Полный текст (23 804 стр.). Показаны 4306–4345 · переход к 4311.
стр. 4306
دعوة التضامن الإسلامي وأثرها في العالم
بقلم عبد القادر بن حبيب الله السندي
خريج كلية الشريعة بالجامعة
وهذه حلقة ثانية من الحديث الممتع العذب الذي حدثني به أحد الضيوف في الأسبوع الماضي في الطابق العلوي من الحرم المكي الشريف، وكان قد انتهى حديثه عن وصف دقيق للمؤتمر الإسلامي العظيم الذي عقده رؤساء الدول الإسلامية، وملوكها في مدينة لاهور الباكستانية، ومن نتائجه المثمرة، وفوائده العظيمة، وآثرها الطيبة على العالم كله.
стр. 4307
وأفاض في هذه الجلسة الثانية الأخيرة عن مناهج التعليم في العالم الإسلامي، تلك المناهج التي هي في حاجة ماسة إلى التغيير الجذري في كثير من الدول الإسلامية لأنها من مخلفات الدول الاستعمارية التي وضعتها حسب رغباتها المادية، وميولها السياسية، وشهواتها الحيوانية لا صلة لها بهذه الأمة المجيدة، وبتاريخها الحافل، ورسالتها السماوية، وضعت تلك المناهج التعليمية في ضوء المكاسب المادية التي تعود على المستعمرين بالفائدة الكبيرة من تخريب أذهان الشباب المسلم، والبعد عن دينه، ورسالته بعداً لا مثيل له في التاريخ، تلك المناهج التي كانت سبباً حقيقياً للفساد الكبير الذي وطد أقدام المستعمرين في البلاد الإسلامية بشكل فظيع. ولم يكن المستعمر ليترك هذه الأراضي الإسلامية والعربية إلا وهو متيقن في نفسه أنه لا حاجة الآن إلى بقائه ظاهراً، لأن الشعب الذي ترك له أرضه هو مستعمر فكرياً رغم أنفه شعر أم لم يشعر، فهذه المناهج التي وضعتها في التعليم والثقافة في بلاده كافية لاستمرار الاستعمار الحقيقي الذي قصده منذ أن وطدت أقدامي على بلاده ووطنه، ولا يمكن له أن يتحرك بحركة أخرى معاكسة ما دام هو مقيد الفكر، والحواس، والشعور في ضوء هذه المناهج التي وضعتها له. نعم قد أقمت الجامعات الكبيرة العالمية في بلادي التي ترتبط بها الجامعات في بلاد المسلمين برباط وثيق. وقد جمعت التراث الإسلامي العظيم من نوادر المخطوطات التي استنار الغرب والشرق من طريقها، وعما فيها من العلوم النافعة، وقد احتفظت بهذا التراث الذي كنت خصصت له جملة كبيرة من الباحثين المستشرقين لكي يحضروا هذا التراث مهما يكلفني من المبالغ الهائلة من بلاد الشرق الإسلامية، وقد نجح في ذلك نجاحاً باهراً، فانظروا فهارس مكتبة جامعة الهارفرد الأمريكية وكذا فهارس جميع الجامعات الأوروبية كجامعة كمبريدج وأكسفورد ولندن وألمانيا، وجامعة سربون الفرنسية بباريس وغيرها من الجامعات
стр. 4308
العالمية والتي يقصدها المسلمون بأعداد كبيرة جداً لنيل درجاته العلمية، وهذا هو المخطط الخطير الذي وضع قبل مائتين سنة أو أكثر لسد الطريق أمام الشعوب الإسلامية لكي لا تتحرر تحرراً يتفق مع دينها المتين، ورسالته السامية، فهذه مادة التربية التي تدرس هناك والتي يتخصص فيها عدد كبير من أولاد المسلمين، فانظروا فيها نظرة علمية دقيقة، وتعمقوا فيها وستجدون أن هناك اتفاقاً كاملاً مع مجتمعهم وما في هذه المادة. فانظروا البرامج التلفزيونية التي تعرض على شاشة التلفزيون في أوروبا وأمريكا، وروسيا وغيرها من البلدان، وكذا الأفلام التي تعرض هناك في دور السينما وفي ذلك أكبر دليل على تقدمهم العليم المزعوم الذي توصلوا إليه ولقد شاهدت أنهم فقدوا الآن جميع مقومات الحياة الحرة الكريمة وقد تعدوا حدود الإنسانية الكريمة (فشتان) بين حياتهم الجاهلية الحاضرة والجاهلية الأولى التي حاربها الإسلام، وهكذا يا بني ستجد في صفحات التاريخ الإسلامي عندما بدأت حملة اليونان الفلاسفة وذلك في نهاية القرن الثاني، واستفحل أمرها وشررها في عهد عبد الله المأمون العباسي على العقيدة الإسلامية، تلك الحملة الشنعاء التي أزهقت فيها الأرواح البريئة المؤمنة من المحدثين البارعين في الإسلام؟ فإذا كان من أسبابها وآثارها السيئة على العالم الإسلامي إلى يومنا هذا؟ فانظروا العقائد النسفية التي تدرس في أغلب المدارس الإسلامية الآن، فكان لتلك الحملة لون متغاير، وتفسير وجيه في نظر هؤلاء الذين ساروا في ضوء هذه الحملة النكراء، وكانوا يريدون بذلك تنزيه الرب جل وعلا عن صفات الله جل وعلا الثابتة في كتابه الكريم، وصحيح سنته المطهرة، وفي ضوء تلك العقائد جردت ذات الله تبارك عن كثير من صفاته العلى، وأسمائه الحسنى، وكان يقصد العدو حينذاك من هذه الحملة أن ينكر المسلمون وجود ربهم، ومعبودهم لأن ذات المجردة عن الصفات لا وجود لها في الحقيقة، ثم أقيمت المدارس
стр. 4309
في العالم الإسلامي على هذا النمط إلا أن جماعة كبيرة من أهل الحديث كأحمد بن حنبل والبخاري، وأبي زرعة، وابن أبي حاتم، ومحمد بن نصر المروزي، ومحمد بن إسحاق بن خزيمة السلمي النيسابوري، وابن أبي عاصم وغيرهم كثيرين عليهم رحمة الله تعالى وقفوا ضد هذه المدارس العقيلة وحاربوها وألفوا تأليفات نافعة يحذرون فيها الأمة الإسلامية من هذه العقليات، فانظر كتب الفريقين في هذا المجال ستجد الحق إن كنت منصفاً مع الذين ساروا مع نصوص القرآن الكريم والسنة النبوية الصحيحة وهكذا لعبت يا بنيّ هذه الفلسفة لعبة خطيرة في صفوف المسلمين، وشقت طريقهم، ثم حملة المادية اللعينة التي أشرت إليها آنفاً من قبل أعداء الإسلام من الغربيين والشرقيين وغيرهم من الشعوبيين الحاقدين على هذه الرسالة السماوية من اليهود والنصارى، والمجوس عليهم لعائن الله تعالى، وقد أكثرت عليك يا بني من هذا الحديث الذي لا يخفى على من له أدنى علم بالحوادث التاريخية، والمقصود يجب على المسلمين العودة الحميدة والرجوع المشرف إلى منابع العلم الصحيح، وإلى الثقافة الإسلامية الحرة النزيهة التي سار عليها الآباء الأمجدون من الصحابة والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
(ابن تيمية مدرسة إسلامية عظيمة)
стр. 4310
ثم تكلم أخيراً عن الإمام العلامة شيخ الإسلام، وبركة الأنام، المجدد للملة المحمدية أحمد بن عبد الحليم ابن تيمية الحراني، العالم الرباني والمفكر الإسلامي العظيم الذي كسر الله به شوكة الفلسفة اليونانية، وقوتها، وأبطلها بعلمه الغزير. وكشف عوارها وعيبها، فألف في إبطالها، ومحاربتها تلك التأليفات النافعة التي قال بعض أساطين الغرب عنها "إنها لو ترجمت إلى لغات أخرى منها اللغة الأوروبية لأسلم نصف أوروبا". فكان بذلك مدرسة إسلامية عظيمة، أو جامعة إسلامية كبيرة ضخمة، جمع الله فيه علوم الأولين والآخرين فوقف في الميدان وقفة رائعة مثالية كان لها أعظم الأثر في العالم كله، فهذه فئات الكتب التي تركها للأمة الإسلامية لتدل دلالة واضحة على أن الله تعالى جدد به الدين الإسلامي الحنيف، وأيد به العقيدة الإسلامية الصافية النقية التي هي رمز الجهاد والحق، والقوة والعظمة لله ، ولقد صدق الرسول الأعظم ﷺ في حديثه الذي أخرجه الإمام أبو داود السجستاني في سننه والحاكم في المستدرك، والبيهقي في معرفة الآثار والسنن، وأورده صاحب المشكاة عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: فيما علمت عن رسول الله ﷺ قال: "إن الله يبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة من يجدد لها دينها" [١] فلو حلفت يا بني على أن هذا الإمام أعني شيخ الإسلام ابن تيمية هو أحد مجددي هذا الدين الحنيف ومن بعده شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب التميمي النجدي رحمة الله عليهما وعلى جميع المسلمين لما كنت حانثاً إن شاء الله تعالى، وهذا الأخير كان أثراً بارزاً من آثار الإمام ابن تيمية رحمه الله تعالى فسار في حياته العلمية الحافلة سيراً مباركاً عظيماً، وخطى خطوات سريعة في الإصلاح، والدعوة إلى الله في تلك الظلمات التي كادت لا نظير لها في حياة المسلمين من الشرك والظلم، والاستبداد وغير ذلك من المعاني المنكرة
стр. 4311
الشائعة حينذاك في بلاد نجد، والحجاز وغير ذلك من الوديان والبراري، فأنار الله جل وعلى به الطريق السوي المستقيم لجميع الشعوب الإسلامية، واستمر الرجل العظيم في دعوته، وجهاده بل حزم، وإيمان، ونشاط حتى انتشرت الدعوة وبلغت جميع الآفاق فعم به الخير، والبركة في بلاد نجد وغيرها فجمع بها شمل هذا الشعب العظيم من إقامة الدولة الإسلامية العظيمة التي أقامت الحدود الإسلامية في ربوعها، ووضعت الحق في نصابه، وأرجعت الأمور إلى طبيعتها، وقطعت جميع سبل الشر، والفساد، والنهب، واللصوصية، والإجرام، وأمنت البلاد والعباد في ضوء هذه الرسالة الكريمة، فكان بذلك بركة عظيمة في جميع مناحي حياتنا المادية والمعنوية ذلك مثل عظيم لصلاحية رسالة الإسلام في كل زمان، ومكان، انظروا إلى الإحصائيات الجنائية التي تقع في العالم كله، ثم طالعوا دفاتر الأمن والاستقرار لهذه البلاد المقدسة، ثم قارنوا بين هذا، وذاك حتى يقفوا على الحقيقة الناصعة البيضاء التي يمكن أن تتقطع جميع الشبهات التي أثارها أعداء الدين من أن صلاحية هذا الدين في جميع شئون الحياة غير ممكنة في الوقت الحاضر، تلك شبهة تافهة هزيلة لا أضيع الوقت في ردها.
