← Джавами‘

Джавами‘ · id 4473

مجلة الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (23 804 стр.). Показаны 4236–4275 · переход к 4241.

стр. 4236

[٢] قال الإمام أحمد بن حنبل حدثنا إسماعيل عن عيينة بن عبد الرحمن عن أبيه قال كانت يمين عثمان بن أبي العاص"لعمري" انتهى من العلل للإمام أحمد ص٤٠٦. [٣] أخرجه مسلم وأبو داود ففي مسلم ج١ ص٢٣٢ وفي أبي داود ج١ ص٨١.

стр. 4237

فتوى شرعية حول الملكية الفردية في الإسلام بقلم فضيلة الشيخ حسين محمد مخلوف الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على رسول الله سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. وبعد فقد طلبت منا وزارة ... بيان الحكم الشرعي فيما تضمنه المنشور الذي وضع بعنوان (مشاكلنا الداخلية في ضوء النظام الإسلامي) من أن الإسلام يرفض أن توجد طبقة تحتكر الثروة وفي مقدمة ما عنى به من الناحية الاقتصادية توزيع الملكيات الزراعية. وأن الرسول ﷺ قد وضع العلاج الناجع لما تعانيه مصر الآن من التباين الشاسع في توزيع هذه الملكيات فقال: "من كان له أرض واسعة فليزرعها أو يمنحها أخاه ولا يؤجرها إياه ولا يكريها" وأن مؤدى ذلك أن الملكية الفردية يجب أن تكون محدودة بطاقة الإنسان على زرع أرضه وما زاد عن ذلك يجب أن يوزع على المعدمين فلا استغلال بالإيجار بل لا تأجير مطلقاً. وكذلك عمر بن الخطاب حينما فتح المسلمون أرض سواد العراق وأرادوا قسمة أربعة أخماسها بين الفاتحين أبى عليهم ذلك وقال: "ما يفتح بلد فيكون فيه كبير نيل حتى يأتي المسلمون من بعدهم فيجدوا الأرض قد قسمت وحيزت وورثت عن الآباء وتضيع الذرية والأرامل". وانتهى المنشور إلى القول بأن الإسلام يحارب الإقطاعات الشائعة اليوم في الرأسمالي الذي يبيح الملكية المطلقة كما يحارب الشيوعية اللادينية التي تنادي بأن تكون الأرض ملكاً للدولة فينهار بذلك ركن من أركان الاقتصاد السليم فضلاً عن تجاهل المبدأ الغريزي في الإنسان وهو حب التملك وأن الحل الوسط بين الرأسمالية والشيوعية هو أن يتملك الإنسان بقدر طاقته الزراعية وما زاد عن ذلك يجب أن يعطيه لغيره من المعدمين مجاناً. والجواب ... ذلك ما زعموا أنه حل لهذه المعضلة في ضوء النظام الإسلامي.

стр. 4238

والحق الذي لا مرية فيه أن في الشريعة الإسلامية ما يكفل تحقيق العدالة الاجتماعية بأوسع معانيها بالنسبة الأفراد والجماعات. فقد اعتبرت الفرد قواماً للجماعة وسنت له النظم الصالحة لحياته في نفسه وباعتباره عضواً في أسرته وفي عشيرته وفي أمته وفي المجتمع الإنساني عامة ليكون لبنة متينة في بنائه وعضواً قوياً في كيانه. كما اعتبرت الجماعة عضداً للفرد وظهيراً له في أداء رسالته والتمتع بحقوقه والقيام بواجباته ووثقت الصلة بين الرد والجماعة بالتكافل في جميع الحقوق والواجبات. ولم تدع شأناً من شؤون الفرد والجماعة إلا أنارت فيه السبيل وأوضحت النهج وكشفت عما فيه من صلاح وفساد وخير وشر فكانت لذلك خاتمة الشرائع وأبقاها على الدهر وأصلحها لكل أمة وزمان. قررت أسمى المبادئ وأعدل النظم في الاجتماع والسياسة والثقافة والاقتصاد وما إلى ذلك مما يكفل للأمة إذا هي استمسكت بها واعتصمت بهديها القوة والسلطان والحياة المشرقة الرافهة التي يسودها التعاون على البر والخير ويظلها الأمن والسلام. وهذا كتاب الله الذي أنزل على صفوة خلقه بين أيدينا نطالع فيه ما يهدي إلى الحق وإلى صراط مستقيم في كل ما يمس شؤون الحياة ونجد فيه العلاج الشافي لكل نازلة والحل الموفق لكل معضلة مما فيه كل الغنى عما سواه من مذاهب وآراء استحدثها الغرباء عنه وأولع بها بعض الدخلاء فيه أو الجهلاء بمقاصده ومراميه. وهل يستوي تشريع إلهي حكيم أنزله الله على رسوله لمصالح عباده وهو العليم الخبير بما يصلح لهم ويسعد حالهم ومذاهب وآراء يضعها آحاد الناس كتشريع ونظام عام على ما يظنون ويتخيلون. وهل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون؟

стр. 4239

وما هذه الثورات الفكرية والاضطرابات الدولية والدماء المهراقة والأموال المستنزفة والمدن المهدمة والحضارات المحتضرة والوشائج المقطعة إلا نتائج لتلك المذاهب والآراء المستحدثة التي لا يقرها الإسلام في سياسة الشعوب ونظام الاجتماع والعمران ويقرر في ضوء الحق والواقع ما فيها من هدم وإفساد. ولسنا نطمع في أن يكون الناس أمة واحدة. ولكنا ندعو أمم الأرض على اختلاف العقائد والنحل وفيهم الفلاسفة والعباقرة ودعاة الأمن والإصلاح أن يدرسوا مبادئ الإسلام وتعاليمه في القرآن الكريم والسنة الصحيحة دراسة العالم المدقق والمفكر الحر ليعلموا أنها وحدها هي النظام المثالي الاجتماع والحضارة والعدل والسلام وأن لا منجى للعالم مما حاق به إلا بالأخذ بها والعيش في ظلالها. اندفعت أمم من الغرب بدافع الجشع والطمع وعبادة المال إلى استعمار البلاد الشاسعة واستعباد الأمم الضعيفة واستغلال مواردها واحتكار مرافقها ولبست لذلك مسوح الرهبان خداعاً للشعوب وتغريراً بالعقول فمرة تزعم أنها إنما أقدمت على ذلك لترقيها وترفع مستواها وتسعد أهلها اجتماعياً وثقافياً واقتصادياً ومرة تزعم أنها إنما تبسط يدها عليها وتتحكم في مواردها وثوراتها لتنقذ الطبقة الدنيا من مخالب الرأسمالية. وهي في كل هذه المظاهر الكاذبة مخادعة مرائية لا تبغي إلا السيادة والغلبة واحتكار الأمم الضعيفة والشعوب المفككة كما تحتكر الأمتعة والسلع. وأي فرق بين ما تنعاه على الأثرياء من احتكار الثروات العقارية وبين ما تهالكت عليه وبذلت في سبيله المهج والأموال من إخضاع الشعوب لسلطانها وبسط يدها في جميع مرافقها قهراً عنها وإرغاماً لها. أليس ذلك احتكاراً لملكية الشعوب بأسرها نفوساً وأموالاً بل هو أبشع صورة الاحتكار وأفحش أساليبه.

стр. 4240

ليس لنا وراية الإسلام تظلنا وتعاليمه ترشدنا أن ننخدع بهذه البروق الخالية ونذعن لتلك الدعايات الهادمة ندع ما شرعه الله لنا من النظم الحكيمة المالية والاجتماعية. بل ذلك حقيق أن يوقظ دول الإسلام وينبه منها الشعور لما يراد بها ويدبر لها من كيد وإذلال وأن يحفزها لجمع الكلمة والتئام الصفوف وتضافر القوى للدفع في صدور هذه الدول الطامعة التي لا تبغي من وراء دعايتها إلا الهدم والتدمير. وما احتالوا به لإذكاء نار الفتنة في نفوس طبقات العمال وأشباههم من الشعوب وهم الكثرة الغالبة. إظهار التحنن لهم والحدب عليهم بدعوى وجوب محو الملكيات العقارية بتاتاً أو وجوب تقصير مداها إلى حد الكفاف على النحو الذي عالج به المنشور توزيع الثروة العقارية بين الأفراد، بزعم أنه علاج إسلامي. الإسلام يبيح الملكية المطلقة للأفراد ويرتب عليها حقوقاً أما الإسلام الحنيف فقد ساير سنن الوجود وطبيعة العمران وقرر أسمى المبادئ في نظام الملكية فأباح الملكية المطلقة للأفراد ولكنه أوجب بجانب ذلك على الأغنياء في أموالهم حقوقاً يؤدونها للفقراء والمساكين وذوي الحاجة سداً لخلتهم وينفقون منها في المصالح العامة التي تعود بالخير على المجتمع. وفي آيات القرآن والأحاديث النبوية من الحث على أداء هذه الحقوق والترهيب من الإخلال بها والترغيب في التصدق والإنفاق والبر والمواساة ما لو ابتعه المسلمون كانوا أسعد الأمم حالاًً وأهنأها بالاً وأبعدها عما نراه من المآثم والشرور. أوجب الزكاة في الأموال تؤخذ من الأغنياء وترد على الفقراء وهي الركن المالي من دعائم الإسلام. وأمر بالبر والإحسان لذي القربى واليتامى والمساكين والجار ذي القربى والجار الجنب والصاحب بالجنب وابن السبيل.

