Полный текст (23 804 стр.). Показаны 4761–4800 · переход к 4766.
стр. 4761
وبعد: فهذه نصيحة كتبتها إلى إخواني في الله أهل الصدق والصفاء والإخلاص والوفاء لما تعين على من محبتهم في الله ونصيحتهم في صفات الله فإن المرء لا يكمل إيمانه حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه وفي الصحيح عن جرير بن عبد الله البجلي قال: "بايعت رسول الله ﷺ على إقام الصلاة، وإيتاء الزكاة والنصح لكل مسلم". وعن تميم الداري أن النبي ﷺ قال: "الدين النصيحة ثلاثاً قيل لمن؟ قال: لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم". أعرفهم أيدهم الله تعالى بتأييده ووفقهم لطاعته ومزيده أنني كنت برهة من الدهر متحيراً في ثلاث مسائل، مسألة الصفات، ومسألة الفوقية، ومسألة الحرف والصوت في القرآن المجيد وكنت متحيراً في الأقوال المختلفة الموجودة في كتب أهل العصر في جميع ذلك من تأويل الصفات وتحريفها أو إمرارها والوقوف فيها أو إثباتها بلا تأويل ولا تعطيل ولا تشبيه ولا تمثيل، فأجد النصوص في كتاب الله تعالى وسنة رسوله ﷺ ناطقة منبئة بحقائق هذه الصفات وكذلك في إثبات العلو والفوقية وكذلك في الحرف والصوت ثم أجد المتأخرين من المتكلمين في كتبهم منهم من يؤول الاستوى بالقهر والاستيلاء ويؤول النول بنزول الأمر ويؤول اليدين بالقدرتين أو النعمتين، ويؤول القدم بقدم صدق عند ربهم وأمثال ذلك ثم أجدهم مع ذلك يجعلون كلام الله تعالى معنى قائماً بالذات بلا حرف ولا صوت ويجعلون هذه الحروف عبارة عن ذلك المعنى القائم.
стр. 4762
وممن ذهب إلى هذه الأقوال أو بعضها قوم لهم في صدري منزلة مثل طائفة من فقهاء الأشعرية الشافعيين لأني على مذهب الشافعي عرفت فرائض ديني وأحكامه فأجد مثل هؤلاء الشيوخ الأجلة يذهبون إلى مثل هذه الأقوال وهم شيوخي ولي فيهم الاعتقاد التام [١] لفضلهم وعلمهم ثم أنني مع ذلك أجد في قلبي من هذه التأويلات حزازات لا يطمئن قلبي إليها وأجد الكدر والظلمة منها وأجد ضيق الصدر وعدم انشراحه مقروناً بها فكنت كالمتحير المضطرب في تحيره المتململ من قلبه في تقلبه وتغيره.
الحق أولى أن يتبع [٢]
стр. 4763
وكنت أخاف من إطلاق القول بإثبات العلو والاستواء والنزول مخافة الحصر والتشبيه ومع ذلك فإذا طالعت النصوص الواردة في كتاب الله وسنة رسوله ﷺ أجدها نصوصاً تشير إلى حقائق هذه المعاني وأجد الرسول ﷺ قد صرح بها مخبراً عن ربه واصفاً له بها وأعلم بالاضطرار أنه ﷺ كان يحضر في مجلسه الشريف والعالم والجاهل والذكي والبليد والأعرابي والجافي ثم لا أجد شيئاً يعقب تلك النصوص التي كان يصف ربه بها لا نصاً ولا ظاهراً مما يصرفها عن حقائقها ويؤولها كما تأولها هؤلاء مشائخي الفقهاء المتكلمين مثل تأويل الاستواء بالاستيلاء ونزول الأمر للنزول وغير ذلك ولم أجد عنه ﷺ أنه كان يحذر الناس من الإيمان بما يظهر من كلامه في صفته لربه من الفوقية واليدين وغيرها ولم ينقل عنه مقالة تدل على أن لهذه الصفات معاني أخر باطنة غير ما يظهر من مدلولها مثل فوقية القهر ويد النعمة والقدرة وغير ذلك، وأجد الله يقول: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ ﴿خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ ﴿يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ﴾ ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ﴾ ﴿أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الأَرْضَ فَإِذَا هِيَ تَمُورُ أَمْ أَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِباً﴾ ﴿قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ﴾ ﴿وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا هَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحاً لَعَلِّي أَبْلُغُ الأَسْبَابَ. أَسْبَابَ السَّمَاوَاتِ فَأَطَّلِعَ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لأَظُنُّهُ كَاذِباً﴾ وقوله تعالى: ﴿ذِي الْمَعَارِجِ. تَعْرُجُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ..﴾ الآية. ثم أجد الرسول ﷺ لما
стр. 4764
أراد الله تعالى أن يخصه بقربه عرج به من سماء إلى سماء حتى كان قاب قوسين أو أدنى ثم قوله ﷺ في الحديث الصحيح للجارية:"أين الله؟ فقالت: في السماء"، فلم ينكر عليها بحضرة أصحابه كيلا يتوهموا أن الأمر على خلاف ما هو عليه بل أقرها وقال أعتقها فإنها مؤمنة. وفي حديث جبير بن مطعم قال: قال النبي ﷺ : "إن الله فوق عرشه وعرشه فوق سمائه وسماواته فوق أرضه مثل القبة وأشار النبي ﷺ بيده مثل القبة" [٣] وقوله ﷺ : "الراحمون يرحمهم الرحمن ارحموا أهل الأرض يرحمكم من في السماء" أخرجه الترمذي وقال: حسن صحيح.. وعن معاوية بن الحكم السلمي قلت يا رسول الله: أفلا أعتقها؟ قال: أدعها. . فدعوتها قال: فقال لها: أين الله قالت في السماء.. قال: من أنا؟ قالت: أنت رسول الله قال: أعتقها فإنها مؤمنة.." رواه مسلم ومالك في موطئه وعن أبي الدرداء قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "من اشتكى منكم شيئاً أو اشتكى أخ فليقل: ربنا الله الذي في السماء تقدس اسمك أمرك في السماء والأرض كما رحمتك في السماء اغفر لنا حوبنا وخطايانا أنت رب الطيبين أنزل رحمة من رحمتك وشفاء من شفائك على الوجع فيبرأ.."أخرجه أبو داود عن أبي سعيد الخدري قال: بعث على من اليمن بذهبية في أديم مقروظ لم تحصل من ترابها فقسمها رسول الله ﷺ بين أربعة زيد الخير والأقرع بن حابس وعيينة بن حصن وعلقمة بن علاثة أو عامر بن الطفيل شك عمارة فوجد من ذلك بعض أصحابه من الأنصار وغيرهم فقال رسول الله ﷺ : "ألا تأمنوني وأنا أمين من في السماء يأتيني خير من في السماء صباحا ومساء ". أخرجه البخاري ومسلم وعن ابن أبي ذئب عن محمد بن عمرو بن عطاء عن سعيد بن يسار عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: إن الميت تحضره الملائكة فإذا كان الرجل الصالح قالوا اخرجي أيتها
стр. 4765
النفس الطيبة كانت في الجسد الطيب اخرجي حميدة وأبشري بروح وريحان ورب غير غضبا فلا يزال يقال لها ذلك حتى تخرج ثم يعرج بها إلى السماء فيستفتح لها فيقال من هذا فيقول فلان فيقولون مرحباً بالنفس الطيبة كانت في الجسد الطيب ادخلي حميدة وأبشري بروح وريحان ورب غير غضبان فلا يزال يقال لها ذلك حتى تنتهي إلى السماء التي فهيا الله " الحديث [٤] .
ثم ذكر حديث العباس وذكر حديث أبي هريرة سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إن الله كتب كتاباً قبل أن يخلق الخلق.. إن رحمتي سبقت غضبي فهو عنده فوق العرش رواه البخاري ومسلم وذكر حديث سعد في حكمه في بني قريظة وحديث المعراج وحديث أبي هريرة يتعاقبون فيكم ملائكة بالليل وملائكة بالنهار ويجتمعون في صلاة الفجر وصلاة العصر ثم يعرج إليه الذين باتوا فيكم فيسألهم ربهم وهو أعلم بهم كيف تركتم عبادي" متفق عليه وذكر قصة أبي بكر حين قبض رسول الله ﷺ ثم قال: ومن عرف هيئة العالم ومركزه من علم الهيئة وأنه ليس إلا جهتا العلو والسفل ثم اعتقد بينونة خالقه عن العالم فمن لوازم البينونة أن يكون فوقه لأن جميع جهات العالم فوقه لأن جميع جهات العالم أن يكون فوقها لأن جميع جهات العالم فوق وليس السفل إلا المركز وهو الوسط.
