← Джавами‘

Джавами‘ · id 4473

مجلة الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (23 804 стр.). Показаны 456–495 · переход к 461.

стр. 456

ولقد بين ﷺ أن التنافس لا يكون إلا بالعلم ففيه ليتنافس المتنافسون، والتسابق لا يكون إلا على تحصيل المعرفة فعليه ليتسابق المتسابقون، لأن الخير كل الخير في العلم، قال رسول الله ﷺ : "من يرد الله به خيرا يفقه في الدين" [١٢] وأن العلم المقرون بالعمل والعبادة يرفع الله صاحبه منزلة لا تعلوها منزلة هي منزلة الرسالة والنبوة من ناحية الفضل لا من ناحية الوحي والتشريع، قال رسول الله ﷺ : "فضل العالم على العابد كفضلي على أدنى رجل منكم" [١٣] . كما أن الرسول ﷺ بين أن الأنبياء ﵈ تركتهم أسمى من المال وورثهم أفضل الوارثين, العلم تركتهم, والعلماء ورثتهم ومن ورث العلم الصحيح الذي يرشد إلى الخير ويهدي من ناله سواء السبيل فقد فاز وكان من المفلحين عن أبي الدرداء أنه قال سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إن العلماء ورثة الأنبياء, وإن الأنبياء لم يورثوا دينارا ولا درهما, إنما ورثوا العلم, فمن أخذه أخذ بحظ وافر" [١٤] كما يعتبر الإسلام التعليم إجباريا، قال ﵇: "طلب العلم فريضة على كل مسلم" [١٥] فطلب العلم فريضة لا تقتصر على مراحل الطفولة والمراهقة بل من المهد إلى اللحد والعلوم في نظر الإسلام نوعان: أ- علوم هي فرض عين: كتعلم أمور العقيدة والعبادة على القدر الذي تصح فيه وتعلم حسن المعاملة, وحدود المنكرات, وتعلم العلوم المسلكية لكل فرد كتعلم شؤون التجارة وأحكامها للتاجر, والزراعة للزراع.. [١٦] الخ. ب- علوم فرض كفاية: بقية العلوم الأخرى, كالطب والهندسة والكيمياء والكهرباء والذرة والعلوم الصناعية والحربية وهذا يدل على ضرورة التخصص فإذا لم يتخصص أحد من المسلمين أثموا جميعا, مما يقود إلى توفير المختصين في كل المجالات الحيوية.

стр. 457

وإذا كان طلب العلم فريضة فتارك العلم تارك لفريضة فرضها الله ومن البديهي أن تارك الفريضة له عقوبته عند الله سبحانه, أما العقوبة الدنيوية لتارك التعليم فقد ذكرها الرسول الكريم ﷺ عندما سمع بقبيلتين متجاورتين إحداهما عالمة والأخرى جاهلة لا تقوم الأولى بواجبها من تعليم العلم, ولا تقوم الثانية بواجبها من تعلم العلم إذ صعد المنبر وخطب الناس وقال: "ما بال أقوام لا يعلمون جيرانهم, ولا يفقهونهم, وما بال أقوام لا يتعلمون من جيرانهم ولا يتفقهون, والله ليعلمن قوم جيرانهم, وليتعلمن قوم من جيرانهم أو لأعاجلنهم العقوبة" [١٧] فقوله ﷺ أو لأعاجلنهم العقوبة يشير إلى العقوبة الدنيوية, أما ما هي هذه العقوبة؟ ما نوعها؟ وما مقدارها؟ فإن الرسول ﷺ لم يبينها فهي خاضعة إذاً لمبدأ التعزير يقدرها الحاكم يما يصلح أحوال الناس. وإننا لنلحظ أن الإسلام أول نظام في العالم يفرض العلم فرضا ويعاقب من لا يتعلم, إن هذا النظام لم يصل إليه أبناء القرن العشرين مع ما يدعون من مدينة ومن شعارات براقة زائفة. كما أن التعليم في الإسلام مجاني فقد أرسل الرسول ﷺ المعلمين إلى القبائل يبذلون العلم مجانا وكذلك سار على هذا الهدي علماء الإسلام الأجلاء وأئمة المسلمين فهذا الإمام مالك ﵁ يجلس في المسجد ليعلم الناس دون أن يتقاضى على ذلك أي أجر وهذا سعيد بن المسيب وأبو حنيفة والأوزاعي وغيرهم ... وغيرهم لم يعهد عن أحد منهم أنه أخذ أجرا, وإن افتى العلماء بجواز أخذ الأجرة مقابل التفرغ للقيام بأعباء التعليم.

стр. 458

ولم يكتف الإسلام بكل ذلك بل بنى أصوله على العلم الصحيح والتفكير السليم فالعقيدة تقوم النظر لا على التقليد أو الهوى فالطريق الموصل إلى الإيمان بالله هو التأمل في ملكوت السموات والأرض والاعتبار بما في كتاب الكون من آيات ناطقة بقدرته تعالى وعظمته: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأرض وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الأرض بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأرض لآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ [١٨] كما يأمر الإسلام بالحذر من الظنون والأوهام ويعلل ذلك بأنهما من الأسباب التي أدت إلى تضليل الناس وإفساد نفوسهم: ﴿وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الأرض يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلاَّ يَخْرُصُونَ﴾ [١٩] ويقول سبحانه: ﴿إِنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئاً﴾ [٢٠] . والقرآن يأمر بالاعتماد على العلم اليقيني لا على الأهواء والأوهام وينعى على أقوام غامروا بعقولهم في متاهات من الظنون والأهواء التي من شأنها أن تغطي الحقائق بدلا من أن تكشف عنها: ﴿بَلِ اتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَهْوَاءَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ [٢١] وقال سبحانه: ﴿وَإِنَّ كَثِيراً لَيُضِلُّونَ بِأَهْوَائِهِمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ [٢٢] . والإسلام دين الحجة والبرهان فهو يأمر بألا يقبل الإنسان شيئا على أنه حق إلا اذا أقام عليه البرهان: ﴿وَقَالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلاَّ مَنْ كَانَ هُوداً أَوْ نَصَارَى تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [٢٣]

стр. 459

ولا يجوز الإيمان بشيء إلا ببرهان فإذا سئل المؤمنون عن معتقداتهم لم يتلعثموا في الجواب كما هو شأن المقلدين الذين لا ينظرون فيما يلقى اليهم نظر تمحيص: ﴿وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ لا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الْكَافِرُون﴾ [٢٤] ويقول تعالى مطالبا المشركين بالبرهان مطالبة تعجيز ﴿قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [٢٥] كما أن الإسلام عدو التقليد الأعمى فهو يشدد النكير على أناس كانوا يتمسكون بالرأي لا لأنهم عقلوه ولكن لأن آباءهم فعلوه ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ قَالُوا حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لا يَعْلَمُونَ شَيْئاً وَلا يَهْتَدُونَ﴾ [٢٦] والقرآن ينفر الشعوب من التقليد الأعمى للقادة: ﴿إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوُا الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الأَسْبَابُ﴾ [٢٧] والقرآن لا يكتفي بالنهي عن التقليد للآباء والانقياد الأعمى للقادة والزعماء بل دعى للأخذ بالأحسن ﴿الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ﴾ [٢٨] وهكذا أضفى الإسلام الصفة الدينية على البحث عن الحقيقة العلمية سواء أكانت من نوع الخبر أو من نوع الإنشاء وبديهي أن القيام بهذه المهمة يتوقف على وضع منهج للبحث ومعلوم أنه بقدر ما يكون المنهج صافيا سليما تكون الغاية صحيحة سليمة.

стр. 460

لذلك لا غرابة إذا رأينا أن الإسلام يرفع من شأن العقل ويأمر باستخدامه في قضايا الحياة الصغرى منها والكبرى وجعل الذين يحكمون [٢٩] . عقولهم ويستنفدون طاقات تفكيرهم في كشف حقائق الحياة واكتناه أسرارها وحدهم أهلا لأن يوجه إليهم الخطاب وأما أولئك الذين أوقفوا حركة العقل وأوصدوا في وجهه باب المعرفة فليس لهم من شرف الإنسانية حظ ولا من كرامة البشر نصيب وإذا استعرضنا ما جاء في القرآن الكريم وحده في معرض الثناء على العقل أو في سياق الحث على إعماله والنهي عن إهماله وجدنا أنه قد ذكر في القرآن الكريم وحده ما يقرب من سبعين مرة, فالشرع لم يتبين إلا بالعقل والعقل لن يهتدي إلا بالشرع والحقائق العلمية إما أن تكون فكرية محضة وإما أن تكون مستندة إلى الحواس. أولا: الفكرية المحضة كثير من الحقائق لا يتوقف إثباتها على الحواس بل يكفي في إثباتها الفكر وحده دون حاجة إلى تأييدها بمشاهدة أو تجربة, ومن هذه الحقائق ما يسمى (بالبدهيات) وهي القضايا التي إذا عرضت على العقل السليم كان مجرد عرضها كافيا في إثباتها والتسليم بمقتضياتها فهي في غنى عن أن يبرهن عليها مثل الواحد نصف الاثنين, والضد ان لا يجتمعان والأثر لا بد له من مؤثر وما شابه ذلك. وهذه الحقائق البديهية هي الأساس في إثبات القضايا العقلية المحضة ولولا هذه الحقائق البديهية الفطرية المودعة في كل نفس لما استطاع الإنسان الوصول إلى حقيقة عقلية, إذ لا بد للإنسان في طريق وصوله إلى حقيقة عقلية من أن يستند إلى هذه البديهيات وأن يجعلها العماد الذي يرتكز عليه في حياته العقلية.

