← Джавами‘

Джавами‘ · id 4473

مجلة الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (23 804 стр.). Показаны 4796–4835 · переход к 4801.

стр. 4796

أما الاندفاع الكلي في الترجمة المعنوية، فإنه وإن كان فيه حق يجب القيام به مقدمة للدعوة الإسلامية، فإنه يتصل اتصالاً وثيقاً ـ إن استمر ـ بما تدعيه أوربا من أن العربية لا تصلح لغة لحضارة معاصرة والإسلام متخلف لا ينهض في عصر التكنولوجيا، كما أنه يضعف طلب العربية وتعلمها من قبل المسلمين في المعمورة الأرضية. وإذا رجعنا إلى الوراء وتأملنا صفحات التاريخ المشرقة بالأمجاد والمجد طيع في طولها وعرضها. استحضرنا ما كان للدولة الإسلامية من تقدم وأداء للدعوة، لما كانت قوية ومتمسكة بشخصيتها الأصيلة في عهودها الأولى لقابلتنا حقائق بارزة وناطقة تشهد لما ذكرت وبينت. لقد استطاع المسلمون أن يترجموا لغات الأمم التي دخلت الإسلام إلى العربية فتصبح العربية لغة لهذه الشعوب المؤمنة وتنصرف عن لهجاتها التي لا تتصل بالقرآن في حال من الأحوال، وتعتنق العربية الوسيلة إلى قرآنهم وسنة نبيهم ﷺ . ويدخل في هذا ترجمة الآداب والعلوم الفارسية والرومية واليونانية والهندية إلى العربية، ليتسنى للناس دراستها والاستفادة منها بأسلوب عربي، وتموت تلك اللغات وتحيى لغة الإسلام مسيطرة على الأمة فكريا وعلميا، وماذا نتج عن هذا؟! هل نتج عنه أن الإسلام لم يصلها لا والله..؟ وإنما النتيجة أن تفجرت في آفاق الدنيا آلاف من العلماء حملوا لواء الإسلام في عربية، وكانوا منار الهدى في عصور الإسلام، ويظهر سيبويه ليكون إماماً للنحو العربي، والطبري إماماً للمفسرين والبخاري إماماً للمحدثين وأبو حيان وابن معطى وابن الرومي وأبو العتاهية وبشار وغيرهم من العلماء والشعراء والأدباء.

стр. 4797

إن الحكمة كل الحكمة في هذا الجانب الهام للدعوة الإسلامية اليوم تكمن في التصرف والبداية التي تؤدينا إلى الغاية بدون إفراط ولا تفريط والغاية هي توضيح الفكرة الإسلامية نقية مهذبة لا تشوبها شائبة بدعية أو عصرية، ليكون ذلك منهجا قويا يضمن للوافدين إلى الإسلام استمرار رغبتهم فيه، وانفجار الاستراتيجية الإسلامية في كل الاتجاهات أمام المقبلين إليه، فلا يلمسون من عطائنا نحن المسلمين المبشرين بالإسلام شيئاً، يلوح من بعيد أو قريب، إلى قصر المنهج في إبراز الفكرة الإسلامية، واضحة متكاملة، وفي ذلك نجد النجاح المستمر من جانبين خطيرين: الأول: الظفر بمن يخلص للعقيدة الإسلامية ومرافقها من مادة الإنسانية التي لا تخلو من خير ويصدق لها والعربية داخلة في ذلك، لأن العمل الجدي والأسلوب المخلص التربوي لا ينتج إلا جدياً ولا يقدم إليه إلا الصادقون "خيارهم في الإسلام خيارهم في الجاهلية إذا فقهوا"

стр. 4798

الثاني: السلامة من عالم النفاق والنجاة من غدره الذي قد يكون غنيمة لمن يعطى الإسلام بأساليب هوجاء لا تزيد عن كونها فكرة تقال في مناسبة وكفى ـ وأنا أعتقد أن الأسلوب الذي كان دافعاً لوجود النفاق في العصر الأول للإسلام، مباين كل المباينة للأساليب التي قد تكون دافعاً لوجود النفاق في عصرنا هذا وهي كثيرة، إنما أخص منها ما أريده في هذه الكلمة الموجزة ـ ذلك أن النفاق في العصر الأول كان الدافع لوجوده، إنما هو قوة الإسلام في أدائه ودقة منهجه وبروز شخصيته الفعالة، فكان من الواضح أن ترى طائفة قليلة في المدينة الخطر يحيط بها من هذا السَّيْل الإسلامي الذي يعلو ولا يعلى عليه، فدافعت عن نفسها بأن اعتنقت الإسلام ظاهراً لا باطناً، ومع هذا فلم تلبث هذه الطائفة كثيراً حتى نبش القرآن المعجز قلوبها السوداء، وأظهرها على سطح بحر الكفر طافحة، وظلت في هوانها، حتى اندثرت سريعاً بين المد والجزر الإسلامي، فلم يكن لها مفعول وبقي الإسلام عالي الصوت قوي العواصف تجول راياته في الخافقين. أما العامل لوجود النفاق في عصرنا هذا من دوافعه، أداء الإسلام بأساليب غير منهجية ضعيفة لا تحمل حقيقة حية ترغب وتلقى عبثاً ومسئولية على مُعْتَنقيه فكان من السهل جداً اعتناق هذا الإسلام مع بقاء إنسان العصر على ماديته وجاهليته فذلك النفاق الذي لا يرجى موته ولا تطول مدة الإسلام معه، لأنه هو الغلاب، إذ قدم صاحبه إليه ظناً منه أن هذا الدين لا يكلفه غير أن يسجل اسمه في سجله ليزيد ستمائة مليون مسلم وكفى، بلا تغيير في حياته، بينما لو علم حقيقة الإسلام لم يقدم إليه إلا راغباً وعاملاً.

стр. 4799

إن كثيراً من المبلغين للإسلام قد يؤدونه بهذا المنطق المستسلم ولا يريدون إلا الخير واللطف لكنه ينبغي ألا تخفى عليهم حقيقة وهي أن الإكراه في الدين لا يجوز، وتلك الأساليب المرغبة والمسهلة في مسئوليات قد توفر عدداً كبيراً لتقبل الإسلام مذهباً شكلياً، فإن وجد هذا إكراه بعينه والإسلام نهى عنه لئلا يكون فيه من لا يقدر مسئوليته، ويعلمون أن الرسول ﷺ لو تنازل عن ميزة واحدة من ميزات الإسلام لما لقي من قومه عنفاً وشدة. قال تعالى: ﴿لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لا انْفِصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ .

стр. 4800

حول رسالة الجامعة شباب الجامعات السعودية رواد حضارة وتقدم على طريق الإسلام [١] بقلم الأستاذ محمد أبو طالب شاهين المدرس بالجامعة الإسلامية الجامعات السعودية هي قمة المراحل التعليمية، وأعلى درجها، في أمة مسلمة رائدة وقدوة، ودولة قامت بشرع الله، وأقامت حدود الله على الأرض الطيبة التي شرفها الله ببيته الأول زاده الله تشريفاً وتعظيماً، ونبيه الخاتم صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً. والمملكة العربية السعودية هي أمل المسلمين كل المسلمين، ترمقها عيونهم، وتهفوا إليها نفوسهم، وتتجه إليها قلوبهم، فقد جعلها الله سبحانه مهوى الأفئدة ومقصد الحجيج، المسلمون كل المسلمين تقر عيونهم بأن يروا دائماً في أبناء المملكة وجامعاتها ومناهجها وكل اتجاهاتها القدوة، والرائد، والنموذج، والمثال، على طريق الإسلام والرقي العلمي معاً. لقد أدت المملكة الأمانة على وجهها في سدانة الكعبة، وعظمت شعائر الله ومناسكه، وأمنت ويسرت سبيل الحرمين الشريفين. ولما أفاء الله عليها من ينابيع الزيت عصب الحياة، ومادة السلم، ووقود الحرب صرفت عطاء الله داخل حدودها تعميراً وتعليماً وإصلاحاً ونهوضاً وتقدماً كما بذلته خارج حدودها عن رضا وإيمان عونا وانتصاراً لكل قضايا الإسلام والعروبة، حتى جاء اليوم التاريخي الذي وقف فيه عاهلها الفيصل العظيم ليقول للدنيا بعزة الله في إباء: لا!!! فتهتز الدنيا وتقول له على تواضع واستحياء: نعم!!!