стр. 4312
وقد أكثرت عليك يا بني من هذا الحديث الذي يعرفه كل من له صلة بالعلم في عالمنا الإسلامي، وهناك حديث آخر، وقد يكون أخيراً في هذه الجلسة وهو أن تكون المنح التي تخصص في جامعات هذه البلاد المقدسة لأولاد المسلمين وهي لا شك عمل إسلامي عظيم تنبه له هذا الإمام العظيم حفظه الله تعالى، والمخلصون من علماء هذه البلاد المقدسة أمثال العلامة الشيخ الفاضل عبد العزيز بن عبد الله بن باز، ونائبه العلامة الشيخ عبد المحسن بن حمد العباد. وغيرهما حفظهم الله تعالى وتولاهم. فلتكن هذه المنح كلها أو جلها للطالب الذي يريد التخصص في مادة العلوم الشريعة، ما عدا البلاد الإفريقية، والأمريكية والأوروبية التي خلت عن الدراسة الدينية مطلقاً ومعنى هذا أن تكون هناك في الجامعة الإسلامية في جميع كلياتها شعبة التخصص في جميع الفنون الإسلامية التي تساعد الطالب في دعوته إلى الله تعالى على بصيرة، والقاضي في قضائه الذي سيتولاه بعد تغيير المناهج التعليمية في بلاده، وكل في فنه من الفنون الإسلامية ولا جدوى الآن يا بني: من المناهج النظرية التي تدرس في الكليات الإسلامية لأنها غير كافية في تثقيف الطالب ثقافة عالية رفيعة يمكن له أن يقف بها موقفاً صلباً أمام دعاة الإلحاد، الفساد، فالإسلام الآن في حاجة ماسة إلى دعاة أقوياء علماً، وعملاً، وصلاحاً، ورشاداً، وإخلاصاً، ولا أقول إن هذه الدولة العظيمة تتحمل بجميع نفقات هذا التخصص المشار إليه، وإنما تكون بعضها على الطالب الذي أعطي من المال حظاً وافراً، يرغب الذهاب إلى أوروبا في سبيل هذا التخصص وهو مستعد أن يتحمل هذه النفقات بكل سهولة، ويسر هناك، فإذا خرج الداعي المتخصص في فنه من هذه الجامعة المباركة فسيكون له بصر تام، وعلم غزير في ميدان الدعوة الإسلامية الصحيحة، ومعه علم مع الخلق العظيم، والأدب الرفيع فسوف يؤثر إن شاء الله تعالى بحوله، وقوته المجتمع الذي سيعيش فيه. فلتكن هناك مكتبة
стр. 4313
كبيرة عالمية بجوار هذا التخصص في هذا البلد المقدس الطاهر والتي يستمد منها الطالب مصادره، ومراجعه وهي أكبر نواة لهذا البناء الراسخ وأرى أن يسمح لأي طالب مسلم حاز على درجة الليسانس أو البكالوريوس من أي جامعة إسلامية، أو مدرسة معروفة، أو الاختبار كما هو معمول به الآن في جميع الجامعات الأوروبية والأمريكية، فإذا تخصص الطالب مخصصاً علمياً في هذه الجامعة، وأمامه المكتبة الكبيرة التي لا نظير لها في العالم كله، وفيها من المراجع الهامة من المطبوعات، والمخطوطات، فإذا تخصص في عالم السيرة النبوية مثلاً، أو الحديث الشريف، أو الفقه الإسلامي المقارن، أو التاريخ أو غير ذلك من الفنون، فإنه يكون على حقيقة ناصعة من علمه، تاركاً كل شيء وراءه لم يثبت لديه علمياً، فهذا هو الحق الذي أخذه من هنا، ودعا إليه المسلمين، فهذا بناء راسخ قوي، للدعوة الإسلامية، والقضاء الإسلامي، والفكرة الإسلامية، وغير ذلك من ذلك من الأمور المتخصص فيها وليس هذا بمشكل أمام هذا الإمام العظيم حفظه الله تعالى الذي هيأ الله تعالى له جميع أسباب الرخاء والتقدم وبعمله هذا سوف يقطع خطاً كبيراً امتد طولاً، وعرضاً من ديار المسلمين إلى بلاد الكفار وتمر قوافل طلبة المسلمين عليه ليلاً، ونهاراً في سبيل تخصصاتهم العلمية كما سبقت الإشارة إليه، وإن قطع هذا الخط سيعتبر عملاً جليلاً في الإسلام وبداية كبيرة للعهد المبارك الذي سيأتي على المسلمين إن شاء الله تعالى.
стр. 4314
ولقد علمت، وتأكدت أن جلالة الفيصل العظيم حفظه الله تعالى ورعاه قد وضع حجر الأساس في العام المنصرم للمكتبة الإسلامية العظيمة في مدينة الرسول ﷺ وسميت بمكتبة جلالة الإمام عبد العزيز بن عبد الرحمن آل سعود تغمده الله برحمته، ورضوانه. فلتكن هذه المكتبة هي التي تخدم رواد الثقافة الإسلامية من كل مكان ولتجمع إلى جنباتها من أندر المخطوطات الإسلامية وغيرها وبذلك تكون أعظم مكتبة في الدنيا كلها لما لها من أهمية بالغة في العالم كله من ناحية الموقع الجغرافي ومن ناحية المادة العلمية التي اشتملت عليها، وأخبرك يا بني عن بعض المكتبات الإسلامية التي تعمل ليلاً ونهاراً في خدمة العلم - كمكتبة دار الكتب المصرية التي أقامها رجل بارز في بداية القرن الحالي وهو علي بن المبارك الباشا أحد الوزراء المصريين بالقاهرة ولا شك أنها مكتبة كبيرة يقال: أن فيها تسعين ألفاً من أندر المخطوطات زيادة على ما فيها من المطبوعات، وتملك هذه المكتبة أعظم مطبعة عصرية في الوقت الحاضر تطبع فيها الكتب القيمة وهناك مكتبات أخرى وإن كانت أقل مستوى من دار الكتب المصرية، وفي دمشق الشام توجد مكتبة كبيرة وهي مكتبة دار الكتب الظاهرية أقامها الملك العادل ظاهر بيبرس في القرن السابع ولا تزال تقدم خدمة كبيرة للعلم والثقافة. وفي تركيا الإسلامية عدة مكتبات أثرية كمكتبة أحمد الثالث باستنبول، وآيا صوفيا، ومكتبة ملا مراد إلا أن إمكانيات أصحابها محدودة جداً بمكة المكرمة عاصمة الإسلام الأولى مكتبة وهي مكتبة مثالية في المملكة العربية السعودية ولم أجد لها نظيراً في سائر المكتبات التي زرتها وإن كانت صغيرة في حجمها بالنسبة للمكتبات المشار إليها إلا أن الخدمة العلمية فيها ممتازة للغاية، حبذا لو كان النظام في سائر المكتبات العالمية كنظامها لكان خيراً كبيراً من حيث تنول المراجع والمصادر بسهولة، ويسر، زيادة على ما تهيئ هذه المكتبة
стр. 4315
لروادها ما يحتاجون إليه من المرافق الهامة، والورق والحبر والماء البارد وتكييف الهواء في موسم الحر، والهدوء التام وغير ذلك من الأشياء.
لو سارت جميع المكتبات في هذه البلاد المقدسة على غرارها وكمكتبة الجامعة الملك عبد العزيز الواقعة بمكة المكرمة، وجُدّة لكان عملاً مباركاً عظيماً يرجع على الباحثين بالفائدة العلمية الكبيرة. فلتكن مكتبة جلال الملك عبد العزيز رحمه الله تعالى مثالية شامخة، تلك المكتبة العظيمة التي رعاها برعاية الله تعالى ابن عبد العزيز المخلص فيصل بن عبد العزيز حفظه الله تعالى نعم: فلتكن هذه المكتبة عالمية بمعناها الصحيح فلتكن بجوارها شعبة التخصص، تلك الشعبة التي تحمل مسئولية كبيرة فذة في العالم الإسلامي في الدعوة والإرشاد، والإصلاح وهكذا يعم الخير في ربوع الدنيا كلها بفضل الله تعالى، ثم بفضل هذا الإمام أيده الله تعالى، ونصره.
وهكذا تستقل هذه البلاد الطاهرة المقدسة بهذا التعليم الإسلامي لئلا يكون هناك مجال لخروج الطالب المسلم إلى أوروبا أو أمريكا في سبيل تخصصه في المادة الإسلامية ويتردد على أبواب هؤلاء الكفرة في سبيل علمه، وخلقه، وأدبه، وعنده ما ليس عند غيره وهكذا يرتفع هذه البلاد رويداً، رويداً في جميع شعب الحياة فتكون بذلك مرجعاً لجميع المسلمين في جميع شعب حياتهم المادية والمعنوية، وهذا الذي أحلم به ويحلم به معي كل مسلم في كل مكان وهذا الذي فكره الإمام فيصل بن عبد العزيز المعظم رعاه الله تعالى، وليس هذا ببعيد إن شاء الله تعالى. وفي الختام أستودع الله دينك، وأمانتك وخواتيم أعمالك وأصلي وأسلم على عبده، ورسوله محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 4316
هكذا تمت هذه الجلسة الأخيرة في رحاب البيت العتيق وقد أجاد وأفاد فيها هذا الأخ المسلم وما أكثر هؤلاء الذين يحملون اليوم هذه الفكرة في العالم الإسلامي لعلها تجد إن شاء الله تعالى تجاوباً كريماً، واستجابة طيبة وقد حررت هذه الأسطر أداء للأمانة التي حملني إياها ذلك الأخ الفاضل المخلص لإبلاغها وإيصالها إلى الأسماع المؤمنة المخلصة في هذه البلاد الإسلامية العظيمة وصلى الله على رسوله محمد وصحبه أجمعين..