التأويل صنو التعطيل وأصله التشبيه والتمثيل وكله ضلال
стр. 4766
إذا علمنا ذلك واعتقدناه تخلصاً من شبه التأويل وعماوة التعطيل وحماقة التشبيه والتمثيل وأثبتنا علو ربنا سبحناه وفوقيته واستواءه على عرشه كما يليق بجلاله وعظمته والحق واضح في ذلك والصدور تنشرح له فإن التحريف تأباه العقول الصحيحة مثل تحريف الاستواء بالاستيلاء وغيره والوقوف في ذلك جهل وعي مع كون الرب تعالى وصف لنا نفسه بهذه الصفات لنعرفه بها فوقوفنا عن إثباتها أو نفيها عدول عن المقصود منه في تعريفنا إياها فما وصف لنا نفسه بها إلا لنثبت ما وصف به نفسه لنا ولا نقف في ذلك وكذلك التشبيه والتمثيل حماقة وجهالة فمن وفقه الله تعالى للإثبات بلا تحريف ولا تكييف ولا وقوف فقد وقع على الأمر المطلوب منه إن شاء الله.
ليس لله مثيل أو شبيه لا في ذاته ولا في صفاته وأفعاله
والذي شرح صدري في حال هؤلاء الشيوخ الذين أولوا الاستواء بالاستيلاء والنزول بنزول الأمر واليدين بالنعمتين أو القدرتين هو علمي بأنهم ما فهموا من صفات الرب تعالى إلا ما يليق بالمخلوقين فما فهموا عن الله استواء يليق به ولا نزولا يليق به ولا يدين تليق بعظمته بلا تكييف ولا تشبيه فلذلك حرفوا الكلم عن مواضعه وعطلوا ما وصف الله تعالى به نفسه ونذكر بيان ذلك إن شاء الله تعالى.
стр. 4767
لا ريب أنا نحن وإياهم متفقون على إثبات صفات الحياة والسمع والبصر والعلم والقدرة والإرادة والكلام لله تعالى ونحن قطعنا لا نعقل من الحياة إلا هذا العرض الذي يقوم بأجسامنا وكذلك لا نعقل من السمع والبصر إلا أعراضا تقوم بجوارحنا فكما أنهم يقولون حياته ليست بعرض [٥] وعلمه كذلك وبصره كذلك هي صفات تليق به لا كما يليق بنا فكذلك نقول نحن حياته معلومة وليست مكيفة وعلمه معلوم ليس مكيفا وكذلك سمعه وبصره معلومان كما يليق به، ومثل ذلك بعينه فوقيته واستواؤه ونزوله ففوقيته معلومة أعني ثابتة كثبوت حقيقة السمع وحقيقة البصر فإنهما معلومان ولا يكيفان كذلك فوقيته معلومة ثابتة غير مكيفة بل هي كما يليق به واستواؤه على عرشه معلوم غير مكيف بحركة أو انتقال [٦] يليق بالمخلوق بل كما يليق بعظمته وجلاله وصفاته معلومة من حيث الجملة والثبوت غير معقولة من حيث التكييف والتحديد فيكون العبد بها مبصراً من وجه أعمى من وجه.. مبصراً من حيث الإثبات والوجود.. أعمى من حيث التكييف والتحديد وبهذا يحصل الجمع بين الإثبات لما وصف الله نفسه به وبين نفي التحريف والتشبيه والوقوف وذلك هو مراد الرب تعالى في إبراز صفاته لنا لنعرفه بها ونؤمن بحقائقها وننفي عنها التشبيه ولا نعطلها بالتحريف والتأويل ولا فرق بين النزول والبصر الكل ورد في النص فإن قالوا لنا في الاستواء شبهتم نقول لهم في السمع شبهتم ووصفتم ربكم بوصف المخلوق فإن قالوا لا تشبيه بل هو كما يليق به قلنا في الاستواء والفوقية لا تشبيه بل ذلك كما يليق به فجميع ما يلزموننا به في الاستواء والنزول واليد والوجه والقدم والضحك والعجب من التشبيه نلزمهم به في الحياة والسمع والبصر والعلم فكما لا يجعلونها من جنس ما يوصف به المخلوق فكذلك نحن لا نجعلها من جنس صفات المخلوق وليس من الإنصاف أن يفهموا في الاستواء والنزول والوجه واليد صفات المخلوقين فيحتاجوا إلى التأويل والتحريف.
стр. 4768
ولا يفهموا ذلك في الصفات السبع فإن فهموا في هذه الصفات ذلك فيلزمهم أن يفهموا في السمع والبصر وبقية ما يثبتونه من الصفات صفات المخلوقين فما يلزمونا في تلك الصفات من التشبيه والجسمية نلزمهم به في هذه الصفات وما ينزهون ربهم به في الصفات السبع وينفون عنه عوارض الجسم فيها فكذلك نحن نعمل في تلك التي ينسبونا فيها إلى التشبيه سواء بسواء ومن أنصف عرف ما قلنا واعتقده وقبل نصيحتنا ودان لله بإثبات جميع صفاته هذه وتلك ونفى عن جميعها التشبيه والتعطيل والتأويل والوقوف وهذا مراد الله تعالى منا في ذلك لأن الصفات وتلك جاءت في موضع واحد وهو الكتاب والسنة فإذا أثبتنا تلك بلا تأويل وحرفنا هذه وأولناها كنا كمن آمن ببعض الكتاب وكفر ببعض وفي هذا بلاغ وكفاية إن شاء الله.
القول في الصفات واحد لا فرق بين صفة وأخرى
وإذا ظهر هذا وبان انجلت الثلاث مسائل بأسرها وهي مسالة الصفات من النزول واليد والوجه وأمثالها ومسألة العلو والاستواء ومسألة الحرف والصوت أما مسألة العلو فقد قيل فيها ما فتحه الله تعالى، وأما مسألة الصفات فتساق مساق مسألة العلو ولا نفهم منها ما نفهم من صفات المخلوقين بل يوصف الرب تعالى بها كما يليق بجلاله وعظمته فنزوله كما يليق بجلاله وعظمته ويداه كما يليق بجلاله وعظمته، ووجه الكريم كما يليق بجلاله وعظمته فكيف ننكر الوجه الكريم ونحرف وقد قال ﷺ في دعائه:"أسألك لذة النظر إلى وجهك"وإذا ثبت صفة الوجه بهذا الحديث وبغيره من الآيات والنصوص فكذلك صفة اليدين والضحك والعجب ولا يفهم من جميع ذلك إلا ما يليق بالله وبعظمته لا ما يليق بالمخلوقات.
стр. 4769
وإذا ثبت هذا الحكم في الوجه فكذلك في اليدين والقبضتين والقدم والضحك والتعجب كل ذلك كما يليق بجلال الله تعالى وعظمته فيحصل بذلك إثبات ما وصف الله تعالى به نفسه في كتابه وفي سنة رسوله ﷺ ويحصل أيضاً نفي التشبيه والتكييف في صفاته ويحصل أيضاً ترك التأويل والتحريف المؤدي إلى التعطيل ويحصل بذلك عدم الوقوف بإثبات الصفات وحقائقها على ما يليق بجلال الله تعالى وعظمته لا على ما نعقله نحن من صفات المخلوقين.
وأما مسألة الحرف والصوت فتساق هذه المساق فإن الله تعالى قد تكلم بالقرآن المجيد وبجميع حروفه فقال تعالى ﴿ألم﴾ وقال ﴿المص﴾ وقال ﴿ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ﴾ وكذلك جاء في الحديث: "فينادي يوم القيامة بصوت يسمعه من بعد كما يسمعه من قرب" [٧] .
وفي الحديث: "لا أقول ألم حرف ولكن ألف حرف ولام حرف وميم حرف"فهؤلاء ما فهموا من كلام الله تعالى إلا ما فهموه من كلام المخلوقين فقالوا إن قلنا بالحروف فإن ذلك يؤدي إلى القول بالجوارح واللهوات وكذلك إذا قلنا بالصوت أدّى ذلك إلى الحلق والحنجرة عملوا في هذا من التخبط كما عملوا فيما تقدم من الصفات والتحقيق وهو أن الله قد تكلم بالحروف كما يليق بجلاله وعظمته فإنه قادر والقادر لا يحتاج إلى جوارح ولا لهوات وكذلك له صوت كما يليق به يسمع ولا يفتقر ذلك الصوت المقدس إلى الحلق والحنجرة. كلام الله تعالى كما يليق به وصوته كما يليق به ولا ننفي الحرف والصوت عن كلامه تعالى كما يليق به وصوته كما يليق به ولا ننفي الحرف والصوت عن كلامه سبحانه لافتقارهما هنا إلى الجوارح واللهوات فإنهما من جناب الحق تعالى لا يفتقران إلى ذلك وهذا ينشرح الصدر له ويستريح الإنسان به من التعسف والتكلف بقوله هذا عبارة عن ذلك.
