Полный текст (23 804 стр.). Показаны 4271–4310 · переход к 4276.
стр. 4271
٢- أما الحقيقة التاريخية الثانية فهي تعاون القوى الكافرة ومعسكراتها ضد الإسلام والمسلمين.. وهذا ما كشف عنه الكتاب والسنة أيضاً في أكثر من آية وحديث.. وبأكثر من أسلوب تصريحاً وتلميحاً.. من ذلك جمع الكفار كلهم في سياق آية واحدة، والحديث عن مرادهم في المسلمين وموقفهم منه مما يدل على وحدة بواعثهم وأهدافهم تجاه الإسلام والمسلمين، وكذلك وحدة مواقفهم كقوله تعالى - على سبيل المثال لا الحصر: ﴿مَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَلا الْمُشْرِكِينَ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْكُمْ مِنْ خَيْرٍ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ (البقرة: ١٠٥) [٣] .
أما الواقع التاريخي فقد ترجم هذه الحقيقة وأظهرها خلال الأربعة عشر قرناً من الزمان "لمن كان له قلب أو القي السمع وهو شهيد" وما يزال يظهرها اليوم ويبينها أجلى ما يكون بياناً..
وهذه الحقيقة التاريخية وسابقتها تحتاج إلى محاضرة مستقلة إن لم يكن أكثر من محاضرة، وأرجو أن أوفق لذلك في المستقبل بإذن الله تعالى. وهذه إشارات خاطفة على سبيل المثال لا الحصر:
أيها الأخوة: كلنا يعلم الحروب الطويلة الأمد التي كانت بين الفرس والروم، وأن هذه الحروب توقفت فجأة بظهور الإسلام وتحولت القوتان المتخاصمتان دهراً طويلاً إلى قوتين متعاونتين ضد الإسلام والمسلمين..فحارب المسلمون على الجبهتين الفارسية والرومية في وقت واحد ونصرهم الله تعالى عليهما..
стр. 4272
كذلك إن الذي يدرس تاريخ الحروب الصليبية وغزو التتار لبلاد المسلمين يعلم السفارات التي كانت تتبادل بين دول المعسكر الصليبي وإماراته ورؤوسه وبين التتار في بلادهم قبل بدئهم بغزو العالم الإسلامي، ولما جاءوا إلى بلاد الإسلام انضم إليهم غير المسلمين من الطوائف الأخرى في بغداد وبلاد الشام وغيرهما وتعاونوا معهم، بل إن النصارى هللوا واستبشروا بقدوم التتار الوثنيين واعتبروا غزوهم لبلاد المسلمين حملة صليبية جديدة جاءت من الشرق بدلاً من أن تأتي من الغرب، وقد رأينا كيف أنه لم ينج من مذبحتهم الرهيبة في بغداد إلا هؤلاء الذين تعاونوا معهم من الطوائف غير المسلمة، ومنحهم الغزاة قصور المسلمين وأمرائهم الذين ذبحوا منهم من ذبحوا، وفر منهم من استطاع الفرار، واختفى الباقون في الأقنية والسراديب، فلما خرجوا لقوا حتفهم بسبب المرض الذي فتك بهم.
أما تعاون القوى الكافرة والمعسكرات الجاهلية فيما بينها اليوم ضد الإسلام والمسلمين وقضاياهم فهي أوضح من أن تحتاج إلى بيان في فلسطين وباكستان الشرقية والفلبين والحبشة بل في إفريقيا كلها وفي كل قضية يكون المسلمون طرفاً فيها..
أيها الأخوة: إن إدراكنا لهذا الواقع، وهو كون المسلمين أمة من دون الناس، وكون الكفر عاملاً مشتركاً بين سائر المعسكرات الجاهلية "الكفر ملة واحدة"..
وإن إدراكنا لسر الصراع الطويل الأمد بين الحق وجنده، وبين الباطل وجنده.. إن هذا يمكننا من إدراك عدة أمور هامة جداً في حياتنا اليوم، يجب أن تبحث وتفصل حتى يعرفها شبابنا وأبناؤنا ليكونوا على بصيرة بعصرهم هذا الذي أقبلت فيه الفتن كقطع الليل المظلم، وركب بعضها بعضاً، وأخذ بعضها برقاب بعض، بحيث تدع الحليم حيراناً، فما بالك بغير الحليم؟! ..
стр. 4273
ومن هذه الأمور: انه يمكننا من فهم طبيعة الجهاد في سبيل الله- تعالى - وبواعث المجاهدين من سلفنا الصالح ولماذا كانوا لا يقتلون إلا المقاتلين الذين لا يرمون السلاح وهو يمكننا من فهم أسباب الحروب الطويلة التي شنتها المعسكرات الجاهلية على المسلمين في كل مكان غلب فيه المسلمون على أمرهم، وكذلك لماذا كانت حروبهم معنا ولنا حرب إبادة واستئصال؟
وهو يمكننا من فهم أسرار الطغيان وعمليات السحق الوحشية لشباب المسلمين والفتك بعلمائهم وقادة فكرهم على أيدي الأنظمة الجاهلية وأوضاعها، ومطاردتهم وتشريدهم؟ !
وهو يمكننا كذلك من فهم الصمت المطبق في وسائل الإعلام العالمية حين تكون الضحية مسلمة والقضية إسلامية، والضجة الكبرى حين يوجه إيذاء لغير المسلمين أو يمنعون من ممارسة شعائرهم أو نشاطاتهم؟ [٤]
كما أنه يمكننا من إدراك حقيقة العلاقة التي قامت عبر التاريخ وتقوم الآن بيننا وبين المعسكر النصراني الصليبي هو أحد معسكرات الكفر، ومن ثم فعلاقته بنا إذن تنبثق من العداء الأصيل بين الحق وأهله وبين الباطل وأهله، وأن كل ما بين الإسلام والكفر من عداء وإصرار كل منهما على ملاحقة الآخر وتعقب آثاره لتصفيته من دنيا الناس وواقعهم وقلوبهم وضمائرهم هو قائم بين المؤمنين المسلمين وبين المعسكر النصراني الصليبي.
قال تعالى: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الآخِرِ وَلا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ (التوبة: ٢٩) .
وقال تعالى: ﴿وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ﴾ (البقرة: ١٢٠)
وهذا ما ترجمه الواقع التاريخي طوال الأربعة عشر قرناً من الزمان..
стр. 4274
أيها الأخوة: لقد قلنا: من واقع كون المسلمين أمة من دون الناس جميعاً، وكون المعسكرات الجاهلية كلها كافرة نشأت علاقة غير المسلمين بالمسلمين وتحدد نوعها وهو عداؤهم لنا عداء أصيلاً مستمراً لا يرجى له زوال ما دام على الأرض كفر وكفار أو يتحول المسلمون عن دينهم إلى الكفر - والعياذ بالله تعالى -، وأن القرآن الكريم كشف عن هذا بقوله تعالى: ﴿إِنَّ الْكَافِرِينَ كَانُوا لَكُمْ عَدُوّاً مُبِيناً﴾ هذا من جهة، ومن جهة أخرى: فإن الإسلام بما فيه من حق وطهر وحيوية وحركة لا بد وأن ينطلق يحرر الناس ويطارد الكفر بشتى صوره، ويحطم قواه التي يصول بها ويجول ويزيل أنظمته الجاهلية وأوضاعه التي يفتن بها الناس عن دين الله - تعالى - ويصدهم عنه.. وكان بديهياً ومنتظراً أن يصطدم بالمعسكر النصراني الصليبي القابع في شمال الجزيرة العربية - باعتباره أحد معسكرات الكفر - والذي بدأ يتحرك ويتحفز للانقضاض على المسلمين منذ أن أصبح لهم دولة وقوة في هذه المدينة المنورة، ويترجم بذلك خوف الكفر وحذره من انطلاق الإسلام وإصراره على حرب الإسلام ومحاولات القضاء عليه، ومدفوعاً بطغيان الكفر وبغيه وكرهه للإسلام.. فكانت غزوة مؤتة وكانت غزوة تبوك، وغيرهما..
стр. 4275
هذا بعض ما كان منه، أو بدأ به، أما ما كان من الإسلام.. فإن الإسلام ما أن أخضع الجزيرة العربية واستخلصها لنفسه قاعدة له لا يشاركه فيها دين آخر "لا يجتمع في جزيرة العرب دينان"حتى بدأ بالزحف على المعسكر النصراني في انطلاقه العام لتحرير الناس كلهم وتعبيدهم لخالقهم وحده، فكانت اليرموك وكان غيرها..واستمر الصراع حتى اليوم، لم يهدأ، ولم يفتر، بل كثرت ألوانه وأساليبه، وترك بصماته قوية على مكانة العالم النصراني العالمية، وأحدث تغييراً كبيراً في خارطته وأوضاع الشعوب التي كانت تخضع له، مما كان له تأثيره العميق على تفكيره ونفسيته، واتصالاته بنا وتجاربه التي خرج بها خلال هذه القرون الأربعة عشر، فنشأت من ذلك أمور أخذت مع الزمن تترسم في أذهان قادته ورؤوسه من ملوكه وأمرائه ورجال كنيسته وتترسخ في قلوبهم ومشاعرهم وتشكل منطلقات أساسية لنظرتهم إلينا وعلاقتهم بنا، لا يستطيعون فكاكاً منها، ولا تخلصاً من ضغطها بل التحمت بلحمهم وعظمهم، وسرت روحاً في كيانهم لا تفارقهم لحظة من ليل أو نهار.. وقد كانت أولى هذه الأمور: روحاً صليبية حاقدة..فما هي الروح؟ وكيف تشكلت عبر التاريخ؟ وما هو مدى تأثيرها على نظرتهم إلينا وعلاقتهم بنا؟
هذا ما أبدأ الإجابة عليه (بإذن الله تعلى) .
