Полный текст (23 804 стр.). Показаны 4341–4380 · переход к 4346.
стр. 4341
ومن فترات العودة إلى الهوية الحقيقية الفترة التي حكم خلالها خامس الخلفاء الراشدين عمر بن عبد العزيز ﵀، إذ عادت علاقة الأمة المسلمة بالأمم الأخرى إلى كونها علاقة قائمة على أساس الدعوة ومقتضياتها (لا على أساس الجباية والسطوة) ، مما سبب دخول الملوك في الإسلام على يديه، ولكن الذين جاؤوا بعده عادوا إلى الانفصال النسبي عن هذه الهوية، فظهرت آثار هذا الانفصال السيئة على مسرح العلاقات الخارجية الإسلامية.
يقول البلاذري في كتابه فتوح البلدان [٤٦] :
"ثم مات سليمان بن عبد الملك، وكانت خلافة عمر بن عبد العزيز بعده، فكتب إلى الملوك (ملوك السند) يدعوهم إلى الإسلام والطاعة، على أن يملكهم، ولهم ما للمسلمين وعليهم ما عليهم، وقد كانت بلغتهم سيرته ومذهبه فأسلم حليشة [٤٧] والملوك، وتسموا بأسماء العرب".
ولكن ولاية السند صارت في أيام هشام بن عبد الملك إلى الجنيد بن عبد الرحمن المري، (فأتي الجنيد الديبل [٤٨] ، ثم نزل شط مِهران [٤٩] ، فمنعه حليشة العبور، وأرسل إليه:"إني قد أسلمت وولاني الرجل الصالح بلادي ولست آمنك". فأعطاه رهناً وأخذ منه رهناً بما على بلاده من الخارج، ثم إنهما ترادّا الرهن، وكفر حليشة وحارب، وقيل إنه لم يحارب، ولكن الجنيد تجنى عليه، فأتى الهند فجمع جموعاً، وأخذ السفن، واستعد للحرب، فسار إليه الجنيد في السفن، فالتقوا في بطيحة الشرقي، فأُخذ حليشة أسيراً، وقد جنحت سفينته فقتله.
وهرب صصة بن داهر [٥٠] ، وهو يريد أن يمضي إلى العراق فيشكو غدر الجنيد، فلم يزل الجنيد يؤنسه حتى وضع يده في يده فقتله) [٥١] وقد أورد ابن الأثير هذا الخبر في (الكامل) [٥٢] بنحو رواية البلاذري.
стр. 4342
وعندي أن المسؤولين في هذه الأمة عبر التاريخ لو استقاموا على سنن النبوة، والخلافة الراشدة في تكييف علاقاتهم بالأمم الأخرى لدانت لهم البلاد والعباد، ولمكن الله لهم في الأرض، ولأحلوا أمتهم المسلمة المكان الذي خلقت لتحله، لكنهم انحرفوا عن هذا السنن، فالتوت عليهم الأمور، وجعلوا ينحدرون شيئاً فشيئاً إلى مستوى المسؤولين العاديين في أنفسهم وفي علاقاتهم بالأمم الأخرى.
غير أنه قد كان لهذه الأمة - كما قلنا - عودات إلى (هويتها الحقيقية) وليس الآن مكان استيعابها، وقد كان من آخرها عودتها في القرن الثاني عشر في عهد الإمامين محمد بن سعود ومحمد بن عبد الوهاب رحمهما الله تعالى، وجزاهما عن الإسلام وأهله خيراً، وهذه العودة حقيقة بدراسة متخصصة مستوعبة.
صفوة القول:
أن الأمة المسلمة العظيمة لها (هُوّيّة) متميزة، وذلك أنها أمة (عقيدة ودعوة) عالميتين، ومن هذه الهوية انبثقت علاقتها بالأمم الأخرى، فكانت علاقة قائمة على (الدعوة والعقيدة) ، هادفة إلى إخراج الناس من الظلمات إلى النور، ومن ضيق الدنيا إلى سعتها، ومن عبادة العباد إلى عبادة الله تعالى، أي أنها كانت دعوة هادفة إلى إبلاغ الناس قاطبة مصلحتهم الحقيقية في العاجلة والآجلة، وقد أعدت لذلك منهجاً متكاملاً لمواجهة مختلف الظروف والاحتمالات وهي في زحفها الحاني الحكيم لتبليغ الناس ما كلفها الله تعالى تبليغه من الحق والهدى، وشعارها في كل ذلك (لهم ما لنا وعليهم ما علينا) و ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ .
стр. 4343
وكانت الحرب، وما زالت عنصراً من عناصر منهج المواجهة المتكامل، وكانت وما زالت فرضاً مفروضاً، غير أن استخدامها إنما يتوجب بحسب مصلحة وجوداً وعدماً، ولا يجوز بوجه ما أن توصف بأنها دفاعية أو هجومية، وأحق ما توصف به أنها حرب لإماطة العقبات، أيّاً كانت، عن طريق الدعوة، أو عن طريق المصلحة الحقيقية للإنسانية كافة ...
ثم كان لهذه الأمة إنفصالات عن هويتها الحقيقية، أورثت خللاً في علاقتها بالأمم الأخرى، ثم كانت لها عودات إلى هذه الهوية، أورثت استقامة في علاقاتها تلك.
ويبدو أنه من واجبنا في هذا العصر أن نحشد الجهود لتربية الأجيال المسلمة في ضوء الهوية الأصلية لهذه الأمة، لعل الله تعالى يصلح بهم أمر أمتهم - بل أمر العالم أجمع، وما أجدر المؤسسات العلمية في العالم الإسلامي، جامعاتٍ وغير جامعاتٍ، والمؤسسات الإعلامية أن تدير مناهجها وبرامجها على أساس هذه (الهوية) .
إن مصلحة العالم قاطبة لن تتم إلا يوم تكون الهيمنة فيه للهوية الإسلامية الأصيلة هوية العقيدة والدعوة، التي تجعل علاقة الأمم بعضها ببعض ملاكها التلاقي على الدعوة الربانية، والعقيدة الصحيحة، والفكرة الموضوعية المستعلية - كما قلنا في بداية هذه المحاضرة - على جميع الاعتبارات التي لا تنطوي على قيم حقيقة كالاعتزاز، باللون، أو اللغة، أو الجنس، أو الأرض، وتنأى بجانبها عن أي ضربٍ من ضروب الاستغلال، أو الاستعمار، أو غمط الآخرين أي حق من حقوقهم التي جعل الله لهم قواماً، وكلنا يعلم أن هذه الأمور التي يشجبها الإسلام جملة وتفصيلاً هي أكبر أسباب التوتر والقلاقل والحروب في العالم قديمة وحديثة.
وخير ما أختم به محاضرتي هذه - هو - قوله تعالى:
стр. 4344
﴿وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ وَسَتُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [٥٣] ، وقوله: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [٥٤] ، وقوله: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [٥٥] .
--------------------------------------------------------------------------------
[١] الهوية: حقيقة الشيء الذي تميزه عن غيره.
[٢] السورة - ١٠٣
[٣] سورة لقمان - ٢٢
[٤] سورة يونس - ٦٢ و ٦٣
[٥] سورة التوبة - ٧١
[٦] سورة يوسف -١٠٨
[٧] سورة فصلت - ٣٣
[٨] سورة التوبة - ٢٤
[٩] سورة الحجرات - ١٣
[١٠] سورة فصلت: ١ - ١٤.
[١١] الربعة: الحال التي جاء الإسلام وهم عليها.
[١٢] العاني: الأسير.
[١٣] المعاقل: الديات، الواحدة: معقلة.
[١٤] مفرحاً: المثقل بالدّين، والكثير العيال.
[١٥] الدسيعة: العظيمة، وأراد بها هنا: ما ينال عنهم من ظلم.
[١٦] يُبيء: هو من البواء أي المساواة.
[١٧] إعتبطه: قتله بلا جناية منه توجب قتله.
[١٨] يوتغ: يهلك.
[١٩] وإن البر دون الآثم: وإن البر والوفاء ينبغي أن يكون حاجزاً عن الإثم.
[٢٠] بطانة الرجل: خاصته وأهل بيته.
[٢١] وإن الله على أبر هذا: وإن الله على الرضا به.
[٢٢] وإن الله على أتقى ما في هذه الصحيفة وأبره: وإن الله وحزبه المؤمنين على الرضى به.
стр. 4345
[٢٣] ابن هشام، السيرة، جـ١ ص٥٠١ - ٥٠٤، الطبعة الثانية ١٣٧٥هـ ١٩٥٥م. وقد أورد الباحث العالم محمد حميد الله هذه المعاهدة في كتابه (أول دستور مكتوب في العالم) the first written constitution in the world واستقصى رواياتها ومصادرها استقصاء حسناً.
[٢٤] الطبري، جـ٢ ص٤٠٢، تحقيق الجيزاوي، ١٩٦٢م.
[٢٥] محمد الخضري، نور اليقين، ص: ١٠١، الطبعة الخامسة عشرة.
[٢٦] عبد السلام هارون، تهذيب سيرة ابن هشام، جـ٢ ص١٣٩.
