← Джавами‘

Джавами‘ · id 4473

مجلة الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (23 804 стр.). Показаны 4726–4765 · переход к 4731.

стр. 4726

١- فكرة تحديد النسل بصفة عامة في الأقطار الإسلامية التي لا يزال للدول المستعمرة نفوذا فيها أو طمع في الاستئثار بخيراتها فكرة غريبة دخيلة تخفي وراءها كيداً استعمارياً خبيثاً لم يتفطن له الكثير من الناس، ومنهم من يأبى أن يتفطن، والسر عند علام الغيوب، فليس أبغض للمستعمرين، ولا أعود على سياستهم بالفشل من تزايد عدد المسلمين الذي من شأنه أن يحملهم على الكدح في الحياة والسعي للحرية وتحطيم أغلال الاستعمار لينعموا بخيرات بلادهم ويعيشوا رافهين. وقد قرأت أخيراً في بعض الصحف أثر اجتماع الأقطاب الثلاثة العظام ما يرمي إلى فزع الدول الكبرى من كثرة عدد العرب وقلة عدد اليهود، ولتزايد عدد في الدولة رهبته وقوته وآثاره ونتائجه، فلنكثر رغم ما يدبرون، ولنتسلح بالقوة ولنشق طريقنا إلى الحياة الحرة، وإن الدول التي هصرتها الحروب وأكلتها الشدائد لتسعى جاهدة في تنمية عددها ومضاعفة قوتها لتواجه المستقبل بعدة الكفاح المثمر. ٢- وإننا في الوقت الذي نعارض فيه تحديد النسل بصفة عامة نستوجب على الحكومات العربية أن تتظافر فيها القوة لاستغلال جميع موارد البلاد زراعياً وصناعياً لتنعم بخيراتها وهي والحمد لله وفيرة وبلادها من أخصب البلاد وفيها كنوز وذهب أحمر وأسود، ومعادن وخيرات حسان، وفيها ما يحتاج لأضعاف أضعاف أيدي أهلها الآن لاستثمار هذه الخيارات الوفيرة، فلنعد لهذا الجهاد أبناءنا لنستغني بهم عن الأجانب عنا، ولندع هذه الفكرة الماكرة فهي معول هدم وسوسة تنخر في العظم.

стр. 4727

٣- ومع أننا نعارض بقوة فكرة التحديد بصفة عامة نقرر في صراحة أن الشريعة السمحة تبيح اتخاذ وسائل منع الحمل، بل وسائل الإجهاض قبل نفخ الروح في بعض الحالات وهي حالات فردية اضطرارية يكون فيها الضرر محققا بالحاملة أو غالبا بشهادة الطب الصادقة لا بالوهم والخيال. وهذا كما تبيح للمريض الفطر في رمضان إذا كان الصوم يضره وقرر الطبيب الحاذق ذلك أو دلت عليه تجربة صحيحة أو ظهرت له أمارة صادقة، وكما تبيح للحامل والمرضع الفطرة إذا خافتا على نفسهما أو ولدهما على التفصيل المبين في الفقه. ٤- والخلاف بيننا وبين دعاة التحديد ليس في هذه الجزئيات الاضطرارية، وإنما هو في الدعوة العامة إلى التحديد، لا فرق بين حالة الضرر وحالة الاختيار كما أشير إليه في السؤال. وبعد: فلعل في هذا ما يرشد بعض الباحثين إلى أن الأولى والأحق بجهودهم وإمكانياتهم أن توجهوا الشعوب في الأقطار العربية إلى التوفر على العمل المنتج، ويعدوا لهم ما ليس في إمكان الأفراد من الوسائل التي بها تسعد الأمم وتبقى في رغد العيش ورفاهة النعيم، والله أعلم.

стр. 4728

شعر شوقي في ميزان النقد بقلم: فضيلة الشيخ محمد المجذوب المدرس بكلية الدعوة وأصول الدين بالجامعة ولد أحمد شوقي في مصر عام ١٢٨٥ هـ وفيها توفي عام ١٣٥١ هـ، وتعتبر هذه الفترة مطلع النهضة في حركة الشعر العربي الحديث، ويعد شوقي أكثر شعراء العربية إنتاجاً، وقد أوتي شاعرية فياضة ومخيلة قوية دعمت بالعلم وغذيت بالأسفار، ووراء ذلك طموح شديد إلى بلوغ أعلى ذرى القريض، فهو يحاكي عددا من أكابر شعراء العربية والفرنجة ففي شعره قوة المتنبي وروعة البحتري، وعمق أبي تمام، ورقة ابن زيدون. ويجاري من شعراء الفرنجة فيكتور هيجو في السياسة والتاريخ والأساطير، ولافنتين في الحكايات الخرافية، وكرناي في المآسي التمثيلية هو يريد أن يبلغ شأوهم جميعاً. لذلك تعددت أغراض شعره، ففيه التاريخ والسياسة والاجتماع والدين والوصف والغزل والمدح والرثاء والفخر والحكمة. وفيه الشعر التعليمي والتمثيلي. وهو في كل أغراضه ذو طابع خاص يميزه عن جميع الشعراء، الذين حاول محاكاتهم، وإن كان يشبههم في كثير من الخصائص. ١- شعره السياسي: تتفاوت نظرة شوقي السياسية تبعاً لظروفه الشخصية وظروف الحياة العامة. ففي المرحلة الأولى من حياته - حياة القصر - يدور مع رأي ولي أمره فيعادي خصومه ويصادق مؤيديه. لذلك نراه يحمل على أحمد عرابي ويعده خائناً: أهذا كل شأنك يا عرابي؟ صغار في الذهاب وفي الإياب وهو يعبر بذلك عن نظرة البلاط إلى عرابي. وبمثل ذلك يواجه (رياض باشا) رئيس الوزارة لأنه أثنى على اللورد كرومر بكلمة أساءت إلى مصر وإلى الخديوي عباس الذي كان شوقي شاعره: أضيف إلى مصائبنا العظام خطبت فكنت خطباً لا خطيباً وجرحك منه لو أحسست دامي لهجت بالاحتلال وما أتاه

стр. 4729

ولنستمع إليه يحمل على الأمير حسين واللورد كرومر والشيخ عبد الكريم سلمان بمناسبة سفر كرومر إلى بلاده، وقد خطب هذا في حفلة أقيمت لوداعه فهاجم الخديوي عباساً والمصريين على مسمع من حسين والشيخ دون أن يحركا ساكناً: فكأنك الداء العياء رحيلا لما رحلت عن البلاد تشهدت أدب لعمرك لا يصيب مثيلا أوسعتنا يوم الوداع إهانة مثلت فيه المبكيات فصولا في ملعب للمضحكات مشيد وتصدر الأعمى به تطفيلا شهد الحسين عليه لعن أصوله والمرء إن يجبن يعش مرذولا جبن أقل وحط من قدريهما ولكن من العجائب أن ينسى شوقي إساءة الأمير حسين هذا بعد حين، فيمدحه ويمدح معه الإنكليز، الذين خلعوا سيده عباساً وجاءوا بحسين سلطاناً مكانه على مصر. فيعتبر عمل الإنكليز هذا خدمة لمصر وحفظاً للوائها، ويشبههم بالمسلمين الأولين ويسميهم الأحرار العادلين: أرقى الشعوب عواطفاً وميولا حلفاؤنا الأحرار ألا إنهم ساروا سماحاً في البلاد عدولا لما خلا وجه البلاد لسيفهم ملكاً عليها صالحاً مأمولا وأتوا بكابرها وشيخ ملوكها والأغرب من ذلك أن يتوارد في كلتا القصيدتين على رويّ واحد وبحر واحد دون أن يتذكر تناقضه العجيب! ولكن شوقي لا يفوته أن يعتذر عن هذا التناقض بين أمس واليوم، فالذي يهمه هو أن يظل الحكم في آل محمد علي لا فرق بين واحد وواحد منهم. لذلك يرى من الوفاء أن ينصر كل ذي سلطان يقوم من أبناء إسماعيل: ولقد ولدت بباب إسماعيلا! أأخون إسماعيل في أبنائه

стр. 4730

وهكذا كان موقف شوقي من الأتراك فهو بدافع من عرقه التركي يرى الخلافة لا تصلح إلا لهم، ويؤيد سياسة عبد الحميد فيعتبر عهده عهد الرحمة والعدالة والخير، إلاّ أنه لا يرى بأساً أن تنتقل الخلافة إلى أخيه محمد رشاد بعد ذلك، فيبايع هذا ويمدح الدستوريين الذين خلعوا عبد الحميد!. . لأن المهم في نظره أن يبقى السلطان للأتراك، ولذلك نقم شوقي أول الأمر من الشريف حسين لثورته وتعاونه مع الإنكليز، ولما ألغى مصطفى كمال الخلافة خشي أن توسد إلى الشريف حسين، فأخذ يحذر المسلمين من ذلك، ويصف الشريف حسيناً بالمعجز والإضرار للمسلمين: عزل يدافع دونه بالراح لا تبذلوا برد النبي لعاجز واليوم مدّ لهم يد الجراح بالأمس أوهى المسلمين جراحة وعلى الرغم من انقطاع علاقة الأتراك بمصر والبلاد العربية ظل شوقي متصل القلب بهم يراقب حوادثهم، وبهذا الحافز اندفع إلى مدح مصطفى كمال عند انتصاره على اليونان، بقصيدة عارض بها (عمورية) أبي تمام، فكانت صورة عن عواطفه نحو الأتراك، وترجماناً عن شعوره العميق بالأخوة الإسلامية التي لا تفرق بين جنس وجنس: يا خالد الترك جدد خالد العرب الله أكبر كم في الفتح من عجب! على الصعيد وخيل الله في السحب يوم كبدر فخيل الحق راقصة بدرية العود والديباج والعذب غر تظللها غراء وارفة من سكرة النصر لا من سكرة النصب نشوى من الظفر العالي مرنحة مشي المجلى إذا استولى على القصب حتى تعالى أذان الفتح فاتأدت ٢- التطور في أفكاره السياسية:

стр. 4731

على أن تبدل الأوضاع السياسية في البلاد العربية والإسلامية عقيب الحرب العالمية الأولى أثر في عقلية شوقي تأثيراً كبيراً، فقد عاد شوقي من منفاه في الأندلس بعد الحرب، فوجد كل شيء قد تغيّر، فقل اتصاله بالقصر، ويئس من موقف الأتراك بعد إلغائهم الخلافة، فأتيح له بذلك أن يلتفت إلى الشعب المصري وأن يتأثر بحوادث النضال الوطني في البلاد العربية. وهكذا بدأ مرحلته الجديدة كشاعر [١] للمجتمع، ومذ ذلك العهد أقبل شوقي على الاهتمام بقضايا الشعب المصري والأمة العربية، يسجل آلام العرب وآمالهم وكفاحهم في شعر وجداني رفيع. وقد تفتقت بواكير حنينه إلى وطنه أثناء نفيه عنه، ففي المنفى نظم شوقي طائفة من أروع شعره الوطني الخافق بالعواطف: أو أسا جرحه الزمان المؤسى! وسلا مصر: هل سلا القلب عنها نازعني إليه في الخلد نفسي وطني لو شُغِلْتُ بالخلد عنه وهكذا اتجه همّ شوقي إلى الدفاع عن مصر وحريتها، فيرسل أشعاره الثائرة هجوماً على الأجنبي وتنديداً بأعماله، وإثارة للأحزاب المصرية إلى التعاون ونبذ التخاصم: وهذي الضجة الكبرى علام؟ إلام الخلف بينكم إلام وتبدون العداوة والخصاما؟ وفيم يكيد بعضكم لبعض وفي هذا الجو الجديد من حياة شوقي ينسى حملته على الشريف حسين بالأمس، ويرثيه بقصيدة من خير شعره، حتى ليَشغَل بمأتمه السماء والأرض: قام فيها أبو الملائك هاشم لك في الأرض والسماء مآتم وبديل التهم الجارحة التي وجهها إليه في خروجه على الخلافة يعود الآن ليفرغ على عمله طابع القداسة، فيشبهه بالحق الذي يؤلف بين المؤمنين: ن وزاد ائتلافهم وهو نائم أنت كالحق ألف الناس يقظا ويعتبر ثورته إلى جانب الإنجليز موقفاً يستحق أحسن المديح: لم يقفه للعرب قبلك خادم حبذا موقف غلبت عليه

стр. 4732

ولذلك لا يرى كفؤاً لغسله إلا وضوء النبيين، ولا لتكفينه إلا رقعا من مواضع صلواتهم، ولا يصلح لضم جثمانه إلا نعش مؤلف من أعواد المنبر النبوي، ولا لحمله إلا ظهر البراق الذي كان مركب الرسل من قبل: سل كالورد في رباه البواسم اغسلوه بطيب من وضوء الر رقعة كفنوا بها فرع هاشم وخذوه من وسادهم في المصلى عوداً ومن شريف القوائم واستعيروا لنعشه من ذرى المنبر فقد جل عن ظهور الرواسم واحملوه على البراق إن اسطعتم على أن أروع ما انطوت عليه تلك القصيدة حديثه عن واقع المسلمين تحت أوزار الاستعمار، وما خبره من مغامرة المرثي في نصرة هؤلاء الأراقم: كيف غامرت في جوار الأرقم قم تحدث أبا علي إلينا حمل في وليمة الذئب طاعم كلنا وارد السرّاب، وكل ووردنا الوغى فكنا الغنائم قد رجونا من الغنائم حظاً وأكثر ما يتجلى هذا التطور في قصائده التي يسجل بها كفاح دمشق وسورية في طلب الحرية، ومن أشهر شعره الجديد قصيدتاه عن دمشق (سلام من صبا بردى..) و (قم ناج جلق. .) وفي كليتيهما يقف شوقي موقف المؤرخ الواصف الناصح المحرض: ومرضعة الأبوة لا تعق ألست دمشق للإسلام ظئرا وألقوا عنكم الأحلام ألقوا بني سورية اطّرحوا الأماني بألقاب الإمارة وهي رق فمن خدع السياسة أن تغروا فإن رمتم نعيم الدهر فاشقوا وقفتم بين موت أو حياة بكل يد مضرجة يدق وللحرية الحمراء باب وهكذا أصبح شعر شوقي وتراً حساساً يسجل جميع الاهتزازات التي تعتري البلاد العربية فلا تجد حادثة من حوادثها السياسية إلا تركت آثارها في قلبه وشعره, فهو بذلك صاحب فكرة توجيهية تستهدف بعث الحمية بتذكير العرب ماضيهم المجيد، ودفعهم إلى بناء حاضرهم الجديد، وإلى هذا يشير بقوله: ق وكان العزاء في أحزانه كان شعري الغناء في فرح الشر

стр. 4733

وليس الشرق في نظر شوقي إلا وطن العرب والإسلام، تربطه به روابط اللغة والتاريخ ثم الآلام والآمال المشتركة: ولكن كلنا في الهم شرق نصحت ونحن مختلفون داراً بيان غير مختلف ونطق ويجمعنا - إذا اختلفت بلاد- ٣- شعر شوقي الاجتماعي: والاجتماعيات عند شوقي ممزوجة بشعره السياسي والتاريخي أو مستقلة في قصائد خاصة، وقد أفرد لهذه الأغراض الثلاثة باباً خاصاً في ديوانه. وتتفاوت أساليب شوقي في الاجتماعيات، فبعضها أناشيد للأحداث، وبعضها حكايات خرافية على ألسن الحيوان, وبعضها الآخر يتناول موضوعات عامة ممّا يتصل بحياة المجتمع مباشرة، كالمرأة والتعليم والعمال والأخلاق والعلاقات الدينية وغير ذلك. أ- المرأة: كان موضوع المرأة:تعليمها وحجابها وسفورها من مشاكل العصر أيام شوقي, لذلك لم يجد مندوحة عن الكلام في هذا الشأن فهو يرى أن تعليم المرأة أمر لابد منه لإنشاء الجيل الصالح: رضع الرجال جهالة وخمولا وإذا النساء نشأن في أمية هم الحياة وخلفاه ذليلا ليس اليتيم من انتهى ابواه أماً تخلت أو أباً مشغولا إن اليتيم هو الذي تلقى له ويا ليته وقف عند مثل هذه الجوانب الهامة من قضية المرأة, فوعظ وأرشد وأصلح, ولكنه لم يستطع فزج بنفسه إلى مواقف لم يحسن التخلص منها, إذ راح أولاً يؤيد ميول البلاط بالدفاع عن الحجاب, ثم لم يلبث أن انساق في التيار الذي ألفه في أوروبة والبوسفور, فانقلب يزين للمرأة سبيل الزيغ, الذي بدأ في مصر منذ الاحتلال الفرنسي, ثم استأنف سيرته على يد السافرة الأولى هدى شعراوي ...

стр. 4734

ب-الدين في شعر شوقي: ويرى شوقي كيف يستغل الأجنبي الفوارق الدينية بين أبناء وطنه, فيهاجم التعصب ويدعو إلى الأخوة, ويلفت نظر المواطنين إلى الأهداف الإنسانية المستركة بين المسيحية والإسلام, صيانة للمجتمع من التفكك الذي يسهدفه العدو. وكثيراً ما يكرر شوقي هذه المعاني توكيداً لها, كما يفعل في مدح السيد المسيح والإشادة برسالته الإنسانية القائمة على المحبة والرحمة: والمروءات والهدى والحياء ولد الرفق يوم مولد عيسى من الفجر في الوجود الضياء وسرت آية المسيح كما يسري وكما تعثر شوقي في ميدان المرأة أخذه (الشطح) في ميدان التزلف إلى أصدقائه من النصارى, فأكثر من التعابير النصرانية, وخص الصليب بالكثير من الرعاية في أكثر من قصيدة.. حتى إن المدقق في معانيه هذه لا يكاد يحس فرقاً بين لهجته تلك ولهجة أي نصراني يؤمن بهذه المصطلحات. ولا غرابة فشوقي مأخوذ بجواذب البيئة التي افتعلها السياسة في مصر وغير مصر من البلاد العربية، التي حاول رجال السياسة المسلمون فيها إحباط المساعي الاستعمارية لاستغلال الأقليات المسيحية، فراحوا يتزلفون إلى هذه الأقليات بكل ما يظنونه محققاً لأهدافهم الوطنية. . . ولو أدى ذلك إلى تقديس ما يعتبر في عقيدتهم الإسلامية من المنكرات بل المكفرات. . . وبمثل هذا الاندفاع غير الواعي استسلم شوقي لبعض الأفكار غير السليمة في مدائحه النبوية، فشوه جمالها بتلك الانحرافات، التي التقطها من ألسنة (الدراويش) وكتبهم. . دون أن يسمح لعقله بالتفكير في محتوياتها الشاردة عن نطاق التوحيد. . وحسبنا أن نشير من ذلك إلى قوله - في نهج البردة - مخاطباً رسول الله ﷺ : مفرج الكرب ف الدارين والغُمَمِ ألقى رجائي - إذا عز المجير - على قدمت بين يديه عبرة الندم وإن تقدم ذو تقوى بصالحة