стр. 461

ثانيا- الفكرية المستندة إلى الحواس أو التجربة: هناك نوع من القضايا العلمية اليقينية ما يكون الفكر فيها وسيلة فقط وهو مفتقر في إثباتها إلى أن يستند إلى الحس أو التجربة, مثل المعادن تتمدد بالحرارة, والماء مركب من الأوكسجين والهيدروجين, والحديد جسم صلب والحرير ناعم, وما شابه ذلك وهذه الحقائق وإن كانت لها مكانة معتبرة في الاستدلال لكنها لا تبلغ من حيث التقويم منزلة القسم الأول في الاستدلال ذلك لأن الإدراك الحسي قد يعتريه الخطأ كمن هو مصاب بمرض عمى الألوان فقد يحكم على اللون الأحمر بأنه أصفر أو بالعكس ومن أسباب الخطأ الضلال ويكون بسبب التفسير الخاطئ الناجم عن الحالة النفسية للشخص فالخائف ينظر إلى ظل شجرة فيحسبها شخصا يتربص به, أو يرى ثوبا معلقا فيتوهمه شبحا ينقض عليه, والتجربة إنما تبرهن عن نفسها في الماضي والحاضر فقط أما في المستقبل فلا تستطيع أن تثبت نفسها فيه, لأن التجربة مبنية على أن شيئا ما قد تكرر على شكل معين, ومن تكراره فقط نشأت علميته, والتكرار إنما كان في الماضي ويمكن التأكد منه في الحال أما في المستقبل حال كونه مستقبلا فلا يمكن التكرار فيه لأنه لم يأت, وإذا جاء وأمكن التكرار فيه أصبح ماضيا, ومن الممكن أن تنحل القضايا التجريبية في يوم من الأيام بتجارب أخرى جديدة, ولكن ليس في الإمكان أن ينحل دليل عقلي منطقي. قال ستيوارت ميل الفيلسوف الإنكليزي وهو من أكبر علماء المذهب التجريبي: إنه وإن كانت بعض التجارب غير منحلة وغير منتقضة فليست كل تجربة ممكنة الإنحلال والانتقاض. على أن ذلك لا يكون طاعنا في الدليل المستند إلى الحسن والتجربة بل ليتبين عند التقويم ما للقضايا الأخرى, ثم إننا من جهة أخرى نجد أن العقل وحده هو الذي يفسر التجربة والمحسوس ويستخرج منهما المعنى الذهني, وهما ليسا بشيء بدون العقل فالإحساس بدونه أمي والتجربة بدونه خرساء.

стр. 462

واستخراج المعنى وتحقيقه إنما يكون بفضل العقل وحده, فالحقائق الحسية متوفقة توقفا تاما على الحقائق العقلية ومن الخطأ الفادح أن نجعل القيمة الكبرى في الاستدلال للحقائق الحسية والتجريبية وأن نهمل القضايا الذهنية العقلية بعد كل ذلك نستطيع أن نتبين الأسس التي يقوم عليها المنهج الصحيح. لقد رسم القرآن الكريم منهجا لاكتساب الحقائق العلمية وهذا المنهج لا يمكن الاستغناء عنه لكل باحث عن الحقيقة العلمية ويمكن تلخيص هذا المنهج بما يلي: أولا- أن أية قضية من القضايا لا يمكن إثباتها بمجرد دعواها بل لا بد أن تكون مستندة إلى دليل يدعمها وبمقدار صحة الدليل وقطعيته تكتسب القضية الصحة والثبوت وهذا ما صرح به القرآن الكريم في مواضع مختلفة منها قوله تعالى: ﴿وَقَالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلاَّ مَنْ كَانَ هُوداً أَوْ نَصَارَى تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [٣٠] ولكل قضية من القضايا ولكل نوع من الدعاوى نوع من الأدلة العلمية يناسبها, فالدعاوى المتعلقة بطبائع الأشياء المادية يستدل عليها بالبراهين التجريبية المحسوسة والدعاوى المتعلقة بالمجردات لا يقبل معها إلا براهينها المسلمة والدعاوى المتعلقة بحقوق الأفراد والجماعات لا يقبل فيها إلا الشهادات المثبتة لها وهكذا لا تصبح القضية حقيقة علمية إلا بوجود الدليل المناسب لها.

стр. 463

ثانيا- أن الواجب على الباحث أن يفرق أثناء عملية الاستدلال بين الدليل اليقيني وبين الدليل الظني ومادون الظني, وبين النظرية في العلوم والحقيقة العلمية فالدليل اليقيني وحده الذي يصح الاعتماد عليه في الأصول من العقائد [٣١] والأحكام وهذا ما جاء به القرآن الكريم في كثير من الآيات منها: ﴿وَمَا يَتَّبِعُ أَكْثَرُهُمْ إِلاَّ ظَنّاً إِنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئاً﴾ [٣٢] . أما العقائد عامة والأحكام العملية فيكفي الاستدلال لها بالأدلة الظنية كأخبار الآحاد والقياس. ثالثا- لابد للباحث من طرح التقليد الأعمى وهو أكبر خطر على الوصول إلى الحقائق واكتشافها بل هو المعول الهدام لصرح العلم الصحيح ولقد كان بين الإسلام وبين التقاليد العمياء صراع عنيف دام فترة من الزمن حتى استطاع أن يقتلع جذوره من نفوس الجاهلين ويفتح عقولهم لتستضيء بنور الحق ومن ذلك قوله تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لا يَعْقِلُونَ شَيْئاً وَلا يَهْتَدُونَ﴾ [٣٣] رابعا- عدم التناقض بين الحقائق إذ لو جاز التناقض بين الحقائق لانهار صرح العلم, وهذا ما جاء موضحا في الآية الكريمة ﴿مَا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِنْ تَفَاوُتٍ﴾ [٣٤] إذ التناقض أشد من التفاوت فإذا انتفى التفاوت كان التناقض منفيا من باب أولى.

стр. 464

خامسا- الاعتماد على الحواس فلقد عرفنا أن من القضايا ما يمكن إثباته بطريق الذهن وحده, وأن قسما آخر منها يفتقر في إثباته إلى الاعتماد على الحواس ومن هذا القسم العلوم المادية ولولا اعتمادها على الحواس ومن وراء الحواس العقل لما اتسعت هذه العلوم, ولما تمكن الإنسان من كشف شيء جديد والقرآن يطلب من أولي النهى أن يعملوا حواسهم وعقولهم في مظاهر الحياة وألا يهملوها وسيسألون يوم القيامة عن هذا الإهمال, قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيراً مِنَ الْجِنِّ وَالأِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ﴾ [٣٥] .ومما تقدم تعلم أنه لابد للباحث من أن يأخذ بهذه القواعد التي رسمها القرآن الكريم, وجعلها منهاجا للوصول إلى الحقائق بل لابد من إلتزامها حتى يكون في حرز عن الخطأ ومجافاة الصواب, وسواء أكانت هذه الحقائق دينية أم دنيوية, ومن هنا حكم علماء الإسلام على أن الإيمان المعتبر هو الإيمان القائم على الدليل والبرهان وأن إيمان المقلد غير صحيح إذا كان عنده قدرة على التفكير والاستدلال والنظر فيقبل إيمانه عن طريق التقليد لعجزه ولا يكلف الله نفسا إلا وسعها. طريقة الوصول إلى الأحكام الشرعية وهكذا فإن الإيمان إذا لم يكن قائما على البرهان العقلي لا يكون صحيحا [٣٦] مادام صاحبه قادرا على التفكير والنظر.

стр. 465

ومتى استقر الإيمان بالله, والإيمان برسالة محمد ﷺ عن طريق الاستدلال كان المؤمن ملزما بأخذ الحلول التي جاءت في الإسلام للمشاكل, والأحكام للحوادث, إذ أن هذه فروع عن الأصل وهو الإيمان والفرع يبنى على الأصل, والجزئيات تبع الكليات, ومعلوم أن مصدر الأحكام الإسلامية القرآن الكريم, والحديث الشريف, ولا بد من الرجوع لهذين المصدرين لأخذ الأحكام منهما من منهج واضح يسهل على الباحث طريق الوصول إلى حكم الله في المسائل التي يتعرض لها ويتجافى به عن الخطأ ويتباعد به عن الخبط والضلال ولذلك وضع علماء المسلمين منهجا دقيقا لاستنباط واضح المعالم بين الخطأ فما على المسلم إلا أن يدرس هذا المنهج دراسة واعية, ثم يطبق خطواته فإذا به يصل إلى مقصودة دون خطأ أو التواء أوغموض. خطوتا المنهج: وهذا المنهج بعد تطبيق الركائز الخمس التي أشار إليها القرآن الكريم ونوهت عنها يتألف من خطوتين, فلا بد للباحث أن يمر في مرحلتين هما: مرحلة إثبات النص أولا, ثم مرحلة فهم النص ثانيا. المرحلة الاولى: مرحلة إثبات النص:-النصوص التي يعتمد عليها الإسلام هي كما مر كتاب الله تعالى وسنة رسول ﷺ فأما كتاب الله فإن نصوصه ثابتة وقد نقله إلينا بالتواتر علماء المسلمين وتناقلته الأجيال على كيفية لا يمكن أن يتطرق إليها أدنى شك إذ حفظه الله من الأيدي العابثة خلال القرون فلا حاجة إلى المرحلة الأولى مرحلة إثبات النص, وأما السنة فثبوتها يتوقف على أمرين هما: صحة المتن, وصحة السند. والمتن هو نص الحديث فإذا أردنا أن نحكم على متن الحديث أنه صحيح فلا بد أن يكون خاليا من الأمور التالية: ركاكة اللفظ والمعنى, مخالفته للمنطق السليم, مخالفته لما ثبت في التاريخ الصحيح, والحكم في ذلك لأهل الإختصاص. أما صحة السند:

стр. 466

السند كما نعلم هو رفع الحديث إلى رجاله الذين يرويه بعضهم عن الآخر إلى رسول الله صلى لله عليه وسلم ولكي نحكم على حديث أنه صحيح لابد أن ننظر في كل فرد من أفراده فإذا كان كل راو فيه عدلا ضابطا لما حفظ ثم كان سند الحديث متصلا لا انقطاع فيه سالما من الشذوذ والعلة القادحة حكمنا على هذا السند بالصحة والقبول، وإن خلا من شيء من ذلك حكمنا عليه بالضعف. ولقد وضع العلماء المسلمون علما مستقلا دقيقا يتعرف بوساطته إلى الحديث الصحيح من غير الصحيح ويسمى هذا العلم بمصطلح الحديث. وتفرع عنه فن آخر هو علم الجرح والتعديل وتفرع من علم الجرح والتعديل علم تراجم الرجال, حيث تلتقي هذه العلوم على وضع ميزان بغاية الدقة, وهكذا احتوت المكتبة الإسلامية التي في كل بلد منها أثر وفي كل مكتبة من مكتبات العالم منها خبر احتوت على مؤلفات كبرى تستعرض معجم الرجال الذين وردت أسماؤهم في أي سند من الأسانيد وتستطيع أن تقف على ترجمة من تشاء منهم جرحا أو تعديلا وأن تعرف الزمن الذي عاش فيه لتعلم من ذلك معاصريه. هذا عرض سريع فيما يتعلق بتحقيق النقل والخبر ولكن على من يرغب الاستزادة أن يعكف على الفنون التي نوهت عنها ليجد الجهد الغريب وليجد الكثير من علماء الحديث من يقطع مئات الأميال في زمن لا توجد فيه الطائرة ولا السيارة متعرضا للمشاق والمهالك لا لشيء إلا ليلقى عالما يروي حديثا عن رسول الله ﷺ لا ليعلمه ويحفظه فحسب ولكن يريد أن يتلقاه منه أيضا ويستأذنه بروايته عنه لكي تزداد طرق هذا الحديث عنده أنه يسهل علينا جدا أن نقرأ إسنادا من هذه الأسانيد في كتاب من كتب الصحاح دون أن نتكلف أي جهد أو مشقة, ولكن المهم أن نتبين صورة ذلك الجهد العجيب الذي بذل وتلك التضحيات التي قدمت في سبيل هذين السطرين فقط من الإسناد الذي لا نلتفت له اليوم بل قد يضيق البعض منا من قراءته.