[٢٧] وَدان قرية بين مكة والمدينة، بينها وبين الأبواء ستة أميال، ولذا تدعى هذه الغزوة غزوة الأبواء.
[٢٨] محمد الخضري، المرجع السابق، ص١٠٢.
[٢٩] محمد الخضري، المرجع السابق، ص١٨٦.
[٣٠] عبد السلام هارون، المرجع السابق، ص٢٧.
[٣١] ابن كثير، تفسير القرآن العظيم، جـ٤ص١٩٥، ط دار إحياء الكتب العربية، القاهرة.
[٣٢] عبد السلام هارون، المرجع السابق، جـ٢ ص٢٨- ٣٢-
[٣٣] (٢) ابن هشام، السيرة، جـ٢، ص٣٢٢.
[٣٤] ابن هشام،السيرة، جـ٢، ص٣٢٢
[٣٥] سورة الفتح-٢٧.
[٣٦] ابن كثير، تفسير القرآن العظيم، جـ٤ ص٢٠٣.
[٣٧] جـ١ ص ٢٥٨.
[٣٨] السيرة، جـ٢ ص ٥٦٠.
[٣٩] ابن كثير، السيرة النبوية، جـ٤، ص٢٧، تحقيق مصطفى عبد الواحد، ط١٣٨٥ - ١٩٦٦ القاهرة.
[٤٠] تاريخ الأمم والملوك، جـ٣ ص١٧، القاهرة، ١٣٥٧هـ - ١٩٣٩م.
[٤١] يريد بالخواص الخواص من حيث جودة الاستعداد لتقبل الحق، فقراء كانوا أو أغنياء، ضعفاء أو أقوياء وليس الخواص من حيث المكانة الدنيوية متمثلة في الجاه، والمال، والقبيل.
[٤٢] البقرة - ٢١٦.
[٤٣] صحيح مسلم، جـ١٢ ص٣٧.
[٤٤] مستشرق عراقي الأصل.
p.p.٤.٤
[٤٥]
[٤٦] ص٥٤٠.
[٤٧] يسميه ابن الأثير جيشبة بن ذاهر (الكامل، جـ٤، ص١٩٧، طبعة محمد منير الدمشقي) .
стр. 4346
[٤٨] يقال إن الديبل تقع مكان كرا تشي اليوم، أو قريباً منها.
[٤٩] وادٍ يجري فيه نهر السند.
[٥٠] أخو حليشة أو جيشبة (ابن الأثير، المرجع السابق) .
[٥١] البلاذي، فتوح البلدان، جـ٣ ص٥٤١، ط، مكتبة النهضة المصرية.
[٥٢] جـ٤، ص ١٩٧.
[٥٣] سورة التوبة - ١٠٥
[٥٤] انظر ص: ١
[٥٥] انظر ص: ٢
стр. 4347
العدد ٢٧
فهرس المحتويات
١- العقيدة الصحيحة وما يضادها: رئيس الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة عبد العزيز بن عبد الله بن باز
٢- من أعلام المحدثين - أبو أحمد بن عدي الجرجاني ٢٧٧-٣٦٥هـ: بقلم فضيلة الشيخ عبد المحسن بن حمد العباد
٣- الإسلام والحركات الهدامة المعاصرة: بقلم الشيخ عبد القادر شيبة الحمد
٤- رسائل لم يحملها البريد: بقلم فضيلة الشيخ عبد الرؤوف اللبدي
٥- أول معهد في الإسلام: لفضيلة الدكتور محمد محمد خليفة
٦- عرض ونقد لما كتبه الدكتور محمد علوي المالكي حول الكوثري والدحلان: بقلم الشيخ عبد القادر بن حبيب الله السندي
٧- بنو إسرائيل في ضوء الإسلام: بقلم الشيخ محمد أمين سليم
٨- حول ترجمة القرآن بالإنجليزية المطبوعة في اليابان: لفضيلة الشيخ حسنين محمد مخلوف
٩- فمن لها?: لفضيلة الشيخ محمد المجذوب
١٠- حول نظرية الالتزام - يا ولد?ما مفهومها؟ وما مدلولها في المجتمع السلفي؟ : بقلم السعيد الشربيني الشرباصي
١١- قضايا أساسية في تطوير المكتبة العربية والإسلامية: بقلم عيد عبد الله السيد
١٢- خطر الصحافة المنحرفة على الشباب والأسرة والمجتمع والدولة: بقلم الشيخ محمد المهدي محمود
١٣- الشاعر الأمريكي المتحرر أزارا باوند: بقلم الشيخ أحمد صالح محايري
١٤- من الصحف والمجلات: إعداد العلاقات العامة
١٥- ندوة الطلبة - الحب العظيم: للطالب أحمد بن حسن المعلم
١٦- الحقائق والمعاني من هدي السبع المثاني: للطالب عزيزو محمد مغربي
١٧- سيروا: بقلم محمد عبد الرحمن شميلة الأهدل
١٨- الفتاوى: يتولى الرد على أسئلة القراء سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز رئيس الجامعة الإسلامية
١٩- أخبار الجامعة: إعداد العلاقات العامة
عمادة البحث العلمي - جميع الحقوق محفوظة ١٤٢٣ هـ / ٢٠٠٢ م
стр. 4348
العقيدة الصحيحة وما يضادها
رئيس الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة عبد العزيز بن عبد الله بن باز
الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، وعلى آله وصحبه، أما بعد:
فلما كانت العقيدة الصحيحة هي أصل دين الإسلام، وأساس الملة، رأيت أن تكون هي موضوع المحاضرة، ومعلوم بالأدلة الشرعية من الكتاب والسنة أن الأعمال والأقوال إنما تصح وتقبل إذا صدرت عن عقيدة صحيحة، فإن كانت العقيدة غير صحيحة بطل ما يتفرع عنها من أعمال وأقوال كما قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِالأِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ (المائدة:٥)
وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ (الزمر:٦٥)
والآيات في هذا المعنى كثيرة.
وقد دل كتاب الله المبين، وسنة رسوله الأمين عليه من ربه أفضل الصلاة والتسليم على أن العقيدة الصحيحة تتلخص في الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، وبالقدر خيره وشره؛ فهذه الأمور الستة هي أصول العقيدة الصحيحة التي نزل بها كتاب الله العزيز، وبعث الله بها رسوله محمدا ﵊، ويتفرع عن هذه الأصول كل ما يجب الإيمان به من أمور الغيب، وجميع ما أخبر الله به ورسوله ﷺ ، وأدلة هذه الأصول في الكتاب والسنة كثيرة جدا.
стр. 4349
فمن ذلك قول الله سبحانه: ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَالْمَلائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ﴾ (البقرة:١٧٧) ﴿الآية. وقوله سبحانه: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِه﴾ (البقرة:٢٨٥)
الآية. وقوله سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالا بَعِيداً﴾ (النساء:١٣٦) وقوله سبحانه: ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاءِ وَالأَرْضِ إِنَّ ذَلِكَ فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ (الحج:٧٠) .
أما الأحاديث الصحيحة الدالة على هذه الأصول فكثيرة جدا، منها الحديث الصحيح المشهور الذي رواه مسلم في صحيحه من حديث أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ أن جبريل ﵇ سأل النبي ﷺ عن الإيمان، فقال له: "الإيمان أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، وتؤمن بالقدر خيره وشره" الحديث. وأخرجه الشيخان من حديث أبي هريرة.
وهذه الأصول الستة يتفرع عنها جميع ما يجب على المسلم اعتقاده في حق الله سبحانه، وفي أمر المعاد وغير ذلك من أمور الغيب.
стр. 4350
فمن الإيمان بالله سبحانه الإيمان بأنه الإله الحق المستحق للعبادة دون كل ما سواه، لكونه خالق العباد والمحسن إليهم، والقائم بأرزاقهم، والعالم بسرهم وعلانيتهم، والقادر على إثابة مطيعهم وعقاب عاصيهم؛ ولهذه العبادة خلق الله الثقلين وأمرهم بها كما قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنْسَ إلاَّ لِيَعْبُدُون مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ﴾ (الذاريات:٥٦ - ٥٧ - ٥٨) وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ
الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ فِرَاشاً وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقاً لَكُمْ فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَاداً وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ (البقرة٢١ -٢٢)
وقد أرسل الله الرسل وأنزل الكتب لبيان هذا الحق والدعوة إليه، والتحذير مما يضاده، كما قال سبحانه: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ (النحل: من الآية٣٦) وقال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلاَّ نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ (الأنبياء:٢٥)
وقال : ﴿كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍأَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ اللَّهَ إِنَّنِي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ﴾ (هود:١- ٢) .
стр. 4351
وحقيقة هذه العبادة هي إفراد الله سبحانه بجميع ما تعبد العباد به من دعاء وخوف ورجاء وصلاة وصوم وذبح ونذر وغير ذلك من أنواع العبادة على وجه الخضوع له والرغبة والرهبة، مع كمال الحب له سبحانه، والذل لعظمته؛ وغالب القرآن الكريم نزل في هذا الأصل العظيم، كقوله سبحانه: ﴿فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصاً لَهُ الدِّينَ أَلا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ ﴿وقوله سبحانه: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ إِيَّاه ﴿وقوله : ﴿فَادْعُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ. ﴿
وفي الصحيحين عن معاذ ﵁ أن النبي ﷺ قال: "حق الله على العباد أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئا".