الروح الصليبية ونشأتها:
١- لقد كان عيسى بن مريم ﵊ آخر الرسل قبل سيدهم وخاتمهم محمد بن عبد الله صلوات الله وسلامه عليه وعليهم أجمعين.
ومن ثم كان حواريوه من بعده هم أساتذة العالم ومرشدي الأمم..
стр. 4276
لكن المسيحية أصابها انحراف كبير وخطير نقلها من ديانة توحيدية سهلة إلى ديانة وثنية معقدة وذلك في عهدها الباكر، وفي منتصف القرن المسيحي الأول على يد اليهودي الماكر (بولس) . إلا أن النصارى ممثلين برجال كنيستهم ظلوا يمنحون أنفسهم وكنيستهم ذلك الاعتبار الذي كان لحواريي عيسى ﵊ وحواريوه - رحمهم الله تعالى - وعلى الرغم من إمعانهم في تحريف ما ورثوه من هذه النصرانية المحرفة وحشوها بالخرافات والأضاليل الكنسية، حتى ظهور الإسلام، وحتى يومنا هذا..
فلما ظهر الإسلام بتوحيده الصافي وحقه المبين، كشف انحراف النصرانية وبطلان ما آلت إليه وأظهر ضلال رجال كنيستها وأتباعها وأقصاهم عما زعموه لأنفسهم من أستاذية العالم وهدايته، وآلت الصدارة للإسلام وغدا المسلمون هم أساتذة العالم وهداة البشرية وقادة الأمم ومرشدي الناس إلى الحق والهدى، وانتزعوا تلك المكانة من النصارى (كما انتزعوها من اليهود في هذه المدينة المنورة بعد الهجرة إليها) .
وقضى المسلمون على ما كان لرجال الكنيسة من سلطة ومصالح، وما زعموه لأنفسهم من وصاية على البشر وأوضاعهم وعلى عقولهم وأرواحهم، وما فرضوه عليهم من حق السخرة وما ابتزوه من أموالهم ضريبة يؤدونها إلى رجال الكنيسة دون تلكؤ أو تردد أو مراجعة أو استفسار.. وهذا كله عدا تعبيدهم لهم من دون الله ﵎..
قال تعالى: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ .
وقال رسول الله ﷺ : "إنهم حرموا عليهم الحلال، وأحلوا لهم الحرام، فاتبعوهم، فذلك عبادتهم إياهم".
فكانت ذلك سبباً أصيلاً وعميقاً في كراهية النصارى - لاسيما رجال كنيستهم - للإسلام والمسلمين، وكان وراء ذلك محاولاتهم المستمرة للصد عن الإسلام ورد المسلمين عن دينهم أو القضاء عليهم وعلى إسلامهم..
стр. 4277
قال تعالى: ﴿وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ﴾ (البقرة: ١٢٠) .
وقال تعالى: ﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّاراً حَسَداً مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقّ﴾ (البقرة: ١٠٩) .
٢- ثم نشأ سبب آخر زاد في عمق وتأصيل كراهية النصارى - لا سيما رؤوسهم من رجال كنيستهم وملوكهم - للإسلام والمسلمين، والجهد في حرب المعسكر الإسلامي.. هذا السبب هو: انطلاق الإسلام في الأرض لتحرير الناس من العبودية لله تعلى وحده ولإخراجهم من ضيق الدنيا إلى سعة الآخرة ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام.. واصطدامه بالمعسكر النصراني الصليبي وتحطيمه جيوشه وأنظمته.. والفتوحات التي أحرزها في العالم النصراني نفسه، وانتزاعه منه بلاد الشام ومصر وشمال إفريقيا، ووثبته على الأندلس وتوغله في أوربا من الغرب حتى شاء الله - تعالى - أن يقف المسلمون في تلك الجولة قريباً من (باريس) عاصمة فرنسا، ثم دخوله أوروبا مرة أخرى من الشرق وانتزاعه منه الأناضول والبلقان، وقضاؤه على الإمبراطورية البيزنطية وفتحه عاصمتها القسطنطينية وتحويلها إلى عاصمة الإسلام (إسلام بول) وتوغله بعدها في قلب أوروبا حتى شاء الله أن يقف في هذه الجولة عند أسوار فيينا عاصمة النمسا. وكذلك صعوده على أوروبا من الجنوب من إيطاليا حتى دق أبواب روما وهدد دولة الفاتيكان. ثم صعوده على روسيا القيصرية وانتزاعه منها أطرافها الجنوبية والشرقية..
وجد المعسكر النصراني الصليبي نفسه أمام عملاق قوي خرج من هذه المدينة المنورة، فحطم له قواه وجيوشه التي كان بها يصول ويجول ويحكم بها نصف العالم، وطارده حتى حصره في أوروبا وحدها بل في جزء منها وطوقه من الشرق والغرب بذراعين قويتين يهدده بهما صباح مساء..
стр. 4278
فكان هذا، أيضاً، سبباً في تأصيل كراهية المعسكر النصراني الصليبي وعدائه للإسلام والمسلمين وتعميق هذه العداوة والكراهية وامتزاجها بلحنه ودمه وعظمه وعصبه، وغدوها جزءاً من تركيبه وتحولها إلى روح خبيثة من الحقد الدفين الذي أُترع به قلبه، وامتلأ بها صدره وأكلت كبده، فظهرت على ألسنة رؤوسه ورجاله ﴿وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ﴾ (آل عمران: ١١٩) .
هذه الروح الحاقدة على الإسلام والمسلمين هي الروح الصليبية..
فالروح الصليبية إذن: هي روح العداء والحقد والكراهية للإسلام والمسلمين في نفوس رؤوس المعسكر النصراني الصليبي، من رجال كنيسته وملوكه، ومن والاهم وأطاع أوامرهم وخضع لهم وعمل بتوجيهاتهم واقتفى أثرهم في كره الإسلام والمسلمين وحربهم والحقد عليهم..
стр. 4279
لقد سرت هذه الروح في جسم المعسكر الصليبي - بفعل رؤوسه - حتى كادت تشمل كيانه وتتغلغل في أجزائه وتشمل شعوبه وجماعاته وطوائفه وأفراده لولا وجود مجموعات أو طوائف بدت منهم المودة للإسلام والمسلمين، بسبب بقائهم أو قربهم من التوحيد الذي جاء به عيسى ﵊ ولذا بقيت بمنأى عن التلوث بهذه الروح الخبيثة، التي دأب رجال الكنيسة وسواهم من رؤوس المعسكر النصراني الصليبي على غرسها وإحيائها في شعوبهم وأتباعهم تضليلاً لهم وحقداً على الإسلام والمسلمين، ومن ثم دخلت مجموعات من هذه الطوائف في الإسلام حين وصلها وعرفته، كما فعلت طائفة منهم كانت في إقليم (البوسنة) تدعى (طائفة البوغوميل) (رفضوا عبادة السيدة مريم، وأبوا نظام التعميد، وأنكروا الصليب رمزاً دينياً، واعتبروا الانحناء أمام الصور الدينية والتماثيل إنما هو ضرب من عبادة الأصنام، وكرهوا نواقيس الكنائس وأطلقوا عليها أبواق الشياطين، وكانت دور صلاتهم على درجة كبيرة من البساطة والبعد عن الزينة والزخارف على عكس الكنائس الكاثوليكية التي كانت تتميز بالزخارف الزاهية.. وفوق هذا كله كان أفراد هذه الطائفة يعتقدون أن المسيح نفسه ﵊ لم يصلب ولكن حل محله شبح آخر، وهم يتفقون مع الآية الكريمة التي جاء فيها ﴿وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ﴾ (النساء: ١٥٧) وكانوا يحرمون على أنفسهم شرب الخمر ويحرصون على أن يكون سلوكهم الخارجي وعلاقاتهم الاجتماعية مبرأة من العيوب التي حفلت بها المجتمعات المسيحية في أوروبا في ذلك الوقت.
стр. 4280
"وكان من الطبيعي أن تنظر الكنيسة شذراً إلى هذه الطائفة ودعت البابوية إلى شن حملات صليبية عليهم، وقد تعرضوا لموجات من الاضطهاد العنيف على يد ملوك البوسنة الذين كانوا يستجيبون إلى توجيهات البابوية في روما. واستغاثت أفراد هذه الطائفة بالأتراك العثمانيين في القرن الخامس عشر لتخليصهم مما هم فيه من اضطهاد وبؤس وشقاء. ولما غزا السلطان محمد الفاتح البوسنة في سنة ١٤٦٤م انضمت طائفة البوغوميل إلى الفاتحين، واستولى الجيش العثماني في خلال أسبوع واحد على معظم مدن البوسنة، وعلى إثر الفتح العثماني دخل البوغوميل في الإسلام أفواجاً بمحض إرادتهم، إذ وجدوا الفروق ضئيلة جداً بين مذهبهم وبين تعاليم الإسلام. أما البقية الباقية من أفراد هذه الطائفة فقد أسلموا تدريجياً. وبقي الكاثوليك من أهالي البوسنة على ديانتهم وآثروا الهجرة إلى النمسا والمجر " [٥] .
стр. 4281
ولعل هؤلاء النصارى (طائفة البوغوميل وأمثالهم) كأولئك الذين وجدوا في عصر الدعوة الإسلامية الأول ولم يجدوا في نفوسهم ما وجد غيرهم من الكبر الذي يصدهم عن الإسلام فأسلموا.. لعل هؤلاء وأولئك هم المعنيون بقول الله تعالى: ﴿لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَاناً وَأَنَّهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ. وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ. وَمَا لَنَا لا نُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا جَاءَنَا مِنَ الْحَقِّ وَنَطْمَعُ أَنْ يُدْخِلَنَا رَبُّنَا مَعَ الْقَوْمِ الصَّالِحِينَ. فَأَثَابَهُمُ اللَّهُ بِمَا قَالُوا جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاءُ الْمُحْسِنِينَ. وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ﴾ (المائدة: ٨٢-٨٦) .