стр. 4801

وقد سايرت المملكة ركب الحياة المتقدمة في نهضة عمرانية وتعليمية شاملة، وتوسعت في التعليم، وأنشأت الجامعات استجابة لتطور الحياة والتقدم العلمي والحضاري؛ وانطلاقاً من جو السمات الدينية التي تميزت بها المملكة كان طبيعياً أن تكون كلية الشريعة بمكة المكرمة هي الباكورة المبكرة للتعليم العالي والجامعي، ثم أنشئت كليتا الشريعة واللغة العربية بالرياض، ثم انشئت جامعة الرياض وجامعة الملك عبد العزيز وكرم الله دار الهجرة فأنشئت بها الجامعة الإسلامية لتستقبل أبناء العالم الإسلامي كله من جميع القارات في أفواج مثلت في العالم ٨٥ جنسية. إن الجامعة هي المرحلة العليا من التعليم تستقبل شبابها بعد أن يجتازوا مرحلة الثقافة العامة التي هي قدر مشترك بين الأمة، والتعليم الجامعي في عصر التخصص ذو نوعيات مختلفة من شعب العلوم النظرية والعملية، كالدراسات الدينية والأدبية والاقتصادية والطب والهندسة والعلوم وغيرها. وشباب الجامعات هم أمل الأمة وعدة المستقبل ورجال الغد يرثون الماضي لينموه ويطوروه للحاضر، ويهدوه للمستقبل. والتعليم الجامعي يعاصر من عمر الشباب طاقات جسيمة وعقلية قادرة على التحصيل والبحث واستيعاب المحاضرة ومتابعة الأستاذ في دراسات من أبرز خصائصها سعة الاطلاع والوقوف على المراجع والمصادر وتربية الملكات وتنميتها حتى ترقى إلى درجة الرأي والموازنة والترجيح والاختيار. ومن هنا كان الأصل في الجامعة أن تخرج العالم لا أن تعد الموظف وأن تفتح أبواب المعرفة من مصادرها وأن تتيح لأبنائها فرص البحث الحر وتشبع رغباتهم وميولهم واستعدادهم قبل أي اعتبار آخر. ولكن الواقع أصبح غير ذلك ـ على المستوى العالمي ـ فنحن في عصر الاقتصاد والتنمية، والحياة تعدو بأهلها في سباق مع الزمن صار صراعاً، والشباب يتعلم ليعيش، وكل دولة تنظر إلى جامعاتها بمنظار احتياجاتها، وفي ضوء متطلباتها.

стр. 4802

ولهذا لم يكن غريباً أن تتضمن خطة المؤتمر الذي يعالج (رسالة الجامعة) طرح مسائل للبحث منها: التفاعل بين الجامعة ومؤسسات الدولة ودور كل منها في دعم الآخر. دور الجامعة في التنمية الاقتصادية. دور الجامعة في التنمية الاجتماعية. دور هيئات التخطيط والمواءمة بين الخطط وما يجري داخل الجامعة. العلاقة بين الجامعة والمؤسسات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والعلمية في الدولة وأثر كل منهما في الآخر. الربط بين التخطيط الاقتصادي والدراسات الجامعية. تنقية أساليب الحضارة وأنماط الحياة العصرية وتقديمها للمجتمع في صورة يساير بها التطور العالمي... ومن خلال هذه النظرة تبدو الجامعة وهي ليست (أكاديمية) لبحث علمي مجرد على مستوى رفيع متميز بقدر ما هي مصنع لطاقات بشرية تؤهل وتعد طبقاً لإحصائيات وعمليات حسابية لكي تفي بحاجات المؤسسات والخطة والتنمية وتسد الفراغ أو النقص في جوانب الحياة المختلفة للأمة ومرافقها ومتطلباتها. أما الشباب فنظرته إلى الجامعة أنها مرحلة تهيئ مستقبلا سعيداً يفتح بابه الشاب بيمينه التي تحمل شهادته العليا. والبحث، والعلم، والدرس، وسعة الاطلاع، والتخصص حسب الميول والاستعداد وما إلى ذلك كأني بها أصبحت في نظر الشباب لافتات قديمة على أبوب الجامعات حلت محلها لافتات أخرى صنعتها ظروف الحياة المعقدة وهذه اللافتات الجديدة هي ـ في الكثير والغالب ـ: المركز الأدبي ـ الوضع الاجتماعي أي الكليات أحسن مستقبلا؟ وأوفر ربحاً؟ وأسعد حظاً؟ وأي الكليات يعجل بالسيارة الفخمة والبيت السعيد؟ وماذا نريد من الجامعات؟ ماذا نريد من الجامعات أكثر من أن تطور حياتنا، وتقدم عمراننا واقتصادنا، وترقي معارفنا ومرافقنا، وتيسر وترفه عيشنا مشاركين في ذلك الأمم التي سبقتنا، ولاحقين بركب الحياة المتطورة المتقدمة؟

стр. 4803

نعم إننا نريد ذلك، وما أحوجنا إلى ذلك ولكن على طريق الإسلام، مؤمنين كل الإيمان بأن الإسلام دين ودنيا وشريعة تامة ومنهج متكامل لا يعارض العلم ولكن يوجهه إلى الخير، ولا ينكر التقدم ولكن يضعه في إطار السلوك الفاضل، ونريد أن يذكر أساتذة الجامعات والكليات السعودية دائماً طلابهم بأن المملكة العربية السعودية أمة مسلمة رائدة وقدوة وأن المسلمين الذين تقر عيونهم بأن يروا في شبابها وجامعاتها واتجاهاتها النموذج والمثال يتفاءلون بأن السياسة العليا للمملكة تحتضن الإسلام ولا تدخر جهداً ولا بذلاً في تأييد دعوته ومناصرة كل قضاياه كما يتفاءلون بأن القائمين بأمر الجامعات والكليات في السعودية والمسئولين عن توجيهها صفوة مختارة من المؤمنين بربهم وبرسالة دينهم. ومن أجل ذلك لا بد من العناية بالتربية الإسلامية في الجامعات السعودية كلها على اختلاف نوعياتها وتخصصاتها علماً وسلوكا ومنهجا وتطبيقاً. والذين وضعوا (سياسة التعليم) في المملكة لم يفتهم هذا، بل إن الذي يقرأ (سياسة التعليم) في المملكة ليرى أن التربية الإسلامية في أوسع وأعمق معانيها هي الهدف وهي الغاية في كل مراحل التعليم. ففي الباب الأول من (سياسة التعليم) الأسس العامة التي يقوم عليها التعليم تنص المادة ١٢ على ما يأتي: (توجيه العلوم والمعارف بمختلف أنواعها، وموادها، منهجا وتأليفاً وتدريساً وجهة إسلامية في معالجة قضاياها، والحكم على نظرياتها، وطرق استثمارها، حتى تكون منبثقة من الإسلام متناسقة مع التفكير الإسلامي السديد) . ولست أدعي لنفسي الحق في ترجمة هذه المادة إلى خطة أو صياغتها في منهج فغيري أقدر على ذلك وأولى به، ولكني ألمح في سطورها بعض تفسيرات أذكرها وأذكر بها على سبيل المثال: أولاً: الربط بين العلم والدين في مجال الطب والعلوم وما يتصل بها:

