ [٣٣] محمد: الآية:٧ [٣٤] السيرة لابن هشام: ق٢ص٦٦ [٣٥] الأنفال: الآيتان:٩-١. [٣٦] محمد: الآية٧ [٣٧] الأنفال: الآيتان:٤٣-٤٤ [٣٨] الأنفال: الآية:١١ [٣٩] آل عمران: الآية:١٥٥ [٤٠] آل عمران: الآية١٢٣ [٤١] الأنفال: الآيتان:٦٢-٦٣ [٤٢] الفتح: الآية٢٢ [٤٣] الفتح: الآية١٨ [٤٤] الفتح: الآية١٠ [٤٥] الفتح: الآية٣٩ [٤٦] الصحيح البخاري ج ٤ص٤٢ [٤٧] انظر صحيح البخاري ج ٤باب الجهاد [٤٨] أنظر السيرة: غزوة الرجيع. ق، ص١٦٩ [٤٩] انظر السيرة: غزوة مؤتة. ق٢ص٣٧٣ [٥٠] التوبة: الآية:١٣٩ [٥١] البقرة: الآية٢٤٧ [٥٢] البقرة: الآية٢٤٧ [٥٣] صحيح البخاري ج٤:باب الجهاد [٥٤] انظر صحيح البخاري ج ٤باب الجهاد [٥٥] السيرة لابن هشام: ق٢ص٦١٥ [٥٦] النساء: الآية٨٣ [٥٧] آل عمران: الآية١٤٤

стр. 452

[٥٨] المنافقون: الآية٢ [٥٩] التوبة: الآية:٤٣ [٦٠] آل عمران: الآية:١٦٨ [٦١] الأحزاب: الآية:١٤ [٦٢] آل عمران: الآية:١١٨ [٦٣] صحيح البخاري ج٤باب الجهاد [٦٤] الأنفال: الآية١٢ [٦٥] الحشر: الأية٢ [٦٦] الأنفال: الأية٦ [٦٧] السيرة لابن هشام: ق ٢ص٢٥٥ [٦٨] صحيح البخاري ج٤ باب الجهاد [٦٩] آل عمران: الآية١٥٩ [٧٠] الأنفال: الآية٤٥ [٧١] آل عمران: الآية١٤٧ [٧٢] السيرة: ق٢ص٤٤٤ [٧٣] التوبة:٢٥ الآية [٧٤] راجع في هذا الباب وصية عمر بن الخطاب لسعد بن أبي وقاص. [٧٥] آل عمران: الآية١١٠. [٧٦] النساء: الآية:٧٦ [٧٧] البقرة: الآية:٢١٧ [٧٨] البقرة: الآية:٢١٧ [٧٩] البقرة: الآية:١٩٣ [٨٠] الفتح: الآية:١٥ [٨١] الفتح: الآية:١٦ [٨٢] النساء: الآية:٩٤ [٨٣] الشورى: الآية:٤٢ [٨٤] النساء: الآية:٧٥ [٨٥] البقرة: الآية:١٩٤ [٨٦] هو غستاف لوبون. [٨٧] الحج: الآية:٤١

стр. 453

منهج البحث العلمي في الإسلام للشيخ إبراهيم السلقيني المدرس في الجامعة بزغ فجر الإسلام فوجد الناس قد انصرفوا عن العلم فانصرف العلم عنهم, وخاصة العرب منهم, فتخلف الناس نتيجة لذلك, وتأخروا في كل ميدان، لذلك كان ابرز ما جاء به الدين الإسلامي ودعا اليه تعلم العلم وتعليمه.. فقد رفع الإسلام من قدر العلم كثيرا، كان ذلك منه في عصور سادتها الجهالة وقد جاءت آيات وأحاديث كثيرة تحث على العلم وتبين فضله, وترفع من شأن ذويه, وحسبك تقديرا للعلم أن أول ما نزل من القرآن الكريم قوله تعالى: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ، خَلَقَ الإنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ، اقْرَأْ وَرَبُّكَ الأَكْرَمُ، الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ، عَلَّمَ الإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾ [١] . ولقد ذكر اسم العلم معرفة ونكرة في عشرات الآيات من القرآن الكريم تناهز المائة وهو يطبق على علوم الدين والدنيا, لا تقف عند حد, ولا تنتهي عند نوع خاص من المعرفة، فمن العلم المطلق قوله تعالى: ﴿وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً﴾ [٢] أي لاتتبع ما ليس لك به علم يثبت عندك بالرؤية البصرية, وبالروايات السمعية أو البراهين القطعية, فإن الله تعالى يسألك عما أعطاك من آلات هذا العلم ولقد جعل الله ﵎ العلم مقياس التفاضل بين الناس وبه ترتفع أقدارهم فقال سبحانه: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ [٣]