стр. 4735

وقد نسي شوقي في غمرة التقليد ألا مفرج لكرب إلا الله، وأن عبرة الندم لا تكسب إلا بين يديه سبحانه.. كما علمنا رسوله صلوات الله وسلامه عليه. وأبعد في التقليد من ذلك قوله في همزيته: ومن المديح تضرع ودعاء ما جئت بابك مادحاً بل داعياً في مثلها يلقى عليك رجاء. أدعوك عن قومي الضعاف لازمة ومثل شوقي لا يعذر إذا جهل قول رسول الله ﷺ :"الدعاء هو العبادة ", و "الدعاء مخ العبادة ", ولكنه التقليد الضرير الذي يحشر العقلاء في زمرة السفهاء. ولعل وصفه رسول الله ﷺ في هذه الهمزية بمثل قوله: لولا دعاوى القوم والغلواء الاشتراكيون أنت إمامهم لا يقل تخبطاً عن زلاته تلك، فهو بهذا النعت يسيء إلى رسول الله ﷺ من حيث يظن أنه يمدحه، كأولئك ﴿الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً﴾ . وليت شوقيّا تأخرت به الأيام إلى عهود (الثوريات الاشتراكية) وشاهد ما لقيت أمته على أيدي هؤلاء الاشتراكيين من الذل والعار والضياع. . إذن لعض يديه ندماً على ما فرط. . ولحاول تدارك ما تفلت به لسانه بقصائد تكفر بعض هاتيك السيئات. ومما يلفت النظر ف هنوات شوقي هذه أنها تلاحقه في معظم إسلامياته حتى ليقول للسلطان عبد الحميد عليه رحمة الله: وحمدك يا أمير المؤمنينا بحمد الله رب العالمينا فيسوي في استحقاق المحمدة بينه وبين الله ، دون أن يفطن لخطر التعبير، الذي حذر منه رسول الله عليه وسلم أشد التحذير، حين قال للرجل الذي سوى بين مشيئة الله ومشيئة رسوله: "أجعلتني لله ندا؟ . . . قل ما شاء الله ثم شئت". ٤- شوقي والعمال:

стр. 4736

ويدعو شوقي لإتقان العمل، ويرى أن العمال المتقين هم عمار الأرض، لذلك يحث عمال مصر على الجد والإتقان، ويذكرهم بماضي أجدادهم وما تركوه من آثار عمرانية رائعة، ليستعيدوا بعزائمهم ذلك العهد المجيد: أيها العمال: أفنوا العمر. . . . . كداً واكتساباً واعمروا الأرض فلولا. . . سعيكم أمست يبابا إن للمتقين عند الله والناس ثوابا أرضيتم أن ترى مصر من الفن خرابا بعدما كانت سماء للصناعات وغابا ٥- الأخلاق في نظر شوقي: كان شوقي كثير الدعوة إلى الأخلاق يراها الأساس الأول لقوة الأمة، وقد حرص على تريد هذه الدعوة في كثير من قصائده، ومن مشهور أقواله في ذلك: فإن هُم ذهبت أخلاقهم ذهبوا وإنما الأمم الأخلاق ما بقيت وهذا الرأي في قيمة الأخلاق دعاه إلى مخافة القول المألوف (الحق للقوة) إذ راح يذكر القائد الصليبي الجديد، اللورد (اللنبي) بأن للحق لا للقوة الغلبا. . وهناك قصائد عديدة من شعر شوقي الاجتماعي يتغلغل بها إلى صميم القضايا الاجتماعية الوطنية والإنسانية تتفاوت في مقدار حظها من الجمال. ومن أروعها قصيدة (مصاير الأيام) وفيها يتحدث عن حياة الطفولة والمدرسة، و (مملكة النحل) وفيها يضرب المثل للجد وأثر العمل في ميزان الحياة. وبالإجمال فشوقي في شعره الاجتماعي مصلح يريد الأمة قبل الفرد. وقد بلغ من أمره هذا ما جعله شاعر الشعب بل شاعر الشرق الإسلامي كما يقول أحد دارسيه. ٦- شعره الوصفي: للوصف في شعر شوقي نصيب كبير وفي وصفه روائع حلق بها إلى آفاق بعيدة، ويعتبر من أبرع الوصافين في عصر النهضة وبخاصة من حيث الصور المادية التي كان بها أكثر توفيقاً منه في الصور المعنوية.

стр. 4737

ومن وصفه القديم كوصف الخمرة والمرأة والطبيعة، ومنه الحديث كوصف الرقص والطيارة والغواصة وحضارة الغرب، وقد تناول في وصفه بعض الموضوعات المطروقة من قبل فأخرجها في صور جديدة بارعة،، كوصفة آثار الفراعنة والحرب والمدن المنكوبة، وهو غني الصور في وصفه يمتاز بسعة الخيال ووفرة الألوان، ولعل أفضل وصفه ما قصد به إلى العبرة والموعظة، كوصفه نكبة دمشق والمسجد الأموي وقصر الحمراء. ولقد فتن شوقي بجمال دمشق فهو يراها جنة من جنان الله، بل هي بالنسبة للأرض حديقتها التي تسكب عليها الجمال، وبردى في نظره حارس هذه الجنة، يخرج مصفقاً لاستقبال نزلائها، أما غوطتها فهي زمردة خضراء، وليست منتزهاتها إلا ملاعب ومسارح. . . كما تلقاك دون الخلد رضوان جرى وصفق يلقانا بها بردى والشمس فوق لجين الماء عقيان دخلتها وحواشيها زمردة حُور كواشف عن ساق وولدان والحَوْر في دمّر أو حول هامتها الساق كاسية والنحر عريان وربوة الواد في جلباب راقصة لدى ستور حواشيهن أفنان وقد صفا بردى للريح فابتردت هكذا يمضي شوقي في هذا الوصف المترف لدمشق، فيجمع فيه من الألوان والظلال وصور البهجة واللهو ما يعبر عن طبيعته المشبعة بالترف النزاعة إلى اللذائذ. وإذا وقف شوقي أمام آثار مصر القديمة غَمَره الخشوع، وتفاعلت نفسه بذكريات حزينة على مجد ضائع، فيعرض ما يراه من تلك الآثار ممزوجاً بأحاسيسه النفسية، في صور دقيقة تفرغ الحياة على تلك الجمادات. فلنستمع إليه يصف هيكل أنس الوجود بأسوان وقد غرق بعضه في الماء، وانتصب بعضه في الفضاء: كالثريا تريد أن تنقضا أيها المنتحي بأسوان داراً لا تحاول من آية الدهر غضا اخلع النعل واخفض الطرف واخشع ممسكاً بعضها من الذعر بعضا قف بتلك القصور في اليم غرقى وشباب الفنون ما زال غضا

стр. 4738

شاب من حولها الزمان وشابت وليست أطلال العرب بأقل أثراً في نفس شوقي من أطلال الفراعنة، ففي كلتيهما ما يوقظ أساه على هذه الأمة، التي خسرت أمجادها، فلم يبق لها منها سوى هذه الأطلال المحركة لعميق الذكريات. هاهو ذا يصف قصر الحمراء في الأندلس، فتكاد تلمح الدموع تجول في مقلتيه، وتسمع الآهات تسيل على شفتيه: ء مَشْيَ النعِيِّ في دار عرس مشت الحادثات في غرف الحمرا سدة الباب من سمير وأنس هتكت عزة الحجاب وفضت مقفر القاع من ظباء وخُنس وترى مجلس السباع خلاء كلة الظفر لينات المجس مرمر قامت الأسود عليه وكدأبه في مثل هذا الموقف تتداعى في خياله صور الماضي ممزوجة بعبر الحاضر، فيعرض هذا المشهد التاريخي الرهيب لخروج آخر فوج لمسلمي الأندلس: عن حفاظ كموكب الدفن خُرس خرج القوم في كتائب صم تحت آبائهم هي العرش أمس ركبوا بالبحار نعشاً وكانت فهذا وصف دقيق عميق، تمتزج فيه المعنويات بالمحسوسات، امتزاجاً حياً مؤثراً يبعث الروح في أطلال الماضي بما فيها من الروعة والرهبة. أما وصفه لمظاهر المدنية الحديثة، فلا نكاد نلمس من خلاله ما ألفناه من ذلك التأثر العميق الذي نحسه في وصفه لآثار العرب والفراعنة, أنظر إليه يصف الغواصة تجده يدقق في وصف خطرها، وتتبع حركاتها، وسرعة عملها، دون أن تحس بحرارة العاطفة: لجج السند وخلجان الخزر بعث البحر بها كالموج من ليس دون الله تحت الليل سر ضربتها وهي سر في الدجى ونزت جنباً وناءت من أُخر وجفت قلباً وخارت جوء جؤاً فأتاها حَيْنها فهي خبر طُعنت فانبجست فاستصرخت فهو وصف معركة بين الغواصة والسفينة يروعنا بقوة تعبيره دون تأثيره.