стр. 4804

هناك فرق بين التفسير المادي البحت والتفسير المؤمن الواعي لظواهر الكون وأسرار الخلق في جسم الإنسان، وتشريحه، وفي عجائب الأرض والنبات وبدائع الأفلاك والسموات، وفي العناصر وخواصها. الطبيب المؤمن، والعالم المؤمن، والكيميائي المؤمن هؤلاء وغيرهم في كراسي الأستاذية يربطون بين الدين والعلم ربطاً يلفت إلى الله وقدرته وعجائب صنعته، وإلى أن بدائع الكون وما في المخلوقات من أسرار ـ هم أعلم بها من غيرهم ـ ما يمكن أن تكون مصادفة ولا طبيعية، بل لا بد أن تنتهي إلى القوة العليا إلى الله. وتلك حقيقة توصل إليها علميا كثير من علماء العصر الذين لما يسعدوا بعد بالانتساب إلى الإسلام. ولقد عالج أبو الأطباء في مصر المرحوم الدكتور عبد العزيز إسماعيل موضوع (الإسلام والطب الحديث) في الثلاثينات ومن بعده اتجه بعض أساتذة الطب والعلوم ومعهم بعض المفكرين والكتاب من المسلمين إلى الربط بين العلم والدين. والمكتبة العربية الآن بها مجموعة طيبة من الكتب التي عالجت هذا الموضوع وجميل جداً أن تزود مكتبات الكليات العملية بهذه الكتب، وأجمل من هذا أنه تبذل الحوافز التشجيعية لأبنائنا طلاب هذه الكليات مادياً وأدبيا ليقبلوا على هذه الكتب لدراستها واستيعابها. وماذا يحدث إذا لم نربط بين العلم والدين بكل الوسائل المثمرة؟ والجواب هو أننا إذا لم نربط بين العلم والدين في الكليات غير المتخصصة في الدراسات الدينية، إذا حدث هذا واكتفينا بالتفسير المادي البحت لظواهر الكون والخلق حدثت نتائج سيئة منها: أـ سنجد أن طالب الطب وطالب العلوم في الجامعات السعودية لا يختلفان عن طالب الطب وطالب العلوم في روسيا أو أمريكا أو أي بلد غير مسلم من حيث تناول موضوع التخصص ومن حيث الإطار العام لمادته وبحثها واتصالها بعقيدته وفكره الديني.

стр. 4805

ب ـ سيباعد هذا الاتجاه بين الطالب السعودي في المرحلة الجامعية وبين ثقافته الإسلامية التي حصلها في المتوسط والثانوي. ج ـ سيؤدي هذا إلى انفصام شخصية المجتمع السعودي، أو إلى ازدواج هذه الشخصية ووجود لونين متباعدين من الثقافة ونوعين غير منسجمين من الفكر والاتجاه أحدهما ديني والآخر بعيد عن ذلك قد يسمى: جامعيا، أو مدنيا، أو علميا. وهذا مع مرور الزمن سيكون خطراً على الوحدة الفكرية بين أبناء الوطن الواحد، وله عواقب غير طيبة. ومن الأهمية بمكان أن أسجل في هذا الصدد أن الربط المنشود بين العلم والدين في نطاق مواد التخصص وعلى أيدي أساتذتها، هذا الربط لا يغني عنه أن نقرر في المنهج والخطة تدريس ثقافة إسلامية تخصص لها بعض المحاضرات، ويدفعني إلى هذا الحكم والجزم بهذه النتيجة تجربة علمية وقاسية مرت بها جامعات أخرى، انصرف فيها الطلاب إلى مواد التخصص لأهميتها وحساسيتها بالنسبة لمستقبلهم، وأهملوا ما سواها من المواد التي سموها إضافية. إن هذا الذي أشرت إليه في موضوع الربط بين العلم والدين إذا دخل في تفسير المادة ١٢ من سياسة التعليم بوجه فإنه يرتبط ارتباطاً وثيقاً بمضمون المادة ٣٨ من هذه السياسة ونصها: (بيان الانسجام التام بين العلم والدين في شريعة الإسلام فإن الإسلام دين ودنيا، والفكر الإسلامي يفي بمطالب الحياة البشرية في أرقة صورها في كل عصر) . ثانياً: الاتجاه نحو فكر تربوي إسلامي ومنهج تربوي غير مستورد:

стр. 4806

إن كليات التربية في المملكة جزء عظيم من الجامعات السعودية، وخطرها يتناسب مع رسالتها الجليلة، وهي إعداد المعلم الذي (يبني وينشئ أنفساً وعقولا) ولكليات التربية مع هذا أهميتها في مستقبل التعليم وأثرها في الخطة التي رسمت للتوسع فيه، ومن أجل ذلك فإن المملكة تولي كليات التربية عناية ملحوظة وتتوسع فيها وتبذل لها العون والحوافز وتشجع الإقبال عليها حتى تؤدي رسالتها على خير الوجوه. ومن المادة ١٦٣ إلى المادة ١٧٢ من سياسة التعليم بالمملكة يبدو الإطار المشرق للصورة المضيئة التي ترجى من كليات التربية (ومعها معاهد إعداد المعلمين) : وسأكتفي بذكر فقرات من نصوص تلك المواد: (تكون مناهج إعداد المعلمين في مختلف الجهات التعليمية، وافية بالأهداف الأساسية التي تنشدها الأمة في تربية جيل مسلم يفهم الإسلام فهماً صحيحاً عقيدة وشريعة ويبذل جهده في النهوض بأمته) . (يعنى بالتربية الإسلامية واللغة العربية في معاهد وكليات إعداد المعلمين حتى يتمكنوا من التدريس بروح إسلامية عالية، ولغة عربية صحيحة) . توصي (سياسة التعليم) في باب (إعداد المعلم) بالتوسع في كليات ومعاهد إعداد المعلمين لتحقيق الاكتفاء الذاتي رأسيا من حيث العدد وأفقيا بالنسبة لجميع المواد وبأن يشجع طلابها بحوافز مادية واجتماعية لا يساويهم فيها غيرهم وبأن يوضع للمعلمين كادر خاص يشجعهم... ويحفزهم، ويضمن استمرارهم في مهنة التدريس وبأن يفسح المجال أمامهم لمتابعة الدراسة.. ولا شك أن المملكة بهذا قد سبقت أمماً كثيرة غيرها في تشجيع المعلم وتقديره وإعطائه حقه.