ومن الإيمان بالله أيضا الإيمان بجميع ما أوجبه على عباده وفرضه عليهم من أركان الإسلام الخمسة الظاهرة وهي: "شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج بيت الله الحرام لمن استطاع إليه سبيلا"، وغير ذلك من الفرائض التي جاء بها الشرع المطهر، وأهم هذه الأركان وأعظمها شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله؛ فشهادة أن لا إله إلا الله تقتضي إخلاص العبادة له وحده ونفيها عما سواه، وهذا هو معنى لا إله إلا الله، فإن معناها لا معبود بحق إلا الله، فكل ما عبد من دون الله من بشر أو ملك أو جني أو غير ذلك فكله معبود بالباطل، والمعبود بالحق هو الله وحده كما قال سبحانه: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِل ﴿ (الحج: من الآية٦٢) .
стр. 4352
وقد سبق بيان أن الله سبحانه خلق الثقلين لهذا الأصل الأصيل وأمرهم به، وأرسل به رسله وأنزل به كتبه، فتأمل ذلك جيدا وتدبره كثيرا ليتضح لك ما وقع فيه أكثر المسلمين من الجهل العظيم بهذا الأصل الأصيل حتى عبدوا مع الله غيره، وصرفوا خالص حقه لسواه، فالله المستعان.
ومن الإيمان بالله سبحانه، الإيمان بأنه خالق العالم ومدبر شؤونهم، والمتصرف فيهم بعلمه وقدرته كما يشاء سبحانه، وأنه مالك الدنيا والآخرة ورب العالمين جميعا، لا خالق غيره، ولا رب سواه، وأنه أرسل الرسل وأنزل الكتب لإصلاح العباد ودعوتهم إلى ما فيه نجاتهم وصلاحهم في العاجل والآجل، وأنه سبحانه لا شريك له في جميع ذلك؛ كما قال تعالى: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ ﴿وقال تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثاً وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ (الأعراف:٥٤) .
ومن الإيمان بالله أيضا الإيمان بأسمائه الحسنى وصفاته العلا الواردة في كتابه العزيز، والثابتة عن رسوله الأمين من غير تحريف ولا تعطيل ولا تكييف ولا تمثيل، بل يجب أن تمر كما جاءت بلا كيف، مع الإيمان بما دلت عليه من المعاني العظيمة التي هي أوصاف لله يجب وصفه بها على الوجه اللائق به من غير أن يشابه به خلقه في شيء من صفاته، كما قال تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ ﴿ (الشورى: من الآية١١) وقال : ﴿فَلا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الأَمْثَالَ إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ (النحل:٧٤)
стр. 4353
وهذه هي عقيدة أهل السنة والجماعة من أصحاب رسول الله ﷺ وأتباعهم بإحسان، وهي التي نقلها أبو الحسن الأشعري ﵀ في كتابه "المقالات عن أصحاب الحديث وأهل السنة"ونقلها غيره من أهل العلم والإيمان.
وقال الأوزاعي ﵀: "كنا والتابعون متوافرون نقول: إن الله سبحانه على عرشه، ونؤمن بما ورد في السنة من الصفات. ولما سئل ربيعة بن أبي عبد الرحمن شيخ مالك رحمة الله عليهما عن الاستواء قال: "الاستواء غير مجهول، والكيف غير معقول، ومن الله الرسالة وعلى الرسول البلاغ المبين، وعلينا التصديق"ولما سئل الإمام مالك ﵀ عن ذلك قال: "الاستواء معلوم، والكيف مجهول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة"ثم قال للسائل: "ما أراك إلا رجل سوء، وأمر به فأخرج". وروي هذا المعنى عن أم المؤمنين سلمة ﵂. وقال الإمام أبو عبد الرحمن عبد الله بن المبارك رحمة الله عليه: "نعرف ربنا سبحانه بأنه فوق سماواته على عرشه، بائن من خلقه".
стр. 4354
وكلام الأئمة في هذا الباب كثير جدا لا يمكن نقله في هذه المحاضرة، ومن أراد الوقوف على كثير من ذلك فليراجع ما كتبه علماء السنة في هذا الباب، مثل كتاب "السنة"لعبد الله بن الإمام أحمد، وكتاب "التوحيد"للإمام الجليل محمد بن خزيمة، وكتاب "السنة"لأبي القاسم اللالكائي الطبري، وكتاب "السنة"لأبي بكر بن أبي عاصم، وجواب شيخ الإسلام ابن تيمية لأهل حماه، وهو جواب عظيم كثير الفائدة، قد أوضح فيه ﵀ عقيدة أهل السنة، ونقل فيه الكثير من كلامهم، والأدلة الشرعية والعقلية على صحة ما قاله أهل السنة، وبطلان ما قاله خصومهم، وهكذا رسالته الموسومة بالتدمرية، قد بسط فيها المقام وبين فيها عقيدة أهل السنة بأدلتها النقلية والعقلية، والرد على المخالفين بما يظهر الحق ويدمغ الباطل لكل من نظر في ذلك من أهل العلم بقصد صالح ورغبة في معرفة الحق، وكل من خالف أهل السنة فيما اعتقدوه في باب الأسماء والصفات فإنه يقع ولابد في مخالفة الأدلة النقلية والعقلية، مع التناقض الواضح في كل ما يثبته وينفيه.
أما أهل السنة والجماعة فأثبتوا لله سبحانه ما أثبته لنفسه في كتابه الكريم، أو أثبته له رسوله محمد ﷺ في سنته الصحيحة إثباتا بلا تمثيل، ونزهوه سبحانه عن مشابهة خلقه تنزيها بريئا من التعطيل، ففازوا بالسلامة من التناقض، وعملوا بالأدلة كلها، وهذه سنة الله سبحانه فيمن تمسك بالحق الذي بعث به رسله، وبذل وسعه في ذلك، وأخلص لله في طلبه أن يوفقه للحق ويظهر حجته، كما قال تعالى: ﴿بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ﴾ (الأنبياء: من الآية١٨) وقال تعالى: ﴿وَلا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلاَّ جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيراً﴾ (الفرقان:٣٣)
стр. 4355
وقد ذكر الحافظ ابن كثير ﵀ في تفسيره المشهور عند كلامه على قول الله : ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْش﴾ (لأعراف: من الآية٥٤) الآية كلاما حسنا في هذا الباب يحسن نقله هاهنا لعظم فائدته، قال ﵀ ما نصه: "للناس في هذا المقام مقالات كثيرة جدا ليس هذا موضع بسطها، وإنما نسلك في هذا المقام مذهب السلف الصالح، مالك، والأوزاعي، والثوري، والليث بن سعد، والشافعي، وأحمد، وإسحاق بن راهويه وغيرهم من أئمة المسلمين قديما وحديثا، وهو إمرارها كما جاءت من غير تكييف ولا تشبيه ولا تعطيل، والظاهر المتبادر إلى أذهان المشبهين منفي عن الله، فإن الله لا يشبهه شيء من خلقه، وليس كمثله شيء وهو السميع البصير، بل الأمر كما قال الأئمة منهم نعيم بن حماد الخزاعي شيخ البخاري قال: "من شبه الله بخلقه كفر، ومن جحد ما وصف الله به نفسه فقد كفر، وليس فيما وصف الله به نفسه ولا رسوله تشبيه، فمن أثبت لله تعالى ما وردت به الآيات الصريحة، والأخبار الصحيحة على الوجه الذي يليق بجلال الله، ونفى عن الله تعالى النقائص فقد سلك سبيل الهدى".
وأما الإيمان بالملائكة فيتضمن الإيمان بهم إجمالا وتفصيلا، فيؤمن المسلم بأن لله ملائكة خلقهم لطاعته، ووصفهم بأنهم عباد مكرمون، لا يسبقونه بالقول وهم بأمره يعملون ﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلا يَشْفَعُونَ إِلاَّ لِمَنِ ارْتَضَى وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ﴾ (الأنبياء:٢٨)
وهم أصناف كثيرة؛ منهم الموكلون بحمل العرش، ومنهم خزنة الجنة والنار، ومنهم الموكلون بحفظ أعمال العباد؛ ونؤمن على سبيل التفصيل بمن سمى الله ورسوله منهم، كجبريل، وميكائيل، ومالك خازن النار، وإسرافيل الموكل بالنفخ في الصور، وقد جاء ذكره في أحاديث صحيحة.
стр. 4356
وقد ثبت في الصحيح عن عائشة ﵂ أن النبي ﷺ قال: "خلقت الملائكة من نور، وخلق الجان من مارج من نار، وخلق آدم مما وصف لكم" خرجه مسلم في صحيحه.
وهكذا الإيمان بالكتب يجب الإيمان إجمالا بأن الله سبحانه أنزل كتبا على أنبيائه ورسله لبيان حقه والدعوة إليه، كما قال تعالى: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ﴾ (الحديد: من الآية٢٥) . وقال تعالى: ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيه﴾ (البقرة: من الآية٢١٣) .