--------------------------------------------------------------------------------
[١]-أخرجه أبو داود في سننه في أول كتاب الملاحم ١٠٩/٤، والحاكم في المستدرك في كتاب الفتن ٥٢٣/٤ والبيهقي في معرفة الآثار والسنن، في انظر المرقاة شرح االمشكاة ٢٤٨/١ وإسناده حسن.
стр. 4317
ما هي علاقة الأمة المسلمة بالأمم الأخرى؟
بقلم فضيلة الشيخ أحمد محمود الأحمد
المدرس في كلية الدعوة وشعبة اللغة بالجامعة
لعل من الواجب أن نكشف عن (هُوّية) [١] هذه الأمة المسلمة قبل أن نأخذ بالإجابة عن هذا السؤال، بل لعل الكشف عن هويتها يتضمن الجواب في جوهره وحقيقته، إذ لا يخفى ما بين هوية الكائن الاجتماعي أو السياسي، كالأمة والدولة وبين علاقته بالأمم والدول الأخرى من صلات وشيجة.
وخير وسيلة للكشف عن (هوية) أمتنا المسلمة الكريمة - هي - النظر إليها من خلال العاملين الأساسين اللذين صاغاها على نحو ما نعلم، وهما الكتاب والسنة، وهذان العاملان غنيان - ولله الحمد والمنة - بما يسهل علينا هدفنا هذا.
يقول الله سبحانه: ﴿وَالْعَصْرِ، إِنَّ الإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ، إِلا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ [٢] .
ويقول: ﴿وَمَنْ يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى وَإِلَى اللَّهِ عَاقِبَةُ الأُمُورِ﴾ [٣] .
ويقول: ﴿أَلا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ، الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾ [٤] .
ويقول: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْك َر ... ﴾ [٥] .
ويقول: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [٦] .
ويقول: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحاً وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [٧] .
стр. 4318
ويقول: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾ [٨] .
ويقول: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [٩] .
ويقول الرسول ﷺ لعلي بن أبي طالب في غزوة خيبر، وقد عهد إليه بمهمة عسكرية: " ... فوالله لأن يُهدَى بك رجل واحد خير لك من حمر النعم" أخرجه البخاري.
ويقول ﷺ مبيناً أن إمكاناتنا جميعاً يجب أن تجعل في سبيل الله، وأننا مسؤولون عن ذل بين يديه سبحانه: "لا تزول قدما عبد يوم القيامة حتى يسأل عن أربع: عن عمره فيما أفناه، وعن جسده فيم أبلاه، وعن ماله من أين اكتسبه وفيم أنفقه، وعن علمه ما عمل فيه".
وكان ﵊ يبعث أصحابه - على حبه إياهم وحرصه عليهم - ليدعوا إلى الله، ويبلغوا عنه، يسهموا في إخراج الناس من الظلمات إلى النور، ولو كان طريق الدعوة محفوفاً بالشدائد، وما خبر أصحاب الرجيع (في السنة الثالثة من الهجرة) ، ولا أصحاب بئر منونة (في السنة الرابعة) عنا ببعيد، فلقد استشهد على طريق الدعوة في هاتين المناسبتين وحدهما زهاء ثمانين رجلاً من خيار المسلمين، فرضي الله عنهم وأرضا لهم، ورزقنا اقتفاء آثارهم.
والآيات والأحاديث، ووقائع السيرة النبوية، والتاريخ الراشدي، في ذلك كثيرة ...
وفي ضوء ما تقدم يمكننا في يسر وسهولة أن نحدد (هويّة) أمتنا المسلمة الكريمة على النحو التالي:
стр. 4319
"إن هذه الأمة هي ناس من خيار الناس، أكرمهم الله سبحانه بالاجتماع على الإيمان والعمل بما جاء من عنده، وجعل ولاءهم المطلق له ولرسوله ﷺ ، وشرفهم بتكليفهم دعوة العالم كله إلى ما هداهم إليه من الحق وأوجب عليهم جعل حياتهم خالصة له، لا يضنون بشيء منها نفساً أو نفيساً في سبيل تبليغ الدعوة، تصحيحاً لحياة الناس، وإخراجاً لهم من عبادة العباد إلى عبادة الله، وإسعاداً لهم في معاشهم ومعادهم، وهذه الأمة بطبيعة هويتها تسمو في تفكيرها وسلوكها فوق جميع الاعتبارات التي لا تنطوي على قيم حقيقية، كالاعتزاز باللون أو الجنس أو النسب أو الأرض، أو ما شاكل ذلك، وهي إنما تبتغي بدعوة الناس كل الناس إلى الحق وجه الله والدار الآخرة، دونما تطلع إلى استعلاء، أو استعمار، وإنما هي الرغبة المخلصة، والجهاد الجاهد لإشراك الجميع فيما أولاها الباري سبحانه من نعم معنوية أو مادية.
ولعلي أستطيع أن ألخص الكلام في (هوية) أمتنا المسلمة بقولي: "إنها أمة عقيدة ودعوة"، فإذا عرفنا ذلك وتذكرها أثر (هوية) الأمم والدول في سلوكها، وفي علاقتها بسواها من الأمم أدركنا غير ما عناء أن علاقة أمتنا المختارة بالأمم الأخرى على اختلاف ألوانها، ولغاتها، وأديانها ليست في- حقيقتها - علاقة سلم ولا حرب، ولا دفاع ولا هجوم، وإنما هي (علاقة دعوة) ، وصدق العلي القدير إذ يقول - كما سلف الاستشهاد -: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ .
فالأمة المسلمة – إذن - أمة دعوة عالمية تتخطى في إيمان، وسمو، وعفوية، كل الحدود والحواجز التي تنتهي إليها، أو تتهاوى عندها المبادئ الأخرى،سواء كانت هذه الحدود جغرافية أو سياسية أو عرقية أو لغوية ... أو نحوها، وهي بذلك تفتح أبواب رحمة السماء لأهل الأرض أجمعين.
стр. 4320
والآن أود أن أطرح على نفسي هذا السؤال: ما حقيقة هذه العلاقة التي أسميتها (علاقة دعوة) ؟ إن هذه العلاقة في حقيقتها هي منهج متكامل لمواجهة أيما عقبة يحتمل ظهورها في طريق تبليغ دعوة الحق للأحمر والأسود، وهذه المواجهة مبنية في حكمة بالغة، ودقة دقيقة على سنن الله في الأشياء، ومقتضيات الظروف في كل مرحلة من مراحل تاريخ الدعوة الذي لن ينتهي - بإذن الله - إلا بقيام الساعة.
فهذه العلاقة - بناء على ذلك - تتخذ أشكالاً شتى تبعاً لمصلحة الدعوة أي تبعاً للمصلحة الحقيقية لأهل الأرض جميعاً، لأن مصلحتهم الحقة هي التي تترتب عليها سعادتهم الشاملة في هذه العاجلة، سعادتهم الأبدية في الآجلة، وكل مصلحة سواها، ليست سوى (ملهاة) .
ولأستعرض الآن نماذج للأشكال التي عرفتها هذه العلاقة في ضوء الواقع التاريخي، وفي ضوء الظروف العلمية التي مرت بها٠
أولاً: المرحلة المكية:
كل الظروف التي واجهت علاقة المسلمين بالمشركين في هذه المرحلة كانتا تقضي أن تكون علاقة غير قتالية، أي علاقة بيان للحق، وصبر على الأذى فيه، واحتساب لكل ما عرفت رباع مكة ورمضاؤها، والطائف وفجاجها، من أذى لرسول الله ﷺ ، وعذاب لبلال وآل ياسر، وزنّيرة، وخباب، وغيرهم ﵃ أجمعين، وليس معنى ذلك أن علاقة المسلمين بغيرهم هي - أبداً - علاقة بيان وسلام فحسب، بل إن مصلحة الدعوة في مواجهة ظروفها في هذه المرحلة، هي التي اقتضت أن تكون كذلك، بحيث تتناول الناس بالأساليب السلمية، وبيان الحقائق بياناً مؤثراً، ما كان - أجدره بأن يستجيب له القوم، لولا إتباع الهوى، ولولا سلطان المصالح الحائلة الزائلة، من زعامة، ووجاهة، ومكاسب مادية، وما إلى ذلك.
стр. 4321
وكلنا يعلم ما كان من أمر عتبة بن ربيعة العبشمي عندما جاء النبي ﷺ ممثلاً لكفار قريش، عله يصرفه عن دعوته بإغراء المال، أو الجاه، أو الملك، فما كان منه ﵊، إلا أن تلا عليه قوله تعالى: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، حم، تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ قُرْآناً عَرَبِيّاً لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ بَشِيراً وَنَذِيراً فَأَعْرَضَ أَكْثَرُهُمْ فَهُمْ لا يَسْمَعُونَ وَقَالُوا قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ وَفِي آذَانِنَا وَقْرٌ وَمِنْ بَيْنِنَا وَبَيْنِكَ حِجَابٌ فَاعْمَلْ إِنَّنَا عَامِلُونَ، قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَاسْتَقِيمُوا إِلَيْهِ وَاسْتَغْفِرُوهُ وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ، الَّذِينَ لا يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ بِالآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ، إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ، قُلْ أَإِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْدَاداً ذَلِكَ رَبُّ الْعَالَمِينَ، وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِنْ فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاءً لِلسَّائِلِينَ، ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ، فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ وَأَوْحَى فِي كُلِّ سَمَاءٍ أَمْرَهَا وَزَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَحِفْظاً ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ، فَإِنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ أَنْذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً مِثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ، إِذْ جَاءَتْهُمُ الرُّسُلُ مِنْ بَيْنِ
стр. 4322
أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ اللَّهَ قَالُوا لَوْ شَاءَ رَبُّنَا لأَنْزَلَ مَلائِكَةً فَإِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ﴾ [١٠] .
وما إن بلغ النبي ﷺ هذه الآية حتى أخذ عتبة بفيه، وناشده الرحم أن يكفّ، ثم عاد الرجل إلى من وراءه بغير الوجه الذي جاء به، ونصح إليهم أن يخلوا بين النبي ﷺ وبين ما هو فيه من الدعوة، ولكن هيهات، لقد رموه بأنه قد سُحر ...