стр. 454

ذلك لأن الشخصية الإنسانية لا يقومها ولا يرقيها شيء غير العلم, لذلك حكم الله سبحانه أن أهله يمتازون عمن سواهم, ثم ترى القرآن الكريم في آية أخرى يصرح بأن العلماء لهم درجات عند ربهم وميزات يخصهم بها, قال تعالى: ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾ [٤] كما أنه سبحانه أاعتد بشهادة أهل العلم في وحدانية فقال سبحانه: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِماً بِالْقِسْطِ﴾ [٥] ومن ناحية أخرى نزل القرآن الكريم يسجل على الذين لا يعلمون حكما لا يرضاه ذو إدراك لنفسه: ﴿كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ [٦] كذلك يقول تعالى رادا على المستبدين: ﴿وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ﴾ [٧] وذلك حتى يخففوا من كبريائهم ويعدوا أنفسهم لتلقي نقد الناقدين, ويطلب القرآن من المؤمن أن يكون دائما في استزادة من العلم ﴿وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْماً﴾ [٨] ويبين القرآن الكريم أن الإنسان مهما ضرب في ساحات العلم فإنه لا يزال في البداية: ﴿وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلاً﴾ [٩] ولم يكن العبد الصالح الذي ذكر في سورة الكهف متبوعا وسيدنا موسى تابعا إلا أنه حظي بهبة العلم من الله الواسع العليم قال تعالى: ﴿فَوَجَدَا عَبْداً مِنْ عِبَادِنَا آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْماً﴾ [١٠] .

стр. 455

وقد بين الله سبحانه سبب اختيار طالوت ملكا على بني إسرائيل رادا على من اعترض: ﴿وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكاً قَالُوا أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِنَ الْمَالِ قَالَ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ﴾ [١١] . فأولاد يهوذا أغنياء وطالوت من الفقراء فأرادوا أن ينازعوه الملك فرد عليهم الله سبحانه إن الملك ينال وترقى سدته بالعلم رمز القوة المعنوية، والجسم رمز القوة المادية.

стр. 456

ولقد بين ﷺ أن التنافس لا يكون إلا بالعلم ففيه ليتنافس المتنافسون، والتسابق لا يكون إلا على تحصيل المعرفة فعليه ليتسابق المتسابقون، لأن الخير كل الخير في العلم، قال رسول الله ﷺ : "من يرد الله به خيرا يفقه في الدين" [١٢] وأن العلم المقرون بالعمل والعبادة يرفع الله صاحبه منزلة لا تعلوها منزلة هي منزلة الرسالة والنبوة من ناحية الفضل لا من ناحية الوحي والتشريع، قال رسول الله ﷺ : "فضل العالم على العابد كفضلي على أدنى رجل منكم" [١٣] . كما أن الرسول ﷺ بين أن الأنبياء ﵈ تركتهم أسمى من المال وورثهم أفضل الوارثين, العلم تركتهم, والعلماء ورثتهم ومن ورث العلم الصحيح الذي يرشد إلى الخير ويهدي من ناله سواء السبيل فقد فاز وكان من المفلحين عن أبي الدرداء أنه قال سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إن العلماء ورثة الأنبياء, وإن الأنبياء لم يورثوا دينارا ولا درهما, إنما ورثوا العلم, فمن أخذه أخذ بحظ وافر" [١٤] كما يعتبر الإسلام التعليم إجباريا، قال ﵇: "طلب العلم فريضة على كل مسلم" [١٥] فطلب العلم فريضة لا تقتصر على مراحل الطفولة والمراهقة بل من المهد إلى اللحد والعلوم في نظر الإسلام نوعان: أ- علوم هي فرض عين: كتعلم أمور العقيدة والعبادة على القدر الذي تصح فيه وتعلم حسن المعاملة, وحدود المنكرات, وتعلم العلوم المسلكية لكل فرد كتعلم شؤون التجارة وأحكامها للتاجر, والزراعة للزراع.. [١٦] الخ. ب- علوم فرض كفاية: بقية العلوم الأخرى, كالطب والهندسة والكيمياء والكهرباء والذرة والعلوم الصناعية والحربية وهذا يدل على ضرورة التخصص فإذا لم يتخصص أحد من المسلمين أثموا جميعا, مما يقود إلى توفير المختصين في كل المجالات الحيوية.