стр. 4739

ومثل ذلك ما نراه في وصفه للطائرة، فهي لا تخرج عن كونها مركباً عجيباً، أشبه بالجواد، ملجماً مهيأ للركوب في كل لحظة: كان إحدى معجزات القدماء مركب لو سلف الدهر به يا لها إحدى أعاجيب القضاء نصفه طير ونصف بشر كامل العدة مرموق الرواء مسرج في كل حين ملجم ٧- الرثاء في شعر شوقي: أكثر شوقي من الرثاء حتى عيب عليه ذلك فرد عن نفسه مدافعاً: أأملت عند الراحلين الجوازيا؟ يقولون: يرثي الراحلين فويحهم لم يتكسب برثائه ولكنه لم يرث بدافع من الحزن وحده، بل هناك دوافع شتى، كالمجاملة وحب الشهرة, ومرثيوه من طبقات مختلفة, سياسيون وأدباء وأجانب. . ومن خصائص رثائه ضعف العاطفة - حتى في أبويه - ثم التفلسف وكثرة الحكم، تقليداً للقدامى. فهو رثاء عقلي واعٍ، يقوم على هذه العناصر مضافاً إليها تعداد المناقب والمآثر, لنستمع إليه يرثي والده فينسى وصف حزنه بهذا التفلسف البارد: لقي الموت كلانا مرتين أنا من مات ومن مات أنا ثم صرنا مهجة في بدنين نحن كنا مهجة في بدن وتموت أمه وهو منفي فلا يتمالك أن يتخذ من موتها فرصة لمعارضة قصيدة المتنبي في جدلة قافية ووزناً ومعنى، فيصيبه الإخفاق لما يبدو على قصيدته من التقليد الباهت، وبخاصة في الحكمة التي حاول أن يحاكي بها المتنبي، فجاءت فارغة جوفاء أو مسروقة محرفة: أصاب سويداء الفؤاد وما أصمى إلى الله أشكو من عوادي النوى سهما ولا كلقاء الموت من بينها حتما ولم أرَ حكماً كالمقادير نافذاً سبيل يدين العالمون به قدما إلى حيث آباء الفتى يذهب الفتى لي اليوم منها كان بالأمس لي وهما زجرت تصاريف الزمان فما يقع وهكذا تخون العاطفة شوقياً في رثاء أقرب الناس إليه، فلا ينتظر أن يكون أشد عاطفة في رثاء الآخرين.

стр. 4740

ولكن هذا لا يمنعه أن يجعل من بعض مراثيه صوراً بارعة، تهز النفوس بما فيها من قوة الحبك وروعة العبرة، كالذي نجده في رثائه لسعد وعمر المختار والحسين وفوزي الغزى، ولقد يبالغ في بعض هذه المراثي كما يصنع في سعد على طريقة أبي تمام: وانحنى الشرق عليها فبكاها شيعوا الشمس ومالوا بضحاها يوشع همت فنادى فثناها ليتني في الركب لما أفلت ولكنها مبالغات مقبولة في هذا الموقف، إذ تمثل هول الفاجعة بقائد ركزت عليه الدعاية أنظار مصر والبلاد العربية جميعاً. . ثم يأخذ في تعداد مناقب سعد وأثر موته. . . من رحيق الوطنيات سقاها طافت الكأس بساقي أمة ساحر رن ملياً فشجاها عطلت آذانها من وتر ودها الأجيال منه ما دهاها قدر بالمدن ألوى والقرى ومن خصائص شوقي في رثائه أنه يتحدث إلى الأموات فيسألهم ويخبرهم، فهو يخاطب الحسين بن علي فيسأله عن السبب الذي دفعه إلى التعاون مع الإنكليز: كيف غامرت في جوار الأراقم قم تحدث أبا علي إلينا ويسأل رياض باشا عن أسرار الموت: حديث الموت تبد لي العظات رهين الزمن حدثني ملياً وكيف مذاقها، ومن السقاة! سألتك: ما المنية، أي كأس ويلاحظ أن شوقياً إنما يلجأ إلى ذلك التهويل وهذه التساؤلات والتأملات ستراً لنقصه العاطفي في مواقف الرثاء, على أن أجمل رثائه ما بكى فيه ممالك المسلمين ومدنهم المنكوبة كالحمراء ودمشق وأدرنة، وما بكى فيه زوال الخلافة على يد أياتورك. ففي هذه المراثي يذوب قلب شوقي حسرة وألماً، فيأتي رثاؤه نابضاً بالحس مائجاً بالحياة. وأنى لشاعر غير شوقي أن يعرض مسجد بني أمية في مثل هذه الصورة الحزينة العميقة الباكية: هل في المصلىّ أو المحراب مروان؟ مررت بالمسجد المحزون أسأله على المنابر أحرار وعُبدان تغير المسجد المحزون واختلفت

стр. 4741

إذا تعالى، ولا الآذان آذان فلا الأذان أذان في منارته وأنىّ لغير الأعلين من فحول الشعراء أن يرتفعوا بمعانيهم وأخيلتهم وصياغتهم إلى مستوى الكارثة الكبرى المتمثلة بسقوط الخلافة، كما صنع شوقي؟ لقد أنشد في انتصار الطاغية على أوشاب اليونان أحفل قصائده بألَق البهجة والاعتزاز، فلما فوجئ بانقلابه المجرم على خلافة المسلمين، لم يستطع أن يحبس مشاعره الثائرة، فانطلق يندب تلك العروس التي اغتيلت ليلة الزفاف، بأيدي الذين تظاهروا بإنقاذها من أيدي أعدائها، وقد أعماهم الهوى حتى نسوا أن التي بها يفتكون إنما هي وشيجة فخرهم ومرتكز مآثرهم وأمجادهم، فعزهم يهدمون، وشرفهم يثلمون، ووحدة المسلمين يمزقون: قتلت بغير جريرة وجناح يا للَرجال لحرة موءودة قتلتك سلمهمو بغير جراح إن الذين أست جراحك حربهم مَوْشِيةً بمواهب الفتا. هتكوا بأيديهم ملاءة فخرهم كانت أبر علائق الأرواح وعلاقة فصمت عرى أسبابها في كل غدوة جمعة ورواح نظمت صفوف المسلمين وخطوهم وفي غمار النكبة لا يفوته أن يوجه إلى العالم الإسلامي، وبخاصة الشعب التركي، بعض ما يستحقه من التقريع، على ما أحاط به ذلك الغادر من أمواج الحب والإعظام، التي أوهمته أن المسلمين سيصفقون لكل قرار يصدره ولو كان فيه تخريب الكيان الإسلامي بأسره: لم تسلُ بعد عبادة الأشباح تركته كالشبح المؤلّهِ أمة حتى تناول كل غير مباح هم أطلقوا يده كقيصر فيهمو ويا لها وثبة عبقرية تلك التي تطل بشوقي على ما وراء مصرع الخلافة من فتوق، تفتح على العالم ما لا يمكن حصره من الآفات والكوارث، التي كانت الخلافة الناظمة لوحدة المسلمين هي الحاجز الواقي دونها، فبزوالها سيكون المسلمون فريسة لكل طامع، ونهبة لكل فتنة يثيرها الدجالون من المتقاتلين على تركة الخلافة:

стр. 4742

لم يوحها غير النصيحة واحي مَن قائل للمسلمين مقالة يدعو إلى (الكذاب) أو لـ (سجاح) فَلَتَسمعُنّ بكل أرض داعياً فيها يباع الدين بيع سماح وَلَتَشهدُنّ بكل أرض فتن ويأبى القدر إلا أن تتحقق توقعات شوقي فتمتلئ دنيا المسلمين خلال نصف قرن بالعشرات من أمثال (مسيلمة) وصاحبته (سجاح) . . . ولا حول ولا قوة إلا بالله!. . . ٨- شعر شوقي التمثيلي: كان اللبنانيون أسبق الجميع إلى معالجة الفن المسرحي تقليداً للغربيين، وقد سبقوا إلى ترجمة المسرحيات الغربية، وإلى تمثيل بعضها، ثم ما لبثوا أن اتجهوا إلى وضع المسرحيات نثراً وشعراً. ولما جاء شوقي كان الشعر التمثيلي العربي لا يزال يحبو في دور الطفولة، وكان شوقي قد تشبع بهذا الفن بما قرأ من التمثيليات الغربية وبما شهد منها على المسارح الأجنبية، مما أحدث في نفسه ميلاً إلى معالجة هذا الفن، فكانت أولى محاولاته في فرنسة، إذ وضع أول تمثيلية ولكنه لم ينشرها، وانصرف عن ذلك الاتجاه زمناً حتى أتيح له أن يعود إليه بعد عودته من المنفى، وهنا أخذ شوقي في وضع تمثيلياته الشعرية التي قفزت بشهرته إلى الأوج، وكانت بنفسها حدثاً أدبياً كبيراً في عالم الشعر العربي الحديث، دفعه إلى ما نحسه اليوم في هذا الفن من حيوية تضمن له البقاء. ويمكن حصر هذا التأثير في ثلاثة أشياء: أ - في الوزن: كان الشعر التمثيلي قبل شوقي مقيداً بوحدة البحر في مجموع التمثيلية، فحطم شوقي هذا القيد، وجعل تمثيليته متعددة الأوزان يتنقل بها بين البحر والبحر، فيكسبها مرانة وحرية. ب - القافية: وكانت القافية في الشعر التمثيلي قبله واحدة في مجموع المسرحية، مما يبعث الملال في نفس القارئ والناظر، فحطم شوقي هذا القيد الآخر، إذ خرج بأشعار التمثيلية من القافية الواحدة إلى القوافي التعددة، في رشاقة محببة تبعث في التمثيلية القوة والحياة.