стр. 4770
فإن قيل: فهذا الذي يقرأه القارئ هو عين قراءة الله تعالى وعين كلامه؟ قلنا: لا بل القارئ يؤدي كلام الله تعالى والكلام إنما ينسب إلى من قاله مبتدئاً لا إلى من قاله مؤدياً مبلغاً ولفظ القارئ في غير القرآن مخلوق وفي القرآن لا يتميز اللفظ المؤدى عن الكلام المؤدى عنه ولهذا منع السلف عن قول لفظي بالقرآن مخلوق لأنه لا يتميز كما منعوا عن قول لفظي بالقرآن غير مخلوق فإن لفظ العبد في غير التلاوة مخلوق وفي التلاوة مسكوت عنه كيلا يؤدي الكلام في ذلك إلى القول بخلق القرآن وما أمر السلف بالسكوت عنه يجب السكوت عنه والله الموفق.
ثمرة إثبات العلو لله تعالى
ثم قال: فصل
العبد إذا أيقن أن الله تعالى فوق السماء عال على عرشه بلا حصر ولا كيفية وأنه الآن في صفاته كما كان في قدمه صار لقلبه قبلة في صلاته وتوجهه ودعائه ومن لا يعرف ربه بأنه فوق سماواته على عرشه فإنه يبقى ضائعاً لا يعرف وجهة معبوده لكن لو عرفه بسمعه وبصره وقدمه وتلك الصفات السبع بلا هذا كانت معرفة ناقصة بخلاف من عرف أن إلهه الذي يعبده فوق الأشياء فإذا دخل في الصلاة وكبر توجه قلبه إلى جهة العرش منزها ربه تعالى عن الحصر مفرداً له كما أفرده في قدمه وأزليته عالماً أن هذه الجهات من حدودنا ولوازمنا ولا يمكننا الإشارة إلى ربنا في قدمه وأزليته إلا بها لأنا محدثون والمحدث لا بد له في إشارته إلى جهة فتقع تلك الإشارة إلى ربه كما يليق بعظمته لا كما يتوهمه هو من نفسه.
стр. 4771
ويعتقد أنه في علوه قريب من خلقه هو معهم بعلمه وسمعه وبصره وإحاطته وقدرته ومشيئته؛ وذاته فوق الأشياء فوق العرش؛ ومتى شعر قلبه بذلك في الصلاة أو التوجه أشرق قلبه واستنار وأضاء بأنوار المعرفة والإيمان وعكسته أشعة العظمة على عقله وروحه ونفسه فانشرح لذلك صدره وقوي إيمانه ونزه ربه عن صفات خلقه من الحصر والحلول وذاق حينئذ شيئاً من أذواق السابقين المقربين بخلاف من لا يعرف وجهة معبوده وتكون الجارية راعية الغنم أعلم بالله منه فإنها قالت: "في السماء" عرفته بأنه على السماء فإن "في" تأتي بمعنى على كقوله تعالى: ﴿يَتِيهُونَ فِي الأَرْضِ﴾ أي على الأرض وقوله: ﴿وَلأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ﴾ أي على جذوع النخل فمن تكون راعية الغنم أعلم بالله منه لكونه لا يعرف وجهة معبوده فإنه لا يزال مظلم القلب لا يستنير بأنوار المعرفة والإيمان ومن أنكر هذا القول فليؤمن به وليجرب ولينظر إلى مولاه من فوق عرشه بقلبه مبصراً من وجه أعمى من وجه كما سبق مبصراً من جهة الإثبات والوجود والتحقق أعمى من جهة التحديد والحصر والتكييف فإنه إذا عمل ذلك وجد ثمرته إن شاء الله تعالى ووجد نوره وبركته عاجلاً وآجلاً ولا ينبئك مثل خبير والله سبحانه الموفق والمعين.
تقريب مسألة الفوقية من الأفهام بمعنى من علم الهيئة لمن عرفه [٨]
стр. 4772
لا ريب أن أهل هذا العلم حكموا بما اقتضته الهندسة وحكمها صحيح لأنه ببرهان لا يكابر الحس فيه بأن الأرض في جوف العالم العلوي وأن كرة الأرض في وسط السماء كبطيخة في جوف بطيخة والسماء محيطة بها من جميع جوانبها وأن أسفل العالم هو جوف كرة الأرض وهو المركز ونحن نقول جوف الأرض السابعة وهم لا يذكرون السابعة لأن الله تعالى أخبرنا عن ذلك وهم لا يعرفون ذلك وهذه القاعدة عندهم ضرورية لا يكابر الحس فيها أن المركز هو جوف كرة الأرض وهو منتهى السفل والتحت وما دونه لا يسمى تحتاً بل يكون تحتاً ويكون فوقا بحيث لو فرضنا خرق المركز وهو سفل العالم إلى تلك الجهة لكان الخرق إلى جهة فوق ولو نفذ الخرق جهة السماء من تلك الجهة الأخرى لصعد إلى جهة فوق.
стр. 4773
وبرهان ذلك أنا لو فرضنا مسافراً سافر على كرة الأرض من جهة المشرق إلى جهة المغرب وامتد مسافراً لعشى على الكرة إلى حيث ابتدأ بالسير وقطع الكرة كما يراه الناظر أسفل منه وهو في سفره هذا لم تبرح الأرض تحته والسماء فوقه فالسماء التي يشهدها الحس تحت الأرض هي فوق الأرض بالذات فكيف كانت السماء كانت فوق الأرض من أي جهة فرضتها ومن أراد معرفة ذلك فليعلم أن كرة الأرض النصف الأعلا منها ثقله على المركز والنصف الأسفل منها ثقله على النصف الأعلا أيضاً إلى جهة المركز والنصف الأسفل هو أيضاً فوق النصف الأعلا كما أن النصف الأعلا فوق النصف الأسفل ولفظ الأسفل فيه مجاز بحسب ما يتخيل للناظر وكذلك كرة الماء محيطة بكرة الأرض إلا سدسها والعمران على ذلك السدس والماء فوق الأرض كيف كان وإن كنا نرى الأرض مدحية على الماء فإن الماء فوقها وكذلك كرة الهواء محيطة بكرة الماء وهي فوقها وإذا كان الأمر كذلك فالسماء التي تحت النصف الأسفل من كرة الأرض (في نظرنا) هي فوقه لا تحته لأن السماء على الأرض كيف كانت فعلوها على الأرض بالذات فلا تكون تحت الأرض بوجه من الوجوه وإذا كان جسم وهو السماء علوها على الأرض بالذات فكيف من ليس كمثله شيء وعلوه على كل شيء بالذات كما قال تعالى: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى﴾ وقد تكرر في القرآن المجيد ذكر الفوقية ﴿يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ﴾ ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ﴾ ﴿وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ﴾ لأن فوقيته سبحانه وعلوه على كل شيء ذاتي له فهو العلي بالذات والعلو صفته اللائقة به كما أن السفول والرسوب والانحطاط ذاتي للأكوان عن رتبة ربوبيته وعظمته وعلوه والعلو والسفول حد بين الخالق والمخلوق يتميز به عنه، هو سبحانه على بالذات وهو كما كان قبل خلق الأكوان وما سواه مستقل عنه بالذات وهو سبحانه العلي على عرشه يدبر الأمر من السماء إلى الأرض ثم يعرج إليه فيحي هذا
стр. 4774
ويميت هذا ويمرض هذا ويشفى هذا ويعز هذا ويذل هذا وهو الحي القيوم والقائم بنفسه؛ وكل شيء قائم به فرحم الله عبداً وصلت إليه هذه الرسالة ولم يعاجلها بالإنكار وافتقر إلى ربه في كشف الحق آناء الليل والنهار وتأمل النصوص في الصفات وفكر بعقله في نزولها وفي المعنى الذي نزلت له وما الذي أريد تعلمها من المخلوقات؛ ومن فتح الله قلبه عرف أنه ليس المراد إلا معرفة الرب تعالى بها والتوجه إليه منها وإثباتها له بحقائقها وأعيانها كما يليق بجلاله وعظمته بلا تأويل ولا تعطيل ولا تكييف ولا تمثيل ولا جمود ولا وقوف وفي ذلك بلاغ لمن تربد وكفاية لمن استبصر إن شاء الله تعالى والحمد لله وحده وصلى الله على من لا نبي بعده وعلى آله وصحبه وسلم والله أعلم، انتهت الرسالة.
اختيار وتقديم
عبد الله الغنيمان
--------------------------------------------------------------------------------
[١] يعني اعتقاد إصابتهم للحق إذ هم أهل علم واجتهاد.
[٢] هذا العنوان وما يأتي مشابهاً من كلام المؤلف.
[٣] رواه أبو داود انظر العلو للذهبي ص ٣٨ من طبعة المكتبة السلفية.
