Полный текст (23 804 стр.). Показаны 4201–4240 · переход к 4206.
стр. 4201
ذلك أنه ينبغي ألاّ يباح دخول معاهد المعلمين، إلا لمن نجح وحصل على معدّل جيد، في امتحان شهادة الدراسة الثانوية، وهذا المعدل تقوم بتقديره لجنة مسئولة على ألاّ يقل معدّل الدرجات العم فيما أرى عن خمس وسبعين في المائة، أو على الأقل ألا يقل عن هذا المعدل في المواد التي سيتخصص في دراستها، وتدريسها في المستقبل.
وإن إغماض العيون عن هذا الشرط، وفتح أبواب معاهد المعلمين على مصاريعها لكل من نجح،دون اصطفاء واختيار، إن ذلك كان ولا يزال وسوف يظل من أعظم الأسباب في هبوط مستوى التعليم.
ليست المدرسة داراً لإزالة الأمية، وليس التلاميذ أوعية فارغة تملأ بالمعلومات، وإنما المدرسة مسجدٌ يهدي للتي هي أقوم، وأُمٌ تحنو وترضع العلم، وأبٌ يربي باللسان والقدوة الصالحة، وعيادةٌ نفسية تكشف الميول والغرائز وتشبعها بما طاب وأفاد ومصنعُ رجال يبني الشخصيات على أساس أن يعتمد التلميذ على نفسه بعد الاعتماد على الله وأن يشارك في عملية التعليم مشاركة إيجابية لا أن يقف منها موقف المستقبل المتكل على المعلم في كل شيء.
وقيادة التلاميذ على هذا المستوى، عملية شاقة، لا يستطيعها معلمون عاديون نتلقفهم كيفما اتفق، دون اختيار دقيق، وميزان مقسط.
ولما في عملية التعليم من تربية عظيمة ومقاصد سامية وتوجيهٍ هادف مستمد من الدين، كان لا بد أن نشترط في هذا الطلب الذي نعده للتعليم في المستقبل شرطاً أخلاقياً، هو في الحقيقة أعظم أهمية من الشرط العلمي السابق، ذلك أن الطالب المختار لمعاهد المعلمين، لابد أن يكون على حظٍ موفور من حميد الأخلاق وكريم السجايا على المستوى الجدير بالمسلم الحق.
стр. 4202
وينبغي أن يعتمد في ذلك على شهادة أمنية صادقة من مدير مدرسته الذي أشرف على تعليمه، ومن معلميه الذين درّسوه وقتاً غير قصير، فالطالب الذي كان يؤدي واجباته الدينية طاعة واحتساباً، ويقوم بواجباته الدراسيةِ رغبة وصواباً، ثم كان ذا مودة وإحسان مع معلميه وزملائه، لم يتمرد على نظام، ولو يتأخر عن دوام، مثل هذا الطالب أهل لأن يكون معلماً صالحاً في المستقبل.
ولعل أقرب الصفات الحميدة إلى مهنة التدريس، وأوثقها صلة بالمعلم، هي التواضعُ والتعاونُ، والصبُر على العمل.
ولعل أقبح الصفات وأشدّها جفاء لمهنة التدريس هي الغرور، والملل، واللامبالاة.
ولن تجد معلماً ناجحاً صالحاً إلا وجدته متواضعاً يخفض جناحه لزملائه وتلاميذه، حريصاً على أداء الواجب، صبوراً على العمل، لا يتلمّس المعاذير في التقاعس عنه، معواناً على الخير كلما سنحت فرصة للعون، سواء أكان ذلك لرؤسائه أم لزملائه أم لتلاميذه.
ولن ترى معلماً خائباً غير موفق في تعليمه، إلا رأيته مغروراً لا يتقبل نصحاً، أو ملولاً لا يطيق عملاً، أو لا مبالياً لا يبالي أحضّر درسه أم لم يُحضّره، أفَهِم تلاميذه ما يقول لهم أم لم يفهموا، أدخَلَ على طلابه مع بَدْءِ الحصة أم بعد رُبْع ساعة، أقام الطلاب بواجباتهم أم لم يقوموا، هو لا يهتم بشيء من ذلكم ولا يكترث له، ولا يعرف المسئولية كيف تكون ومتى تكون وأين تكون.
وهناك صفة بالغة القيمة، ينبغي أن يتحلّى بها الطالب الذي نعدّه للتعليم في المستقبل، وينبغي أن نوليها عنايةً عظيمةً في مجال الاختيار والإعداد تلك هي الرغبة الصادقة في التعليم، على أن تكون رغبةً خاصةً لوجه الله، ليست لما يتوهمه أناس في هذه المهنة من سهولة العمل، أو حلاوة العطل، أو الحصول على وظيفة بأقلّ كلفةٍ وأيسر طريق.
стр. 4203
فإذا وجدت الرغبة الصادقة الخالصة في التعليم، فسوف يجد صاحبها في هذه المهنة لذةً ومتعة، تنسيه المتاعب، وتذلل المصاعب، وتوقد في صدره العزيمة، فيدخل على تلاميذه ووجهه يطفح بالبشر، ويصدرُ عنهم وهو مطمئن الفؤاد.
أما الذي لا يرغب في التعليم، وكان قد أخطأ الظن والتقدير في هذه المهنة، فسوف تجده يراوغ فيها كما تراوغ الثعالب، ويذهب إلى غرف التدريس وهو يقتلع أقدامه من الأرض اقتلاعاً كأنما يساق إلى الموت.
فما جدوى هؤلاء وأمثالهم؟ ولم يشقى بهم التلاميذ، وتشقى بهم الأمة، ويحملون أوزارهم وأوزاراً مع أوزارهم يوم يقوم الحساب.
وإذا كنت قد اشترطت في الطالب الذي أُعِدّه للتعليم أن يكون ذا معدلٍ جيد في الدرجات، وصفاتٍ حميدةٍ تلتزمُ الدين ورغبةٍ صادقةٍ في التعليم إذا كنت قد اشترطت ذلك كلّه فلست بناس أمراً رابعاً ذا أهمية عظمى.
ذلك أن يكون ذا صحة جيدة، ولسانٍ مبرأ ٍمن العيوب فصيح، وإذا كان زعماء السياسة وقادة الجماهير وخطباء المنابر إذا كان هؤلاء جميعاً لا يعرفون لهم سلاحاً أمضى من فصاحة اللسان، وسحر البيان، فإن المعلم لأولى من هؤلاء جميعاً أن يكون طلق اللسان فصيح اللهجة واضح الحروف، ذا حنجرة قوية الأوتار مرنان.
والآن وقد عرضت ما ينبغي أن يكون عليه الطالب المختار للتعليم، أرى أن لا غناء له عن سنتين يقضيهما في دراسة علمية ودراسة مسلكية في التربية، وعلم النفس، وطرق التدريس، والتدريب العملي، قبل أن يخرج إلى المرحلة الثالثة مرحلة العمل ومزاولة المهنة.
وهذه الدراسة ليست دراسة جامعية ولا نصف جامعية، وليست دراسة للثقافة العامة، وليست قادرة على أن تؤهل كل معلم لأن يعلم كل مادة من مواد المرحلة الابتدائية.
لهذا كله كان لا بد أن تقوم الدراسة في معاهد المعلمين على شيء من التخصص: تخصصٍ لتدريس الدين، تخصصٍ لتدريس اللغة العربية، تخصص لتدريس الرياضيات والعلوم.. وهكذا..
стр. 4204
وينبغي أن يقوم بالتدريس في معاهد المعلمين هذه أساتذة ذوو اختصاص علمي وتجربة، وأن يكونوا على حظ عظيم من الثقافة الإسلامية، والأخلاق الكريمة والتمسك بالدين بحيث يكونون قدوة صالحة لطلابهم في السلوك والقول والعمل لأن طالب معاهد المعلمين إذا لم يجد في أساتذته الكبار قدوةً قيمةً صالحة، فمن الصعب أن يكون هذا الطالب في المستقبل قدوةً صالحةً لتلاميذه الصغار.
ولا بد أن تكون المواد الدراسية في معاهد المعلمين سواءٌ أكانت علميةً أم مسلكية لا بد أن تكون مقصورة على ما يحتاج إليه الطالب في تدريسه في المستقبل دون إسراف ولا إرهاق.
وعلى سبيل المثال يكون منهج اللغة العربية مقصوراً على دراسة القواعد والقراءة والنصوص والتعبير والإملاء والخط، وأن تكون مباحث القواعد هي المباحث المقررة في المرحلة الابتدائية ولكن على نطاق واسع وتطبيقات أدق، وأن تكون القراءة جهريةً في الكثير الغالب، لأنها هي التي يحتاج إليها المعلم، ويعوّل عليها في تدريسه، وأن تكون دراسة النصوص قائمة على التحليل والتذوق البعيدين عن الصناعة ومصطلحات البلاغة، مع حفظ كثير من هذه النصوص ليزداد الطالب تمكناً في اللغة، وقدرة على التعبير، وأن تكون دراسة الإملاء دقيقة شاملة كثيرة التطبيقات، كافية لأن تغسل العار الذي تسيل به دفاتر التحضير وأن يكون تدريس الإنشاء قائماً على كثرة الكتابة وحسن التوجيه.
стр. 4205
أما النقد والبلاغة وتاريخ الأدب ونحو ذلك فلا حاجة إلى دراستها في هذه المعاهد، لأن المعلم لن يحتاج إلى تدريسها في المرحلة الابتدائية، وأرى أن نسير على هذا النهج وهذا المستوى في سائر المواد العلمية والمسلكية، فما يحتاج إليه الطالب معلمُ المستقبل نقرره عليه، وندرّسُه له، وما لا يحتاج إليه فلا داعي أن نرهقه به، ونُضيع عليه فرصة التوسع والتعمق في موادّ أخرى مفيدة له، فالمناهج إنما توضع على أساس أن يتسع لها الوقت، وعلى أساس أن تهضم وتستوعب، وعلى أساس أن ينتفع بها الطالب في مهنة المستقبل ويصطحبها حين تخرجه.
وبتخرّج الطالب من معهد المعلمين تنتهي المرحلة الثانية وهي مرحلة الإعداد وتبدأ المرحلة الثالثة.
المرحلة الثالثة
وتبدأ المرحلة الثالثة بمزاولة المعلم عمله، وبتجريب ما تعلّمه، والذين يظنون أن مرحلة الإعداد قد انتهت بانتهاء الدراسة في معاهد المعلمين هم أناس يتعجلون، فدراسة الطالب في المعهد دراسة نظرية لم تخضع للتجربة الصادقة والتمحيص الدقيق، ودروس التطبيق التي قام بها في أثناء دراسته دروس قليلة غلب عليها طابع التصنع والتكلف، وأسابيع التدريب التي علّم فيها قبيل تخرجه قليلة لا تكسبه خبره، ولا تشعره بالمسؤولية.