стр. 4282
وهكذا نجد أن الروح الصليبية نشأت منذ وجد للإسلام كيان ودولة في هذه المدينة المنورة وانتزع من النصارى ما زعموه لأنفسهم من مكانة دينية، ثم تفجرت وغلى مرجلها بعد الصدام المسلح الذي وقع بين المسلمين والدولة البيزنطية لا سيما بعد معركة اليرموك الظافرة التي لقيت فيها جيوشهم هزيمة نكراء تحطمت فيها قواهم وخرج بعدها رأسهم هرقل إمبراطور الدولة الرومانية من بلاد الشام هارباً والأسى والحزن يعصر قلبه عصراً، وقد عبر عن ذلك حين ركب البحر واستقل السفينة وألقى نظرات الوداع الأخيرة على شواطئ سورية الجميلة فلم يملك نفسه أن أطلق صرخة أودعها كل ما عنده من أسى وحزن وكمد فصاح قائلاً: الوداع، الوداع، إلى الأبد يا سورية، وداعاً لا لقاء بعده. وقد كان كذلك ولله الحمد ...
لقد نشأت هذه الروح منذ ذلك الحين ثم ما زادتها الأيام والأحداث إلا اشتعالاً واتقاداً وتفجراً وغلياناً، إذ دأب رجال الكنيسة إلى إبقاء جذوتها متقدة متوهجة، منتهزين كل انتصار يحرزه المسلمون ليسهل عليهم تسخيرها في أي وقت لدفع الكتل البشرية النصرانية في موجات تخريبية من الغزو الصليبي المدمر، والفتك بالمسلمين كلما قدروا عليهم.. وليس هذا فحسب بل أراد رؤوس المعسكر النصراني الصليبي أن يجعلوا هذه الروح الحاقدة تقليداً لأتباعهم وشعوبهم وطقساً من طقوسهم يشيب عليها الكبير، وينشأ عليها الصغير، ويرضعها الوليد مع لبن أمه.. وذلك حتى يمسي التخلص من الإسلام ورد المسلمين عنه أو إبادتهم هو الشغل الشاغل لكل نصراني على وجه الأرض وليس فقط لرؤوس المعسكر النصراني الصليبي..
стр. 4283
وهكذا نجد أن الروح الصليبية ذات تأثير عميق جداً على نظرة المعسكر النصراني الصليبي إلينا ومن ثم علاقتهم بنا، إلى درجة أنها تشكل شطر منطلق على نظرة المعسكر النصراني الصليبي إلينا أما الشطر الآخر لهذا المنطلق فقد نشأ من نفس الظروف والأحداث التي نشأت عنها الروح الصليبية.. هذا الشطر الآخر: هو الثأر القديم الذي يشعر به المعسكر النصراني الصليبي تجاه الإسلام والمسلمين..
الثأر القديم:
أيها الأخوة: فقد قلنا إن المعسكر النصراني الصليبي وجد نفسه أمام عملاق خرج من هذه المدينة المنورة فانتزع منه مكانة الأستاذية والإرشاد في العالم، وما زعمه لنفسه من مكانة دينية في غفلة من الناس وبعدهم عن دين الله تعالى.. وانتزع منه شعوباً وأمماً كانت تخضع له وتدين لملوكه وكنيسته بالطاعة فأصبحت من جند الإسلام المخلصين تحمله وتفتح به البلاد وتهدي العباد بإذن الله تعالى..
وانتزع منه أيضاً أراضٍ واسعةٍ وبلاداً شتى كان ينفرد وحده باستغلال خيراتها لا يشاركه فيها أحد من الناس..
وانتزع كذلك أربع مدن رئيسية من أعز خمس مدن عليه في العالم وهي: (القدس، وإنطاكية، ونيقيه، والقسطنطينية) وبات يهدد الخامسة بالفتح وهي (روما) .
وفوق هذا كله فقد قضى على إمبراطوريته البيزنطية التي كان يعتبر إمبراطورها رأساً للعالم النصراني، ونائباً عن الله ﵎ عن ذلك علواً كبيرًا.
وهكذا وجد المعسكر النصراني الصليبي نفسه أمام عدو طعنه طعنات نجلاء، وجرحه جروحاً غائرة لا تندمل، ولا يمكن أن تندمل حتى يثأر لنفسه منه، ويسترد - بزعمه وتصوره -مكانته
وسائر ما انتزعه الإسلام منه من البلاد والعباد، وهداها الله تعالى به..
стр. 4284
إلا أن أشد ما أثار المعسكر النصراني الصليبي وأقامه ولن يقعده هو فتح الإسلام لبلاد الشام وفيها (القدس) وقد رأينا حسرته ولوعته التي بدت بصرخة رأس من رؤوسه وهو هرقل حين خرج منها وهو يقول: "الوداع. الوداع يا سورية. وداعاً لا لقاء بعده". وكذلك فتح الإسلام للقسطنطينية وتحويلها إلى دار إسلام (إسلام بول) .
إن اهتمام المعسكر النصراني الصليبي بالقدس والقسطنطينية جعله يجهد بدأب واستمرار وعلى كافة المستويات منذ فتحهما الله تعالى على يد المسلمين وحتى اللحظة الحاضرة لانتزاعهما من أيدي المسلمين وإعادتهما مركزين أوليين من مراكز الصليب.. وإن أية دراسة واعية للحروب الصليبية تكشف لنا أن انتزاع (القدس) من أيدي المسلمين هو في رأس القائمة [٦] قائمة أهدافهم ونشاطاتهم وحروبهم التي يعتقدون بقدسيتها والتي يعتقدون أنها لا تنتهي ولن تنتهي ما دامت القدس بأيدي المسلمين، كما صرح بذلك الجنرال الإنكليزي (أللنبي) حين دخل القدس في الحرب العالمية الأولى وظن أنهم انتزعوها من أيدي المسلمين فقال: (الآن انتهت الحروب الصليبية) .. فلما عادت للمسلمين رجعت المحاولات تبذل من جديد ولم يتغير فيها إلا الشكل والاسم.. كانت من قبل صريحة واضحة هكذا.. يريدون انتزاع القدس من أيدي المسلمين الذين يسمونهم كفرة. قال رأس من رؤوسهم وهو البابا أوروبا الثاني منفذ فكرة الحروب الصليبية المقدسة المعروفة بهذا الاسم والذي بدأ بدفع الكتل البشرية الأوروبية إلى بلاد الشام ومصر ثم استمرت بعده طوال قرنين من الزمان.. قال: "..فاتخذوا محجة القبر المقدس، وخلصوا الأراضي المقدسة من أيدي المختلسين الكفار (يقصد المسلمين) ... " [٧] أما اليوم فقد جاءت هذه الجهود على مراحل، المرحلة الأولى منها جاءت تحت اسم (التدويل) وما ذلك إلا لخداع المسلمين وتمويه الحقيقة عليهم، فإذا تمت لهم هذه المرحلة - لا سمح الله - خطوا للمرحلة الأخيرة وهي انتزاعها
стр. 4285
نهائياً من أيدي المسلمين، وجعلها مركزاً رئيسياً من مراكز الصليب والاستعمار الصليبي.. هذا هو الغرض الذي يرمي إليه كل من ينادي بالتدويل..
أيها الأخوة: نخرج من هذا العرض الموجز أن المعسكر النصراني الصليبي يشعر بأن له فينا ثأر قديم ينتظر أية فرصة وبادرة كي يثأر لنفسه وينتقم منا وهذا الثأر من الروح الصليبية يشكلان منطلقاً جوهرياً وأساسياً لنظرته إلينا ومعاملته لنا، وعلاقته بنا..
المصالح الآنية:
أيها الإخوة: لقد كان للمعسكر النصراني في صراعه مع المسلمين لا سيما في الحديث جولات اجتاح فيها العالم الإسلامي بجيوشه من عسكريين ومبشرين وفنيين وخبراء وسوى ذلك، وقد أجرى خلال ذلك - وما زال يجري دراسات هامة ودقيقة عن العالم الإسلامي، وطبيعة أرضه وشعوبه وثرواته، خدمة لأغراضه هو ومصالحه قبل غيره، ولتمديد فترة وجوده وبقائه فيه، واستعماره له، واستغلاله لخيراته أطول فترة ممكنة، وذلك في حال عجزه عن رد المسلمين عن دينهم أو إبادتهم وتصفيته تصفية جسدية، وقد خرج من هذه الدراسات بنتائج جد هامة.
١- وجد أن العالم الإسلامي يمتد على رقعة من الأرض كبيرة جداً تمتد من أواسط أوروبا حتى أواسط روسيا فأواسط الصين، ثم ينحدر نحو الجنوب الشرقي ليشمل جنوب شرقي آسيا حتى أستراليا ثم يتجه نحو الجنوب ليشمل إفريقيا كلها تقريباً حتى أسبانيا (الأندلس الفردوس المفقود) .
ووجد أن هذا العالم الإسلامي المترامي الأطراف يضم جوانحه على أهم البحار التي تجري على سطحها معظم تجارة العالم، وأنه يملك معظم سواحلها ومداخلها، كالمحيط الهندي والبحر الأحمر والأبيض، والأسود، والساحل الشرقي للمحيط الأطلسي من رأس الرجاء الصالح حتى مضيق جبل طارق، وأنه إذا كانت بعض دول المعسكرات الجاهلية الأخرى تشاركه في السيطرة على القليل من سواحل هذه البحار، فإنه ينفرد دونها بامتلاك مداخلها والسيطرة عليها..فمثلاً:
стр. 4286
المحيط الهندي: مدخله من الشرق: مضيق مالقا بين جزيرة سومطرة مشبه جزيرة الملايو من إندونيسيا المسلمة.
وأما مدخله من الشمال الغربي فهو مضيق باب المندب، بين الجزيرة العربية والصومال المسلمة.
البحر الأحمر: مدخله الجنوبي: هو مضيق باب المندب المذكور آنفاً، أما مدخله الشمالي فقناة السويس (الشريان الحيوي لرفاهية أوروبا وأمريكا) .