وهكذا نرى أن علاقة المسلمين بغيرهم قد اتخذت في هذه المرحلة المكية شكلاً اقتضته طبيعة المرحلة التاريخية، وهو البيان، والصبر، والصمود، والاحتساب.
ثانياً: مرحلة ما بعد الهجرة:
لقد تغيرت ظروف الدعوة بعد الهجرة، وكان تغيرها من جهات عدة، لقد شعر المسلمون في دارهم الجديدة بأمن لم يعرفوه في المرحلة السابقة، وبعد الهجرة أذن لهم بالقتال، ثم فرض عليهم قتال من يقاتلهم، ثم فرض عليهم قتال المشركين كافة فصدعوا بالأمر، وقاتلوا لأن القتال كان مما اقتضته ظروف الدعوة الجديدة، وليس معنى ذلك أن علاقة المسلمين بغيرهم صارت قتالاً صرفاً، بل بقيت كما كانت علاقة دعوة، بمعنى أنها تهدف إلى نشر الدعوة التي كلفوا نشرها بالوسائل الأكثر مناسبة للظروف المواجهة، ومع الإذن بالحرب، بل مع فرضها بقي المجال واسعاً للطرق الودية إذا كانت - هي - الأجدى على الدعوة.
لقد عقد النبي ﷺ بين أهل يثرب من المسلمين واليهود والمشركين معاهدة رائدة، يمكن أن توصف بأنها دستور لدولة المدينة التي ولدت بعد الهجرة، والتي أصبح الرسول ﷺ بحكم الواقع رجلها الأول، ثم جاءت هذه المعاهدة فأكدت ذلك، وقد اعتبر العام الباحث محمد حميد الله معاهدتنا هذه أول دستور مكتوب في العالم، وإليكم نصها:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
стр. 4323
هذا كتاب من محمد النبي ﷺ : بين المؤمنين والمسلمين من قريش ويثرب، ومن تبعهم، فلحق بهم، وجاهد معهم.
إنهم أمة واحدة من دون الناس.
المهاجرون من قريش على رِبعتهم [١١] ، يتعاقلون بينهم، وهم يفدون عانيهم [١٢] بالمعروف والقسط بين المؤمنين. وبنو عوف على ربعتعم، يتعاقلون معاقلهم الأولى [١٣] ، كل طائفة تفدي عانيها بالمعروف والقسط بين المؤمنين.
وبنو ساعدة على ربعتهم يتعاقلون معاقلهم الأولى، وكل طائفة منهم تفدي عانيها بالمعروف والقسط بين المؤمنين. وبنو الحارث على ربعتهم يتعاقلون معاقلهم الأولى، وكل طائفة تفدي عانيها بالمعروف والقسط بين المؤمنين.
وبنو جُشَم على ربعتهم يتعاقلون معاقلهم الأولى، وكل طائفة منهم تفدي عانيها بالمعروف والقسط بين المؤمنين.
وبنو النجار على ربعتهم يتعاقلون معاقلهم الأولى، وكل طائفة منهم تفدي عانيها بالمعروف والقسط بين المؤمنين.
وبنو عمرو بن عوف على ربعتهم يتعاقلون معاقلهم الأولى، وكل طائفة تفدي عانيها بالمعروف والقسط بين المؤمنين.
وبنو النبيت على ربعتهم يتعاقلون معاقلهم الأولى، وكل طائفة نفدي عانيها بالمعروف والقسط بين المؤمنين.
وبنو الأوس على ربعتهم يتعاقلون معاقلهم الأولى، وكل طائفة منهم تفدي عانيها بالمعروف والقسط بين المؤمنين.
وأن المؤمنين لا يتركون مفرَحاً ( [١٤] ) بينهم أن يعطوه بالمعروف في فداء أو عقل.
وألا يحالف مؤمن مولى مؤمن دونه.
وإن المؤمنين المتقين على من بغى منهم، أو ابتغى دَسِيعة [١٥] ظلم، أو إثم، أو عدوان، أو فسادٍ بين المؤمنين.
وإن أيديهم عليه جميعاً، ولو كان والد أحدهم.
ولا يقتل مؤمن مؤمناً في كافر، ولا ينصر كافراً على مؤمن.
وإن ذمة الله واحدة، يجير عليهم أدناهم، وإن المؤمنين بعضهم موالي بعض دون الناس.
стр. 4324
وإنه من تبعنا من يهود، فإن له النصر والأسوة، غير مظلومين، ولا متناصر عليهم.
وإن سلم المؤمنين واحدة، لا يسالم مؤمن دون مؤمن في قتال في سبيل الله، إلا على سواء وعدل بينهم.
وإن كل غازية غزت معنا يعقب بعضها بعضاً.
وإن المؤمنين يُبيء [١٦] بعضهم على بعض، بما نال دماءهم في سبيل الله.
وإن المؤمنين المتقين على أحسن هَدْيٍ وأقومه. وإنه
لا يجير مشرك مالاً لقريش ولا نفساً، ولا يحول دونه على مؤمن.
وإنه من اعتبط [١٧] مؤمناً قتلاً عن بينة، فإنه قود به، إلا أن يرضى ولي المقتول، وإن المؤمنين عليه كافة، ولا يحل لهم إلا قيام عليه.
وإنه لا يحل لمؤمن أقر بما في هذه الصحيفة، وآمن بالله واليوم الآخر أن ينصر محدثاً ولا يؤويه وأنه من نصره أو آوه، فإن عليه لعنة الله وغضبه يوم القيمة ولا يؤخذ منه صَرْف ولا عَدْل٠
وإنكم مهما اختلفتم فيه من شيء فإن مرده إلى الله ، وإلى محمد ﷺ .
وإن يهود ينفقون مع المؤمنين ما داموا محاربين.
وإن يهود بني عوفٍ أمة مع المؤمنين.
لليهود دينهم، وللمسلمين دينهم، مواليهم وأنفسهم، إلا من ظلم وإثم، فإنه لا يوتغ [١٨] إلا نفسه وأهل بيته.
وإن جفنة بطن من ثعلبة كأنفسهم.
وإن لبني الشُطيبة مثل ما ليهود بني عوف، وإن البر دون الإثم [١٩] .
وإن موالي ثعلبة كأنفسهم، وإن بطانة [٢٠] يهود كأنفسهم، وإنه لا يخرج منهم أحد إلا بإذن محمد ﷺ .
وإنه لا ينحجز على ثأر جُرح.
وإنه من فَتَك فبنفسه فتك، وأهل بيته، إلا من ظلم.
وإن الله على أبر هذا [٢١] .
وإن على اليهود نفقتهم، وعلى المسلمين نفقتهم.
وإن بينهم النصر على من حارب أهل هذه الصحيفة، وإن بينهم النصح والنصيحة، والبر دون الإثم.
وإنه لم يأثم امرؤ بحليفه، وإن النصر للمظلوم.
стр. 4325
وإن اليهود ينفقون مع المؤمنين ما داموا محاربين.
وإن يثرب حرام جوفُها لأهل هذه الصحيفة.
وإن الجار كالنفس غير مضار ولا آثم.
وإنه لا تجار حرمة إلا بإذن أهلها.
وإنه ما كان بين أهل هذه الصحيفة من حدث أو اشتجار يخاف فساده، فإن مرده إلى الله ، وإلى محمد رسول الله ﷺ .
وإن الله على أتقى ما في هذه الصحيفة وأبره [٢٢] .
وإنه لاتجار قريش ولا من نصرها.
وإن بينهم النصر على من دهم يثرب.
وإن دعوا إلى صلح يصالحونه ويلبسونه، فإنهم يصالحونه ويلبسونه، وإنهم إذا دُعوا إلى مثل ذلك، فإن لهم على المؤمنين، إلا من حارب في الدين، على كل أناس حصتهم من جانبهم الذي قبلهم.
وإن يهود الأوس، مواليهم وأنفسهم، على مثل ما لأهل هذه الصحيفة، مع البر المحض من أهل هذه الصحيفة.
وإنه البر دون الإثم، لا يكسب كاسب إلا على نفسه.
وإن الله على أصدق ما في هذه الصحيفة وأبره.
وإنه لا يحول هذا الكتاب دون ظالم وآثم، وإنه من خرج آمن، ومن قعد آمن بالمدينة، إلا من ظلم أو أثِم.
وإن الله جار لمن بَرّ واتقى، ومحمد رسول الله ﷺ " [٢٣] .
إن هذه المعاهدة إذ عقدت كانت مصلحة الدعوة في الظروف المواجهة تقتضي عقدها، وليس معنى ذلك أن العلاقة بين المسلمين وغيرهم أضحت علاقة معاهدات، وعلاقة حبر على ورق، بل الواقع أن هذه العلاقة بقيت كما كانت (علاقة دعوة) ، وقد عقدت هذه المعاهدة، لأن مصلحة الدعوة - كما قلنا - كانت تقتضيها.
ولما أن تبدلت الظروف بخيانة اليهود، ونقضهم المعاهدة، وأصبحت مصلحة الدعوة - وهي المصلحة الحقيقية للبشر قاطبة - تتطلب الحرب حاربهم النبي ﷺ ، فأجلى بني قينقاع في السنة الثانية للهجرة، وأجلى بني النضير في السنة الرابعة، وكان ما كان من أمر بني قريظة بعد غزوة الأحزاب في السنة الخامسة.
стр. 4326
فهذه الحروب، ومثلها سائر حروب المسلمين في زمن النبي ﷺ والخلفاء الراشدين، لم يكن لها من هدف سوى إزالة العقبات من طريق الدعوة كي يتاح تبليغها الناس في جو خال، من الضغط أو الفتنة، وفي غيبه الطواغيت الذين كانت مصالحهم الذاتية تستلزم الحؤول بين الدعوة الهادية وبين الشعوب التي كانت ترزح تحت كابوس مظالمهم واستغلالهم، فكان لا بد من أجل مصلحة الدعوة، بل مصلحة الشعوب أن يزاح هؤلاء ولو بشبا السيوف حين لا يكون بد من ذلك، لأن المسلمين ما كانوا ليستطيعوا بحسب تعاليم دينهم التضحية بمصلحة العباد من أجل حفنة من الطواغيت الذين كانوا يستغلون اليهودية، والنصرانية، والوثنية، والمجوسية إبقاء على مصالحهم الخاصة.
وليس من المعقول أن توصف هذه الحروب بدفاع أو هجوم، لأن مثل الوصف غير واردٍ أصلاً، فهي - كما رأينا، وكما هو الواقع - حروب لإزالة العقبات، أياً كانت، من طريق المصلحة البشرية الحقيقية، أو من طريق الدعوة الربانية.