стр. 457

وإذا كان طلب العلم فريضة فتارك العلم تارك لفريضة فرضها الله ومن البديهي أن تارك الفريضة له عقوبته عند الله سبحانه, أما العقوبة الدنيوية لتارك التعليم فقد ذكرها الرسول الكريم ﷺ عندما سمع بقبيلتين متجاورتين إحداهما عالمة والأخرى جاهلة لا تقوم الأولى بواجبها من تعليم العلم, ولا تقوم الثانية بواجبها من تعلم العلم إذ صعد المنبر وخطب الناس وقال: "ما بال أقوام لا يعلمون جيرانهم, ولا يفقهونهم, وما بال أقوام لا يتعلمون من جيرانهم ولا يتفقهون, والله ليعلمن قوم جيرانهم, وليتعلمن قوم من جيرانهم أو لأعاجلنهم العقوبة" [١٧] فقوله ﷺ أو لأعاجلنهم العقوبة يشير إلى العقوبة الدنيوية, أما ما هي هذه العقوبة؟ ما نوعها؟ وما مقدارها؟ فإن الرسول ﷺ لم يبينها فهي خاضعة إذاً لمبدأ التعزير يقدرها الحاكم يما يصلح أحوال الناس. وإننا لنلحظ أن الإسلام أول نظام في العالم يفرض العلم فرضا ويعاقب من لا يتعلم, إن هذا النظام لم يصل إليه أبناء القرن العشرين مع ما يدعون من مدينة ومن شعارات براقة زائفة. كما أن التعليم في الإسلام مجاني فقد أرسل الرسول ﷺ المعلمين إلى القبائل يبذلون العلم مجانا وكذلك سار على هذا الهدي علماء الإسلام الأجلاء وأئمة المسلمين فهذا الإمام مالك ﵁ يجلس في المسجد ليعلم الناس دون أن يتقاضى على ذلك أي أجر وهذا سعيد بن المسيب وأبو حنيفة والأوزاعي وغيرهم ... وغيرهم لم يعهد عن أحد منهم أنه أخذ أجرا, وإن افتى العلماء بجواز أخذ الأجرة مقابل التفرغ للقيام بأعباء التعليم.

стр. 458

ولم يكتف الإسلام بكل ذلك بل بنى أصوله على العلم الصحيح والتفكير السليم فالعقيدة تقوم النظر لا على التقليد أو الهوى فالطريق الموصل إلى الإيمان بالله هو التأمل في ملكوت السموات والأرض والاعتبار بما في كتاب الكون من آيات ناطقة بقدرته تعالى وعظمته: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأرض وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الأرض بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأرض لآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ [١٨] كما يأمر الإسلام بالحذر من الظنون والأوهام ويعلل ذلك بأنهما من الأسباب التي أدت إلى تضليل الناس وإفساد نفوسهم: ﴿وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الأرض يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلاَّ يَخْرُصُونَ﴾ [١٩] ويقول سبحانه: ﴿إِنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئاً﴾ [٢٠] . والقرآن يأمر بالاعتماد على العلم اليقيني لا على الأهواء والأوهام وينعى على أقوام غامروا بعقولهم في متاهات من الظنون والأهواء التي من شأنها أن تغطي الحقائق بدلا من أن تكشف عنها: ﴿بَلِ اتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَهْوَاءَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ [٢١] وقال سبحانه: ﴿وَإِنَّ كَثِيراً لَيُضِلُّونَ بِأَهْوَائِهِمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ [٢٢] . والإسلام دين الحجة والبرهان فهو يأمر بألا يقبل الإنسان شيئا على أنه حق إلا اذا أقام عليه البرهان: ﴿وَقَالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلاَّ مَنْ كَانَ هُوداً أَوْ نَصَارَى تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [٢٣]