стр. 4241

قال تعالى: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ وضاعف مثوبة الصدقات فقال تعالى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ . وحث على صدقة السر فقال: ﴿إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَيُكَفِّرُ عَنْكُمْ مِنْ سَيِّئَاتِكُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ إلى غير ذلك من الآيات التي عدلت الأغنياء بالفقراء وأسعدت الفقير بحظ من ثمرات ملكية الغنى يسد خلته ويكفي حاجته. وبجانب ذلك حث القرآن في كثير من الآيات على العمل والكسب ونهت السنة عن البطالة وإراقة ماء الوجه بالسؤال والاستجداء كيلا يتكل الفقراء على الأغنياء ويعيشوا عليهم عالة يتكففونهم. وفي ظلال هذه التعاليم التي يكمل بعضها بعضاً يعيش العامل والفقير والغني عيشة راضية مطمئنة لا يشوبها كدر ولا ينغصها ألم. احترم الإسلام حق الملكية فأباح لكل فرد أن يتملك بالأسباب المشروعة ما يشاء من المنقولات والعقارات وأباح له استثمارها والانتفاع بها في نطاق الحدود التي رسمها. وخوله حق الدفاع عنها كالدفاع عن النفس والعرض ولو بقتل الصائل عليها وأوجب عليه صيانتها ونهاه عن إضاعتها وصرفها في غير المشروع من وجوهها استكمالاً لوسائل العمران.

стр. 4242

وفي الحديث: "كل المسلم على المسلم حرام دمه وماله " وفي حديث آخر: "من قتل دون ماله فهو شهيد ". وقد أضاف القرآن الأموال إلى أصحابها إضافة التملك فقال: ﴿وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ﴾ وقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيماً، وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ عُدْوَاناً وَظُلْماً فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَاراً وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيراً﴾ . وشرع الإسلام أسباب ملكية الأعيان والمنافع وطرائق انتقالها من مالك إلى آخر وأقام للتعامل بين الناس نظماً وحدوداً تكفل صيانة حق الملكية وتمكن المالك من استيفاء حقه والانتفاع بثمرة ملكه وتخول المستأجر الانتفاع بملك غيره وحرم من وسائل التعامل ما يفضي إلى التهارج والتقاتل كالربا في صوره المختلفة والعقود التي فيها جهالة وغرر ومخاطرة وحرم الغضب والسرقة وأكل أموال الناس بالباطل وسن الحدود والعقوبات جزاء لمن ينتهك حرمة الملكية ويتعدى حدودها المشروعة ﴿وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ .

стр. 4243

بل نهى سبحانه عن أدنى أنواع التعرض للأموال وهو تمني زوالها عن الغير فقال ﴿وَلا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبُوا وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبْنَ وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيماً﴾ للإرشاد إلى أن التفاضل في المال لا يسوغ العدوان عليه ولو بالتمني المذموم. فإن ذلك قسمة صادرة من الحكيم الخبير وعلى العبد أن يرضى بما قسم الله له ولا يتمنى حظ المفضل حسداً وحقداً بل يسأل الله من واسع فضله وجزيل إنعامه فإن خزائن ملكه لا تنفد ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ ﴿وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا وَلِيُوَفِّيَهُمْ أَعْمَالَهُمْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ﴾ . أقام الشارع هذه النظم الحكيمة الآخذ بعضها برقاب بعض صيانة للمجتمع من الفوضى والفساد ورعاية لمصالح العباد وهو أعلم بها ولم يترك الأمر سدى تعبث به الأهواء ويضل الناس فيه السبيل فأنزل القرآن الكريم هدى ونوراً. وجاءت السنة النبوية بياناً له وتنويراً. وجاء فيهما من التعاليم ما إن تمسك به المسلمون كانوا على بينة من دينهم وعلى هدى من أمرهم وكانت السعادة ملاك أيمانهم وليس بعد الحق إلا الضلال. فليس لمسلم أن يأخذ بغير هدى الإسلام فيما شرعه من الأحكام ولا أن يدعو الناس إلى غير ما دعا إليه من الحق والنور.

стр. 4244

هذه كلمة الإسلام في احترام حق الملكية الفردية للعقار وصيانته من العدوان وهو حق تقتضيه سنة العمران وغريزة الإنسان غير أن بعض العقول قد غشيتها في هذا العصر غواش من الظلم حجبت عنها نور الحق فارتطمت في عميائها بالصخور وتردت في المهاوي وتلقفها في إبان هذه العماية وغمرة هاتيك الحيرة شياطين من الإنس يوحون إليهم زخرف القول غروراً ويمنونهم بباطل الأماني وكاذب الأحلام. فذهب دعاة هدامون إلى إهدار ملكية العقار الفردية وأقاموا نظامهم الاقتصادي والاجتماعي على هذا المبدأ وسيعلمون بعد حين أنه غير صالح للبقاء وأنه إن امتد به الزمن حيناً فسيقضي عليه بالفناء. لا احتكار للثروة: وقال آخرون إن الإسلام يرفض وجود طبقة تحتكر الثروة وإنه لحق لو كان هناك احتكار ولكنه في الواقع حديث عن وهم وخيال. فليس هناك طبقة تحول بقوتها بين الناس وأسباب الغنى والثراء وتمنعهم بحولها من التملك والشراء وليس هناك احتكار من أحد للثروة بالمعنى المفهوم من الاحتكار بل هناك نواميس طبيعية وسنن اجتماعية قضت بتفاوت الناس في القوى والمدارك والعمل والإنتاج. فكان منهم طوائف العمال والصناع والزراع وفيهم الجهال والعلماء والأغبياء والأذكياء والكسالى والمجدون ﴿وَاللَّهُ فَضَّلَ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ فِي الرِّزْقِ﴾ ﴿يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ﴾ ولهذا التفاوت آثاره الطبيعية في الكسب والتملك كما قضت هذه السنن بخضوع التعامل بين الناس لقاعدة العرض والطلب والحاجة والاستغناء. ولم يشذ عنها التعامل في العقار فلا يزال في ظلها حراً في الأسواق يتبادله من الأفراد من يشاء بالبيع والشراء لا حظر فيه من أحد على أحد. وليس وجود طبقة عاجزة عن التملك بطريق الشراء مما يسوغ حسبان القادرين عليه محتكرين ما دام مرد الأمر فيه إلى عوامل أخرى ليس منها حجر فريق على حرية فريق.

стр. 4245

وقد ترك الإسلام الحنيف الناس أحراراً في التعامل بالبيع والشراء ولم يقيدهم في ذل إلا بما يكفل صحة العقود ويدفع التنازع والتخاصم وأكل الأموال بالباطل. وليس في أحكامه ما يحول بين المرء والتملك وما يسوغ تسمية الملاك محتكرين مهما اتسعت ثروتهم بل العمل على هدم هذه الثروات بزعم أنها ضرب من الاحتكار مما يأباه الإسلام الذي يقدس حق الملكية ويحرم العدوان عليه. الملكية الفردية غير محدودة: قالوا إن الإسلام يوجب أن تكون الملكية الفردية محدودة بطاقة الإنسان وما زاد عن طاقته الزراعية يجب أن يعطى منحة للمعدمين بالمجان ولا يجوز أن يستغل المالك أرضه بالتأجير بصوره المختلفة. والعجب أن يشرعوا للناس ما لم يشرعه الله ويوجبوا عليهم ما لم يوجبه فمن البديهي أن الشريعة الإسلامية لم تحدد للملكية الفردية حداً لا يتجاوزه المالك ولم توجب عليه أن ينزل عما زاد عن طاقته الزراعية للمعدمين بالمجان ولا لغير المعدمين بالثمن. وقد كان من الصحابة رضوان الله عليهم من يملك الثروات الطائلة كعبد الرحمن بن عوف أحد العشرة المبشرين بالجنة وأحد أصحاب الشورى في الخلافة. وكان بجانب هؤلاء الجم الغفير ممن لا يملك شروى نقير كأهل الصفة وأشباههم وكان في الأنصار كثير من أهل المزارع الواسعة ولم يوجب الرسول على أحد ممن تضخمت ثرواتهم بجهودهم أن يوزع ما زاد عن طاقته الزراعية على المعدمين لا من العقار ولا من المنقول. نعم آخى رسول الله ﷺ في صدر الإسلام حين قدم المدينة بين المهاجرين والأنصار في دار أنس ابن مالك وكانوا تسعين رجلاً نصفهم من المهاجرين ونصفهم من الأنصار. آخى بينهم على المساواة والبر والتوارث بعد الموت دون ذوي الأرحام إلى أن نزل قوله تعالى: ﴿وَأُولُوا الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ﴾ فنسخ التوارث بعقد الأخوة وبقي التوارث بالقرابة.