стр. 467

أما المرحلة الثانية: في المنهج فهي النص وهي تأتي بعد مرحلة إثبات النص فبعد أن يتأكد الباحث من ثبوت النص وصحته يعود إلى النص فيبذل أقصى ما عنده من جهد لفهمه واستنباط الحكم منه, وفهم النص يتوقف على أمور منها: أ- معرفة اللغة العربية مفردتها وتراكيبها ومعرفة النحو والبيان فمن لا يكون ضليعا باللغة العربية في ميادينها المختلفة ليس أهلا لأن يستنبط الأحكام ومن لا يتطابق فهمه مع أصول اللغة العربية فإنما يكون فهمه وسوسة من وساوس الشيطان. ب- معرفة أسباب النزول وأسباب الورود فإن معرفة سبب النزول وسبب الورود تلقي ضوءا على النص, وتكشف للباحث السبيل إلى المعنى الحقيقي. ج- معرفة ما تقدم من النصوص وما تأخر فإن من المعلوم أن التشريع الإسلامي جاء متدرجا كما في تحريم الخمر مثلا فقد يأتي نص من النصوص فينسخ حكم نص سابق, ولذلك يتعين على فاهم النص معرفة السابق من اللاحق من النصوص. د- معرفة طرائق الاستنباط ولقد وضع العلماء المسلمون علما مستقلا دقيقا يعين على طرائق فهم النص ويعرف هذا العلم (بعلم أصول الفقه) وهو العلم بالقواعد التي يتوصل بها إلى استنباط الأحكام الشرعية من أدلتها التفصيلية وهكذا وضع علماء المسلمين قواعد محصوها تمحيصا وبنوها على أصول أجمعوا عليها إجماعا ومناهج التزموها في اجتهادهم ومعايير دقيقة عميقة كانت متحكمة في أذهانهم وأبحاثهم حتى إذا ما رجعنا إلى فقه كل واحد منهم تيقنا أنهم لم يكتبوا إرضاء لنزعة شخصية, أو انبعاثا عن هوى متبع، أو تحقيقاً لمطلب دنيوي، أو مجاراة لتسلط عابث, ويتخذ من فقههم ومنهجهم فيه نموذجا يهتدي به.

стр. 468

ولقد كان علم أصول الفقه كسابقة علم مصطلح الحديث من العلوم المستحدثة فلقد كان العلماء في الصدر الأول في غينة عنه لأنهم كانوا على تمام العلم باللغة العربية يعرفون معاني ألفاظها وما تقضي به أساليبها وصحبتهم لرسول الله ﷺ وقربهم منه ومعرفتهم بالأسباب التي من أجلها كانت الشرائع أكسبتهم معرفة بسر التشريع ذلك إضافة إلى ما امتازوا به من صفاء الخاطر وقوة الذكاء وحدة الذهن فلم يكونوا بحاجة إلى شيء وراء ذلك في استنباط الأحكام من مصادرها, فلما جاءت بعدهم أمم اختلطت بغيرها وانقلبت العلوم كلها صناعة احتاج العلماء إلى وضع قواعد هذا العلم لاستفادة الأحكام من الأدلة وليتقيد الفقيه بها في استنباطه حتى لا يخرج عن الجادة دعما للحق وحدا للأهواء. وهكذا لم يعرف التاريخ حتى الآن أمة من الأمم جعلت لبحثها العلمي منهجا واضحا صحيحا لا يأتيه الضلال من بين يديه ولا من خلفه غير الأمة المسلمة. ومن هذه الخلاصة السريعة جدا عن المنهج العلمي للبحث عند المسلمين أخذتها من واقع أبحاثهم تبين لنا مدى ما يعتمد عليه العلماء في أبحاثهم من المنهجية والموضوعية المجردة فالعلماء المسلمون يبحثون أول ما يبحثون عن ثبوت النص كما رأينا فإن ثبت عندهم صحة النص بتلك الطريقة الدقيقة الواضحة فلا بد بعد ذلك من فهمه فهما دقيقا ضمن شروط قاسية ودقيقة. وليس لكل من هب ودب, ولا لأنصاف المتعلمين وأرباعهم وأصفارهم وأدعيائهم, ولا لمن لم تتوفر العدالة فيهم من ملاحدة هدامين, أو فسقة متحللين, ولا من استعمرت الثقافات الأجنبية عقولهم, ولا من يتقربون للزعماء والرؤساء بالتحليل, أو يتملقون العامة بالتحريم أن يتصدر للفتيا والاستنباط وإذا كان الطب والهندسة مباحا للجميع مثلا ولكن لا يجوز لدجال أن يتعرض لعلاج المرضى ولا لمن لم يدرس الهندسة أن بيني سدا أو يصمم حصنا فإن الفهم والاستنباط مباح بهذا المعنى.

стр. 469

وهكذا أعطى المنهج المسلمين حقائق علمية ثابتة لا نظريات متبدلة لذا وجدنا أن سلوك هذا المنهج السليم يضمن للمسلمين الوصول إلى الحقائق العلمية والشرعية وبالتالي يضمن لهم وحدة فكرية ويقضي على أسبابه عدم سلوك هذا المنهج العلمي الصحيح. -------------------------------------------------------------------------------- [١] سورة العلق الآية (١-٥) [٢] سورة الاسراء الآية (٣٦) [٣] سورة زمر الآية (٩) [٤] المجادلة الآية (١١) [٥] سورة آل عمران الآية (١٨) [٦] السورة الروم الآية (٥٩) [٧] سورة يوسف الآية (٧٦) [٨] سورة طه الآية (١١٤) [٩] سورة الاسراء الاية (٨٥) [١٠] سورة الكهف الآية (٦٦) [١١] سورة البقرة الآية (٢٤٧) [١٢] رواه البخارىج١ص٢٦. [١٣] رواه الترمذي وقال حديث حسن صحيح. [١٤] رواه ابوا داود والترمذي. [١٥] رواه البيهقي عن أنس والطبراني. [١٦] وظابط هذا أنه يلزم على المسلم أن يتعلم ما لا يسعه جهله في أمور دينه. [١٧] رواه الطبراني [١٨] سورة البقرة (١٦٤) [١٩] سورة الأنعام آية (١١٦) [٢٠] سورة يونس آية (٣٦) [٢١] سورة الروم آية (٢٩) [٢٢] سورة الأنعام آية (١١٩) [٢٣] سورة البقرة آية (١١١) [٢٤] سورة المؤمنون:آية (١١٧) [٢٥] سورة النمل: آية (٦٤) [٢٦] سورة المائدة آية (١٠٤) [٢٧] سورة البقرة آية (٠ ١٧) [٢٨] الزمر آية (١٨) [٢٩] والمقصود الطرق العقلية الفطرية هي التي جاء يها القرآن واتفق العقل والشرع وتلازم الرأى والسمع (الجزء الاولص٤٩الفتاوى) [٣٠] من سورة البقرة آية (١١١) [٣١] كالإيمان بالله والملائكة والكتب والرسل واليوم الآخر والإيمان بالقدر خيره وشره فإنها جميعا في الواقع ثابتة بأدلة قطعية٠ [٣٢] سورة يونس: آية (٣٦)

стр. 470

[٣٣] سورة البقرة: آية (١٧٠) [٣٤] سورة الملك: آية (٣) [٣٥] سورة الأعراف: آية (١٧٨) [٣٦] المراد بالبرهان العقلي الفطري الذي جاء به القرآن الكريم واتفق العقل والشرع وتلازم الرأي والسمع كما ذكر.

стр. 471

نظرات في دعوة المبشرين للشيخ ممدوح فخري المدرس في الجامعة الإسلامية تميز عنصر النهضة في أوربا بالنسبة للمسيحية بظاهرتين متناقضتين، ظاهرة الانكماش في الداخل وظاهرة الانطلاق في الخارج وذلك حينما انجلى الصراع المرير بين الدين والعلم أو بتعبير أدق بين رجال الدين وتيار التطور العلمي الهائل الذي بدأ في أوربا، انجلى ذلك الصراع بهزيمة مروعة لرجال الدين ووضع بذلك حد لذلك الطغيان الذي مارسه أولئك الرجال باسم الدين عبر القرون وكانوا سدا منيعا أمام كل حركة فكرية حرة تحاول إخراج الناس من حكم هذا الكابوس الرهيب الذي يفرض سلطانه باسم الله، ويعتبر كل خروج عليه خروجاً على الله، ويبطش البطشة الكبرى مستهدفا الرؤوس المفكرة والعقول الكبيرة ورواد العلم والمعرفة الذين يهددونه في وجوده وكيانه. ولكن سنن الله الكونية لا تغالب والظلم لا يدوم ولا يستطيع أحد أن يحول بين العقل وبين استخدام حقه الطبيعي في التفكير والانطلاق، ولا يستطيع الطغيان أن يكون حاجزا أبديا أمام العلم والمعرفة والحرية لذلك سرعان ما انهارت السدود ((المقدسة)) أمام زحف التيار العلمي والتقدم الفكري وأزيحت الكنيسة ورجالها كعقبة رئيسية في طريق التطور وفقدوا بذلك كل سلطان لهم في المجتمع فأقصوا عن مراكز الحكم وطردوا من المدارس وانتزعت منهم أداة التوجيه والتربية وانزوت المسيحية في الكنائس والأديرة وسجنت هناك ولم يعد يسمح لها بأن تدس بأنفها باسم رجالها في شؤون الناس. أمام هذا الانهزام بحث رجال الدين المسيحي عن ميدان آخر يمارسون فيه نشاطهم ويعرضون فيه بضاعتهم وقد نبذتهم أرضهم ورفضهم أهلهم وأبناؤهم.