وقد استمرت علاقة الأمة المسلمة بالأمم الأخرى خلال العهدين النبوي والراشدي منهجاً متكاملاً يواجه أيما عقبة تبدو في طريق الدعوة، مواجهة مكافئة لمقتضيات الظروف، وطبائع الأمور، ولذلك فإننا نرى أن الحروب والأساليب السلمية من وساطة، ومعاهدات، وتحكيم، وما إلى ذلك تتناوب وتتعاون حسب مصلحة الدعوة وحدها، دونما نظر إلى أي اعتبار آخر، ولا سيما اعتبار الدفاع الذي فتن به بعض المعاصرين كما سنرى.
стр. 4327
ففي رمضان من السنة الأولى للهجرة، على رأس سبعة أشهر من مهاجرته [٢٤] ﷺ رأى من مصلحة الدعوة أن يعترض عيراً لقريش كانت آيبة من الشام، وعلى رأسها أبو جهل في ثلاثمائة من المشركين، فعقد لعمه حمزة وأرسله في ثلاثين رجلاً من المهجرين لهذه الغاية، فسار ركب المجاهدين الدعاة حتى بلغوا ساحل البحر من ناحية العيص، فصادفوا العير هناك، ولما تصافوا للقتال تدخل مجديُّ بن عمرو الجهني، وبذل وساطته للكف عن القتال، فرضي الطرفان وساطته، وانصرف أحدهما عن الآخر، وقد أقر النبي ﷺ قبول وساطة مَجْدي، بل شكرها له فيما ذهب إليه الشيخ محمد الخضري [٢٥] ٠
стр. 4328
فلو رحنا نتلمس الدوافع التي كانت وراء هذا التحرك العسكري لما رأيناه دفع هجوم قامت به قريش، بل لرأينا أنه كان هنالك دافعان اثنان وراءه، الأول اعتراض العير لإضعاف قريش عدوة الإسلام الأولى مالياً، وبما أنها قبيلة تقوم حياتها على التجارة، فاعتراض عيرها وعرقلة نشاطها التجاري مما يضعفها، وفي ضعفها مصلحة للدعوة، لأنها - كما قلنا آنفاً - عدوة الإسلام الأولى بل زعيمة العرب في هذا العداء، والدافع الثاني إشعار المتربصين من مشركي يثرب ويهودها، ومن حولها من القبائل أن المسلمين أضحوا قوة، وأن الوضع الذي كانوا عليه من قبل قد مضى إلى غير معاد، فما عليهم إلا أن يحسبوا لهذه القوة حسابها في تصرفاتهم إزاء أصحابها، وإن في قبول المسلمين وساطة مَجْدي، وإقرار النبي ﷺ له لما يدل على أن منهج المواجهة للظروف والاحتمالات في علاقة المسلمين بغيرهم كامل العناصر والأدوات، ... فهناك الحرب حين تدعو مصلحة الدعوة إليها، وهناك الأخذ بالوسائل السلمية من وساطة وتحكيم وغيرهما حين يكون من مصلحة الدعوة الأخذ بها، ... وإذن فلا داعي بل لا مساغ لفكرة الدفاع والهجوم، إنما هي مصلحة الدعوة أو مصلحة البشرية الحقيقية، وتتكرر العوامل والمقتضيات على هذا المنوال نفسه طول المرحلة التاريخية التي تنتهي تقريباً في صفائها، ونقائها، ومثاليتها بانتهاء عهد الخلفاء الراشدين..
стр. 4329
ولنضرب مثالاً آخر من حياة المسلمين المبكرة في المدينة المنورة، ولنرَ كيف تكمن وراءه الدوافع نفسها، وهي مصلحة الدعوة ... ففي صفر على رأس اثني عشر شهراً من مقدمه ﷺ المدينة [٢٦] خرج يريد عيراً لقريش، ويريد بني ضمْرة أيضاً، وسار حتى بلغ وَدّان [٢٧] غير أن العير فاتته، فاكتفى عند ذلك بموادعة بني ضمرة، ثم عاد إلى المدينة ولم يلق كيداً، وقد كان موضوع هذه الموادعة أن بني ضمْرة آمنون على أنفسهم، وأن لهم النصرَ على من رامهم، وأن عليهم نُصرةَ المسلمين إذا دُعوا [٢٨] .
فالدوافع التي كانت وراء هذه الغزوة هي نفسها التي كانت وراء صلات المسلمين بغيرهم ألا وهي مصلحة الدعوة، والنتائج التي انتهت إليها هي مصلحة الدعوة أيضاً، ألم تر أنها كسبت تأييد قبيلة لها قيمتها في المنطقة، ولا شك أن لهذا الكسب وزنه في سير الأمور في هاتيك الظروف.
ثم تتوالى الأحداث والعلاقات الكثيرةُُ بين المسلمين والمشركين، وكلها تلتقي على مبدأ واحد، وهو معالجتها من قبل المسلمين على أساس خدمة الدعوة، والتمكين لها، وتهيئة الأسباب الموضوعية لتسهيل وصولها إلى الناس كي يعتنقوها، ويحققوا باعتناقها مصلحتهم الحقيقية في الدنيا والآخرة.
ونسير مع الأحداث حتى نبلغ السنة السادسة للهجرة، فإذا بنا أمام غزوة الحديبية، وهنا نود أن نقف قليلاً مع هذه الغزوة لما فيها من دلالة على ما نحن بصدده.
стр. 4330
"رأى النبي ﷺ في منامه أنه دخل هو وأصحابه المسجد الحرام آمنين محلقين رؤوسهم ومقصرين، فأخبرهم أنه يريد العمرة [٢٩] ، وخرج في ذي القعدة بمن معه من المهاجرين والأنصار ومن تبعهم من الأعراب، وساق الهدي، وأحرم بالعمرة ليأمن الناس حربه، وليعلموا أنه إنما خرج زائراً للبيت معظماً له، [٣٠] حتى إذا كانوا بثنية المُرار بركت ناقته القصواء، فقال الناس:"خلأت الناقة"، فقال: رسول الله ﷺ :"ما خلأت؟ وما هو لها بخلق، ولكن حبسها حابس الفيل عن مكة، لا تدعوني قريش اليوم إلى خطة يسألونني فيها صلة الرحم إلا أعطيتهم إياها"، ثم أمر الناس أن ينزلوا" [٣١] .
على أن قريشاً لم تطب نفساً بهذه العمرة، ولم ترض عن دخول المسلمين عليها مكة، ولو كانوا إنما يريدون زيارة البيت وتعظيم حرمته، فأعدت ما استطاعت من قوة، وخرجت بالعوذ المطافيل تريد صد النبي ﷺ عما أراد ....
وأنّى لها صده؟! وقد التف حوله أولئكم الآساد الظماء، الذين يستعذبون الموت في طاعته، وفي نصرة عقيدتهم، وإعلاء راي دعوتهم ... فعمدت مكرهة إلى المفاوضات، علها تأخذ لنفسها منه ما ترضى به ... وطالت هذه المفاوضات، واختلفت الرسل بينه ﷺ وبينها، وبلغ عدد رسلها إليه خمسة: بُديل بن ورقاء الخزاعي، ومِكرَز بن حفص بن الأخيف، والحليس بن علقمة، وعروة بن مسعود الثقفي، وسهيل بن عمر أخو بني عامر بن لؤي [٣٢] ،وكان النبي ﷺ يتلقاهم بصدر رحب، ويبين لهم في قاله وحاله أنه ما جاء يريد حرباً، وأنه إنما جاء معظماً لحرمة البيت ... وكان هؤلاء السفراء يعودون إلى قريش وهم أميل إلى مواتاة المسلمين والسماح لهم بأداء نسكهم الذي جاؤوا من أجله، غير أن قريشاً كانت تأبى في ذلك عناد ومكابرة، وعدم تقدير لواقع الظروف التي تطيف بها.
стр. 4331
وأخيراً اضطرت إلى تفويض رسولها الخامس سهيل بن عمرو بمصالحة المسلمين على شروط اشترطتها، وخلاصتها ما يلي:
١ - وضع الحرب بين المسلمين وقريش عشر سنين، وعند بعضهم أربع سنين.
٢ -من جاء المسلمين بغير إذن وليه رُدّ عليهم، ومن جاء قريشاً ممن مع النبي ﷺ لم يُرَد.
٣- أن يرجع عنهم النبي ﷺ عامهم هذا، فلا يدخل عليهم مكة، وإنه إذا كان عام قابل، خرجوا منها، فدخلها بأصحابه، فأقام بها ثلاثاً ليس معهم إلا سلاح الراكب، السيوف في القرب.
٤- من أراد الدخول في عهد النبي ﷺ من قبائل العرب دخل، ومن أراد الدخول في عهد قريش دخل.
ولا شك أن هذه الشروط تنطوي - في ظاهرها - على إجحاف كبير بحق المسلمين، وتسامح عظيم مع قريش لا يكاد يحتمل، غير أن النبي ﷺ قد قبلها، واحتمل كل ما فيها نظراً لما كان يرى بتعليم الله إياه من عواقبها المفيدة للدعوة، والمبشرة بانتشارها وانتصارها في الجزيرة العربية وفيما وراءها ...
стр. 4332
وقد انضاف إلى ما في ظاهر هذه الشروط من إجحاف مرارة موقف الأصحاب ﵃ إزاءها، وما داخلهم بشأنها من غم أوفوا معه على الهلاك، وقد زاد الموقف حرجاً تعنت مفاوض قريش بشأن ذكر البسملة، ووصف النبي ﷺ بأنه رسول الله في صلب المعاهدة، ثم مجيء أبي جندل بن المفاوض سهيل بن عمرو فاراً بدينه من قريش، وموافقته ﷺ على رده إليها عملاً بشروط المعاهدة ... وهكذا انعقدت كل هذه السحب الكثيفة الكئيبة في جو هذا الصلح - ومع ذلك احتملها الرسول ﷺ في صبر ورفق واطمئنان، لأنه- كما قلنا آنفاً - كان يلمح وراء ما الأكمة من تحقيق مصلحة الدعوة، وما كان ينتظرها من ظفر عظيم من جراء هذه الشروط التي فرحت بها قريش، وساء الأصحاب قبولها، ولم يستطيعوا أن يدركوا ما أدركه الصادق المصدوق ﷺ من فوائدها، ولا غرو فهو عبد الله ورسوله لا يخالف أمر ربه ولا يضيعه ربه.