стр. 4807

أما الفكر التربوي فينبغي أن يتطور، ولعله قد آن الأوان ليتجه التربويون العرب والمسلمون نحو فكر تربوي إسلامي مستقل تبرز فيه خصائص التربية الإسلامية ومصادرها في منهج أساسه القرآن والسنة وآراء المربين العرب والمسلمين، فإننا ما زلنا منذ أوائل هذا القرن نعيش في المشرق العربي على فكر تربوي مستور من الخارج. وكثيراً ما كنت أسائل نفسي ورفاقي ونحن ندرس التربية وعلم النفس أنحن بحاجة مثلا إلى أن نستورد من الخارج تهدئة الانفعالات وتعلية الغرائز، وتقوية الإرادة، والله قد أنزل فينا الشفاء والهدى والرحمة: القرآن العظيم، وبعث فينا المثل الكريم محمداً ﷺ ليتمم مكارم الأخلاق بقدوته وسننه وفعله وقوله؟ إن إخواننا وأبناءنا الذين بعثوا إلى الخارج مسلكيين قد عادوا بحمد الله مسلكيين سلوكيين لقد قال بعضهم بعد أن عاد من الخارج: يجب أن نعرف أبناءنا في كليات التربية من معلمي الغد ـ من غير تعصب أن كل مدارس التربية القديمة والحديثة في أوربا وأمريكا قد رسمت أمثلة متناقضة باعتراف أهلها، وهي مع هذا التناقض قد عجزت عن أن تحول المثال إلى واقع، وعلى العكس من ذلك تماماً فإن التربية الإسلامية بمنهجها المتكامل قد حققت ما يشبه المعجزات في تكوين الجيل المسلم الأول. ثم إلى متى سنظل ننتزع أبناءنا انتزاعا من أحضان الفكر الإسلامي لتعلقهم في آفاق غربية لا يرون فيها إلا أشباح (روسو) و (بستالوتزي) و (ديوي) و (فرويد) وغيرهم. ولعل الاتجاه إلى منهج إسلامي تربوي هو بعض ما تهدف إليه المادة ٣٩ من سياسة التعليم وهي تنص على: (تكوين الفكر الإسلامي المنهجي لدى الأفراد ليصدوا عن تصور إسلامي موحد فيما يتعلق بالكون والإنسان والحياة وما يتفرع عنها من تفصيلات) . وأخيراً الأستاذ أولا والمربي أولا. الذين اهتموا مشكورين برسالة الجامعة، وعنوا بها حتى عقدوا لها مؤتمرا بذل فيه جهد ووقت ومال.

стр. 4808

الذين صنعوا هذا الصنيع الجليل لا شك أن هدفهم نجاح الجامعات في أداء رسالتها. والذين أدلوا بدلوهم في هذا الدلاء والذين يعنيهم الأمر من قريب أو من بعيد، كل هؤلاء قد يختلفون في الهدف من الجامعة أو يتفقون، وقد تتقارب أو تتباعد وجهات أنظارهم في خطة الجامعة أو منهجها أو في تنظيمها أو في الوسائل التي توصل إلى الغرض المرجو من الجامعة. ولكن شيئاً واحداً سيتفقون عليه جميعاً لأنه حقيقة مؤكدة وواقعة ولا سبيل إلى خلاف فيها، حقيقة أثبتتها التجارب وأجمع عليها علماء التربية في القديم والحديث. وهذه الحقيقة هي أن العنصر الأساسي والعامل الأهم في تحقيق الأهداف والرسالات الجامعية والعلمية والتربوية هو الأستاذ أولا...والمربي أولا. وكاتب هذه السطور لا يعتلي منبراً ليلقي خطبة، وعظ وإرشاد في أساتذة أجلاء هو دونهم جميعاً، أستغفر الله فلست هنا ولا هناك ومن يدري؟ فلعل حديثي في هذا الموضوع مرجعه إلى شعوري بتقصيري وعيوب نفسي. ولكن الذكرى تنفع المؤمنين. إن المدري كما يقولون: مطبوع لا مصنوع. والطلاب ينشدون في أساتذتهم القدوة والقوة، وإذا اهتز معنى القدوة أو القوة في شخصية الأستاذ، أو في سلوكه، أو في مادته، أو في معاملته، حدثت الهوة، وبعد القريب، وربما سد الطريق. والأساتذة بشر من البشر، يختلفون ذكاء، وعلما، واستعداد. ولكن رحمة الله الوهاب التي وسعت كل شيء تتجلى أسرارها في هذه المهنة العظيمة مهنة التربية والتدريس. ومن أسرار هذه المهنة أن من أقبل عليها بقلبه، وعقله، ودينه، مستعيناً بالله، مؤمناً برسالته، راضياً عنها، سعيداً بها، مخلصاً فيها فتح الله له وفتح به، ومنحه ومنح به. وما التوفيق إلا بالله. ثم أما قبل وأما بعد: فإن المملكة العربية السعودية هي واجهة الإسلام، يخفق عليها عاليا العلم الأخضر، تضيء فيه كلمة لا إله إلا الله محمد رسول الله.

стр. 4809

وهي عنوان الإسلام المسطر المعطر بمقدساته، وهي أمل المسلمين كل المسلمين يسعدهم دائماً أن يروا في أبنائها وجامعاتها ومناهجها وكل اتجاهاتها الرائد والقدوة والنموذج والمثال على طريق الإسلام والرقي العلمي معاً كما يسعدهم دائما أن تظل السمات الدينية التي تميزت بها المملكة بكل أبعادها وأعماقها ووسائلها وغاياتها هي المظهر والمخبر، وهي الواجهة والعنوان، وهي الهدف والغاية. والله من وراء القصد وهو الهادي إلى سواء السبيل والحمد لله رب العالمين -------------------------------------------------------------------------------- [١] هذا البحث قدمته الجامعة الإسلامية إلى مؤتمر رسالة الجامعة الذي نظمته جامعة الرياض بين البحوث التي شاركت بها في المؤتمر..

стр. 4810

رسالة لسماحة رئيس الجامعة حضرة صاحب السماحة رئيس الجامعة الإسلامية الموقر المدينة المنورة السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. وبعد: نظراً لتدهور الأوضاع في إريتريا ووصولها إلى طريق مسدود نتيجة للتعنت الذي تمارسه السلطة العسكرية الحاكمة في أديس أبابا وقيامها بأعمال بربرية وحشية ضد الإخوة المجاهدين المسلمين من أبناء إريتريا بما يتنافى مع مبادئ الأمم المتحدة وقرارات لجنة حقوق الإنسان وحق الشعوب في تقرير مصيرها.. ونظراً لما يفرضه الواجب الإسلامي علينا من مناصرة لإخواننا في ميادين الجهاد لإيقاف النزف الدموي الإسلامي في هذا القطر الحبيب فإن الأمانة العامة لرابطة العالم الإسلامي تناشد كافة الشعوب الإسلامية بهيئاتها ومنظماتها وجمعياتها ومراكزها في جميع أنحاء العالم الرسمية منها والشعبية القيام بحركة توعية شاملة لإبراز هذه القضية على ضوء الحقائق والوقائع التي تحاول السلط العسكرية الحاكمة في أديس أبابا إقامة ستار مزيف من الدعايات الكاذبة حولها. ولكي تتضح الحقائق أمام العالم فإن الأمانة العامة لرابطة العالم الإسلامي ترى من الواجب شرح هذه القضية ووضعها في ميزانها الصحيح وفيما يلي استعراض سريع لحقيقة الثورة الإريترية ودوافعها. بدأت الثورة في إريتريا عام ١٩٦١م بثلاثة عشر رجلاً وتسع بنادق وكانت قضية الشعب الإريتري أن استخلاص أبسط الحقوق الإنسانية من دكتاتورية هيلاسيلاسي الشرسة لا يتم إلا بالقضاء على نظام الحكم الإمبراطوري المستبد الذي أكدت الأحداث فيما بعد أنه قام بابتزاز أموال الشعب لمصلحته الشخصية وهرب إلى بنوك سويسرا أموالاً طائلة وقام بتقسيم الشعب الأثيوبي إلى رعايا من الدرجة الأولى والثانية بينما كان يعامل الإريتريين باعتبارهم من الدرجة الثالثة ليست لهم أية حقوق وعليهم كل الواجبات.