البحر الأبيض المتوسط: مدخله من الجنوب قناة السويس. ومن الشمال البوسفور والدردنيل في أرض مسلمة (تركيا) .
البحر الأسود: مدخله الوحيد هو من الجنوب وهو من الجنوب مضيقا البوسفور والدردنيل المذكورين.
فماذا يعني هذا الموقع الاستراتيجي للعالم الإسلامي؟
إنه يعني أن الأمة المسلمة عملاق كبير يجلس على رقعة كبيرة من الكرة الأرضية وتمر من تحته كل قوافل التجارة العالمية وكل وسائل الرفاه الدولي، وإن المعسكر النصراني الصليبي لا يستطيع الاستغناء عن هذه الطرق البحرية، ومعنى ذلك أن تجارته العالمية ورفاهية شعوبه متعمدة اعتماداً كبيراً على العالم الإسلامي.. هذه واحدة..
٢- والنتيجة الثانية التي وجدها المعسكر النصراني الصليبي عقب دراسته المشار إليها: أن الله سبحانه قد حبا العالم خيرات كثيرة هائلة وكنوزاً ضخمة ظاهرة وباطنة، تشكل عصب الحياة لصناعاته وحياته.. فالعالم الإسلامي يملك نسبة عالية من الثروات العالمية المعدنية والنباتية والحيوانية.. فمثلاً: ينتج العالم الإسلامي ٣١% من جملة الإنتاج العالمي للبترول، ويملك في جوفه٣ ,٦٩ % من احتياطي البترول العالمي، وينتج أكثر من ٢٨% من جملة الإنتاج العالمي للكروم و ٢٣% من الانتاج العالمي من الفوسفات، ونسبة كبيرة من اليورانيوم والنوريوم، وهذا كله سوى الحديد والذهب والفضة والنحاس، وكذلك الثروات النباتية كالأخشاب والقطن والمطاط وأيضاً الثروات الحيوانية..
стр. 4287
هذه الإحصائيات هي ما يقوله خبراء العالم فماذا يعني هذا؟ إنه يعني أن العالم يأتي إلينا ليستجدي منا لقمة العيش وكفاف الحياة [٨] .
وهذا يعني أيضاً: أن صناعات المعسكر النصراني الصليبي تقوم على ما ينتجه العالم الإسلامي ويملكه المسلمون من مواد أولية..هذا من جهة..
ومن جهة أخرى تقوم صناعاته أيضاً على أسواق تصريفها في العالم الإسلامي، لأن المصنوعات إذا لم تجد لها أسواقاً فإنها تقف.. فالعالم الإسلامي إذن هو مصدر أو نبع للمواد الخام التي يحتاجها المعسكر النصراني الصليبي [٩] لصناعاته، وهو - أي العالم الإسلامي - سوق لتصريف صناعات المعسكر النصراني الصليبي [١٠] .
أيها الإخوة: إن هذا الموقع الممتاز للعالم الإسلامي وسيطرته على طرق التجارة البحرية ومدخلها وهذه الثروات الضخمة التي يملكها المسلمون ...
стр. 4288
واعتماد المعسكر النصراني الصليبي على هذا الموقع وهذه الثروات له دلالته عنهم.. وهي: أن مصالحه الحيوية مرتبطة ارتباطاً وثيقاً بالعالم الإسلامي، ولكن هذا المعسكر بدافع الروح الصليبية الحاقدة، والثأر القديم، لا يريد أن يعامل المسلمين معاملة كريمة لائقة أو معاملة المثل بالمثل على الأقل، وإنما يريد استعمارهم واستعبادهم وإذلالهم والانفراد بخيرات بلادهم دونهم! ومن ثم فهو يدرك أنه لن يصل إلى ما يريده من استعمار المسلمين بخيرات أرضهم دونهم إلا في غفلة منهم وفي حال بعدهم عن مصدر قوتهم وهو إسلامهم العظيم، ومن ثم يعمل جاهداً للإبقاء على المسلمين في حالة نوم عميق وغفلة طويلة.. ويحذر حذراً شديداً أية صحوة لهم، ويحارب بلا هوادة كل شخص أو حركة تريد تنبيه المسلمين عملاق متى ما صحا وعادت إليه قوته بعودته إلى دينه ووحدته سيطرة وبقوة على التجارة العالمية وتحكم في صناعات العالم، وأمسك بلقمة عيشهم وفرض هيبته وسلطانه وأخضع كافة المعسكرات الجاهلية لإرادته وسهل عليه بعد ذلك نشر دينه بين شعوبها، وهذا ما تحذره وتخافه أشد الخوف والحذر- كما سيأتي إن شاء الله تعالى معنا في الفقرة الثالثة والأخيرة - ... ويضمن له استعمار العالم الإسلامي واستعباد شعوبه والانفراد دونهم بخيراتهم هو نشر النصرانية وأفكارها بين المسلمين وتغريبهم (أي نشر الأفكار الغربية بينهم) [١١] وكل ما من شأنه أن يضعف صلة المسلمين بإسلامهم ويردهم عنه..ومن هنا كان الاهتمام الكبير من الحكومات والمؤسسات الاقتصادية والهيئات السياسية في المعسكر النصراني الصليبي بالتبشير والأعمال التبشيرية في العالم الإسلامي، والإنفاق بسخاء على المبشرين الذين يعملون بين المسلمين، وينشرون الفساد والإنحلال في مجتمعاتهم.
ورد في كتاب الغارة على العالم الإسلامي ما يلي:
стр. 4289
"ولما انتهت اللجنة من أعمالها قال اللورد بلفور [١٢] ، رئيس الشرف: إن المبشرين ساعد لكل الحكومات في أمور هامة، ولولاها لتعذر عليها أن تقاوم كثيراً من العقبات، وعلى هذا فنحن في حاجة إلى لجنة دائمة يناط بها التوسط والعمل لما فيه مصلحة المبشرين.
"فأجيب اللورد بلفور إلى اقتراحه وتشكلت لجنة مختلطة ولجنة لمواصلة العمل وقال: م. ن.اكسنفلد عن المؤتمر الاستعماري الألماني:
"إن المؤتمر الاستعماري امتاز بميزتين:
الأولى: أنه بحث في الشؤون الصناعية والاقتصادية.
والثانية: إجماعه على وجوب ضم المقاصد السياسية والاقتصادية إلى الأعمال الأخلاقية والدينية في سياسة الاستعمار الألماني.
ثم استشهد بقول (شنكال) رئيس غرفة التجارة في همبرغ: إن نمو ثروة الاستعمار متوقف على أهمية الرجال الذين يذهبون إلى المستعمرات، وأهم وسيلة للحصول على هذه الأمنية إدخال الدين المسيحي في البلاد المستعمرة، لأن هذا هو الشرط الجوهري للحصول على هذه الأمنية المنشودة حتى من الوجهة الاقتصادية ".
ثم قال:"وتوسعوا في القول حتى خيّل للجميع أن المؤتمر الاستعماري تحول إلى مؤتمر تبشيري..".
وورد في الكتاب المذكور أيضاً وهو (الغارة على العالم الإسلامي) ذكر لبعض الإحصائيات التي تبين مدى الاهتمام والمساعدات الكبيرة التي يلقاها المبشرون الأمريكان من أغنياء أمتهم ومتمولي بلادهم الذين يمدونهم بالأموال الطائلة لأداء مهمتهم التبشيرية في العالم الإسلامي..
стр. 4290
والذي ننتهي إليه من هذه النماذج التي لا تمثل إلا قطرة من بحر، هو أن المعسكر النصراني الصليبي له مصالح هامة في بلادنا، وهو يرى أن الضمان الوحيد لمصالحه هو رد المسلمين عن دينهم سواء بنشر النصرانية وهذا أهم شيء وأضمنه بالنسبة لهم إذ يخضع المنتصرون بعدها لأوامر وتوجيهات رؤوسه مباشرة أو نشر الأفكار الغربية الأخرى التي تبعد المسلم عن دينه وترده عنه في حال عجزهم عن تنصير المسلمين.. قال تعالى: ﴿وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ﴾ (البقرة: ١٢٠) .
وقال تعالى: ﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّاراً حَسَداً مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ﴾ (البقرة: ١٠٩) .
وهكذا نجد أن مصالح المعسكر النصراني الصليبي في بلادنا، والكيفية التي يريد الحفاظ بها عليها، تضغط على أعصابه وتستحوذ على تفكيره وتؤثر تأثيراً عميقاً على علاقته بنا، ومن ثم فهي تشكل منطلقاً آخر من منطلقات علاقته بنا وعاملاً من العوامل الموجهة لمعاملته لنا، يضاف إلى العوامل الأخرى التي سلف بحثها وهي العداء بين الإسلام والكفر، والروح الصليبية الحاقدة، والثارات القديمة..
مخاوف مستقبلة:
стр. 4291
ولكن في الواقع إن الذي يدرس أحوال المعسكر النصراني الصليبي يجد أن هذه العوامل ليست هي كل العوامل التي تؤثر على معاملته لنا وعلاقته بنا، وتوجهها وجهة معينة، بل إنه يعثر على عامل آخر يبدو من نظراته للمسلمين ومعاملته لهم. وقد كان نتيجة الدروس التي خرج بها: أن المسلمين إذا حلت بهم هزيمة - نتيجة ضعفهم وتمزقهم وبعدهم عن دينهم - إن هذه الهزيمة لم تكن دائمة ولو طال أمدها، بل كانت هزيمة مؤقتة لا تلبث أن تتعقبها صحوة لهذا العملاق المسلم فينقض على أعدائه يطاردهم حتى في عقر دارهم فيفتح بلاداً جديدة، ينشر فيها الإسلام وينتزعها من أعدائه الذين غلبوه في ساعة غفلته وانقسامه وضعفه.. وأن هذه البلاد التي يفتحها يستأثر بها إلى الأبد ويحول أهلها إلى مسلمين..