стр. 4246

أما المواساة والترافق بين المؤمنين عامة فأمر مندوب إليه مرغب فيه. وفيما تلونا من آيات القرآن من الحث عليه وعلى معونة الفقراء والمحتاجين بلاغ للناس. ولكن هذا شيء ووجوب التنازل عن الملك شيء آخر ولا واجب في الدين إلا ما أوجبه الشارع الحكيم. وقد أجازت الشريعة لمالك الأرض أن يتصرف فيها كيف يشاء فله أن يزرعها كلها أو بعضها بنفسه وله أن يؤجرها لغيره بطريق المزارعة أو بالنقد بلا تحديد بالطاقة وعيش الكفاف وله أن يمنها أو يمنحها أو يمنح منها للغير غنياً أو فقيراً. الاستغلال بطريق المزارعة فأما الاستغلال المزارعة وهي نوع من الأجير مشروع فأصله أن أهل المدينة كانوا أكثر الناس حقولاً ومزارع وكانوا في عهد رسول الله ﷺ يستغلون الأرض بطريق المزارعة وتسمى أيضاً المخابرة مشتقة من الخبير وهو الفلاح. "وهي عقد بين المالك والعامل على كراء الأرض ببعض ما يخرج منها"فتارة كانوا يحددون نصيب المالك بالشطر أو الثلث أو الربع. وتارة يحددونه بما ينبت على حافة الأنهر أو الجداول أو السواقي أو أن له ثمرة قطعة معينة من الأرض وللعامل ثمرة قطعة أخرى ونحو ذلك مما شأنه أن يفضي إلى التنازع والتشاحن وأكل الأموال بالباطل لما فيه من الجهالة والغرر. وتارة يجمعون بين التحديدين فنهى رسول الله ﷺ عن النوعين الأخيرين من الكراء لما فيهما من المخاطرة المفضية إلى النزاع. وعن حنظلة بن قيس الأنصاري قال: سألت رافع بن خديج عن كراء الأرض بالذهب والفضة فقال لا بأس به. إنما كان الناس يؤاجرون على عهد رسول الله ﷺ بما على الماذيانات "لفظة معربة معناها حافة النهر ومسايل الماء"وإقبال الجداول (رءوس الأنهر الصغيرة) وأشياء من الزرع فيهلك هذا ولم يكن للناس كراء إلا هذا فذلك زجر عنه. فأما شيء معلوم مضمون فلا بأس به. رواه مسلم وأبو داود والنسائي.

стр. 4247

وفي رواية عن رافع قال حدثني عماي أنهما كانا يكتريان الأرض على عهد رسول الله ﷺ بما ينبت على الأربعاء "جمع ربيع وهو النهر الصغير"وبشيء يستثنيه صاحب الأرض فنهى النبي عن ذلك"رواه البخاري وأحمد والنسائي. وفي رواية عنه "كنا أكثر أهل المدينة مزدرعا. كنا نكري الأرض بالناحية منها تسمى لسيد الأرض فمما يصاب ذلك وتسلم الأرض ومما تصاب الأرض ويسلم ذاك فنهينا فأما الذهب والورق (الفضة) فلم يكن يومئذ" (رواه البخاري) . وفي رواية عنه "كنا أكثر الأنصار حقلاً فكنا نكتري الأرض على أن لنا هذه ولهم هذه فربما أخرجت هذه ولم تخرج هذه فنهانا عن ذلك فأما الورق فلم ينهنا"أخرجه البخاري ومسلم. وعن أسيد بن ظهير: كان أحدنا إذا استغنى عن أرضه أو افتقر إليه أعطاها بالنصف والثلث والربع ويشترط ثلاث جداول والقصارة "بضم القاف وهي الحب في السنبل بعد ما يداس"وما يسقي الربيع. وكان يعمل فيها عملاً شديداً ويصيب منها منفعة فأتانا رافع بن خديج فقال: "فنهى النبي ﷺ عن أمر كان بكم رافقاً وطاعة رسول الله ﷺ خير لكم نهاكم عن الحقل (الزرع) " (رواه أحمد وابن ماجه) . فهذه الروايات صريحة في أنه ﵇ إنما نهى عن كراء الأرض ببعض ما يخرج منها إذا اشتملت على ما يؤدي إلى المخاطرة والغرر من مثل هذه الشروط الفاسدة فأما إذا خلت منها فيجور كراؤها به مثل كرائها على النصف أو الربع مما يخرج منها. وهذا هو الذي فهمه ابن عمر حيث رد على رافع في قوله: "نهى النبي ﷺ عن كراء المزارع بقوله "قد علمت أنا كنا نكري مزارعنا على عهد رسول الله ﷺ بما على الأربعاء وشيء من التبن"أخرجه في الصحيح.

стр. 4248

وحاصل رده كما ذكره القسطلاني أنه ينكر على رافع إطلاقه في النهي عن كراء الأرض ويقول: إن الذي نهى عنه النبي ﷺ هو الذي كانوا يدخلون فيه الشرط الفاسد وهو إنهم يشترطون ما على الأربعاء وطائفة من التبن وهو مجهول وقد يسلم هذا ويصيب غيره آفة أو بالعكس فتقع المزارعة ويبقى الزارع أو رب الأرض بلا شيء. اهـ وهو ما فهمه أيضاً ابن عباس ﵄ حيث قال كما في الصحيح أنه ﵇ لم ينهه عنه أي عن كراء الأرض بشطر ما يخرج منها ولكن قال: لأن يمنح أحدكم أخاه خير له من أن يأخذ شيئاً معلوماً. اهـ قال الخطابي: "وقد عقل ابن عباس المعنى من الخبر وأن ليس المراد به تحريم المزارعة بشطر ما يخرج من الأرض وإنما أراد بذلك أن يتمانحوا أراضيهم وأن يرفق بعضهم ببعض: وقد ذكر رافع في رواية عنه في هذا الباب (باب المزارعة) النوع الذي حرم منه، وذلك قوله كان الناس يؤاجرون.."الخ. فأفاد أن المنهي عنه هو المجهول منه دون المعلوم وأنه كان من عادتهم أن يشترطوا فيها الشروط الفاسدة، وأن يستثنوا من الزرع لرب الأرض ما على السواقي والجداول. والمزارعة وحصة الشريك لا يجوز أن تكون مجهولة. وقد يسلم ما على السواقي والجداول ويهلك سائر الزرع فيبقى العامل لا شيء له وهذا خطر. اهـ ملخصاً. وقال الليث بن سعد: "وكان الذي نهى عنه من ذلك ما لو نظر فيه ذوو الفهم بالحلال والحرام لم يجيزوه لما فيه من المخاطرة".اهـ وهو موافق لما عليه الجمهور من حمل النهي عن كراء الأرض بما يخرج منها على الوجه المفضي إلى الغرر والجهالة. قال في الفتح ونيل الأوطار: "وعليه تحمل الأحاديث المطلقة الواردة في النهي عن المزارعة والمخابرة كما هو شأن حمل المطلق على المقيد". اهـ وفي منتقى الأخبار: "..إن حديث حنظلة بن قيس بيان لما أجمل في المتفق عليه من إطلاق النهي عن كراء الأرض". أهـ

стр. 4249

وممن حمل النهي على ذلك وأجاز كراء الأرض بجزء مما يخرج منها كالنصف والثلث والربع دون أن يقارنه شرط مفسد للعقد الخلفاء الراشدون وابن عمر وابن مسعود وسعد بن مالك وحذيفة ومعاذ ابن جبل وأسامة وخباب وعمار بن ياسر وهو قول ابن المسيب وطاووس وابن أبي ليلى والأوزاعي والثوري والقاضي أبي يوسف ومحمد ابن الحسن وابن المنذر وأحمد بن حنبل استناداً لما ثبت في الصحيح أن الرسول ﷺ عامل يهود خيبر بعد أن ظهر عليهم على أن يزرعوا له أرضها ولهم نصف ما تخرجه من ثمر أو زرع واستمر اليهود على ذلك إلى صدر من خلافة عمر حتى أجلاهم عنها إلى تيماء وأريحاء. وعن أبي جعفر قال: "ما بالمدينة أهل بيت هجرة إلا يزرعون على الثلث والربع وزارع عمر وعلي وسعد بن مالك وابن مسعود ومعاذ وعمر بن عبد العزيز والقاسم بن محمد وعروة ابن الزبير وكثير غيرهم". وقال ابن القيم في زاد المعاد: "في قصة خيبر دليل على جواز المساقاة والمزارعة بجزء من الغلة من ثمر أو زرع فإن النبي ﷺ عامل أهل خيبر على ذلك واستمر إلى حين وفاته، ولم ينسخ البتة ودرج عليه الخلفاء الراشدون". اهـ وجملة القول أنه يجوز استغلال الأرض بكرائها بجزء من الخارج منها على الوجه الذي لا يفضي إلى المنازعة والتخاصم وهو قول الجمهور والقول المفتى به عند الحنفية والمختار عند الشافعية كما ذكره النووي خلافاً لما ذهب إليه أبو حنيفة ومالك والشافعي من عدم جواز كرائها به استناداً إلى أحاديث النهي المطلقة وقد علمت أنها محمولة على ما فيه شروط مفسدة. على أنه قد روى عن زيد بن ثابت أنه قال: "يغفر الله لرافع أنا والله أعلم بالحديث منه. إنما أتى النبي ﵇ رجلان من الأنصار قد اقتتلا فقال: "إن كان هذا شأنكم فلا تكروا المزارع".اهـ ومقصوده كما في سبل السلام، أن رافعاً اقتطع الحديث فروى النهي ولم يرو أوله فأخل بالمقصود. اهـ

