Полный текст (23 804 стр.). Показаны 4166–4205 · переход к 4171.
стр. 4166
وتقول إحدى الأساطير إن محمداً ينحدر من أسرة هاشم إحدى أسر قبيلة قريش التي كانت تعيش في مكة وقد هذب محمد تعاليم الموحدين قبل الإسلام - الحنفاء - وراح يبشر بالإسلام في مكة وقد مكن ظهور الإسلام ظهور مجتمع طبقي بين العرب تكون تدريجياً ... وقد تحول محمد في نظر الأجيال التالية من المسلمين إلى (قديس) وصانع (المعجزات) (وشفيع) للمؤمنين. ويحاول المدافعون عن الإسلام والطبقات الاستغلالية استخدام صورة محمد لإضعاف الكفاح الطبقي".
هذا قليل من كثير ورد في دائرة المعارف الروسية التي تتبع هيئة تحريرها لرئاسة مجلس الوزراء السوفيتي مباشرة، وتتلخص الافتراءات على القرآن والرسول الأعظم ﷺ فيما يلي:
١- القرآن ألف في عهد عثمان ابن عفان وبعض من تآليف محمد ﷺ وهذا ما يخالف ما أجمع عليه ثقات المؤرخين من أن القرآن وحي من الله إلى سيدنا محمد ﷺ متضمناً رسالة الإسلام خاتمة الديانات وأن ما حدث في عهد ثالث الخلفاء عثمان بن عفان ﵁ هو تدوين القرآن وجمعه وليس تأليفه.
٢- تتعد أساليب القرآن تبعاً لتطور اللغة العربية، وهذا جهل فاضح وافتراء من جاهل لأن اختلاف الأساليب راجع إلى ما يعالجه القرآن من موضوعات فالحديث عن الاعتقاد يختلف عن الحديث عن الحياة الاجتماعية ... وهكذا، ثم اختلاف العهد المكي عن العهد المدني ففي مكة كان المقصود هو بناء العقيدة، أما في المدينة فكان الاهتمام ببناء المجتمع بالإضافة إلى بناء العقيدة.
٣- يستخدم رجال الدين الرجعيون القرآن لخداع الجماهير، وهذا هجوم على علماء المسلمين بدون مبرر ووصفهم بالرجعية لا يستقيم مع كونهم رجال دين يجب احترامهم وتوقيرهم، إن رجال الدين يستخدمون القرآن لإبلاغ رسالة الإسلام إلى الناس وبيان العقيدة الحقة لهم ولبناء المجتمع الصالح الفاضل.
стр. 4167
٤- ترى دائرة المعارف الروسية أن محمداً ﷺ مبشر ديني أخذ تعاليم الحنفاء الذين وجدوا على أيامه وطورها وأقام على أساسها الإسلام وأنه ألف بعضاً من القرآن الذي أكمل فيما بعد.
إن الحقد الذي أعمى قلوبهم وأفكارهم دفعهم إلى الافتراء على سيد خلق الله أجمعين والتطاول على مقامه السامي، إن رسول الله ﷺ أعظم وأكبر من أن تتناول سيرته الطاهرة دائرة معارف الملحدين الكفرة الذين لا يرون في الدين إلا مخدراً للشعوب.
إن ما ذكرته من مقتطفات أردت به إيقاظ الوعي لدى المسلمين لما يقال عن دينهم ونبيهم وكتابهم وما يدبر لهم بمعرفة أعداء الإسلام.
وإنني من على صفحات هذه المجلة أدعو الهيئات الرسمية الإسلامية وغير الرسمية وعلى رأسها الأزهر الشريف إلى الوقوف في وجه هذه الحركات المعادية للإسلام وأن يبعثوا إلى هيئة تحرير دائرة المعارف السوفيتية بالحقائق التي يتجاهلونها عن الإسلام وطلب إثبات هذه الحقائق بها بدلاً من الخرافات التي تملأ كتبهم عن ديننا الحنيف.
وأتوجه إلى هؤلاء الذين أعمت الأحقاد قلوبهم وصدورهم عن ذكر الله أدعوهم إلى الإسلام وإلى اعتناق دين الله الحق وشهادة ألا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله.
стр. 4168
شلل الأطفال
بقلم الدكتور خالد زربا
الأخصائي في أمراض الأطفال - مونبليه - فرنسا
هو مرض سار ووبائي ينتج عن فيروز اسمه (POLIO-VIRUS) بوليو - فيروس، ويتميز هذا الفيروس بتوضعة في القسم الأمامي من النخاع الشوكي.
تنتقل عدوى هذا مرض من المصابين أو حاملي فيروس المرض إلى الأصحاء عن طريقين:
١- عن طريق الأنف والحنجرة وحدة انتقال المرض عن هذا الطريق قصيرة.
٢- عن طريق البراز وهذا هو الطريق الأهم، وطرح (الفيروس) عن هذا الطريق سريع ويتم بكميات كبيرة وستمر لفترة طويلة، مما يسبب تلوث بعض المأكولات والمياه أحياناً.
وهكذا نرى أن العدوى تتم بطريقة مباشرة - الطريق الأول - أو طريقة غير مباشرة - الطريق الثاني-.
وهذا المرض يصيب عادة الأطفال ما بين الشهر السادس والسنة الخامسة ولكنه قد يصيب الرضع الذين لم يبلغوا الستة أشهر أو أولئك الذين تعدوا هذا العمر ووصلوا سن المراهقة والنضوج ولكن نسبة المصابين منهم بسيطة جداً.
ويتولد المرض بسهولة لا سيما إذا عرفنا أن ال POLIO-VIRUS يستوطن الأمعاء ويتميز بميله للجهاز العصبي وبشكل خاص القسم الأمامي من جذور النخاع الشوكي وفيها الخلايا التي تحرك العضلات.
في أكثر الحالات يمر الفيروس في الأمعاء دون أن يعبر جدارها - والشخص هنا يكون حاملاًً للمرض دون أن يمرض ولكنه ينقل العدوى للآخرين - لأن الجسم يفرز أجساماً مضادة تؤمن الدماغ ضد هذا الفيروس. وفي بعض الحالات يعبر جدار الأمعاء ويصل إلى الدم ويسبب بعض الأمراض الخفيفة دون أن يسبب الشلل.
стр. 4169
أخيراً في بعض الحالات القليلة يعبر جدار الأمعاء ويصل إلى الدم ومن ثم يعبر السحايا (أنسجة تغلف الجهاز العصبي) وبالتالي يصل إلى النخاع الشوكي حيث يتوضع في خلايا الجزء الأمامي من جذور النخاع الشوكي، أو خلايا مراكز أعصاب الرأس ويدمرها.. وبالتالي يحدث الشلل.
أعراض المرض تظهر على شكلين:
١- حالات خفيفة لا يحدث فيها الشلل.
٢- حالات شديدة يكون نتيجتها الشلل وهي مجال بحثنا هذا، والحالات التي يحدث فيها الشلل أيضاً نجدها متنوعة منها الحالات الخفيفة كشلل العصب الوجهي أو بعض الأعصاب الأخرى في الوجه، وحالات شديدة جداً تسبب الموت السريع بعد أن تسبب تعطيل عملية دوران الدم وعملية التنفس. لكنّ الحالات الغالبة والتي تزيد على٧٠ %من الحالات المرضية هذه هي الحالات التي تصيب النخاع الشوكي والتي يسميها الناس عادة شلل الأطفال. وتتميز عادة عن الحالات الأخرى بكونها تمر في معظم الأحيان بمراحل أربعة:
١- المرحلة الأولى: وتسمى المرحلة التمهيدية للمرض وخلالها يشعر المريض بارتفاع الحرارة أو انحطاط جسمي، وعدم قابلية للأكل أو آلام رأس حادة وآلام في الحنجرة وحالات إسهال أو إمساك، والحرارة تصل إلى ٣٨-٣٩ْ درجة وبعد يومين أو ثلاثة تختفي ومعها تختفي بقية العوارض.
٢- المرحلة الثانية: وتسمى مرحلة ما قبل الشلل. تبدأ فجأة بارتفاع الحرارة خلال٢٤-٤٨ ساعة تصل إلى ٣٩-٤٠ْ درجة ويرافقها حالة زكام أو نزلة صدرية بسيطة ويحدث في نفس الفترة آلام رأس وغالباً ما يتقيأ المريض مرة واحة. ويحدث أحياناً بعض التشنجات والآلام العضلية في الأطراف والظهر، ويمر المريض بحالة تعرق شديد وخاصة في مضمار الرأس وهذه المرحلة تستمر عدة أيام.
стр. 4170
٣- المرحلة الثالثة أو مرحلة الشلل: بعد نهاية المرحلة الثانية وخلال ساعات يبدأ بالظهور الارتخاء أو الشلل العضلي لبعض العضلات أو لبعض المجموعات العضلية وغالباً لعضلات الأطراف السفلية، وفي بعض الأحيان بعد مرور عدة أيام يمكن أن تظهر موجة جديدة من الشلل لبعض العضلات الأخرى وميزة هذا الشلل أنه يصيب غالبياً الأطراف السفلية بشكل غير متناظر. أي يمكن أن يصيب الطرف الأول بشكل أقوى أو أضعف من الطرف الآخر، وفي هذه المرحلة غالباً ما نلاحظ انحباس البول في المثانة.
٤- أما المرحلة الأخيرة وتسمى بمرحلة تطور المرض: وخلال هذه الفترة يحاول الجهاز العصبي (في النخاع الشوكي) إعادة بعض ما كان عليه من عمل قبل الإصابة بالمرض وهذه المرحلة قد تستمر من عدة أشهر إلى عدة سنوات (٢-٣-٤) والتحسن يكون قوياً نسبياً في بداية الأشهر الثلاثة الأولى ويقل بالتدريج.
وبعد مضي هذه المدة تبقى الآثار النهائية وبشكل دائم. حيث تكون العضلات المصابة قد ضمرت مما يسبب تشوهات للأطراف المصابة وبالتالي تشوهات للعمود الفقري والحوض تبقى طول العمر..
أما تشخيص المرض فيرتكز على دراسة الأعراض وعلى التحاليل المخبرية.
والمعالجة هي أصلاً لأعراض المرض- وليس للمرض نفسه- وترتكز على:
- عزل المريض والراحة المطلقة في السرير.