стр. 472

وكان المجال الطبيعي لهم هو البلاد المختلفة دينيا وحضاريا وكان العالم الإسلامي في مقدمة هذه البلاد المختلفة لذلك كان الهدف الرئيسي للمبشرين الذين انطلقوا في الأرض يبشرون لا بالديانة المسيحية ولكن بالاستعمار الجديد الذي كانوا يمثلون طلائعه في كل بلد، وكانت مراكزهم ومدارسهم القواعد الفكرية التي مهدت للاستعمار وروجت للغزو الفكري والحضاري وأوجدت القابلية للاحتلال وقدمت المبررات والمسوغات لهذا الغزو باسم العلم والمدنية وعلى أنه الطريق الوحيد للتقدم والرقي واللحاق بركب الحضارة، وقد خدمت حركة التبشير هذه جهتين مختلفتين: الجهة الأولى: هم المبشرون الذين وجدوا مصدرا جديد للارتزاق بعد أن سدت في وجوههم أبواب الرزق في بلادهم، والجهة الثانية هي الدول الاستعمارية ((اللادينية)) التي تولت طرد هؤلاء من بلادهم ثم أمدتهم بعد ذلك بالمال الوفير لا إيمانا منها بدعوتهم ولكن لأن المبشرين كانوا ولم يزالوا طلائع الغزو الاستعماري والممهدين له بغزو فكري مسبق. وعلى هذا الأساس كان هذا التلاقي الغريب بين الأضداد في حركة التبشير. ولقد حمل المبشرون أوزارهم وجاءوا يدعون إليها في بلاد المسلمين، جاؤوا ببضاعتهم المزجاة وتجارتهم البائرة التي لم تجد لها سوقا رائجة بين أبناء جلدتهم جاؤوا إلى بلاد المسلمين آملين أن يجدوا سوقا نافقة لبضاعة أعرض عنها أهلها وذووها جاؤوا ليجدوا أمة غنية في الأخلاق غنية في التراث العلمي العريق، ذات ماض مجيد وحضارة مشرقة تتلألأ في بطون التاريخ، ووجدوا مع ذلك كله تخلفا مريعا في ميدان العلم والأخذ بأسباب الحياة الجديدة ومسايرة ركب الحضارة، مع جهل فاضح بالدين الذي ينتمون إليه وبالتراث الذي ينسب إليهم.

стр. 473

أضف إلى ذلك فقرا مدقعا يعم أمة تتحكم في مصادر الثروة في العالم تقريب. ومن هذه النوافذ الكبرى والفجوات الواسعة في حياة المسلمين تسرب المبشرون إلى بلادهم ثم إلى قلوبهم وأفكارهم وكان ذلك الانقلاب الهائل في حياة المسلمين على أيدي المثقفين من أبنائهم الذين ربوا في محاضن التبشير وغذوا بألبانهم الفاسدة المصبوغة بصبغة العلم والمعرفة، ذلك الانقلاب الذي يتجسد في جماهير المثقفين المرتدين من أبناء المسلمين المتنكرين لدينهم ولتاريخهم ولتراثهم الفكري والعلمي والقابلين أن يتنازلوا عن مكانتهم في التاريخ ومركزهم في العالم وأن يسيروا في ذنب القافلة يقلدون غيرهم ويحكون أقوالهم وأعمالهم بعد أن كانوا ممسكين بقيادة الإنسانية يوجهونها وجهة الخير بإذن الله. ولكن المبشرين لم يحملوا إلى بلاد المسلمين شيئا يفتقرون إليه ولا يجدونه عندهم فما هو المعنى الجديد الذي جاء به المبشرون ولم يجدوا لدى المسلمين ما هو أفضل منه؟ ما هو المثل الأعلى الذي آتو به ولم يجدوا عند المسلمين أكرم منه وأمثل؟ ما هي القيم الدينية والخلقية التي أتوا بها ووجدوا المسلمين أفقر وأحوج إليها منهم، أجل لقد أتوا بالوسائل العلمية الجديدة وأتوا بمبتكرات حديثة في الميدان المادي الخالص، وببعض أنواع العلوم العصرية التي كانوا يستخدمونها في الحقيقة كستار وحجاب يستر غرضهم الأساسي وهدفهم الحقيقي وهو التمكين لأنفسهم ولأفكارهم في بلاد المسلمين وذلك بمحاربة الإسلام في نفوس أبنائه بأساليبهم الملتوية الماكرة.

стр. 474

وهنا لابد من الإشارة إلى بعض الحقائق البارزة في دعوة المبشرين وإلقاء الأضواء العابرة على ما فيها من عيوب بادية تصدم العقل السليم والفطرة النظيفة للمسلمين عقيدتهم وشريعتهم ومنهجهم الكامل في الحياة ونظرتهم المتكاملة في الكون والحياة والإنسان وكل ذلك منبثق من كتاب ربهم وسنة نبيهم ﵊ فما هي عقيدة المبشرين وما هي شريعتهم وما هو منهجهم الكامل وما هو كتابهم وما هو تاريخهم؟ وأما عقيدتهم: ففيها الطامات الكبرى وأولى هذه الطامات عقيدة التثليث: تلك العقيدة المستعصية على العقول، وذلك اللغز المعقد الذي عجز عن حله أساطين المسيحية عبر القرون لأن كون الواحد ثلاثة والثلاثة واحد وكون كل واحد من الثلاثة هو عين الآخرين شيء تأباه مسلمات العقول وشيء يصطدم مع البديهيات بل هو مما يستحيل فهمه على الإنسان ولهذا تشبعت آراء النصارى في تفسيره فجمهورهم يقولون هذه عقيدة وردت هكذا في الكتاب المقدس، فينبغي قبولها كما هي لأنها ثبتت بالنص، وبعضهم يقول: هذه الأقانيم الثلاثة هي كالصفات للموجود الواحد ومن هؤلاء الفيلسوف الألماني الشهير كانت حيث يقول: (أن الأب والابن وروح القدس إنما تدل على ثلاث صفات أساسية في اللاهوت وهي القدرة والمحبة والحكمة أو على ثلاثة فواعل عليا وهي الخلق والحفظ والضبط) .

стр. 475

وكل كلام في الحقيقة في هذا الثالوث عبث وذلك لأن العقول لم تعط القدرة على فهم المستحيلات، هذه هي العقيدة التي يريد المبشرون من المسلمين أن يقبلوها ويتخلوا في سبيلها عن عقيدتهم الواضحة التي تغزو القلوب والأرواح ببساطتها وملاءمتها للفطر السليمة والعقول المستقيمة، إله واحد متصف بكل كمال منزه عن كل نقص ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ ، أرسل الرسل وأنزل الكتب وكلف الناس بتعاليم وتكاليف هي في مقدورهم وجعل لهم يوما لا ريب فيه يحاسب فيه كل إنسان على ما قدم بالعدل والقسطاس المستقيم. هذه هي العقيدة التي تجتذب إليها القلوب اجتذابا والتي يريد المبشرون أن يتخلى عنها المسلمون ليؤمنوا بدلا منها بعقيدة لا تجد لها مكانا أصلا لا في العقل ولا في القلب مع العلم بأن عقيدة الثالوث عقيدة وثنية معروفة في التاريخ عند المصريين والهنود وغيرهم ومن عقائدهم أيضا: الصلب والفداء: ومعنى هذه العقيدة باختصار شديد أن الناس جميعا يولدون عصاة آثمين وذلك لأنهم يرثون معصية أبيهم آدم وقد جاء المسيح وهو الإله وابن الإله ليصلب ويفتدي خطايا اتباعه الذين يولدون وهم موصومون بها. والإسلام يحل هذه المشكلة ببساطة متناهية: فيقول القرآن الكريم: ﴿وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَى﴾ وعند هذا انتهت هذه القصة التي جعلها النصارى معضلة مبنية على أساس التعارض بين عدل الله ورحمته وبين عدل الله الذي يصر على معاقبة آدم العاصي ورحمته التي تصر على مغفرة ذنبه، ثم لا يكون المخرج من هذا النزاع إلا بالفداء وصلب المسيح الإله وابن الإله، وكأن التوبة لم تخطر لهم على بال. وعلى هذا فالإنسان في ظل الإسلام يولد نظيفا بريئا وعلى الفطرة ولا يتحمل آثام غيره التي لم يتسبب فيها وهو يتحمل تبعة التكليف ويحاسب على ما كلف به فقط. ومن عقائدهم: عصمة الكنيسة وعلى رأسها البابا في فهم الكتاب

стр. 476

المقدس وفيما يجتمع عليه الرأي وهذا في الحقيقة إلزام بالخطأ من إنسان يشهد العقل والحس بعدم عصمته، وجعل الكنيسة مصدرا دائما من مصادر التشريع، وهذا لا يعدو عبادة الرأي والعقل والهوى، وفرق بين عصمة الكنيسة وإجماع المجتهدين من أئمة الإسلام وذلك لأن إجماع المجتهدين لا يكون إلا على دليل ومستند من كتاب أو سنة ومن عقائدهم: توسط رجال الدين بين الله وعباده وأنهم يمنحون البركة والمغفرة بإذنه ويقسمون رحمة الله بين خلقه فيمنعونها عمن يشاءون ويعطونها لمن يشاؤون٠ وقد استغل رجال الدين هذه المكانة أشنع استغلال وأصبحوا يتصرفون بجنة الله وهم في الأرض وكأنهم يمارسون سلطة الله، وحادثة بيع صكوك الغفران في أوروبا كلها أمر شائع في التاريخ، حيث طبع أحد الباباوات بطاقات يبيع بموجبها مساحات من الجنة وذلك لقاء مبلغ من المال. وكراسي الاعتراف تشهد كل حين اعترافات المذنبين أمام رجال الدين بجميع الذنوب التي اقترفوها وذلك ليغفرها هؤلاء أو ليتوسطوا لمغفرتها-وقد حرر الإسلام الإنسان من هذه الوساطة وفتح أمامه أبواب السماء وأطلقه من هذه الوصاية وقد أونس منه الرشد وربطه مباشرة بربه يتصل به متى شاء وأين شاء: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾ أضف إلى ما سبق تقييد أماكن العبادة في الكنائس فقط مع ما في هذا من الحجر على عباد الله وتضييق الأرض الواسعة، مع عبادة مريم ﵍ عند بعضهم وعبادة القديسين الذين لا يعلم عددهم إلا الله، وعبادة هؤلاء غالبا ما تكون بالتوسل بهم والاستعانة وتعظيم صورهم التي قلما تخلوا منها كنيسة٠ ونحن نعلم أن الفرق المسيحية ليست مجمعة على جميع ما ذكرنا، ولكن الفرقة التي لا توافق على شيء مما ذكرناه، فإنها تقترف شيئا آخر هو أعظم بكثير مما استنكرته.