ونؤمن على سبيل التفصيل بما سمى الله منها؛ كالتوراة، والإنجيل، والزبور، والقرآن؛ والقرآن هو أفضلها وخاتمتها، وهو المهيمن عليها والمصدق لها، وهو الذي يجب على جميع الأمة اتباعه وتحكيمه مع ما صحت به السنة عن رسول الله ﷺ ، لأن الله سبحانه بعث رسوله محمدا ﷺ رسولا إلى جميع الثقلين، وأنزل عليه هذا القرآن ليحكم به بينهم، وجعله شفاء لما في الصدور وتبيانا لكل شيء، وهدى ورحمة للمؤمنين، كما قال تعالى: ﴿وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ (الأنعام:١٥٥)
стр. 4357
وقال سبحانه: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَاناً لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدىً وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ﴾ (النحل: من الآية ٨٩) وقال سبحانه: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعاً الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ (الأعراف:١٥٨) والآيات في هذا المعنى كثيرة.
وهكذا الرسل يجب الإيمان بهم إجمالا وتفصيلا، فنؤمن أن الله سبحانه أرسل إلى عباده رسلا منهم مبشرين ومنذرين ودعاة إلى الحق، فمن أجابهم فاز بالسعادة، ومن خالفهم باء بالخيبة والندامة، وخاتمهم وأفضلهم هو نبينا محمد بن عبد الله ﷺ ، كما قال الله سبحانه: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ (النحل: من الآية٣٦) وقال تعالى: ﴿رُسُلاً مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ (النساء: من الآية١٦٥) وقال تعالى: ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ (الأحزاب: من الآية٤٠) ومن سمى الله منهم أو ثبت عن رسول الله ﷺ تسميته آمنا به على سبيل التفصيل والتعيين، كنوح وهود وصالح وإبراهيم وغيرهم صلى الله وسلم عليهم وعلى آلهم وأتباعهم.
стр. 4358
وأما الإيمان باليوم الآخر فيدخل فيه الإيمان بكل ما أخبر الله به ورسوله ﷺ مما يكون بعد الموت كفتنة القبر وعذابه ونعيمه، وما يكون يوم القيامة من الأهوال والشدائد والصراط والميزان، والحساب، والجزاء، ونشر الصحف بين الناس، فآخذ كتابه بيمينه، وآخذ كتابه بشماله أو من وراء ظهره، ويدخل في ذلك أيضا الإيمان بالحوض المورود لنبينا محمد ﷺ ، والإيمان بالجنة والنار، ورؤية المؤمنين لربهم سبحانه وتكليمه إياهم، وغير ذلك مما جاء في القرآن الكريم والسنة الصحيحة عن رسول الله ﷺ .
وأما الإيمان بالقدر فيتضمن الإيمان بأمور أربعة أولها: أن الله سبحانه قد علم ما كان وما يكون، وعلم أحوال عباده، وعلم أرزاقهم وآجالهم وأعمالهم وغير ذلك من شئونهم، لا يخفى عليه من ذلك شيء ، كما قال سبحانه: ﴿إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ (الأنفال: من الآية٧٥) وقال : ﴿لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاَطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْماً﴾ (الطلاق: من الآية١٢) .
والأمر الثاني: كتابته سبحانه لكل ما قدره وقضاه كم قال سبحانه: ﴿قَدْ عَلِمْنَا مَا تَنْقُصُ الأَرْضُ مِنْهُمْ وَعِنْدَنَا كِتَابٌ حَفِيظٌ﴾ (قّ:٤) وقال تعالى: ﴿وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ﴾ (يّس: من الآية١٢) وقال تعالى: ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاءِ وَالأَرْضِ إِنَّ ذَلِكَ فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ (الحج:٧٠) .
стр. 4359
الأمر الثالث: الإيمان بمشيئته النافذة، فما شاء كان وما لم يشأ لم يكن، كما قال سبحانه: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ﴾ (الحج: من الآية١٨) وقال : ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ (يّس:٨٢) وقال سبحانه: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلاَّ أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ (التكوير:٢٩) .
الأمر الرابع: خلقه سبحانه لجميع الموجودات، لا خالق غيره ولا رب سواه، كما قال سبحانه: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ﴾ (الزمر:٦٢) وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ﴾ (فاطر:٣) .
فالإيمان بالقدر يشمل هذه الأمور الأربعة عند أهل السنة والجماعة، خلافا لما أنكر بعض ذلك من أهل البدع. ويدخل في الإيمان بالله اعتقاد أن الإيمان قول وعمل، يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية، وأنه لا يجوز تكفير أحد من المسلمين بشيء من المعاصي التي دون الشرك والكفر؛ كالزنا والسرقة، وأكل الربا وشرب المسكرات، وعقوق الوالدين وغير ذلك من الكبائر ما لم يستحل ذلك؛ لقول الله سبحانه: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ (النساء: من الآية٤٨) ، ولما ثبت في الأحاديث المتواترة عن رسول الله ﷺ أن الله يخرج من النار من كان في قلبه مثقال حبة من خردل من إيمان.
стр. 4360
ومن الإيمان بالله الحب في الله والبغض في الله، والموالات في الله والمعاداة في الله؛ فيحب المؤمن المؤمنين ويواليهم، ويبغض الكفار ويعاديهم، وعلى رأس المؤمنين من هذه الأمة أصحاب رسول الله ﷺ ، فأهل السنة والجماعة يحبونهم ويوالونهم، ويعتقدون أنهم خير الناس بعد الأنبياء؛ لقول النبي ﷺ : "خير الناس قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم" متفق على صحته. ويعتقدون أن أفضلهم أبوبكر الصديق، ثم الفاروق، ثم عثمان ذو النورين، ثم علي المرتضى ﵁ الله عنهم أجمعين؛ وبعدهم بقية العشرة، ثم بقية الصحابة ﵃ أجمعين؛ ويمسكون عما شجر بين الصحابة، ويعتقدون أنهم في ذلك مجتهدون، من أصاب فله أجران، ومن أخطأ فله أجر؛ ويحبون أهل بيت رسول الله ﷺ المؤمنين به، ويتولونهم، ويتولون أزواج رسول الله ﷺ أمهات المؤمنين، ويترضون عنهن جميعا، ويتبرؤن من طريقة الروافض الذين يبغضون أصحاب رسول الله ﷺ ويسبونهم، ويغلون في أهل البيت، ويرفعونهم فوق منزلتهم التي أنزلهم الله ، كما يتبرؤن من طريقة النواصب الذين يؤذون أهل البيت بقول أو عمل.
стр. 4361
وجميع ما ذكرناه في هذه الكلمة الموجزة داخل في العقيدة الصحيحة التي بعث الله بها رسوله محمدا ﷺ ، وهي عقيدة الفرقة الناجية أهل السنة والجماعة التي قال فيها النبي ﷺ : "لا تزال طائفة من أمتي على الحق منصور، لا يضرهم من خذلهم حتى يأتي أمر الله سبحانه" وقال ﵊: "افترقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة، وافترقت النصارى على اثنتين وسبعين فرقة، وستفترق هذه الأمة على ثلاث وسبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة" فقال الصحابة: من هي يا رسول الله؟ قال: "من كان على مثل ما أنا عليه وأصحابي" وهي العقيدة التي يجب التمسك بها والاستقامة عليها، والحذر مما خالفها.
стр. 4362
وأما المنحرفون عن هذه العقيدة والسائرون على ضدها فهم أصناف كثيرة؛ فمنهم عباد الأصنام والأوثان والملائكة والأولياء والجن والأشجار والأحجار وغيرها، فهؤلاء لم يستجيبوا لدعوة الرسل، بل خالفوهم وعاندوهم كما فعلت قريش وأصناف العرب مع نبينا محمد ﷺ ، وكانوا يسألون معبوداتهم قضاء الحاجات، وشفاء المرضى، والنصر على الأعداء، ويذبحون لهم وينذرون لهم، فلما أنكر عليهم رسول الله ﷺ ذلك، وأمرهم بإخلاص العبادة لله وحده، استغربوا ذلك وأنكروه وقالوا: ﴿أَجَعَلَ الآَلِهَةَ إِلَهاً وَاحِداً إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ﴾ (صّ:٥) فلم يزل ﷺ يدعوهم إلى الله وينذرهم من الشرك، ويشرح لهم حقيقة ما يدعو إليه حتى هدى الله منهم من هدى، ثم دخلوا بعد ذلك في دين الله أفواجا، فظهر دين الله على سائر الأديان بعد دعوة متواصلة وجهاد طويل من رسول الله ﷺ وأصحابه ﵃، والتابعين لهم بإحسان؛ ثم تغيرت الأحوال، وغلب الجهل على أكثر الخلق، حتى عاد الأكثرون إلى دين الجاهلية، بالغلو في الأنبياء والأولياء، ودعائهم والاستغاثة بهم، وغير ذلك من أنواع الشرك، ولم يعرفوا معنى لا إله إلا الله كما عرف معناها كفار العرب، فالله المستعان.