-مراقبة الوظائف الحيوية عند المريض- القلب- التنفس - الوعي
-تخفيف الآلام.
- إعادة الحركة للمصاب بواسطة التدليك الطبي وإعطاء الفيتامينات ث، ب١٢، ب١ وكذلك هناك حقن ال NIVAILN النيفالين التي تساعد أحياناً في تقوية وتنشيط المرحلة الأخيرة بشكل جيد لا سيما إذا استعملت الأيام الأولى من حدوث الشلل.
أما الوقاية فهي الوسيلة المثلى لتفادي الإصابة خصوصاً أن العلاج الطبي المذكور لا يستطيع إزالة هذا الشلل بشكل أكيد وفعّال بسبب موت الخلايا العصبية التي يتوضع فيها الفيروس.
стр. 4171
إن الوقاية من هذا المرض ترتكز فعلاً، بشكل مضمون على عملية التلقيح (التطعيم ضد المرض) .
стр. 4172
بيان مشيخة الأزهر
بشأن فيلم "محمّد رسول الله" [١]
أصدر فضيلة الإمام الأكبر الدكتور عبد الحليم محمود شيخ الأزهر البيان التالي:
باسمي
وباسم الأزهر
وباسم مجمع البحوث الإسلامية الذي درس هذا الموضوع في عدة جلسات عقدها لهذا الغرض.
أعلن عدم الموافقة على إنتاج فيلم بعنوان (محمد رسول الله) ﷺ . أو أي فيلم آخر يتناول بالتمثيل على أي وضع كان شخصية الرسول وشخصية الصحابة رضوان الله عليهم.
ذلك لأن ظهور هذه الشخصيات على الشاشة السينمائية- تصريحاً أو تلميحاً- أو بأية صورة من الصور الخفية أو المعلنة - ينقص من قيمتها ويحط من منزلتها في وجدان المسلم.
هذا إذا افترضنا جدلاً أن الذي يقوم بتمثيلها على درجة عالية من الخلق الطيب والصلاح والتقوى، تقارب الشخصية التي هي موضوع التمثيل.
أما أن الأمر ليس كذلك على أي حال من الأحوال، فإن الإساءة إلى الشخصيات الإسلامية تصبح بالغة وشديدة الخطورة.
ومن ناحية أخرى فإن القصة بما فها من حوار ومناظر- مهما تكن درجة إجادتها أو مطابقتها للحقائق الإسلامية- يدخل فيها دائماً شيء من اجتهاد المؤلف ويبقى فيها دائماً جوانب خاضعة لاجتهاد الممثل والمخرج، والمصور، وغيرهم من سائر الفنيين العاملين في إنتاج الفيلم، يمكنهم التصرف فيها وفقاً لثقافتهم وعقائدهم واتجاهاتهم الخاصة. وهذا مصدر خطر شديد.
كذلك فإن الأمر يتصل بمجال عرض الفيلم في الدور المعدة لذلك. وهي دور معدة أساساً للهو والتسلية والترفيه - وذلك بلا شك يترك أثراً على قداسة الشخصيات الإسلامية التي يتعرض لها الفيلم..
стр. 4173
على أنه إذا كان الغرض من تمثيل هذا الفيلم - أو غيره مما تظهر فيه الشخصيات الإسلامية ذات المنزلة الخاصة - التعريف بالإسلام، أو بمجد من أمجاده فإن في تاريخ الإسلام متسعاً لذلك حيث يغني بالشخصيات والعهود والأحداث والأمجاد التي يمكن تقديمها دون التعرض لشخصية الرسول أو الصحابة
أو من يماثلهم من أصحاب القدوة بين المسلمين.
من ذلك كله:
يتبين أنه لا يجوز من الناحية الإسلامية السماح بإنتاج (فيلم محمد رسول الله) كما لا يجوز السماح بعرضه..
وندعو حكام المسلمين وأولياء أمورهم..
كما ندعو الأمة الإسلامية كلها..
إلى إيقاف العمل في هذا الفيلم.
شيخ الأزهر
دكتور عبد الحليم محمود
--------------------------------------------------------------------------------
[١] سبق أن أصدر سماحة رئيس الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز استنكارا لإخراج فيلم (محمد رسول الله صلى عليه وسلم) ونشر في بعض الصحف والمجلات في داخل المملكة وخارجها وقد نشرته مجلة الجامعة الإسلامية في افتتاحية العدد الثالث من سنتها السادسة في محرم سنة ١٣٩٤هـ
стр. 4174
ندوة الطلبة
"كوكبنا وكوكبهم"
بقلم الطالب أحمد بن حسن المعلم
رأيت في إحدى المجلات العربية هذه العبارة "ليتسابق الناس إلى الكواكب أما نحن فكوكبنا عندنا على الأرض"يعني بكوكبهم أم كلثوم.
فما لنا في الجو من مطمح.
قالوا إلى الكوكب فليصعدوا.
نلقاه في الشاشة والمسرح.
فإنما كوكبنا عندنا.
وغردي ما بيننا واصدحي.
يا أم كلثوم أديمي الغنا.
ولازمي الشدو ولا تبرحي.
وفرقي بالشدو آلامنا.
ففتقي أفكارنا وافتحي.
فيا لغنا تفتح أفكارنا.
تذهب بالهم عن المترح.
فإنما غايتنا نغمة.
بالحب من قومِكِ ولتفرحي.
يا كوكبَ المشرِقِ فلتهنئي.
في ساحة المرقص والمسرح.
فكم نرى حولَكِ من خُشّع.
كالذكر إن أثّر في المفلح.
يمتزجُ الشجو بأنفاسهم.
في حضرةِ المرشد والمصلح.
إنصاتُهم يفضل إنصاتنا.
من طلب الخِسة لا تستحي.
يا ضيعة الأمجاد في أُمةٍ.
على مرور الدهر لا تمحي.
أورثها آباؤها عزةً.
وفارقوا الصرحَ إلى الأبطح.
فذبحوها جهرةً في الضحى.
وفارقوا الأفضل للأقبح.
وخالفوا دَيْدَنَ آبائهم.
تعدو على الأصلح فالأصلح.
فها هي النيران مسعورةٌ.
فقد دنا القومُ من المذبح.
فليبكِ من شاء على قومه.
стр. 4175
الفتاوى
يتولى الرد على أسئلة القراء سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز
رئيس الجامعة الإسلامية
السؤال الأول: إذا ارتد مسلم عن دينه سنوات عديدة ثم رجع إلى الإسلام مرة أخرى فهل عليه قضاء الصوم والصلوات المكتوبة التي تركها خلال الردة؟
والجواب: إذا ارتد المسلم عن الإسلام نعوذ بالله من ذلك ثم منّ الله عليه بالتوبة فليس عليه قضاء ما ترك من صلاة وصوم زمن الردة لقول الله سبحانه: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ﴾ وقول النبي ﷺ : "الإسلام يهدم ما كان قبله والتوبة تهدم ما كان قبلها"وهذا هو أصح أقوال أهل العلم للآية المذكورة والحديث المذكور وما جاء في معنى ذلك ولأن الصحابة ﵃ لم يأمروا من أسلم من المرتدين في زمن أبي بكر الصديق ﵁ وغيره بقضاء ما تركوا من الصلاة والصوم وهم أعلم الناس بشريعة الله بعد نبيهم ﵊ ولأن في إلزامه بقضاء ما ترك من الصلاة والصوم تنفيراً له من العودة إلى الإسلام وهكذا الزكاة لا يقضي ما ترك منها لأنها إنما تصح من المسلم ولا يطالب بها سواه فيه كالصلاة والصوم.
السؤال الثاني: إذا توفي عن المرأة المسلمة الموظفة زوجها وهي في دولة لا تعطي لأي إنسان توفي عنه قريبه إجازة أكثر ممن ثلاثة أيام فكيف تعتد فمثل هذه الظروف لأنها إن قررت أن تعتد المدة المشروعة تفصل من العمل فهل تترك الواجب الديني من أجل اكتساب المعيشة.؟
стр. 4176
الجواب: عليها أن تعتد العدة الشرعية وتلزم الإحداد الشرعي في جميع مدة العدة ولها الخروج نهاراً لعملها لأنه من جملة الحاجات المهمة وقد نص العلماء على جواز خروج المعتدة للوفاة في النهار لحاجتها والعمل من أهم الحاجات وإن احتاجت لذلك ليلاً جاز لها الخروج من أجل الضرورة خشية أن تفصل ولا يخفى ما يترتب على الفصل من المضار إذا كانت محتاجة لهذا العمل وقد ذكر العلماء أسباباً كثيرة في جواز خروجها من منزل زوجها الذي وجب أن تعتد فيه، بعضها أسهل من خروجها للعمل إذا كانت مضطرة إلى ذلك العمل والأصل في هذا قوله سبحانه: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ وقول النبي ﷺ : "إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم" متفق على صحته والله أعلم.
السؤال الثالث: إذا وقع عيد من العيدين في يوم جمعة فهل تصلى الجمعة مع خطبتها في ذلك اليوم أم لا؟
الجواب: المشروع للمسلمين إذا اجتمع عيد وجمعة أن يقيموا صلاة العيد وصلاة الجمعة في المساجد التي تقام فيها الجمعة ويجوز لمن حضر صلاة العيد ترك الجمعة والاكتفاء بصلاة الظهر للأحاديث الآتية:
عن زيد بن أرقم ﵁ قال صلى النبي ﷺ العيد ثم رخص في الجمعة ثم قال: "من شاء أن يصلي فليصل" رواه الخمسة إلا الترمذي وصححه ابن خزيمة. وعن أبي هريرة ﵁ عن رسول الله ﷺ أنه قال: "قد اجتمع في يومكم هذا عيدان فمن شاء أجزأه من الجمعة وإنا مجمعون" رواه أبو داود وابن ماجه. وعن النعمان بن بشير ﵁ قال: "كان النبي ﷺ يقرأ في العيدين وفي الجمعة بسبح اسم ربك الأعلى وهل أتاك حديث الغاشية قال: وإذا اجتمع العيد والجمعة في يوم واحد يقرأ بهما في الصلاتين" رواه مسلم.