стр. 477

هذه لمحات عن عقائد المبشرين ولم نقصد الاستقصاء وفيما ذكر عبرة لمعتبر. وأما شريعة هؤلاء، فلا وجود لها في الحقيقة والواقع، وذلك لأن الإنجيل خال عن كل تشريع وهو مجموعة مواعظ وإرشادات أخلاقية وهو العهد الجديد وأما العهد القديم وهو التوراة ففيها شريعة ورغم أنها شريعة محدودة وشريعة شعب خاص وتفرق بين اليهودي وغيره في المعاملة ومع ذلك فإن المنسوبين إلى المسيح ﵇ كتلاميذ فقد نسخوا شيئا كثيرا منها وفي بعض الروايات نسخوا جميعها وذلك لما منحوه لأنفسهم من حق التشريع وهو نقلهم عن المسيح ﵇ أنه قال لهم قبل وفاته بزعمهم: (ما حللتموه في الأرض محلول في السماء وما ربطتموه في الأرض مربوط في السماء) . وقد استعملوا هذا الحق في نسخ ما شاءوا من شريعة التوراة رغم إقرار المسيح لها: ﴿وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَا بَنِي إِسْرائيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقاً لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّراً بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ فَلَمَّا جَاءَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ ومن قول المسيح المروي في الإنجيل ما جئت لأنقض الناموس (وهو التوراة) ولكن لأتمم. ونظرا لهذا الافتقار إلى الشريعة التي تنظم سائر أحوال الأمة كانت الأمم المسيحية عالة على غيرها وأحيانا على غير المؤمنين في التشريع وما قيمة دعوة لا تملك تشريعا ينظم أحوال المؤمنين بها. وأما الشريعة الإسلامية فهي تحمل شهادات دولية من مجامع قانونية عالمية على أصالتها وشمولها لجميع أحوال الإنسان وقابليتها للتطبيق في كل زمان ومكان وهذه كتب التراث الإسلامي تشهد بكل ذلك، ومع هذا فالمبشرون يريدون من المسلمين العدول عن هذا الصراط المستقيم الذي تولى الله سبحانه رسمه وإقامة معالمه وأناط سعادة الإنسان به، إلى لا شيء فاعجبوا أيها الناس.

стр. 478

إن المتأمل في كتب المبشرين وأسفارهم المقدسة يخرج بنتيجة حتمية واحدة وهي إن هذه الدعوة لا تملك لا عقيدة ولا شريعة وخلاصة ما تدعو إليه بعض مكارم الأخلاق كالزهد والحلم والتواضع ولين الجانب والإقبال على العبادة والتنسك وهذا لاشك جانب من الدعوة ولكن لا بد مع هذا من عقيدة تقنع العقل وتشبع القلب ومن شريعة تنظيم سلوك الإنسان وترشده في متاهات الحياة ونظرة متكاملة تعطي الإنسان تفسيرا عن هذا الكون وكل هذه الأمور تفتقر إليها دعوة المبشرين. بل نقول أكثر من هذا وما نحن بمبالغين وهو أن هذه الدعوة تفتقر إلى الأصول والمنابع الأولى التي تستمد منها أفكارها وآراءها ومبادئها وذلك لأن ما تعتمد عليه من كتب مقدسة ومن سيرة صاحبها الأول وهو المسيح ﵇ لا يصلح أن يكون أساسا لدعوة متكاملة لا من حيث النقل والثبوت ولا من حيث المضمون والمحتوى. وأما من حيث النقل والثبوت فمن المتفق عليه عند المؤرخين والمنصفين من الناس أن أية أمة من أمم الأرض لا تستطيع أن تروي عن نبيها خبراً واحداً من كتاب أو سنة يرقى إلى مرتبة أخبار الآحاد عند المسلمين وأن بين هذه الكتب ومن أنزلت إليهم مفاوز من الانقطاع والمجاهيل التي لا يدري عنها أحد شيئا وكذلك الأقوال المروية عنهم لا يعرف لها سند أصلا وإنما وجدت هكذا وولدت كما هي وقبلت كما وجدت وكما ولدت.

стр. 479

وأما العهد القديم الذي هو التوراة فقد ضاعت بإجماع المؤرخين من اليهود والنصارى وذلك حينما غزا البابليون بيت المقدس وأحرقوا هيكل اليهود وأن التوراة الماثلة بين أيديهم فهي التوراة التي أعاد كتابتها عزيز بخارقة تمت على يديه فاليهود والنصارى عالة على عزيز هذا في أصل دينهم وهذا كما ترون شيء لا يستسيغه العلم ولا يقره وذلك أن يعيد رجل كتابة كتاب مفقود بواسطة حلم أو تجلي ملك أو بقذف نور في قلبه، أو بشر به من ماء مبارك أو أكلة من شجرة مباركة، ولابد من إثبات الكيفية التي تمت بها إعادة كتابة التوراة بشكل يرتضيه العلم ولا سبيل إلى ذلك، وتوراة اليهود تخالف توراة النصارى، وتوراة السامرة من اليهود تخالف التوراتيين السابقين. والأناجيل تبلغ الأربعة المعترف بها فهي من جملة أناجيل تبلغ العشرات كتبت جميعها بعد رفع المسيح ﵇. ولم تعتمد رسميا إلا في القرن الرابع المسيحي وذلك أن اليهود قاتلهم الله حينما حرضوا الرومان على قتل المسيح ووشوا به إليهم وسعوا للقضاء عليه وعلى دعوته شدد الرومان الحملة على المسيح واتباعه فرفع المسيح ﵇ وشرد اتباعه في الأرض وتخفوا بدينهم وفي هذه الأثناء دخل بولس اليهودي في المسيحية لإفسادها، وزعم أن المسيح تجلى له وأنه يتلقى الإنجيل من المسيح مباشرة وأنه لا يجوز أخذ الإنجيل من غيره أي من غير بولس فكتب إنجيله ودس فيه ما دس من تعاليم الوثنية الباطلة وروج لهذا الإنجيل وجمع حوله أناسا يقولون بقوله فانتشرت آراؤه في الناس ووضعت في المقابل أناجيل أخرى ووقع التعارض فيما بينها وثار النزاع حول المسيح وحقيقة شخصيته وعم الجدل فعقد مجمع نيقية عام (٣٢٥) لوضع حد لهذه المنازعات في عهد الملك قسطنطين الذي كان قد تنصر بتأثير أمه وعرض في هذا المجمع سبعون إنجيلا وبعد أخذ ورد وقع إختيار الملك ومن معه على الأناجيل الأربعة.

стр. 480

ورفض غيرها واعتبرت غير قانونية، وألزم الناس رسميا بهذه الأناجيل على ما فيها وهذه الأناجيل متعارضة فيما بينها وكل واحد منها يخالف الآخر ولا نكون مبالغين أبدا إن قلنا إن كل صفحة منها يوجد فيها ما يخالف غيرها من سائر الأناجيل، وهي مختلفة في الحادثة الواحدة والشخص الواحد والقصة الواحدة، وهي في الحقيقة عبارة عن تواريخ ومذكرات كتبها أناس وضعت أسماؤهم عليها أو نسبت إليهم وهي خليط من كلام المسيح وكلام الإنجيل وسير ووقائع جرت مع المسيح ﵇ وهي مليئة بالخرافات والكفريات والضلال ويتخلل ذلك شيء من الزهديات التي تعتبر كل شيء في الإنجيل والنزاع قائم في كل ما يتعلق بهذه الأناجيل فهي غير مسلمة شكلا وموضوعا ولا نعرف تماما اللغة التي كتبت بها هذه الأناجيل ولا تاريخ كتابتها ولا الأشخاص الذين كتبوها.

стр. 481

ولو كانت هذه الكتب مسلمة الثبوت من حيث السند لكان كافيا لفقدان الثقة بها الترجمات التي تعرضت لها إذ أنه من الثابت أن الترجمة تقتل النص وتفقده جوهره، والترجمة الحقيقية المطابقة للأصل لا يمكن أن توجد أصلا. ومع ما في هذه الأناجيل من الأباطيل والتحريفات فإن الله سبحانه حفظ فيها ما يقيم به الحجة عليهم من التبشير بمحمد ﵊ ففي إنجيل يوحنا: (٧:لكني أقول لكم الحق إنه خير لكم أن أنطلق لأني إن لم انطلق لم يأتكم الفارقليط فأما إن انطلقت أرسلته إليكم٠) (١٢: وإن لي كلاما كثيرا أقوله لكم ولكنكم لستم تطيقون حمله الآن ١٣وإذا جاء روح الحق ذاك فهو يعلمكم جميع الحق لأنه ليس ينطق من عنده بل يتكلم بكل ما يسمع ويخبركم بما سيأتي) . فهذا الكلام لا يمكن حمله: إلا على محمد ﵊ مع وجود إنجيل برنابا الذي يوافق القرآن في كثير مما قاله عن المسيحية ويقيم الحجة على النصارى ويخالف الأناجيل الأخرى المعتبرة في أسسها وعقائدها الكبرى، وهذا الإنجيل أكتشف في الغرب ولم يعرف في الشرق بل قالوا إنه وجد في مكتبة أحد البابوات وكان سببا في إسلام القيم على تلك المكتبة.