стр. 459

ولا يجوز الإيمان بشيء إلا ببرهان فإذا سئل المؤمنون عن معتقداتهم لم يتلعثموا في الجواب كما هو شأن المقلدين الذين لا ينظرون فيما يلقى اليهم نظر تمحيص: ﴿وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ لا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الْكَافِرُون﴾ [٢٤] ويقول تعالى مطالبا المشركين بالبرهان مطالبة تعجيز ﴿قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [٢٥] كما أن الإسلام عدو التقليد الأعمى فهو يشدد النكير على أناس كانوا يتمسكون بالرأي لا لأنهم عقلوه ولكن لأن آباءهم فعلوه ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ قَالُوا حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لا يَعْلَمُونَ شَيْئاً وَلا يَهْتَدُونَ﴾ [٢٦] والقرآن ينفر الشعوب من التقليد الأعمى للقادة: ﴿إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوُا الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الأَسْبَابُ﴾ [٢٧] والقرآن لا يكتفي بالنهي عن التقليد للآباء والانقياد الأعمى للقادة والزعماء بل دعى للأخذ بالأحسن ﴿الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ﴾ [٢٨] وهكذا أضفى الإسلام الصفة الدينية على البحث عن الحقيقة العلمية سواء أكانت من نوع الخبر أو من نوع الإنشاء وبديهي أن القيام بهذه المهمة يتوقف على وضع منهج للبحث ومعلوم أنه بقدر ما يكون المنهج صافيا سليما تكون الغاية صحيحة سليمة.

стр. 460

لذلك لا غرابة إذا رأينا أن الإسلام يرفع من شأن العقل ويأمر باستخدامه في قضايا الحياة الصغرى منها والكبرى وجعل الذين يحكمون [٢٩] . عقولهم ويستنفدون طاقات تفكيرهم في كشف حقائق الحياة واكتناه أسرارها وحدهم أهلا لأن يوجه إليهم الخطاب وأما أولئك الذين أوقفوا حركة العقل وأوصدوا في وجهه باب المعرفة فليس لهم من شرف الإنسانية حظ ولا من كرامة البشر نصيب وإذا استعرضنا ما جاء في القرآن الكريم وحده في معرض الثناء على العقل أو في سياق الحث على إعماله والنهي عن إهماله وجدنا أنه قد ذكر في القرآن الكريم وحده ما يقرب من سبعين مرة, فالشرع لم يتبين إلا بالعقل والعقل لن يهتدي إلا بالشرع والحقائق العلمية إما أن تكون فكرية محضة وإما أن تكون مستندة إلى الحواس. أولا: الفكرية المحضة كثير من الحقائق لا يتوقف إثباتها على الحواس بل يكفي في إثباتها الفكر وحده دون حاجة إلى تأييدها بمشاهدة أو تجربة, ومن هذه الحقائق ما يسمى (بالبدهيات) وهي القضايا التي إذا عرضت على العقل السليم كان مجرد عرضها كافيا في إثباتها والتسليم بمقتضياتها فهي في غنى عن أن يبرهن عليها مثل الواحد نصف الاثنين, والضد ان لا يجتمعان والأثر لا بد له من مؤثر وما شابه ذلك. وهذه الحقائق البديهية هي الأساس في إثبات القضايا العقلية المحضة ولولا هذه الحقائق البديهية الفطرية المودعة في كل نفس لما استطاع الإنسان الوصول إلى حقيقة عقلية, إذ لا بد للإنسان في طريق وصوله إلى حقيقة عقلية من أن يستند إلى هذه البديهيات وأن يجعلها العماد الذي يرتكز عليه في حياته العقلية.
следующие страницы →