стр. 4177
ففي هذه الأحاديث الدلالة على أن المسلمين يقيمون صلاة العيد وصلاة الجمعة إذا اجتمعا في يوم واحد وفي الأول منها والثاني على جواز ترك حضور صلاة الجمعة لمن حضر صلاة العيد إذا اجتمعا في يوم، وإن على من ترك صلاة الجمعة أن يصلي صلاة الظهر لأنه من المعلوم بالأدلة القاطعة أن على المسلم المكلف في كل خمس صلوات مفروضة ومن ذلك يوم الجمعة فصلاة الجمعة في وقتها هي أحد الفروض الخمسة فمن لم يصلها لمرض أو سفر أو لحضور صلاة العيد في اليوم الذي اجتمع فيه العيد والجمعة لزمه أن يصلي صلاة الظهر وهذا محل إجماع بين أهل العلم.
وأسأل الله أن يوفقنا وإياكم وسائر إخواننا للفقه في دينه والثبات عليه وأن يجعلنا وإياكم من أنصاره والدعاة إليه على بصيرة إنه جواد كريم.
стр. 4178
أخبار الجامعة
بشرى
نقلت إلينا رابطة العالم الإسلامي مكة بشرى موافقة الحكومة الباكستانية رسميا على قرار الجمعية الوطنية الباكستانية القاضي باعتبار القاديانية أقلية غير إسلامية في باكستان.
ويعتبر هذا القرار تعزيزا لقرار الحكومة السعودية القاضي بمنع دخول القاديانيين إلى المملكة ومنعهم من أداء فريضة الحج لخروجهم من الإسلام.
والمجلة إذ تزف هذا الخبر لقرائها الكرام تسأل الله أن يحفظ جلال الملك فيصل لخدمة هذا الدين والذود عنه والله الموفق.
المجلة
بدأت الدراسة في كليات الجامعة ومعاهدها يوم الاثنين الموافق ٦/١٠/٩٤ هـ ومن الجدير بالذكر أن في الجامعة ثلاث كليات هي: كليم الشريعة. وكلية أصول الدين. وكلية القرآن الكريم. ويعتبر يوم الاثنين ٦/١٠/٩٤ هو أول يوم من أيام كلية القرآن الكريم وقد قام بإلقاء أول محاضرة فيها فضيلة الشيخ عبد الفتاح القاضي العالم المشهور في القراءات وعلوم القرآن والذي زادت مؤلفاته على العشرين مؤلفا وقد ألقى قبله فضيلة نائب رئيس الجامعة الإسلامية الشيخ عبد المحسن بن الحمد العباد كلمة مختصرة افتتح فيها الكلية باسم الله. وأشار إلى أهمية هذه الكلية وأنها جاءت في الوقت الذي اشتدت الحاجة إلى إيجادها وأن افتتاحها في هذه الجامعة بناءا على موافقة جلالة الملك فيصل حفظه الله من توفيق الله لجلالته إذ هي أول كلية من نوعها في العالم. وحث الطلبة على الإقبال على هذه العلوم النافعة ومضاعفة الجهود في تحصيلها ليحصل بهم سد الفراغ الموجود في العالم.
عقد مجلس هيئة كبار العلماء في المملكة دورته الخامسة في الطائف في شهر شعبان وكانت هذه الدورة برئاسة سماحة رئيس الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز وقد درس المجلس المواضيع المعروضة عليه.
стр. 4179
من أعلام المحدثين
أبو جعفر العقيلي (٣٢٢هـ)
بقلم الشيخ عبد المحسن بن حمد العباد
نائب رئيس الجامعة الإسلامية
نسبه:
هو محمد بن عمرو بن موسى بن محمد بن حماد.
كنيته ونسبته:
كنيته أبو جعفر وقد اشتهر بها وهو من أهل مكة فيقال له: المكي ويقال الحجازي، ويقال له: العقيلي بضم العين نسبة إلى قبيلته وقد اشتهر بهذه النسبة.
سمع جده لأمه محمد بن يزيد العقيلي ومحمد ابن إسماعيل الصائغ وأبا يحيى ابن أبي ميسرة ومحمد بن أحمد بن الوليد بن برد الأنطاكي ويحيى بن أيوب العلاف ومحمد بن إسماعيل الترمذي وإسحاق الدبري وعلي بن عبد العزيز البغوي ومحمد بن خزيمة ومحمد بن موسى البلخي والمقدم ابن داود الرعيني وبشر بن موسى الأسدي وغيرهم.
ممن رووا عنه:
روى عنه أبو الحسن محمد بن نافع الخزاعي وأبو بكر بن المقرئ وغيرهما.
ثناء الأئمة عليه:
قال مسلمة بن قاسم: كان العقيلي جليل القدر عظيم الخطر وكان كثير التصانيف فكان من أتاه من المحدثين قال: اقرأ من كتابك ولا تخرج أصله فتكلمنا في ذلك وقلنا إما أن يكون أحفظ الناس وإما أن يكون من أكذب الناس فاجتمعنا عليه فلما أتيت بالزيادة والنقص فطن لها فأخذ مني الكتاب وأخذ القلم فأصلحها فانصرفنا من عنده وقد طابت أنفسنا وعلمنا أنه من أحفظ الناس. وقال الحافظ أبو الحسن بن سهل القطان: أبو جعفر ثقة جليل القدر عالم بالحديث مقدم بالحفظ، وقال الذهبي في التذكرة: الحافظ الإمام وقال: وكان مقيماً في الحرمين وقال في العبر: الحافظ صاحب الجرح والتعديل عداده في أهل الحجاز.
آثاره:
стр. 4180
قال الذهبي في تذكرة الحفاظ: صاحب كتاب الضعفاء الكبير وقال في العبر: صاحب الجرح والتعديل، وقال مسلمة بن قاسم: وكان حسن التأليف عارفًا بالتصنيف، وقال الفاسي في العقد الثمين في أخبار البلد الأمين: مؤلف كتاب الضعفاء، وقال الصفدي في الوافق بالوفيات: له مصنف جليل في الضعفاء: وقال الذهبي في أول كتابه ميزان الاعتدال: وله مصنف مفيد في معرفة الضعفاء.
وهذا الكتاب يوجد مخطوطاً في المكتبة الظاهرية بدمشق اسمه: الضعفاء ومن نسب إلى الكذب ووضع الحديث ومن غلب على حديثه الوهم ومن يتهم في بعض حديثه ومجهول روى ما لا يتابع عليه وصاحب بدعة يغلو فيها ويدعو إليها وإن كانت حاله مستقيمة.. قال عنها الشيخ محمد ناصر الدين الألباني في الفهرس الذي وضعه لمخطوطات الحديث في المكتبة قال: نسخة جيدة عليها سماع بتاريخ سنة ٤١٤هـ، وهي تحت رقم ٣٦٢ حديث تبلغ صفحاتها ٤٧٠ صفحة، ويوجد نسخة مصورة عنها محفوظة في معهد المخطوطات بجامعة الدول العربية في القاهرة تحت رقم ٧١٨ فهرس قسم التاريخ.
وفاته:
توفي الحافظ أبو جعفر العقيلي سنة اثنتين وعشرين وثلاثمائة بمكة في شهر ربيع الأول أرخ وفاته في هذه السنة الذهبي في العبر وفي تذكرة الحفاظ وابن العماد في شذرات الذهب والصفدي في الوافي بالوفيات والفاسي في العقد الثمين وقال: توفي في ربيع الأول سنة اثنتين وعشرين وثلاثمائة بمكة كما ذكر ابن زبرقي في وفياته وذكر أنه شهد جنازته.
ممن ترجم له:
١_ ترجم له الذهبي في العبر ٢/١٩٤ وفي تذكرة الحفاظ ٣/٥٢.
٢_ وابن العماد في شذرات الذهب ٢/٢٩٥.
٣_ والسمعاني في النساب ٣٩٦ مخطوط.
٤_والفاسي في العقد الثمين ٢/٢٤٤.
٥_ والصفدي في الوافي بالوفيات ٤/٢٩١.
٦_ وعمر رضا كحالة في معجم المؤلفين ١١/٩٨.
من أقوال الرسول الكريم ﷺ
استحباب مجالسة الصالحين
стр. 4181
عن أبي موسى الأشعري ﵁ عن النبي ﷺ قال: "إنما مثل الجليس الصالح والجليس السوء كحامل المسك ونافخ الكير: فحامل المسك إما أن يحذيك وإما أن تبتاع منه. وإما أن تجد منه ريحًا طيبة. ونافخ الكير إما أن يحرق ثيابك, وإما أن تجد ريحًا خبيثة".
رواه مسلم
стр. 4182
البهائية.. إحدى مطايا الاستعمار والصُهيونيَّة
بقلم الشيخ: عبد القادر شيبة الحمد
المدرس بكلية الشريعة بالجامعة
الحمد لله رب العالمين والعاقبة للمتقين، والصلاة والسلام الأتمان الأكملان على محمد سيد المرسلين وخاتم النبيين وعلى آله وصحابته الطاهرين ومن سلك سبيلهم إلى يوم الدين أما بعد: فإن البهائية مؤامرة إلحادية خططت لها الماسونية السرية، والصهيونية العالمية، وتولت غرس شجرتها الجاسوسية الروسية لقصد تغيير دين الإسلام وطمس عقائده وهدم أنظمته، والتمكن من تنفيذ المؤامرات والعمل على إنشاء وطن قومي لليهود في أرض فلسطين.
كيف تم تكوين هذه العصابة؟
حوالي سنة ١٢٣١ هـ ظهر بكر بلاء في العراق رجل مجهول الأصل والمولد والمنشأ- ويذكر بعض الباحثين أنه كان قسيسًا نصرانيًا - فادعى أن اسمه كاظم الرشتي - ورشت قرية من قرى إيران بالرغم من أن أهل رشت لا يعرفون عنه شيئًا. وقد استغل من مبادئ الشيعة الاثني عشرية فكرة الغائب بالسرداب المنتظر وفكرة الباب لهذا الغائب فعمل على إيجاد شخص يضفي عليه هذا اللقب ويضعه على عينه ليصل بواسطة هذا الباب إلى كل ما يريد.
واتخذ لنفسه مجلسًا، واستطاع أن يستميل إليه بعض ذوي النفوس المنحرفة والقلوب المريضة وجعلهم تلاميذ له.