[٤] رواه أحمد والحاكم وقال على شرط البخاري ومسلم والدارقطني.
[٥] العرض هو ما لا يقوم بنفسه بل لا يقوم إلا بغيره كالبياض والسواد. والعرض لا يجوز وصف الله تعالى به نفياً ولا إثباتاً فهو من الكلام المبتدع والله تعالى لا يوصف إلا بما وصف به نفسه أو وصفه به رسوله.
[٦] لفظ الحركة والانتقال لم يأت في صفات الله والله لا يوصف نفياً أو إثباتاً إلا بما وصف به نفسه أو وصفه به رسوله.
[٧] رواه البخاري في صحيحه معلقا مجزما به ووصل غير انظر الفتح جـ١٣ ص ٤٤٧ ومن خرجه هناك وجـ١ ص ١٧٤.
[٨] هذا العنوان من كلام المؤلف.
стр. 4775
توحيد الله
بقلم الشيخ عبد الله أحمد القادري
مدير الإشراف الاجتماعي
أهميتها:
العقيدة: - أي عقيدة - هي منطق الإنسان - أي إنسان - في الحياة.
وكل إنسان يتصرف في حياته انطلاقاً من عقيدته.
ولنضرب لذلك ثلاثة أمثلة رئيسية:
١- المؤمن: فالمؤمن بالله ينطلق في حياته من إيمانه، فهو يؤمن بالله، وبكل ما أخبر به تعالى في كتابه - أو على لسان رسوله - من الغيب، ويتقي ربه، ويمتثل أوامره ويجتنب نواهيه، يوالي فيه ويعادي فيه، وعن هذا الصنف قال تعالى: ﴿الم ذَلِكَ الْكِتَابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدىً لِلْمُتَّقِينَ. الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ. وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ. أُولَئِكَ عَلَى هُدىً مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ .
وقال تعالى: ﴿لا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الأِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ أُولَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ .
стр. 4776
٢- الكافر: وينطلق الكافر في حياته من كفره، فهو كافر بالله جاحد له معاند لرسله، لا يؤمن بما أخبر الله به، ولا يمتثل أوامره ولا يجتنب نواهيه يرفض الحق بجرأة غير مبال بنتائج ذلك كله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ .
٣- المنافق: وينطلق المنافق في حياته من نفاقه - والنفاق كفر لصاحبه الدرك الأسفل من النار - ولكن المنافق يظهر ذبذبة بين الكفر والإيمان حسب المصلحة التي تبدو له، إن رآها في إظهار الإيمان أظهره، وإن رآها في إظهار الكفر أظهر الكفر وطمأن الكافرين بأنه منهم، قال تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ. فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضاً وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ﴾ .
﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لا تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ. أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِنْ لا يَشْعُرُونَ. وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا كَمَا آمَنَ النَّاسُ قَالُوا أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السُّفَهَاءُ أَلا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاءُ وَلَكِنْ لا يَعْلَمُونَ. وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ. اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ. أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدَى فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ..﴾
стр. 4777
وكلما كان الإنسان أكثر إيماناً كان أكثر استجابة للحق وأكثر نفعاً في الأرض، وكلما كان أوغل في الكفر والجحود كان أكثر عناداً وطغياناً، وكلما كان أكثر نفاقاً كان أكثر خبثاً ومكراً وفسداً.
العقيدة هي التي تحدد هدف الإنسان في حياته:
فهدف المؤمن هو رضا الله، ولذلك يسعى جاداً في الوصول إلى هدفه مهما تحمل من مشاق، مهما واجهته من عقبات، يستعذب في سبيل ذلك المر، ويستسهل الصعب، لا يثنيه عنه كيد كائد ولا تهديد مهدد، لأن الهدف عنده أعلى وأسمى من كل شيء - حتى من نفسه التي بين جنبيه - وهو يسعى إذ للوصول إلى هدفه معتمد على من هو أقدر وأقوى.
إن سحرة فرعون - الذين أراد التغلب بهم على نبي الله موسى ﵇ عندما خالط الإيمان بشاشة قلوبهم تحدوا فرعون وملكه وجبروته - وقد كان يعتبر إلههم وإله غيرهم - في ثبات وإصرار معللين ذلك التحدي بهدفهم الذي قرروا السير إليه: ﴿فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سُجَّداً قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ هَارُونَ وَمُوسَى. قَالَ آمَنْتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ فَلَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلافٍ وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ وَلَتَعْلَمُنَّ أَيُّنَا أَشَدُّ عَذَاباً وَأَبْقَى. قَالُوا لَنْ نُؤْثِرَكَ عَلَى مَا جَاءَنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالَّذِي فَطَرَنَا فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ إِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا. إِنَّا آمَنَّا بِرَبِّنَا لِيَغْفِرَ لَنَا خَطَايَانَا وَمَا أَكْرَهْتَنَا عَلَيْهِ مِنَ السِّحْرِ وَاللَّهُ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾ .
وفي قصة أصحاب الأخدود الدليل الواضح على استعذاب أشد أنواع التعذيب والتنكيل واستقبال الموت بصدر رحب في سبيل الوصول إلى ذلك الهدف العظيم (من أراد ذلك مفصلاً فليراجع تفسير سورة البروج في تفسير ابن كثير وغيره) .
стр. 4778
وهدف الكافر: تافه حقير لا قيمة له وهو قضاء وطره المادي العاجل من التمتع بالمأكل والمشرب والمركب والمنكح ضارباً بكل خلق حسن يميز الإنسان عن الحيوان عرض الحائط: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الأَنْعَامُ وَالنَّارُ مَثْوىً لَهُمْ﴾ .
والعقيدة هي التي تحدد الوسيلة الموصلة إلى الهدف - أي هدف -.
فالمؤمن مقيد باتخاذ الوسيلة المشروعة مبتعداً عن الوسائل المحظورة لأن عقيدته تحتم عليه ذلك.
فهدف المؤمن - الذي هو رضا الله لا يتم له إلا إذا والى في الله وعادى فيه فلا بد له من معاداة الكافرين، وهذه المعاداة تحصل بوسائل مشروعة مثل إظهار بغضهم وعدم محبتهم ومجاهدتهم بالنفس والمال وغير ذلك، وليس للمؤمن أن يتخذ وسائل غير مشروعة - كأن يظلم الكافر - قال تعالى: ﴿وَوَصَّيْنَا الأِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْناً عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ وَوَصَّيْنَا الأِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْناً عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفاً وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾
стр. 4779
ووجه الدلالة من النص السابق أن الكافر - ولو كان والداً - تجب معاداته في الله وبغضه فيه، ولكن لا يتخذ لتلك المعاداة وسيلة غير مشروعة، وهي حرمانه من حقه فكما لا يطاع في معصية لا يحرم من بر ولده به ومصاحبته في الدنيا معروفاً وشنآن الكافر لا يجيز ظلمه قال تعالى: ﴿وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى..﴾ .
فالعدل واجب على المؤمن لعدوه الكافر والظلم محرم عليه.
وهكذا نجد المؤمن متقيداً في أعماله ومعاملاته بما هو مشروع لأن عقيدته حددت له الوسيلة كما حددت الهدف، فلا ظلم ولاغش ولا كذب ولا زنا ولا سرقة ولا تسلط ولا أي نوع من أنواع المحرمات فإن ارتكب شيئاً من ذلك عاد إلى الله تائباً نادماً مستغفرا.
والكافر لا يتورع عن اتخاذ أي وسيلة توصله إلى مراده حلالا كانت أم حراماً المهم عنده أن يقضي وطره.
وقد جسم ذلك مكيافلى في قاعدته الظالمة الآثمة التي صارت لأعداء الله دستور حياة، وهي: (الغاية تبرر الوسيلة) ، ومعنى ذلك أن الشخص إذا قرر الوصول إلى هدف ما فله أن يتخذ للوصول إلى هدفه أي وسيلة دون نظر إلى شرعيتها أو عدم شرعيتها، نافعة كانت أم ضارة، فله أن يكذب ويغش وينافق ويسفك الدم ويغصب المال وينتهك العرض.
والسبب في هذا المسلك المشين عقيدته التي تبيح له الخروج على سنن الخالق وأوامره ونواهيه، ولهذا قال أهل مدين في ردهم على نبي الله شعيب - كما حكى ذلك عنهم القرآن -: ﴿قَالُوا يَا شُعَيْبُ أَصَلاتُكَ تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا أَوْ أَنْ نَفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا مَا نَشَاءُ﴾ .
وهكذا نجد الكافر يقدم على أي عمل يريد غير متقيد بأمر ولا نهي، فيقتل بدون حق، ويغصب ويسرق ويشرب الخمر، ويأكل الميتة ويرابي مستحلا كل ذلك وغيره من أنواع المعاصي، لأن عقيدته أطلقت له العنان.