أما حين يصبح معلماً رسمياً مسئولاً، يعلّم دروسه وهو يعلم أنه مسئول عما يعلّم وعمّن يعلم، وتلاميذه يعرفون منه ذلك، فهو يعيش حياة جديدة وتجارب جديدة، وتلاقيه الصعوبات والمفاجآت التي لم تخطر له على بال وحينئذٍ يلتفت يمنةً ويَسْرة، لعله يجد من ينصح ويرشد ويعين.
وهنا يجب على التوجيه التربوي أن يقوم بزيارات سريعة لهؤلاء المعلمين الجدد، وأن تستمر هذه الزيارات إلى أن يصبح التدريس عملية طبيعية لا تكلف فيها ولا تخوّف، وتصبح خطوات الدرس في دفاتر التحضير وفي غرف التدريس سليمة من الاضطراب ومن العثار.
وحينئذ نستطيع أن نقول إنه قد تم إعداده بصورة مبدئية.
стр. 4206
ولكن لا بد لهذا المعلم أن يواصل إعداد نفسه بنفسه، غير راض أن يقف في أول الطريق، ولا على أولى درجات السلم، وعليه أن يبذل ما يستطيع من مال وجهد ووقت في سبيل تعميق مادته العلمية، وتوسيع ثقافته العامة، وتجديد معلوماته المسلكية، وعليه أن يقوم بتجارب متعددة في التدريس إلى أن يصل إلى ما هو أنجح وأجدى، أما إذا قنع بما ناله أيام الدراسة، واستعبدته طريقة واحدة من طرق التدريس فسوف يصدأ على الأيام ويبلى ويعلوه التراب، ويكون قد أضاع نفسه، وأضاع تلاميذه، وأضاع الأمانات التي حملها.
هذا، وعلى الوزارة المختصة ولا سيما قسم التوجيه التربوي، ألاّ تترك المعلمين وشأنهم، بل عليها أن تدعوهم إلى دورات صيفية عامة، أو دورات شهرية محلية، لتعرض عليهم ما لدى المختصين فيها، من جديد مفيد في شؤون العلم والتعليم وفي طرق التدريس، والتربية، وعلم النفس، وعليها أيضاً أن تستمع إلى آراء المعلمين في المناهج المقررة، وفي الكتب المدرسية. فهم أدرى الناس، وأعلمهم بما فيها من طول أو ضعف، أو صعاب، أو ارتفاع عن المستوى أو عدم صلاحية، وعليها أن تأخذ بآرائهم إذا رأت فيها الصواب وصدق التجربة.
هذا ما أردت أن أقوله لكم أيها الإخوة الكرام في سبيل إعداد المعلم الصالح للمرحلة الابتدائية.
ولقد كان في إمكاني أن أرسم صورة أخرى أكثر بريقاً وأشد لمعاناً وأبعد مثالية ولعلها صورة كانت تداعب خيال فريق منكم كما داعبت خيالي.
ولكني أردت معلماً صالحاً قريباً من الواقع أستطيع العثور عليه في هذه الدنيا بسهوله ويُسر.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته ...
من أقوال الرسول الكريم صلى الله عله وسلم
стр. 4207
عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: "إذا أحب الله عبداً نادى جبريل إن الله يحب فلاناً فأحبه فيحبه جبريل فينادي جبريل في أهل السماء إن الله يحب فلاناً فأحبوه. فيحبه أهل السماء. ثم يوضع له القبول في أهل الأرض".
رواه البخاري
стр. 4208
لَعَمري
بقلم: فضيلة الشيخ حماد محمد الأنصاري
المدرس بالجامعة الإسلامية
الحمد لله رب العلمين والصلاة والسلام على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. وبعد:
فلقد جرى بيني وبين بعض الإخوان بحث مهم حول زعم النحويين إن كلمة "لعمري"نص في اليمين كما قال ابن مالك في ألفيته:
وفي نص يمين "ذا استقر"
وبعد لولا غالباً حذف الخبر حتم
وأثارت هذه الدعوى بيننا استشكالاً عميقاً لأنها لا تتلاءم مع نهي الشارع عن الحلف بغير الله على القول بأنها يمين شرعاً، لما ثبت في حديث عمر ابن الخطاب ﵁ عند الشيخين.
قال البخاري حدثنا عبد الله بن مسلمة عن مالك عن نافع عن عبد الله ابن عمر ﵄: "أن رسول الله ﷺ أدرك عمر بن الخطاب ﵁ وهو يسير في ركب يحلف بأبيه، فقال: "ألا إن الله ينهاكم أن تحلفوا بآبائكم من كان حالفاً فليحلف بالله أو ليصمت" وعند ابن أبي شيبة في مصنفه من طريق عكرمة قال: قال عمر: "حدثت قوماً حديثاً فقلت لا وأبي. فقال رجل من خلفي: لا تحلفوا بآبائكم فالتفت فإذا رسول الله ﷺ يقول: "لو أن أحدكم حلف بالمسيح هلك والمسيح خير من آبائكم". قال الحافظ وهذا مرسل يتقوى بشواهده. وعند الترمذي من وجه آخر عن ابن عمر: "أنه سمع رجلاً يقول: لا والكعبة فقال: لا تحلف بغير الله فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: "من حلف بغير الله فقد كفر أو أشرك". قال الترمذي حسن وصححه الحاكم. وقال النووي: "قال ابن عباس ﵄: "لأن أحلف بالله مائة مرة فآثم خير من أن أحلف بغيره فأبر".
стр. 4209
وروى عبد الرزاق عن الثوري عن أبي سلمة عن وبرة قال: "قال عبد الله لا أدري ابن مسعود أو ابن عمر: "لأن أحلف بالله كاذباً أحب إليّ من أن أحلف بغيره صادقاً". اهـ ج٨ ص٤٦٩. من المنصف٩١.
قال الهيثمي: "ورواه الطبراني في الكبير ورجاله رجال الصحيح". ج٤ ص١٧٧.
وقال العلماء: السر في النهي عن الحلف بغير الله أن الحلف بالشيء يقتضي تعظيمه والعظمة في الحقيقة إنما هي لله وحده وقال ابن عبد البر أجمع العلماء على أن اليمين بغير الله مكروهة منهي عنها لا يجوز لأحد الحلف بها وجزم غيره بالتفصيل فقال فإن اعتقد في المحلوف به من التعظيم ما يعتقده في الله حرم الحلف به وكان بذلك كافراً وعلى هذا يتنزل حديث الترمذي المذكور.
وأما إذا حلف بغير الله لاعتقاده تعظيم المحلوف به على ما يليق به من التعظيم فلا يكفر بذلك ولا تنعقد يمينه. قال الماوردي لا يجوز لأحد أن يحلف أحدا بغير الله لا بطلاق ولا عتاق ولا نذر وإذا حلف الحاكم أحداً بشيء من ذلك وجب عزله لجهله - انتهى.
وهذا هو سبب الاستشكال المذكور آنفاً حول كلمة "لعمري" وفي ضمن البحث قلت إن لفظ "لعمري"ليس يميناً شرعياً بل هو يمين لغوية لخلوه من حروف القسم المعروفة المحصورة في الواو والباء والتاء ولعدم الكفارة على من أقسم بها. هذا مع ثبوت الحديث بأن النبي ﷺ نطق بها وصح عن بعض أصحابه ﵃ التفوه بها منهم ابن عباس وعثمان ابن أبي العاص وعائشة أم المؤمنين وأسماء بنت أبي بكر الصديق وعمر بن الخطاب وأبو عبيدة ابن الجراح وغيرهم ﵃ وكذلك صح عن التابعين لهم بإحسان استعمالها منهم عطاء وقتادة وغيرهما كما سيأتي في محله إن شاء الله تعالى. ولم يثبت عن أحد حسب الاستقراء مخالفتهم إلا ما حكي عن الحسن البصري وإبراهيم النخعي.
стр. 4210
قال عبد الرزاق اخبرنا معمر عن مغيرة عن إبراهيم أنه كان يكره "لعمرك"ولا يرى بـ"لعمري بأسا"قال معمر وكان الحسن يقول لا بأس بـ"وأيم الله"، ويقول قد قال النبي ﷺ : "وأيم الذي نفسي بيده". انتهى ج٨ ص٤٦٩- ٤٧١. وهما محجوجان بالنصوص الواردة في جواز التكلم بها إن لم نحمل قولهما على عدم بلوغ النصوص إليهما وهذا هو الأظهر المظنون بمثلهما أو على أنهما منعا ذلك سداً للذريعة. وأما قياس إبراهيم النخعي هذه الكلمة "لعمري"على قول الإنسان "وحياتي" فقياس مع فارق وهو باطل كما هو معروف في فن الأصول لأن الأخيرة معها واحد من حروف القسم التي أجمع على أنها صريحة في اليمين بخلاف تلك أي "لعمري" فإن اللام فيه ليست من أدوات القسم لما تقدم. بل مثل هذه اللفظة تعتبر جرياً على رسم اللغة تذكر لتأكيد مضمون الكلام وترويجه فقط لأنه أقوى من سائر المؤكدات وأسلم من التأكيد بالقسم بالله لوجوب البر به وليس الغرض فيه اليمين الشرعي فصورة القسم على هذا الوجه المذكور لا بأس به ولهذا شاع بين المسلمين استعمالها. وقد قال النووي في شرحه على حديث مسلم والدارمي وأبي داود أعني حديث إسماعيل بن جعفر قال مسلم النيسابوري القشيري في صحيحه حدثني يحيى بن جعفر قال مسلم النييسابوري القشيري في صحيحه حدثني يحيى بن أيوب وقتيبة بن سعيد جميعاً عن إسماعيل بن جعفر عن أبي سهيل عن أبيه واسم أبي سهيل نافع بن مالك بن أبي عامر الأصبحي ونافع هذا عم مالك بن أنس الإمام وهو تابعي سمى أنس بن مالك عن طلحة بن عبيد الله: أنه جاء رجل إلى رسول الله ﷺ من أهل نجد ثائر الرأس نسمع دوي صوته ولا نفقه ما يقول حتى دنا من رسول الله ﷺ فإذا هو يسأل عن الإسلام، فقال رسول الله ﷺ : "خمس صلوات في اليوم والليلة. فقال: هل عليّ غيرهن؟ قال: لا إلا أن تطوع، وصيام شهر رمضان. فقال: هل عليّ غيره؟ قال: لا إلا أن
стр. 4211
تطوع. وذكر له رسول الله ﷺ الزكاة، فقال: هل عليّ غيرها؟ قال: لا إلا أن تطوع. فأدبر الرجل وهو يقول: لا أزيد على هذا ولا أنقص منه. فقال رسول الله ﷺ : أفلح وأبيه أو دخل الجنة وأبيه إن صدق" وقال الحافظ محيى الدين النووي في شرحه: "هذا مما جرت عادتهم أن يسألوا عن الجواب عنه مع قوله ﷺ : "إن الله ينهاكم أن تحلفوا بآبائكم"وجوابه أن قوله ﷺ : "أفلح وأبيه" ليس حلفاً إنما هو كلمة جرت عادة العرب أن تدخلها في كلامها غير قاصدة بها حقيقة الحلف والنهي إنما ورد فيمن قصد حقيقة الحلف لما فيه من إعظام المحلوف به ومضاهاته به ومضاهاته به الله فهذا هو الجواب المرضي وقيل يحتمل أن يكون هذا قبل النهي عن الحلف بغير الله تعالى والله أعلم".