ولم يزل هذا الشرك يفشو في الناس إلى عصرنا هذا بسبب غلبة الجهل وبعد العهد بعصر النبوة.
стр. 4363
وشبهة هؤلاء المتأخرين هي شبهة الأولين، وهي قولهم: ﴿هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ﴾ (يونس: من الآية١٨) ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ (الزمر: من الآية٣) ، وقد أبطل الله هذه الشبهة، وبين أن من عبد غيره كائنا من كان فقد أشرك به وكفر، كما قال تعالى: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ﴾ (يونس: من الآية١٨) فرد الله عليهم سبحانه بقوله: ﴿قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لا يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلا فِي الأَرْضِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ (يونس: من الآية١٨) فبين سبحانه في هذه الآية أن عبادة غيره من الأنبياء والأولياء أو غيرهم هي الشرك الأكبر وإن سماها فاعلوها بغير ذلك، وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ (الزمر: من الآية٣) فرد الله عليهم سبحانه بقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ (الزمر: من الآية٣) فأبان بذلك سبحانه أن عبادتهم لغيره بالدعاء والخوف والرجاء ونحو ذلك كفر به سبحانه، وأكذبهم في قولهم أن آلهتهم تقربهم إليه زلفى.
стр. 4364
ومن العقائد الكفرية المضادة للعقيدة الصحيحة والمخالفة لما جاءت به الرسل عليهم الصلاة والسلام، ما يعتقده الملاحدة في هذا العصر من أتباع ماركس، ولينين وغيرهما من دعاة الإلحاد والكفر؛ سواء سموا ذلك اشتراكية، أو شيوعية، أو بعثية أو غير ذلك من الأسماء، فإن من أصول هؤلاء الملاحدة أنه لا إله والحياة مادة، ومن أصولهم إنكار المعاد، وإنكار الجنة والنار، والكفر بالأديان كلها، ومن نظر في كتبهم ودرس ما هم عليه علم ذلك يقينا، ولا ريب أن هذه العقيدة مضادة لجميع الأديان السماوية، ومفضية بأهلها إلى أسوأ العواقب في الدنيا والآخرة.
ومن العقائد المضادة للحق ما يعتقده بعض الباطنية وبعض المتصوفة من أن بعض ما يسمونهم بالأولياء يشاركون الله في التدبير، ويتصرفون في شؤون العالم، ويسمونهم بالأقطاب والأوتاد والأغواث وغير ذلك من الأسماء التي اخترعوها لآلهتهم، وهذا من أقبح الشرك في الربوبية، وهو شر من شرك جاهلية العرب، لأن كفار العرب لم يشركوا في الربوبية، وإنما أشركوا في العبادة، وكان شركهم في حال الرخاء، أما في حال الشدة فيخلصون لله العبادة، كما قال الله سبحانه: ﴿فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ﴾ (العنكبوت:٦٥) أما الربوبية فكانوا معترفين بها لله وحده، كما قال سبحانه: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ (الزخرف: من الآية٨٧) وقال تعالى: ﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلا تَتَّقُونَ﴾ (يونس:٣١) والآيات في هذا المعنى كثيرة.
стр. 4365
أما المشركون المتأخرون فزادوا على الأولين من جهتين إحداهما: شرك بعضهم في الربوبية. والثانية: شركهم في الرخاء والشدة كما يعلم ذلك من خالطهم وسبر أحوالهم، ورأى ما يفعلون عند قبر الحسين، والبدوي وغيرهما في مصر، وعند قبر العيدروس في عدن، والهادي في اليمن، وابن عربي في الشام، والشيخ عبد القادر الجيلاني في العراق، وغيرها من القبور المشهورة التي غلت فيها العامة، وصرفوا لها الكثير من حق الله ، وقل من ينكر عليهم ذلك ويبين لهم حقيقة التوحيد الذي بعث الله به نبيه محمدا ﷺ ومن قبله من الرسل عليهم الصلاة والسلام، فإنا لله وإنا إليه راجعون، ونسأله سبحانه أن يردهم إلى رشدهم، وأن يكثر بينهم دعاة الهدى، وأن يوفق قادة المسلمين وعلماءهم لمحاربة هذا الشرك والقضاء عليه ووسائله، إنه سميع قريب.
стр. 4366
ومن العقائد المضادة للعقيدة الصحيحة في باب الأسماء والصفات عقائد أهل البدع من الجهمية والمعتزلة ومن سلك سبيلهم في نفي صفات الله ، وتعطيله سبحانه من صفات الكمال، ووصفه بصفة المعدومات والجمادات والمستحيلات، تعالى الله عن قولهم علوا كبيرا؛ ويدخل في ذلك من نفى بعض الصفات وأثبت بعضها كالأشاعرة، فإنه يلزمهم فيما أثبتوه من الصفات نظير ما فروا منه في الصفات التي نفوها وتأولوا أدلتها، فخالفوا بذلك الأدلة السمعية والعقلية، وتناقضوا في ذلك تناقضا بينا؛ أما أهل السنة والجماعة فقد أثبتوا لله سبحانه ما أثبته لنفسه، أو أثبته له رسوله محمد ﷺ من الأسماء والصفات على وجه الكمال، ونزهوه عن مشابهة خلقه تنزيها بريئا من شائبة التعطيل، فعملوا بالأدلة كلها ولم يحرفوا ولم يعطلوا، وسلموا من التناقض الذي وقع فيه غيرهم - كما سبق بيان ذلك -، وهذا هو سبيل النجاة، والسعادة في الدنيا والآخرة، وهو الصراط المستقيم الذي سلكه سلف هذه الأمة وأئمتها، ولن يصلح آخرهم إلا بما صلح به أولهم، وهو اتباع الكتاب والسنة وترك ما خالفهما.
والله ولي التوفيق، وهو سبحانه حسبنا ونعم الوكيل، ولا حول ولا قوة إلا به؛ وصلى الله وسلم على عبده ورسوله محمد وآله وصحبه.
стр. 4367
حول نظرية الالتزام
يا ولد... ما مفهومها؟ وما مدلولها في المجتمع السلفي؟
بقلم السعيد الشربيني الشرباصي
المدرس بدار الحديث المكية التابعة للجامعة
اعتمدت الدعوة السلفية المباركة على "نظرية الالتزام"التي أعد بحثا علميا فيها يحدد مبادئها، ويشرح اتجاهاتها، ويوضح مظاهرها، ويبين نهجها السليم في اتباع طريق لا يشتط ولا يهن ولا يفرط أو يتعصب، ولا ينحرف يمنة أو ينعطف يسرة.
ولقد ضمنت هذه الدعوة للشريعة الغراء الالتزام بالنصوص العظيمة التي وصلت إلينا من مصادرها الوثيقة. وقد كان لهذا الالتزام أثره المحمود في حماية الدين من الأهواء والآراء، ومن الأمزجة والمتاهات، ومن الشطحات والنطحات، والاختراعات والابتكارات التي يحسب أصحابها أنهم على شيء وما هم على شيء، إن هي إلا أوهام توهموها، وخزعبلات اصطنعوها، تذهب دخانا مع نور الحقيقة، وإشراقة اليقين، وفلق الحق المبين.
ولقد عكست "نظرية الالتزام"أخلاقها العظيمة على المجتمع السعودي بحيث جعلت له اتجاهات معينة، وأخلاقا بارزة لا يتسع المجال لعرضها، وإني لمعني بتسجيلها في بحثي العلمي عن "نظرية الالتزام"في الدعوة السلفية.
واليوم أريد تسجيل ظاهرة عابرة عكستها "نظرية الالتزام"على العامة في الطريق، وفي السوق، وفي الأندية، وهي أسلوب التخاطب الواقعي الذي يتم بلا مبالغة أو تضخيم، ومن غير إطراء أو تحسين. والذي يستخدم كلمة "يا ولد"مع كل الناس، حتى أنه ليروع الغريب الذي لم يفهم حقيقة هذا المجتمع وصدقه وواقعيته حينما ينصرف عن بائع الجرجير مثلا، وقد نسي أن يعطيه قرشا من حقه فيصرخ عليه مناديا يا ولد... ويتلفت يمنه ويسره فلا يجد أحدا بجواره، ويدرك أنه المقصود بهذا اللقب العظيم... وأن البائع يريده ليعطيه بقية حقه.
стр. 4368
وعلماء اللغة يقولون في كتبهم: "الولد: كل ما ولده شيء. ويطلق على الذكر والأنثى، والمثنى والجمع"اهـ ومن هنا نجد القرآن المجيد يستخدم هذه الكلمة بإيجازه الرائع مشيرا إلى هذه المعاني كلها حين يقول في سورة النساء: ﴿وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُنَّ وَلَدٌ فَإِنْ كَانَ لَهُنَّ وَلَدٌ فَلَكُمُ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْنَ﴾ (النساء: من الآية١٢) . ومن هنا يقرر علماء الفروض - الميراث - أن الزوج يرث النصف من زوجته عند انعدام ولد لها. فإذا كان لها ولد - ذكرا كان أو أنثى، واحدا أو أكثر، منه أو من غيره - فله الربع...