التوحيد
стр. 4780
التوحيد هو إفراد الله في ربوبيته وألوهيته وأسمائه وصفاته فهو - كما ترى - ينقسم إلى ثلاثة أقسام:
١- توحيد الربوبية، ٢- توحيد الألوهية - أو العبادة -،٣- توحيد الأسماء والصفات.
١- توحيد الربوبية:
فتوحيد الربوبية هو: الإقرار بوجود الله تعال، وأنه رب العالمين وخالقهم ومالكهم، مدبرهم والمتصرف فيهم، لا يخرج عن قدرته شيء ولا يشذ عن ربوبيته أحد، إذا أراد شيئاً قال له كن فيكون.
والكون كله - ومنه الإنسان - مفطور على الإقرار بهذا القسم من التوحيد، وهو الذي عناه الأستاذ أبو الأعلى المودودي في كتابه القيم (مبادئ الإسلام) بقوله: (من المعلوم أن كل شيء في هذا الكون منقاد لقاعدة معينة وقانون خاص، فالشمس، والقمر والنجوم - وكذلك الأرض، مسخرات تحت قاعدة مطردة لا قبل لها بالحراك عنها والخروج عليها، والماء والهواء والنور والحرارة كلها مذعنة لنظام خاص، وللجمادات والنباتات والحيوانات ضابطة لا تنمو ولا تنقص ولا تحيا ولا تموت إلا بموجبها حتى إن الإنسان نفسه إذا تدبرت شأنه تبين لك أنه مذعن لسنن الله إذعانا تاما، فلا يتنفس ولا يحس حاجته إلى الماء والغذاء والنور والحرارة إلا وفقاً لقانون الله المنظم لحياته، ولهذا القانون ينقاد قلب الإنسان في حركته ودمه، وفي دورانه ونفسه، في دخوله وخروجه وله يستسلم جميع أعضاء جسده، كالدماغ والمعدة والرئة والأعصاب والعضلات واليدين والرجلين واللسان والعينين والأنف والأذن.
فليست الوظائف التي تؤديها هذه الأعضاء إلا حسب ما قررت لها من الطريق.
فهذا القانون الشامل الذي يستسلم له ولا ينفك عن طاعته شيء في هذا الكون من أكبر سيارة في السماء إلى أصغر ذرة من الرمل في الأرض من وضع ملك جليل مقتدر، فإذا كان كل شيء في السموات والأرض وما بينهما منقاداً لهذا القانون فإن العالم كله مطيع لذلك الملك المقتدر الذي وضعه ومتبع لأثره.
стр. 4781
ويتبين من هذه الوجهة أن الإسلام دين الكون طرا، لأن الإسلام معناه الانقياد والامتثال لأمر الآمر ونهيه بلا اعتراض كما عرفت آنفاً، فالشمس والقمر والأرض مسلمة، والهواء والماء والنور الظلام والحرارة مسلمة، والشجر والحجر والأنعام مسلمة، بل إن الإنسان الذي لا يعرف ربه ويجحد وجوده وينكر آياته، أو يعبد غيره ويشرك به سواء مسلم من حيث فطرته التي فطر عليها، وذلك أنه لا يولد ولا يحيا ولا يموت إلا وفقاً لما وضع الله تعالى من قانون لولادته وحياته وموته، وكذلك كل أعضاء جسده لا تدين إلا دين الإسلام، لأنها لا تنشأ ولا تكبر ولا تتحرك إلا حسب هذا القانون الإلهي نفسه بل الحق أن لسانه الذي يستخدمه في إبداء آراء الشرك والكفر جهلا وسفهاً لا يدين في نفسه إلا دين الإسلام.
وكذلك رأسه الذي يكرهه على الانحناء أمام غير الله لا يدين إلا دين الإسلام بسائق فطرته التي فطر عليها، وكذلك قلبه الذي يعمره بحب الآخرين من دون الله وإجلالهم جهلاً وسفهاً إن هو إلا مسلم من لدن فطرته وسجيته، فكل قد أسلم لله وانقاد..)
قلت: ولفظ الإسلام المعبر به في هذه الجمل ينطبق تماماً على توحيد الربوبية وهو الإسلام المعروف في اللغة العربية، وليس المقصود به الإسلام الشرعي كما هو واضح.
ويتضح من ذلك أن الإقرار بوجود الله وأنه رب العالمين وخالقهم والمدبر لشئونهم والمتصرف فيهم فطري في جميع المخلوقات حتى الإنسان الكافر الجاحد ولكن أيعترف كل الناس بذلك؟
كان المشركون الأولون - وهم يجحدون وحدانية الله في عبادته يقرون بوجود الله، وأنه خالق الخلق ومدبر الكون ومنزل المطر كما قال تعالى عنهم في كتابه الكريم:
стр. 4782
﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلا تَتَّقُونَ﴾ . قال:
﴿قُلْ لِمَنِ الأَرْضُ وَمَنْ فِيهَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ. سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلا تَذَكَّرُونَ. قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلا تَتَّقُونَ. قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلا يُجَارُ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ. سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ فَأَنَّى تُسْحَرُونَ﴾ .
стр. 4783
ولهذا - أي لكون المشركين الأولين كانوا يقرون بتوحيد الربوبية - لم يكن الرسل يدعونهم إلى هذا النوع من أنواع التوحيد، بل كانوا يدعونهم إلى النوع الذي ينكرونه، ويستدلون عليهم بتوحيد الربوبية هذا الذي يقرون به قال تعالى: ﴿قَالَتْ رُسُلُهُمْ أَفِي اللَّهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ وقال تعالى: ﴿قُلْ أَإِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْدَاداً ذَلِكَ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ وقال: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ لا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلا لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ﴾ وقال: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ فِرَاشاً وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقاً لَكُمْ فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَاداً وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ وقال: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُدَبِّرُ الأَمْرَ مَا مِنْ شَفِيعٍ إِلا مِنْ بَعْدِ إِذْنِهِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ أَفَلا تَذَكَّرُونَ﴾ والآيات من الكثرة بمكان في هذا المقام.
стр. 4784
ومع تظافر الأدلة النقلية والعقلية على هذا النوع ومع إقرار الفطر به نجد من ينزلون أنفسهم منزلة الحيوان فيلغون عقولهم التي وهبها الله لهم ويصرحون متبجحين، شاذين عن الكون العظيم كله، بنفي وجود خالق ومدبر لهذا الكون، ولم يكن لهذه الطائفة الشاذة أهمية في الأرض من قبل، أما اليوم في القرن الرابع عشر الهجري - فقد قامت دول على أساس هذا الشذوذ المقيت، كروسيا والصين وغيرهما من دول المسكر الشرقي ومن دار في فلكهم - كما لا ينكر تفشي الإلحاد في المعسكر الغربي أيضاً، وهل المعسكر الشرقي إلا وليد الغربي؟!
ورغم أن هذا المذهب الشاذ لم يكن منتشراً في الزمن الماضي إلا أن الله الخبير بخلقه وما سيحدث منهم قبل أن يحدث قد ألقم أهله الحجة الدامغة التي لا تترك مجالا للهروب من الحق إلا العناد والمكابرة والمعان والمكابر لا ينفع معهما دليل قال تعالى: ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ أَمْ خَلَقُوا السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ بَلْ لا يُوقِنُونَ﴾
فالآية الكريمة تطلب من جاحد الربوبية الجواب على ثلاثة أسئلة:
السؤال الأول: هل خلق من غير خالق - أي من العدم؟
والجواب الذي لا يقبل العقل سواه أنه لا بد للمخلوق من خالق وأن العدم لا يمكن أن يكون خالقاً.
السؤال الثان: هل خلق الجاحد نفسه؟
والجواب الذي لا يقبل العقل سواه أن المخلوق لا يمكن أن يوجد نفسه والصنعة لا بد لها من صانع، والصانع لا بد أن يكون موجودا قبل صنعته وإلا لما صح أن يكون صانعاً لها.
السؤال الثالث: هل خلق الجاحد هذا الكون العظيم: سماءه وشمسه وقمره ونجومه وكل كواكبه، أرضه وجباله وسهوله وبحاره وأنهاره وأشجاره.
стр. 4785
والجواب الذي لا يقبل العقل سواه أنه لا خالق لهذا الكون من البشر ولا غيرهم من المخلوقات، وهل يقدر أحد أن يقول: نعم أنا خلقت السموات والأرض؟ لو قال ذلك - ولم يقله أحد - لتحداه المتحدي أن يخلق حبة شعير أو سمسم، أو ذرة ولا قدرة له على ذلك.