وقد نقل الحافظ ابن حجر كلام النووي هذا وزاد: "ولأبي داود مثل رواية مسلم لكن بحذف (أو) في قوله: "أفلح وأبيه إن صدق ودخل الجنة وأبيه إن صدق". ثم قال: "إن هذه كلمة جارية على اللسان لا يقصد بها الحلف كما جرت على لسانهم (عقري وحلقي) وما أشبه ذلك أو فيه إضمار اسم الرب. وكأنه قال ورب أبيه وقيل هو خاص به ﷺ ويحتاج هذا القول إلى دليل وحكى السهيلي عن بعض مشايخه أنه قال هو تصحيف، وإنما كان والله فقصرت اللامان واستنكر القرطبي هذا وقال أنه يجزم الثقة بالرواية الصحيحة وغفل القرافي فادعى أن الرواية بلفظ "وأبيه" لم تصح لأنها ليست في الموطأ وكأنه لم يرتض الجواب فعدل إلى رد الخبر وهو صحيح لا مرية فيه".
стр. 4212
قال البيهقي: "وأما الذي روينا في كتاب الصلاة عن طلحة بن عبيد الله في قصة الأعرابي أن النبي ﷺ قال: "أفلح وأبيه إن صدق". فيحتمل أن يكون هذا القول منه ﷺ قبل النهي ويحتمل أن يكون جرى ذلك منه على عادة الكلام الجاري على الألسن وهو لا يقصد به القسم كلغو اليمين المعفو عنه. ويحتمل أن يكون النهي إنما وقع عنه إذا كان منه على وجه التوقير والتعظيم لحقه دون ما كان بخلافه ولم يكن ذلك منه على وجه التعظيم بل كان على وجه التوكيد.
ويحتمل أنه كان ﷺ أضمر فيه اسم الله تعالى كأنه قال لا ورب أبيه وغيره لا يضمر بل يذهب فيه مذهب التعظيم لأبيه". قال السهيلي في روض الأنف ج٦ ص٥٤٨ غزوة خيبر حول شرح "فاغفر فداء لك ما أبقينا" بعنوان "استعمال الكلمة في غير موضعها"قال في ذلك: "فرب كلمة ترك أصلها واستعملت كالمثل في غير ما وضعت له أولا كما جاءوا بلفظ القسم في غير موضع القسم إذا أرادوا تعجباً واستعظاماً لأمر كقوله ﵊ في حديث الأعرابي من رواية إسماعيل بن جعفر: "أفلح وأبيه إن صدق" ومحال أن يقصد ﷺ القسم بغير الله ﵎ لا سيما برجل مات عليه الكفر وإنما هو تعجب من قول الأعرابي والمتعجب منه مستعظم ولفظ القسم في أصل وضعه لما يعظم فاتسع في اللفظ على هذا الوجه قال الشاعر:
فلا وأبي أعدائها لا أخونها
فإن تك ليلى استودعتني أمانة
стр. 4213
لم يرد أن يقسم بأبي أعدائها ولكنه ضرب من التعجب وقد ذهب أكثر شراح الحديث إلى النسخ في قوله: "أفلح وأبيه" قالوا نسخه قوله: "لا تحلفوا بآبائكم" وهذا قول لا يصح لأنه لم يثبت أن النبي ﷺ كان يحلف قبل النسخ بغير الله ويقسم بقوم كفار وما أبعد هذا من شيمته ﷺ تالله ما فعل هذا قط ولا كان له بخلق، وقال قوم رواية إسماعيل بن جعفر مصفحة وإنما هو "أفلح والله إن صدق"وهذا أيضاً منكر من القول واعتراض على الاثبات العدول فيما حفظوا. وقد خرج مسلم في كتاب الزكاة قوله ﵊ لرجل سأله أي الصدقة أفضل فقال: "وأبيك لأنبئنك أو قال لأخبرنك "وذكر الحديث. وخرج في كتاب البر والصلة قوله لرجل سأله: "من أحق الناس بأن أبره؟ أو قال: "أصله فقال وأبيك لأنبئك صل أمك" الحديث.
فقال: "في هذه الأحاديث كما ترى "وأبيك" فلم يأت إسماعيل بن جعفر إذا في روايته بشيء إمر ولا بقول بدع. وقد حمل عليه في روايته رجل من علماء بلادنا وعظماء محدثيها يعني الحافظ بن عبد البر وغفل عفا الله عنه عن الحديثين اللذين تقدم ذكرهما وقد خرجهما مسلم بن الحجاج وفي تراجم أبي داود في كتاب الإيمان في مصنفه ما يدل على أنه كان يذهب إلى قول من قال بالنسخ وأن القسم بالآباء كان جائزاً. والذي ذكرناه ليس في باب الحلف بالآباء كما قدمنا ولا قال في الحديث وأبي، وإنما قال وأبيه أو وأبيك بالإضافة إلى ضمير المخاطب أو الغائب وبهذا الشرط يخرج عن معنى الحلف إلى معنى التعجب الذي ذكرناه هكذا في الروض الآنف ج٦ ص٥٤٨ في غزوة خيبر الطبعة الأخيرة.
وقال الحافظ: "وأقوى الأجوبة الأولان وهما أن هذا كان قبل النهي أو أنها كلمة جارية على اللسان كما تقدم في كلام النووي. وكونه منسوخاً أصح لحديث عمر وابنه".
فصل في ذكر بعض ما ورد في هذه الكلمة مرفوعاً وموقوفاً ومقطوعاً.
стр. 4214
فهاك أيها القارئ الطالب للحق بعض ما ورد في هذه الكلمة مرفوعاً اسرده لك بعدما مهدت به على هذه المسألة ولقد فتشت وسألت عمن ألف في خصوصيتها فلم أجد من قرع بابها قبل قلمي هذا.
فأقول وبالله التوفيق (الأحاديث المرفوعة) في المسألة قولاً وتقريراً من الشارع ﷺ قال أبو داود سليمان بن الأشعث في سننه حدثنا عبيد الله بن معاذ حدثنا أبي ثنا شعبة عن عبد الله بن أبي السفر عن الشعبي عن خارجة بن الصلت عن عمه بن صحار التميمي أنه مر بقوم فأتوه فقالوا إنك جئت من عند هذا الرجل بخير فارق لنا هذا الرجل فأتوه برجل معتوه في القيود فرقاه بأم القرآن ثلاثة أيام غدوة وعشية وكلما ختمها جمع بزاقه ثم تفل فكأنما أنشط من عقال فأعطوه شيئاً فأتى النبي ﷺ فذكر له ذلك فقال النبي ﷺ : "كل فلعمري لمن أكل برقية باطل لقد أكلت برقية حق" وقال أبو داود أيضا في سننه حدثنا عبد الله بن مسلمة عبد مالك عن زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار عن رجل من بني أسد أنه قال: "نزلت وأنا وأهلي ببقيع الغرقد فقال لي أهلي اذهب إلى رسول الله ﷺ فسله لنا شيئاً نأكله فجعلوا يذكرون من حاجتهم فذهبت إلى رسول الله ﷺ فوجدت عنده رجلاً يسأله ورسول الله ﷺ يقول: "لا أجد ما أعطيك"فتولى الرجل وهو مغضب وهو يقول: "لعمري إنك لتعطي من شئت"فقال رسول الله ﷺ : "يغضب عليّ أن لا أجد ما أعطيه. من سأل منكم وله أوقية أو عد لها فقد سأل إلحافا". قال الأسدي فقلت للقحة لنا خير من أوقية والأوقية أربعون درهماً قال فرجعت ولم أسأله فقدم علي رسول الله ﷺ بعد ذلك شعير أو زبيب فقسم لنا منه أو كما قال حتى أغنانا الله "، قال أبو داود هكذا روى الثوري كما قال مالك. انتهى.
"فصل"في الآثار عن الصحابة
стр. 4215
وقد تقدم أن سبعة من الصحابة نطقوا بهذه الكلمة بعد وفاته ﷺ منهم عمر بن الخطاب ﵁ الذي روى حديث النهي عن الحلف بغير الله فقد ثبت عنه في كتابه إلى أبي عبيدة بن الجراح أنه قال:
"أما بعد فقد قدم عليّ أخو ثمالة بكتابك يخبرني فيه بنفر الروم إلى المسلمين براً وبحراً وبما جاشوا عليكم من أساقفتهم وقسيسهم ورهبانهم وإن ربنا المحمود عندنا والصانع لنا والعظيم ذا المن والنعمة الدائمة علينا قد رأى مكان هؤلاء الأساقفة والرهبان حيث بعث محمداً ﷺ بالحق وأعزه بالنصرة ونصره بالرعب على عدوه وقال وهو لا يخلف الميعاد ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ﴾ فلا تهولنك كثرة ما جاءك منهم فإن الله منهم بريء من برئ الله منه كان قمنا أن لا تنفعه كثرة وإن يكله الله إلى نفسه ويخذله ولا توحشنك قلة المسلمين في المشركين فإن الله معك وليس قليلاً من كان الله معه فأقم بمكانك الذي أنت فيه حتى تلقى عدوك وتناجزهم وتستظهر بالله عليهم وكفى به ظهيراً وولياً ونصيراً. وقد فهمت مقالتك احتسب أنفس المسلمين إن هم أقاموا ودينهم إن هم تفرقوا فقد جاءهم ما لا قبل لهم به إلا أن يمدهم الله بملائكته ويأتيهم بغياث من قبله.