стр. 4743

ج - الحوار: وكذلك كان الحوار قبل شوقي في جمود يخالف طبيعة الحياة، وذلك أن شخص القصة لا يتم عبارته في أقل من بيت، فأجهز شوقي على هذا القيد الأخير، فإذا هو يتصرف في الحوار تصرفاً بارعاً، فيوزع البيت الواحد أحياناً بين عدة متكلمين من شخصيات القصة. وهكذا نرى لشوقي فضلاً لا يجحد في إخضاع الشعر لفن التمثيل، فقد حرره من ثقل القيود فخالف في أنواعه، وخالف في أوزانه، وخالف في قوافيه، وذلل مطية الحوار، فقربه من طبيعة الواقع، وبذلك اتسع أمامه مجال القول وانطلق له عنان الفكر والخيال، وقد ساعدت شوقياً على مهمته هذه شاعريته المتدفقة، التي حجبت الكثير من نواحي ضعفه في هذا الفن، فقد ينقصه التوفيق الفني في بعض مشاهد تمثيلياته، ولكنه يعوض عن ذلك بوثبات شعرية رائعة تأخذ باب السامع والقارئ. . . ومن خصائصه في تمثيلياته أن شعره يتلاءم مع مواقفه العاطفية فيلين موضع اللين، ويشتد موضع الشدة، ويغرق بالصور البدوية عندما يعالج الموضع البدوي - كمجنون ليلى - وبالصور المصرية القديمة عندما يعالج الموضوع المصري القديم - مثل كليوباترة - وفي جو هذه الألوان المتوافقة المنسجمة يكاد الناقد ينسى مواطن الضعف في النواحي التمثيلية من شعر شوقي. ٩- مسرحيات شوقي: بدأ شوقي ينشر مسرحياته منذ عام ١٩٢٩ م فأخرج منها (كليوباترة، وعلي بك الكبير، ومجنون ليلى، وقمبيز، وأميرة الأندلس) . وقد بنى شوقي مسرحياته كلها على حوادث التاريخ، وأدخل في بعضها الأساطير، وجميعها من نوع المأساة الذي يقوم على الطابع الجدي المحزن. وبعض مآسيه مستمد من التاريخ المصري (كليوباترة. . قمبيز. . علي بك الكبير) وبعضها من التاريخ العربي: مجنون ليلى. . أميرة الأندلس. . عنترة) .

стр. 4744

ولكن شوقي لا يتقيد في تمثيلياته بحقائق التاريخ، بل يتصرف فيها تصرف المِفنّ، فيغير ويبدل في الوقائع، ويدخل إليها أحداثاً من اختراعه، فيوفق حيناً ويخفق أحياناً، وقد أخذ عليه إدخال حوادث طفيلية على بعض مسرحياته كان من الخير لو تجنبها. وهو في مجموع هذه المسرحيات يستهدف أغراضاً أخلاقية ومبادئ سامية كخير المجتمع، وتغليب الواجب على شهوات النفس. والحب عنصر رئيس في كل مآسيه، ولكن الواجب هو الذي ينتصر دائماً على الحب، كما هو الشأن في مآسي كورني. -------------------------------------------------------------------------------- [١] الكاف زائدة، والاسم المجرور بها محله الحال، وهو من فصيح الكلام.

стр. 4745

العدد ٢٩ فهرس المحتويات ١- الحجاب والسفور: لسماحة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز رئيس الجامعة الإسلامية ٢- من أعلام المحدثين - أبو عبد الله الذهبي (٦٧٣ - ٧٤٨ هـ) : بقلم الأستاذ عبد المحسن بن حمد العباد ٣- أضواء على التفسير: بقلم فضيلة الشيخ عبد القادر شيبة الحمد ٤- رسائل لم يحملها البريد: بقلم فضيلة الشيخ عبد الرؤف اللبدي ٥- من آثار معركة بدر: بقلم الأستاذ أحمد محمود الأحمد ٦- لا يزال الإسلام رافع الرأس شديد البأس: لفضيلة الشيخ محمود عبد الوهاب فايد ٧- بحوث في تاريخ الأديان: بقلم فضيلة الشيخ محمد محمد أبو فرحة ٨- صرخة إشفاق: لفضيلة الشيخ محمد محمد خليفة ٩- نظرة في غزو أحد من خلال الآيات التي نزلت فيها:لفضيلة الشيخ عبد الفتاح عشماوي ١٠- النبأ الهائل: بقلم الشيخ محمد المجذوب ١١- مع العارفين أعلام الهدى: لفضيلة الشيخ عبد الله الغنيمان ١٢- توحيد الله: بقلم الشيخ عبد الله أحمد القادري ١٣- ترجمة القرآن: للأستاذ محمد بن محمد الأنصاري ١٤- حول رسالة الجامعة - شباب الجامعات السعودية رواد حضارة وتقدم على طريق الإسلام: بقلم الأستاذ محمد أبو طالب شاهين ١٥- رسالة لسماحة رئيس الجامعة: بقلم الأمين العام محمد صالح القزاز ١٦- حقيقة طه حسين: لفضيلة الشيخ عبد العزيز الربيعان ١٧- الغضب وماتلاه: بقلم الأستاذ محمد إسماعيل بطرش ١٨- إلى جنة الرضوان: شعر سيد أحمد حسن الطوابي ١٩- من إيجابية الإيمان: بقلم الأستاذ محمد بن إبراهيم بخات ٢٠- من روائع الكتب: اختيار العلاقات العامة من كتاب (دستور الأخلاق في القرآن) ٢١- من الصحف والمجلات: إعداد العلاقات العامة ٢٢- ندوة الطلبة - الاشتراكيون في بورما يعملون على محو الإسلام: بقلم الطالب محمد صديق برماوي ٢٣- إلى الفتاة المسلمة: حسن بن يحيى الذاري ٢٤- أخبار الجامعة: إعداد العلاقات العامة ٢٥- الفتاوى: يتولى الرد على أسئلة القراء سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز رئيس الجامعة عمادة البحث العلمي - جميع الحقوق محفوظة ١٤٢٣ هـ / ٢٠٠٢ م

стр. 4746

الحجاب والسفور لسماحة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز رئيس الجامعة الإسلامية الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده وعلى آله وصحبه. أما بعد: فلا يخفى على كل من له معرفة.. ما عمت به البلوى في كثير من البلدان من تبرج الكثير من النساء وسفورهن وعدم تحجبهن من الرجال وإبداء الكثير من زينتهن التي حرم الله عليهن إبداءها ولا شك أن ذلك من المنكرات العظيمة والمعاصي الظاهرة ومن أعظم أسباب حلول العقوبات ونزول النقمات لما يترتب على التبرج والسفور من ظهور الفواحش وارتكاب الجرائم وقلة الحياة وعموم الفساد. فاتقوا الله أيها المسلمون وخذوا على أيدي سفهائكم وامنعوا نساءكم مما حرم الله عليهن والزموهن التحجب والتستر واحذروا غضب الله سبحانه وعظيم عقوبته فقد صح عن النبي ﷺ أنه قال: "إن الناس إذا رأوا المنكر فلم يغيروه أوشك أن يعمهم الله بعقابه". وقد قال الله سبحانه في كتابه الكريم: ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرائيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُدَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ كَانُوا لا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾ . وفي المسند وغيره عن ابن مسعود ﵁ أن النبي ﷺ تلا هذه الآية ثم قال: "والذي نفسي بيده لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر ولتأخذن على أيدي السفيه ولتأطرنه على الحق أطرا أو ليضربن الله بقلوب بعضكم على بعض ثم يلعنكم كما لعنهم". وصح عن النبي ﷺ أنه قال: "من رأى منكم منكراً فليغيره بيده فإن لم يستطع فبلسانه فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان".

стр. 4747

وقد أمر الله سبحانه في كتابه الكريم بتحجب النساء ولزومهن البيوت وحذر من التبرج والخضوع بالقول للرجال صيانة لهن عن الفساد وتحذيراً لهن من أسباب الفتنة فقال تعالى: ﴿يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلاً مَعْرُوفاً وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ الآية.

стр. 4748

نهى سبحانه في هذه الآيات نساء النبي الكريم أمهات المؤمنين وهن خير النساء وأطهرهن عن الخضوع بالقول للرجال وهو تليين القول وترقيقه لئلا يطمع فيهن من في قلبه مرض شهوة الزنا ويظن أنهن يوافقنه على ذلك وأمر بلزومهن البيوت ونهاهن عن تبرج الجاهلية وهو إظهار الزينة والمحاسن كالرأس والوجه والعنق والصدر والذراع والساق ونحو ذلك من الزينة لما في ذلك من الفساد العظيم والفتنة الكبيرة وتحريك قلوب الرجال إلى تعاطي أسباب الزنا وإذا كان الله سبحانه يحذر أمهات المؤمنين من هذه الأشياء المنكرة مع صلاحهن وإيمانهن وطهارتهن فغيرهن أولى وأولى بالتحذير والإنكار والخوف عليهن من أسباب الفتنة عصمنا الله وإياكم من مضلات الفتن ويدل على عموم الحكم لهن ولغيرهن قوله سبحانه في هذه الآية: ﴿وَأَقِمْنَ الصَّلاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ فإن هذه الأوامر أحكام عامة لنساء النبي ﷺ وغيرهن وقال : ﴿وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعاً فَاسْأَلوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنّ﴾ فهذه الآية الكريمة نص واضح في وجوب تحجب النساء عن الرجال وتسترهن منهم وقد أوضح الله سبحانه في هذه الآية أن التحجب أطهر لقلوب الرجال والنساء وأبعد عن الفاحشة وأسبابها وأشار سبحانه إلى أن السفور وعدم التحجب خبث ونجاسة وأن التحجب طهارة وسلامة.

стр. 4749

فيا معشر المسلمين تأدبوا بتأديب الله وامتثلوا أمر الله وألزموا نساءكم بالتحجب الذي هو سبب الطهارة ووسيلة النجاة والسلامة. قال : ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلا يُؤْذَيْنَ وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً﴾ والجلابيب جمع جلباب والجلباب هو ما تضعه على رأسها للتحجب والتستر به، أمر الله سبحانه جميع نساء المؤمنين بإدناء جلابيبهن على محاسنهن من الشعور والوجه وغير ذلك حتى يعرفن بالعفة فلا يفتن ولا يفتن غيرهن فيؤذيهن، قال علي ابن أبي طلحة عن ابن عباس أمر الله نساء المؤمنين إذا خرجن من بيوتهن في حاجة أن يغطين وجوههن من فوق رؤوسهن بالجلابيب ويبدين عيناً واحدة. وقال محمد بن سيرين: "سألت عبيدة السلماني عن قول الله : ﴿يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلابِيبِهِنَّ﴾ فغطى وجهه ورأسه وأبرز عينه اليسرى ...".