إن نمرود عندما لف ودار، وقال: ﴿أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ﴾ قال له إبراهيم: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ﴾ لم يقل له إبراهيم أوجد شمساً كهذه الشمس، بل طلب منه تحويل مجراها فقط، إذن فلا بد لهذا الكون من خالق فمن هو؟
جواب المؤمنين بوجود الله واضح فما جواب الجاحدين؟
لملحدي هذا العصر على هذا السؤال جوابان:
الأول: أن هذا الكون وجد صدفة، والثاني أن موجده هي الطبيعة.
ومعنى الصدفة أن هذا الكون كله وجد هكذا من العدم بدون موجد فما حظ هذا الجواب عند العقلاء؟!
لا يشك عاقل يؤمن بوجود عقله وسلامته في تفاهة هذا الجواب الساقط غاية السقوط، ومع ذلك فلا بأس بمناقشته مناقشة مختصرة ليزداد سقوطه وتفاهته وضوحا للصبيان والمعتوهين - لا المكابرين أو المجانين - ولذلك نسوق بعض الأمثلة التي يعترف بها الجاحد.
المثال الأول: أن يقال: هذا القصر الذي يناطح بطوله السحاب ويجثم على مساحة واسعة من الأرض فيه عدد كبير من الغرف المفروشة المزخرفة جمعت فيه كل دوائر المدينة - أي مدينة - الحكومية وضع على باب كل حجرة لوحة كتب بها وظيفة صاحبها من الأمير إلى أصغر موظف استكملت كل وسائل العمل والراحة - يقال: هذا القصر بهذه الضخامة والتنسيق وجد بنفسه لم تصرف فيه نقود ولم يفكر في بنائه مفكر ولم يصنع لبناته صانع ولم يبنه بان وجد هكذا صدفة في لحظة يصعب تمييزها لقصرها!! أترى عاقلا يصدق هذه الدعوى؟!!
стр. 4786
إن كل العقلاء سيجزمون بأن قائل هذا الكلام فاقد العقل يهرف بما لا يعرف وإذا كان الأمر كذلك بالنسبة لهذا القصر الذي يعتبر ذرة لا نسبة لها إلى بقية المخلوقات فما بالك بالسموات وما فيها، والأرض وما فيها أيعقل أن يقال إنها وجدت هكذا صدفة؟؟!!
المثال الثاني: أمامي كتاب يتكون من أربعة عشر مجلداً في كل مجلد ما يربو على ستمائة في كل صفحة ما يقارب عشرين سطراً في كل سطر عشرون كلمة.
قل لي بربك ما موقف هؤلاء الملحدين أنفسهم ثم موقف العقلاء من الناس من شخص - فضلا عن دول وشعوب - زعم أن هذا الكتاب بأجزائه، وصفحاته، وأسطره وكلماته وحروفه مع ما فيه من جمل متناسبة ومعان مترابطة، وأسلوب بديع، وأفكار عظيمة، وجد هكذا صدفة، بدون صانع ورق ولا طابع ولا مؤلف ولا كاتب ولا شيء سوى أنه وجد صدفة أيمكن أن يؤمن بهذه الدعوى أحد في الأرض من العقلاء حتى الملحد نفسه.
وإذا كان الأمر كذلك بالنسبة لهذا الكتاب - مثلا - فما بالك بهذا الكون العظيم لمحكم المنسق من أرض وسماء وما فيهما وما بينهما، أيعقل أن توجد هكذا صدفة؟!! ألا يدل كل منها أن له موجداً مريداً حكيماً عليماً قوياً قادرا ً؟!
المثال الثالث:
стр. 4787
لو قيل لك: إن باخرة عظيمة تعتبر أحدث البواخر في هذا العصر كبراً وتنظيماً وإتقاناً تبحر من طوكيو باليابان مارة بمدن الصين والهند وأفريقيا وبريطانيا في أوقات معينة ترسو بنفسها في كل مدينة وتنزل من بها وما بها في تلك المدينة ثم ترفع من تلك المدينة من المسافرين وما بها من الأمتعة إلى المدينة الأخرى بنفسها كذلك، هذه الباخرة وجدت بدون صانع، وليس لها ربان، ولا عمال ينزلون أو يرفعون ما بها، بل وجدت صدفة وتسير من مدينة إلى أخرى في وقت محدد صدفة أيضاً؟ أترى هذا الزعم يصدر من ذي عقل أو يصدقه ذو عقل، ألا يسخر من قائله كل الناس؟ بلى، أهذا لا يعقل في سفينة ويعقل في الشمس والكواكب السيارة بدقة وإحكام مع عظم الحجم ودقة السير ﴿لا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾
وبهذا تعرف أن القول بالصدفة ما هو إلا سراب بقيعة يحسبه الظمآن ماء حتى إذا جاءه لم يجده شيئاً ووجد الله عنده فوفاه حسابه.
وإذا كان هذا هو شأن الصدفة فما قيمة الطبيعة في ميزان العقلاء؟!
الطبيعة في اللغة السجية، وتطلق في اصطلاح أهل العصر على أمرين:
الأول: على الشيء نفسه فالمخلوقات هذه التي نشاهدها هي الطبيعة، فالشمس من الطبيعة والقمر من الطبيعة والنجوم من الطبيعة والأرض من الطبيعة، والأرض وما فيها من جبال وسهول وأنهار وحيوان من الطبيعة.
الإطلاق الثاني: على خصائص الأشياء، فحرارة الشمس من الطبيعة وإحراق النار من الطبيعة، وبرودة الثلج من الطبيعة، وشبع الطعام من الطبيعة، وري الماء من الطبيعة وهكذا.
стр. 4788
فعلى الإطلاق الأول يكون معنى خلق الطبيعة للأشياء أن كل شيء خلق نفسه، فالشمس خلقت نفسها، وهكذا القمر والنجوم والجبال والبحار والأشجار والإنسان، وهل يعقل أن يخلق الشيء نفسه: ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ﴾ .
وعلى الإطلاق الثاني تكون خصائص الأشياء خلقت الأشياء، فحرارة الشمس خلقت الشمس، والإحراق خلق النار، وبرود الثلج خلقت الثلج وري الماء خلق الماء، والشبع خلق الطعام، وهلم جرا.
وهو كما ترى لا يقدر على إطلاقه عاقل، ولكنه العمى: عمى القلب، بل وعمى البصر أيضاً، فالعقلاء يعرفون أن خصائص الأشياء لم تكن موجودة قبل الأشياء، بل إما أن توجد بعدها، أو مقارنة لها في الوجود، والموجود الذي يتأخر عن غيره أو يوجد معه كان معدوماً قبل وجود ذلك الشيء، والمعدوم لا يعقل أن يوجد غيره إذ فاقد الشيء لا يعطيه، فأين عقول هؤلاء؟! سبحانك ربنا هذا بهتان عظيم.
الخالق هو الله ولا خالق سواه
خلاصة الأدلة العقلية على وجود الله وأنه خالق الكون ولا خالق سواه:
стр. 4789
١- لكل فعل فاعل: كل حدث في الكون لا بد له من محدث، ولا يمكن قط أن يوجد حدث بدون محدث، فإذا رأيت بناء جديداً اليوم لم يكن موجوداً بالأمس جزمت أن بانيا أو بانيين أحدثوا هذا البناء، وإن هذا البناء لم يحدث بدون بان، وإذا رأيت جبلاً قد أزيل من مكانه جزمت أن آلات هدم قد دكته دكا وأن تلك الآلات قد استعملها ذوو خبرة بقيادتها، وإذا رأيت أن سيارة تتجه إلى مكان ما جزمت بأن محركاً قد حركها، وإذا كانت هذه السيارة تتجنب الاصطدام بالجدران والصخور والناس عرفت جازماً أن قائداً عاقلاً خبيراً يقودها ويسيرها، وإذا سمعت الجرس يدق في منزلك جزمت أن ضغطاً قد وقع على زره، وإذا سمعت جرس هاتفك يرن جزمت أن شخصاً قد اتصل به على نفس نمرتك، ومن المستحيل أن يحدث كل ذلك بدون محدث، وهذا يدل - دلالة عقلية قطعية - أنه لا بد لكل فعل من فاعل.