стр. 4250

استغلال الأرض بالإيجار ونعني به تأجيرها بالذهب أو الفضة أو بما جرى به التعامل من النقود والأوراق المالية. ولا شك في جوازه. ويقاس على ما ذكر التأجير بغيره من سائر الأشياء المعلومة المتقومة كما في سبل السلام ونيل الأوطار) ويدل عليه حديث حنظلة بن قيس السابق. وعن ابن عباس قال: "إن أمثل ما أنتم صانعون أن تستأجروا الأرض البيضاء ليس فيها شجر من السنة إلى السنة "رواه البخاري. وعن سعد بن أبي وقاص: "إن أصحاب المزارع في زمن النبي ﷺ كانوا يكرون مزارعهم بما يكون على السواقي وما سعد بالماء (ما جاء من الماء من غير طلب) مما حول النبت فجاءوا رسول الله ﷺ ، فاختصموا في بعض ذلك فنهاهم أن يكروا بذلك وقال: "اكروا بالذهب والفضة". (رواه أحمد وأبو داود والنسائي) . وقال ابن المنذر: "إن الصحابة أجمعوا على جواز كراء الأرض بالذهب والفضة ونقل ابن بطال اتفاق فقهاء الأمصار عليه. وقد تبين من ذلك أنه يجوز استغلال الأرض المملوكة بطريق المزارعة المستوفية شرائط الصحة وهي نوع من التأجير وبطريق التأجير بالنقد وما يقاس عليه. ولا شك أن في هذا رفقاً عظيماً بالناس. فإن الملاك قد يعجزون عن العمل بأنفسهم فلا يستطيعون الانتفاع بأرضهم إلا بتأجيرها للغير والمستأجرون قد لا يملكون الأرض مع استطاعة الزراعة فلا يتيسر عيشهم إلا بالاستئجار من الملاك فرعاية للمصلحتين أجازت الشريعة استغلال الأرض بهاتين الطريقتين. وكثيراً ما كان حظ المستأجر أوفر من حظ المالك وخاصة إذا اتقى الله في عمله وعزم على الوفاء بدينه وإعطاء المالك حقه فإن الله يعينه ويربحه ويبارك له في رزقه. فالقول بأنه لا استغلال بالإيجار للأرض المملوكة بل لا تأجير مطلقاً قول زائف لا يعول عليه ولا يلتفت إليه من الوجه الشرعية والعلمية. الحديث الذي رووه - رواياته ومعناه:

стр. 4251

عن أبي هريرة قال قال رسول الله ﷺ : "من كانت له أرض فليزرعها أو ليحرثها أخاه فإن أبى فليمسك أرضه" أخرجه البخاري ومسلم. وأصل هذا الحديث ما رواه جابر ﵁ قال: "كنا نخابر على عهد رسول الله ﷺ فنصيب من القصرى (القصرى كبشرى بقية الحب في السنبل بعد الدياس) ومن كذا فقال رسول الله ﷺ : "من كانت له أرض فليزرعها أو فليحرثها أخاه وإلا فليدعها"رواه مسلم وأحمد. وفي رواية عنه كنا في زمن رسول الله ﷺ يأخذ الأرض بالثلث أو الربع بالماذيانات فقام رسول الله ﷺ في ذلك فقال: "من كانت له أرض فليزرعها فإن لم يزرعها فليمنحها أخاه فإن لم يمنحها أخاه فليمسكها". وما رواه رافع بن خديج عن عمه ظهير بن رافع قال ظهير:"لقد نهانا رسول الله عن أمر كان بنا رافقاً قلت ما قال رسول الله ﷺ فهو حق قال: "دعاني رسول الله ﷺ قال ما تصنعون بمحاقلكم؟ قلت نؤاجرها على الربيع يشترطون لأنفسهم ما ينبت على النهر وعلى الأوسق من التمر والشعير. قال ﵇ لا تفعلوا ازرعوها أو زارعوها أو امسكوها. قال رافع: قلت سمعاً وطاعة"رواه مسلم.

стр. 4252

وهذه الروايات يفسر بعضها بعضاً وتدل على أنه ﵇ لما وجدهم في المدينة يكرون الأرض بعقود مزارعة تشتمل على شروط فاسدة نهاهم عنها لإفضائها إلى التنازع والتقاتل كما صرح به في حديث سعد بن أبي وقاص وحديث زيد بن ثابت وأرشدهم إلى ما ينبغي أن يفعلوه في استغلال مزارعهم فقال مرة كما في رواية سعد: "اكروا بالذهب والفضة" وهو جائز بالإجماع لأن الكراء بهماوبما في معناهما لا مخاطرة فيه وقال مرة كما في رواية ابن عباس: "لأن يمنح أحدكم أخاه خير له من أن يأخذ عليها أجراً معلوماً". وفي رواية: "من كانت له أرض فإنه إن يمنحها أخاه خير له". وهو صريح في عدم إيجاب منح الأرض بدون أجر. وفي جواز أخذ الأجرة لأن الخيرية والأولوية ظاهرة في الجواز. فيكون المراد مجرد استحباب المنح والترغيب فيه مواساة ورفقاً كما صرح به ابن عباس. وخيرهم مرة ثالثة بين هذا الأمر المستحب. وهو إعطاء الأرض منحة بدون أجر وبين أن يزرعوها بأنفسهم أو يتركوها بدون زرع. والأمر في الثلاثة للندب لا للوجوب بقرينة جواز تأجير الأرض بالذهب أو الفضة بالإجماع. وجواز بأجيرها بالنصف أو الثلث أو الربع على طريق المزارعة كما فعل الرسول في أرض خيبر مستمراً على ذلك إلى وفاته وكما فعل أصحابه في حياته وبعد وفاته كما سبق وقد انعقد الإجماع على عدم وجوب الإعارة بلا فرق بين المزارعة وغيرها فوجب حمل هذا الحديث على الاستحباب والندب كما أوضحه صاحب منتقى الأخبار.

стр. 4253

على أن الإمام الصنعاني قال في سبل السلام بعد رواية حديث النهي عن المزارعة: "إنه كان في أول الأمر لحاجة الناس وكون المهاجرين ليس لهم أرض فأمر الأنصار بالتكرم والمواساة ويدل عليه ما أخرجه مسلم من حديث جابر قال: "كان لرجال من الأنصار فضول أرض وكانوا يكرونها بالثلث والربع فقال النبي ﷺ : "من كانت له أرض فليزرعها أو ليمنحها أخاه. فإن أبى فليمسكها" وهذا كما نهوا أول الأمر عن ادخار لحوم الأضاحي ليتصدقوا بها ثم بعد أن اتسع حال المسلمين زال الاحتياج فأبيح لهم المزارعة وتصرف المالك في ملكه بما يشاء من إجارة وغيرها ويدل على ذلك ما وقع من المزارعة في عهده ﷺ وفي عهد الخلفاء من بعده ومن البعيد غفلتهم من النهي وترك إشاعة رافع له في هذه المدة وذكره في آخر خلافة معاوية"اهـ. وسواء أقلنا أن أحاديث النهي عن المزارعة إنما وردت في المزارعة الفاسدة أم أن النهي عنها كان عاماً أول الأمر للحاجة ثم زال بزوال سببه فإن الذي استقر عليه الأمر في حكم الشريعة الإسلامية أن المالك حر يتصرف في ملكه بما يشاء من زرع ومزارعة وتأجير لا حجر عليه في شيء من ذلك ولا إيجاب. ما فعله عمر في سواد العراق

стр. 4254

لما فتح المسلمون سواد العراق في خلافة عمر بن الخطاب رأى الفاتحون أن يقسم بينهم قسمة تملك كقسمة الغنائم فأبى عمر عليهم ذلك وقال كما في كتاب الخراج لأبي يوسف:"والله لا يفتح بعدي بلد فيكون فيه كبير نيل بل عسى أن يكون كلا على المسلمين فإذا قسمت أرض العراق بعلوجها وأرض الشام بعلوجها فما يسد به الثغور وما يكون للذرية والأرامل بهذا البلد وبغيره من أهل الشام والعراق فترك الأرض مملوكة لأهلها يجوز بيعهم لها وتصرفهم فيها وضرب على رؤوسهم الجزية وعلى الأرض الخراج ليكون ما يجبي من ذلك سداداً لحاجة المسلمين عامة ينفق منه على الجيوش المقاتلة وسد الثغور وبناء القناطر والجسور وأرزاق العمال والموظفين وما إلى ذلك مما يتوقف عليه صيانة البيضة وبقاء الدولة. وقد أسلم كثير من أهل السواد فوضعت عنهم الجزية وتداولت الأيدي أرضه وأصبح ملكاً للمسلمين وغيرهم يتصرف كل مالك في ملكه بما يريد من أنواع التصرف ومن هؤلاء الملاك التابعون وتابعوهم وأئمة المسلمين والفقهاء والمحدثين ومن بعدهم على تتابع القرون إلى وقتنا هذا فأي صلة بين هذا وبين ما يدعون إله من قصر ملكية الفرد على قدر عيش الكفاف ووجوب تنازله عما زاد عن ذلك منحة للمعدمين. الرأسمالية

стр. 4255

ولقد أسرف الكاتبون في الطعن على الرأسمالية مجاراة لتلك الدعايات الهادمة وصوروها للعامة بأبشع الصور فإن عنوا احتكار الملكية بمعناه الحقيقي فنحن أول من ينكره وينعى عليه وإن أرادوا مجرد الملكية كان طعنهم مراغمة للشرائع ومكابرة للعقول وقد تبين مما أسلفنا أن النظام المالي في الإسلام يحترم حق الملكية ويعاقب على العدوان عليه ويبيح للمالك حق التصرف في ملكه بما يشاء من بيع ورهن وإجارة ومزارعة وإعارة ووقف ونحو ذلك ولا يوجب عليه أن يمنح ملكه لغيره ولا أن يكتفي من زراعة أرضه بما يحصل له عيش الكفاف كما تبين من سياق الحديث الذي استندوا إليه ومما ذكره أئمة الحديث في بيانه أنه لا يمت بصلة إلى ما زعموه وكذلك فعل عمر في سواد العراق لا يؤيد ما ذهبوا إليه. ولسنا ننكر أن أمر الطبقات الفقيرة في بلادنا يحتاج إلى علاج حاسم ونرى بالإجمال أنه لا علاج له إلا باتباع تعاليم الإسلام الحقة في النظم المالية والاجتماعية ولبيان ذلك تفصيلاً مجال آخر والله أعلم ...