وقد حققت الأيام صحة تقدير النبي ﷺ الأمور، وصواب ما كان يلمحه من مصلحة الدعوة، وما كان لها ألا تفعل، حتى استحق صلح الحديبية هذا أن يسمى فتحاً، يقول الزهري ﵀: "فما فتح في الإسلام فتح قبله كان أعظم منه، إنما كان القتال حيث التقى الناس، فلما كانت الهدنة، ووضعت الحرب، وأمن الناس بعضهم بعضاً، والتقوا فتفاوضوا في الحديث والمنازعة، فلم يُكلّم أحدٌ بالإسلام يعقل شيئاً إلا دخل فيه، ولقد دخل في تينك السنتين مثل من كان في الإسلام قبل ذلك أو أكثر" [٣٣] .
والدليل على صحة قول الزهري - كما يقول ابن هشام - أن رسول الله ﷺ ، خرج إلى الحديبية في ألف وأربعمائة، في قول جابر بن عبد الله - ثم خرج عام فتح مكة بعد ذلك بسنتين في عشرة آلاف [٣٤] .
стр. 4333
وأصدق من ذلك كله قول الله تعالى: ﴿لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُؤُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لا تَخَافُونَ فَعَلِمَ مَا لَمْ تَعْلَمُوا فَجَعَلَ مِنْ دُونِ ذَلِكَ فَتْحاً قَرِيباً﴾ [٣٥] ، وهذا الفتح هو صلح الحديبية [٣٦] .
ونحن نحس- بلا شك- أن جميع المتاعب التي عاناها الرسول ﷺ ، في جميع مراحل هذا الصلح، إنما كانت من أجل تكييف علاقته بقريش على نحو يحقق مصلحة الدعوة، ويمهد أمامها سبل الوصول إلى ما يريد لها من انتشار، وانتصار، وإلى ما يريد للناس من اهتداء وانتفاع ... وبذلك لم تخرج علاقة المسلمين بقريش- كما تبدت من خلال ملابسات الحديبية الدقيقة - عن الخط العام، وهو كون علاقة المسلمين بغيرهم هي علاقة دعوة، يهدف - هذه العلاقة - إلى نشر الدعوة، وتعمل على تحقيق أهدافها التي من أجلها بعث النبي ﷺ بشيراً ونذيراً.
وثمة ظاهرة أخرى في سيرة النبي ﵊ تدل على صحة ما نذهب إليه في تفسير علاقة الأمة المسلمة بغيرها من الأمم، وهذه الظاهرة هي إرساله ﷺ الكتب إلى الملوك والأمراء يدعوهم إلى الإسلام بعد رجوعه من الحديبية – لأنه - إذ ذاك - قد أمن السبل على أصحابه أكثر من ذي قبل، وتخفف مؤقتاً وإلى حد ما من التفكير في شأن قريش، فبعث - فيما روى ابن سعد في الطبقات الكبرى [٣٧] ستة نفر في يوم واحد، يحملون كتبه ﷺ إلى الملوك والأمراء، وذلك في المحرم سنة سبع، ومن هؤلاء دَحية بن خليفة الكلبي، الذي توجه بكتاب الرسول ﷺ إلى قيصر ملك الروم، وجاء في هذا الكتاب كما أخرجه البخاري ﵀ بسنده:
стр. 4334
"من محمد عبد الله ورسوله إلى هرقل عظيم الروم، سلام على من اتبع الهدى، أما بعد فإني أدعوك بدعاية الإسلام، أسلم تسلم، وأسلم يؤتك الله أجرك مرتين، فإن توليت فعليك إثم الأريسيين، ويا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم أن لا نعبد إلا الله، ولا نشرك به شيئاَ، ولا يتخذ بعضنا بعضاً أرباباً من دون الله، فإن تولوا فقولوا اشهدوا بأنّا مسلمون".
وظاهر أن محور هذا الكتاب هو الدعوة إلى الإسلام، مدعمة بما يترتب على الاستجابة إليها من سلامة وأجر، وإنّ الكتب الأخرى التي حملها سائر من بَعَثَ رسول الله ﷺ إلى الملوك لا تخرج - في الجملة - عن معنى هذا الكتاب، فهي تنضح بروح الدعوة التي هي - كما نعلم - جوهر العلاقة بين أمتنا المسلمة والأمم الأخرى.
وهناك شيء آخر يشارك إرسال الرسول بالكتب إلى الملوك في الدلالة على ما نحن بصدده، ألا وهو استقبال الوفود التي وفدت على رسول الله صلى الله عله وسلم، ولا سيما في السنة التاسعة والعاشرة، حتى دعيت السنة التاسعة - فيما ذهب إليه ابن هشام [٣٨]- سنة الوفود.
والسبب الأول في إقبال هذه الوفود على المدينة هو فتح مكة سنة ثمانٍ، إذ بفتحها سقطت زعامة الشرك، وهوت رايته من أقوى يد كانت تحملها، وسبب آخر له أثره في تحريك هذه الوفود إلى طيبة عاصمة الدعوة المنتصرة، ألا وهو غزاة تبوك سنة تسعٍ، وما واكبها من انسحاب الروم إلى معاقلهم داخل بلاد الشام، فأيقن العرب بعد هاتين الحادثتين أن الأمر جد أي جد، وانه لا مناص من الاستجابة للحق، فالمكابرة مهما طالت غير مجدية ...
وعامل آخر كان له أثره في تعميق شعور القبائل بوجوب هذه الاستجابة، وهو إسلام ثقيف، لأنها كانت آخر قبيلة عزيزة الجانب لم تدن بالإسلام، على أن استجابتها هي نفسها كانت من نتائج إسلام العرب من حولها، وإحساسها بأنها لا طاقة لها بحربهم جميعاً.
стр. 4335
وأيا ما كان الأمر،فقد تحركت وفود القبائل قاصدة المدينة، وقد بلغت من الكثرة مبلغاً كبيراً، حتى أن عددها قد جاوز عند ابن سعد سبعين وفداً، وما إخاله قد أحصاها جميعاً.
وقد بدا الرسول صلى اله عليه وسلم من خلال محادثاته مع هذه الوفود ذلكم الداعية الحكيم الذي يحرص كل الحرص على هداية الناس، وتبليغ رسالته التي أرسله الله بها، وتحقيق مصلحة دعوته التي تشكل جوهر العلاقات بين أمته وسواها من الأمم والشعوب.
وإن موقفه هذا لا يعروه تغير سواء مع وفود القبائل العربية، أو مع وفود الدول الكبرى كدولة الروم، فها إنه يبدأ رسول هرقل إليه الذي وافاه بتبوك أول ما يبدؤه بقوله:"هل لك إلى الإسلام الحنيفية ملة أبيكم إبراهيم؟ " [٣٩] .
والخلاصة أن الأمة المسلمة هي في هويتها الأصيلة أمة (عقيدة ودعوة) وإن دعوتها إلى هذه العقيدة التي كرمها الله بها هي ملاك صلتها بالأمم والشعوب الأخرى، وأن هذه الصلة القائمة على العقيدة لتتخذ شكل منهجٍ متكامل العناصر ليواجه مختلف الاحتمالات بما يناسبها، وإن الحرب عنصر أساسي من عناصر هذا المنهج، وإن استخدامها ليدور مع مصلحة الدعوة وجوداً وعدماً، فلا يعقل وصفها بأنها دفاعية أو هجومية، وإنما الوصف الملائم لها أنها عنصر من عناصر المنهج الذي تواجه به الدعوة مختلف الاحتمالات والظروف، وما هدف هذه الحرب إلا إزالة العقبات والحوائل من طريق الدعوة التي تتمثل فيها المصلحة الحقيقية للبشرية قاطبة - كما قلنا غير مرة - وسأعود إلى هذه النقطة فيما يأتي من الكلام.
عهد الخلفاء الراشدين:
وقد استمرت صلة الأمة المسلمة بالأمم الأخرى على هذا النحو الذي ذكرنا طول عهد الخلفاء الراشدين، وحسبنا أن نسوق للدلالة على ذلك مثالاً واحداً حدث في الجبهة الشرقية سنة أبرع عشرة للهجرة، قبيل نشوب معركة القادسية، وما أكثر الأمثلة التي تلتقي معه في الروح والدلالة.
стр. 4336
يروي الطبري [٤٠]﵀ ما خلاصته: بعث سعد بن أبي وقاص عن أمر عمر ﵄ وفداً من خيار رجاله إلى ملك الفرس يزدجرد يدعونه إلى الإسلام، وكان فيهم النعمان بن مقرن، وبسر بن أبي رهم، والمغيرة بن شعبة، والمغيرة بن زرارة، والمعنى بن حارثة، فلما بلغوا المدائن وأدخلوا على الملك سألهم بواسطة ترجمانه، ما جاء بكم؟ وما دعاكم إلى غزونا والولوع ببلادنا؟ أمن أجل أنا تشاغلنا عنكم اجترأتن علينا؟ فأجابه النعمان ابن مقرن: "إن الله رحمنا فأرسل إلينا رسولاً يدلنا على الخير، ويأمرنا به ويعرفنا الشر وينهانا عنه، ووعدنا على إجابته خير الدنيا والآخرة، فلم يَدْعُ إلى ذلك قبيلة إلا صاروا فرقتين، فرقة تقربه، وفرقة تباعده، ولا يدخل معه في دينه إلا الخواص [٤١] ، فمكث بذلك ما شاء الله أن يمكث، ثم أُمِرَ أن ينبذ إلى من خالفه من العرب، وبدأ بهم وفعل، فدخلوا معه جميعاً على وجهين: مكره عليه فاغتبط، وطائع أتاه فازداد، فعرفنا جميعاً فضل ما جاء به على الذي كنا عليه من العداوة والضيق، ثم أمرنا أن نبدأ بمن يلينا من الأمم فندعوهم إلى الإنصاف، فنحن ندعوكم إلى ديننا، وهو دين حسّن الحسن، وقبّح القبيح كله، فإن أبيتن فأمر من الشرين هو أهون من أخر شر منه الجزاء، فإن أبيتم فالمناجزة، فإن أجبتم إلى ديننا خلفنا فيكم كتاب الله، وأقمناكم عليه، على أن تحكموا بأحكامه، ونرجع عنكم، وشأنكم وبلادكم، وإن اتقيتمونا بالجزاء، قبلنا منكم، وإلا قاتلناكم". والخبر جد عظيم، ولكن الرغبة في الاختصار تحول دون نقله بتمامه.