стр. 482

هذه هي كتب المبشرين التي يريدون من المسلمين أن يتخلوا عن قرآنهم لأجلها يريدون أن نتخلى عن قرآننا الذي تعرف كل سورة منه بل كل آية متى نزلت وأين نزلت ولماذا نزلت وتعرف اللغة التي نزلت بها ودون منذ اللحظة التي نزل فيها واستظهره الناس لفورهم وتلوه في صلواتهم ليل نهار وتعلمه طلاب العلم في المساجد والمدارس وتدارسته الصبية في الكتاتيب والنساء في البيوت وانطلق به المجاهدون في أرجاء الأرض والذي لم يتعرض لترجمة أصلا فهو يحتفظ وسيبقى بحفظ الله محتفظا بطابعه الذي نزل فيه، مع خلوه من التناقض والتضارب واحتوائه لمنهج متكامل في العقيدة والشريعة والعبادة والأخلاق وإعطائه تفسيرا سليما سديدا عن الكون والحياة والإنسان مع ثبوته بجدارة واعتزاز أمام النظر العلمي المتجرد في كل ما ذكر، مع شهادة الواقع والتاريخ على تلك الجدارة ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً﴾ ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾ ﴿كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ﴾ ﴿أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً﴾ فهذا هو القرآن وهذه هي الأناجيل فيا حسرة على عباد يعطلون عقولهم ويكابرون الواقع ويستبدلون الذي هو أدنى بالذي هو خير.

стр. 483

وأما الرسول الذي يزعم المبشرون اتباعه فهو المسيح ﵇، وهو نبي كريم وهو عبد الله ورسوله وقد أدى رسالة ربه ومهد لظهور أخيه محمد ﵊، ولكن المعروف من حياة المسيح ﵇ وهديه في شؤونه الخاصة والعامة لا يكفي بشكل من الأشكال لجعل تلك السيرة قدوة ومنهاجا لإنسان يؤمن بالمسيح ويريد أن يتبعه ورغم قصر المدة التي قضاها المسيح ﵇ في التبليغ ورغم رفع الله له إلى السماء في سن مبكرة فإن شطرا كبيرا من تلك المدة القصيرة مجهول غير محفوظ، فبعض المواعظ والرقائق مع بعض التعديلات في التوراة لا يكفي لأمة تحتاج في كل ناحية من نواحي حياتها لمرشد يهديها سبيل الرشاد، وهل هذا المرشد إلا هذا النبي. وإذا لم تحفظ الأيام حياة النبي وسيرته بشكل مفصل وواف ومقبول، ومنقول نقلا صحيحا فكيف نتبعه. وأمام هذا تستطيع أن نقول بدون تردد في النبي العظيم محمد ﵊: أن أمته لم تفقد منه فعلا إلا جسده الشريف وأما أقواله وأعماله وشؤون حياته كلها في مجالاته الخاصة والعامة بل حتى شؤونه الشخصية البحت من أكله وشربه ونومه واستيقاظه وضحكه وتبسمه وملابسه وأوانيه ودوابه وأسماء هذه الدواب وجلوسه ومشيه واتكائه والتفاته وشكله ولونه وطوله وعرضه ولون شعره وبشره وغير ذلك من جميع شمائله وخصائصه وشئون حياته وكل ما يتصل به من قريب أو بعيد كل ذلك قد دون وأحصي ودرس وسجل في كتب السير والشمائل والتاريخ بشكل لا مزيد عليه ونقل كل ذلك إلينا بطريق علمية تبهر علماء التاريخ من الأوروبيين، مع حفظ أسماء النقلة وأحوالهم وكتبهم. ومن أراد أن يتتبع حياة الرسول ﵊ من قبل ولادته إلى انتقاله إلى الرفيق الأعلى ويعيش معه حياته المباركة بكل تفاصيلها الجليلة والدقيقة من شئون البيت ومداعبة الأطفال وملاطفة النساء إلى خصف النعل وغير ذلك من كل ما يخطر ببالك من شأنه ما عليه إلا أن يقرأ كتب السيرة

стр. 484

والشمائل وحسبه من ذلك على سبيل المثال، كتاب زاد المعاد لابن القيم ﵀ وكتاب الشفا للقاضي عياض ﵀ وكتاب السيرة النبوية لابن هشام وإمتاع الأسماع للمقريزي وعيون الأثر لابن سيد الناس، مع كتب التاريخ التي لا سبيل إلى حصرها، وهذه الكتب زيادة على المعروف المشهور من كتب السنة المتداولة كالصحاح والسنن والمساند في هذه الحياة الكريمة والسيرة العطرة يجد المسلم كل ما يحتاج إليه في حياته الخاصة والعامة. وليقل بعد هذا كل عاقل هل من تكريم العقل والعدل والعلم والإنصاف أن يعدل الإنسان عن هذه السرة الكاملة والمحفوظة والمضبوطة والمنقولة نقلا صحيحا لاشك فيه إلى سيرة مجهولة ناقصة المحفوظ منها لا يفي بحاجة الإنسان في أية ناحية يستفتيها ومع جهالتها ونقصها لم تنقل نقلا صحيحا وكما أن القرآن الكريم هو الكتب السماوي الوحيد الذي حفظه الله وصانه ووضع فيه أسس السعادة والصلاح لكل زمان ومكان ويمثل بين دفتيه حكم الله خالصا وقادرا على تنظيم حياة الإنسان في كل مجالاتها، فكذلك سيرة الرسول عليه الصلاة، هي السيرة المحفوظة المتاكملة الوحيدة والقادرة على مد الإنسان بكل ما يحتاج إليه في دقائق حياته كلها. وبعد هذا كله فما الذي قدمته النصرانية للإنسان عبر التاريخ، أي حل قدمته للإنسان في مشاكله العقائدية والأخلاقية والتشريعية، وما هي القيم التي قدمتها وما هي المثل التي صدرتها، وما هي الأمجاد التي حققتها وما هي الحضارة التي نشأت في ظلها ورعايتها؟

стр. 485

إن الذي يحفظه التاريخ للمسيحية من كل ذلك باختصار شديد هو ما يلي جماعة من رجال الدين في كل عصر تستطيل على الناس بسلطانها الديني وتتطاول على كراسي الحكم بغير حق وتدعي لنفسها أنها ظل الله في الأرض فتتحكم في رقاب البشر باسم الله والله من كل ذلك الظلم بريء، وتخدر الناس بالرضا بالواقع لأنه حكم الله. وتعتبر كل خروج على آرائها خروجا على الله، وتقمع جميع الحركات التحررية والعلمية، وتخنق الثورات والنهضات بهذه الحجة وتجعل حصيلة كل ذلك وسيلة لشهوات حفنة قليلة من رجال الدين برئاسة البابا، وقد كان لموقف رجال الدين من النهضة العلمية في أوربا ضرره البالغ على الديانات كلها في العالم وعلى الإسلام بوجه أخص، وذلك حينما وقفت العقول المتحجرة سدا منيعا أمام التيار العلمي المتدفق وحرمت على الناس استخدام حقهم الطبيعي في التفكير والإبداع وبررت ذلك التحجير والتحريم باسم الدين. كفر العلماء بذلك الدين المتحجر الذي يقاوم وجودهم ويهددهم في حياتهم وفي مبتكراتهم العلمية ويكرههم على البقاء في ظلمة الجهل والتخلف، وكنتيجة طبيعية لهذا الموقف نشأت الحركة العلمية في ظل الإلحاد ثم غزت العالم كله وهي تحمل هذا الطابع وتنفر بالتالي من كل دين ومن كل ما يمت إلى الله بصلة وقد نسيت أن تميز في حركة اندفاعها وشرودها عن الكنيسة وعن دينها ورجالها أن تميز بين دين ودين وحكمت على الديانات كلها بالإعدام واعتبرتها منافية للعقل والعلم وأخرجتها بذلك من ميدان الحقائق العلمية المسلمة إلى عالم الخرافات والأحلام والشعوذة ففقدت الديانات بذلك قدسيتها وتأثيرها على الناس وأصبح الدين كالمجرم الذي أدين ووضع في قفص الاتهام وعلى أثر انزواء الدين من المجتمعات طغت فيها مردة الأبالسة من الملاحدة وخرج الأمر كله بذلك من يد أهل الخير والصلاح.

стр. 486

هذا ما جنته الكنيسة على الإنسانية في الماضي والحاضر وهذا ما قدمته لها، وأما قيم الإسلام ومثله العليا ورسالته التي أنقذ بها العالم والحضارة الإنسانية الشاملة التي شيد صورها والحركات العلمية التي أنبتها نباتا حسنا في ظل رعايته عبر التاريخ شيء يغنينا اشتهاره عن الإطالة فيه، ولا تزال آثاره ماثلة على مرأى من الأوروبيين في بلادهم وفي التراث العلمي العريق الذي خلفه المسلمون في مكتبتهم الزاخرة العامرة. والسؤال الذي يهجم على الإنسان الآن بعد ما تقدم هو ما يلي: إذا كانت للمسلمين هذه الحصانة في العقيدة والشريعة والكتاب والرسول وهذه الأمجاد التاريخية فكيف يتسرب إلى صفوفهم المبشرون وهم من وصفت في العقيدة والشريعة والرسول والكتاب والتاريخ؟ والجواب عن هذا السؤال هو أن المبشرين لم يأتوا إلى المسلمين بشيء أفضل مما عندهم فيما ذكر ولكنهم وجدوا في المسلمين ثغرتين كبيرتين تسربوا منهما إلى بيوت المسلمين وقلوبهم. هاتان الثغرتين هما تخلف المسلمين الاقتصادي وتخلفهم العلمي، وأما التخلف الاقتصادي فأمر ينتظم العالم الإسلامي كله والفقر المدقع عامل مشترك بين أبناء الأمة الإسلامية التي تتربع على منابع الثروات العالمية، والتخلف الاقتصادي في الحقيقة نتيجة طبيعية للتخلف العلمي الذي يعاني منه المسلمون في كل ميدان من ميادين الحياة.