стр. 4256

علاقة المعسكر النصراني الصليبي بالمسلمين عبر التاريخ ومنطلقاتها الأساسية بقلم فضيلة الشيخ زهير الخالد المدرس بالمعهد الثانوي بالجامعة إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا. من يهد الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمداً عبده ورسوله ﷺ . أما بعد: لقد قامت - عبر التاريخ - علاقة بين المسلمين وبين المعسكر النصراني الصليبي فعلى أي أساس قامت هذه العلاقة؟ هل قامت على أساس المحبة والإخاء في الإنسانية كما يقال: وعلى التعاون المشترك على ما ينفع الطرفين بلا أحقاد ولا أضغان ولا استغلال ولا استعمار، على اعتبار أن بيننا وبينهم صعيداً مشتركاً من الإيمان بالله تعالى والدار الآخرة - كما يقولون -؟ أم قامت على أساس العداء والكره والتعصب والأحقاد والحروب الدامية؟ وما هي الأسباب الجوهرية لتلك الحروب الدامية التي كانت بيننا وبينهم؟ وهل هذه الأسباب أصيلة أم عرضية يرجى زوالها؟ أم قامت على هذا تارة وعلى ذاك تارة أخرى؟ أم على غير ذلك كله؟ ثم ما هي الحال التي آلت إليها هذه العلاقة اليوم؟ وهل هي متأثرة فيما كان بيننا وبينهم في الماضي؟ وما هو مدى تأثرها؟ أم أنها بنت اليوم لا أثر للماضي فيها ولا سلطان له عليها؟ ثم ما هي نظرة المعسكر النصراني الصليبي اليوم لنا، وما هي منطلقاتها الأساسية؟ وهل تستوي دوله وشعوبه وهيئاته ومؤسساته وكنائسه ورؤوسه في نظرتهم إلينا أم يختلفون؟ وإذا اختلفوا فما هو السر في ذلك؟

стр. 4257

هذا ما سأحاول الإجابة عليه - إن شاء الله تعالى - في محاضرتي هذه موجزاً ما أمكنني الإيجاز، وإن كان من عادتي - ولله الحمد - أن لا أتولى الإجابة بنفسي، وإنما أدع الحقائق التي استخلصها من أصدق المصادر التي لا يتطرق إليها شك هي التي تتولى الإجابة في مثل هذه الموضوعات الشائكة التي تشكل مجالاً كبيراً لاختلاف الاجتهادات والمذاهب، وكذلك الآراء الشخصية والرغبات الذاتية لها أثرها الواضح وحتى الأهواء والأغراض تترك عليها بصماتها.. مما يكون لهذا كله أثره العميق في حجب الرؤية الصحيحة وتشويش الصورة الحقيقية أو طمس معالمها في الأذهان.. ولكن أذهان من؟ إنها أذهان المسلمين وحدهم - وللأسف الشديد - إلا من رحم ربك وقليل ما هم بالنسبة لعامة المسلمين وذراريهم.. المصادر التي اعتمدها: لقد قلت إنني لا أجيب بنفسي وإنما أدع الحقائق التي أستخلصها من أصدق المصادر التي لا يتطرق إليها شك هي التي تتولى الإجابة، فما هي هذه المصادر؟ إنها مصدران اثنان، هما: الوحي الإلهي في الكتاب والسنة ثم الواقع التاريخي. المصدر الأول: الوحي الإلهي في الكتاب والسنة:

стр. 4258

إن وحي الله سواء كان في القرآن الكريم، أو على لسان الرسول الكريم، محمد بن عبد الله - صلوات الله وسلامه عليه - هو أوثق المصادر على الإطلاق، فهو الذي لا يرقى إليه شك ولا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه لأنه تنزيل من حكيم حميد. قال تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ لا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ فصلت: ٤٢. ومن ثم فإن تقريراته منزّهة عما تتعرض له تقريرات البشر واستنباطاتهم من نتائج ما فطروا عليه من جهل وقصور بشري، ورغبات في النفع الذاتي ومحاباة لذوي السلطان والنفوذ والمال والجاه، أو مجاراة للتيارات السائدة، والسعي وراء الأغراض والأهواء، وكذلك مراعاة لجماهير الأمة ومحاولات استرضائها والتقرب إليها.. ومن ثم فالقيمة العظمى والكبرى للتقريرات الربانية في الكتاب والسنة. المصدر الثاني:الواقع التاريخي: وأعني بالواقع التاريخي: الأحداث التاريخية كما حدثت ووقعت بالفعل بأشخاصها ودوافعهم الحقيقية، وأغراضهم وأهدافهم الخاصة والعامة. وقد جاء الواقع التاريخي مصدقاً ومترجماً للتقريرات الربانية، وهذا أمر بديهي بل أكثر من البديهي إن صح هذا التعبير لأن المقرر هو الله الذي يستوي لعلمه الحاضر المشاهد والماضي السحيق، والمستقبل الغائب. هذا الذي أعنيه بالواقع التاريخي وليست كتب التاريخ وما كتب فيها جملة وحوته بين صفحاتها..لأن هناك فرقاً كبيراً جداً وبونًا شاسعاً بين الواقع التاريخي كما وقع وحدث بالفعل وبين ما كتب عنه وسجل في كتب التاريخ، لا سيما التي بين أيدي أبنائنا والتي كتبت خصيصاً لأبناء المسلمين فيما أعيد كتابته من تراثنا الإسلامي وبأيدي المستشرقين النصارى واليهود أو تحت إشرافهم وبتوجيه دوائرهم حين بدأوا غزونا الفكري وسأتعرض لهذا الموضوع إن شاء الله في نهاية هذه المحاضرة.

стр. 4259

إننا كثيراً ما نجد في هذا النوع المبثوث بين أيدي أبنائنا من كتب التاريخ لا أصل لها أو حوادث أخذت يد التغيير والتبديل تلعب فيها وتدس عليها حتى طمستها ومسخت حقيقتها،وشوهت صورتها وأعطت عنها صورة أخرى تغير حقيقتها كل المغايرة، كالافتراءات على الصحابة - رضوان الله تعلى عليهم - خير أجيال البشرية بعد أنبياء الله ورسله عليهم - الصلاة والسلام - الذين اختارهم الله تعالى لحمل أكمل دين أنزله، ولصحبه خير نبي أرسله - عليه أفضل الصلاة والسلام -. كما نجد فيها بطولات مختلقة لا أصل لها تنتحل للطوائف غير المسلمة في عالم المسلمين، في الوقت الذي نجد فيه طمساً لبطولات المسلمين تشويهاً لها بأن يجعل الباعث عليها هو طلب الدنيا ومتاعها، أو تستند لغير المسلمين وبشكل خبيث وما كر بأن يجعل امرأة أو أحد أفراد الطوائف غير المسلمة وراء أبطال المسلمين الذين يقومون بها، كما يفعل الكاتب النصراني الحاقد جُرجي زيدان، في روايات الهلال، وغيره كثير. كما نشاهد أن كتب التاريخ التي قررت في مدارس المسلمين وفي بلادهم قد أغفلت ذكر حوادث ووقائع تاريخية على الرغم من شهرتها ووضوحها وذلك مراعاةً لفئةٍ أو طائفةٍ أو خدمةً لغرضٍ في نفس المؤلف أو سواه. ومن هذا القبيل إغفال ذكر كل صدام وقع بين المسلمين وبين الطوائف غير المسلمة وإغفال وقوف الطوائف غير المسلمة إلى جانب الصليبيين والتتار الوثنيين ضد المسلمين وذلك إلى جانب الاستعمار الأوربي في العصر الحديث ثم الزعم بعد هذا أنهم أصحاب بطولات وطنية وحرب على الاستعمار وهم الضالعون معه. فهذا شاعر نصراني مثلاً يسمي المستعمرين الفرنسيين بالفاتحين ويتحمس لهم حين يدخلون بعض البلاد العربية ويطلب أهل ملته بالتعصب لهم فيقول: بالمسلمين العرب والإسلام! وتعصبوا للفاتحين نكايةً

стр. 4260

كذلك نجد فيها تفسيرات وتوجيهات للحوادث التاريخية، التي يستحيل طمسها، بعد مسخها، كالحروب الصليبية فقد مسخت حتى حصرت بحدود قرنين من الزمان هما السادس والسابع الهجريان، وليس هذا فحسب بل حصرت بعدة حملات صليبية جاءت على شريط ضيق على الساحل السوري والمصري فقط، ثم لما اطمأنوا إلى أن عملية المسخ هذه انطلت على الكثير من المسلمين مسخوها كلية فقالوا: إنها ليست صليبية في حقيقتها وإنما هي حروب استعمارية اقتصادية وسياسية ولكنها جاءت تحت شعار الصليب وباسم الدين، لأن العصور الوسطى هي عصور دينية، وبعد هذا المسخ المتواصل لا تكاد تجد لها بحثاً في هذا النوع من كتب التاريخ، وإنما مجرد ذكر هو للإشارة أقرب منه للبحث.