стр. 4216
وأيم الله لولا استثناؤك بهذا لقد كنت أسأت ولعمري إن أقام لهم المسلمون وصبروا فأصيبوا لما عند الله خير الأبرار ولقد قال الله ﴿فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلاً﴾ فطوبى للشهداء وإن لمن عقل عن الله ممن معك من المسلمين لأسوة بالمصرعين حول رسول الله ﷺ في مواطنه فما عجز الذين قاتلوا في سبيل الله ولا هابوا الموت في جنب الله ولا وهن الذين بقوا من بعده ولا استكانوا لمصيبتهم ولكنهم تأسوا بها وجاهدوا في الله من خالفهم منهم وفارق دوينهم ولقد أثنى الله على قوم بصبرهم فقال: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ، وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلا أَنْ قَالُوا رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ، فَآتَاهُمُ اللَّهُ ثَوَابَ الدُّنْيَا وَحُسْنَ ثَوَابِ الآخِرَةِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ فأما ثواب الدنيا فالغنيمة والفتح وأما ثواب الآخرة فالمغفرة والجنة واقرأ كتابي هذا على الناس ومرهم فليقاتلوا في سبيل الله وليصيروا كيما يؤتيهم الله ثواب الدنيا وحسن ثواب الآخرة. فأما قولك أنهم قد جاءهم ما لا قبل لهم به فإن لا يكن لكم بهم قبل فإن لله بهم قبلا ولم يزل ربنا عليهم مقتدرا ولو كنا والله إنما نقاتل الناس بحولنا وقوتنا وكثرتنا لهيهات ما قد أبادونا وأهلكونا ولكن نتوكل على الله ربنا ونبرأ إليه من الحول والقوة ونسأله النصرة والرحمة وإنكم منصورون إن شاء الله على كل حال فأخلصوا لله نيتكم وارفعوا إليه رغبتكم واصبروا وصابروا ورابطوا واتقوا الله لعلكم فتفلحون".
стр. 4217
قال أحمد زكي صفوت في جمهرة رسائل العرب في العصور العربية الزاهرة ذكرها صاحب فتوح الشام ص ١٦٢.
قلت: قال أبو عبد الله الواقدي مؤلف فتوج الشام والله الذي لا إله إلا هو عالم الغيب والشهادة ما اعتمدت في أخبار هذه الفتوح إلا الصدق وما نقلت أحاديثها إلا عن الثقات.
قال الخطيب البغدادي في كتابه الموضح: "أخبرنا السكري أخبرنا جعفر الواسطي أخبرنا ابن المتوكل أخبرنا المدائني قال: قال عبد الله بن فائد وغسان ابن عبد الحميد عن جعفر بن عبد الله بن مسور بن مخرمة عن أبيه أن عمر بن الخطاب قال لمتمم بن نويرة أنشدني مرثيتك أخاك مالكاً فأنشده:
ولا جزعاً مني وإن كنت موجعا
لعمري وما عمري بتابين هالك
قال الإمام أحمد حدثنا يزيد أخبرنا محمد بن عمرو عن أبيه عن جده علقمة بن وقاص قال أخبرتني عائشة ﵂ قالت خرجت يوم الخندق أقفو الناس فسمعت وئيد الأرض ورائي فإذا أنا بسعد بن معاذ ﵁ ومعه ابن أخيه الحارث بن أوس يحمل مجنة قالت فجلست إلى الأرض فمر سعد ﵁ وعليه درع من حديد قد خرجت منه أطرافه فأنا أتخوّف على أطراف سعد قالت وكان سعد ﵁ من أعظم الناس وأطولهم فمر وهو يرتجز ويقول:
ما أحسن الموت إذا حان الأجل
ليث قليلاً يشهد الهيجا حمل
قالت فقمت فاقتحمت حديقة فإذا فيها نفر من المسلمين وإذا فيها عمر بن الخطاب ﵁ وفيهم رجل عليه تسبغة له تعني المغفر فقال عمر ﵁ ما جاء بك"لعمري"والله إنك لجريئة وما يؤمنك أن يكون بلاء أو يكون تخور قالت فما زال يلومني حتى تمنيت أن الأرض انشقت في ساعتئذ فدخلت فيها فرفع الرجل التسبغة عن وجهه فإذا هو طلحة بن عبيد الله ﵁ فقال يا عمر ويحك إنك قد أكثرت منذ اليوم وأين التخور أو الفرار إلا إلى الله" الحديث ذكره ابن كثير بطوله جـ٣ ص٤٧٩.
стр. 4218
ومنهم ابن عمر ﵄ فقد جاء عن جويرية بنت أسماء عن نافع بن شيبة قال: "لقي الحسين معاوية بمكة عند الردم فأخذ بخطام راحلته فأناخ به ثم ساره طويلاً وانصرف فزجر معاوية الراحلة فقال له ابنه يزيد لا يزال الرجل قد عرض لك فأناخ بك"قال: "دعه لعله يطلبها من غيري فلا يسوغه فيقتله"في كلام طويل إلى أن قال: "وقال ابن عمر للحسين: "لا تخرج فإن رسول الله ﷺ خير بين الدنيا والآخرة فاختار الآخرة وإنك بضعة منه ولا تنالها ثم اعتنقه وبكى وودعه فكان ابن عمر يقول غلبنا بخروجه ولعمري لقد رأى في أبيه وأخيه عبرة ورأى من الفتنة وخذلان الناس لهم ما كان ينبغي له أن يتحرك". انتهى من سير النبلاء جـ٣ص١٩٩.
ومنهم ابن عباس قال الإمام أبو الحسين مسلم بن الحجاج القشيري من بني قشير قبيلة من العرب معروفة النيسابوري في باب النساء الغازيات جـ١٢ ص١٩٠: "حدثنا عبد الله بن مسلمة بن قعنب حدثنا سليمان يعني ابن بلال عن جعفر بن محمد عن أبيه عن يزيد بن هرمز أن نجدة كتب إلى ابن عباس ﵄ يسأله عن خمس خلال فقال ابن عباس لولا أن أكتم علماً ما كاتبت إليه كتب إليه نجدة [١] أما بعد فأخبرني هل كان رسول الله ﷺ يغزو بالنساء وهل كان يضرب لهم بسهم وهل كان يقتل الصبيان ومتى يتقضى يتم اليتيم وعن الخمس لمن هو؟
стр. 4219
فكتب إليه ابن عباس ﵄ كتبت تسألني هل كان رسول الله ﷺ يغزو بالنساء وقد كان يغزو بهن فيداوين الجرحى ويحذين من الغنيمة وأما بسهم فلم يضرب لهن وان رسول الله ﷺ لم يكن يقتل الصبيان فلا تقتل الصبيان، وكتبت تسألني متى ينقضي يتم اليتيم"فلعمري" إن الرجل لتنبت لحيته وإنه لضعيف الأخذ لنفسه ضعيف العطاء منها فإذا أخذ لنفسه من صالح ما يأخذ الناس فقد ذهب عنه اليتم وكتبت تسألني عن الخمس لمن هو، وإنا كنا نقول هو لنا فأبى علينا قومنا ذلك"وأخرج مسلم عن عروة ابن الزبير أن عبد الله بن الزبير قام بمكة فقال ان ناساً أعمى الله قلوبهم كما أعمى أبصارهم يفتون بالمتعة يعرض برجل فناداه أنك لجلف جاف"فلعمري"لقد كانت المتعة تفعل في عهد إمام المتقين، يريد رسول الله ﷺ فقال له ابن الزبير فجرب بنفسك فوالله لأن فعلتها لأرجمنك بأحجارك والمراد بالرجل ابن عباس انتهى من مسلم في باب نكاح المتعة جـ١ ص٤٥٢.
وأما عائشة أم المؤمنين ﵂ فقد نطقت بـ"لعمري".
قال محمد بن إسماعيل البخاري في صحيحه في باب قوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ﴾ حدثنا عبد العزيز بن عبد الله حدثنا إبراهيم بن سعد عن صالح عن ابن شهاب قال أخبرني عروة بن الزبير عن عائشة ﵂ قالت له وهو يسألها عن قول الله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ﴾ قال قلت: "أكذبوا أم كذّبوا"قالت عائشة: "كذّبوا"قلت: "فقد استيقنوا أن قومهم كذبوهم فما هو بالظن"قالت: "أجل لعمري لقد استيقنوا بذلك"فقلت لها: "وظنوا أنهم قد كذبوا"قالت: "معاذ الله لم تكن الرسل تظن ذلك بربها"قلت: "فما هذه الآية؟ "قالت: "هم أتباع الرسل الذين آمنوا بربهم وصدقوهم فطال عليهم البلاء واستأخر عنهم النصر حتى إذا استيأسوا ممن كذبوهم من قومهم فظنت الرسل أن أتباعهم كذبوهم جاءهم نصر الله عند ذلك".
стр. 4220
وأخرج الحاكم في مستدركه بسنده إلى عبد الله بن وهب أخبرني عمرو ابن الحارث أن بكيراً حدثه أن أمه حدثته: أنها أرسلت إلى عائشة ﵂ بأخيه مخرمة وكانت تداوي من قرحة تكون بالصبيان فلما داوته عائشة وفرغت منه رأت في رجليه خلخالين جديدين فقالت عائشة أظننتم أن هذين الخلخالين يدفعان عنه شيئاً كتبه الله عليه لو رأيتهما ما تداوى عندي وما مرّ عندي لعمري للخلخالين من فضة أطهر من هذين قال الحاكم هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه وقال الذهبي في التلخيص سمعه ابن وهب منه.
وأما عثمان بن أبي العاص فقد أخرج إسحاق بن راهويه في مصنفه عن عبد الرحمن بن أبي بكرة قال: "كانت يمين عثمان بن أبي العاص لعمري" [٢] وقال الحافظ بن حجر في الإصابة في أسماء الصحابة: "ذكر المرزباني في معجم الشعراء أن عثمان بن بشر بن دهمان كان قد شد في الجاهلية على عمرو بن معد يكرب فهرب عمرو فقال عثمان:
حواسر يخمشن الوجوه على عمرو
لعمرك لولا الليل قامت مآتم
وأما أبو عبيدة بن الجراح: فإنه ثبت أنه تكلم بها في كتابه إلى عمر بن الخطاب ﵄ ولفظه: بسم الله الرحمن الرحيم لعبد الله عمر أمير المؤمنين من أبي عبيدة بن الجراح.