وكان من أخبث هؤلاء رجل يقال له: حسين البشروئي - من بشرويه إحدى قرى خراسان أضفى عليه المدعو كاظم الرشتي لقب كبير التلاميذ واختاره ليكون المنفذ الحقيقي لهذه المؤامرة البشعة ولقبه باب الباب.
стр. 4183
ومن أخطر هؤلاء التلاميذ امرأة أصلها من الشيعة الاثني عشرية كانت تسمى فاطمة بنت صالح القزويني كانت بارعة الجمال فلقبها أبوها بلقب زرين تاج لأنها كانت ذات شعر ذهبي. زوجها أبوها وهي صغيرة من ابن عم لها فنفرت منه وانفصلت عنه واتصلت بكاظم الرشتي بالمراسلة، ونشط هو في مكاتبتها إذ وجد فيها ضالة منشودة له. ولقبها في رسائله لها بأنها: قرة العين: ودعاها إلى ترك قزوين والحضور إلى كربلاء غير أنه هلك عام ١٢٥٩هـ قبل وصولها إليه، وما أن وصلت إلى كربلاء حتى تلقفها حسين البشروئي وبقية تلاميذ الرشتي وقد صارت أجرأ هؤلاء التلاميذ على إعلان الخروج على الإسلام والدعوة إلى الشيوعية في النساء، ولما أخذت تطبق هذا الأمر علنًا مع بعض تلاميذ الرشتي أطلقوا عليها لقب الطاهرة وكان من بين تلاميذ الرشتي شاب يقال له علي محمد الشيرازي، المولود بشيراز عام ١٢٣٥هـ الموافق لعام ١٨١٩م وقد توفي والده وهو صغير فكفله خاله علي الشيرازي وعهد به إلى أحد تلاميذ الرشتي وهو لا يعرف أهدافه ثم رحل به خاله إلى ثغر (بوشهر) على ساحل الخليج في مقابلة الكويت وافتتح له متجرًا هناك وقد لاحظ خاله أنه بدأ ينحرف عن مذهب الاثني عشرية وقد أصابته لوثة عقلية كانت تعتريه في بعض الأحيان فرأى خاله أن يبعثه إلى كربلاء وسنه إذ ذاك عشرون عامًا فبصر به بعض تلامذة الرشتي وحملوه إلى أستاذهم الذي أخذ يوصي إليه بقرب ظهور المهدي ويدس له من يملأ نفسه بأنه الباب.
ولما مات الرشتي توجه إلى شيراز فأقام حسين البشروئي (قرة العين) مقام الرشتي في التدريس لتلاميذ الرشتي بكربلاء وكانت قد اصطفت لنفسها من بينهم رجلاً قوياً يقال له محمد علي البارفروشي ولقبوه القدوس.
стр. 4184
وقد توجه البشروئي إلى شيراز ولحق بعلي محمد الشيرازي وأخذ يستغل سذاجة هذا الشاب وغروره فواصل الاجتماع به وأوهمه أنه يوشك أن يكون له شأن وأنه علم من شيخه الرشتي الإشارة إلى أن علي محمد الشيرازي يمكن أن يكون هو الباب وأن البشروئي هو باب الباب ولم يزل به حتى أعلن هذا الشاب المغرور في شيراز يوم ٥ من جمادى الأول عام ١٢٦٠ هـ أنه باب المهدي. وسارع حسين البشروئي ليبشر بقية التلاميذ بظهور الباب وأعلن أنه هو باب الباب.
وقد ظهر أن وراء هذه العصابة الجاسوس الروسي "كنياز دالكوركي"الذي كانت وظيفته الظاهرة مترجماً بالسفارة الروسية في طهران وقد ادعى هذا الجاسوس أنه اعتنق الإسلام وأخذ يلازم مجلس كاظم "الرشتي "ويغرس هذه الشجرة الملعونة في أرض الأمة الإسلامية وقد لعب دورًا خطيرًا في ضم مجموعة من الرجال إلى هذه العصابة إذ جلب لها رجلاً يقال له: حسين علي المازندراني والمولود بطهران عام ١٢٣٣هـ وقد أوصى إليه هذا الجاسوس بعد ذلك بدعوى الألوهية والتلقب بالبهاء واستعمله مخلب القط لكل ما يريد. كما ضم إلى هذه العصابة يحيى المازندراني الأخ غير الشقيق لحسين علي ولقبه بعد ذلك بصبح الأزل.
ويقول هذا الجاسوس الروسي في مذكراته التي نشرت في مجلة الشرق "السوفيتية"سنة ١٩٢٤-١٩٢٥م: "والخلاصة أني خرجت حسب الأمر في أواخر سبتمبر مع راتب مكفى من روسيا إلى العتبات العاليات وفي لباس الروحانية باسم "الشيخ عيسى اللنكراني"ووردت كربلاء المقدسة.
стр. 4185
ويقول: وكان بقرب منزلي طالب علم يسمى السيد علي محمد وكان من أهل شيراز فأنا أيضًا صادقته بحرارة، والسيد علي محمد لم يترك صداقتي وكان يضيفني أكثر من قبل وكنا نشرب الحشيش وكان ابن الوقت متلون الاعتقاد. ثم يستمر هذا الجاسوس في مذكراته فيقول: سأل طالب تبريزي يوماً السيد كاظم الرشتي في مجلس تدريسه فقال: أيها السيد: أين صاحب الأمر الآن؟ وأي مكان مُشَرّف به الآن؟ فقال السند: أنا ما أدري ولعل هنا- مكان التدريس يكون الآن مشرفاً بحضوره. ولكني لا أعرفه.
ثم يشرح الجاسوس كيف حاول باستمرار الإيحاء إلى علي محمد رضا هذا أنه هو المنتظر إلى أن أقنعه بذلك بواسطة حسين البشروئي فأعلن أنه الباب.
ويصف الجاسوس نصائحه إلى هذا الباب فيقول له: ولا تكن متلوناً فإن الناس يقبلون منك كل ما تقول من رطب ويابس ويتحملون عنك كل شيء حتى ولو قلت بإباحة الأخت وتحليلها للأخ فكان السيد يصغي ويستمع كاملاً وبلا نهاية، صار طالباً ومشوقاً أن يدعي ادعاءاً ثم يسوق الجاسوس خبر رجوعه إلى إيران من العراق ثم يقول: فطفق كل من الميرزا حسين علي- البهاء- وأخيه الميرزا يحيى - صبح الأزل - والميرزا رضا علي - الباب - ونفر من رفقتهم يأتونني مجدداً ولكن مجيئهم كان من باب غير معتاد للسفارة الذي كان قرب سكة مغسل الأموات.
стр. 4186
ويصف هذا الجاسوس كيف اصطدم مع السفير الروسي "كراف سيمنويج"فاستدعته الحكومة الروسية إلى روسيا وفي ذلك يقول: لقد قطع هذا الوزير المفوض جميع رواتب أصدقائي ورفقائي حتى رواتب الميرزا حسين علي وأخيه الميرزا يحيى والميرزا علي رضا وغير هؤلاء الذين كانوا يأخذون الرواتب سراً فبقطعه رواتب هؤلاء قد هدم مؤسساتي جمعاء وقلب كل ما أنا فعلته ونقض كل ما أنا غزلته. ثم يصف اتصال هؤلاء به في روسيا فيقول: في كل شهر كانت تأتيني من الأصدقاء الطهرانيين رسائل ومكتوبات وكلهم كانوا يدعونني إلى إيران وحتى بعض عُبّاد البطن منهم مثل الميرزا علي رضا والميرزا حسين علي وبعد اقتناع الحكومة الروسية بضرورة إرجاعه إلى إيران يقول: وكان الميرزا حسين علي أول من ورد هذه الغرفة وأخبرني بمطالب مهمة جداً ثم يقول: انقضى رمضان وأنا كنت أربي نفراً من أصحاب سري تربية الجاسوسية ولم تكن لأي منهم لياقة الميرزا حسين علي وأخيه يحيى.
إعلانات علي محمد رضا الشيرازي المتناقضة
стр. 4187
أعلن علي محمد الشيرازي بتسويل حسين البشروئي وتدبير الجاسوس الروسي أنه الباب إلى الغائب الذي بالسرداب ثم توجه من شيراز إلى بوشهر مختفياً وأخذ البشروئي يذيع أنه رأى الباب بعينه وأخذ يدعو الناس إلى متابعته وأطلق على من تبعه اسم (البابية) ثم لم يلبث البشروئي أن حوله من باب المهدي إلى المهدي نفسه وأطلق عليه "قائم الزمان"وانضم إليه في ذلك رجل يقال له محمد علي البارفروشي وآخرون بلغ عددهم سبعة عشر رجلا ًوامرأة وهي الملقبة لديهم بقرة العين وتوجهوا إلى بوشهر واجتمعوا بزعيمهم الجديد (الباب) وصاروا معه تسعة عشر شخصاً فلذلك قرر أن يجعل عدة الشهور تسعة عشر شهراً والشهر تسعة عشر يوماً واعتبر اليوم الذي أعلن فيه دعوته يوم ٥ من جمادى الأولى سنة ١٢٦٠ هـ هو بدء التاريخ ثم جمع جملاً متناقضة مملوءة بالسفسطات والأكاذيب وجعلها أساس دينه الجديد وسماها البيان. ثم ادعى أنه الممثل الحقيقي لجميع الأنبياء والمرسلين فهو نوح يوم بعث نوح وهو موسى يوم بعث موسى وهو عيسى يوم بعث عيسى وهو محمد يوم بعث محمد عليهم الصلاة والسلام. ثم زعم أنه يجمع بين اليهودية والنصرانية والإسلام وأنه لا فرق بينهما ثم أنكر أن يكون محمد ﷺ خاتم النبيين وحرّم قراءة القرآن ثم زعم أن الله تعالى حلّ فيه وادعى أنه أكمل هيكل بشرى ظهرت فيه الحقيقة الإلهية. وأنه هو الذي خلق كل شيء بكلمته. وألغى الصلوات الخمس وصلاة الجمعة وصلاة الجماعة إلا في الجنازة وقرر أن الطهر من الجنابة غير واجب، وأن القبلة هي البيت الذي ولد به في شيراز أو البيوت التي يعيش فيها هو وأتباعه، وجعل الحج هو زيارة هذه البيوت. أما الصوم فيكون من شروق الشمس إلى غروبها لمدة شهر بابي أي تسعة عشر يوماً وينتهي بعيد النيروز المجوسي وأباح لأتباعه خمسة أيام قبل الصيام يرتكبون فيها ما شاءوا من الشهوات وأوجب أن يؤخذ في الزكاة خمس المال وأوجب الزواج على من بلغ
стр. 4188
الحادية عشرة من الذكور والإناث ولا يحتاج الزواج لأكثر من رضا الذكر والأنثى ويجوز إيقاع الطلاق. تسع عشرة مرة وعدة المطلقة تسعة عشر يوماً، ولا يجوز الزواج بأرملة إلا بعد دفع دية وبعد انقضاء عدتها ومقداره خمسة وتسعون يوماً، وحرم على المرأة الحجاب، وقرر أنه لا وجود للنجاسة، وأوجب دفن الميت في قبر من البلور أو المرمر المصقول، مع وضع خاتم في يمناه منقوش عليه فقرة من كتابه البيان. وأوجب استقبال قرص الشمس ساعة عند شروقها. إلى غير ذلك من الآراء المتناقضة التي لا تلائم فطرة ولا يقرها عقل ولا تجلب للإنسانية غير البلبلة والاضطراب.