стр. 4261

كما نجد تفسيرات متعسفة وتوجيهات لأحداث تاريخية هامة انتصاراً لفكرة فاسدة وتأييداً لمذهب باطل..إلى آخر ما هنالك من صور التشويه والدس على تاريخ المسلمين مما لا يمكن حصره في هذه المقدمة لهذه المحاضرة..إلا أن الذي أريد أن أقوله: إن هذا النوع المشوه من كتب التاريخ قد كثر كثرة فاحشة في هذه الأيام، مما بات معه من الضروري جداً أن ينهض المسلمون لكتابة تاريخهم من جديد، فإن التاريخ الإسلامي، لم يكتب بعد كما يجب أن يكتب، ولم ينل العناية الكافية من أبنائه، بل لعلّي لا أبالغ إذا قلت أن تاريخنا الإسلامي اليوم لم ينل الحد الأدنى من العناية به من المسلمين، ومن ثم لا يوجد أمامنا منه سوى المؤلفات الضخمة التي وضعها علماؤنا الأفذاذ على طريقتهم التي لا تصل إلا للمختصين والباحثين، كما سنشير بعد قليل إن شاء الله تعالى. ونوع آخر من كتب التاريخ وهو ما عنيته بالذكر مما كتبه المستشرقون أو تحت إشرافهم المباشر أو غير المباشر وبتوجيه من دوائرهم بشتى طرق التوجيه التي أقلها ألا يصبر المؤرخ المحدث على المؤلفات القديمة أو لا يحسن البحث فيها، فلا يجد مرجعاً له سوى ما وضعه المبشرون ومؤسساتهم فيعتمدها ومن ثم تتسرب توجيهاتهم وأغراضهم إلى ما يكتب ويؤرخ، ويستنتج ويقرر، والأمثلة كثيرة على هذه الأنواع كلها.. أمام هذه الافتراءات على التاريخ تارة، والتنكر لحوادثه والتغيير والمسخ في حقائقه تارة أخرى والتفسيرات المتعسفة لوقائعه والعرض الماكر لأحداثه تارة ثالثة نجد أنفسنا مضطرين للتمييز بين الواقع التاريخ كما حدث ووقع بالفعل وبين ما كتب عنه وسمي تاريخاً!. إلا أننا نجد أنفسنا أمام سؤال يطرح نفسه وهو: كيف السبيل للوصول إلى الواقع التاريخي كما حدث ووقع بالفعل؟

стр. 4262

إن الوصول للواقع التاريخي كما حدث ووقع - بالفعل - أيها الأخوة ليس مستحيلاً.. بل هو ممكن إذا صحت العزيمة وصدقت النية وتوفرت الإمكانات، إذ أن سبيله قائمة، وأولها: الوحي الإلهي في الكتاب والسنة، كما ذكرنا حيث يشكل نوراً يستضيء به المؤرخ المسلم في بحثه عن الواقع التاريخي. وثانيها: أمهات كتب التاريخ التي ألفها علماؤنا الأفذاذ كالطبري وابن كثير وابن الأثير وغيرهم كثير، وقد امتازت كتبهم بذكر السند في الرواية التاريخية مما يمكن المؤرخ المتتبع اليوم من تحري الحادثة التاريخية كما وقعت بدراسة سندها على طريقة علماء الحديث في الجرح والتعديل وكذلك تمحيص متن الرواية التاريخية على ضوء الكتاب والسنة لاسيما إذا كانت تتعلق بالصحابة -رضوان الله تعالى عليهم - وتتعرض لعدالة أحد منهم.. الخ. وبذلك يتمكن المؤرخ من تحري الواقعة التاريخية، وإبعاد ما تعرض لنسيان الراوي - زيادة كان أو نقصاً - أو ما تعرض منها لتشيع الراوي أو غير ذلك من الشوائب التي تنقص من قيمة الواقعة التاريخية. بل إن بعض مؤرخينا الأفذاذ ساروا على هذه الطريقة في تجريد بعض الروايات وترك الأخرى جرياً على عادتهم في جمع كل ما يصلون إليه من روايات التاريخ دون تمحيص تاركين لمن يأتي بعدهم أن يقوم بهذه المهمة، بعد أن مهدوا له الطريق بذكر سند الرواية التاريخية. جزاهم الله تعالى عن الإسلام والمسلمين خيراً.

стр. 4263

لا شك أن هذا عمل ليس من السهولة بحيث يستطيع القيام به رجل واحد أو رجلان لا سيما إذا كان مشغولاً بالسعي لطلب الرزق له ولمن يعول. بل لا بد من توافر جهود المثير من المعنيين بدراسة التاريخ ممن عندهم الاستعداد النفسي والوعي الفكري والثقافي، والنضج العلمي، وتفريغهم لهذا العمل الهام جداً، والذي ستتعمق معرفتنا لأهميته كلما أدركنا مدى خطورته بالنسبة لنا ولمستقبل أمتنا..وليس من الضروري طبعاً أن يجتمع العدد المطلوب في مكان وزمان واحد، فإن حصل هذا فذلك غاية النهى في هذا المطلب العزيز، وإن لم يتوفر فحسبنا أن نشق الطريق أو نمشي بضع خطوات أو نقطع مرحلة منه تاركين لمن يأتي بعدنا متابعة السير في طريق شق وبدئ السير فيه حتى يصل المسلمون بإذن الله - تعالى - إلى هذه الغاية المرجوة من كتابة تاريخهم الإسلامي وتاريخ العالم كما يجب أن يكتب بأيدي مسلمة أمينة واعية. وأليس تقصيراً من المسلمين يخشى أن يكونوا آثمين فيه أن ينهض أعداؤهم لكتابة تاريخهم الإسلامي وصياغته وفق أغراضهم، والمسلمون ينظرون، أو يقتفون آثارهم وتنطبع في أذهان أبنائهم وأجيالهم وذراريهم الصور المشوهة التي أرادها أعداؤنا عن سلفنا الصالح وعظمائنا، مما دفع الكثير من أبناء المسلمين أن يستحيوا من الانتساب إلى تاريخهم وسلفهم الصالح ويتجملوا بتقليد أعدائهم؟. إن إعادة كتابة تاريخنا الإسلامي أمر يحتاج إلى جهود ضخمة، هذا صحيح ولكن أي جهد صادق واع خلص لله - سبحانه - يبذل فيه لا بد أن يؤتي ثماره الطيبة بإذن الله تعالى ولو بعد حين. ماذا نعني بمصطلح معسكر؟

стр. 4264

إن الدارس لأحوال الناس الدينية والاجتماعية والفكرية يلحظ ظاهرة هامة جداً في حياة الناس وهي: أن الناس يجتمعون بناء على اتفاقهم في الدين والعقيدة والفكرة والمذهب.. ويفترقون إذا اختلفوا فيها.. وليست هذه الظاهرة إلا ترجمة لما فطر عليه جنس الإنسان وهو الارتياح إلى من يشاركونه في الدين والعقيدة، والفكرة والمذهب والميل إليهم وموالاتهم والاندفاع لمناصرة قضاياهم والتحمس لها. وبالعكس من ذلك فإنه لا يرتاح إلى من يخالفونه في ذلك ويشعر بغربة دينهم، وينفر منهم، بل ويحاربهم إذا اقتضى الأمر مهما تكن الروابط المادية بينه وبينهم، وما ذلك إلا لأن الآصرة التي يجتمع عليها الناس ويفترقون، هي الدين والعقيدة، أو الفكرة والمذهب وليست اتحاد الجنس والنسب أو الاشتراك في الأرض والحدود الجغرافية أو السياسية وليست هي المصالح والمنافع القريبة.. فهذه كلها أمور عرضية لا علاقة لها بجوهر الإنسان الكريم.. ألا ترى إلى اليهودي كيف يتحمس لقضايا اليهود في العالم ويناصرها، ويوالي قيادتهم ولا يطمئن إلا لليهودي وقد كشف القرآن الكريم لنا كيف يوصي بعضهم بعضاً ويقولون: ﴿وَلا تُؤْمِنُوا إِلاَّ لِمَنْ تَبِعَ دِينَكُمْ﴾ (آل عمران: ٧٣) وكذلك الماركسي (شيوعياً كان أو اشتراكياً) هواه مع العالم الماركسي ودوله وأحزابه الشيوعية والاشتراكية، فيهتم لأخبارهم ويناصر قضاياهم ويدافع عن موقفهم وقضاياهم ويبرر أخطاءهم حتى ولو كانت ضد شعبه هو أو ضد بلده وقضاياه.. وقل مثل ذلك عن النصراني والوثني.

стр. 4265

أما شأن المسلم فهو أكثر وضوحاً فهو يهتم لأمر المسلمين، فيحزن لما أصابهم ويفرح لما نالوه من خير في مشارق الأرض ومغاربها، فإن لم يجد مثل هذا الشعور فهو دليل المرض في قلبه، والضعف في إيمانه، وما أصدق وأعمق دلالة هذا الأثر: "من لم يهتم بأمر المسلمين فليس منهم".. بل إن المسلم مأمور بنص كتاب الله - تعالى - وسنة رسوله ﵊ أن لا يوالي بعد الله - سبحانه - ورسوله- ﷺ غير المسلمين الملتزمين بإسلامهم الذين لم يخلطوا معه مبدءًا أو مذهباً أو شعاراً آخر ليس من الإسلام. قال تعلى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ، فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشَى أَنْ تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ فَيُصْبِحُوا عَلَى مَا أَسَرُّوا فِي أَنْفُسِهِمْ نَادِمِينَ﴾ .. الآيات. ثم يقول تعالى: ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ، وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ﴾ (المائدة: ٥١-٥٢-٥٥-٥٦) .