стр. 4811

ولم يكترث هيلاسيلاسي في البداية بقوة البنادق التسع حتى كان الانقلاب العسكري الذي أتى بالحكام العسكريين الجدد وأطاح (بأسد يهوذا الذي لا يقهر) وكان لا بد لهؤلاء الحكام أن يوانموا بين مبادئهم المزعومة وبين حقيقة الأوضاع بالنسبة لإريتريا التي تناضل من أجل استخلاص حقوقها، وكان لا بد لهم من مواجهة المعادلة الصعبة على هذه الأرض. إنهم لا يريدون في حقيقة الأمر أن يتخلوا عن إريتريا لأنهم يدركون أن استقلال إريتريا معناه حرمانهم من منافذ على البحر الأحمر تعتبر بمثابة امتداد للعالم العربي والذي خاض هيلاسيلاسي من أجله معركة جنوب السودان لتكريس انفصاله حتى يمنع النفوذ العربي من التعمق داخل أفريقيا، ولأن إريتريا هي المنفذ الأثيوبي إلى البحر الأحمر فقد دعم هيلاسيلاسي علاقاته مع إسرائيل حتى يمارسا سويا نوبات الحراسة عند مداخل هذا البحر وحتى ميناء إيلات. وحكام أديس أبابا الحاليون يدركون أن حرمانهم من هذه الميزة الاستراتيجية يضعف الكثير من سيطرتها الاستعمارية بالإضافة إلى كونه سيشجع قيام حركات انفصالية أخرى في الأقاليم التي يعيش فيها النيجريون وفي إقليم الأمهرة وإقليم الجالا الأمر الذي سيمزق سيطرتها أربا أربا. ولكي يداووا هذا الوضع راحوا يعلنون للعالم أنهم قد اختاروا طريق الاشتراكية باعتبارها واجهة يمكنهم عن طريقها الضرب على نغمة المساواة لامتصاص ما قد يظهر من حركات انفصالية غير أن هذا الأمر قد أوقعهم في ورطة سياسية إذا المعروف أن الاشتراكيين يزعمون أنهم يؤمنون بحق الشعوب في تقرير مصيرها وعلى هذا الأساس لا بد لهم من أن يعترفوا بحق الشعب الإريتري في الاستقلال حتى لا يكونوا متناقضين مع أنفسهم.

стр. 4812

ولقد أدرك ثوار إريتريا هذه الحقيقة منذ البداية وأدرك معها أن المؤامرة بدأت تتخذ الآن أبعاداً جديدة غاية في المكر والخداع وكان لا بد لهم من قطع السبيل على المخطط التأمري الذي يحبكه القادة العسكريين في أديس أبابا.. فأعلنوا في صراحة ووضوح أنهم يرفضون أية حلول وسطية تكرس الاستعمار الأثيوبي وأنهم لا يرضون بديلا عن الاستقلال. ووقع المخططون في أديس أبابا في ورطة سياسية في الوقت الذي يشعرون فيه أنه لا بد من التحرك السريع لاحتواء إريتريا قبل أن يستفحل الأمر ويفلت الزمام من أيديهم.. وهكذا اختاروا طريق الدماء ولم يكن في بالهم أن يلقوا مثل هذه المقاومة الصلبة والصمود الرائع مما جعلهم يستخدمون كل وسائل الإبادة والدمار والوحشية في محاولة للسيطرة على الوضع.. ولما لم يتحقق هذا الهدف وبدأت القضية تستقطب الاهتمامات العالمية على الصعيدين الرسمي والشعبي لم يجدوا بدا من فرض حصار على أبناء القتال في إريتريا حتى يمكنهم عن طريق هذا الحصار ممارسة الوحشية بكل حرية وأمان. هذه لمحة سريعة جداً لحقيقة الأوضاع السائدة في إريتريا وما زال النزف الدموي الإسلامي يجري هناك في كل يوم وكل ليلة بل وكل ساعة.. وما زال إخوانكم المسلمون يشردون من بيوتهم وديارهم تحت الحراب الأثيوبية. ورابطة العالم الإسلامي تناشدكم أن تهبوا لنصرة إخوانكم في الدين والعقيدة بكل ما يتاح لكم من وسائل الدعم والتأييد. والله الموفق وهو نعم المولى ونعم النصير. الأمين العام محمد صالح القزاز

стр. 4813

حقيقة طه حسين لفضيلة الشيخ عبد العزيز الربيعان كتب سعادة الأستاذ عبد العزيز الربيع كلمة للنشرة التي يصدرها معهد النور بالمدينة المنورة، وجعل عنوانها (من النماذج الفريدة) وقد استهلها بقوله: "كانت صورته غفر الله له أول صورة مثلت أمام مخيلتي وأنا أهيئ نفسي لكتابة هذه الكلمة القصيرة للمجلة التي يصدرها معهد النور بالمدينة المنورة، وكان اسمه أسبق الأسماء التي خطرت في ذهني منذ اللحظات الأولى.. أعتقد أنكم عرفتموه.. فقد انتقل إلى رحمة ربه ونحن نخوض حرب رمضان المبارك ويرى ببصيرته لا ببصره إنه الدكتور طه حسين ﵀.. لقد شخص بذهني وأنا أعد هذه الكلمة لأنه بالرغم من أخطائه الفكرية كان أحد النماذج الرائعة لعبقرية أمتنا فقد استطاع بطموحه وكفاحه وجهده المتواصل أن يحقق الهدف الذي يتطلع إليه والغاية التي عمل على تحقيقها" ثم وصف طه حسين بأنه أنموذج من الألوف الذين تغلبوا بقوة إيمانهم وصدق عزيمتهم وحسن يقينهم بالله على الظروف والعقبات.. وأنه أحد الأفذاذ الذين صنعوا المعجزات لأمتنا وبلادنا..الخ. ولما كان سعادة الكاتب في منصب من مناصب التوجيه والتأثير الفكري في بلادنا رأيت أن أبين حقيقة طه حسين ذلك النموذج الفريد حقاً ولكن في غير ما وصف سعادة الكاتب بل في الانحراف بالأمة عن السبيل السوي والصراط المستقيم والسير بها في متاهات الضلال. فأولا أسأل سعادة الكاتب ما علاقة طه حسين بحرب رمضان أو غيرها من الحروب؟ هل كان زعيماً سياسياً أو قائداً عسكريا أو محرضاً في شعره أو نثره على محاربة الأعداء وتحرير الأراضي؟ والسؤال الثاني نقول فيه: كيف علمت أن طه حسين انتقل إلى رحمة الله ولم ينقل إلى ما يستحقه؟ أليس هذا أمر غيبي علمه عند الله وحده؟ وهذا لو كان من تعنيه مسلماً ومن خيار الصالحين فكيف وهو طه حسين؟