الحرب وبدعة الدفاع:
لقد عرفنا مما سلف أن الحرب في الإسلام- هي - عنصر من عناصر المنهج الذي تواجه به الدعوة الإسلامية مختلف الاحتمالات والظروف في صلاتها بالأمم الأخرى، وجدير بنا أن نلاحظ أن التحرك لبدء الآخرين بالدعوة إلى الإسلام هو خصيصة ذاتية من خصائص هذا الدين.
стр. 4337
يدل على ذلك قول النعمان بن مقرن الآنف ذكره، وهو " ثم أمرنا النبي ﷺ أن نبدأ بمن يلينا من الأمم، فندعوهم إلى الإنصاف "فهل يسوغ مع ذلك أن نقول: إن الحرب في الإسلام - هي - حرب دفاعية؟ كلا، إنها حرب لإزالة العقبات من طريق الدعوة، وللإسلام في تهيئة المناخ المناسب لدخول الناس في دين الله تحقيقاً لسعادتهم الحقيقية في العاجلة والآجلة.
ثم هل من المعقول أن تواجه دعوة عالمية كالإسلام الأمم والشعوب بمنطق الدفاع، وعلى رأس هذه الأمم وتلك الشعوب حكام جبابرة كالأكاسرة والقياصرة، يحولون دون امتداد الدعوة بمختلف أنواع القوة؟ أليس من طبائع الأشياء أن يبدأ المسلمون هؤلاء الجبابرة بالدعوة في إطار من القوة، كما فعل الصحابة ﵃؟ فإن استجابوا كف المسلمون عنهم، وتركوهم وشأنهم، وإن أبو لم يكن أمام المسلمين إلا أن يزيلوا سلطانهم ليخلوا بين الأمم وبين دعوة الإسلام، تتفهمها في جو من الأمن والاطمئنان، عسى أن ينتهي هذا التفهم إلى اعتناقها، والوصول إلى مصالحهم الحقة في معاشهم ومعادهم.. وهذا ما حصل فعلاً على مدى التاريخ الملتزم بالإسلام.
ثم هل كان النعمان بن مقرن وغيره من الصحابة يجهلون تعاليم الإسلام حين قالوا لكسرى وأمثاله: "وأمَرنا نبينا ﷺ بأن نبدأ بمن يلينا من الأمم فندعوهم إلى الإنصاف، فنحن ندعوكم إلى ديننا" إلى آخر ما سلفت روايته من كلامه؟
ويقول أحد الكتاب المعاصرين:
ترى لو كان أبو بكر وعمر وعثمان ﵃ قد أمنوا عدوان الروم والفرس على الجزيرة، أكانوا يقعدون إذن عن دفع المد الإسلامي إلى أطراف الأرض؟ وكيف كانوا يدفعون هذا المد؟ وأمام الدعوة تلك العقبات المادية، وأنظمة المجتمع العنصرية والطبقية، التي تحميها تلك القوة المادية الجبارة؟!
стр. 4338
أليس من السذاجة بمكانٍ أن يتصور الإنسان دعوة عازمة على هدية العالم كله، ثم تقف أمام هذه العقبات تجاهد باللسان والبيان فحسب؟!
وشيء آخر، لماذا لم تظهر فكرة الحرب الدفاعية قبل وقوعنا تحت ضغط الاستعمار الغربي، وتخاذلنا أمام مخططاته الرهيبة، ومخططات المبشرين والمستشرقين؟
لماذا لم يقل بهذه الفكرة أحد من علماء هذه الأمة، سلفها أو حتى خلفها؟ أجهلوا جميعاً هذا التفسير العبقري للحرب في الإسلام، حتى جاء ضحايا المخططات فاكتشفوه وقدموه غذاءً عصرياً - ولكنه غير صحي- للفكر الإسلامي.
لماذا خلت الآيات القرآنية، والأحاديث النبوية الحاسمة في وجوب القتال من هذه البدعة "بدعة الحرب الدفاعية"؟
ألم يقل الله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئاً وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ [٤٢] كما قال: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ﴾ سواء بسواء؟
ألم يقل رسوله ﷺ : "من مات ولم يغز، ولم يحدث به نفسه، مات على شعبة من النفاق" رواه مسلم وأبو داود والنسائي.
ألم يصح عنه ﷺ أنه كان إذا أمّر أميراً على جيش أو سرية قال له: " ... وإذا لقيت عدوك من المشركين فادعهم إلى ثلاث خصال (أو خلال) فأيتهن أجابوك فاقبل منهم وكف عنهم، ثم ادعهم إلى الإسلام، فإن أجابوك فاقبل منهم وكف عنهم ... فإن هم أبوا فسلهم الجزية، فإن هم أجابوك فاقبل منهم وكف عنهم، فإن هم أبوا فاستعن بالله وقاتلهم" [٤٣] .
وأعود فأقول: أعن جهل أم عن تقصير خلت الآيات القرآنية والأحاديث النبوية من بيان (بدعة الحرب الدفاعية) ؟ حاشا لله، ولكن ضحايا المخططات يتأولون الأمور على غير وجهها ...
стр. 4339
إن هذه البدعة، تشبه أن تكون مقدمة للقول بما ذهبت إليه القاديانية من إلغاء الجهاد بالسيف والاكتفاء بالجهاد عن طريق البيان، ولا شك أن مذهب هؤلاء خطة استعمارية هدفها إبطال مفعول الجهاد الذي طالما حال دون الاستعماريين وما يشتهون من إخلاد تسلطهم على البلاد الإسلامية.
اللهم إننا لا نستطيع أن نقبل هذه البدعة إلا أن نتخلى عن نقائضها وهي خمسة أشياء:
أولاً: الآيات القرآنية والأحاديث النبوية الني توجب علينا الجهاد كعنصر من عناصر منهج المواجهة، وقد عرفنا ذلك آنفاً.
ثانياً: فهم الصحابة رضوان الله عليهم، وفهم من تبعهم بإحسان لمعنى الجهاد في الإسلام، وتطبيقهم إياه باذلين فيه النفس والنفيس، والطريف والتليد.
ثالثاً: وقائع السيرة النبوية والتاريخ الراشدي.
رابعاً: كون الإسلام دعوة حركية مبادِهَة.
خامساًً: الاحتفاظ بعقولنا حرة دون وقوعها فريسة لمخططات الأعداء.
أجل، إننا لا نستطيع قبول بدعة الحرب الدفاعية إلا بالتخلي عن هذه الأمور جميعاً، وهذا ما لا سبيل إليه!
وإذن فلا سبيل إلى قبول هذه البدعة، التي لا تعدوا - في الحقيقة - أن تكون ضرباً من الإلقاء بالنفس إلى التهلكة، على أن موضوع القتال في الإسلام حري بأن يفرد ببحث بل بأبحاث ضافية.
مناقشة شبهة:
وبمناسبة الكلام في علاقة الأمة المسلمة بالأمم الأخرى أود أن أعرض ببعض المناقشة لشبهة أثارها الأستاذ مجيد خدوري [٤٤] في كتابه" War And Peace in Islam "
أي (الحرب والسلم في الشريعة الإسلامية) إذ قال: " إن القانون الدولي الحديث يعترف بداهة بوجود الأسرة الدولية المؤلفة من دول تتمتع بحقوق السيادة كاملة، وبالمساواة فيما بينها، أما القانون الدولي الإسلامي فلا يعترف بأمة سوى أمته ... " [٤٥] .
стр. 4340
وأقول هذا كلام ليس بمنصف ولا دقيق، إن المسلمين قد اعترفوا منذ البداية بوجود الأمم والدول غير الإسلامية، وكان اعترافهم بها - على الأقل - من النوع الذي يسمى في اصطلاح الحقوق الدولية المعاصرة اعترافاً بالأمر الواقع (De Pacto) وهو الذي يجيء نتيجة تعامل فعلي كعقد الاتفاقيات وتبادل الوفود، وما إلى ذلك، وكلنا يعلم أن المسلمين منذ العهد النبوي عقدوا الاتفاقيات، والموادعات، وتبادلوا الوفود مع الدول والجماعات غير المسلمة.
ولكن هذا الاعتراف الواقعي لا يعني إقرار ما انطوت عليه حياتها من زيغ وانحراف وشوائب، لأن هذا الإقرار ينافي طبيعة الإسلام الذي أخذ على عاتقه تصحيح أوضاع الأمم كلها، وإخراجها جميعاً من الظلام إلى النور، ومن الضلال إلى الهدى الذي لا يضارعه هدى.
وعلى ذلك فقد كان أجدر بالأستاذ خدوري أن يقول لو أراد رعاية جانب الإنصاف والروح العلمي: "إن القانون الدولي الإسلامي يعترف بوجود الأمم والدول غير الإسلامية ولكنه لا يرضى عن إهمالها وتركها على ما هي عليه من الزيغ والانحراف، لأن ذلك يتنافى والخصائص الذاتية للإسلام".
تبدل وابتعاد:
ومما يؤسف له حقاً أن (هُوّيّة) هذه الأمة لم تبق دائماً على ما كان لها من صفاء وقوة وسمو في العهدين النبوي والراشدي، بل داخلها ولو على بعض المستويات شيء من التبدل الذي ظهرت آثاره في علاقاتها بالأمم الأخرى، على أنها كانت تعود إلى هذه الهوية من حين إلى حين، وحينئذ كانت تعود علاقاتها بالأمم الأخرى إلى أصالتها الأولى، وآثارها الحميدة العظيمة، فإذا عادت وابتعدت عن هويتها هذه عادت فظهرت آثار هذا الابتعاد في تلك العلاقات.
стр. 4341
ومن فترات العودة إلى الهوية الحقيقية الفترة التي حكم خلالها خامس الخلفاء الراشدين عمر بن عبد العزيز ﵀، إذ عادت علاقة الأمة المسلمة بالأمم الأخرى إلى كونها علاقة قائمة على أساس الدعوة ومقتضياتها (لا على أساس الجباية والسطوة) ، مما سبب دخول الملوك في الإسلام على يديه، ولكن الذين جاؤوا بعده عادوا إلى الانفصال النسبي عن هذه الهوية، فظهرت آثار هذا الانفصال السيئة على مسرح العلاقات الخارجية الإسلامية.