سلام عليكم فإني أحمد الله إليك الذي لا إله إلا هو أما بعد:
стр. 4221
فإن الروم قد أقبلت فنزلت فحل طائفة منهم مع أهلها وقد سارع إليهم أهل البلد ومن كان على دينهم من العرب وقد أرسلوا إلي أن أخرج من بلادنا التي تنبت الحنطة والشعير والفواكه والأعناب وأنكم لستم لها بأهل والحقوا ببلادكم بلاد الشقاء والبؤس فإن أنتم لم تفعلوا سرنا إليكم بما لا قبل لكم به ثم أعطينا لله عهداً أن لا ننصرف عنكم ومنكم عين تطرف فأرسلت إليهم: أما قولكم أخرجوا من بلادنا فلستم بأهله فلعمري ما كنا لنخرج منها وقد دخلناها وورّثناها الله منكم ونزعناها من أيديكم وإنما البلاد بلاد الله والعباد عباده وهو ملك الملوك يؤتي الملك من يشاء وينزع الملك ممن يشاء ويعز من يشاء وينزع الملك ممن يشاء ويعز من يشاء ويذل من يشاء وأما ما ذكرتم من بلادنا وزعمتم أنها بلاد البؤس والشقاء فقد صدقتم قد أبدلنا الله بها بلادكم بلاد العيش الرفيغ أي الواسع والسعر الرخيص والفواكه الكثيرة فلا تحسبونا بتاركيها ولا منصرفين عنها ولكن أقيموا لنا فوالله لا نجشمكم إتياننا ولتأتينكم إن أقمتم لنا فكتبت إليك حين نهضت إليهم متوكلاً على الله راضياً بقضاء الله واثقاً بنصر الله كفانا الله وإياكم والمؤمنين مكيدة كل كائد وحسد كل حاسد ونصر الله أهل دينه نصراً عزيزاً وفتح لهم فتحاً يسيراً وجعل لهم من لدنه سلطاناً نصيراً. انتهى. من جمهرة رسائل العرب وقد عزاها صاحبها إلى فتوح الشام ص١٠٩.
وروى البزار بسند فيه معلى بن عبد الرحمن الواسطي وهو ضعيف جداً وقال ابن عدي أرجو أنه لا بأس به عن جابر قال دخل علي بن أبي طالب على فاطمة ﵂ يوم أحد فقال-
فلست برعديد ولا بلئيم أفاطمة هاك السيف غير ذميم
ومرضاة رب بالعباد عليم
"لعمري"لقد أبليت في نصر أحمد
стр. 4222
فقال رسول الله ﷺ إن كنت أحسنت القتال فقد أحسنه سهل بن حنيف وابن الصمة وذكر آخر فنسيه علي فقال جبريل ﷺ يا محمد هذا وأبيك المواساة فقال رسول الله ﷺ يا جبريل إنه مني فقال جبريل وأنا منكما انتهى من مجمع الزوائد جـ٦ ص ١٢٢.
وأما أسماء بنت أبي بكر الصديق ﵄ فقد ذكر الحافظ الذهبي في سير النبلاء انها فاهت بهذه الكلمة بما لفظه سفيان بن عيينة عن إسماعيل عن الشعبي قال قدمت أسماء من الحبشة فقال لها عمر يا حبشية سبقناكم بالهجرة فقالت "لعمري"لقد صدقت كنتم مع رسول الله ﷺ يطعم جائعكم ويعلم جاهلكم وكنا البعداء الطرداء أما والله لأذكرنه لرسول الله ﷺ فأتيته فقال للناس هجرة واحدة ولكم هجرتان.
وكذلك الصحابي الذي جاءه الأسدي يسأل رسول الله ﷺ فقد أقره ﷺ على النطق بها لما تولى وهو مغضب حين قال له رسول الله ﷺ لا أجد ما أعطيك فقال "لعمري" إنك لتعطي من شئت الحديث تقدم عند أبي داود في باب الأحاديث المرفوعة ومنهم أبو هريرة.
(قال عبد الرزاق) باب الحلف بغير الله وأيم الله "ولعمري"
قال الراوي أخبرها عبد الرزاق قال أخبرها ابن جريج قال سمعت عطاء يقول كان خالد بن العاص وشيبة بن عثمان يقولان إذا أقسما "وأبي" فنهاهما أبو هريرة عن ذلك أن يحلفا بآبائهما قال فغير شيبة فقال"لعمري"وذلك أن إنساناً سأل عطاء عن "لعمري"وعن"لا"ها الله إذا أبهما بأس فقال لا ثم حدث هذا الحديث عن أبي هريرة وأقول ما لم يكن حلف بغير الله فلا بأس فليس"لعمري"بقسم. انتهى منه جـ٨ ص٤٦٩ إلى ٤٧١.
стр. 4223
ورور عبد الرزاق أيضاً عن الثوري عن إبراهيم بن مسلم عن أبي الأحوص قال: قال عبد الله من سره أن يلقى الله غداً مسلماً فليحافظ على هذا الصلوات المكتوبة حيث ينادى بهن فإنهن من سنن الهدى وإن الله قد شرع لنبيكم سنن الهدى"ولعمري"ما أخال أحدكم إلا وقد اتخذ مسجداً في بيته ولو أنكم صليتم في بيوتكم كما يصلي هذا المتخلف في بيته لتركتم سنة نبيكم ﷺ ولو تركتم سنة نبيكم ﷺ لضللتم ولقد رأيتنا وما يتخلف عنها إلا منافق معلوم نفاقه أو معروف نفاقه ولقد رأيت الرجل يهادي بين الرجلين حتى يقام في الصف فما من رجل يتطهر فيحسن الطهور فيخطو خطوة يعمد بها إلى مسجد لله تعالى إلا كتب الله له بها حسنة ورفع له بها درجة وحط عنه بها خطيئة حتى إن كنا لنقارب في الخطا جـ -١ ص ٥١٦ [٣] .
الأحاديث المقطوعة في المسألة.
وقد ذكرنا في أول التمهيد أن كلمة "لعمري" تكلم بها التابعون منهم عمر بن عبد العزيز فقد كتب عمر بن عبد العزيز إلى عدي بن أرطأة وكان عاملاً على البصرة: أما بعد فقد جاءني كتابك تذكر أن قبلك عمالاً قد ظهرت خيانتهم وتسألني أن آذن لك في عذابهم كأنك ترى أن لك جنة من دون الله فإذا جاءك كتابي هذا فإن قامت عليهم بينة فخذهم بذلك وإلا فاحلفهم دبر صلاة العصر بالله الذي لا إله إلا هو ما اختانوا من مال المسلمين شيئاً فإن حلفوا فخل سبيلهم فإنما هو مال المسلمين وليس للشحيح منهم إلا جهد إيمانهم "ولعمري" لأن يلقوا الله بخياناتهم أحبّ إليّ من أن ألقى الله بدمائهم والسلام - انتهى سيرة عمر بن عبد العزيز للإمام مالك ص٥٥.
وذكر ابن كثير أنه لما احتضر عمر بن عبد العزيز سمع غسالاً يغسل الثياب فقال ما هذا فقالوا غسالاً فقال يا ليتني كنت غسالاً أكسب ما أعيش به يوماً بيوم ولم آل الخلافة ثم تمثل فقال:
ودانت في الدنيا بوقع البواتر
لعمري لقد عمرت في الملك برهة
стр. 4224
ولي سلّمت كل الملوك الجبابر
وأعطيت حمر المال والحكم والنهي
كحلم مضى في المزمنات الغوابر
وأضحى الذي قد كان مما برني
ولم أسع في لذات عيش نواضر
فيا ليتني لم أعن بالملك ليلة
وقد أنشد هذه الأبيات أيضاً معاوية بن أبي سفيان عند موته وقال عمر بن عبد العزيز لزوجته فاطمة بنت عبد الملك قد علمت حال هذا الجوهر كلها وما صنع فيه أبوك ومن أين أصابه فهل لك أن أجعله في تابوت ثم أطبع عليه وأجعله في أقصى بيت مال المسلمين وأنفق ما دونه فإن خلصت إليه أنفقته وإن مت قبل ذلك "فلعمري"ليردنه إليك قالت له افعل ما شئت ففعل ذلك فمات رحمه الله تعالى ولم يصل إليه فرد ذلك عليها أخوها يريد بن عبد الملك فامتنعت من أخذه وقالت ما كنت لأتركه ثم آخذه فقسمه يزيد بين نسائه ونساء بنيه. انتهى من سيرة عمر بن عبد العزيز برواية مالك بن أنس تأليف أبي محمد عبد الله بن عبد الحكم ص٥٣.
وقال أيضاً كتب عمر بن عبد العزيز إلى أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم وكان والي المدينة أما بعد فقد قرأت كتابك إلى سليمان تذكر فيه أنه كان يقطع لمن كان قبلك من أمراء المدينة من الشمع كذا وكذا يستضيئون به في مخرجهم فابتليت بجوابك فيه "ولعمري"لقد عهدتك يا ابن أم حزم وأنت تخرج من بيتك في الليلة الشاتية المظلمة بغير مصباح "ولعمري "لأنت يومتئذ خير منك اليوم ولقد كان في فتائل أهلك ما يغنيك والسلام- انتهى منه ص٥٥.