стр. 487

إن المسلمين بحاجة إلى الكثير من فقه المادة إن صح هذا التعبير ليعرفوا كيف يستغلون هذه الثروات الطبيعية الهائلة التي يجثمون فوقها والتي يسرقها أعداؤهم على مرأى منهم مسمع. والإنعاش الاقتصادي ليس في الحقيقة إلا جزءا من إنعاش عام يشمل جميع جوانب الحياة في الأمة، فما لم يعرف المسلمون كيف يحسنون الاستفادة من الكنوز التي يملكون مفاتيحها سيبقون في حاجة دائمة لعدوهم الذي يجود عليهم بمالهم مقابل الخروج عن دينهم والتنكر لتراثهم. وقد قيل قديما: إذا ذهب الفقر إلى بلد قال له الكفر خذني معك، وهذا يبين السبب الذي يبيع به بعض ضعاف الإيمان من المسلمين دينهم برغيف يبقي لهم حياتهم، والسبب هو جهلهم بدينهم وبأساليب الحياة الحديثة وبمبتكرات الحركة العلمية التي وضع أسلافهم أصولها باعتراف أعدائهم. وأما جهلهم بدينهم فقد سمع للمبشرين بأن يدسوا على الإسلام ما شاءوا من مفتريات وأباطيل وبأن يشوهوا جمال الإسلام في نفوس أهله ويزعزعوا مكانه ذلك الدين في قلوب أبنائه مما يضعف روح المقاومة عندهم ويوجد لديهم قابلية الانهزام والتبعية والذوبان مما يمهد الطريق أمام المبشرين لسلخهم عن دينهم. وأما عدم الأخذ بأسباب الحياة العلمية الحديثة فقد جعل المسلمين يعجبون بما لدى أعدائهم من تقدم علمي هائل يتصاغر أمامه الإنسان الجاهل، ويفتن بما يرى ويكبر في نفسه وفي عينه من تحققت تلك المعجزات على يديه ومن جلبها إلى بلاده وبالتالي وكنتيجة طبيعية يزدري ما عنده وهنا يصل المبشورن إلى الغاية المنشودة حيث تسقط عزة المسلم الجاهل أمام بريق الحضارة الخداع فيزداد تضاؤلا في نفسه وتعظيما لغيره حريصا كل الحرص على تقليد من شاد هذه الحضارة ورفع منارتها مستعدا لبذل ما لديه من دين وخلق في سبيل التشبه بهم.

стр. 488

هاتان هما الثغرتان الكبيرتان في واقع المسلمين نفذ منهما المبشرون وأسيادهم المستعمرون إلى نفوس المسلمين وبلدانهم واستطاعوا أن يوقعوا في شباكهم فريقين من الناس: فريق جائع محتاج ساوموه على حياته واشتروه، وفريق جاهل غرروا به وضللوه وأما أن يكسبوا لدينهم مسلما واحدا عن إيمان وقناعة فلا سبيل إليه أبدا، لأن دينا لا يفهمه الداعون إليه أجدر أن لا يفهمه المدعون وهذان الفريقان من ضحايا المبشرين لا يؤبه لهما في الحقيقة إزاء ما استطاع هؤلاء أن يحققوه في مجال آخر بقي على ولائه الأسمى للإسلام ولكن جوهره قد تدنس بكل أباطيل المبشرين وخبائثهم، هذا المجال هو مجال المثقفين المسلمين. إن كان المبشرون قد استطاعوا أن يشتروا بعض المعوزين ويظللوا بعض الجاهلين فإنهم استطاعوا أن يشككوا الجمهور الأعظم من المثقفين ويزعزعوا إيمانهم ويهزوا يقينهم ويخدروا شعورهم الديني بحيث يكون الباقي منهم على دينه، مشلولا مخدرا قلق نهبا للصراع النفسي العنيف بين عقيدته والشبهات التي ألقيت حول هذه العقيدة وكثيرا ما انتهى هذا الأمر بهذا الصنف من المثقفين إلى الارتداد العملي عن الإسلام وإن لم يصحب ذلك تصريح بإعلان الارتداد. وما هذه الموجة العارمة من الارتداد والتي تجتاح المثقفين المسلمين إلا حصاد طبيعي لما زرعه المبشرون من بذور التشكيك في قلوبهم ومجال التشكيك والتظليل هو أهم ما يستهدفه المبشرون ويقنعون بذلك أمام صلابة العقيدة الإسلامية وقوتها. وقد خطط المبشرون وأولياء أمورهم من المستعمرين لمن وقع في حبائلهم من المثقفين ووضعوا مقدرات الأمة الإسلامية في أيديهم وجعلوا الكثيرين منهم في مراكز الحكم والتوجيه وذلك إما ليستمروا في أداء مهمتهم التخريبية وظل هذا النوع من المسؤولين الذين ربوهم على أعينهم ونشؤوهم في حضانتهم ورعايتهم وإما لكي ينوب هذا النوع من المسئولين في القيام بمهمة المبشرين في بلاد المسلمين من حرب لدينهم وصرف لهم

стр. 489

عن تراثهم وتاريخهم وحمل لهم على الانسلاخ عن قيمهم في القلب والقالب. وقد استطاع هذا النوع الجديد من المبشرين المحليين أن يخرجوا بشكل أعظم من المبشرين الأباعد، وذلك مستترين بالفلالة الرقيقة من الأسماء الإسلامية التي تنم عما تحتها من المخازي والفضائح. إن المسلمين يجابهون بقوى لا طاقة لهم بها وهم على وضعهم الحالي، فهناك المبشرون المفسدون في المجال الفكري، ومن خلفهم المستعمرون المفسدون في جميع المجالات ومعهم عملاؤهم في الداخل من أبناء المسلمين المخدوعين بهم، ووراء كل ذلك اليهودية العالمية بأساليبها الماكرة التي توجه السياسة العالمية، ومع هذا الجيش الهائل من الأعداء فإن عزيمة الشباب المؤمن (ذخيرة هذه الأمة) لا تلين ولا تضعف وهي تثق بنصر الله وتأييده ولن يزيدها تكالب الأعداء وتألبهم على دينه وأمته إلا مضاعفة النشاط والجهاد والتصميم على النصر حتى النهاية. وبعد فهذه معلومات أولية وأساسية في هذا الموضوع وكل فقرة منه تصلح أن تكون مقالة مستقلة والفكرة ككل لا يتسع لها كتاب ولكن إن هي إلا محاولة عاجلة وعابرة مع علمي بأن المسيحية أضعف عدو يمكن أن يجابه الإسلام، وأن التيارات الملحدة التي تكتسح الشباب في العالم الإسلامي هي الخطر الحقيقي والأكيد على الإسلام ولكن نظرا لأن دعوات التبشير وإرسالياته تمد تلك التيارات الملحدة بهذا الشباب المرتد بما تتسبب به من تشكيك في الإسلام وصرف عنه وحرب له فتكون بذلك بمثابة المورد بالخامات لتلك التيارات أقتضى التنويه على أصل الخطر مع عدم الغفلة عن الفرع.

стр. 490

هذه إسلاميتنا. . للشيخ أبي بكر جابر الجزائري المدرس في الجامعة وهذه مبادئها: ١-الإيمان الصادق ٢-العمل الصلح ٣-التضامن الحق وهذا هدفها: رضوان الله تعالى، ومرافقة الصالحين، في الملكوت الأعلى في الجنة دار السلام. قال الله تعالى: ﴿وَالْعَصْرِ، إِنَّ الإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ، إلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ وبعد: فهذا أصل إسلاميتنا. ومن هنا استوحينا مبادئها، واستقينا هدفها، وغايتها. من هنا من كتاب الله تعالى، لا من الرأسمالية الغربية، ولا من الشيوعية الماركسية، وإنما من كتاب الله ، كتاب محمد نبي الرحمة ورسول الهدى صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. وفي الأسطر التالية عرض سريع لمبادئها، وهدفها، وغايتها، لمن أراد أن يعرف ذلك منها: ١- الإيمان الصادق: من مبادئ إسلاميتنا: الإيمان الصادق، فلا مكان بيننا لشيوعي ملحد، ولا لاشتراكي منافق، ولا لماسوني زنديق، إذ إننا وإياهم على طرفي نقيض. نحن نؤمن بالله تعالى الخلق ربا وإلها فنعبده ونطيعه راجين رحمته، خائفين من عذابه، وهم يكفرون به، ولا يعترفون بربوبيته كيلا يعبدوه ويطيعوه، فهم غير راجين ولا خائفين. نحن نؤمن بلقاء الله تعالى، وصدق وعده ووعيده فنكيف حياتنا كلها بحسب ذلك وهم يكذبون بلقاء الله تعالى، ويجحدونه ليعيشوا إباحيين مستهترين لا يتقيدون بخلق فاضل، ولا بمروءة شريفة أو دين. نحن نؤمن برسل الله تعالى، ورسالاتهم إلى البشر، ونؤمن أن سعادة الإنسانية في اتباع أولئك الرسل، والعمل بتلك الرسالات، فلذا نحن نجل الرسل ونعظمهم، ونقدس تلك الرسالات، ونقدرها، ولا يرون رسالانهم إلا مادة تخدير للإنسان، وإيقاف لنشاطه العقلي، ونمائه الفكري!!