стр. 4750

ثم أخبر الله سبحانه أنه غفور رحيم عما سلف من التقصير في ذلك قبل النهي والتحذير منه سبحانه، وقال تعالى: ﴿وَالْقَوَاعِدُ مِنَ النِّسَاءِ اللاَّتِي لا يَرْجُونَ نِكَاحاً فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاحٌ أَنْ يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ غَيْرَ مُتَبَرِّجَاتٍ بِزِينَةٍ وَأَنْ يَسْتَعْفِفْنَ خَيْرٌ لَهُنَّ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ يخبر سبحانه أن القواعد من النساء وهن العجائز اللاتي لا يرجون نكاحاً لا جناح عليهن أن يضعن ثيابهن عن وجوههن وأيديهن إذا كن غير متبرجات بزينة فعلم بذلك أن المتبرجة بالزينة ليس لها أن تضع ثوبها عن وجهها ويديها وغير ذلك من زينتها وأن عليها جناحاً في ذلك ولو كانت عجوزاً لأن كل ساقطة لها لاقطة ولأن التبرج يفضي إلى الفتنة بالمتبرجة ولو كانت عجوزاً فكيف يكون الحال بالشابة والجميلة إذا تبرجت لا شك أن إثمها أعظم والجناح عليها أشد والفتنة بها أكبر وشرط سبحانه في حق العجوز أن لا تكون ممن يرجو النكاح وما ذاك والله أعلم إلا أن رجاءها النكاح يدعوها إلى التجمل والتبرج بالزينة طمعاً في الأزواج فنهيت عن وضع ثيابها عن محاسنها صيانة لها ولغيرها من الفتنة ثم ختم الآية سبحانه بتحريض القواعد على الاستعفاف وأوضح أنه خير لهن وإن لم يتبرجن فظهر بذلك فضل التحجب والتستر بالثياب ولو من العجائز وأنه خير لهن من وضع الثياب فوجب أن يكون التحجب والاستعفاف عن إظهار الزينة خيراً للشابات من باب أولى وأبعد لهن عن أسباب الفتنة، وقال تعالى: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلاَّ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلاَّ

стр. 4751

لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ أَوْ آبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَائِهِنَّ أَوْ أَبْنَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَوَاتِهِنَّ أَوْ نِسَائِهِنَّ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الإرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاءِ وَلا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعاً أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ . أمر الله سبحانه في هاتين الآيتين الكريمتين المؤمنين والمؤمنات بغض الأبصار وحفظ الفروج وما ذاك إلا لعظم فاحشة الزنا وما يترتب عليها من الفساد الكبير بين المسلمين ولأن إطلاق البصر من وسائل مرض القلب ووقوع الفاحشة وغض البصر من أسباب السلامة من ذلك ولهذا قال سبحانه: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ﴾ فغض البصر وحفظ الفرج أزكى للمؤمنين في الدنيا والآخرة وإطلاق البصر والفرج من أعظم أسباب العطب والعذاب في الدنيا والآخرة نسأل الله العافية من ذلك وأخبر أنه خبير بما يصنعه الناس وأنه لا يخفى عليه خافية وفي ذلك تحذير للمؤمن من ركوب ما حرم الله عليه والإعراض عما شرع الله له وتذكير له بأن الله سبحانه يراه ويعلم أفعاله الطيبة وغيرها كما قال تعالى: ﴿يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ﴾ وقال تعالى: ﴿وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَمَا تَتْلُو مِنْهُ مِنْ قُرْآنٍ وَلا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلاَّ كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُوداً إِذْ تُفِيضُونَ فِيه﴾ .

стр. 4752

فالواجب على العبد أن يحذر ربه وأن يستحي منه أن يراه على معصية أو يفقده من طاعته التي أوجب عليه ثم قال سبحانه: ﴿وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ﴾ فأمر المؤمنات بغض البصر وحفظ الفرج كما أمر المؤمنين بذلك صيانة لهن من أسباب الفتنة وتحريضاً لهن على أسباب العفة والسلامة ثم قال سبحانه: ﴿وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلاَّ مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ قال ابن مسعود ﵁: " ﴿مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ يعني بذلك ما ظهر من اللباس فإن ذلك معفو عنه"ومراده بذلك ﵁ الملابس التي ليس فيها تبرج وفتنة. وأما ما يروى عن ابن عباس ﵄ أنه فسر ﴿مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ بالوجه والكفين فهو محمول على حالة النساء قبل نزول آية الحجاب وأما بعد ذلك فقد أوجب الله عليهن ستر الجميع كما سبق في الآيات الكريمات من سورة الأحزاب وغيرها ويدل على أن ابن عباس أراد ذلك ما رواه علي ابن أبي طلحة عنه أنه قال أمر الله نساء المؤمنين إذا خرجن من بيوتهن في حاجة أن يغطين وجوههن من فوق رؤوسهن بالجلابيب ويبدين عيناً واحدة وقد نبه على ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية وغيره من أهل العلم والتحقيق، وهو الحق الذي لا ريب فيه ومعلوم ما يترتب على ظهور الوجه والكفين من الفساد والفتنة وقد تقدم قوله تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعاً فَاسْأَلوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ﴾ ولم يستثن شيئاً وهي آية محكمة فوجب الأخذ بها والتعويل عليها وحمل ما سواها عليها والحكم فيها عام في نساء النبي ﷺ وغيرهن من نساء المؤمنين وتقدم من سورة النور ما يرشد إلى ذلك وهو ما ذكره الله سبحانه في حق القواعد وتحريم وضعهن الثياب إلا بشرطين: أحدهما كونهن لا يرجون النكاح.. والثاني عدم التبرج بالزينة، وسبق الكلام على ذلك وأن الآية المذكورة حجة ظاهرة وبرهان قاطع على تحريم سفور النساء وتبرجهن

стр. 4753

بالزينة.. ويدل على ذلك أيضاً ما ثبت عن عائشة ﵂ في قصة الإفك أنها خمرت وجهها لما سمعت صوت صفوان بن المعطل السلمي وقالت: إنه كان يعرفها قبل الحجاب. فدل ذلك على النساء بعد نزول آية الحجاب لا يعرفن بسبب تخميرهن وجوههن.. ولا يخفى ما وقع فيه النساء اليوم من التوسع في التبرج وإبداء المحاسن فوجب سد الذرائع وحسم الوسائل المفضية إلى الفساد وظهور الفواحش ومن أعظم أسباب الفساد خلوة الرجال بالنساء وسفرهم بهن من دون محرم.. وقد صح عن النبي ﷺ أنه قال: "لا تسافر امرأة إلا مع ذي محرم ولا يخلون رجل بامرأة إلا ومعها ذو محرم ". وقال ﷺ : "لا يخلون رجل بامرأة إلا كان الشيطان ثالثهما ". وقال ﷺ : "لا يبيتن رجل عند امرأة إلا أن يكون زوجاً أو ذا محرم " رواه مسلم في صحيحه فاتقوا الله أيها المسلمون وخذوا على أيدي نسائكم وامنعوهن مما حرم الله عليهن من السفور والتبرج وإظهار المحاسن والتشبه بأعداء الله من النصارى ومن تشبه بهم واعلموا أن السكوت عنهن مشاركة لهن في الإثم وتعرض لغضب الله وعموم عقابه عافانا الله وإياكم من شر ذلك ومن أعظم الواجبات تحذير الرجال من الخلوة بالنساء والدخول عليهن والسفر بهن بدون محرم لأن ذلك من وسائل الفتنة والفساد وقد صح عن النبي ﷺ أنه قال: "ما تركت بعدي فتنة أضر على الرجال من النساء". وقال ﷺ : "إن الدنيا حلوة خضرة وإن الله مستخلفكم فيها فناظر كيف تعملون فاتقوا الدنيا واتقوا النساء فإن أول فتنة بني إسرائيل كانت في النساء".. وقال ﵊: "رب كاسية في الدنيا عارية في الآخرة". وقال ﷺ : "صنفان من أهل النار لم أرهما بعد نساء كاسيات عاريات مائلات مميلات رؤوسهن كأسنمة البخت المائلة لا يدخلن الجنة ولا يجدن ريحها، ورجال بأيديهم سياط كأذناب البقر يضربون بها

стр. 4754

الناس"وهذا تحذير شديد من التبرج والسفور ولبس الرقيق والقصير من الثياب والميل عن الحق والعفة وإمالة الناس إلى الباطل وتحذير شديد من ظلم الناس والتعدي عليهم ووعيد لمن فعل ذلك بحرمان دخول الجنة نسأل الله العافية من ذلك ومن أعظم الفساد تشبه الكثير من النساء نساء الكفار من النصارى وأشباههم في لبس القصير من الثياب وإبداء الشعور والمحاسن ومشط الشعور على طريقة أهل الكفر والفسق ووصل الشعر ولبس الرؤوس الصناعية المسماة (الباروكة) .. وقد قال ﷺ : "من تشبه بقوم فهو منهم" ومعلوم ما يترتب على هذا التشبه وهذه الملابس القصيرة التي تجعل المرأة شبه عارية من الفساد والفتنة ورقة الدين وقلة الحياء فالواجب الحذر من ذلك غاية الحذر ومنع النساء منه والشدة في ذلك لأن عاقبته وخيمة وفساده عظيم ولا يجوز التساهل في ذلك مع البنات الصغار لأن تربيتهن عليه يفضي إلى اعتيادهن له وكراهيتهن لما سواه إذا كبرن فيقع بذلك الفساد والمحذور والفتنة المخوفة التي وقع فيها الكبيرات من النساء..