стр. 4225
وقال أيضاً دخل عمر بن عبد العزيز على الوليد بن عبد الملك فقال يا أمير المؤمنين إن عندي نصيحة فإذا خلا لك عقلك واجتمع فهمك فسلني عنها قال ما يمنعك منها الآن قال أنت أعلم إذا اجتمع لك ما أقول فإنك أحق أن تفهم، فمكث أياماً ثم قال يا غلام من بالباب فقيل له ناس وفيهم عمر بن عبد العزيز فقال أدخله فدخل عليه فقال نصيحتك يا أبا حفص فقال عمر إنه ليس بعد الشرك إثم أعظم عند الله من الدم وإن عمالك يقتلون ويكتبون أن ذنب فلان المقتول كذا وكذا وأنت المسؤول عنه ومأخوذ به فاكتب إليهم أن لا يقتل أحد منهم أحدا حتى يكتب إليك بذنبه ثم يشهد عليه ثم تأمر بأمرك على أمر قد وضح لك قال بارك الله فيك يا أبا حفص ومنع فقدك عليّ بكتاب فكتب إلى أمراء الأمصار كلهم فلم يخرج من ذلك إلا الحجاج فإنه أمضه وشق عليه وأقلقه وظن أنه لم يكتب إلى أحد غيره، فبحث عن ذلك فقال من أين دهينا أو من أشار على أمير المؤمنين بهذا فأخبر أن عمر بن عبد العزيز هو الذي فعل ذلك فقال هيهات إن كان عمر فلا نقض لأمره ثم أن الحجاج أرسل إلى أعرابي حروري جاف من بكر بن وائل ثم قال له الحجاج ما تقول في معاوية فنال منه قال له ما تقول في يزيد فسبه قال فما تقول في عبد الملك فظلّمه قال فما تقول في الوليد فقال اجورهم حين ولاك وهو يعلم عداءك وظلمك قال فسكت عنه الحجاج واقترضها منه ثم بعث به إلى الوليد وكتب إليه أنا أحوط لديني وأرعى لما استرعيتني وأحفظ له من أن أقتل أحداً لم يستوجب ذلك وقد بعثت إليك ببعض من كنت أقتل على هذا الرأي فشأنك وإياه فدخل الحروري على الوليد وعنده أشراف أهل الشام وعمر فيهم فقال له الوليد ما تقول فيّ قال ظالم جائر جبار قال ما تقول في عبد الملك قال جبار عات قال فما تقول في معاوية قال ظالم قال الوليد لابن الريان اضرب عنقه فضرب عنقه ثم قام فدخل منزله وخرج الناس من عنده فقال يا غلام اردد عليّ عمر فرده عليه فقال يا أبا حفص ما تقول
стр. 4226
في هذا أصبنا فيه أم أخطأنا فقال عمر ما أصبت بقتله ولغير ذلك أرشد وأصوب كنت تسجنه حتى يراجع الله أو تدركه منيته فقال الوليد شتمني وشتم عبد الملك وهو حروري أفتستحل ذلك قال "لعمري" ما أستحله لو كنت سجنته إن بدا لك أو تعفو عنه فقام الوليد مغضباً فقال ابن الريان لعمر يغفر الله لك يا أبا حفص لقد راددت أمير المؤمنين حتى ظننت أن يأمرني بضرب عنقك فقال عمر ولو أمرك كنت تفعل قال أي"لعمري"قال عمر أذهب إليك - انتهى ص١١٥.
ومنهم قتادة، قال ابن جرير في تفسيره الجليل حدثنا الحسن قال أخبرنا عبد الرزاق قال أخبرنا معمر عن قتادة في قوله تعالى ﴿وَمِمَّنْ حَوْلَكُمْ مِنَ الأَعْرَابِ مُنَافِقُونَ وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ لا تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ﴾ قال فما بال أقوام يتكلفون علم الناس فلان في الجنة وفلان في النار فإذا سألت أحدهم عن نفسه قال لا أدري "لعمري"أنت بنفسك أعلم منك بأعمال الناس ولقد تكلفت شيئاً ما تكلفته الأنبياء قبلك قال نبي الله نوح ﵇: ﴿وَمَا عِلْمِي بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ وقال نبي الله شعيب ﵊ ﴿بَقِيَّتُ اللَّهِ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ﴾ وقال الله لنبيه ﵊ ﴿لا تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ﴾ .
стр. 4227
ومنهم عطاء فقد أخرج الإمام محمد بن إسماعيل البخاري في صحيحه في باب طواف النساء مع الرجال قال وقال لي عمرو بن علي حدثنا أبو عاصم قال ابن جريج أخبرنا قال أخبرني عطاء إذ منع ابن هشام الطواف مع الرجال قال كيف يمنعهن وقد طاف نساء النبي ﷺ مع الرجال قلت بعد الحجاب أو قبل قال إي "لعمري"لقد أدركته بعد الحجاب قلت كيف يخالطن الرجال قال لم يكن يخالطن. وروى عبد الرزاق في مصنفه عن ابن جريج عن عطاء قال قلت له أيحق على النساء إذا سمعن الأذان أن يجبن كما هو حق على الرجال قال لا "لعمري" جـ٣ ص ١٤٧.
فصل في أقوال أئمة التفسير واللغة في "لعمرك"
قال الإمام أبو الفتح ناصر بن عبد السيد بن علي المطرزي الفقيه الحنفي الخوارزمي المولود سنة ٥٣٨ المتوفى سنة ٦١٦ في كتابه المغرب في ترتيب المعرب العمر بالضم والفتح البقاء إلا أن الفتح غلب في القسم حتى لا يجوز فيه إلا الفتح ويقال لعمرك ولعمر الله لأفعلن كذا وارتفاعه على الابتداء وخبره محذوف.
وقال أبو السعادات المبارك بن محمد بن محمد الجزري المعروف بابن الأثير في النهاية في غريب الحديث وفي الحديث أنه اشترى من أعرابي حمل خبط فلما وجب البيع قال له اختر فقال له الأعرابي عمرك الله بيّعا أي أسأل الله تعميرك وأن يطيل عمرك والعمر بالفتح العمر ولا يقال في القسم إلا بالفتح وبيعا منصوب على التمييز أي عمرك الله من بيّع ومنه حديث لعمر الهك هو قسم ببقاء الله ودوامه وهو رفع بالابتداء والخبر محذوف تقديره لعمر الله قسمي أو ما أقسم به واللام للتوكيد فإن لم تأت باللام نصبته نصب المصادر، فقلت عمر الله وعمرك الله أي بإقرارك لله وتعميرك له بالبقاء.
стр. 4228
قال القرطبي في تفسيره والعمر بضم العين وفتحها لغتان ومعناهما واحد إلا أنه لا يستعمل في القسم إلا بالفتح لكثرة الاستعمال، وتقول عمرك الله أي أسأل الله تعميرك وكره كثير من العلماء أن يقول الإنسان لعمري لأن معناه وحياتي قال إبراهيم النخعي يكره للرجل أن يقول لعمري لأنه حلف بحياة نفسه وذلك من كلام ضعفة الرجال ونحو هذا قال مالك أن المستضعفين من الرجال والمؤنثين يقسمون بحياتك وعيشك وليس من كلام أهل الذكران وإن كان الله سبحانه أقسم به في قصة لوط ﵇ فذلك بيان لشرف المنزلة والرفعة لمكانه فلا يحمل عليه سواه ولا يستعمل في غيره وقال ابن حبيب ينبغي أن يصرف"لعمرك"في الكلام لهذه الآية وقال قتادة هو من كلام العرب قال ابن العربي وبه أقول لكن الشرع قد قطعه في الاستعمال ورد القسم إليه وقال القرطبي القسم بلعمرك ولعمري في أشعار العرب وفصيح كلامهم كثير قال النابغة الذبياني:
لقد نطقت بطلا عليّ الاقارع
لعمري وما عمري عليّ بهين
أراد بالأقارع بني قريع بن عوف وكانوا قد وشوا به إلى النعمان.
وقال طرفة العبد:
لك الطول المرضى وثنياه باليد
لعمرك إن الموت ما أخطأ الفتى
والطول بكسر الطاء وفتح الواو الحبل قوله وثنياه أي ما ثنى منه ثم قال وقال بعض أهل المعاني لا يجوز هذا لأنه لا يقال لله عمر وإنما هو تعالى أزلي ذكره الزهراوي وقال أبو حيان في البحر المحيط وهذا الكلام يوهم أن العمر لا يقال إلا فيما له انقطاع وليس كذلك العمر والعمر البقاء.
وقال الجوهري في صحاحه قال ابن الأعرابي احتشمته أغضبته وأنشد:
بطئ النضج محشوم الاكيل
لعمرك إن قرص أبي خبيب
وقال في صحاحه أيضا:
стр. 4229
عمر الرجل بالكسر يعمر عمراً وعمراً وعلى غير قياس مصدره التحريك أي عاش زمناً طويلاً ومنه قولهم أطال الله عمرك والعمر وهما وإن كانا مصدرين بمعنى واحد إلا أنه استعمل في القسم أحدهما وهو المفتوح فإذا أدخلت عليه اللام رفعته بالابتداء قلت لعمر الله واللام لتوكيد الابتداء والخبر محذوف والتقدير لعمر الله قسمي أو ما أقسم به، فإن لم تأت باللام نصبته نصب المصادر وقلت عمر الله ما فعلت كذا وعمرك الله ما فعلت ومعنى لعمر الله وعمر الله أحلف ببقاء الله ودوامه وإذا قلت عمرك الله فكأنك قلت بتعميرك الله أي بإقرارك له بالبقاء.
وقول عمر بن أبي ربيعة المخزومي:
قمرك الله كيف يلتقيان
أيها المنكح الثريا سهيلاً
أي سألت الله أن يطيل عمرك لأنه لم يرد القسم بذلك.
قال أبو الفضل جمال الدين محمد بن مكرم المعروف بابن المنظور الإفريقي المصري الأنصاري الخزرجي في كتابه لسان العرب العمر بالفتح والعمر بالضم والعمر بضم العين والميم الحياة يقال قد طال عمره وعمره لغتان فصيحتان فإذا أقسموا قال في القسم "لعمري ولعمرك"يرفعونه بالابتداء ويضمرون الخبر كأنه قال "لعمرك"قسمي أو يميني أو ما أحلف به.
قال ابن جني ومما يجيزه القياس غير أنه لم يرد به الاستعمال خبر العمر من قولهم لعمرك لأقومنّ فهذا مبتدأ محذوف الخبر وأصله لو أظهر خبره لعمرك ما أقسم به فصار طول الكلام بجواب القسم عوضاً من الخبر.
وقيل العمر هاهنا الدين وأياً كان فإنه لا يستعمل في القسم إلا مفتوحاً وفي التنزيل العزيز ﴿لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ لم يقرأ إلا بالفتح.
стр. 4230
وقال أبو حيان قال أبو الهيثم النحوي"لعمرك" لدينك الذي تعمر وقال ابن الأعرابي عمرت ربي أي عبدته وفلان عامر لربه أي عابد قال ويقال تركت فلاناً يعمر ربه أي يعبده فعلى هذا لعمرك لعبادتك وقال الزجاج ألزموا الفتح القسم لأنه أخف عليهم وهم يكثرون القسم بلعمري ولعمري فلزموا الأخف وقد تقدم من كلام القرطبي أن قتادة قال لعمري ولعمرك من كلام العرب قال ابن العربي وبه أقول لكن الشرع قطعه في الاستعمال ورد القسم إليه وقال ابن منظور روى عن ابن عباس في قوله تعالى ﴿لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ﴾ الآية أي لحياتك قال وما حلف الله بحياة أحد إلا بحياة النبي ﷺ وقال قال أبو الهيثم ويقولون معنى لعمرك لدينك الذي تعمر وأنشد بيت عمر بن أبي ربيعة المتقدم قال عمرك الله عبدتك الله فنصب وأنشد:
وذرينا من قول من يؤذينا
عمرك الله ساعة حدثينا
فأوقع الفعل على الله في قوله "عمرك الله وقال الأخفش في قوله ﴿لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ﴾ الآية وعيشك وإنما يريد العمر وقال أهل البصرة اضمر له ما رفعه لعمرك المحلوف به وقال الفراء الإيمان يرفعها جواباتها.