стр. 4814

ثم أعود فأقول: ما كان طه حسين إلا عميلاً من عملاء الغرب ووكيلاً من وكلاء الاستعمار الفكري والغزو الثقافي الموجه ضد عقيدتنا وشريعتنا ولغتنا وأمتنا وتراث أسلافنا، ومعول هدم تخرج في إحدى جامعات فرنسا وتتلمذ على شرار المستشرقين الحاقدين علينا وعلى نبينا وديننا من اليهود والنصارى وعب من معين أفكارهم المنتن القذر ثم جاء يفخر بما تلقاه هناك من شبهات التضليل وأساليب المكر والتدجيل، يتبنى أفكارهم وينتحل مؤلفاتهم ويردد ترهاتهم ويدعو إلى منهجهم وسلوك سبيلهم، جاء ليجعل من نفسه ابنا باراً وتلميذاً وفياً لأساتذته وأصدقائه من المستشرقين الذين وقفوا حياتهم لتضليل أبناء المسلمين ومحاولة طمس معالم الحق أمام البشرية ليصدوا عن سبيل الله، فكم يكتف طه حسين هذا العميل الملقب بـ (عميد الأدب العربي) بإنكار رسالة محمد ﵇، وإنكار نزول القرآن من عند الله هدى للناس كما صرح بذلك في كتابه (في الشعر الجاهلي) وكذا في دروسه التي كان يلقيها على طلاب جامعة القاهرة وإذ كان مدرساً فيها للأدب فكان يقول لهم: قارنوا بين أسلوب محمد ﷺ إذ كان في مكة وبين أسلوبه بعد أن هاجر إلى المدينة وتأثر بثقافة أهل الكتاب، ويمثل لهم بسور القرآن مكية ومدنية.. أقول لم يكتف (طه حسين) بذلك بل أنكر وجود إبراهيم وإسماعيل ﵉ وكذب التوراة والإنجيل، فقد قال في كتابه (في الشعر الجاهلي) : للقرآن أن يحدثنا عن وجود إبراهيم وإسماعيل وللتوراة أن تحدثنا وللإنجيل أن يحدثنا، ولكن ليس علينا أن نصدق.. وتكذيبه للتوراة والإنجيل ليس مقصوداً لذاته وإنما هدفه تكذيب القرآن فقط، والتقرير بأنه عبارة عن أساطير ملفقة كثير منها كان العرب يعرفونه قبل قرآن محمد ﵇ ومن هذه الأساطير التي كان العرب يتناقلونها - على حد زعمه الخاسر - كون الكعبة بيت الله وكون إبراهيم وإسماعيل قاما ببنائها بأمر الله - تبارك

стр. 4815

وتعالى – فـ (طه حسين) يقرر أن هذه أسطورة خرافية وأن إبراهيم وولده لم يوجدا فضلا عن أن يكونا نبيين فضلا عن أن يقوما ببناء الكعبة بوحي وأمر من الله - هكذا - ولما كان يعلم أن التوراة والإنجيل ذكرا ذلك قبل القرآن اضطر إلى تكذيبهما حتى لا يحتج عليه بهما. أقول: إن (طه حسين) لم يكتف بهذا كله بل أضاف إلى ذلك عداءه المكشوف للغة العربية التي هو عميد أدبها!! بتنصيب من أساتذته المستشرقين ووحي من سادته الغربيين - فقد نادى بأعلى صوته بوجوب استبعاد اللغة العربية ودفنها في مقابر التاريخ، أو نقلها إلى متاحف الآثار البائدة، وقد دعا أبناء العربية إلى التنكر لها واستبدالها باللغة اليونانية أو اللاتينية، وزعم أنها لغة بدوية لا تناسب عصر العلم والاختراع والصحيح أن ذنبها كونها لغة الإسلام الذي ظل هو إلى أن مات يحاربه ويثير حوله الشكوك والشبهات، ومن أراد الوقوف على صحة ما ذكرت عن (عميد الأدب العربي) - دعوى - وعميل الفكر الغربي حقيقة وواقعا - فليقرأ كتابه (مستقبل الثقافة في مصر) وفي هذا الكتاب يقرر أن مصر ليست دولة عربية ولا إسلامية بل ولا حتى شرقية، ويطالبها بأن تنفض يدها من العرب والمسلمين وكل ما يمت إليهم بصلة وأن تيمم وجهها نحو الغرب تستقي آدابه وتقلده في أفكاره وسلوكه وأخلاقه وثقافاته، وأن تأخذ من أوربا كل ما فيها وما لديها من غير تفريق بين الخير والشر وبين النافع والضار والحسن والقبيح، ويعلل لذلك بأننا محتاجون إلى ما عند الغرب من علم ومدنية وما سبقونا إليه من صناعة واختراع وأنه لا يمكننا أن نستفيد مما عندهم من نافع إلا إذا أخذنا معه الضار، ولا يمكننا تقليدهم في ميدان العلم والاكتشاف إلا إذا قلدناهم في كل شيء من الأخلاق وفي السلوك والتفكير والتصور وغير ذلك ولما ظن أن قبول هذه الاقتراح صعب وأن رواج هذه الفكرة بعيد خلط معها فكرة أخرى وهي الدعوة إلى الفرعونية القديمة والرجوع إليها

стр. 4816

والاعتزاز بتاريخها وقال: إننا معشر المصريين أصحاب حضارة وماض مجيد قبل مجيء العرب إلى بلادنا وبعد مجيئهم وإن عروبتهم وإسلامهم لم يؤثرا علينا بشيء فما زلنا كما كنا متمسكين بفرعونيتنا معتزين بأمجادنا وتاريخنا منذ سبعة آلاف سنة وإذا أردت أيها القارئ الكريم أن تقف على ما ذكرته لك عن (عميد الأدب العربي) وتتحقق من صحته بل وتعرف عنه أكثر مما ذكرت لك بأضعاف مضاعفة فاقرأ كتابيه (مستقبل الثقافة في مصر) و (الشعر الجاهلي) وإن لم يتيسر لك الوقوف على هذين الكتابين فيكفيك أن تقرأ الكتب التالية: (المعركة بين القديم والجديد تحت راية القرآن) للرافعي، والاتجاهات الوطنية في الأدب المعاصر للدكتور محمد محمد حسين، والفكر الإسلامي المعاصر (دراسة وتقويم) لغازي التوبة، (والفكر الإسلامي المعاصر وصلته بالاستعمار) للدكتور محمد البهي، وكتاب (حصوننا مهددة من داخلها) للدكتور محمد حسين أيضاً. فإذا كان هذا بعضاً من حقيقة (طه حسين) وأنموذجاً من عمالته لأعدائنا ودورانه في فلكهم ونسجه على منوالهم، وتلك صور من مخازيه ومواقفه ضد ديننا ولغتنا وأمجاد أمتنا وتراث أسلافنا الكرام، الذين نعتز بذكرهم ونفخر بالانتساب إليهم وذكر مآثرهم، فهل يسوغ لأدبائنا ومثقفينا ومن يعدون من رجال الفكر في أمتنا يرفعوه فوق النجوم، وأن يصفوه بالبطولة والعبقرية والنبوغ، وأن يشهدوا له بقوة الإيمان والثقة بالله وما إلى ذلك من عبارات الإطراء وأساليب الغلو التي ينبغي أن يترفع العاقل عن إطلاقها بجانب الرجال المخلصين والزعماء المصلحين فكيف العملاء والأذناب!.

стр. 4817

إن الأستاذ الربيع أطلق على ممدوحه (طه حسين) نعوتاً قل أن تصدق في شخص مهما كان، بل قد يستحيل تحققها إلا في الخيال أو في نبي من أنبياء الله ومن سلك سبيلهم من أئمة الهدى فكيف بزنديق مارق ودجال منافق، وملحد زائغ وعميل مبالغ، فقد كان الواجب أن يغنى منه موقف المسلم الغيور والمجاهد المخلص لربه الناصح لأمته، موقف الرجل الشجاع الذي لا يجامل الناس على حساب عقيدته أو على حساب أمته وأفكار شبابها الذين ينتظرون منه توجيها سليما، وإنارة للطريق أمامهم، وكشفا لشبهات المشبهين وزيف المزيفين وتعرية للمغرضين المنافقين المندسين في الصفوف والجالسين على كراسي التربية والتوجيه لينفذوا مخططات الأعداء وليضلوا عن سبيل الحق ويصرفوا الناشئة عن طريق الهدى، فهذا هو الواجب وهذا هو المعقول وهو المنتظر ولكن الواقع مع شديد الأسف - جاء على العكس فإننا لا نعلم أحداً من أدبائنا ومفكرينا وقف من مثل (طه حسين) الموقف الذي يتناسب مع موقفه هو من ديننا ولغتنا وتاريخنا سوى (مصطفى صادق الرافعي) ﵀ وإن كان بعضهم قام ببعض الواجب مثل الدكتور (محمد محمد حسين) في كتابيه (الاتجاهات الوطنية في الأدب المعاصر، وحصوننا مهددة من داخلها) فإنه بذل جهداً لا بأس به لكشف حقيقة هذه الدمية المسماة (طه حسين) والملقبة ب- (عميد الأدب العربي) بل إنه استطاع بما قام به من هذا الكشف أن يثبت لمن قرأ كتابيه أن الخداع وأساليب المكر لا تنطلي على كل الناس، بل إن فيهم من يسبر الأمور ويعرف المقاصد ويستجلي الحقائق.