وقد ثار علماء شيراز على دعاة البابية فقبض واليها حسين خان عليهم ثم أمر بإحضار الباب من بوشهر فأحضر وحيل إلى مجلس الحاكم فخر على الأرض ترتعد فرائصه فلطمه الحاكم وبصق في وجهه ثم رمي به في السجن. ثم رأى الحاكم أن يختبره بنفسه فأرسل إليه وأحضره من السجن وأظهرله أنه تأسف على ما بدر منه فانطلق الباب المغرور يمنيه بأنه سيجعل منه سلطاناً فيما بعد على الدولة العثمانية حينما تدين الدنيا كلها له ولأتباعه. ثم فوجئ الباب بحشد من العلماء في قصر الحاكم ففزع فأوهمه الحاكم بأنهم جمعهم للتمكين لدعوته وإعلانها فاغتر الباب وحضر مجلس العلماء ثابت الجنان ثم بدأ يخاطب العلماء بقوله إن نبيكم لم يخلف لكم بعده غير القرآن فهاكم كتاب البيان فاتلوه تجدوه أفصح عبارة من القرآن، ولما اطلع العلماء عليه لم يجدوه فيه إلا كفراً بواحاً وأخطاء فاحشة في اللغة فلما نبهوه إلى هذه الأخطاء ألقى اللوم على الوحي الذي جاء بها هكذا. وهنا قال له الحاكم: كيف تدعي الرسالة وترجح نفسك خاتم النبيين وأنت عاجز عن التعبير عن مكنون نفسك ثم أمر الحاكم رجاله فعلقوه من رجليه ثم انهالوا عليه ضرباً فأعلن أنه كفر بدعوته ورضي أن يطاف به في الأسواق على دابة شوهاء ثم أعيد إلى سجن شيراز.
стр. 4189
بيد أن الجاسوس الروسي بواسطة جاسوس روسي آخر هو منوجهر خان الأرمني الذي دفعته الحكومة الروسية لإعلان إسلامه فغمره الشاه بالفضل وأولاه ثقته وعينه معتمداً للدولة في أصفهان استطاع منوجهر هذا أن يخلص الباب من السجن ويهربه إلى أصفهان. ولما مات منوجهر عثر بالباب يمرح في قصره فقررت الحكومة نفيه إلى قلعة ماكو بأذربيجان.
مؤتمر بدشت سنة ١٢٦٤هـ
يقول الجاسوس الروسي في مذكراته فأنا بواسطة الميرزا حسين علي وأخيه يحيى ونفر آخر قمنا بالضجيج والعجيج أن صاحب الأمر قد قبض عليه. فاجتمع الدعاة المرتدون الثمانية عشر وقرروا أن يحضروا معهم كل الذين استمالوهم وأن يعقدوا منهم مؤتمراً في صحراء بدشت بين خراسان ومازندران وعلى رأسهم باب الباب (حسين البشروئي) وقرة العين وحسين علي المازندراني الذي تلقب فيما بعد بالبهاء وجعلوا الدعوة الظاهرة لهذا المؤتمر هي التفكير في الوسائل الممكنة لإخراج الباب من السجن، أما المقصود لهذا المؤتمر فهو إعلان نسخ دين الإسلام. وما أن انعقد المؤتمر حتى اندفعت (قرة العين) تلهب حماسهم وتقرر حقيقة نحلتهم الجديدة فقالت: اسمعوا أيها الأحباب والأغيار إن أحكام الشريعة المحمدية قد نسخت الآن بظهور الباب وأن أحكام الشريعة الجديدة البابية لم تصل إلينا، وأن اشتغالكم الآن بالصوم والصلاة والزكاة وسائر ما أتى به محمد كله عمل لغو وفعل باطل ولا يعمل بها بعد الآن إلا كل غافل وجاهل إن مولانا الباب سيفتح البلاد ويسخر العباد وستخضع له الأقاليم المسكونة وسيوحد الأديان الموجودة على وجه البسيطة حتى لا يبقى إلا دين واحد وذلك الدين الحق هو دينه الجديد وشرعه الحديث. وبناء على ذلك أقول لكم وقولي هو الحق: لا أمر اليوم ولا تكليف، ولا نهي ولا تعنيف فاخرجوا من الوحدة إلى الكثرة ومزقوا هذا الحجاب الحاجز بينكم وبين نسائكم بأن تشاركوهن بالأعمال وتقاسموهم بالأفعال، وأصلوهن بعد السلوة وأخرجوهن
стр. 4190
من الخلوة إلى الجلوة فما هن إلا زهرة الحياة الدنيا وأن الزهرة لا بد من قطفها وشمها لأنها خلقت للضم والشم ولا ينبغي أن يعد أو يحد شاموها بالكيف والكم، فالزهرة تجني وتقطف، وللأحباب تهدي وتتحف. وأما ادخار المال عند أحدكم وحرمان غيركم من التمتع به والاستعمال فهو أصل كل وزر وأساس كل وبال، ساووا فقيركم بغنيكم، ولا تحجبوا حلائلكم عن أحبابكم إذ لا ردع الآن ولا حد، ولا منع ولا تكليف ولا صد، فخذوا حظكم من هذه الحياة فلا شيء بعد الممات.
وبعد انفضاض المؤتمر وتسرب أنبائه ثارت ثائرة رجال الدين والدولة في إيران فطلب الشاه من ولي عهده ناصر الدين وهو في تبريز أن يحضر الباب لمحاكمته فأقر الباب أمام العلماء بأنه جاء بدين جديد فوجه إليه العلماء هذا السؤال: ما النقص الذي رأيته في دين الإسلام وما الذي كملت به هذا النقص لو كان؟ فارتج الدعي ولم يجد شيئاً، فاستقر الرأي على وجوب قتله مرتداً بعد أن أطبق العلماء على كفره وردته.
стр. 4191
ولما جاء وقت التنفيذ حمل الباب من سجنه ومعه أحد أتباعه لإعدامهما في أحد ميادين تبريز الذي كان مكتظاً بفئات كثيرة من الناس حضروا ليشاهدوا مصرع هذا الضال بيد أن القنصل الروسي استطاع أن يتصل بقائد الفرقة المكلفة بتنفيذ حكم الإعدام وأن يغريه برشوة كبرى ليحاول إنقاذ الباب. وشد هذا الباب إلى عمود طويل ومعه تابعه والناس يلعنونه ويستعجلون بالفتك به ن ووقف القنصل الروسي مشدوهاً بين هؤلاء وأطلق الجنود ثمانمائة رصاصة استقرت كلها في جسد تابعه المغرور غير واحدة من هذه الرصاصات فقد قطعت الحبل الذي ربط به الباب وحينما إنجاب الدخان الكثيف رأى الناس جسد التابع ممزقاً تحت العمود أما الباب فقد فر بعد أن قطعت الرصاص حبله. غير أن بعض الجند الذين كانوا يعرفونه ويجهلون قصد قائدهم قاموا بتمزيق جسده بالرصاص فانهار قنصل الروس وبكى من هول ما أصيب به. وقد تركت جثته في خندق طعاماً للوحوش بعد أن قام قنصل الروس بتصوير الجثة وقد بعث بالصورة إلى حكومته كما جاء في
كتاب الكواكب الدرية في تاريخ ظهور البابية والبهائية المطبوع في القاهرة سنة ١٣٤٣هـ وهو لأحد البهائيين. وكان إعدام هذا الدعي يوم ٢٨ من شعبان سنة ١٢٦٦ هـ أو ١٢٦٧هـ.
ثم قامت الحكومة بالتنكيل بأتباعه وأعدمت الكثير منهم ومن بينهم قرة العين.
من البابية إلى البهائية:
стр. 4192
بعد أن قتل الباب حاول الروس اختيار شخص آخر من أتباعه ليكون خليفة له ويقول الجاسوس الروسي كنياز د الكوركي في مذكراته: فوصلني خبر قتله بطهران فقلت لميرزا حسين علي - البهاء - ونفر آخرين أن يثيروا الغوغاء بالضجيج والعجيج وقد تعصب نفر آخرون وأطلقوا الرصاص على الشاه ناصر الدين فلذلك قبضوا على كثيرين من الناس وكذلك قبضوا على حسين علي المازندراني وبعض آخر من الذين كانوا لي أصحاب السر فأنا حاميت عنهم وبألف مشقة أثبت أنهم ليسوا بمجرمين وشهد عمال السفارة وموظفوها حتى أنا بنفسي أن هؤلاء ليسوا بابيين فنجيناهم من الموت وسيرناهم إلى بغداد وقلت لميرزا حسين علي: اجعل أنت أخاك الميرزا يحيى وراء الستر وادعوه (من يظهره الله) فلا تدعه أن يكلم أحداً وكن أنت بنفسك متوليه وأعطيتهم مبلغاً كبيراً رجاء أن أعمل بذلك عملاً"ثم يقول:فألحقت به في بغداد زوجته وأولاده وأقرباءه كي لا يكون له هوى من خلفه. ثم يقول: فشكلوا في بغداد تشكيلات وجعلوا له كاتب وحي. وكان قسم من أعمال السفارة الروسية في طهران منحصراً في تهيئة الألواح وتنظيم أعمال البابية ثم يقول: والدولة الروسية كانت تقويهم وبنت لهم مأوى وسكناً ثم يقول: ورقباؤنا كانوا ساعين أن يفشو الألواح المتضادة المتناقضة التي كانت صادرة بيد كتابنا ثم يقول: وكل من كان في طهران يصير بهائياً كنا نعاونه ونساعده ولم يكن لأولئك البتة مأوى وملجأ سوانا.