قال الأزهري وتدخل اللام في لعمرك فإذا أدخلتها رفعت بها بالابتداء فقلت لعمرك ولعمر أبيك فإذا قلت لعمر أبيك الخير نصبت الخير وخفضت فمن نصب أراد أن أباك عمر الخير يعمره عمراً وعمارة فنصب الخير بوقوع العمر عليه ومن خفض الخير جعله نعتاً لأبيك وقال المبرد في قوله عمرك الله إن شئت جعلت نصبه بفعل أضمرته وإن شئت نصبته بواو حذفته وعمرك الله وإن شئت كان على قولك عمّرتك الله تعميرا وأنشدتك الله نشيداً ثم وضعت عمرك في موضع التعمير وأنشد فيه:
هل كنت جارتنا أيام ذي سلم
عمرتك الله إلا ما ذكرت لنا
стр. 4231
يريد ذكرتك الله وقال الأزهري عمرك الله مثل نشدتك الله قال أبو عبيد سألت الفراء لم أرتفع لعمرك فقال على إضمار قسم ثان كأنه قال وعمرك فلعمرك عظيم وكذلك لحياتك مثله قال والدليل على ذلك قول الله ﴿اللَّهُ لا إِلَهَ إِلا هُوَ لَيَجْمَعَنَّكُمْ﴾ الآية.. كأنه أراد والله ليجمعنكم فأضمر القسم، قال المبرد وفي لغة وعملك يريدون لعمرك ومنه قول عمارة بن عقيل الحنظلي:
تعرض لي من طائر لصدوق
عملك ان الطائر الواقع الذي
وتقول إنك عمري لظريف وقال ابن منظور العرب تقول عمرك الله افعل كذا وإلا فعلت كذا بالنصب وهو من الأسماء الموضوعة في موضع المصادر المنصوبة على إضمار الفعل المتروك إظهاره وأصله من عمّرتك الله تعميرا فحذفت زيادته فجاء على الفعل وأعمرك الله أن تفعل كذا كأنك تحلّفه بالله وتسأله بطول عمرك قال الشاعر:
ألوي عليك لو أن لبك يهتدي
عمرتك الله الجليل فإنني
قال الكسائي عمرك الله لا أفعل ذاك نصب على معنى عمرتك الله أي سألت الله أن يعمّرك كأنه قال عمرت الله إياك قال ويقال أنه يمين بغير واو وقد يكون عمر الله وهو قبيح وعمر الله يعمر عمراً وعمارة وعمراً وعمر يعمر ويعمر الأخيرة عن سيبويه كلاهما عاش وبقي زمناً طويلاً.
قال لبيد:
لو كان للنفس اللجوج خلود
وعمرت حرسا قبل مجرى داحس
وأنشد محمد بن سلام كلمة جرير:
لقد حديت تيم حداء عصبصبا
لئن عمرت تيم زماناً بغرة
ومنه قولهم أطال الله عمرك قال الحافظ بن عبد البر في الاستيعاب قال عمرو بن الأهتم التميمي:
لصالح أخلاق الرجال سروق
ذريني فإن البخل يا أم هيتم
ولكن أخلاق الرجال تضيق
لعمرك ما ضاقت بلاد بأهلها
стр. 4232
وقال الحافظ بن حجر قال هشام بن الكلبي حدثني جعفر بن كلاب أن عمر بن الخطاب ولى علقمة بن علاثة العامري حوران فنزلها إلى أن مات وخرج إليه الحطيئة في جده قد مات وأوصى له بجائزة فرثاه بقصيدة منها:
وبين الغنى إلا ليال قلائل فما كان بينني لولقيتك سالماً
بحور أن أمسى أدركته الحبائل لعمري لنعم المرء من آل جعفر
وأقوال الشعراء في هذه الكلمة كثيرة.
فصل في بيان أقوال أئمة المذاهب في الكلمة المسؤول عن حكمها
أما الإمام مالك ففي المدونة الكبرى رواية الإمام سحنون بن سعيد التنوخي عن عبد الرحمن بن القاسم وغيره عن مالك ﵀ قال سحنون قلت أرايت قوله "لعمري "أتكون هذه يميناً قال قال مالك لا تكون يميناً.
قال الحطاب في كتابه مواهب الجليل شرح مختصر خليل لأبي المودة الجندي التركي المالكي ما نصه وقوله"لعمري"أو هو زان أو سارق أو قال والصلاة والصيام والحج أو قال هو يأكل لحم الخنزير والميتة أو يشرب الدم أو الخمر أو يترك الصلاة أو عليه لعنة الله أو غضبه أو أدخله الله النار وكل ما دعى به على نفسه لم يكن بشيء من هذا يميناً.
стр. 4233
وأما الإمام امام أهل السنة أحمد بن حنبل الشيباني فقد قال الموفق بن قدامة في المغني قال الإمام أحمد بن حنبل ﵀ وقد سئل عن الرفع إي "لعمري"ومن يشك في هذا كان ابن عمر إذا رأى من لا يرفع حصبه وأمره أن يرفع وقال في موضع آخر في نفس الكتاب وإن قال "لعمري"أو "لعمرك"أو"عمرك"فليس بيمين، في قول أكثرهم وقال الحسن في قوله "لعمري"عليه الكفارة ثم قال والدليل على أنه ليس بيمين أنه أقسم بحياة مخلوق فلم تلزمه كفارة كما لو قال وحياتي وذاك لأن هذا اللفظ يكون قسماً بحياة الذي أضيف إليه العمر فإن التقدير لعمرك قسمي أو أقسم به والعمر الحياة والبقاء وقال أبو عبد الله محمد بن مفلح في كتابه الفروع وإن قال "لعمري"أو قطع الله يديه ورجليه أو أدخله الله النار إن فعل كذا فذلك لغو نص عليه الإمام أحمد ولا يلزمه إبرار القسم في الأصح.
وقال شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب في مختصر الإنصاف وإن قال لعمري أو لعمرك فليس بيمين في قول الأكثر وقال الحسن في قول"لعمري" كفارة وبمثل هذا أفتى حفيده الشيخ عبد اللطيف في منهاج التأسيس في الرد على ابن جرجيس العراقي حيث قال إن المذهب والأكثر لا يرى أن لعمري أو لعمرك يمين وانتفاء الكفارة لانتفاء اليمين. وأما قول الحسن فمرجوح كما تقدم وقد يكون يوجب الكفارة لمعصية القائل وفجوره مع أن اليمين غير مقصودة بها بل هذا يجري على ألسنتهم من غير قصد كقوله عقري وحلقي وقوله ثكلتك أمك بل هو غير معلوم وغير مفهوم من كلام أهل العلم والإيمان وأئمة هذا الشأن أنه يمين بل صريح كلامهم نفي هذا وأنه ليس بقسم ثم قال وليس الغرض اليمين الشرعية وتشبيه غير الله به وفي التعظيم حتى يرد عليه أن الحلف بغير اسمه تعالى وصفاته مكروه كما صرح به النووي في شرحه على مسلم بل الظاهر من كلام الحنفية أنه كفر إن كان باعتقاد أنه حلف يجب البر به وحرام إن كان بدونه كما صرح به بعض الفضلاء.
стр. 4234
٣- الأحناف أما المذهب الحنفي فقد قال العيني في عمدة القاري شرح البخاري وإذا قال "لعمري"فقال الحسن البصري عليه الكفارة إذا حنث فيها وسائر الفقهاء لا يرون فيها كفارة لأنها ليست عندهم يمينا انتهى.
خاتمة المطاف
لقد تبين مما تقدم من النصوص الدالة على أن كلمة "لعمري" ليست يميناً شرعية تجب الكفارة به تبين من ذلك أن اليمين الشرعية هي اليمين التي تجب الكفارة على من حلف بها إذا حنث. وأما ما ذكره ابن القيم في كتابه (التبيان في أقسام القرآن ص ٤٢٨ من أن أكثر المفسرين من السلف والخلف بل لا يعرف من السلف فيه نزاع أن "لعمرك "في قوله تعلى ﴿لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ قوله إن هذا قسم من الله بحياة رسوله ﷺ وهذا من أعظم فضائله أن يقسم الرب بحياته وهذه مزية لا تعرف لغيره ولم يوافق الزمخشري على ذلك فصرف القسم إلى أنه بحياة لوط ﵊ "لعمرك"إنهم لفي سكرتهم يعمهون "وليس في اللفظ ما يدل على واحد من الأمرين بل ظاهر اللفظ وسياقه إنما يدل على ما فهمه السلف لا أهل التعطيل والاعتزال. قال ابن عباس ﵄ والعمر بفتح العين المهملة والعمر بضمها واحد إلا أنهم خصوا القسم بالمفتوح لإثبات الأخف لكثرة دوران الحلف بها على ألسنتهم وأيضاً فإن العمر حياة مخصوصة فهو عمر شريف عظيم أهل أن يقسم به لمزيته على كل عمر من أعمار بني آدم ولا ريب أن عمره وحياته ﷺ من أعظم النعم والآيات فهو أهل أن يقسم به أولى من القسم بغيره من المخلوقات - انتهى.
стр. 4235
فهذا الكلام من الإمام ابن القيم يحمل على أنه إنما أراد أن هذه الكلمة قسم لغة وإلا فإن الأحاديث الصحيحة المتقدمة تمنع وتنهى عن الحلف بغير الله من المخلوقات فإن ذلك من أعظم المحرمات كما دلت عليه الأحاديث المتقدمة هذا كله في غير قسم الله تعالى بما شاء من مخلوقاته فإنه يفعل ما يشاء ولا يسأل عما يفعل وهم يسألون وقد تقدم في النصوص التي سردناها عن الأئمة أن هذه الكلمة ليست من الإيمان الشرعية التي تجب الكفارة بها عند الحنث بل هي محمولة على أحد الوجوه المتقدمة.
أولاً: حمله على حذف مضاف وقد نقل ذلك عن بعض أهل العلم فيكون التقدير "لواهب عمري"كما في أمثالها مما أقسم فيه بغير الله على قول كقوله تعالى والشمس والليل، والقمر.