لقد حدث هذا أكثر من مرة وتكرر عبر التاريخ، ومن ثم فالمعسكر النصراني الصليبي ما زال يخشى حدوثه اليوم ويخشى أن يعيد التاريخ نفسه..
يروي الحاج أمين الحسيني في بعض مذكراته: أن دول المعسكر النصراني الصليبي تعارض وحدة أيٍّ من الأقطار الإسلامية في دولة واحدة خشية أن تعود لهم قوتهم بوحدتهم، ومن ذلك معارضتهم استقلال دول المغرب العربي ووحدتها، في حديث كان بينه وبين (بروفر) وكيل وزارة الخارجية الألمانية للشؤون الشرقية في حكومة هتلر النازية [١٣] . ويقول الحاج أمين حين ألمح لبروفر:"أن معارضة دول المعسكر النصراني الصليبي لاستقلال دول المسلمين قد تدفعنا للتعاون مع دول المعسكر الشيوعي ومن ثم تحولها للشيوعية التي تخاف منها أوروبا".
قال: فأجابني بروفر قائلاً:"إن هذه الدول الاستعمارية ترى أن الإسلام أشد خطراً من الشيوعية، لأن الشيوعية تمكن معالجتها ودرء أخطارها برفع مستوى المعيشة عند الشعوب وتعميم العدل الاجتماعين وغير ذلك من الوسائل".
стр. 4292
"ولكنها ترى في الإسلام عقيدة زاحفة يخشى خطرها على أوروبا التي نخرت المدنية الفاسدة عظامها. وأضعفت قيمها الخلقية والروحية والعسكرية، وهم يخشون إذا تألفت هذه الدول المغربية المتحدة أن يكون لها شأن عظيم ويتوهمون أنها لا تلبث أن تقفز على أوروبا مرة أخرى، ويعيد التاريخ نفسه". [١٤] .
فهم إذن يعيشون في خوف دائم قلق مستمر من عودة المسلمين إلى دينهم ووحدتهم خوفاً من أن يعيد التاريخ نفسه، وهم يرون أن الإسلام هو الخطر الحقيقي عليهم، وهو الجدار الوحيد في وجه استعمارهم لبلاد المسلمين وانفرادهم بخيراتها كما يودون.
يقول جورج براون في كتاب له صدر عام ١٣٦٤هـ ما يلي معبراً عن مخاوف المعسكر النصراني الصليبي من الإسلام، فقال:
"كنا نخوف بشعوب مختلفة ولكنا بعد اختبار لهم لم نجد مبرراً لمثل هذا الخوف. لقد كنا نخوف من قبل بالخطر اليهودي، والخطر الأصفر، والخطر البلشفي..إلا أن هذا التخويف لم يتفق كما تخيلناه..
إننا وجدنا اليهود أصدقاء لنا، وعلى هذا يكون كل مضطهد لهم عدونا الألد! [١٥] .
ثم رأينا البلاشفة حلفاء لنا..
أما الشعوب الصفراء فهناك دول ديمقراطية كبرى تقاومها..
ولكن الخطر الحقيقي كامن في نظام الإسلام، وفي قوته على التوسع والإخضاع وفي حيويته.. إنه الجدار الوحيد في وجه الاستعمار الأوروبي."
стр. 4293
هذا الذي يخيفهم فقط، إنه الإسلام ويقظة المسلمين وعودتهم إليه. وخوفهم من الإسلام ويقظة المسلمين ليس على مصالحهم في العالم الإسلامي فحسب، بل حتى وجودهم في بلادهم. ومن ثم فهم يحذرون كل تحرك للمسلمين ويرقبونه ويرصدونه كل حركة أو دعوة إسلامية ترمي لإيقاظ هذا العملاق النائم لتوحيد أعضائه وربطها بقلبه ويتتبعون أخبارها وليس هذا فقط، بل يهتمون ويغتمون لقيام كل شخصية أو داعية إسلامي يصيح في المسلمين ليستيقظوا من غفلتهم ويعودوا إلى ربهم -سبحانه - ويتمسكوا بكتاب ربهم - سبحانه - وسنة نبيه ﵊ ويرجعوا إلى وحداتهم، ومن ثم فهم يبذلون جهوداً ضخمة للتخلص منه ومن دعوته بشتى الوسائل والأساليب، وإن كانوا اليوم وبعد تجارب كثيرة يفضلون أن يكون التخلص منه على أيدي أبناء المسلمين حتى لا يشكل ذلك ردة فعل عند المسلمين ويحدث الذي يخشونه من عودة المسلمين إلى كتاب ربهم -سبحانه - وسنة نبيهم ﵊ ولذلك نجدهم يخططون لهذا ويعبرون عن ذلك بقولهم "علينا أن نخرج من المسلمين من يتولى حرب الإسلام، لأن الشجرة يجب أن يقطعها أحد فروعها".ومن هنا وجدنا كيف أوعزت الدوائر الاستعمارية الصليبية لربيب نعمتها محمد علي باشا (الذي يسمونه بالكبير) أن يزحف على الدرعية بالسلاح الذي زودته به أوروبا وبالتدريب العسكري الذي دربت جنوده عليه. ولكن هذا كله تم باسم الباب العالي أو قل باسم خليفة المسلمين، وبصرف النظر عن الملابسات الأخرى، لكن المهم هو أنهم ما أن عرفوا حقيقة دعوة مجدد الإسلام الشيخ محمد بن عبد الوهاب -رحمه الله تعالى - حتى أقامهم ذلك وأقعدهم وملأ قلوبهم رعباً، وراحوا يسعون سعياً حثيثاً لإجهاض هذه الحركة الإسلامية العظيمة التي تروم العودة بالمسلمين إلى الكتاب والسنة مما كان لها آثارها العظيمة ولله الحمد في إعادة المسلمين إلى كتاب ربهم - سبحانه - وسنة نبيهم ﵊ -
стр. 4294
وتطهيرهم من الخرافات والبدع والشركيات والضلالات. والعجيب من أمر المسلمين أنه بينما يعوم المعسكر النصراني الصليبي ويقعد لأنباء الحركات والدعوات والشخصيات الإسلامية وترتعد فرائصه لقيامها، ويموج فرحاً بشعوبه ومؤسساته لوأدها وقتل رجالها وقادتها، يبقى المسلمون - إلا من رحم ربك - في غفلة عن ذلك كله وكأن الأمر لا يعنيهم وهذا في أحسن أحوالهم، وهذا إذا لم يستخدموا كما يستخدم المعول في الهدم، أو يصفقوا ببلاهة وسذاجة للهدامين..
يقول العالم الشهيد - سيد قطب - رحمه الله تعالى - عن هياج المعسكر النصراني الصليبي لقتل إحدى هذه الشخصيات الإسلامية التي خلفت الإمام المجدد محمد عبد الوهاب - رحمه الله تعالى - في إيقاظ المسلمين والعمل على توحيدهم-
يقول: "كنت يومها في أمريكا- أي يوم قتل الشهيد حسن البنا - رحمه الله تعالى - ولم أكن أعط الحركة الإسلامية ولا مرشدها من اهتمامي - ما هو جدير به - ولم أكن أتصور أنها تشكل في بؤرة الشعور الغربي شيئاً يذكر حتى صدمني الواقع من حولي في أمريكا وهزني هزاً فتح أعيني فتحاً ما لم أفطن إليه من قبل".
"لقد شهدت مظاهر الابتهاج والفرح بل والشماتة في كل شيء من حولي في الصحافة، وفي جميع أجهزة الإعلام، ووفي كافة المنتديات، كلها تهلل وتهنئ بعضها بعضاً بالتخلص من أخطر رجل في الشرق فعجبت من هذا الاهتمام به والتقييم لحركته والتتبع الواعي لها إلى هذا الحد الذي لا وجود لمثله في بلادنا نفسها، وعلمت أن في الأمر سراً أكبر يغيب عني يكمن في طبيعة دعوة هذا الرجل، وفي شخصه العظيم الذي لم أحظ بمعرفته على الوجه الأكمل، وأنا أعيش معه في وطن واحد، الأمر الذي لم أستوِ فيه حتى مع المستعمرين، وصممت بعد عودتي من أمريكا أن أعيد بحث الأمر من جديد.." [١٦]
стр. 4295
وهكذا نجد أن المعسكر النصراني الصليبي يعيش في خوف دائم، وحذر شديد من يقظة المسلمين وعودتهم لإسلامهم، وتسودّ الدنيا في عينيه حين يرى شخصية إسلامية يصيح في المسلمين لتوقظهم أو توحد كلمتهم فترتعد فرائص رؤوسه ويقومون يقابلون دعوته هذه باجتماعات يتداعون لها، وأحلاف يعقدونها كما رأينا منهم عبر التاريخ، وكما نرى اليوم.. كل ذلك خوفاً من أن يستيقظ هذا العملاق المسلم النائم الذي بدأ يتحرك ويصحوا وينتبه من غفلته ونومه الطويل، وخوفاً من أن يعيد التاريخ نفسه..