وهذا بخلاف كلمة "الابن" فإنها لا تطلق إلا على الواحد الذكر. ولهذا جاءت كلمة البنت والأبناء والبنات لبيان أن هناك تفريقا في المراد، على عكس كلمة ولد فليس منها "ولدة".
واستعمال المجتمع السلفي لهذه الكلمة يوحي بالروح الإسلامي الذي يميل إلى العدالة العامة، واحترام الإنسان باعتباره خليفة في أرض الله، سواء كان ذكرا أو أنثى، فردا أو جماعة، كبيرا أو صغيرا، غنيا أو فقيرا، عالما أو جاهلا. فلا فرق بين سيد ومسود، ولا بين عظيم وحقير. فالكل خلق الله، والكل أبناء آدم، والكل من تراب، والكل متحد في المصدر والكل مولود والكل معدوم والكل عند الله سواء، لا ميزة لأحد إلا بحسن العلاقة ومع الخلاق وهي التقوى، وإنها لفي الصدور وليست بالسيارات ولا بالقصور.
وهذه الحقيقة تستلزم الحقيقة الكبرى وهي أن هذه الخلائق لابد لها من خالق، وأن الحادث لابد له من موجد، وأن الفاني يحتاج إلى معدم يحكم عليه بالعدم، ويبقى هو وحده لا شريك له. فلا أول له ولا آخر له، وهو وحده الذي لم يلد ولم يولد وليس كمثله شيء.
стр. 4369
وقد حرصت الدعوة الإسلامية تثبيت هذه الحقائق، لأنها جاءت لتحطيم الطواغيت، ورفع ظلم الإنسان للإنسان وعدوانه عليه، وفي الوقت ذاته جاءت لتحرير الإنسان من عبادة الإنسان، والأخذ بيده قائلة له:
"انظر إلى الأعلى... انظر إلى السماء وما فيها... وتأمل هذه القبة الرائعة اللامعة، تأمل كيف يبدل الله حالا بعد حال، صباح ومساء، وإشراق وإعتام، وليل ونهار، وقر وحر، ومطر وصفاء فسبحان الواحد الخلاق، وسبحان المبدع العظيم الذي ليس كمثله شيء".
ولما كانت الدعوة السلفية قوامها غرس مبدأ "الالتزام"وهو يقوم على التشبث بالحقيقة، والميل إلى الالتزام الواقع، واستخدام الصدق بلا افتعال أو تصنع، وبدون مبالغة، فقد امتد هذا المفهوم إلى المجتمع السلفي - كما نرى -.
فلا بيه، ولا أستاذ، ولا مولانا، ولا سيادتك، ولا عظمتك، واختفت هذه الألقاب من فم السلفي العادي يعيش في السوق وفي الشارع وفي البادية بعيدا عن المؤثرات الوافدة.
وإني لأنقل هذا المشهد الحي الذي وقع أمامي. ها نحن نتزاحم في سيارة الأتوبيس بعد صلاة التراويح في البيت العتيق في طريقنا إلى منازلنا، ولكن سيارة فاخرة تمرق بجوار الأتوبيس وقد استرعت السيارة أنظار الركاب لأنهم تعرفوا على شخصيات معينة فيها. وبدأ الحوار عن هذه الشخصيات فقال شاب: "إن هذا أحمد. ورد عليه آخر وقال: لا إنه فواز. وعلق الأول قائلا: لا إن فواز على سفر وأحمد هو الموجود". وكان الراكبون قد تعمدوا المرور في مناطق الزحام ليشرفوا بأنفسهم علة تنظيمه، وليتخذوا أسبابا لتلافيه، وقد بدأت تباشير العيد تلوح من خلال الأيام الأخيرة من رمضان المبارك.
وعرفت من فحوى الحديث أنه يدور عن أمراء مكة ولكني لم أسمع واحدا يسبق بلقب ما... الحوار يدور بالأسماء المجردة بدون ألقاب في سماحة إسلامية وبساطة أخوية واقعية سلفية التي تلزم بالوحدانية لله وحده.
стр. 4370
لقد قلت في حديثي عن "نظرية الالتزام"التي ترسي قواعدها الدعوة السلفية أن الطريق الصحيح لصنع مجتمع إسلامي سليم هو تلاحم الدعاة مع الحماة، وذلك سر نجاح الدعوة السلفية حينما توفر لها الجو الروحي الذي يصنع الإيمان، والجنود الشجعان الذين يحملون الدعوة بالحزم والإصرار والاندفاع.
وأعود للحديث عن واقعية الألقاب التي أملتها خطة الالتزام لنقارن بين هذا الواقع الصادق وبين سواه - مقارنة علمية خالصة - فنجد في الوجه الآخر للمجتمعات الإسلامية التي ابتعدت عن مبدأ الالتزام الإغراق في الألقاب والتطاول في الحديث، والمبالغة في استخدام الصفات؛ فهذا شيخ المشايخ التقي النقي الصالح الورع العارف بالله، وهذا صاحب الفضيلة الأوزعي الألمعي الأستاذ الكبير الشيخ فتح الباب القطب الرباني. وتمتد الألقاب الوظيفية والسياسية أيضا بشكل مزعج يتنافى مع البساطة فضلا عن مجافاتها للواقع. وفي جو هذه الألقاب المطاطة تنكمش روح الإخاء الإسلامي، وتطوى سماحته وبساطته، ويشيع جو من الفواصل المصنوعة والفوارق المدعاة حتى يشعر الأتباع أنهم لا شيء، وأن شيخهم أشياء أشياء، تجعل له أحوالا وأسرارا، وباطنا وظاهرا، ثم تعميهم المظاهر الكاذبة عن النظر إلى الحقيقة، فيذكرون هؤلاء العبيد وينسون ربهم ورب آبائهم وخالقهم وخالق الكون وما فيه.
أما "الملتزم"بالحق وبالنهج فإنه لا يقبل قبل هذه الدعاوي ويرفضها من وقت مبكر قبل أن تتعاظم وتتطاول، وقبل أن تنتفخ وتتورم.
"والملتزم"إذا سئل عن أستاذه مثلا فإنه يقول: "سعيد"، مكتفيا بذلك ولا يزيد، كما أنه إذا سئل عن واقع فإنه يرويه بلا نقص ولا زيادة راغبا في الصدق وفي الالتزام به. أما المتحلل - غير ملتزم - فلا يعنيه الأمر، ولا يجد بأسا من أن يجعل من الحبة قبة، ومن البعرة بعيرا، ومن البحر عسلا وطحينة - كما يقولون - ومن القردة وردة، ومن المبتدئ إماما وعالما جليلا.
стр. 4371
وقد يعكس الأمر عندما يكون هواه في هذا فيجرد الشيء من خصائصه بكل طاقة له ومن غير إنصاف أو اعتدال.
ولقد حاولت بلاد إسلامية - وقد راعها سخافة هذه الألقاب - أن تكون واقعية، فأصدرت القوانين لمحاربتها ولكنها لم تنجح مع استمرار التجربة سنوات وسنوات، وما تزال هذه الألقاب هي واسطة التخاطب في مجتمعها.
فما السر؟
السر هو أن هذه المجتمعات لا يسود فيها مبدأ الالتزام الذي يجعل المرء يلتزم بما قال، ويفي بما تعهد، وينفذ ما اعتزم، ويرتبط بالمبدأ الذي قطعه على نفسه، وارتضاه لنهجه، ولهذا نجد المجتمع كله يردد هذه الألقاب على الدوام؛ بل إن الأجهزة الحكومية نفسها لا يسود فيها نداء سوى هذه الألقاب، ويمتد هذا من الأجهزة البسيطة إلى أكبر المستويات، وإذا استمعت إلى أجهزة الإعلام لا تجد غير هذه الألقاب الملغاة.
ولا أحد يلتفت، ولا أحد يلوم... لأنه لا "التزام"بما يقال.
وبعد، ألا ما أشبه الالتزام لصحة المسيرة بخيط البناء الذي يشده على الجدار ليلتزم وضع كل حجر في حدود هذا الخيط المستقيم فلا يبرز الجدار ولا يدخل عن وضعه المستقيم.
إن رجال الرياضة يقولون: إن الخط المستقيم هو أقرب الطرق للوصول إلى النقطة، وإن الالتزام والطريق المستقيم للشريعة الغراء بلا انحراف أو انعطاف يمنه أو يسره هو أقرب الطرق للوصول إلى الحقيقة، وأسلم الوسائل لضمان الوصول.
وللكلام بقاية...
стр. 4372
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الأَرْضِ أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الآخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الآخِرَةِ إِلاَّ قَلِيلٌ إِلاّ تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَاباً أَلِيماً وَيَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ وَلا تَضُرُّوهُ شَيْئاً وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ إِلاّ تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ (التوبة:٣٨-٤٠) .
стр. 4373
قضايا أساسية في تطوير المكتبة العربية والإسلامية
بقلم عيد عبد الله السيد
خبير مكتبات الجامعة
"تساءلنا في العدد السابق عن المتطلبات الشخصية لوظائف المكتبة العامة وعن ضرورات التعليم والتدريب وعن طبيعة هذا التدريب وعن نمط المؤسسات التي تتولى هذا التدريب، ثم تساءلنا عن المشكلات الهامة في ترتيب وإدارة موظفي المكتبات.