يقول البلاذري في كتابه فتوح البلدان [٤٦] :
"ثم مات سليمان بن عبد الملك، وكانت خلافة عمر بن عبد العزيز بعده، فكتب إلى الملوك (ملوك السند) يدعوهم إلى الإسلام والطاعة، على أن يملكهم، ولهم ما للمسلمين وعليهم ما عليهم، وقد كانت بلغتهم سيرته ومذهبه فأسلم حليشة [٤٧] والملوك، وتسموا بأسماء العرب".
ولكن ولاية السند صارت في أيام هشام بن عبد الملك إلى الجنيد بن عبد الرحمن المري، (فأتي الجنيد الديبل [٤٨] ، ثم نزل شط مِهران [٤٩] ، فمنعه حليشة العبور، وأرسل إليه:"إني قد أسلمت وولاني الرجل الصالح بلادي ولست آمنك". فأعطاه رهناً وأخذ منه رهناً بما على بلاده من الخارج، ثم إنهما ترادّا الرهن، وكفر حليشة وحارب، وقيل إنه لم يحارب، ولكن الجنيد تجنى عليه، فأتى الهند فجمع جموعاً، وأخذ السفن، واستعد للحرب، فسار إليه الجنيد في السفن، فالتقوا في بطيحة الشرقي، فأُخذ حليشة أسيراً، وقد جنحت سفينته فقتله.
وهرب صصة بن داهر [٥٠] ، وهو يريد أن يمضي إلى العراق فيشكو غدر الجنيد، فلم يزل الجنيد يؤنسه حتى وضع يده في يده فقتله) [٥١] وقد أورد ابن الأثير هذا الخبر في (الكامل) [٥٢] بنحو رواية البلاذري.
стр. 4342
وعندي أن المسؤولين في هذه الأمة عبر التاريخ لو استقاموا على سنن النبوة، والخلافة الراشدة في تكييف علاقاتهم بالأمم الأخرى لدانت لهم البلاد والعباد، ولمكن الله لهم في الأرض، ولأحلوا أمتهم المسلمة المكان الذي خلقت لتحله، لكنهم انحرفوا عن هذا السنن، فالتوت عليهم الأمور، وجعلوا ينحدرون شيئاً فشيئاً إلى مستوى المسؤولين العاديين في أنفسهم وفي علاقاتهم بالأمم الأخرى.
غير أنه قد كان لهذه الأمة - كما قلنا - عودات إلى (هويتها الحقيقية) وليس الآن مكان استيعابها، وقد كان من آخرها عودتها في القرن الثاني عشر في عهد الإمامين محمد بن سعود ومحمد بن عبد الوهاب رحمهما الله تعالى، وجزاهما عن الإسلام وأهله خيراً، وهذه العودة حقيقة بدراسة متخصصة مستوعبة.
صفوة القول:
أن الأمة المسلمة العظيمة لها (هُوّيّة) متميزة، وذلك أنها أمة (عقيدة ودعوة) عالميتين، ومن هذه الهوية انبثقت علاقتها بالأمم الأخرى، فكانت علاقة قائمة على (الدعوة والعقيدة) ، هادفة إلى إخراج الناس من الظلمات إلى النور، ومن ضيق الدنيا إلى سعتها، ومن عبادة العباد إلى عبادة الله تعالى، أي أنها كانت دعوة هادفة إلى إبلاغ الناس قاطبة مصلحتهم الحقيقية في العاجلة والآجلة، وقد أعدت لذلك منهجاً متكاملاً لمواجهة مختلف الظروف والاحتمالات وهي في زحفها الحاني الحكيم لتبليغ الناس ما كلفها الله تعالى تبليغه من الحق والهدى، وشعارها في كل ذلك (لهم ما لنا وعليهم ما علينا) و ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ .
стр. 4343
وكانت الحرب، وما زالت عنصراً من عناصر منهج المواجهة المتكامل، وكانت وما زالت فرضاً مفروضاً، غير أن استخدامها إنما يتوجب بحسب مصلحة وجوداً وعدماً، ولا يجوز بوجه ما أن توصف بأنها دفاعية أو هجومية، وأحق ما توصف به أنها حرب لإماطة العقبات، أيّاً كانت، عن طريق الدعوة، أو عن طريق المصلحة الحقيقية للإنسانية كافة ...
ثم كان لهذه الأمة إنفصالات عن هويتها الحقيقية، أورثت خللاً في علاقتها بالأمم الأخرى، ثم كانت لها عودات إلى هذه الهوية، أورثت استقامة في علاقاتها تلك.
ويبدو أنه من واجبنا في هذا العصر أن نحشد الجهود لتربية الأجيال المسلمة في ضوء الهوية الأصلية لهذه الأمة، لعل الله تعالى يصلح بهم أمر أمتهم - بل أمر العالم أجمع، وما أجدر المؤسسات العلمية في العالم الإسلامي، جامعاتٍ وغير جامعاتٍ، والمؤسسات الإعلامية أن تدير مناهجها وبرامجها على أساس هذه (الهوية) .
إن مصلحة العالم قاطبة لن تتم إلا يوم تكون الهيمنة فيه للهوية الإسلامية الأصيلة هوية العقيدة والدعوة، التي تجعل علاقة الأمم بعضها ببعض ملاكها التلاقي على الدعوة الربانية، والعقيدة الصحيحة، والفكرة الموضوعية المستعلية - كما قلنا في بداية هذه المحاضرة - على جميع الاعتبارات التي لا تنطوي على قيم حقيقة كالاعتزاز، باللون، أو اللغة، أو الجنس، أو الأرض، وتنأى بجانبها عن أي ضربٍ من ضروب الاستغلال، أو الاستعمار، أو غمط الآخرين أي حق من حقوقهم التي جعل الله لهم قواماً، وكلنا يعلم أن هذه الأمور التي يشجبها الإسلام جملة وتفصيلاً هي أكبر أسباب التوتر والقلاقل والحروب في العالم قديمة وحديثة.
وخير ما أختم به محاضرتي هذه - هو - قوله تعالى:
стр. 4344
﴿وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ وَسَتُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [٥٣] ، وقوله: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [٥٤] ، وقوله: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [٥٥] .
--------------------------------------------------------------------------------
[١] الهوية: حقيقة الشيء الذي تميزه عن غيره.
[٢] السورة - ١٠٣
[٣] سورة لقمان - ٢٢
[٤] سورة يونس - ٦٢ و ٦٣
[٥] سورة التوبة - ٧١
[٦] سورة يوسف -١٠٨
[٧] سورة فصلت - ٣٣
[٨] سورة التوبة - ٢٤
[٩] سورة الحجرات - ١٣
[١٠] سورة فصلت: ١ - ١٤.
[١١] الربعة: الحال التي جاء الإسلام وهم عليها.
[١٢] العاني: الأسير.
[١٣] المعاقل: الديات، الواحدة: معقلة.
[١٤] مفرحاً: المثقل بالدّين، والكثير العيال.
[١٥] الدسيعة: العظيمة، وأراد بها هنا: ما ينال عنهم من ظلم.
[١٦] يُبيء: هو من البواء أي المساواة.
[١٧] إعتبطه: قتله بلا جناية منه توجب قتله.
[١٨] يوتغ: يهلك.
[١٩] وإن البر دون الآثم: وإن البر والوفاء ينبغي أن يكون حاجزاً عن الإثم.
[٢٠] بطانة الرجل: خاصته وأهل بيته.
[٢١] وإن الله على أبر هذا: وإن الله على الرضا به.
[٢٢] وإن الله على أتقى ما في هذه الصحيفة وأبره: وإن الله وحزبه المؤمنين على الرضى به.
стр. 4345
[٢٣] ابن هشام، السيرة، جـ١ ص٥٠١ - ٥٠٤، الطبعة الثانية ١٣٧٥هـ ١٩٥٥م. وقد أورد الباحث العالم محمد حميد الله هذه المعاهدة في كتابه (أول دستور مكتوب في العالم) the first written constitution in the world واستقصى رواياتها ومصادرها استقصاء حسناً.
[٢٤] الطبري، جـ٢ ص٤٠٢، تحقيق الجيزاوي، ١٩٦٢م.
[٢٥] محمد الخضري، نور اليقين، ص: ١٠١، الطبعة الخامسة عشرة.
[٢٦] عبد السلام هارون، تهذيب سيرة ابن هشام، جـ٢ ص١٣٩.
[٢٧] وَدان قرية بين مكة والمدينة، بينها وبين الأبواء ستة أميال، ولذا تدعى هذه الغزوة غزوة الأبواء.
[٢٨] محمد الخضري، المرجع السابق، ص١٠٢.
[٢٩] محمد الخضري، المرجع السابق، ص١٨٦.
[٣٠] عبد السلام هارون، المرجع السابق، ص٢٧.
[٣١] ابن كثير، تفسير القرآن العظيم، جـ٤ص١٩٥، ط دار إحياء الكتب العربية، القاهرة.
[٣٢] عبد السلام هارون، المرجع السابق، جـ٢ ص٢٨- ٣٢-
[٣٣] (٢) ابن هشام، السيرة، جـ٢، ص٣٢٢.
[٣٤] ابن هشام،السيرة، جـ٢، ص٣٢٢
[٣٥] سورة الفتح-٢٧.
[٣٦] ابن كثير، تفسير القرآن العظيم، جـ٤ ص٢٠٣.
[٣٧] جـ١ ص ٢٥٨.
[٣٨] السيرة، جـ٢ ص ٥٦٠.
[٣٩] ابن كثير، السيرة النبوية، جـ٤، ص٢٧، تحقيق مصطفى عبد الواحد، ط١٣٨٥ - ١٩٦٦ القاهرة.
[٤٠] تاريخ الأمم والملوك، جـ٣ ص١٧، القاهرة، ١٣٥٧هـ - ١٩٣٩م.
[٤١] يريد بالخواص الخواص من حيث جودة الاستعداد لتقبل الحق، فقراء كانوا أو أغنياء، ضعفاء أو أقوياء وليس الخواص من حيث المكانة الدنيوية متمثلة في الجاه، والمال، والقبيل.
[٤٢] البقرة - ٢١٦.
[٤٣] صحيح مسلم، جـ١٢ ص٣٧.
[٤٤] مستشرق عراقي الأصل.
p.p.٤.٤
[٤٥]
[٤٦] ص٥٤٠.
[٤٧] يسميه ابن الأثير جيشبة بن ذاهر (الكامل، جـ٤، ص١٩٧، طبعة محمد منير الدمشقي) .
следующие страницы →