وهكذا نجد أن المخاوف من المستقبل تضغط هي الأخرى على أعصابهم وتسيطر على تفكيرهم ونظرتهم للإسلام والمسلمين فلا تبرحهم لحظة من ليل أو نهار، ومن ثم تشكل منطلقاً أساسياً آخر من منطلقات نظرتم إلينا ومعاملتهم لنا ينضم إلى المنطلقات الأخرى السالفة الذكر، وهي المصالح الآنية، والثارات القديمة، والروح الصليبية.. التي تنبع كلها من الصراع الطويل الأمد بين الإسلام والكفر..والتي تعمل كلها مجتمعة في عقله وقلبه وفي (بؤرة شعوره) وتسيطر على تفكيره وضميره، وكيانه كله، والتي كانت وما تزال تدفعه دفعاً لحرب الإسلام والمسلمين بشتى الوسائل وعلى كافة المستويات٠٠ولا تدعه يرتاح ويطمئن ما دام في الدنيا إسلام ومسلمون.. فهو إن نسي ثاراته، وخبت روحه الصليبية - مثلاً وجدلاً - ذكرته مصالحه الآنية، فإذا نسي مصالحه أقلقه مخاوفه المستقبلة من صحوة المسلمين وعودتهم إلى دينهم، فهو إذن من أمر الإسلام والمسلمين في شغل شاغل وعمل دائب مستمر - ولقد عمل للتخلص من الإسلام والمسلمين منذ زمن بعيد، وما تلك الحروب التي شنها في الماضي البعيد والقريب (ويشنها اليوم في الفلبين والحبشة وسواهما على المسلمين إلا لوناً من ألوان جهوده للتخلص من الإسلام والمسلمين.. ولكنه اليوم وفي العصر الحاضر يعمل وهو مزود بتجاربه ودروسه التي استفادها من صراعه مع المسلمين..
стр. 4296
لقد عرف المعسكر النصراني الصليبي أن المسلم لا يمكن أن يواجه في معركة مكشوفة يكشف فيها عدوه عن حقيقة أهدافه وهي رده عن الإسلام أو قتله، فإن هذا الكشف كفيل بأن يوجد لدى المسلم ردة فعل ترجعه إلى إسلامه فيتمسك بكتاب ربه - تعالى - وسنة نبيه ﵊ وفي ذلك قوته التي لا يقهرها كفر بإذن الله تعالى ونصره.
وعرف كذلك أن المسلم يتمتع برصيد عالٍ من الاستعداد الإيماني حتى والهزيمة تحل به فهو دائماً وأبداً يشعر أنه أعلى من عدوه الذي خدمته ظروف المعركة ولوقت ما، ومن ثم كان المسلم يعتبر أن هذه الهزيمة مؤقتة ولو طال أمدها، يعود بعدها وينتصر على عدوه..
لقد أدرك المعسكر النصراني الصليبي هذا السر في المسلم فعمل وبدأب واستمرار وبشتى الوسائل لتحطيم هذا الاستعلاء الإيماني ووأد روح المقاومة عنده، هذا من جهة، ومن جهة أخرى جاء يتسلل تسللاً يخادع المسلمين ويرفع لهم فوق حروبه معهم شعارات متعددة تخفي طابع غزوه الديني، وتستر حقيقة مقصده وهي التخلص من الإسلام والمسلمين بردهم أو إبادتهم.. والحق أن الظروف ساعدت المعسكر النصراني الصليبي لتحقيق قدر كبير من أهدافه، وأشير الآن إشارات خاطفة لبعض أعماله..
١- لقد عرف المعسكر النصراني الصليبي أن مصدر قوة المسلم هو الكتاب والسنة فعمل على الفصل بينه وبينهما، فشجع على نشر الخرافات والبدع والضلالات والصوفيات [١٧] ، وكلما تحمل على الفصل بين المسلم وكتاب ربه وسنة نبيه ﵊.
стр. 4297
٢- ولكنه وجد أنه إن استطاع الفصل بين المسلم وكتاب ربه - تعالى - وسنة نبيه ﵊ فهناك التراث الإسلامي في الفكر والتاريخ وسوى ذلك، فإن هذا التراث كفيل لو رجع إليه المسلم، ولا بد أن يرجع إليه وأن ينبه المسلم الغافل، ومن ثم عمدت دوائره الاستشراقية إلى دراسة هذا التراث الأصيل وإعادة كتابته ما أمكن كتابته منه وباللون الذي يريده المعسكر النصراني الصليبي، ويخدم أغراضه من قتل روح الاستعلاء عند المسلم واستبدالها بروح التبعية للغرب، كما أشرنا لذلك في بداية هذه المحاضرة على صنيعهم في التاريخ.
٣- ثم قامت وسائله الإعلامية بتسليط أضواء قوية على الفكر الغربي وإنتاجه والثقافة الغربية، وبالمقابل إسدال ستار كثيف على التراث الإسلامي الأصيل، وذلك حتى يبهر المسلم بالغرب وثقافته، وبقدر ما يبهر بالغرب يستحيي من الانتماء للإسلام وكتابه وسنة نبيه ﵊ وتاريخه وتراثه الأصيل.
стр. 4298
٤- ثم عمل على وأد روح الإبداع عند المسلم، فسيطر على مناهج التعليم ووضع لها سياسة معينة هدفها توسيع عملية التعليم كما يقال: أفقياً بحيث يزداد حملة الشهادات (التي لا تشهد لحاملها بالعلم بل تشهد له بالضحالة العلمية) . ويقل بسبب ذلك العلماء والخبراء.. أو بتعبير آخر: كان هدف هاتيك السياسات التعليمية هو: ليس تخريج علماء ومخترعين وبحاثين وإنما تخريج موظفين وكتبة، وحسب، بحيث لا يصلحون إلا لهذا النوع من العمل، وفي نفس الوقت لا يكون لهم سوى تحصيل الربح المادي الوفير والاسترزاق بشهاداته التي يحملها، فهو عبء على شهاداته، وهو أيضاً عبء على دولته وعالة على أمته لإطعامه وكسوته وما إلى ذلك دون أن يقدم لها هو شيئاً يذكر سوى هذا العمل الذي يمكن أن تقوم به آلة حاسبة أو كاتبة مثلاً، وذلك لأن روح المتابعة والتحصيل العلمي والفكري والإنتاج والإبداع قد قتلت في نفسه، قتلتها سياسات التعليم ومناهجها التي وضعتها له الدوائر الاستعمارية الصليبية وغيرها. [١٨] وكانت النتيجة هي أن الكم بدأ يتغلب على الكيف والنوع..
وفي نهاية كل سنة دراسية كان - وما يزال - في عالمنا الإسلامي يدخل الحياة العامة جيل من هذا النوع من حملة الشهادات، ويحمل معه الضحالة في العلم والسطحية في التفكير، والرغبة الجامحة في الحصول على أعلى نسبة ممكنة من الربح المادي مما شغله عن الاهتمام بتعميق وعيه وإدراكه ومتابعة الحركات العلمية والأدبية، فتحولت الكثرة الغالبة من هذه الأجيال إلى فئات من المرتزقة بالشهادات التي تحملها.
"والمؤسف حقاً أن هذه الفئات هي التي بدأت منذ منتصف القرن الحاضر تملأ الشواغر في الأجهزة العلمية والإعلامية والتربوية حتى أصبحنا اليوم نرى أن الأمية الفكرية هي الصبغة الغالبة على جيوش المثقفين" [١٩] .
стр. 4299
وقد تم هذا كله دون أن تشعر الأجيال الجديدة من المسلمين بخطورة هذا الاتجاه وآثاره على مستويات الثقافة، وذلك لأن قدرتها على التمييز والاختيار تضعف بالقدر الذي تهبط فيه مستويات التعليم.. بل إن أجيالنا أصبحت لا تستمرئ ولا ترضى إلا هذا النوع المنخفض من التعليم، فتحرص عليه بدافع حب الراحة والكسل. وإذا رأت مثلاً - وعلى سبيل المثال فقط - مدرساً يتوسع في مادته أو مذكرته لهم، ويطالبهم بالرجوع إلى المصادر الأصيلة والبحث فيها، علت أصواتهم بالاحتجاج، لأنهم يريدون النجاح والشهادة وحسب. أما العلم فهو من شأن طلابه..
هذا بعض ما فعله بنا أعداؤنا، هناك أمور أخرى ومستويات حاربونا عليها لا مجال لذكرها الآن، لضيق الوقت عنها وأكتفي بالإشارة إليها بذكر خطاب القسيس (زويمر) الذي يوضح سياسة المعسكر النصراني الصليبي فينا، وهو الخطاب الذي ألقاه في مؤتمر المبشرين المنعقد في جبل الزيتون بالقدس في عام ١٣٢٧هـ. وقد كان رداً على خطاب ألقاه مقرر المؤتمر الذي قال فيه:
"إن جهود المبشرين فشلت فشلاً ذريعاً في العالم الإسلامي لأنه لم ينتقل من الإسلام إلى المسيحية إلا واحداً من اثنين إما قاصر خضع بوسائل الإغراء أو بالإكراه أو معدم تقطعت به أسباب الرزق فجاءنا مكرهاً ليعيش".
فرد عليه زويمر قائلاً، كاشفاً عن خطة المعسكر النصراني الصليبي في العالم الإسلامي:
قال: "كلا، إن هذا الكلام يدل على أن المبشرين لا يعرفون حقيقة مهمتهم في العالم الإسلامي، إنه ليس من مهمتنا أن نخرج المسلمين من الإسلام إلى المسيحية، كلا.
стр. 4300
إنما كل مهمتنا أن نخرجهم من الإسلام فحسب، وأن نجعلهم ذلولين لتعاليمنا ونفوذنا وأفكارنا.. ولقد نجحنا في هذا نجاحاً كاملاً، فكل من تخرج من هذه المدارس لا مدارس الإرساليات التبشيرية فحسب، ولكن المدارس الحكومة والأهلية التي تتبع المناهج التي وضعناها بأيدينا وأيدي من ربيناهم من رجال التعليم.. كل من تخرج من هذه المدارس خرج من الإسلام بالفعل وإن لم يخرج بالاسم، وأصبح عوناً لنا في سياستنا دون أن يشعر، أو أصبح مأموناً علينا.. ولا خطر علينا منه..لقد نجحنا نجاحاً منقطع النظير..".
ثم قال: " ... إنما مهمتكم أن تخرجوا المسلم من الإسلام ليصبح مخلوقاً لا صلة له بالله، وبالتالي لا صلة تربطه بالأخلاق التي تعتمد عليها الأمم في حياتها، وبذلك تكونون أنتم بعملكم هذا طليعة الفتح الاستعماري في الممالك الإسلامية، وهذا ما قمتم به خلال المئة السالفة خير قيام، وهذا ما أهنئكم عليه وتهنئكم دول المسيحية والمسيحيون جميعاً كل التهنئة".