بيد أن الخلاف بدأ يدب بين البابيين فصار جماعة منهم يتبعون حسين المازندراني وجماعة يتبعون أخاه يحيى وجماعة رفضوا أن ينصاعوا لأحد الرجلين وبدأ النزاع بين هذه الفرق الثلاث وتأكد لشاه إيران أن البابية رغم مقامهم في بغداد بعيدا عن حدوده ما زالوا يمثلون خطراً داهما على دولته فطلب من الحكومة العثمانية إخراجهم من العراق، فأصدرت أمرا بنفي حسين المازندراني وأخيه وأتباعهما إلى الآستانة سنة ١٢٨١هـ.
стр. 4193
وتجمع هؤلاء في حديقة نجيب باشا والي بغداد استعداداً للرحيل فاستغل حسين المازندراني اجتماع هؤلاء وأعلن أنه الموعود الذي جاء الباب ليبشر به وأنه بهاء الله، وان الغاية من ظهور الباب أنها كانت لإعداد الناس لقدوم بهاء الله، وما أن وصل هؤلاء إلى الآستانة حتى طلب السفير الإيراني نقلهم إلى مكان بعيد عن العاصمة فنقلوا إلى أدرنة وفيها احتدم النزاع بين الأخوين فعرف أتباع يحيى بالأزليين إذ صار يحيى يلقب صبح الأزل وعرف أتباع حسين بالبهائيين إذ أطلق على نفسه لقب بهاء الله.
وحاول حسين القضاء على أخيه بدس السم له كما حاول قتله غيلة مما حدا بالحكومة إلى نفي يحيى إلى قبرص ونفي حسين إلى عكا في فلسطين وقد عمدت الحكومة العثمانية إلى إقامة عيون على كل واحد من الأخوين من أتباع الآخر.
وما أم وصل حسين إلى عكا واستمر في سجنها حوالي أربعة أشهر حتى امتدت الأيدي الماسونية والصهيونية لإمداده بالمال الوفير وتهيئته للدعوة لدينه الجديد وأطلق سراحه من السجن وما أن خرج من السجن حتى دبّر مؤامرة لأتباع أخيه فأبادهم ليلاً بالحراب والسواطير مما حمل الحكومة على اعتقال البهائيين في أحد معسكرات عكا. ولم يمض طويل زمن جميل كما وضع أتباعه في منزل آخر وأذن لأتباعه ولغيرهم في زيارته والتحدث إليه.
النحلة الجديدة
стр. 4194
بدأ حسين المازندراني بدعوى أنه وصي الباب ثم زعم أنه المسبح قد نزل ثم ادعى لنفسه النبوة ثم زاد في تبجحه وادعى إنه إله السموات والأرض زاعماً أن الحقيقة الإلهية لم تنل كمالها الأعظم إلا بتجسدها فيه. وقد أمدته الصهيونية بلقب بهاء الله الموجود في المزامير إذ قد ردد فيها (أن السموات تحكي عن بهاء الله) فزعم أو زعموا له أنه هو هذا البهاء وأنه مظهر الله الأكمل وأنه موعود كل الأزمنة ومجيئه الساعة الكبرى وقيامه القيامة والانتماء إليه هو الجنة ومخالفته هي النار وقد أخذ ينسخ من البابية ما لا يوافق هواه.
وبدأ يجمع كتباً يعارض بها كتاب الله ويؤسس فيها نحلته الفاجرة فألف الإتقان والإشتراقات ومجموعة الألواح والأقدس المطبوع ببغداد لأول مرة عام ١٣٤٩هـ ويقع في ٥٢ صفحة بالقطع المتوسط والذي هو أهم كتاب عندهم وهو في نظرهم أقدس من جميع الكتب المقدسة وقد حشاه بالآراء المضطربة والأقوال المتناقضة، ولم يخرج في جملته عن مثل ضلالات شيخه الباب، وإن كان نسخ جملة منها ويقول في الفقرة ٢٧٥ ص٢٦: "إنا أخبرنا الكل بأن لا يعادل بكلمة منك ما نزل في البيان إنك أنت المقتدر على ما تشاء".
هلاك حسين المازندراني
وقد استمر حسين المازندراني هذا في نشر افتراءاته وإشاعة أراجيفه بواسطة المؤسسات الماسونية ودعاة الصهيونية العالمية التي اتخذته مطية لقضاء مآربها وتحقيق أهدافها إلى أن أنهكته الحمى فهلك في اليوم الثاني من شهر ذي القعدة سنة ١٣٠٩هـ الموافق مايو ١٨٩٢هـ بعد أن عمل على تمهيد الطريق لأكبر أولاده الذي سماه (عبد البهاء) عباس. إذ حاول قبيل هلاكه أن يجمع وصف الألوهية له ولولده هذا إذ كتب له يقول: من الله العزيز الحكيم إلى الله اللطيف الخبير"كما كان يلقبه بالفرع العظيم المتشعب من الأصل القديم. وقد ترك وراءه من زوجتيه أربعة أبناء وثلاث بنات.
تنازع الإخوة على الرئاسة
стр. 4195
عندما أعلن عباس (عبد البهاء) أنه وصي أبيه نازعه أخوه محمد علي وانضم إليه بقية إخوانه غير أنه استطاع أن يستأثر بالأمر دونهم.
وقد كان عباس هذا أشد مكراً من أبيه وأعرق في الخبث والدهاء فأخذ يضم إلى ضلالات أبيه ضلالات أخرى وأخذ يتزلف إلى كل أعداء الإسلام في الأرض فقرر بنوة عيسى ﵇ لله وأعلن إيمانه بألوهية المسيح وصلبه مما قد نفاه الله وفي ذلك يقول في مفاوضات عبد البهاء ص ١٠٢: ولما أشرقت كلمة الله من أوج الجلال بحكمة الحق المتعال في عالم الجسد اعتدى عليها في الجسد إذ وقعت في أيدي اليهود أسيرة لكل ظلوم وجهول وانتهى الأمر بالصلب. ويقول في"مكاتيب عبد البهاء ص١٣: وفي كور المسيح الأب والابن والواسطة روح القدس.
وادعى أن البهائي يجمع بين جميع الديانات فهو يقول في "خطابات عبد البهاء ص٩٩: اعلم أن الملكوت ليس خاصاً بجمعية مخصوصة فإنك يمكن أن تكون بهائياً مسيحياً وبهائياً ماسونياً وبهائياً يهودياً وبهائياً مسلماً.
وقد أخذ عبد البهاء يدعو إلى التجمع الصهيوني ويحقق الغرض الذي من أجله أسست البهائية: وهو تغيير دين الإسلام والعمل على إنشاء وطن قومي لليهود في فلسطين وفي ذلك يقول في مفاوضات عبد البهاء ص٥٩: وفي زمان ذلك الغصن الممتاز وفي تلك الدورة سيجتمع بنو إسرائيل في الأرض المقدسة وتكون أمة اليهود التي تفرقت في الشرق والغرب والجنوب والشمال مجتمعة.ثم يقول: فانظروا الآن تأتي طوائف اليهود إلى الأرض المقدسة ويمتلكون الأراضي والقرى ويسكنون فيها ويزدادون تدريجياً إلى أن تصير فلسطين جميعاً وطناً لهم.
стр. 4196
وقد ذكر فريد وجدي في دائرة معارف القرن العشرين (الرابع عشر) الهجري في الجزء الثاني ص٣٧٧ أن بعض دعاة البهائية فسر الفقرة الثانية من الإصحاح الثالث الثلاثين من سفر التثنية التي تقول: جاء الرب من سينا وأشرق من ساعير وتلألأ من جبل فاران"فقال: فهذه الآية المباركة تدل دلالة واضحة أن بين يدي الساعة وقدام مجيء القيامة لابد من أن يتجلى الله على الخلق أربع مرات ويظهر أربع ظهورات حتى يكمل بني إسرائيل وينتهي أمرهم إلى الرب الجليل فيجتمع شتيتهم من أقصى البلاد ويدفع عنهم كل العباد ويسكنهم في الأرض المقدسة ويرجع موازينهم القديمة.
وقد استمر هذا الأفاك في نشر ضلالاته وضلالات أبيه حتى أهلكه الله في يوم الاثنين السادس من ربيع الأول سنة ١٣٤٠ هـ عن ثمان وسبعين سنة بعد أن عهد إلى المدعو شوقي ابن بنته ضيائية نكاية في أخيه محمد علي الذي استمر مناوئاً له إلى آخر رمق منه.
وقد حاول هؤلاء المجرمون نسخ الإسلام في كل شيء ولقد حملتهم هذه العداوة لدين الله أن حاربوا هديه حتى في عدة الشهور التي أطبق عليها بنوا البشر. فاخترعوا لأنفسهم تاريخاً جعلوا مبدأه يوم إعلان دعوة الباب وهو ٥ من جمادى الأول سنة ١٢٦٠هـ وجعلوا أشهر السنة تسعة عشر شهراً واخترعوا لهذه الشهور أسماء من وحي خيالهم ولبهم: وهي:
البهاء - الجمال - العظمة - النور - الرحمة - الكلمات - الأسماء - الكمال - العزة - المشيئة - العلم - القدر - القول - المسائل - الشرف - السلطان - الملك - العلا.
وهكذا حملتهم مصادفة بلوغ عدد جماعتهم عند إعلان دعوتهم تسعة عشر مرتداً أن جعلوا الشهور تسعة عشر شهراً والمهر تسعة عشر مثقالاً والزكاة تسعة عشر في المائة والصيام تسعة عشر يوماً إلى غير ذلك مما أسسوا به ديانة المصادفات.