стр. 4266

وهكذا وبسبب هذه الفطرة وكون العقيدة هي جوهر الإنسان، فإن الإنسان يجد مع الذين يشاركونه في الدين والعقيدة، والفكرة والمذهب، وحدة آمال وأهداف، وأفراح وأتراح وبواعث ومواقف، ويشكل معهم كتلة واحدة، وجبهة واحدة أو معسكراً واحداً.. فالمعسكر إذن هو: أتباع الدين الواحد أو العقيدة الواحدة أو المذهب الواحد.. الخ. وما ينشأ عن هذا الإيمان من مشاعر وعواطف وانفعالات ومواقف متشابهة أو واحدة، وكذلك من عمل وسعي لمناصرة قضاياه وموالاة قياداته ورؤوسه. هذا وإن دراسة واعية للتاريخ والحاضر تكشف لنا أن أتباع الدين أو المذهب أو الفكرة الواحدة الذين يعملون لها ويناصرون قضاياها ويتخذونها قضاياً لهم، ويجعلونها منطلقاً أساسياً لهم في موقفهم من غيرهم ومعاملتهم.. يشكلون فيما بينهم معسكراً واحداً على اختلاف مستوياتهم ورقعة الأرض التي يسكنونها وكذلك - ولعلنا لا نبالغ - إذا قلنا مع اختلاف أزمانهم..فالواقع التاريخي إذن يثبت هذا الذي نذهب إليه. وبناء على هذا فاليهود على اختلاف أجناسهم وهيئاتهم وجماعاتهم ومؤسساتهم يشكلون معسكرًا واحدً هو المعسكر اليهودي الصهيوني.. وكذلك النصارى يشكلون معسكراً واحداً هو المعسكر النصراني الصليبي. والشيوعيون والاشتراكيون الماركسيون يشكلون المعسكر الماركسي الملحد. والوثنيون يشكلون المعسكر الوثني المشرك.. وهذه المعسكرات كلها تشكل فيما بينها وعلى اختلافها حزباً واحداً هو حزب الشيطان.. ولما كانت هذه المعسكرات لا تهتدي بهدي الله تعالى ولا تحكم شريعته - سبحانه -

стр. 4267

ولما كانت الجاهلية هي كل حالة أو وضع لا يهتدي بهدي الله تعالى ولا يحكم شريعته - سبحانه - وليست فترة زمنية محدودة [١] ، فوصف الجاهلية يشملهم جميعاً، فهم إذن معسكرات جاهلية وأممهم أمم جاهلية، بل كافرة ومشركة. وقد نص القرآن الكريم والسنة المطهرة على كفرهم جميعاً اليهود والنصارى والمشركين والملحدين. والكفر يشكل بينهم عاملاً مشتركاً "الكفر ملة واحدة". أما المسلمون فإنهم يشكلون فيما بينهم ومن دون الناس جميعاً أمة واحدة هي الأمة المسلمة أو الإسلامية، ومعسكراً واحداً هو المعسكر الإسلامي، وحزباً واحداً هو حزب الله تعالى ما داموا متمسكين بكتاب الله تعالى وسنة - رسوله ﷺ . من هذا الواقع وهو كون المعسكرات الجاهلية كلها كافرة، وكون المسلمين يشكلون أمة من دون الناس، من هذا الواقع نشأت علاقة غير المسلمين بالمسلمين وتحدد نوعها وهو العداء. عداؤهم لنا وقد كشف القرآن الكريم عنها بقوله تعالى: ﴿إِنَّ الْكَافِرِينَ كَانُوا لَكُمْ عَدُوّاً مُبِيناً﴾ (النساء:١٠١) . وفي القرآن الكريم آيات أخرى وردت كهذه الآية الكريمة، بصيغ نهائية قطعية مما يفيد أن عداوتهم ليست عرضية زائلة بل هي أصيلة طويلة الأمد لا يرجى لها زوال ما دام على الأرض كفر وكفار. هذا وقد نشأ عن هذا العداء الأصيل للمسلمين من قبل غيرهم حقيقتان تاريخيتان هما: الأولى: استحالة المصلحة والتعايش بسلام دائم بين المسلمين وأي من المعسكرات الجاهلية سواء كانوا الصهاينة أو الصليبيين أو الملحدين أو الوثنيين، وقد بيّن رسول الله ﷺ استحالة هذا اللقاء والتعايش واستحالة المصالحة بين المؤمنين والكافرين بقوله: "لا تراءى ناراهما".

стр. 4268

وإذن لا يمكن أن يتعايش المؤمنون المسلمون مع الكافرين أياً كان دينهم ومعسكرهم إلا إذا أمكن أن يعيش الإيمان إلى جانب الكفر في قلب رجل واحد، وهذا مستحيل، نعم مستحيل لأن المعركة قائمة منذ بدء الحياة البشرية إلى ما يشاء الله تعالى بين الإيمان والكفر، وبين الإسلام والجاهلية بين الهدى والضلال بين الحق والباطل، بين التوحيد والشرك.. ومن ثم فالمعركة قائمة ومستمرة بين المؤمنين المسلمين أتباع الحق والهدى، أهل التوحيد وبين الكافرين أتباع الباطل والضلال أهل الشرك والوثنيات.. أما سبب هذه المعركة الطويلة الأمد وسرها فهو الخلاف الأصيل والمناقضة التامة بين الإسلام وطبيعته وما يهدف إليه في حياة البشر، وبين الكفر وطبيعته وما يهدف إليه في حياة البشر.. الإسلام بما في طبيعته من حق يريد تحرير الناس من العبودية لغير الله ﵎ أياً كان شكل هذه العبودية وصورتُها، ويريد إخلاصها لله -تعالى -وحده، فلا يعبد غير الله - تعالى - معه أو دونه. أما الكفر فبما في طبيعته من بغي (ممثلاً بإبليس عليه لعنة الله - وجنده وأوليائه) فيريد فتنة الناس عن دين الله ﵎ وتعبيدهم لغير الله - سبحانه -. ﴿قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ، ثُمَّ لآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ وَلا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ﴾ (الأعراف ١٦ - ١٧) . ﴿وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا أَيُّهَا الْمَلأُ مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي﴾ (القصص: ٣٨)

стр. 4269

وهدّد فرعون موسى ﵊ قائلاً: ﴿لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلَهاً غَيْرِي لأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ﴾ (الشعراء: ٢٩) . فهو لا ترضيه السيطرة على أوضاع الناس بل يطغى للسيطرة على عقولهم وقلوبهم فلا تنشرح لشيء إلا بعد استئذانه ولو كان الإيمان بالله تعالى. قال فرعون لسحرته حين أسلموا ولم يستأذنوه بانشراح صدورهم للإيمان بالله تعالى وتغيير معتقدهم الباطل، وتصديق موسى ﵊ ﴿قَالَ آمَنْتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ﴾ (طه ٧١) . إنها بنظر الكفر هي الجريمة الكبرى التي يستحقون عليها القتل والصلب وتقطيع الأيدي والأرجل من خلاف فهددهم قائلاً: ﴿فَلأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلافٍ وَلأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ﴾ . والإسلام بما في طبيعته من طهر ونظافة يريد تطهير الناس وضمائرهم وبيوتهم وواقعهم من لوثات الكفر والفسق والعصيان. ولكن الكفر بما في طبيعته من انحراف وفجور ورجس: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ﴾ (براءة ٢٨) يكره هذا الذي يريده الإسلام للناس وينقم عليه، لأنه يريد لهم الانحراف واتباع الشهوات. قال تعالى: ﴿وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلاً عَظِيماً﴾ (النساء٢٦) . والإسلام بما في طبيعته من حيوية وحركة وجد ينطلق يجاهد الكفر أنّى وُجد ويطارده من القلوب والعقول، ومن واقع الناس وأنظمتهم.. وقد ظهر إصرار الإسلام، على مطاردة الكفر، في انطلاقه خطوة بعد خطوة، وغزوة بعد غزوة، ومرحلة بعد مرحلة، يطارد الكفر ويحطم قواه التي بها يصول ويجول، ويزيل أنظمته وأوضاعه الجاهلية التي يعبد بها الناس لغير ربهم - سبحانه - ويفتنهم عن دين الله تعالى وهداه. [٢]

стр. 4270

وأما الكفر فهو الآخر بما في طبيعته من طغيان يعمل على محاربة الإسلام وملاحقته والصد عنه ما واتته الفرصة من ليل أو نهار، وقد ظهر إصرار الكفر على محاربة الإسلام ومحاولات رد المسلمين عن دينهم في ظاهرتين اثنتين: الظاهرة الأولى: مسارعة رؤوس الكفر وأئمة الضلال في قوم كل نبي يرسله الله - تعالى - للوقوف في وجه نبيهم ﵊ والصد عن دين الله - تعالى - وفتنة المؤمنين به. الظاهرة الثانية: مسارعة المعسكرات الجاهلية لنقض عهودها مع المسلمين حالما تلوح لهم فرصة ضعف المسلمين وعجزهم عن تأديب ناقضي العهد معهم. وهكذا نجد أن كلاً من الإسلام والكفر يعمل بإصرار على إزالة الآخر من العقول والضمائر والقلوب ومن حياة الناس وأوضاعهم وأنظمتهم، لأنه لا يوجد أحدهما إلا حيث يخسر الآخر وينسحب، ولا وجود لأحدهما إلا على حساب الآخر، وأن بداية أحدهما في عقل أو ضمير أو قلب، أو وضع أو نظام أو مكان هي بداية النهاية للآخر.. قال تعالى: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ﴾ (الأنفال:٣٩) . وقال تعالى: ﴿وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً﴾ (التوبة: ٣٦) . وقال تعالى: ﴿وَلا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا﴾ (البقرة: ٢١٧) .