стр. 491

نحن نؤمن بقانون الأخلاق، والقيم الروحية، ونزن الأفراد بأخلاقهم، وقيمهم الروحية، وكمالاتهم النفسية، ونرى الحياة بدون خلق ودين لا قيمة لها، ولا معنى لوجودها وهم لا يعترفون بذلك، ولا يرون الأخلاق الفاضلة من حياء وعفة إلا عجزا وضعفا، ولا الخوف من الله تعالى، ومراقبته، والشوق إلى الملكوت الأعلى، ومرافقة الصالحين إليه، ومجاورتهم فيه إلا ضربا من المرض النفسي، والجنون العقلي. نحن نؤمن بحتمية القضاء والقدر، وأن التخطيط الكامل للحياة بأسرها قد سبقها بأزمان، ووضع لها قبل أن تكون الأكوان، وأن شيئا ما وكائنا ما كان لا يمكن أن يكون على غير وفق ما رسم أزلا، وخطط قديما في كتاب المقادير، وأننا لذلك لا نتبرم من الحياة مهما كانت قاسية، ولا نجزع منها أو نسخط، كما لا نيأس أو نقنط، أو ننزع عند العجز إلى الانتقام والبطش. فحياتنا دائما تتسم بالرضا والطمأنينة والعدل والرحمة، وهم لا يؤمنون بذلك ولا يرونه أمرا كائنا في نظام الحياة، فهم لذلك يكثر في حياتهم القلق والاضطراب ويعم جوانب كثيرة منه اليأس والقنوط، وتتسم في غالبها بسمة الشدة والقسوة وتطبع بطابع الظلم العنف، ولا سيما عند الشعور بالعجز أمام تصاريف القدر، ومجاري القضاء، فينزعون إلى البطش والانتقام، وإلى التنكيل بالأبرياء والتعذيب كما يشهد بذلك تاريخ حياتهم، وتنطق به أعمالهم في أي مكان حلوا به أو واد نزلوا فيه وعياذا بالله تعالى منهم. وإلى اللقاء مع مبدأ العمل الصالح في العدد القادم إن شاء الله تعالى

стр. 492

في إفريقية الخضراء للشيخ محمد ناصر العبودي الأمين العام للجامعة السفر إلى روديسيه.. خرجنا إلى مطار بالانتيو في ملاوي ويسمونه مطار تشاليجا لأنه يقع في منطقة تسمى بهذا الاسم وذلك في تمام الساعة التاسعة صباحا. وقد وقفنا في الردهة الخارجية للمطار مدة لا تقل عن نصف ساعة بدون أن يؤذن لنا بالدخول إلى ضابط الجوازات لإنهاء الإجراءات الخاصة بجوازاتنا ولم يكن في المكان مقاعد كما لم يكن هناك من يرشدنا فرأيت ضابطا يتجول فسألته عن مكان الجوازات وأين ينبغي لنا أن نذهب الآن فأجاب أنه ضابط الجوازات ذلك. ثم أخذ يحدثني فسألني هل أنتم سعوديون؟ فقلت نعم من أين عرفت؟ قال لقد رأيتكم عند قدومكم إلى ملاوي منذ ستة أيام ثم سألني ما هي لغتكم؟ مع أنه يعرف أننا عرب سعوديون فقلت: العربية وليست لغتنا وحدنا بل هي لغة جميع الأقطار العربية في الشرق الأوسط وشمالي إفريقية. وأخذت أعدِّد له الأقطار التي تتكلم العربية، فقال لي وماذا عن إسرائيل وهل هي من الأقطار العربية؟. ومع ذلك فلكي لا أغمط هذا الضابط الذكي حقه أنه عندما حان الوقت ودخل إلى مكتبه كان لطيفا معنا وأنهى إجراءات سفرنا وجميع المسافرين بسهولة ويسر. إلى سالسبوري.. قامت بنا الطائرة من بلانتيو إلى سالسبورى في تمام الساعة العاشرة إلا ربعا بعد أن أعلنت المضيفة أن مدة السفر ستكون ساعة وعشر دقائق والطائرة من طراز (دي، سي، سكس) ذات المحركات الأربعة تابعة لشركة خطوط ملاوي الجوية. ولكن الذي يظهر الأوروبيين هم الذين يقومون على إدارتها لأن جميع هيئة الطائرة من الأوروبيين. سارت الطائرة رخوا في سماء أرض ذات وهاد وجبال خضر تتخللها مسايل الماء التي تجري وتنعكس عليها أشعة الشمس عندما نحاذيها، ثم ارتفعت الطائرة فلم نعد نستبين من معالم الأرض شيئا خاصة وأن هناك بعض السحب المرتفعة والمنخفضة.

стр. 493

وقبل هبوط الطائرة بثلث ساعة اتضحت لنا الأرض وإذا بها لا تكاد تختلف مناظرها عن منظر الأرض في زامبية حيث كثافة الخضرة أقل بكثير من كثافة الخضرة في البلدان الإستوائية. وقبل هبوط الطائرة بدت مدينة سالسبورى وضواحيها جميلة منسقة بل غاية في الجمال في مطار سالسبوري.. هبطت بنا الطائرة ولسنا على ثقة من دخول روديسية لأنه ليس معنا تأشيرات دخول إليها، وقد كان جميع الموظفين الذين استقبلوا الطائرة من الأوروبيين. والمطار نظيف جدا وفخم يكاد يقارن بمطار نيروبي حقا. وكان جميع الموظفين فيه من الأوروبيين، وقد عجبت جدا لسهولة الإجراءات وسرعتها، فالطابور الذي يتقدمنا من المسافرين وهو يتكون من ستة أشخاص لم تستغرق إجراءاتهم أكثر من ثلاث دقائق، أي أن كل شخص لم يقف أمام ضابط الجوازات أكثر من نصف دقيقة، وهذا شيء لا يصدق ولكن هذا هو الواقع. وعندما جاء دورنا، ونحن كما قلت ندخل البلاد بدون أن نحصل على إذن مسبق بالدخول، سألنا ضابط الجوازات بلطف هل معكم فيزا إلى روديسية؟ فلما أجبناه بالنفي أسرع إلى أوراقه وكتب لنا تأشيرة دخول في أقل من دقيقتين، وطلب منا رسم التأشيرة وقدره جنيه لكل واحد، ولما أجبناه بأنه لا توجد لدينا عملة روديسية وإنما هي عملة ملاوي قال إنها تكفى، مع أنها أقل قليلا في الصرف من عملة روديسية..

стр. 494

وعلى رغم أن جوازاتنا غريبة في هذه البلاد فلم يبد استغرابه لنا وإنما نظر إلى أحد الجوازين وقال: هل الآخر مثله؟ فقلنا: نعم. فاكتفى بنظر الأول ثم قال هل معكم تذكرة عودة إلى بلادكم قلت نعم. ولم يطلب إبرازها أو النظر فيها. ونظرنا إلى أننا قد أنهينا بعد جميع المسافرين فقد وقف قريبا منا رجل أوروبي كهل عرفنا فيما بعد أنه ضابط في جمرك المطار وأرشدنا إلى مكان حقائبنا، وكنت أحمل معي في يدي حقيبة يدوية، وحقيبتي الكبيرة الثقيلة فقد أسرع ليحمل بنفسه حقيبتي إلى مكان التفتيش وذلك مع كونه أسن مني وعندما مانعت في ذلك حمل حقيبتي اليدوية وحملت أنا حقيبتي الكبيرة ولا أدري أين الحمالون. وعندما وصلنا إلى مكان التفتيش سألني أوروبي شاب عن النقود التي نحملها فأخرجناها لنعدها فقال إنه لاداعى لعدها اكتبوا ما شئتم، ثم فسحوا لنا الطريق للخروج من المطار بدون أن يفتشوا شيئا من حقائبنا لا الكبيرة ولا الصغيرة حتى إيصالات الحقائب لم يطلبوا منا أن نعطيهم إياها. مدينة سالسبورى.. ركبنا حافلة إلى البلد والمسافة بينهما (١٢) كم والأجرة شلنان ونصف أي ريال ونصف تقريبا. إنه شيء زهيد نظرا لفخامة الحافلة وبعد المسافة. نزلنا في (فندق إليزابيث) وهو فندق أوروبي ولم أر فيه أحدا من غيرهم ولا أدري هل ذلك من باب المصادفة أم أنهم لا يسمحون بذلك. يديره إيطاليون على رأسهم عجوز هي التي وجدناها في الإدارة وفي المكتب عجوز أخرى أوربية كأنها كاتبة، وأجرة الغرفة الواحدة فيه ذات السرير الواحد جنيه إسترليني وسبعة شلنات أي ما يساوي سبعة عشر ريالا تقريبا، ومستواه مستوى فنادق الدرجة الأولى في البلاد العربية فهو غاية في النظافة وفيه مطعم فخم ورياشه من أغلى الرياش والمياه في الغرفة حارة وباردة. وعلى كل حال فهو أرخص فندق نزلناه بالنسبة لمستواه في أي بلد آخر.

стр. 495

ذهبنا نبحث عن جامع سالسبوري وعن السيد علي آدم رئيس الجمعية الإسلامية هناك، فبدت لنا مدينة سالسبوري حديثة كبيرة تفوق مدينة نيروبي في كل شيء تقريبا، شوارعها واسعة، وحدائقها كثيرة، وحركة السيارات فيها عظيمة، وعماراتها ضخمة ولكن دون الحد الذي يخرجها عن الجمال، أما متجرها فهي غاصة بالسلع المختلفة. وأما نظافتها فتكاد تبلغ حد الإسراف، شيء لم أراه في أية مدينة أخرى في إفريقية، والواقع أنه يمكن القول - بحق - إنها مدينة أوروبية في إفريقية، لأنه ليس للإفريقيين فيها أي نصيب إلا أن يكونوا من زبائن المحلات التجارية. أما سكانها الأوروبيون فيظهر عليهم الثراء والنعمة، وأما الإفريقيون فإنهم في لباسهم ومظهرهم الصحي فوق مستوى كثير من الإفريقيين في البلاد الإفريقية التي مررنا بها. إلا أنهم مع ذلك تبدو عليهم المسكنة وعدم الشعور بأنهم في مستوى الآخرين من غير الإفريقيين، ولاشك أن ذلك ناشئ عن السياسة العنصرية التي كانت ولا تزال سائدة في تلك البلاد وإن يكن أقل تطرفا من السياسة المتبعة في جنوب إفريقية. وعندما رأيت مدينة سالسبوري بهذه المثابة من الثراء والحركة التجارية العظيمة لم أستطع أن أصدق بأن روديسية تعاني حصارا اقتصاديا، حتى السيارات تسمع لها جلبة عظيمة لكثرتها وتنوعها فأين الحصار الاقتصادي الذي يشمل القيود العظيمة على إرسال النفط وغيره إليها. لاشك أن ذلك الحصار ليس فعلا والسبب في ذلك هو جمهورية جنوب أفريقية (الباب الخلفي) لروديسية أو (باك دور) كما يقول الأوروبيون، فجميع احتياجات روديسية تأتي عن طريق ذلك الباب الخلفي لأن حكومة جنوب إفريقية أكثر عراقة في سياسة التمييز العنصري ولذلك فإنه لا يعقل أن تطبق العقوبات الإقتصادية المفروضة على روديسية كما أن روديسية تجد متنفسا في مستعمرة موزنبيق المجاورة فعن طريقها تصدّر كثيرا من بضائعها وتستورد بعضها.
следующие страницы →