стр. 4197
هذه لمحة موجزة تلقي ضوءاً كاشفاً على هذا المذهب الهدام ولا نحب أن نقارن هنا بين تعاليم الإسلام التي ما تركت باباً تلج منه الإنسانية إلى أسباب سعادتها إلا دلت عليه وأمرت به وأوضحت سبيله ورسمت منهجه. ولا تركت باباً يدخل على الإنسانية منه شر إلا حذرت منه ونهت عنه.
لا نحب أن نقارن بين الإسلام دين الفطرة والعقل والعلم والنظام والرحمة والعدل وأحسن مناهج السلوك في سائر صنوف المعاملات.لانحب أن نقارن بين دين الله وبين هذه التلفيقات الهدامة والتضليلات المارقة والخرافات الباطلة لأن المثل يقول:
إذا قيل هذا السيف أمضى من العصا
ألم ترَ أن السيف ينقص قدره
ضرب الله مثلاً كلمة طيبة كشجرة طيبة أصلها ثابت وفرعها في السماء تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها ويضرب الله الأمثال للناس لعلهم يتذكرون ومثل كلمة خبيثة كشجرة خبيثة اجتثت من فوق الأرض ما لها من قرار يثبت الله للذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة ويضل الله الظالمين ويفعل الله ما يشاء.
من أقوال الرسول الكريم ﷺ
عن أنس بن مالك ﵁ قال: "جاء رجل إلى رسول الله ﷺ فقال: "يا رسول الله متى الساعة". قال: "وما أعددت للساعة". قال: "حب الله ورسوله". قال: "فإنك مع من أحببت". قال أنس: "فما فرحنا بعد الإسلام فرحاً أشد من قول النبي ﷺ : "فإنك مع من أحببت". قال أنس: "فأنا أحب الله ورسوله وأبا بكر وعمر فأرجو أن أكون معهم وإن لم أعمل بأعمالهم".
رواه مسلم
стр. 4198
كيف نعد المعلم الصالح..
بقلم فضيلة الشيخ عبد الرءوف اللبدي
المدرس بكلية الشريعة بالجامعة
العملية التربوية - أيها الإخوة - تقوم على أربع قواعد: على معلّم، وعلى متعلّم، وعلى مادة تعلّم، وعلى طريقة يعلم بها. وما من ضرر، أو ضعف، أو انحراف، يصيب إحدى هذه القواعد، إلاّ أضر بالعملية كلّها، فعاقها عن الأهداف المبتغاة، وقصّر بها عن الآمال المرتجاة.
ولكنّ بعض الشر أهون من بعض، فما يصيب المتعلم من ضعف أو عجز، وما يلحق بالمادة العلمية من اضطراب أو تخمة، وما ينوب الطريقة من فوضى أو جمود، كل أولئك قد يهون على الأيام، ويقوّمُ فيستقيم.
ولكن المعلم إذا ما أصابه الفساد وكان غير صالح، فهنالك الخطب الفادح، هنالك ندعو واثبوراه، ولا ندعو ثبوراً واحداً، ولكن ندعو ثبوراً كثيراً.
لقد قال الناس كثيراً من القول بياناً لفضل المعلم، ولقد قالوا كثيراً فيما له من أيادٍ لا تمنن على تقدم العلم ونهوض الأمم، ولقد شكروا له ما يبذله من جهد في رفع مستوى الحياة الكريمة، وتحقيق الأهداف العظيمة، وإن المعلم لجدير بما قيل فيه من ثناء، حريّ بما يلاقيه من تكريم، على أنه - وا أسفاه - لا يزال دون المنزلة التي يستحقها في مجتمعات كثير من أمم هذا العالم الكنود.
ولكن المعلمين في هذه الدنيا كثير، فأيهم الذي استحق هذا الثناء؟ وأيهم الذي استأهل ذلكم التكريم؟ هنا نجد جواباً واحداً لا يختلف: هو المعلم الصالح، ولكن - مرة ثانية - ومن يكون المعلم الصالح؟ وهنا تختلف الإجابات، باختلاف أهداف التربية والتعليم لدى الأمم والجماعات، فلكل أمة هدف تُعِدُ المعلم لتحقيقه، ولكل جماعة غاية تريد المعلم أن يقود إليها.
стр. 4199
ولنترك الناس يختلفون في أهدافهم ويختصمون، ولننظر نحن في هذا المعلم كيف يُنَشّأ، وماذا ينبغي له، لينتفع به الطلاب، ويصلح به المجتمع، ونجني على يديه الخير الكثير:
لا بد لهذا المعلم أن يمرّ بثلاث مراحل، على أنني أود أن أستدرك هنا فأقول: إن بعض المعلمين يخلقون معلمين بالفطرة، كما يخلق الشعراء وغيرهم من ذوي المواهب الفنية المطبوعة التي لا تخضع كثيراً لقواعد الصناعة، ولا تحتاج طويلاً إلى تخطيط دقيق.
أما هذه المراحل التي ينبغي أن يمر بها المعلم وأعني به هنا معلم المدرسة الابتدائية - وهو ما أريد أن أقصر عليه القول - وأرجو ألا أكون بذلك قد فجعت آمال كثير منكم، كانوا يتوقعون أن يشمل حديثي المعلم الصالح في جميع مراحل الدراسة، وإني لأعتذر إلى هؤلاء، فإن حديثاً واحداً لا يتسع للمعلمين الصالحين جميعاً، وليس من المنطق والحكمة أن نتحدث عن مدرس المرحلة المتوسطة والثانوية، قبل أن نتعرف مدرس المرحلة الابتدائية التي هي القاعدة والأساس فإذا صلُحت صلحت بقية المراحل، وإذا فسدت فهيهات هيهات ...
وعلى كل حال فالصورة التي سأرسمها للمعلم الصالح في المدرسة الابتدائية تعطيكم كثيراً من الصفات التي ينبغي أن تكون راسخة في المعلم الصالح لأي مرحلة من مراحل الدراسة. والآن أعود فأقول: لا بد للمعلم الصالح في المدرسة الابتدائية، أن يمر بثلاث مراحل: مرحلة التعلّم، ثم مرحلة الإعداد للتعليم، ثم مرحلة التعليم واتخاذه مهنة.
أما المرحلة الأولى
وهي مرحلة التعلّم فينبغي على وجه الإجمال ألا تقل عن مستوى التعليم الثانوي.
والمعلمون اللذون زاولوا مهنة التعليم وهم دون ذلك فينبغي أن تتاح لهم الفرص ليدركوا ما فات، كأن تُعقد لهم دورات صيفية،أو دراساتٌ ليلة، أو سنواتٌ تكميلية، إلى أن يصلوا هذا المستوى المطلوب.
стр. 4200
ذلك لأن المرحلة الابتدائية على الرغم من أنها أدنى مراحل التعليم في نظرنا نحن الكبار – هي مرحلة صعبة كؤود في نظر الصبية الصغار ولن يستطيع أن يقوم بأعبائها، ويذلل صعابها، ويجعل التلاميذ قادرين على هضمها واساغتها، على نهج سليم واضح، يحقق أهداف التربية والتعليم، لا يستطيع أن يفعل ذلك، إلا معلمون على مستوى غير قليل من العلم والخلق الكريم والتدريب المحكم.
والمعلم الضعيف في مادته العلمية يُلحق أذى كبيراً بالتلاميذ، ويضيع عليهم فرصاً ذهبية في حياتهم الدراسية، قد تحتاج إلى زمن غير قصير كي تعوض، وربما لا تعوض أبداً.
والمعلم الضعيف إذا ما أضاع شخصيته العلمية لدى تلاميذه، لجأ إلى وسائل شتى كي يعوض ما أضاع، ولكن على حساب التلاميذ وحساب التربية والتعليم.
والتلاميذ الذين يحسون بضعف معلمهم يفقدون ثقتهم فيه، ولا يتلقّون قوله بالقبول ولو كان صواباً، ولا يجدون في أنفسهم الرغبة في سؤاله ومناقشته، وقد يتطور الأمر إلى كراهية الدرس والمدرس والمدرسة جميعاً.
وأنا أفضل أن يظل الطفل في بيت أهله سنة أو سنتين انتظاراً للمعلم الصالح على أن يذهب إلى المدرسة في سن مبكرة ليجد أمامه معلماً ليس بذي علم نافع ولا خلق كريم ولا طريقة ذات صلاح وجدوى. وقد يسيء هذا المعلم إلى تلميذه إساءة تقضي على مستقبل مضيء في حياته الدراسية.
المرحلة الثانية
وهي مرحلة الإعداد أو مرحلة الدراسة بمعاهد المعلمين.
هذه المرحلة امتدادٌ لمرحلة التعلم السابقة، لا تكاد تتميز عنها إلا في الشكل والتسمية.
غير أن مرحلة التعلّم السابقة مرحلة عامة واسعة الأبواب يدخلها كثير من الطلاب، ومرحلة الإعداد هذه ذات باب ضيق، ومصفاة دقيقة.
стр. 4201
ذلك أنه ينبغي ألاّ يباح دخول معاهد المعلمين، إلا لمن نجح وحصل على معدّل جيد، في امتحان شهادة الدراسة الثانوية، وهذا المعدل تقوم بتقديره لجنة مسئولة على ألاّ يقل معدّل الدرجات العم فيما أرى عن خمس وسبعين في المائة، أو على الأقل ألا يقل عن هذا المعدل في المواد التي سيتخصص في دراستها، وتدريسها في المستقبل.
وإن إغماض العيون عن هذا الشرط، وفتح أبواب معاهد المعلمين على مصاريعها لكل من نجح،دون اصطفاء واختيار، إن ذلك كان ولا يزال وسوف يظل من أعظم الأسباب في هبوط مستوى التعليم.
ليست المدرسة داراً لإزالة الأمية، وليس التلاميذ أوعية فارغة تملأ بالمعلومات، وإنما المدرسة مسجدٌ يهدي للتي هي أقوم، وأُمٌ تحنو وترضع العلم، وأبٌ يربي باللسان والقدوة الصالحة، وعيادةٌ نفسية تكشف الميول والغرائز وتشبعها بما طاب وأفاد ومصنعُ رجال يبني الشخصيات على أساس أن يعتمد التلميذ على نفسه بعد الاعتماد على الله وأن يشارك في عملية التعليم مشاركة إيجابية لا أن يقف منها موقف المستقبل المتكل على المعلم في كل شيء.