стр. 4755

فاتقوا الله عباد الله واحذروا ما حرم الله عليكم وتعاونوا على البر والتقوى وتواصوا بالحق والصبر عليه واعلموا أن الله سبحانه سائلكم عن ذلك ومجازيكم على أعمالكم وهو سبحانه مع الصابرين ومع المتقين والمحسنين فاصبروا وصابروا واتقوا الله وأحسنوا إن الله يحب المحسنين.. ولا ريب أن الواجب على ولاة الأمور من الأمراء والقضاة والعلماء ورؤساء الهيئات وأعضاء الهيئات أكبر من الواجب على غيرهم والخطر عليهم أشد والفتنة في سكوت من سكت منهم عظيمة ولكن ليس إنكار المنكر خاصاً بهم بل الواجب على جميع المسلمين ولاسيما أعيانهم وكبارهم وبالأخص أولياء النساء وأزواجهن إنكار هذا المنكر والغلظة فيه والشدة على من تسهل في ذلك لعل الله سبحانه يرفع عنا ما نزل من البلاء ويهدينا ونساءنا إلى سواء السبيل وصح عن النبي ﷺ أنه قال: "ما بعث الله من نبي إلا كان له من أمته حواريون وأصحاب يأخذون بسنته ويهتدون بأمره ثم إنها تخلف من بعدهم خلوف يقولون ما لا يفعلون ويفعلون ما لا يؤمرون فمن جاهدهم بيده فهو مؤمن ومن جاهدهم بلسانه فهو مؤمن ومن جاهدهم بقلبه فهو مؤمن وليس وراء ذلك من الإيمان حبة خردل". وأسأل الله أن ينصر دينه ويعلي كلمته وأن يصلح ولاة أمرنا ويقمع بهم الفساد وينصر بهم الحق ويصلح لهم البطانة وأن يوفقنا وإياكم وإياهم وسائر المسلمين لما فيه صلاح العباد والبلاد في المعاش والمعاد إنه على كل شيء قدير وبالإجابة جدير وحسبنا لله ونعم الوكيل ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله محمد وآله وصحبه ومَن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

стр. 4756

النبأ الهائل بقلم: الشيخ محمد المجذوب كُسِرَ السدُّ، فَلتُجَنَّ السيولُ لم يعد في الحياة خطب يهولُ ودعوني أذِبْ فؤادي فلم تبق الرزايا في العين دمعاً يسيل ولقد يحسن التجلدُ إلا أن يكون الإمامَ ذاك القتيل وضروبٌ هي المنايا، فألفٌ كهباءٍ وربَّ فردٍ قبيل وكثيرُ الأسى على فيصلِ الإسلام والعرب في الوفاء ـ قليلُ .. ليت شعري..درى المضلَّل لما أطلق النار أيَّ قلب يغول! أم تُرى الغيّ قد أطاح بعينيه وقد عُمِيَت عليه السبيل! فطوى عزَّه وهدَّ بناءً هو للمسلمين مجدٌ أثيل وسرت هِزةُ الفجيعة في الخلق فكلّ بهولها مشغول لَتَكَاد الدنيا تَميدُ من الرَّوع وتبكي حتى الربى والسهول وحقيقٌ بيوم فيصلَ أن تنهدّ شُمّ القوى وتعشى العقول أفليس الذي تُرَجَّى لديه كلما استعصتِ الخطوب الحلولُ! بصرٌ نافذٌ، وفكرٌ محيطٌ ومقالٌ فصلٌ، وخُلْقٌ نبيل وفؤادٌ يذوب من خشية الله إذا مسَّ سمعَه التنزيل عشق الحقَّ في رضاه، فكلَّ الكون ـ إلا ما يرتضيه ـ فُصول وبذاك اليقينِ حقق ما تَعجز عن بعضه القنا والنصول يا لَكهل منه تعلَّمت الفتيا نُ ما فات عزمَها والكهول أكلتْ لحمَة السنونَ فلم تُبق سوى هيكلٍ براه النحول يَتَحَدَّى الدنيا ويقتحمُ الأهـ والُ حتى ترتدَّ وهي فُلول وحكيم ما انفك يرتقب السا سةُ في كل مأزق ما يقول تقتفي نطقه المسامعُ شوقاً وتَميلُ الأحداقُ حيث يميل زلزلَ الأرضَ بالطغاةِ، فلا با غيَ إلا وافاه وهو ذَلول وهدى العربَ دربهم فتوارى بعد لأي ليلُ الضيَّاعِ الطويل وانتضى رايةَ التضامنِ في تيـ ـه من الفُرقةِ التي لا تزولُ وبرغم المثبطات اللواتي تتهاوى أمامهنّ الفحول

стр. 4757

لم يراوَدْ تصميمَه اليأس حتى وَضَح الدربُ واطمأنّ الدليل وأرى الكفرَ كيف ينتصر الإيـ مانُ حتى يعنو له المستحيل فإذا كلُّ ذي نصيب من الرشدِ على نهجهِ قئول فعول تتراءى له الأماني الكبيرات بصبح لا يعتريه أفول فتكاد الدنيا يُعاودُها النورُ الذي شقَّ فجرَه جبريل وعلى حين غرة يَخسِفُ البدرُ ويغشى الآفاق كَرب ثقيل إنها الصدمة التي تَرجفُ الأر ضَ وينسى بها الخليل الخليل وكذلك الآجال، وهي قضاء الله إن أقبلت فلا تأجيل وإذا أحُم يومُها فكما سُطّرَ في اللوح ماله تبديل ومشى النعي في الوجود كما هزَّ البرايا بالصور إسرافيل (فيصلٌ مات) .. لا..ولكن ورفقاً. واغتلى الشك. ثم فاض العويل واستوى في البكاء ذو الضعف والجلدْ فلا عاذلٌ ولا معذول وبحق من ذاب حزناً ومن عا لجهُ الصعق أو عراه الخبول إنه القائد المظفرُ مَهوى كل قلب والمنقذ المأمول وكأن الحياة مَاتت فراح الـ ـيأس في غيبة الرجاء يصول وإذا الشمس فارقت عالم الأر ض تلاشى الضحى وغاض الأصيل وتوارى الجمالُ، واختنق الشدُو وأخنى على الرياض الذبول واشرأبت تستكشف الأثر الأقصى بُعَيْد الزلزال إسرائيل تسأل الحظ كم أفاء عليها من رياح ذاك الرصاص الضلول وأحست في سكرة الحلم أن قدْ زال عن صدورها البلاء الوبيل فمضت ترفع الصُروح على الوهم ويُملي لها الخيال الهزيل خَسِئَتْ فالذي برا فيصل الحق بتحطيم كل باغ كفيل ولئن حال بين فيصل والقدس قضاءٌ فنذرُه لا يحول سيؤدّي عنه الصلاة ميامين همو أسْدُ غيله والشبول كلهم فيصل إذا حَزَبَ الأمر وكلٌّ لنحرها مسلول حملوا بعده اللواء، وآلوا أن يزيلوا وجودها أو يزولوا لا يبالون في قراع العوادي

стр. 4758

(أطويلٌ طريقهم أم يطول) ولعبدِ العزيز في عنق كلّ منهم الدهرُ عهدُه المسئول قد تلقوا من كفه راية التوحيد والدولةُ التي لا تَدول فهموا أثره على المنهج الأسمى رَعيلاً يقفو خطاه رعيل كل يوم لدعوة الله منهم أثرٌ خالدٌ وفتح جليل فهنيئاً لشرعةِ الله أنَّ الغا ب كالأمس بالليوث حفيل إن يَغبُ وجهَ فيصل عن حِماها فلها خالدٌ ونعم البديل وبفهد وللصيدِ من أسيفِ الملك وأركانه العزاء الجميل دوحةُ المجدِ من غراس أبي الفيصل طابت فروعها والأصول أبداً لن يُضامَ شعبٌ بفضل الله منها عليه ظلٌ ظليل وحريٌّ بنصر ربِّك رهطٌ هم على خلقه الشهود العُدول عزَّزوا دينَه وزادهمو عِزّاً فنعم المولى ونعم الوكيل

стр. 4759

مع العارفين أعلام الهدى لفضيلة الشيخ عبد الله الغنيمان رسالة ركن الإسلام الجويني لقد جاء رسول الله ﷺ بعقيدة التوحيد صافية من شوائب الشرك والوثنية سواء في ذلك ما يتعلق بالعمل الذي هو توحيد العبادة أو ما يتعلق بالعلم وما ينطوي عليه القلب وهو توحيد الربوبية والأسماء والصفات مع أن النوعين متلازمان كما يظهر واضحاً لمن تأمل القرآن.