"لقد قبضنا أيها الإخوان في هذه الحقبة من الدهر من ثلث القرن التاسع عشر إلى يومنا هذا على جميع برامج التعليم في الممالك الإسلامية، ونشرها في تلك الربوع مكامن التبشير والكنائس والجمعيات والمدارس المسيحية الكثيرة التي تهيمن عليها الدول الأوروبية والأمريكية والفضل إليكم وحدكم أيها الزملاء.
إنكم أعددتم بوسائلكم جميع العقول في الممالك الإسلامية إلى قبول السير في الطريق الذي مهدتم له كل التمهيد.. إنكم أعددتم نشأ (في ديار المسلمين) لا يعرف الصلة بالله ولا يريد أن يعرفها، وأخرجتم المسلم من إسلامه ولم تدخلوه في المسيحية. وبالتالي جاء النشء الإسلامي طبقاً لما أراده الاستعمار المسيحي لا يهتم بعظائم الأمور، ويحب الراحة والكسل ولا يصرف همه في دنياه إلا في الشهوات، فإذا تعلم فللشهوات، وإذا جمع المال فللشهوات، وإذا تبوأ أسمى المراكز ففي سبيل الشهوات يجود بكل شيء".
стр. 4301
"إن مهمتكم تمت على أكمل الوجوه وانتهيتم إلى خير النتائج وباركتكم المسيحية ورضي عنكم الاستعمار فاستمروا في أداء رسالتكم فقد أصبحتم بفضل جهادكم المبارك موضع بركات الرب". [٢٠] .
هذا ما يريده بنا المعسكر النصراني الصليبي، وهذه نظرته ومعاملته لنا، وهذه منطلقاته الأساسية، روح صليبية حاقدة، ثارات عديمة، مصالح آنية، مخاوف مستقبله، فاعتبروا يا أولي الأبصار.
أيها الأخوة: لعل أسئلة ترد سائلة عن سبيل الخلاص والوقوف في وجه هذا المعسكر الحاقد وغيره من المعسكرات الجاهلية الأخرى.
وهي بكلمات موجزة:
١- عودة صادقة جادة إلى الله سبحانه. وكتابه وسنة نبيه ﵊، وتربية لنفوسنا وأبنائنا على ما كان عليه سلفنا الصالح، من عقيدة سليمة وإيثار للآخرة على الدنيا، ولرضوان الله تعالى على كل شيء..
وصبر على الطاعة بصورها وتكاليفها كلها.. وصبر عن المعاصي كلها بأنواعها ومغرياتها كلها.. وتخليص لتراثنا الأصيل مما علق به أو دس عليه.
وإحياء لروح الاستعلاء الإيماني في ناشئتنا وأجيالنا..
وتمتين للمحبة والإخاء بينهم، والعمل على توحيد صفوف المسلمين، وتنبيه للغافلين منهم وتوعيتهم لقضايا دينهم في عصرهم هذا..
وبكلمة موجزة: عودة كاملة شاملة إلى الحياة الإسلامية كما كان سلفنا الصالح رحمهم الله تعالى، ورضي عنهم..
ما بغير الإسلام تؤتى الحياة..
مسلماً إن ترد حياة فهيّا
وكلمة ختامية لا بد منها:
стр. 4302
إن هذا هو طريق الخلاص ولكن لا بد له من قدوة حسنة تتمثله تمثلاً كاملاً وتنطلق به. فالقدوة أمرها هام وعظيم.. ومن أولى من العلماء والقادة بهذه القدوة..ونماذج من هؤلاء العلماء والقادة موجودون بحمد الله تعالى، لكن الذي نرجو أن يلتفّ المسلمون حول هذا النموذج الصادق العامل من العلماء والقادة وأن يكثر عددهم في عالمنا الإسلامي حتى يتمكنوا من قيادته وإنقاذه والوقوف بوجه أعدائه والانتصار عليهم بإذن الله تعالى وتوفيقه. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
--------------------------------------------------------------------------------
[[١ انظر الكتاب القيم: جاهلية القرن العشرين للداعية الإسلامي المجاهد الأستاذ محمد قطب حفظه الله تعالى ورعاه.
[٢] انظر سورة براءة في الكتاب القيم (في ظلال القرآن) للعالم الشهيد سيد قطب - رحمه الله تعالى -.
[٣] وكقوله ﷺ : "يوشك أن تداعى عليكم الأمم كما تداعى الأكلة إلى قصعتها".. الحديث..
[٤] انظر الكتاب القيم (في ظلال القرآن) للعالم الشهيد سيد قطب رحمه الله تعالى. ج
[٥] من كتاب أوروبا في مطلع العصور الحديثة. ص٦٥٧ -٦٥٩ من الجزء الأول للدكتور عبد العزيز محمد الشناوي. أستاذ كرسي التاريخ الحديث بجامعة الأزهر.
стр. 4303
[٦] وكذلك وضعت القسطنطينية منذ فتحها في رأس قائمة أهدافهم ونشاطاتهم، وقد تحلى ذلك في أكثر من مناسبة لا سيما في الحرب العالمية الأولى حين دخلتها جيوش الحلفاء (المعسكر النصراني الصليبية) وخيل إليهم أن يوم الثأر وانتزاعها من المسلمين قد حان فثار المعسكر النصراني الصليبي بمؤسساته وهيئاته وصحفه.. الخ. ثورة عارمة ونشط رجال الكنيسة الشرقية والغربية نشاطاً غريباً يستحثون حكوماتهم من أجل انتزاعها من أيدي المسلمين. وقد شعر المسلمون بذلك ورأوه بأعينهم وسمعوه بآذانهم. وقد بينت ذلك في محاضرة لي بعنوان (الحروب الصليبية طبيعتها ومداها في الزمان والمكان) . وبينت فيها إلى جانب ذلك كما يشير العنوان طبيعة الحروب الصليبية وحقيقتها والزمن الذي استغرقته وهي الأربعة عشر قرناً، وكذلك المكان الذي دارت عليه خلال هذه الفترة الطويلة.
[٧] انظر المحاضرة المذكورة فقد بينت فيها بعض المحاولات الكبرى التي قام بها المعسكر النصراني الصليبي عبر هذا التاريخ لانتزاع مدينة القدس ولا سيما محاولة الإمبراطورين نقفور فوقاس وحنا شمشقيق في منتصف القرن الرابع الهجري، وكذلك محاولات أوروبا خلال القرنين السادس والسابع الهجريين والتي أول من وضعها موضع التنفيذ البابا أوربان الثاني كما أشرنا أعلاه. ثم المحاولات الأخيرة في القرن الرابع عشر الهجري والتي بدأت قبيل سقوط الدولة العثمانية والخلافة الإسلامية حتى االلحظة الحاضرة.. بالتعاون مع المعسكرات الجاهلية الأخرى كما لا يخفى.
[٨] انظر مجلة البلاغ الكويتية عدد ١٨٦ تاريخ ٢٦/١٢/٩٢ هـ ص٣٥-٣٦ عن كتاب: الإسلام خلاصنا للأستاذ هادي المدرسي.
[٩] وكذلك المعسكرات الأخرى إلا أن حديثنا هنا عن المعسكر النصراني الصليبي.
[١١] انظر خطاب القسيس زويمر في نهاية هذه المحاضرة.
стр. 4304
[١٢] اللورد بلفور هو نفسه صاحب الوعد المشؤوم لليهود بإنشاء كيان لهم في فلسطين المسلمة.
[١٣] يقول عنه الحاج أمين:" إن بروفر من كبار الساسة الألمان الواقفين على شؤون الأقطار العربية والإسلامية حتى إن حكومة الهند استعانت به بعدما انتهت الحرب، وظل يعمل لديها بضع سنين، وهو يتكلم اللغات العربية والتركية والفارسية وكان سفيراً لألمانيا في القاهرة.
[١٤] مذكرات الحاج أمين الحسيني نشرتها بعض المجلات في البلاد العربية خلال العام الهجري ١٣٩٢هـ.
[١٥] صدق الله تعالى: ﴿بعضهم أولياء بعض﴾ .
[١٦] مجلة المجتمع الكويتية عدد (١١٥) تاريخ ١٩/٧/١٣٩٢هـ ص١٠-١١ بشيء من التصرف اليسير.
[١٧] قد لا يرتاح البعض أو يعترضون على إدخال الصوفيات بين البدع والضلالات التي يشجعها الاستعمار في عالم المسلمين، ويقولون ليست كل الصوفيات ضالة..الخ، وأقول: نحن نفرق بين الزهد الحقيقي الذي كان عليه سلف هذه الأمة الصالح وبين الزندقة التي دخلت باسم الصوفية على المسلمين.. لكن الواقع المشاهد هو أن ما تحويه كتب الصوفية اليوم هو خليط من هذا وذاك أو على الأقل لا يخلو من الدس والشرك والبدع٠٠ هذه واحدة.. وأمر آخر ولعله أشد خطراً وهو: أن صالحي الصوفيين يؤولون الكفر والزندقة والخرافات فيها إن لم يقبلوها بقبول حسن.. ومن ثم يتسرب الشرك والبدع والزندقة للمسلمين من كتب الصوفية، وصالحوهم يساهمون بلا قصد أو يسكتون.. ثم إننا نلاحظ السلبية القاتلة على عامة الصوفيين، القاتلة لامكاناتهم وروح الجهاد فيهم، وهذا ما يطلبه الاستعمار ومعسكراته..
[١٨] حمداً لله تعالى واعترافاً بنعمته فقد وفق سبحانه لوضع سياسة تعليمية مستقلة إسلامية لهذه المملكة، وقد قام بوضعها علماء مسلمون مختصون فطاحل جزاهم الله تعالى خيراً.