وثانياً: أن يكون المراد بها وبأمثالها ذكر صورة القسم لتأكيد مضمون الكلام وترويجه فقط لأنه أقوى من سائر المؤكدات وأسلم من التأكيد بالقسم بالله تعالى لوجوب البر به وليس الغرض اليمين الشرعية وتشبيه غير الله تعالى به في التعظيم بل الظاهر من كلام الأحناف أنها كفر إن كان يعتقد أنه حلف يجب البر به. وحرام إن كان بدون ذلك كما صرح به بعض الفضلاء فعلى هذا فذكر صورة القسم على أحد الوجوه المذكورة لا بأس به ولهذا شاع استعمال هذه الكلمة بين العلماء بإجماعهم. كما تقدمت عليه النصوص.
والله أعلم وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه هداة الأمم.
--------------------------------------------------------------------------------
[١] هو نحدة بن عامر الحروري بن وؤس الخوارج زائغ عن الحق ذكر في الضعفاء الجرجاني وهو ابن عمير اليماني خرج باليمامة عقب موت يزيد بن معاوية وقدم مكة وله مقالات معروفة واتباع انقرضوا وقد ذكر له الحافظ ترجمة في تهذيب التهذيب قتل بعد ابن عباس بقليل في سنة ٧٠ اللسان للحافظ.
стр. 4236
[٢] قال الإمام أحمد بن حنبل حدثنا إسماعيل عن عيينة بن عبد الرحمن عن أبيه قال كانت يمين عثمان بن أبي العاص"لعمري" انتهى من العلل للإمام أحمد ص٤٠٦.
[٣] أخرجه مسلم وأبو داود ففي مسلم ج١ ص٢٣٢ وفي أبي داود ج١ ص٨١.
стр. 4237
فتوى شرعية حول الملكية الفردية في الإسلام
بقلم فضيلة الشيخ حسين محمد مخلوف
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على رسول الله سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
وبعد فقد طلبت منا وزارة ... بيان الحكم الشرعي فيما تضمنه المنشور الذي وضع بعنوان (مشاكلنا الداخلية في ضوء النظام الإسلامي) من أن الإسلام يرفض أن توجد طبقة تحتكر الثروة وفي مقدمة ما عنى به من الناحية الاقتصادية توزيع الملكيات الزراعية. وأن الرسول ﷺ قد وضع العلاج الناجع لما تعانيه مصر الآن من التباين الشاسع في توزيع هذه الملكيات فقال: "من كان له أرض واسعة فليزرعها أو يمنحها أخاه ولا يؤجرها إياه ولا يكريها" وأن مؤدى ذلك أن الملكية الفردية يجب أن تكون محدودة بطاقة الإنسان على زرع أرضه وما زاد عن ذلك يجب أن يوزع على المعدمين فلا استغلال بالإيجار بل لا تأجير مطلقاً.
وكذلك عمر بن الخطاب حينما فتح المسلمون أرض سواد العراق وأرادوا قسمة أربعة أخماسها بين الفاتحين أبى عليهم ذلك وقال: "ما يفتح بلد فيكون فيه كبير نيل حتى يأتي المسلمون من بعدهم فيجدوا الأرض قد قسمت وحيزت وورثت عن الآباء وتضيع الذرية والأرامل".
وانتهى المنشور إلى القول بأن الإسلام يحارب الإقطاعات الشائعة اليوم في الرأسمالي الذي يبيح الملكية المطلقة كما يحارب الشيوعية اللادينية التي تنادي بأن تكون الأرض ملكاً للدولة فينهار بذلك ركن من أركان الاقتصاد السليم فضلاً عن تجاهل المبدأ الغريزي في الإنسان وهو حب التملك وأن الحل الوسط بين الرأسمالية والشيوعية هو أن يتملك الإنسان بقدر طاقته الزراعية وما زاد عن ذلك يجب أن يعطيه لغيره من المعدمين مجاناً.
والجواب ...
ذلك ما زعموا أنه حل لهذه المعضلة في ضوء النظام الإسلامي.
стр. 4238
والحق الذي لا مرية فيه أن في الشريعة الإسلامية ما يكفل تحقيق العدالة الاجتماعية بأوسع معانيها بالنسبة الأفراد والجماعات. فقد اعتبرت الفرد قواماً للجماعة وسنت له النظم الصالحة لحياته في نفسه وباعتباره عضواً في أسرته وفي عشيرته وفي أمته وفي المجتمع الإنساني عامة ليكون لبنة متينة في بنائه وعضواً قوياً في كيانه. كما اعتبرت الجماعة عضداً للفرد وظهيراً له في أداء رسالته والتمتع بحقوقه والقيام بواجباته ووثقت الصلة بين الرد والجماعة بالتكافل في جميع الحقوق والواجبات.
ولم تدع شأناً من شؤون الفرد والجماعة إلا أنارت فيه السبيل وأوضحت النهج وكشفت عما فيه من صلاح وفساد وخير وشر فكانت لذلك خاتمة الشرائع وأبقاها على الدهر وأصلحها لكل أمة وزمان.
قررت أسمى المبادئ وأعدل النظم في الاجتماع والسياسة والثقافة والاقتصاد وما إلى ذلك مما يكفل للأمة إذا هي استمسكت بها واعتصمت بهديها القوة والسلطان والحياة المشرقة الرافهة التي يسودها التعاون على البر والخير ويظلها الأمن والسلام.
وهذا كتاب الله الذي أنزل على صفوة خلقه بين أيدينا نطالع فيه ما يهدي إلى الحق وإلى صراط مستقيم في كل ما يمس شؤون الحياة ونجد فيه العلاج الشافي لكل نازلة والحل الموفق لكل معضلة مما فيه كل الغنى عما سواه من مذاهب وآراء استحدثها الغرباء عنه وأولع بها بعض الدخلاء فيه أو الجهلاء بمقاصده ومراميه.
وهل يستوي تشريع إلهي حكيم أنزله الله على رسوله لمصالح عباده وهو العليم الخبير بما يصلح لهم ويسعد حالهم ومذاهب وآراء يضعها آحاد الناس كتشريع ونظام عام على ما يظنون ويتخيلون. وهل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون؟
стр. 4239
وما هذه الثورات الفكرية والاضطرابات الدولية والدماء المهراقة والأموال المستنزفة والمدن المهدمة والحضارات المحتضرة والوشائج المقطعة إلا نتائج لتلك المذاهب والآراء المستحدثة التي لا يقرها الإسلام في سياسة الشعوب ونظام الاجتماع والعمران ويقرر في ضوء الحق والواقع ما فيها من هدم وإفساد.
ولسنا نطمع في أن يكون الناس أمة واحدة. ولكنا ندعو أمم الأرض على اختلاف العقائد والنحل وفيهم الفلاسفة والعباقرة ودعاة الأمن والإصلاح أن يدرسوا مبادئ الإسلام وتعاليمه في القرآن الكريم والسنة الصحيحة دراسة العالم المدقق والمفكر الحر ليعلموا أنها وحدها هي النظام المثالي الاجتماع والحضارة والعدل والسلام وأن لا منجى للعالم مما حاق به إلا بالأخذ بها والعيش في ظلالها.
اندفعت أمم من الغرب بدافع الجشع والطمع وعبادة المال إلى استعمار البلاد الشاسعة واستعباد الأمم الضعيفة واستغلال مواردها واحتكار مرافقها ولبست لذلك مسوح الرهبان خداعاً للشعوب وتغريراً بالعقول فمرة تزعم أنها إنما أقدمت على ذلك لترقيها وترفع مستواها وتسعد أهلها اجتماعياً وثقافياً واقتصادياً ومرة تزعم أنها إنما تبسط يدها عليها وتتحكم في مواردها وثوراتها لتنقذ الطبقة الدنيا من مخالب الرأسمالية.
وهي في كل هذه المظاهر الكاذبة مخادعة مرائية لا تبغي إلا السيادة والغلبة واحتكار الأمم الضعيفة والشعوب المفككة كما تحتكر الأمتعة والسلع.
وأي فرق بين ما تنعاه على الأثرياء من احتكار الثروات العقارية وبين ما تهالكت عليه وبذلت في سبيله المهج والأموال من إخضاع الشعوب لسلطانها وبسط يدها في جميع مرافقها قهراً عنها وإرغاماً لها.
أليس ذلك احتكاراً لملكية الشعوب بأسرها نفوساً وأموالاً بل هو أبشع صورة الاحتكار وأفحش أساليبه.
стр. 4240
ليس لنا وراية الإسلام تظلنا وتعاليمه ترشدنا أن ننخدع بهذه البروق الخالية ونذعن لتلك الدعايات الهادمة ندع ما شرعه الله لنا من النظم الحكيمة المالية والاجتماعية. بل ذلك حقيق أن يوقظ دول الإسلام وينبه منها الشعور لما يراد بها ويدبر لها من كيد وإذلال وأن يحفزها لجمع الكلمة والتئام الصفوف وتضافر القوى للدفع في صدور هذه الدول الطامعة التي لا تبغي من وراء دعايتها إلا الهدم والتدمير.
وما احتالوا به لإذكاء نار الفتنة في نفوس طبقات العمال وأشباههم من الشعوب وهم الكثرة الغالبة.
إظهار التحنن لهم والحدب عليهم بدعوى وجوب محو الملكيات العقارية بتاتاً أو وجوب تقصير مداها إلى حد الكفاف على النحو الذي عالج به المنشور توزيع الثروة العقارية بين الأفراد، بزعم أنه علاج إسلامي.
الإسلام يبيح الملكية المطلقة للأفراد ويرتب عليها حقوقاً
أما الإسلام الحنيف فقد ساير سنن الوجود وطبيعة العمران وقرر أسمى المبادئ في نظام الملكية فأباح الملكية المطلقة للأفراد ولكنه أوجب بجانب ذلك على الأغنياء في أموالهم حقوقاً يؤدونها للفقراء والمساكين وذوي الحاجة سداً لخلتهم وينفقون منها في المصالح العامة التي تعود بالخير على المجتمع.
وفي آيات القرآن والأحاديث النبوية من الحث على أداء هذه الحقوق والترهيب من الإخلال بها والترغيب في التصدق والإنفاق والبر والمواساة ما لو ابتعه المسلمون كانوا أسعد الأمم حالاًً وأهنأها بالاً وأبعدها عما نراه من المآثم والشرور.
أوجب الزكاة في الأموال تؤخذ من الأغنياء وترد على الفقراء وهي الركن المالي من دعائم الإسلام.
وأمر بالبر والإحسان لذي القربى واليتامى والمساكين والجار ذي القربى والجار الجنب والصاحب بالجنب وابن السبيل.
следующие страницы →