قال تعالى: ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ، أَمْ خَلَقُوا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بَلْ لا يُوقِنُونَ﴾ وإذا كان الأمر كذلك فهل يعقل أن يوجد هذا الكون بهذه المخلوقات بدون موجد؟
٢- الفعل مرآة لقدرة فاعله وبعض صفاته:
стр. 4790
إذا رأيت كراسة مسطرة تسطيراً دقيقاً مستوياً وبها كتابة جميلة متقنة مستقيمة دلك ذلك على أن شخصاً ما قد كان على علم بصنع الورق ومقدرة على صنعه، وأنه دقيق في تقدير المسافة التي تفصل بين كل سطر وآخر، وأنه - هو أو غيره - يجيد القراءة والكتابة وعنده قدرة على فعل ذلك كله، وتجزم بعد ذلك أن هذه الأمور تدل دلالة لا لبس فيها على قدرة ذلك الفاعل وعلامات واضحة لبعض صفاته، انظر بعد ذلك إلى هذه المخلوقات التي تشاهدها تسير بدقة وإحكام من أكبر مخلوق في السماء إلى أصغر ذرة من الرمل في الأرض ألا تدل على قدرة الخالق وترسم لك صورة واضحة لبعض صفاته فتعرف من ذلك أنه قدير مريد حكيم عليم خبير مهيمن؟ قال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ وَأَنْ عَسَى أَنْ يَكُونَ قَدِ اقْتَرَبَ أَجَلُهُمْ فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ﴾
وقال: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ ثَمَرَاتٍ مُخْتَلِفاً أَلْوَانُهَا وَمِنَ الْجِبَالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهَا وَغَرَابِيبُ سُودٌ. وَمِنَ النَّاسِ وَالدَّوَابِّ وَالْأَنْعَامِ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ كَذَلِكَ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ﴾
وقال: ﴿أَفَلا يَنْظُرُونَ إِلَى الْأِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ وَإِلَى السَّمَاءِ كَيْفَ رُفِعَت وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ وَإِلَى الأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ﴾
стр. 4791
وقال: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ لآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ .
٣- (ليس الفاعل من لا يملك القدرة على الفعل) .
الذي لا يملك القدرة على الفعل لا يسند إليه ذلك الفعل، فإذا رأيت قتيلاً مرمياً على جانب الطريق وبجانبه طفل ولد لتوه ملقى على الأرض فهل تستدعي الجنود المسئولين عن الأمن لاحتجاز ذلك الطفل وتقيم الدعوى عليه بأنه قاتل ذلك القتيل؟ كلا! لماذا، لأن الطفل لا يملك القدرة على قتل ذلك الشخص أو غيره، وإذا رأيت قمراً صناعياً قد أطلق ليدور حول الأرض فإنك لا تسند إطلاق ذلك القمر إلى حيوان - كالثور مثلاً - لأن الحيوان لا يملك القدرة على إطلاق ذلك القمر، وهكذا....
ولننظر الآن إلى هذه المخلوقات العظيمة كالسموات والأرض وما فيهما وما بينهما أيدور بخلدك إسناد خلقها وإيجادها إلى أي من هذه المخلوقات التي هي في افتقار ذاتي إلى من يوجدها؟ إنها كلها لا تملك القدرة على خلق نفسها ولا خلق غيرها، وهذا الإنسان الذي بلغ شأواً بعيداً في الابتكار والاختراع والاستفادة من كثير من هذه المخلوقات لم يقدر على أن يخلق حبة خردل أو جناح بعوضة.
стр. 4792
فمن يستحق أن يسند إليه فعل هذه الأشياء وخلق هذه المخلوقات؟ إنه الله الخالق البارئ المصور القادر المريد الحكيم: ﴿هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ . ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَاباً وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئاً لا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ﴾ .
(يتبع)
стр. 4793
ترجمة القرآن
للأستاذ محمد بن محمد الأنصاري المدرس بمعهد الباحة العلمي
إن محولات هذا العصر في خنق الثقافة الإسلامية، فيما يتعلق بفكرها ولغتها كثيرة جداً، ومن نوافذ بعيدة المدى، وآفاق عميقة الجذور، تتستر أحياناً بما هو مطلوب من معتنقي الثقافة الإسلامية ولغتها الشاعرة (اللغة العربية) .
من هذه البدع المجازفة السيئة التي قام بها الأعداء مباشرة، أو غير مباشرة، من محاولة ترجمة القرآن، ترجمة حرفية يطلقون عليها قرآناً، وهذه الحماقة إن راودها بعض المسلمين أو المنافقين فلا نردها إلا إلى جهل تام وبعد واسع النطاق عن القرآن العظيم في نزوله والمنزل من عنده المتكلم به حقيقة والمنزل عليه في لغته وبلاغته التي لا تقاوم.. ولا ينال طرف منها، في حرف وجملة وكلمة، ولو كان بعضهم لبعض ظهيراً قال تعالى: ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الأِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً﴾ بل إن كلاما أدنى منه وأسلوباً أقصر من نسجه على إرادته تقليداً أو محكمات، لا يمكنهم الإتيان به ولا تطاوعهم الملكة البيانية في فصل الخطاب وفي أوابد القوافي لمراميه، قال تعالى: ﴿فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ إِنْ كَانُوا صَادِقِينَ﴾ .
كأن الذين يحاولون ترجمة القرآن الحرفية، جاءوا ليصدقوا إعجاز القرآن في شانهم هذا المضحك، وهو نقل القرآن إلى لغة يمكن أن يعارض فيها ولا يعجز وهذه المحاولة نفسها إعجاز!!
стр. 4794
ولا شك أن هذه العبقريات (اللافتة) يمكر من ورائها الغرب الغدّار والاستشراق الفتاك، إنها فتنة لا نشك أدنى شك في أن القرآن المعجز يلحق بها هزيمة ساحقة، مهما كاد الكائدون فهي لا تستحق العناية من حيث الموضوعية.. لذلك نقول في إجمال: إن ترجمة القرآن الحرفية لا تجوز إجماعاً ولا يمكن لأي أحد مهما أوتي من قوة علمية ولغوية وأدبية وفكرية، جمعت وفاقت كل العبقريات العالمية من آدم ﵇ حتى آخر رقم في النسل البشري.. التعبير بجملة واحدة تماثل جملة قرآنية بلاغة وإعجاز.
إذا كانت الأمة العربية التي نزل القرآن بلغتها في يوم لم يمر على العربية ـ من قبل ومن بعد ـ مثله قوة وإبداعاً عجزت عن خطوة واحدة لمعارضة القرآن ومناقضته مع ما ألحقه بهم في التحدي وإعلان الذلة والجمود عليهم أمام صولته القاهرة وبيانه الساحر فكيف بلغات لا تذكر جانب العربية في خاصة واحدة من خصائص اللغات...؟!!
هذا وقد أثبتت الدراسات في اللغات.. الفرق الكبير بين حروف العربية وجملها الاسمية والفعلية، وأساليبها المتعددة وبين اللغات الأخرى كالفرنسية والإنجليزية.
فاللغة العربية لغة عالية بمعنى الكلمة ونزل بها كتاب أعلى منها في ذاتها، فكيف يوضح هذا الكتاب ويقرأ بلغات قاصرة ونازلة عن لغة كانت نازلة عن هذا الكتاب..!!؟
أما الترجمة المعنوية للقرآن الكريم وغيره من علومه العربية الإسلامية، فهي الأمر الذي يستدعي التأمل ويدعو الباحثين إلى التوقف والنظر في دنيا الإسلام وثقافته في يومنا هذا. لتردد هذا الدافع التربوي بين نفع كبير وضرر بعيد المدى في الحياة الإسلامية لمريدها حاضراً ومستقبلاً..
стр. 4795
ولا شك أن الدعوة الإسلامية اليوم تتطلب هذا النوع من الترجمة في حوارها مع العالم في كابوسه الجاهلي لنشر الفكرة الإسلامية، وإيصال العنصر الإسلامي إلى أمم الأرض الحائرة التائهة.. كما أن الإسراف في الترجمة هذه ليس في صالح العربية لتكون لغة إسلامية عالمية يدين لها كل مسلم بالحق والأولوية إلى نفسه، وتأخذ طريقها إلى مقاليد العلم والفكر والاقتصاد والاجتماع والسياسة في كافة الدول الإسلامية وشعوبها، ليكون ذلك وسيلة لحاكية الإسلام في ربوع العالم الإسلامي وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب.
إذا كان الأمر كذلك، فالترجمة المعوية للقرآن وكل ما هو إسلامي وعربي ونقل ذلك إلى لغات للأجانب أو إلى لغات لإخوة من الشعب الإسلامي الكبير، ذات حدين، عندما نمعن النظر فيها من خلال الحقائق الإسلامية التي جاوزت القرون وعبرت جسوراً من المصاعب، حتى وصلتنا في يومنا هذا والحقيقة الكبرى التي لا يساورنا فيها تردد وهي: أن الإسلام عربي اللسان فلما كان ذلك تحولت لغته الخالدة هذه من كونها لغة شعب وشعوب الدنيا في فترة من الزمان، إلى كونها لغة دينية لها طابع رباني، مختارة لتكون لغة للعالم من بين اللغات حتى نهاية الدنيا بل وفي الحياة الأخروية، كما اختير رجل واحد من بين الناس ليكون رسولاً للعالم كافة، حتى يوم الدين، وهي كفيلة بكل ما يطلبه العالم أدبيا ولغويا وحضاريا، كما أن رسالة الإسلام كفيلة بكل ما يطلبه البشر من حماية ورفاهية حضارياً.