стр. 4271

٢- أما الحقيقة التاريخية الثانية فهي تعاون القوى الكافرة ومعسكراتها ضد الإسلام والمسلمين.. وهذا ما كشف عنه الكتاب والسنة أيضاً في أكثر من آية وحديث.. وبأكثر من أسلوب تصريحاً وتلميحاً.. من ذلك جمع الكفار كلهم في سياق آية واحدة، والحديث عن مرادهم في المسلمين وموقفهم منه مما يدل على وحدة بواعثهم وأهدافهم تجاه الإسلام والمسلمين، وكذلك وحدة مواقفهم كقوله تعالى - على سبيل المثال لا الحصر: ﴿مَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَلا الْمُشْرِكِينَ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْكُمْ مِنْ خَيْرٍ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ (البقرة: ١٠٥) [٣] . أما الواقع التاريخي فقد ترجم هذه الحقيقة وأظهرها خلال الأربعة عشر قرناً من الزمان "لمن كان له قلب أو القي السمع وهو شهيد" وما يزال يظهرها اليوم ويبينها أجلى ما يكون بياناً.. وهذه الحقيقة التاريخية وسابقتها تحتاج إلى محاضرة مستقلة إن لم يكن أكثر من محاضرة، وأرجو أن أوفق لذلك في المستقبل بإذن الله تعالى. وهذه إشارات خاطفة على سبيل المثال لا الحصر: أيها الأخوة: كلنا يعلم الحروب الطويلة الأمد التي كانت بين الفرس والروم، وأن هذه الحروب توقفت فجأة بظهور الإسلام وتحولت القوتان المتخاصمتان دهراً طويلاً إلى قوتين متعاونتين ضد الإسلام والمسلمين..فحارب المسلمون على الجبهتين الفارسية والرومية في وقت واحد ونصرهم الله تعالى عليهما..

стр. 4272

كذلك إن الذي يدرس تاريخ الحروب الصليبية وغزو التتار لبلاد المسلمين يعلم السفارات التي كانت تتبادل بين دول المعسكر الصليبي وإماراته ورؤوسه وبين التتار في بلادهم قبل بدئهم بغزو العالم الإسلامي، ولما جاءوا إلى بلاد الإسلام انضم إليهم غير المسلمين من الطوائف الأخرى في بغداد وبلاد الشام وغيرهما وتعاونوا معهم، بل إن النصارى هللوا واستبشروا بقدوم التتار الوثنيين واعتبروا غزوهم لبلاد المسلمين حملة صليبية جديدة جاءت من الشرق بدلاً من أن تأتي من الغرب، وقد رأينا كيف أنه لم ينج من مذبحتهم الرهيبة في بغداد إلا هؤلاء الذين تعاونوا معهم من الطوائف غير المسلمة، ومنحهم الغزاة قصور المسلمين وأمرائهم الذين ذبحوا منهم من ذبحوا، وفر منهم من استطاع الفرار، واختفى الباقون في الأقنية والسراديب، فلما خرجوا لقوا حتفهم بسبب المرض الذي فتك بهم. أما تعاون القوى الكافرة والمعسكرات الجاهلية فيما بينها اليوم ضد الإسلام والمسلمين وقضاياهم فهي أوضح من أن تحتاج إلى بيان في فلسطين وباكستان الشرقية والفلبين والحبشة بل في إفريقيا كلها وفي كل قضية يكون المسلمون طرفاً فيها.. أيها الأخوة: إن إدراكنا لهذا الواقع، وهو كون المسلمين أمة من دون الناس، وكون الكفر عاملاً مشتركاً بين سائر المعسكرات الجاهلية "الكفر ملة واحدة".. وإن إدراكنا لسر الصراع الطويل الأمد بين الحق وجنده، وبين الباطل وجنده.. إن هذا يمكننا من إدراك عدة أمور هامة جداً في حياتنا اليوم، يجب أن تبحث وتفصل حتى يعرفها شبابنا وأبناؤنا ليكونوا على بصيرة بعصرهم هذا الذي أقبلت فيه الفتن كقطع الليل المظلم، وركب بعضها بعضاً، وأخذ بعضها برقاب بعض، بحيث تدع الحليم حيراناً، فما بالك بغير الحليم؟! ..

стр. 4273

ومن هذه الأمور: انه يمكننا من فهم طبيعة الجهاد في سبيل الله- تعالى - وبواعث المجاهدين من سلفنا الصالح ولماذا كانوا لا يقتلون إلا المقاتلين الذين لا يرمون السلاح وهو يمكننا من فهم أسباب الحروب الطويلة التي شنتها المعسكرات الجاهلية على المسلمين في كل مكان غلب فيه المسلمون على أمرهم، وكذلك لماذا كانت حروبهم معنا ولنا حرب إبادة واستئصال؟ وهو يمكننا من فهم أسرار الطغيان وعمليات السحق الوحشية لشباب المسلمين والفتك بعلمائهم وقادة فكرهم على أيدي الأنظمة الجاهلية وأوضاعها، ومطاردتهم وتشريدهم؟ ! وهو يمكننا كذلك من فهم الصمت المطبق في وسائل الإعلام العالمية حين تكون الضحية مسلمة والقضية إسلامية، والضجة الكبرى حين يوجه إيذاء لغير المسلمين أو يمنعون من ممارسة شعائرهم أو نشاطاتهم؟ [٤] كما أنه يمكننا من إدراك حقيقة العلاقة التي قامت عبر التاريخ وتقوم الآن بيننا وبين المعسكر النصراني الصليبي هو أحد معسكرات الكفر، ومن ثم فعلاقته بنا إذن تنبثق من العداء الأصيل بين الحق وأهله وبين الباطل وأهله، وأن كل ما بين الإسلام والكفر من عداء وإصرار كل منهما على ملاحقة الآخر وتعقب آثاره لتصفيته من دنيا الناس وواقعهم وقلوبهم وضمائرهم هو قائم بين المؤمنين المسلمين وبين المعسكر النصراني الصليبي. قال تعالى: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الآخِرِ وَلا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ (التوبة: ٢٩) . وقال تعالى: ﴿وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ﴾ (البقرة: ١٢٠) وهذا ما ترجمه الواقع التاريخي طوال الأربعة عشر قرناً من الزمان..

стр. 4274

أيها الأخوة: لقد قلنا: من واقع كون المسلمين أمة من دون الناس جميعاً، وكون المعسكرات الجاهلية كلها كافرة نشأت علاقة غير المسلمين بالمسلمين وتحدد نوعها وهو عداؤهم لنا عداء أصيلاً مستمراً لا يرجى له زوال ما دام على الأرض كفر وكفار أو يتحول المسلمون عن دينهم إلى الكفر - والعياذ بالله تعالى -، وأن القرآن الكريم كشف عن هذا بقوله تعالى: ﴿إِنَّ الْكَافِرِينَ كَانُوا لَكُمْ عَدُوّاً مُبِيناً﴾ هذا من جهة، ومن جهة أخرى: فإن الإسلام بما فيه من حق وطهر وحيوية وحركة لا بد وأن ينطلق يحرر الناس ويطارد الكفر بشتى صوره، ويحطم قواه التي يصول بها ويجول ويزيل أنظمته الجاهلية وأوضاعه التي يفتن بها الناس عن دين الله - تعالى - ويصدهم عنه.. وكان بديهياً ومنتظراً أن يصطدم بالمعسكر النصراني الصليبي القابع في شمال الجزيرة العربية - باعتباره أحد معسكرات الكفر - والذي بدأ يتحرك ويتحفز للانقضاض على المسلمين منذ أن أصبح لهم دولة وقوة في هذه المدينة المنورة، ويترجم بذلك خوف الكفر وحذره من انطلاق الإسلام وإصراره على حرب الإسلام ومحاولات القضاء عليه، ومدفوعاً بطغيان الكفر وبغيه وكرهه للإسلام.. فكانت غزوة مؤتة وكانت غزوة تبوك، وغيرهما..

стр. 4275

هذا بعض ما كان منه، أو بدأ به، أما ما كان من الإسلام.. فإن الإسلام ما أن أخضع الجزيرة العربية واستخلصها لنفسه قاعدة له لا يشاركه فيها دين آخر "لا يجتمع في جزيرة العرب دينان"حتى بدأ بالزحف على المعسكر النصراني في انطلاقه العام لتحرير الناس كلهم وتعبيدهم لخالقهم وحده، فكانت اليرموك وكان غيرها..واستمر الصراع حتى اليوم، لم يهدأ، ولم يفتر، بل كثرت ألوانه وأساليبه، وترك بصماته قوية على مكانة العالم النصراني العالمية، وأحدث تغييراً كبيراً في خارطته وأوضاع الشعوب التي كانت تخضع له، مما كان له تأثيره العميق على تفكيره ونفسيته، واتصالاته بنا وتجاربه التي خرج بها خلال هذه القرون الأربعة عشر، فنشأت من ذلك أمور أخذت مع الزمن تترسم في أذهان قادته ورؤوسه من ملوكه وأمرائه ورجال كنيسته وتترسخ في قلوبهم ومشاعرهم وتشكل منطلقات أساسية لنظرتهم إلينا وعلاقتهم بنا، لا يستطيعون فكاكاً منها، ولا تخلصاً من ضغطها بل التحمت بلحمهم وعظمهم، وسرت روحاً في كيانهم لا تفارقهم لحظة من ليل أو نهار.. وقد كانت أولى هذه الأمور: روحاً صليبية حاقدة..فما هي الروح؟ وكيف تشكلت عبر التاريخ؟ وما هو مدى تأثيرها على نظرتهم إلينا وعلاقتهم بنا؟ هذا ما أبدأ الإجابة عليه (بإذن الله تعلى) . الروح الصليبية ونشأتها: ١- لقد كان عيسى بن مريم ﵊ آخر الرسل قبل سيدهم وخاتمهم محمد بن عبد الله صلوات الله وسلامه عليه وعليهم أجمعين. ومن ثم كان حواريوه من بعده هم أساتذة العالم ومرشدي الأمم..
следующие страницы →