стр. 4818

أما الأستاذ غازي التوبة فقد قام أيضاً ببعض الواجب وركز على ما يسمى بإسلاميات (طه حسين) والتي يزعم عشاقه ومريدوه أنها برهان على توبته من زندقته التي ذكرنا شيئاً من مظاهرها وأنه تحول إلى كاتب إسلامي يعنى بالسيرة النبوية وغيرها من موضوعات التاريخ الإسلامي، يقولون هذا إما غافلين أو متغافلين عن حقيقة هذه الإسلاميات، فقام الأستاذ غازي بدراسة لها وكشف لما تنطوي عليه من خبث وتمويه ولف ودوران مقنع. أما الأستاذ محمد البهي فقد تعرض في كتابه (الفكر الإسلامي المعاصر وصلته بالاستعمار) تعرض فيه لـ (طه حسين) وكشف كثيراً من مخازيه من خلال كتبه وبين هدفه وهدف أساتذته المستشرقين من وراء إنكارهم للشعر العربي الجاهلي وقرر أن كتاب (في الشعر الجاهلي) كان في الأصل لأحد مشاهير المستشرقين وهو هاملتون جب في كتابه المذهب المحمدي وأن أساتذة (طه حسين) رغبوا إليه أن يترجمه للعربية ويتبناه ففعل وحقق رغبتهم فلما قامت الضجة في مصر حول هذا الكتاب وعانى بسببه ما عانى - رغم مساندة أذناب الغرب وعملائه له - اضطر أن يغير أن يغير فيه بعض التغيير أو أن يستر منه ما كان مكشوفاً، وأن يموه ما كان صريحاً، ويسميه (في الأدب الجاهلي) بدل (في الشعر الجاهلي) وأعتقد أن الذي يحمل أكثر المنسوبين إلى الأدب والزعامة الفكرية على أن يعتبروا (طه حسين) إماماً وبطلاً ومجاهداً ومثالاً رائعاً للعبقرية العربية النادرة وأن القدر جاء به على هذه الأمة أحوج ما كانت إلى العباقرة المصلحين كما صرح بهذا (حمد الجاسر) وكما صرح بمثله أو قريب منه (عبد العزيز الربيع) أقول: إنني أعتقد أن لذلك أسباباً منها إعجابهم بالمكانة التي احتلها (طه) في عالم الأدب على أيدي مستخدميه - بكسر الدال - من الغربيين الذين خلعوا عليه أثواباً فضفاضة من التعظيم والتبجيل ورأوه أهلا للزعامة الفكرية فنصبوه عميداً للأدب العربي، ورشحوه لجائزة (نوبل) للآداب عدة مرات ثم

стр. 4819

أعطوه إياها ساعة هلاكه [١] . ومنها أنهم يعتقدون أن الاعتراف بمكانة (طه حسين) الأدبية - المزعومة ووصفه بالبطولة والعبقرية دليل على المقدرة الأدبية والتنور الفكري والذوق الثقافي الرفيع. يقول الشيخ (محمد متولي شعراوي) في محاضرة ألقاها في الكويت في رمضان عام ٩٤ نشرتها مجلة (المجتمع) في عددها ٢٢٦ - وقد ذكر أثناء هذه المحاضرة كيف أن الناس يخدعون وتضلل أفكارهم وتسحر عيونهم وآذانهم ثم قال: ولأضرب مثلاً بقطاع مصر فإنا نجد العشرينات وفي الثلاثينات طائفة من القوم الذين شهد لهم الناس بالتفوق والنبوغ، وأصبحت لهم مدارس تسيطر على صياغة عقول الشباب وأفكار الناشئين، ولهم معجبوهم ومريدوهم، ثم مثل بـ (طه حسين) (ومنصور فهمي) (وإسماعيل مظهر) (وقاسم أمين) ثم استطرد إلى أن قال: هؤلاء القوم فتنوا بزعامتهم وغروا بالثناء عليهم، وخدعهم المعجبون بهم، ثم جاءت الصحافة التي يسيطر عليها الاستعمار فنفخت في تلك الدُّمى نفخاً جعل منهم قادة وجعل منهم صواغ فكر وصناع نفوس إهـ أما الشيخ علي الطنطاوي فقد حضر محاضرة لطه حسين ألقاها في جامعة دمشق، إذ دعته هذه الجامعة ليلقي مثل هذه المحاضرة وليخرج طلابها من ظلمات الجهل إلى نور العلم -!! وبعد انتهاء سعادة الدكتور من محاضرته تقدم مدير الجامعة ليعلق عليها وليجزل المديح بل يقدمه جزافاً لفخامة عميد الأدب العربي!! وكيف لا يفعل وقد تواضع فخامته فقبل الدعوة وتحمل متاعب السفر ليروي غلة هؤلاء الطلاب العطاش إلى العلم والمعرفة من ينابيع علومه التي لا تنضب وإن كانت قيحاً وصديداً وبعد انتهاء مدير الجامعة الدمشقية من تقديم عبارات الإطراء التي لا يدفع لها ثمناً ولا يخشى سؤالاً عن مدى صحتها قام الشيخ الطنطاوي معقباً على التعليق فقال:

стр. 4820

"الواقع أن ما قاله طه حسين في هذه المحاضرة يعرف طلاب الصف الخامس والصف السادس الابتدائيين وأن ٩٥ في المائة من الحاضرين يعلمون ذلك ولكنهم لا يصدقون عقولهم، بل إن بعضهم ليضع يده على فيه حذراً أن تبدر منه بادرة تكشف للحاضرين عن رأيه في محاضرة عميد الأدب العربي ثم قال: هذا بالنسبة للمحاضرة أما بالنسبة للمحاضر (طه حسين) فإنه حين وضع عمامة الأزهر عن رأسه وولى وجهه شطر فرنسا خلع معها دينه وعقله، وبقي إلى اليوم بلا عقل ولا دين".إهـ من مجلة البلاغ الكويتية وأظن عشاق أفكار طه حسين ومريديه لا ينكرون مكانة الشيخ الطنطاوي الأدبية إلا أنه مسلم لا ينفخ الغرب في صورته ولا يحيطه بهالات التمجيد والتقديس كما يصنع بعملائه وأذنابه ومأجوريه، لذلك لا نسمع ذكراً لكبار الأدباء الإسلاميين عندما يتحدث متحدث عن الأدباء العرب المعاصرين في إذاعة أو كتاب أو صحيفة ولا ذنب لهم ولا عيب فيهم سوى أنهم يؤمنون بالإسلام قولاً وعملا ويصرحون بأنه وحده سبيل النجاة وطريق السعادة، وربما حاولوا تنبيه المسلمين إلى ما يحيط بهم من أخطار وما يدبر ضدهم من مكائد ولا عيب فيهم غير أن سيوفهم بهن فلول من قراع الكتائب والآن نتوجه بهذه الأسئلة إلى سعادة الأستاذ عبد العزيز الربيع لعله يتكرم مشكوراً بالجواب عليها فتقول: ذكرت سعادتك أن (طه حسين) يمثل أنموذجاً رائعاً لعبقرية أمتنا وأنه استطاع بطموحه وكفاحه وجهده المتواصل أن يحقق الهدف الذي يتطلع إليه والغاية التي عمل على تحقيقها ووصفته بأنه قوي الإيمان قوي الثقة بالله، كما أشرت إلى أن له أخطاء فكرية إلا أن تعبيرك يوحي بأن هذه الأخطاء لا تستحق الذكر بجانب صوابه ونتاجه الفكري الرفيع وتراثه الفائق.