هذا وإننا نؤمن إيماناً صادقاً ونجزم: أنه لا قرآن بلا عربية ولا علا جديا يظهر الإسلام في حقيقته في الحياة إلا بالعربية... فلتكن إذا الترجمات المعنوية مقدمات فقط يحدد لها وقت أقصر من سلافه الذباب، ريثما تبرز الشعلة العالية في زينتها الساحرة وقوتها العامرة، إنها أداء رسالة الإسلام وقرآنها بالأسلوب الذي نزل به وأعطى به.
стр. 4796
أما الاندفاع الكلي في الترجمة المعنوية، فإنه وإن كان فيه حق يجب القيام به مقدمة للدعوة الإسلامية، فإنه يتصل اتصالاً وثيقاً ـ إن استمر ـ بما تدعيه أوربا من أن العربية لا تصلح لغة لحضارة معاصرة والإسلام متخلف لا ينهض في عصر التكنولوجيا، كما أنه يضعف طلب العربية وتعلمها من قبل المسلمين في المعمورة الأرضية.
وإذا رجعنا إلى الوراء وتأملنا صفحات التاريخ المشرقة بالأمجاد والمجد طيع في طولها وعرضها. استحضرنا ما كان للدولة الإسلامية من تقدم وأداء للدعوة، لما كانت قوية ومتمسكة بشخصيتها الأصيلة في عهودها الأولى لقابلتنا حقائق بارزة وناطقة تشهد لما ذكرت وبينت.
لقد استطاع المسلمون أن يترجموا لغات الأمم التي دخلت الإسلام إلى العربية فتصبح العربية لغة لهذه الشعوب المؤمنة وتنصرف عن لهجاتها التي لا تتصل بالقرآن في حال من الأحوال، وتعتنق العربية الوسيلة إلى قرآنهم وسنة نبيهم ﷺ .
ويدخل في هذا ترجمة الآداب والعلوم الفارسية والرومية واليونانية والهندية إلى العربية، ليتسنى للناس دراستها والاستفادة منها بأسلوب عربي، وتموت تلك اللغات وتحيى لغة الإسلام مسيطرة على الأمة فكريا وعلميا، وماذا نتج عن هذا؟!
هل نتج عنه أن الإسلام لم يصلها لا والله..؟ وإنما النتيجة أن تفجرت في آفاق الدنيا آلاف من العلماء حملوا لواء الإسلام في عربية، وكانوا منار الهدى في عصور الإسلام، ويظهر سيبويه ليكون إماماً للنحو العربي، والطبري إماماً للمفسرين والبخاري إماماً للمحدثين وأبو حيان وابن معطى وابن الرومي وأبو العتاهية وبشار وغيرهم من العلماء والشعراء والأدباء.
стр. 4797
إن الحكمة كل الحكمة في هذا الجانب الهام للدعوة الإسلامية اليوم تكمن في التصرف والبداية التي تؤدينا إلى الغاية بدون إفراط ولا تفريط والغاية هي توضيح الفكرة الإسلامية نقية مهذبة لا تشوبها شائبة بدعية أو عصرية، ليكون ذلك منهجا قويا يضمن للوافدين إلى الإسلام استمرار رغبتهم فيه، وانفجار الاستراتيجية الإسلامية في كل الاتجاهات أمام المقبلين إليه، فلا يلمسون من عطائنا نحن المسلمين المبشرين بالإسلام شيئاً، يلوح من بعيد أو قريب، إلى قصر المنهج في إبراز الفكرة الإسلامية، واضحة متكاملة، وفي ذلك نجد النجاح المستمر من جانبين خطيرين:
الأول: الظفر بمن يخلص للعقيدة الإسلامية ومرافقها من مادة الإنسانية التي لا تخلو من خير ويصدق لها والعربية داخلة في ذلك، لأن العمل الجدي والأسلوب المخلص التربوي لا ينتج إلا جدياً ولا يقدم إليه إلا الصادقون "خيارهم في الإسلام خيارهم في الجاهلية إذا فقهوا"
стр. 4798
الثاني: السلامة من عالم النفاق والنجاة من غدره الذي قد يكون غنيمة لمن يعطى الإسلام بأساليب هوجاء لا تزيد عن كونها فكرة تقال في مناسبة وكفى ـ وأنا أعتقد أن الأسلوب الذي كان دافعاً لوجود النفاق في العصر الأول للإسلام، مباين كل المباينة للأساليب التي قد تكون دافعاً لوجود النفاق في عصرنا هذا وهي كثيرة، إنما أخص منها ما أريده في هذه الكلمة الموجزة ـ ذلك أن النفاق في العصر الأول كان الدافع لوجوده، إنما هو قوة الإسلام في أدائه ودقة منهجه وبروز شخصيته الفعالة، فكان من الواضح أن ترى طائفة قليلة في المدينة الخطر يحيط بها من هذا السَّيْل الإسلامي الذي يعلو ولا يعلى عليه، فدافعت عن نفسها بأن اعتنقت الإسلام ظاهراً لا باطناً، ومع هذا فلم تلبث هذه الطائفة كثيراً حتى نبش القرآن المعجز قلوبها السوداء، وأظهرها على سطح بحر الكفر طافحة، وظلت في هوانها، حتى اندثرت سريعاً بين المد والجزر الإسلامي، فلم يكن لها مفعول وبقي الإسلام عالي الصوت قوي العواصف تجول راياته في الخافقين.
أما العامل لوجود النفاق في عصرنا هذا من دوافعه، أداء الإسلام بأساليب غير منهجية ضعيفة لا تحمل حقيقة حية ترغب وتلقى عبثاً ومسئولية على مُعْتَنقيه فكان من السهل جداً اعتناق هذا الإسلام مع بقاء إنسان العصر على ماديته وجاهليته فذلك النفاق الذي لا يرجى موته ولا تطول مدة الإسلام معه، لأنه هو الغلاب، إذ قدم صاحبه إليه ظناً منه أن هذا الدين لا يكلفه غير أن يسجل اسمه في سجله ليزيد ستمائة مليون مسلم وكفى، بلا تغيير في حياته، بينما لو علم حقيقة الإسلام لم يقدم إليه إلا راغباً وعاملاً.
стр. 4799
إن كثيراً من المبلغين للإسلام قد يؤدونه بهذا المنطق المستسلم ولا يريدون إلا الخير واللطف لكنه ينبغي ألا تخفى عليهم حقيقة وهي أن الإكراه في الدين لا يجوز، وتلك الأساليب المرغبة والمسهلة في مسئوليات قد توفر عدداً كبيراً لتقبل الإسلام مذهباً شكلياً، فإن وجد هذا إكراه بعينه والإسلام نهى عنه لئلا يكون فيه من لا يقدر مسئوليته، ويعلمون أن الرسول ﷺ لو تنازل عن ميزة واحدة من ميزات الإسلام لما لقي من قومه عنفاً وشدة.
قال تعالى: ﴿لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لا انْفِصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ .
стр. 4800
حول رسالة الجامعة
شباب الجامعات السعودية رواد حضارة وتقدم على طريق الإسلام [١]
بقلم الأستاذ محمد أبو طالب شاهين المدرس بالجامعة الإسلامية
الجامعات السعودية هي قمة المراحل التعليمية، وأعلى درجها، في أمة مسلمة رائدة وقدوة، ودولة قامت بشرع الله، وأقامت حدود الله على الأرض الطيبة التي شرفها الله ببيته الأول زاده الله تشريفاً وتعظيماً، ونبيه الخاتم صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً.
والمملكة العربية السعودية هي أمل المسلمين كل المسلمين، ترمقها عيونهم، وتهفوا إليها نفوسهم، وتتجه إليها قلوبهم، فقد جعلها الله سبحانه مهوى الأفئدة ومقصد الحجيج، المسلمون كل المسلمين تقر عيونهم بأن يروا دائماً في أبناء المملكة وجامعاتها ومناهجها وكل اتجاهاتها القدوة، والرائد، والنموذج، والمثال، على طريق الإسلام والرقي العلمي معاً.
لقد أدت المملكة الأمانة على وجهها في سدانة الكعبة، وعظمت شعائر الله ومناسكه، وأمنت ويسرت سبيل الحرمين الشريفين.
ولما أفاء الله عليها من ينابيع الزيت عصب الحياة، ومادة السلم، ووقود الحرب صرفت عطاء الله داخل حدودها تعميراً وتعليماً وإصلاحاً ونهوضاً وتقدماً كما بذلته خارج حدودها عن رضا وإيمان عونا وانتصاراً لكل قضايا الإسلام والعروبة، حتى جاء اليوم التاريخي الذي وقف فيه عاهلها الفيصل العظيم ليقول للدنيا بعزة الله في إباء: لا!!!
فتهتز الدنيا وتقول له على تواضع واستحياء: نعم!!!
следующие страницы →