стр. 4305
[١٩] محلة البلاغ الكويتية عدد ١٣٨ ص٢٤-٢٥. وانظر بالتفصيل الكتاب القيم (هل نحن مسلمون) للأستاذ الكبير محمد قطب، حفظه الله تعالى.
[٢٠] عن محاضرة الحروب الصليبية طبيعتها ومداها في الزمان والمكان ص٣٢-٣٤ للمحاضر نفسه.
стр. 4306
دعوة التضامن الإسلامي وأثرها في العالم
بقلم عبد القادر بن حبيب الله السندي
خريج كلية الشريعة بالجامعة
وهذه حلقة ثانية من الحديث الممتع العذب الذي حدثني به أحد الضيوف في الأسبوع الماضي في الطابق العلوي من الحرم المكي الشريف، وكان قد انتهى حديثه عن وصف دقيق للمؤتمر الإسلامي العظيم الذي عقده رؤساء الدول الإسلامية، وملوكها في مدينة لاهور الباكستانية، ومن نتائجه المثمرة، وفوائده العظيمة، وآثرها الطيبة على العالم كله.
стр. 4307
وأفاض في هذه الجلسة الثانية الأخيرة عن مناهج التعليم في العالم الإسلامي، تلك المناهج التي هي في حاجة ماسة إلى التغيير الجذري في كثير من الدول الإسلامية لأنها من مخلفات الدول الاستعمارية التي وضعتها حسب رغباتها المادية، وميولها السياسية، وشهواتها الحيوانية لا صلة لها بهذه الأمة المجيدة، وبتاريخها الحافل، ورسالتها السماوية، وضعت تلك المناهج التعليمية في ضوء المكاسب المادية التي تعود على المستعمرين بالفائدة الكبيرة من تخريب أذهان الشباب المسلم، والبعد عن دينه، ورسالته بعداً لا مثيل له في التاريخ، تلك المناهج التي كانت سبباً حقيقياً للفساد الكبير الذي وطد أقدام المستعمرين في البلاد الإسلامية بشكل فظيع. ولم يكن المستعمر ليترك هذه الأراضي الإسلامية والعربية إلا وهو متيقن في نفسه أنه لا حاجة الآن إلى بقائه ظاهراً، لأن الشعب الذي ترك له أرضه هو مستعمر فكرياً رغم أنفه شعر أم لم يشعر، فهذه المناهج التي وضعتها في التعليم والثقافة في بلاده كافية لاستمرار الاستعمار الحقيقي الذي قصده منذ أن وطدت أقدامي على بلاده ووطنه، ولا يمكن له أن يتحرك بحركة أخرى معاكسة ما دام هو مقيد الفكر، والحواس، والشعور في ضوء هذه المناهج التي وضعتها له. نعم قد أقمت الجامعات الكبيرة العالمية في بلادي التي ترتبط بها الجامعات في بلاد المسلمين برباط وثيق. وقد جمعت التراث الإسلامي العظيم من نوادر المخطوطات التي استنار الغرب والشرق من طريقها، وعما فيها من العلوم النافعة، وقد احتفظت بهذا التراث الذي كنت خصصت له جملة كبيرة من الباحثين المستشرقين لكي يحضروا هذا التراث مهما يكلفني من المبالغ الهائلة من بلاد الشرق الإسلامية، وقد نجح في ذلك نجاحاً باهراً، فانظروا فهارس مكتبة جامعة الهارفرد الأمريكية وكذا فهارس جميع الجامعات الأوروبية كجامعة كمبريدج وأكسفورد ولندن وألمانيا، وجامعة سربون الفرنسية بباريس وغيرها من الجامعات
стр. 4308
العالمية والتي يقصدها المسلمون بأعداد كبيرة جداً لنيل درجاته العلمية، وهذا هو المخطط الخطير الذي وضع قبل مائتين سنة أو أكثر لسد الطريق أمام الشعوب الإسلامية لكي لا تتحرر تحرراً يتفق مع دينها المتين، ورسالته السامية، فهذه مادة التربية التي تدرس هناك والتي يتخصص فيها عدد كبير من أولاد المسلمين، فانظروا فيها نظرة علمية دقيقة، وتعمقوا فيها وستجدون أن هناك اتفاقاً كاملاً مع مجتمعهم وما في هذه المادة. فانظروا البرامج التلفزيونية التي تعرض على شاشة التلفزيون في أوروبا وأمريكا، وروسيا وغيرها من البلدان، وكذا الأفلام التي تعرض هناك في دور السينما وفي ذلك أكبر دليل على تقدمهم العليم المزعوم الذي توصلوا إليه ولقد شاهدت أنهم فقدوا الآن جميع مقومات الحياة الحرة الكريمة وقد تعدوا حدود الإنسانية الكريمة (فشتان) بين حياتهم الجاهلية الحاضرة والجاهلية الأولى التي حاربها الإسلام، وهكذا يا بني ستجد في صفحات التاريخ الإسلامي عندما بدأت حملة اليونان الفلاسفة وذلك في نهاية القرن الثاني، واستفحل أمرها وشررها في عهد عبد الله المأمون العباسي على العقيدة الإسلامية، تلك الحملة الشنعاء التي أزهقت فيها الأرواح البريئة المؤمنة من المحدثين البارعين في الإسلام؟ فإذا كان من أسبابها وآثارها السيئة على العالم الإسلامي إلى يومنا هذا؟ فانظروا العقائد النسفية التي تدرس في أغلب المدارس الإسلامية الآن، فكان لتلك الحملة لون متغاير، وتفسير وجيه في نظر هؤلاء الذين ساروا في ضوء هذه الحملة النكراء، وكانوا يريدون بذلك تنزيه الرب جل وعلا عن صفات الله جل وعلا الثابتة في كتابه الكريم، وصحيح سنته المطهرة، وفي ضوء تلك العقائد جردت ذات الله تبارك عن كثير من صفاته العلى، وأسمائه الحسنى، وكان يقصد العدو حينذاك من هذه الحملة أن ينكر المسلمون وجود ربهم، ومعبودهم لأن ذات المجردة عن الصفات لا وجود لها في الحقيقة، ثم أقيمت المدارس
стр. 4309
في العالم الإسلامي على هذا النمط إلا أن جماعة كبيرة من أهل الحديث كأحمد بن حنبل والبخاري، وأبي زرعة، وابن أبي حاتم، ومحمد بن نصر المروزي، ومحمد بن إسحاق بن خزيمة السلمي النيسابوري، وابن أبي عاصم وغيرهم كثيرين عليهم رحمة الله تعالى وقفوا ضد هذه المدارس العقيلة وحاربوها وألفوا تأليفات نافعة يحذرون فيها الأمة الإسلامية من هذه العقليات، فانظر كتب الفريقين في هذا المجال ستجد الحق إن كنت منصفاً مع الذين ساروا مع نصوص القرآن الكريم والسنة النبوية الصحيحة وهكذا لعبت يا بنيّ هذه الفلسفة لعبة خطيرة في صفوف المسلمين، وشقت طريقهم، ثم حملة المادية اللعينة التي أشرت إليها آنفاً من قبل أعداء الإسلام من الغربيين والشرقيين وغيرهم من الشعوبيين الحاقدين على هذه الرسالة السماوية من اليهود والنصارى، والمجوس عليهم لعائن الله تعالى، وقد أكثرت عليك يا بني من هذا الحديث الذي لا يخفى على من له أدنى علم بالحوادث التاريخية، والمقصود يجب على المسلمين العودة الحميدة والرجوع المشرف إلى منابع العلم الصحيح، وإلى الثقافة الإسلامية الحرة النزيهة التي سار عليها الآباء الأمجدون من الصحابة والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
(ابن تيمية مدرسة إسلامية عظيمة)
стр. 4310
ثم تكلم أخيراً عن الإمام العلامة شيخ الإسلام، وبركة الأنام، المجدد للملة المحمدية أحمد بن عبد الحليم ابن تيمية الحراني، العالم الرباني والمفكر الإسلامي العظيم الذي كسر الله به شوكة الفلسفة اليونانية، وقوتها، وأبطلها بعلمه الغزير. وكشف عوارها وعيبها، فألف في إبطالها، ومحاربتها تلك التأليفات النافعة التي قال بعض أساطين الغرب عنها "إنها لو ترجمت إلى لغات أخرى منها اللغة الأوروبية لأسلم نصف أوروبا". فكان بذلك مدرسة إسلامية عظيمة، أو جامعة إسلامية كبيرة ضخمة، جمع الله فيه علوم الأولين والآخرين فوقف في الميدان وقفة رائعة مثالية كان لها أعظم الأثر في العالم كله، فهذه فئات الكتب التي تركها للأمة الإسلامية لتدل دلالة واضحة على أن الله تعالى جدد به الدين الإسلامي الحنيف، وأيد به العقيدة الإسلامية الصافية النقية التي هي رمز الجهاد والحق، والقوة والعظمة لله ، ولقد صدق الرسول الأعظم ﷺ في حديثه الذي أخرجه الإمام أبو داود السجستاني في سننه والحاكم في المستدرك، والبيهقي في معرفة الآثار والسنن، وأورده صاحب المشكاة عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: فيما علمت عن رسول الله ﷺ قال: "إن الله يبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة من يجدد لها دينها" [١] فلو حلفت يا بني على أن هذا الإمام أعني شيخ الإسلام ابن تيمية هو أحد مجددي هذا الدين الحنيف ومن بعده شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب التميمي النجدي رحمة الله عليهما وعلى جميع المسلمين لما كنت حانثاً إن شاء الله تعالى، وهذا الأخير كان أثراً بارزاً من آثار الإمام ابن تيمية رحمه الله تعالى فسار في حياته العلمية الحافلة سيراً مباركاً عظيماً، وخطى خطوات سريعة في الإصلاح، والدعوة إلى الله في تلك الظلمات التي كادت لا نظير لها في حياة المسلمين من الشرك والظلم، والاستبداد وغير ذلك من المعاني المنكرة
следующие страницы →