وسنحاول في هذا المقال أن نجيب عن هذه التساؤلات وأن نستوفي الجانب الأول الذي يثار عند تقويم مكتباتنا، وهو موارد المكتبة، أي أننا سنتحدث عن مجموعات الكتب وعن مواد القراءة.
أما الإعارة وخدمة المراجع وإرشاد القراء وتعليم الكبار واستعمال التي لا تعار والدعوة إلى المكتبية وما إلى ذلك، فسنعالجها في مقالاتنا القادمة إن شاء الله تعالى".
المتطلبات الشخصية لوظائف المكتبة.
إن هذه المتطلبات تتحدد بالدرجة الأولى برسالة المكتبة وماهيتها ونوعها ونوعية خدماتها والبيئة التي توجد فيها.
ويمكن أن نطرح هذا السؤال:
هل الغرض من إنشاء مكتبة ما إمداد القارئ بالمطبوعات ومواد المعرفة الأخرى دون مناقشة في نوعية هذه المواد والمطبوعات؟ أم أن من مسئوليات المكتبة ورسالتها أن ترشد القراء وتوجههم وتدعو من يتخلف منهم عن متابعة القراءة ليتابع قراءته؟ هل للمكتبة أن تشارك في رفع مستوى العلمي والثقافي لجمهورها وللبيئة التي تخدمها؟
إن المكتبة ذات الإمكانيات المكتملة عليها أن تقدم لمن يقصدها الكتب والنشرات والصحف والخرائط والصور والأفلام وغيرها.
ليس فقط بل إن من واجبها أن ترشد روادها إلى كيفية استعمال هذه المواد واستخدام هذه الأدوات، ويمكن القول إن الهدف من إنشاء المكتبات هو تهيئة الفرص للأطفال والشباب والرجال والنساء وكل فئات المجتمع وطوائفه ليواصلوا تعليم أنفسهم بعد انقطاع صلتهم بمدارسهم.
стр. 4374
أو لمتابعة ما يطرأ على المعرفة الإنسانية في مختلف المجالات، أو للمحافظة على التعبير والتفكير والنقد تجاه جميع المسائل العلمية والاقتصادية والاجتماعية والسياسية.
أو لخلق الوعي المستنير بقصد جعل المواطنين أصلح لبلادهم وللبشرية، أو لرفع مستوى الأداء والإنتاج في الأعمال اليومية والمهنية. وهناك من يقصد المكتبة لتنمية قدرته على الخلق والتذوق والإبداع في محيط الآداب والفنون.
أو للمعاونة الأتم والأوفى في الإضافة لحصيلة المعرفة البشرية، وقد لا يتعدى الأمر الانتفاع بوقت الفراغ.
ولعل هذه الأغراض تدفع المكتبة العامة إلى أن تربط بين نشاطها ونشاط الهيئات التعليمية والثقافية والاجتماعية الأخرى؛ كالمدارس والجامعات والمتاحف والنقابات والنوادي والجمعيات العلمية ومنظمات مكافحة الأمية...الخ".
ويمكن القول إنه إذا توفر للمكتبة هيئة من الموظفين أحسن اختيارهم واكتمل إعدادهم المهني وتوفر لها في نفس الوقت ميزانية كافية ومساندة اجتماعية صادقة، أصبحت بحق "جامعة"للشعب تهب العلم حرا لكل من يقصدها.
ولكي تؤدي المكتبة رسالتها وأغراضها فلابد أن تتعدد وظائفها وتتنوع بما يكفل لها تغطية جميع المجالات وخدمة كافة المستويات.
وإذا كان معظم المكتبات في عالمنا العربي ليس لها اعتمادات مالية مناسبة، إن لم نقل ليس مخصصات مالية على الإطلاق، فلا غرو أن إمكانياتها لا تسمح لتوظيف مكتبيين فنيين.
على أن أمين المكتبة لا يمكن أن يزاول عمله بكفاءة ونجاح إلا إذا كان حاصلا على درجة علمية من إحدى الكليات مع دراسة سنتين على الأقل في إحدى معاهد المكتبات المتخصصة، ولعل هذا هو الحد الأدنى لمتطلبات مهنة أمناء المكتبات فيما نرى.
стр. 4375
ولما كانت الوظائف في المكتبات متنوعة ومختلفة ومتباينة فعلية لابد من تنوع مستويات التدريب المهني، وتنوع المرتبات واختلاف المسئوليات. ومما تجدر الإشارة إليه أنه لا يوجد حتى الآن في منطقة الشرق الأوسط سوى معهدين لدراسة المكتبات أحدهما في إيران، والثاني في جمهورية مصر العربية، وقد تحول إلى قسم من أقسام كلية الآداب في جامعة القاهرة، وأصبح يمنح درجة الليسانس في الوثائق والمكتبات درجتي الماجستير والدكتوراه، ويوجد بمصر أيضا منذ سنوات قليلة مضت معهد عال للمكتبات مدة الدراسة به ثلاث سنوات بعد الليسانس أو البكالوريوس.
وقد بلغني نبأ إنشاء قسم للمكتبات في جامعة الرياض بالمملكة العربية السعودية، ونحن ننتظر اليوم الذي نرى فيه معاهد المكتبات وقد انتشرت في كل أرجاء الوطن العربي، لتغطي الاحتياجات الملحة للمكتبات العربية، والأمل أن تنشر الدراسات في علم المكتبات فتصبح بين مقررات الكليات والمعاهد العليا بكل الجامعات العربية.
وما تجدر الإشارة إليه أن التدريب الممتاز الذي تقدمه مثل هذه المعاهد والجامعات، وإيمان المشرفين على المكتبات بفحوى هذا التدريب وأهميته لاشك يسمو بمستوى العمل في المكتبات إلى درجة كبيرة في فترة زمنية وجيزة لا تتجاوز بضع سنين.
ولاشك أن العمل في المكتبات العربية قد أصبح الآن يحتاج إلى درجات علمية أو تدريب عال على كافة المستويات الفكرية، يبرر ذلك ويؤكده أن الكثيرين من موظفي المكتبات عندنا ليسوا على أدنى مستوى من الكفاءة - ولا زالوا يمارسون العمل داخل المكتبات في الوطن العربي دون استعداد أو كفاءة - وربما كان عدد وفير منهم لا تسمح حالتهم حتى بمجرد البدء في التعليم، لانعدام هذا الأساس عندهم من الأصل.
стр. 4376
وعسى أن ينظم لهؤلاء ومن على شاكلتهم مناهج خاصة مبسطة، تعقدها معاهد المكتبات أو السلطات المسؤولة عن المكتبات داخل الحكومات العربية، وربما كان واضحا في الأذهان أن معرفة المكتبي بالمادة الموضوعية للكتاب تتكيف وفق معيار الفائدة والاستعمال، ومما لاشك فيه أن الخدمة المكتبية تحتاج إلى معرفة الكثير من الموضوعات والفنون، وإلى دراسة المراجع ومصادر الكشف الببليوجرافي وطرق البحث ومناهجه.
وإذا كان على عالم الرياضة أن يكون ملما بالمعرفة الرياضية، وعالم التاريخ أن يكون محيطا بالأحداث التاريخية وفلسفة التاريخ، فإن على المكتبي أن يعرف المصادر الأدبية لهذه الموضوعات كلها أو جزء منها.
على أن التدريب العالي ضروري إلى حد كبير في كثير من الأعمال في المكتبات، ولعل تزايد الفنيين في المكتبات أمر له أهمية كبيرة عند من يعنيهم أمر الثقافة والتربية.
ويظهر أثر التدريب على فن المكتبات بنجاح في إدارتها وتنظيم أعمالها بكفاءة، وربما تسبب انعدام التدريب أو ضآلة كفاءته في انصراف العاملين في المكتبات عن أداء رسالتهم، بل والتفكير في ممارسة أعمال أخرى بعيدا عن هذا المجال. ومما تجدر الإشارة إليه أن الخدمة المكتبية تحتاج إلى عدد مناسب من الكفاءات، على أن تغطي هذه الكفاءات احتياجات المكتبة المهنية خاصة، وأنها متعددة وتحتاج إلى في الغالب إلى كفاءات عالية.
على أن ممارسة المكتبي لمهنته داخل المكتبات شيء لا يقل أهمية عن دراسته بالمدارس المهنية وحصوله على برامج تدريبية متطورة.
ويلاحظ أن هذه المعايير نسبة بين أنواع المكتبات، فاحتياجات المكتبة العامة تختلف عن المكتبة الجامعية، ومتطلبات المكتبة المتخصصة غير متطلبات المكتبة المدرسية، على أن كل أنواع المكتبات تخضع لمقاييس متشابهة عند تقويم مدى تقدمها. ومن ذلك:
(١) فتح الأرفف لاستخدام الجمهور دون وسيط أو رقيب.
стр. 4377
(٢) التعاون مع الهيئات والجمعيات؛ كالجامعات والمدارس في تقديم المساعدات وتلقي العون من الكتب ومواد القراءة وغير ذلك.