стр. 4760

وقد بين رسول الله ﷺ كلا النوعين غاية البيان وأفصح القرآن عنهما كل الإفصاح لأن ذلك هو أصل دعوته ولباب رسالته وبالإعراض عن هذا الأصل يحصل الضلال والانحراف على حسب هذا الأعراض فكلما كان الأعراض أكثر كان الضلال والبعد عن الهدى أشد وأصعب وقد تلقى صحابة رسول الهدى ﷺ كل ما جاء به من غير اعتراض أو تردد فآمنوا بما جاء به من صفات الله مع اعتقاد ما دلت عليه وهم يتلقون ذلك عمن يخاطبهم بلسانهم وبما يعرفون ويفهمون ولم يقفوا أمام ما يسمعون منه في المناسبات الكثيرة شاكين أو مترددين في المعاني التي دل عليها الخطاب بل لم يسألوه مستفسرين مما يدل قطعاً على أن القوم علموا أن مراد مخاطبهم ما دل عليه ظاهر خطابه مع بعدهم عن التشبيه والتمثيل درج على هذا النهج القويم الصحابة والتابعون لهم حتى دخل في المسلمين من ليس منهم متستراً باسم الإسلام للطعن في صميم عقيدتهم وحربهم في أعز ما يملكون ومصدر قوتهم فبدء الانحراف والتحريف وشبت بين المسلمين حرب كلامية أوهنت قواهم وباعدت بين قلوبهم ومزقتهم كل ممزق حتى وصل الأمر إلى إرغام الناس على القول بخلق القرآن ولا يزال المسلمون يعانون من تلك المحدثات في جميع شئونهم وقد انضاف إلى تلك العوامل تيارات أخرى جارفة استهدفت أبعاد المسلمين عن عقيدتهم والله المستعان وسأنقل هنا بعض نصائح للأئمة الذين عاشوا المشكلة وعجموا عودها منهم الإمام الشيخ أبو محمد عبد الله بن يوسف الجويني والد إمام الحرمين كان يلقب بركن الإسلام أوحد زمانه زهداً وتقشعاً. قال شيخ الإسلام الصابوني في حقه: لو كان الجويني من بني إسرائيل لنقل إلينا شمائله ولافتخروا به توفي سنة ٤٣٨هـ ﵀ قال في رسالة كتبها نصحاً لإخوانه وأصدقائه وأحبابه بعد الخطبة

стр. 4761

وبعد: فهذه نصيحة كتبتها إلى إخواني في الله أهل الصدق والصفاء والإخلاص والوفاء لما تعين على من محبتهم في الله ونصيحتهم في صفات الله فإن المرء لا يكمل إيمانه حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه وفي الصحيح عن جرير بن عبد الله البجلي قال: "بايعت رسول الله ﷺ على إقام الصلاة، وإيتاء الزكاة والنصح لكل مسلم". وعن تميم الداري أن النبي ﷺ قال: "الدين النصيحة ثلاثاً قيل لمن؟ قال: لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم". أعرفهم أيدهم الله تعالى بتأييده ووفقهم لطاعته ومزيده أنني كنت برهة من الدهر متحيراً في ثلاث مسائل، مسألة الصفات، ومسألة الفوقية، ومسألة الحرف والصوت في القرآن المجيد وكنت متحيراً في الأقوال المختلفة الموجودة في كتب أهل العصر في جميع ذلك من تأويل الصفات وتحريفها أو إمرارها والوقوف فيها أو إثباتها بلا تأويل ولا تعطيل ولا تشبيه ولا تمثيل، فأجد النصوص في كتاب الله تعالى وسنة رسوله ﷺ ناطقة منبئة بحقائق هذه الصفات وكذلك في إثبات العلو والفوقية وكذلك في الحرف والصوت ثم أجد المتأخرين من المتكلمين في كتبهم منهم من يؤول الاستوى بالقهر والاستيلاء ويؤول النول بنزول الأمر ويؤول اليدين بالقدرتين أو النعمتين، ويؤول القدم بقدم صدق عند ربهم وأمثال ذلك ثم أجدهم مع ذلك يجعلون كلام الله تعالى معنى قائماً بالذات بلا حرف ولا صوت ويجعلون هذه الحروف عبارة عن ذلك المعنى القائم.

стр. 4762

وممن ذهب إلى هذه الأقوال أو بعضها قوم لهم في صدري منزلة مثل طائفة من فقهاء الأشعرية الشافعيين لأني على مذهب الشافعي عرفت فرائض ديني وأحكامه فأجد مثل هؤلاء الشيوخ الأجلة يذهبون إلى مثل هذه الأقوال وهم شيوخي ولي فيهم الاعتقاد التام [١] لفضلهم وعلمهم ثم أنني مع ذلك أجد في قلبي من هذه التأويلات حزازات لا يطمئن قلبي إليها وأجد الكدر والظلمة منها وأجد ضيق الصدر وعدم انشراحه مقروناً بها فكنت كالمتحير المضطرب في تحيره المتململ من قلبه في تقلبه وتغيره. الحق أولى أن يتبع [٢]

стр. 4763

وكنت أخاف من إطلاق القول بإثبات العلو والاستواء والنزول مخافة الحصر والتشبيه ومع ذلك فإذا طالعت النصوص الواردة في كتاب الله وسنة رسوله ﷺ أجدها نصوصاً تشير إلى حقائق هذه المعاني وأجد الرسول ﷺ قد صرح بها مخبراً عن ربه واصفاً له بها وأعلم بالاضطرار أنه ﷺ كان يحضر في مجلسه الشريف والعالم والجاهل والذكي والبليد والأعرابي والجافي ثم لا أجد شيئاً يعقب تلك النصوص التي كان يصف ربه بها لا نصاً ولا ظاهراً مما يصرفها عن حقائقها ويؤولها كما تأولها هؤلاء مشائخي الفقهاء المتكلمين مثل تأويل الاستواء بالاستيلاء ونزول الأمر للنزول وغير ذلك ولم أجد عنه ﷺ أنه كان يحذر الناس من الإيمان بما يظهر من كلامه في صفته لربه من الفوقية واليدين وغيرها ولم ينقل عنه مقالة تدل على أن لهذه الصفات معاني أخر باطنة غير ما يظهر من مدلولها مثل فوقية القهر ويد النعمة والقدرة وغير ذلك، وأجد الله يقول: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ ﴿خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ ﴿يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ﴾ ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ﴾ ﴿أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الأَرْضَ فَإِذَا هِيَ تَمُورُ أَمْ أَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِباً﴾ ﴿قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ﴾ ﴿وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا هَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحاً لَعَلِّي أَبْلُغُ الأَسْبَابَ. أَسْبَابَ السَّمَاوَاتِ فَأَطَّلِعَ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لأَظُنُّهُ كَاذِباً﴾ وقوله تعالى: ﴿ذِي الْمَعَارِجِ. تَعْرُجُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ..﴾ الآية. ثم أجد الرسول ﷺ لما

стр. 4764

أراد الله تعالى أن يخصه بقربه عرج به من سماء إلى سماء حتى كان قاب قوسين أو أدنى ثم قوله ﷺ في الحديث الصحيح للجارية:"أين الله؟ فقالت: في السماء"، فلم ينكر عليها بحضرة أصحابه كيلا يتوهموا أن الأمر على خلاف ما هو عليه بل أقرها وقال أعتقها فإنها مؤمنة. وفي حديث جبير بن مطعم قال: قال النبي ﷺ : "إن الله فوق عرشه وعرشه فوق سمائه وسماواته فوق أرضه مثل القبة وأشار النبي ﷺ بيده مثل القبة" [٣] وقوله ﷺ : "الراحمون يرحمهم الرحمن ارحموا أهل الأرض يرحمكم من في السماء" أخرجه الترمذي وقال: حسن صحيح.. وعن معاوية بن الحكم السلمي قلت يا رسول الله: أفلا أعتقها؟ قال: أدعها. . فدعوتها قال: فقال لها: أين الله قالت في السماء.. قال: من أنا؟ قالت: أنت رسول الله قال: أعتقها فإنها مؤمنة.." رواه مسلم ومالك في موطئه وعن أبي الدرداء قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "من اشتكى منكم شيئاً أو اشتكى أخ فليقل: ربنا الله الذي في السماء تقدس اسمك أمرك في السماء والأرض كما رحمتك في السماء اغفر لنا حوبنا وخطايانا أنت رب الطيبين أنزل رحمة من رحمتك وشفاء من شفائك على الوجع فيبرأ.."أخرجه أبو داود عن أبي سعيد الخدري قال: بعث على من اليمن بذهبية في أديم مقروظ لم تحصل من ترابها فقسمها رسول الله ﷺ بين أربعة زيد الخير والأقرع بن حابس وعيينة بن حصن وعلقمة بن علاثة أو عامر بن الطفيل شك عمارة فوجد من ذلك بعض أصحابه من الأنصار وغيرهم فقال رسول الله ﷺ : "ألا تأمنوني وأنا أمين من في السماء يأتيني خير من في السماء صباحا ومساء ". أخرجه البخاري ومسلم وعن ابن أبي ذئب عن محمد بن عمرو بن عطاء عن سعيد بن يسار عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: إن الميت تحضره الملائكة فإذا كان الرجل الصالح قالوا اخرجي أيتها

стр. 4765

النفس الطيبة كانت في الجسد الطيب اخرجي حميدة وأبشري بروح وريحان ورب غير غضبا فلا يزال يقال لها ذلك حتى تخرج ثم يعرج بها إلى السماء فيستفتح لها فيقال من هذا فيقول فلان فيقولون مرحباً بالنفس الطيبة كانت في الجسد الطيب ادخلي حميدة وأبشري بروح وريحان ورب غير غضبان فلا يزال يقال لها ذلك حتى تنتهي إلى السماء التي فهيا الله " الحديث [٤] . ثم ذكر حديث العباس وذكر حديث أبي هريرة سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إن الله كتب كتاباً قبل أن يخلق الخلق.. إن رحمتي سبقت غضبي فهو عنده فوق العرش رواه البخاري ومسلم وذكر حديث سعد في حكمه في بني قريظة وحديث المعراج وحديث أبي هريرة يتعاقبون فيكم ملائكة بالليل وملائكة بالنهار ويجتمعون في صلاة الفجر وصلاة العصر ثم يعرج إليه الذين باتوا فيكم فيسألهم ربهم وهو أعلم بهم كيف تركتم عبادي" متفق عليه وذكر قصة أبي بكر حين قبض رسول الله ﷺ ثم قال: ومن عرف هيئة العالم ومركزه من علم الهيئة وأنه ليس إلا جهتا العلو والسفل ثم اعتقد بينونة خالقه عن العالم فمن لوازم البينونة أن يكون فوقه لأن جميع جهات العالم فوقه لأن جميع جهات العالم أن يكون فوقها لأن جميع جهات العالم فوق وليس السفل إلا المركز وهو الوسط. التأويل صنو التعطيل وأصله التشبيه والتمثيل وكله ضلال
следующие страницы →