وقيادة التلاميذ على هذا المستوى، عملية شاقة، لا يستطيعها معلمون عاديون نتلقفهم كيفما اتفق، دون اختيار دقيق، وميزان مقسط.
ولما في عملية التعليم من تربية عظيمة ومقاصد سامية وتوجيهٍ هادف مستمد من الدين، كان لا بد أن نشترط في هذا الطلب الذي نعده للتعليم في المستقبل شرطاً أخلاقياً، هو في الحقيقة أعظم أهمية من الشرط العلمي السابق، ذلك أن الطالب المختار لمعاهد المعلمين، لابد أن يكون على حظٍ موفور من حميد الأخلاق وكريم السجايا على المستوى الجدير بالمسلم الحق.
стр. 4202
وينبغي أن يعتمد في ذلك على شهادة أمنية صادقة من مدير مدرسته الذي أشرف على تعليمه، ومن معلميه الذين درّسوه وقتاً غير قصير، فالطالب الذي كان يؤدي واجباته الدينية طاعة واحتساباً، ويقوم بواجباته الدراسيةِ رغبة وصواباً، ثم كان ذا مودة وإحسان مع معلميه وزملائه، لم يتمرد على نظام، ولو يتأخر عن دوام، مثل هذا الطالب أهل لأن يكون معلماً صالحاً في المستقبل.
ولعل أقرب الصفات الحميدة إلى مهنة التدريس، وأوثقها صلة بالمعلم، هي التواضعُ والتعاونُ، والصبُر على العمل.
ولعل أقبح الصفات وأشدّها جفاء لمهنة التدريس هي الغرور، والملل، واللامبالاة.
ولن تجد معلماً ناجحاً صالحاً إلا وجدته متواضعاً يخفض جناحه لزملائه وتلاميذه، حريصاً على أداء الواجب، صبوراً على العمل، لا يتلمّس المعاذير في التقاعس عنه، معواناً على الخير كلما سنحت فرصة للعون، سواء أكان ذلك لرؤسائه أم لزملائه أم لتلاميذه.
ولن ترى معلماً خائباً غير موفق في تعليمه، إلا رأيته مغروراً لا يتقبل نصحاً، أو ملولاً لا يطيق عملاً، أو لا مبالياً لا يبالي أحضّر درسه أم لم يُحضّره، أفَهِم تلاميذه ما يقول لهم أم لم يفهموا، أدخَلَ على طلابه مع بَدْءِ الحصة أم بعد رُبْع ساعة، أقام الطلاب بواجباتهم أم لم يقوموا، هو لا يهتم بشيء من ذلكم ولا يكترث له، ولا يعرف المسئولية كيف تكون ومتى تكون وأين تكون.
وهناك صفة بالغة القيمة، ينبغي أن يتحلّى بها الطالب الذي نعدّه للتعليم في المستقبل، وينبغي أن نوليها عنايةً عظيمةً في مجال الاختيار والإعداد تلك هي الرغبة الصادقة في التعليم، على أن تكون رغبةً خاصةً لوجه الله، ليست لما يتوهمه أناس في هذه المهنة من سهولة العمل، أو حلاوة العطل، أو الحصول على وظيفة بأقلّ كلفةٍ وأيسر طريق.
стр. 4203
فإذا وجدت الرغبة الصادقة الخالصة في التعليم، فسوف يجد صاحبها في هذه المهنة لذةً ومتعة، تنسيه المتاعب، وتذلل المصاعب، وتوقد في صدره العزيمة، فيدخل على تلاميذه ووجهه يطفح بالبشر، ويصدرُ عنهم وهو مطمئن الفؤاد.
أما الذي لا يرغب في التعليم، وكان قد أخطأ الظن والتقدير في هذه المهنة، فسوف تجده يراوغ فيها كما تراوغ الثعالب، ويذهب إلى غرف التدريس وهو يقتلع أقدامه من الأرض اقتلاعاً كأنما يساق إلى الموت.
فما جدوى هؤلاء وأمثالهم؟ ولم يشقى بهم التلاميذ، وتشقى بهم الأمة، ويحملون أوزارهم وأوزاراً مع أوزارهم يوم يقوم الحساب.
وإذا كنت قد اشترطت في الطالب الذي أُعِدّه للتعليم أن يكون ذا معدلٍ جيد في الدرجات، وصفاتٍ حميدةٍ تلتزمُ الدين ورغبةٍ صادقةٍ في التعليم إذا كنت قد اشترطت ذلك كلّه فلست بناس أمراً رابعاً ذا أهمية عظمى.
ذلك أن يكون ذا صحة جيدة، ولسانٍ مبرأ ٍمن العيوب فصيح، وإذا كان زعماء السياسة وقادة الجماهير وخطباء المنابر إذا كان هؤلاء جميعاً لا يعرفون لهم سلاحاً أمضى من فصاحة اللسان، وسحر البيان، فإن المعلم لأولى من هؤلاء جميعاً أن يكون طلق اللسان فصيح اللهجة واضح الحروف، ذا حنجرة قوية الأوتار مرنان.
والآن وقد عرضت ما ينبغي أن يكون عليه الطالب المختار للتعليم، أرى أن لا غناء له عن سنتين يقضيهما في دراسة علمية ودراسة مسلكية في التربية، وعلم النفس، وطرق التدريس، والتدريب العملي، قبل أن يخرج إلى المرحلة الثالثة مرحلة العمل ومزاولة المهنة.
وهذه الدراسة ليست دراسة جامعية ولا نصف جامعية، وليست دراسة للثقافة العامة، وليست قادرة على أن تؤهل كل معلم لأن يعلم كل مادة من مواد المرحلة الابتدائية.
لهذا كله كان لا بد أن تقوم الدراسة في معاهد المعلمين على شيء من التخصص: تخصصٍ لتدريس الدين، تخصصٍ لتدريس اللغة العربية، تخصص لتدريس الرياضيات والعلوم.. وهكذا..
стр. 4204
وينبغي أن يقوم بالتدريس في معاهد المعلمين هذه أساتذة ذوو اختصاص علمي وتجربة، وأن يكونوا على حظ عظيم من الثقافة الإسلامية، والأخلاق الكريمة والتمسك بالدين بحيث يكونون قدوة صالحة لطلابهم في السلوك والقول والعمل لأن طالب معاهد المعلمين إذا لم يجد في أساتذته الكبار قدوةً قيمةً صالحة، فمن الصعب أن يكون هذا الطالب في المستقبل قدوةً صالحةً لتلاميذه الصغار.
ولا بد أن تكون المواد الدراسية في معاهد المعلمين سواءٌ أكانت علميةً أم مسلكية لا بد أن تكون مقصورة على ما يحتاج إليه الطالب في تدريسه في المستقبل دون إسراف ولا إرهاق.
وعلى سبيل المثال يكون منهج اللغة العربية مقصوراً على دراسة القواعد والقراءة والنصوص والتعبير والإملاء والخط، وأن تكون مباحث القواعد هي المباحث المقررة في المرحلة الابتدائية ولكن على نطاق واسع وتطبيقات أدق، وأن تكون القراءة جهريةً في الكثير الغالب، لأنها هي التي يحتاج إليها المعلم، ويعوّل عليها في تدريسه، وأن تكون دراسة النصوص قائمة على التحليل والتذوق البعيدين عن الصناعة ومصطلحات البلاغة، مع حفظ كثير من هذه النصوص ليزداد الطالب تمكناً في اللغة، وقدرة على التعبير، وأن تكون دراسة الإملاء دقيقة شاملة كثيرة التطبيقات، كافية لأن تغسل العار الذي تسيل به دفاتر التحضير وأن يكون تدريس الإنشاء قائماً على كثرة الكتابة وحسن التوجيه.
стр. 4205
أما النقد والبلاغة وتاريخ الأدب ونحو ذلك فلا حاجة إلى دراستها في هذه المعاهد، لأن المعلم لن يحتاج إلى تدريسها في المرحلة الابتدائية، وأرى أن نسير على هذا النهج وهذا المستوى في سائر المواد العلمية والمسلكية، فما يحتاج إليه الطالب معلمُ المستقبل نقرره عليه، وندرّسُه له، وما لا يحتاج إليه فلا داعي أن نرهقه به، ونُضيع عليه فرصة التوسع والتعمق في موادّ أخرى مفيدة له، فالمناهج إنما توضع على أساس أن يتسع لها الوقت، وعلى أساس أن تهضم وتستوعب، وعلى أساس أن ينتفع بها الطالب في مهنة المستقبل ويصطحبها حين تخرجه.
وبتخرّج الطالب من معهد المعلمين تنتهي المرحلة الثانية وهي مرحلة الإعداد وتبدأ المرحلة الثالثة.
المرحلة الثالثة
وتبدأ المرحلة الثالثة بمزاولة المعلم عمله، وبتجريب ما تعلّمه، والذين يظنون أن مرحلة الإعداد قد انتهت بانتهاء الدراسة في معاهد المعلمين هم أناس يتعجلون، فدراسة الطالب في المعهد دراسة نظرية لم تخضع للتجربة الصادقة والتمحيص الدقيق، ودروس التطبيق التي قام بها في أثناء دراسته دروس قليلة غلب عليها طابع التصنع والتكلف، وأسابيع التدريب التي علّم فيها قبيل تخرجه قليلة لا تكسبه خبره، ولا تشعره بالمسؤولية.
أما حين يصبح معلماً رسمياً مسئولاً، يعلّم دروسه وهو يعلم أنه مسئول عما يعلّم وعمّن يعلم، وتلاميذه يعرفون منه ذلك، فهو يعيش حياة جديدة وتجارب جديدة، وتلاقيه الصعوبات والمفاجآت التي لم تخطر له على بال وحينئذٍ يلتفت يمنةً ويَسْرة، لعله يجد من ينصح ويرشد ويعين.
وهنا يجب على التوجيه التربوي أن يقوم بزيارات سريعة لهؤلاء المعلمين الجدد، وأن تستمر هذه الزيارات إلى أن يصبح التدريس عملية طبيعية لا تكلف فيها ولا تخوّف، وتصبح خطوات الدرس في دفاتر التحضير وفي غرف التدريس سليمة من الاضطراب ومن العثار.
وحينئذ نستطيع أن نقول إنه قد تم إعداده بصورة مبدئية.
следующие страницы →