(٣) ماذا تفعل هذه المكتبات للأطفال ولمختلف فئات السن، وبخاصة الكبار.
(٤) مدى اتفاق هذه المكتبات من حيث التشريعات والنظم المكتبية والمالية والإشراف والرقابة...الخ.
(٥) مدى انتشار المكتبات داخل أقاليم الدولة ومحافظاتها ومدنها وقراها. ولعل المسئولين في الوطن العربي يهمهم أن تتطور مهنة أمناء المكتبات في بلادهم، وإذا كانوا كذلك فعليهم أن يشاركوا في صنع هذا التطور بالوسائل الآتية:
(١) تشجيع تكوين الجمعيات المهنية للمكتبات؛ كالجمعية المصرية للوثائق والمكتبات في القاهرة.
(٢) إصدار مجلات متخصصة في علم المكتبات كلما كان ذلك في الإمكان.
(٣) إعداد نشرات عن المكتبات العربية عن طريق الجهات المسئولة والوزارات المعنية.
(٤) الاصطلاح على تقسيم العمل داخل المكتبات الكبيرة بطريقة موحدة، فقسم للتواصي والتزويد، وقسم للإعارة، وقسم للمكتبات الفرعية، وقسم للأعمال الفنية، وقسم للتدريب المهني، وقسم للطباعة والنشر، وقسم للكبار، وقسم للأطفال، وقسم للوسائل السمعية...الخ.
(٥) الاهتمام بالتعليم المهني في مجال المكتبات، وذلك بزيادة إنشاء مدارس المكتبات والمنظمات المكتبية.
على أن توحيد المسميات الوظيفية في نطاق أعمال المكتبات ووظائفها أمر له مغزاه ومعناه في تقدم هذه المهنة وإبراز مداها وخطورتها، فمدير عام المكتبات ومساعده ومدير المكتبة والأمناء والخبراء ورؤساء الأقسام والمصنفون والمفهرسون ومرشدوا القراء والفنيون والأخصائيون وأمناء القاعة، بل والملاحظون؛ هي مسميات بوظائف فنية يمكن أن تكون داخل مكتباتنا حسب نوعها وحجمها، وإن كانت كلها وظائف فنية تحتاج إلى دراسة فن المكتبات وإلى التدريب على أعمالها في برامج تعد لهذا الغرض.
стр. 4378
أما وظائف المسجلين والكتبة وطابعي الآلة الكاتبة والعاملين في الآلات الحاسبة وورشة التجليد والمطبعة وغيرهم من الوظائف التي لها علاقة قريبة بالمكتبات قد لا تحتاج إلى مثل هذا النوع من التدريب.
على أن العمل داخل المكتبات الجامعية بوجه خاص يحتاج إلى إشراف جماعي على المكتبات، لذا فلابد من وجود لجنة لمكتبات الجامعات بكل جامعة تكون عادة برئاسة رئيس الجامعة أو نائبه، وسكرتارية مدير المكتبات في الجامعة وعضوية عدد من أعضاء هيئة التدريس وبعض الشخصيات الاعتبارية من خارج الجامعة، وتقاس قيمة هذه اللجنة بالنظر إلى أعمار أعضائها ومدة العضوية فيها والمستوى التعليمي لمنتسبيها ونوعية هذا التعليم ونسبة حضورهم الاجتماعات، ويمكن أن تشكل مجالس إشراف للمكتبات العامة الكبيرة قريبة من لجان المكتبات الجامعية.
وتكون مهمة مثل هذه المجالس واللجان رسم السياسة العامة للمكتبات واختيار الكتب.
مجموعات الكتب والمواد العلمية.
كيف تحصل المكتبة على ما تحتاجه من كتب؟ بالشراء أم بالإهداء؟ أم بالتبادل الثقافي؟ ... أم بطريقة أخرى كالإيداع القانوني مثلا؟ كما في مكتبات الدولة. وهل مجموعات الكتب في مكتبة ما ولتكن مكتبة جامعية تكفي وتغطي احتياجات الباحثين والقراء؟ وهل هذه المجموعات تطابق المحيط الجامعي مثلا؟
من الضروري أن نعرف ما تتخذه المكتبة من إجراءات لبناء مجموعاتها من الكتب وغيرها من مواد المعرفة، ولابد أن نقرر إذا كان رصيد المكتبة من مواد المعرفة يناسب أغراض هذه المكتبة ورسالتها، وإلى أي حد يكفي احتياجات مجتمعها ويكفي احتياجات مجتمعها وبيتها وجمهورها.
علينا أن نسأل كيف يتم اختيار الكتب في مكتباتنا؟ وهل للقراء دور في هذا.
ومن الضروري أن يشعر المترددون على المكتبة أن من حقهم أن يشاركوا في اختيار كتبها، وربما يقاس نجاح أي مكتبة بعدد المقترحات التي تردها من القراء لاختيار كتب لمكتبهم.
стр. 4379
وهذا لا ينفي ضرورة وجود موظفين مسئولين يشاركون مشاركة فعلية في اقتراح الكتب التي تحتاجها المكتبة، بل وترجمة هذه المقترحات إلى مشتروات.
ويقاس أداء المكتبة لرسالتها عادة بعدد الكتب التي تخص القارئ الفرد، بمعنى أن نقسم العدد الكلي لمحتويات مكتبة ما على كل من لهم حق الانتفاع بهذه المكتبة - حتى ولو لم يستخدموها بعد - فمكتبة جامعية جمهورها وبيئتها هم الطلاب والأساتذة وموظفوا الجامعة، ومكتبة عامة جمهورها وبيئتها المدينة أو البلدة أو القرية التي تخدمها.
ولا بأس عند تقويم أداء مكتبة ما لرسالتها أن نقسم مجموع عدد الكتب على العدد الكلي للمستعيرين قابل للتغير زيادة ونقصا، ولا يمكن اعتباره ثابت الدلالة، لاحتمال أن يتردد على المكتبة من يستخدم قاعات المطالعة بها... ومثل هؤلاء بلا جدال يدخلون في حساب مجموعات المكتبة.
وفي بعض المكتبات قد نكتفي بذكر الرقم العام لرصيد المكتبة على أساس أن من السهل إدراك ما ترمي إليه، ومن مساوئ هذه الأساليب في تقويم الأداء:
(١) أن هذه الطرق عددية وليست نوعية.
(٢) أنها لا توفق في التمييز بين العناوين والمجلدات التي تملكها المكتبة.
(٣) أنها لا تعطينا تعريفا للمواد العلمية داخل المكتبة.
ويمكن للباحث أن يتفادى هذه العيوب، وذلك بتحليل عدد المجلدات على أساس الموضوعات التي تعالجها، أو على أساس فئات القراء التي يمكن أن تنتفع بها، وربما أعطي ذلك فكرة أدق عن مدى كفاية المجموعات.
стр. 4380
ولابد أن يكون واضحا في الذهن أن مجموعات الكتب داخل مكتبة ما هي كتب في المعارف العامة أو الفلسفة أو علم النفس أو الدين أو العلوم الاجتماعية والقانون والتربية أو اللغات أو العلوم البحتة أو التطبيقية؛ كالطب والزراعة والهندسة والتدبير المنزلي والأعمال المالية والصناعات والمباني، أو الفنون الجميلة أو الأدب أو التاريخ والجغرافيا أوالتراجم. وهذه المواضيع واضحة في الفهرس الموضوعي المصنف للمكتبة، وقد تظهر في قائمة الأرفف... ومن بين كتب المكتبة ما يصلح للأطفال ومنها ما يصلح للكبار أو لغير ذلك من الفئات. ومن كتب المكتبة ما نطلق عليه "القصص"ومنها ما هو بلغات مختلفة غير اللغة العربية.
ومن محتويات المكتبة ما يغاير الكتاب فيكون على شكل مجلد أو دورية أو مخطوط أو شريط أو مادة سمعية...الخ.
ومن محتويات المكتبة ما يحتاج إلى استبعاد لعدم جدوى وجوده بين رصيدها، لكون مثل هذا النوع لا يعالج موضوعات يهتم بها أحد من القراء، أو لأنها تحوي نصوصا تسيء إلى مشاعر آخرين، أو لأنها نقدت قيمتها العلمية لتقادم معلوماتها، أو لأي سبب آخر، وربما استبعدت المكتبة بعض الكتب لأنها مستهلكة إلى حد يتعذر معه تداولها أو ترميمها أو تجليدها، وربما كان الاستبعاد بسبب تكرار في النسخ يزيد عما تحتاجه المكتبة.
ومن بين مجموعات الكتب في المكتبة ما يعرف عند المشتغلين في المكتبات باسم المراجع، وهي لفظ يطلق على القوانين ودوائر المعارف والتقاويم والحوليات والأدلة والأطالس والببلوجرافيات والجداول الإحصائية وقواميس التراجم وغيرها، وهي مواد ذات طبيعة خاصة تمنع من إعارتها خارج المكتبة، وتحتاج إلى تدريب القراء على استعمالها، ويستحسن أن يتم ذلك في المكتبة عن طريق برامج منظمة، وسنعالجها إن شاء الله في موقع آخر تفصيلا.
مواد المعرفة والقراءة.
следующие страницы →