стр. 4821

فنقول في سؤالنا: ما حقيقة هذه العبقرية التي نسبتها لأمتنا وجعلت ممدوحك أنموذجاً رائعاً لها؟ أهي الكفر والزندقة؟ وإلى أي شيء كان طموحه؟ إلى غير تضليل شباب المسلمين؟ وفي أي سبيل كان كفاحه؟ أفي غير سبيل الاستعمار الفكري والغزو الثقافي لبلادنا وشباب أمتنا؟ وما هو الهدف الذي قلت إنه حققه؟ أهو تنفيذ أغراض المستشرقين وتحقيق أهداف أعدائنا من الغربيين؟ أم هو محاولاته تضليل المسلمين عن سبيل الله؟ وبذله قصارى جهده لإقناع العرب بالتخلي عن لغة الإسلام واستبدالها باليونانية أو اللاتينية أو اللهجات العامية؟ وما هي الغاية التي قلت إنه عمل على تحقيقها؟ هل تعني محاولته إقناع المصريين بأنهم أبناء الفراعنة فليسوا بعرب ولا مسلمين وأن بلادهم فرعونية أوربية؟ هل تستطيع أن تثبت لطه حسين هدفا أو غاية أو كفاحاً أو عبقرية في غير هذه الأمور؟ وسؤالنا الأخير هو: هل يجوز تسمية الإلحاد والزندقة وتكذيب الله وجحد رسله وإنكار كتبه أخطاء فكرية؟ إن كان هذا يجوز في نظر سعادتكم فهل تظن أن أحداً من ذوي الفكر الرشيد يوافقك؟ وفرع لهذا السؤال نقول: هل تذكرت وأنت تسطر هذه الكلمات وتدبج تلك العبارات في مدح وإطراء (طه حسين) أنك موقوف أمام الله ومسئول عن كل ما قلت؟ وإذا كانت كلمتك لمجلة معهد النور - وطلابه كما قلت - يربطهم (بطه حسين) رابطة فقدان البصر أما كان الأجدر بك والأليق ببلدك ومنصبك أن تمثل برجل مسلم فاضل صالح الباطن والظاهر ممن وصفهم الله تعالى بقوله: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآياتِنَا يُوقِنُونَ﴾ .

стр. 4822

وأمامك سماحة مفتي البلاد السعودية الشيخ محمد إبراهيم ﵀ فهناك العلم والتقوى والحلم والورع والذكاء ورزانة العقل وسداد الرأي وقوة الشخصية، مع فقدان البصر وقوة البصيرة، ثم عندك شخصية ممتازة أخرى وأنموذج من نوادر الرجال وأفذاذهم لا يزال حياً - نبتهل إلى المولى جل شأنه أن يطيل في حياته على خير لأن المسلمين في أمس الحاجة إلى مثله - أعني به رجلاً ليس مسكنه ومقر عمله منك ببعيد مع فقدان البصر وتوافر نور البصيرة أيضاً. فلماذا اخترت واحداً عاش عمراً طويلاً ولا هدف له ولا غاية سوى تدمير أمتنا وإفساد عقول شبابها وتعبيدهم لأفكار الغرب وإغرائهم بتعشق مبادئه الضالة فلقد عمل (طه) جاهدا ومستخدما كل الوسائل التي تمكن من استخدامها على زعزعة عقائد أبناء المسلمين وتشكيكهم في إسلامهم وتزهيدهم بماضي وأمجاد وتراث أسلافهم وما علمنا لطه حسين - مستندين إلى أثاره ومؤلفاته إلا الزندقة والكفر الصريح والتفاني في خدمة أعداء الله ورسوله ودينه وتكذيب رسل الله وإنكار كتبه وكان طه حسين كلما سئل عن آرائه المنحرفة وهل رجع عنها يقول في كبرياء: (أنا لا أرجع عن قول قلته وإنما الناس هم الذين لم يفهموا عني) إ هـ.

стр. 4823

وأخيراً نوجه نصيحتنا إلى جميع إخواننا المسلمين ونخص بها الأدباء من كتاب وشعراء ومن بينهم الأستاذ الربيع بأن يصرفوا جهودهم ويولوا عنايتهم وينفقوا قدراتهم في سبيل نصرة الحق وخدمة العقيدة وأن يقفوا بالمرصاد بحزم وشجاعة ضد كل مجترئ على الإسلام ومحاول النيل من جناب المصطفى ﵇ أو زرع الشكوك وإلقاء الشبهات أمام أبناء المسلمين، وأن يزنوا الناس بميزان الله ويقفوا منهم حسب مواقفهم من الإسلام حتى يعلم جند الشيطان أن للإسلام حماة وأبناءً بررة يذودون عن حياضه ويصارعون أعداءه ويزيفون ترهاتهم ويكشفون أباطيلهم، كما نحثهم على أن يميزوا بين العدو والصديق وبين الحقائق الثابتة والدعاوى الكاذبة، وبين المقاصد النبيلة والأغراض المشبوهة الرذيلة وأن لا تخدعهم الألقاب ولا يستعبدهم حب الظهور فيحملهم على أن يرضوا الناس بسخط الله ألا كل شيء ما خلا الله باطل وكل نعيم لا محالة زائل

стр. 4824

إلا نعيم الآخر ﴿فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الأَرْضِ﴾ ﴿وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلاً يَا وَيْلَتَى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلاناً خَلِيلاً﴾ وليعلموا أن من شر الأقوال عند الله وأشدها خطراً على الإنسان مدح الفجرة والثناء على المنافقين المحادين لله، ومن العجائب التي لا يجد المرء لها تفسيراً مهما تنازل عن رأيه الخاص أن مريدي (طه حسين) وعشاق أفكاره إذا أخذ أحدهم يصفه خيل إليك أنه يعني بطلاً مشهوراً ومصلحاً كبيراً معترفاً بفضله وعظمته ممن نفع الله به الأمة وكتب على يديهم نصرا للحق وإنصافاً للمظلومين أو طردا للغزاة المستعمرين أو هزيمة لجيوش المعتدين يخيل إليك أنه يعني مثل الإمام محمد بن سعود أو ابنه عبد العزيز أو فيصل بن تركي أو عبد العزيز بن عبد الرحمن أو كأنه يعني واحداً من أئمة الهدى ورجال الملة ودعاة التوحيد أمثال ابن تيمية ومحمد بن عبد الوهاب، وإذا هو يعني زنديقاً اسمه (طه حسين) ولقبه عميد الأدب العربي لقباً للبطولة حصل عليه من الاستعمار واليهودية العالمية - وما أكثر الألقاب التي يصدرها الغرب من أجل مصلحته فتنطلي علينا فنصفق لأصحابها ما بين غافل ومتغافل وما بين جاهل مخدوع ومتجاهل متخادع. -------------------------------------------------------------------------------- [١] وقد ذكر الأستاذ مالك بن نبي في (إنتاج المستشرقين) أن كتاب طه حسين (في الشعر الجاهلي) جاء على غرار بحث للمستشرق اليهودي مارجليوت ص ٩.

стр. 4825

الغضب وماتلاه بقلم الأستاذ: محمد إسماعيل بطرش كان فلاسفة اليونان يميزون في النفس قوى ثلاث أو يجدونها ثلاثة أنفس هي النفس العاقلة والنفس الشهوانية والنفس الغضبية، والغضب هيجان يفيض وراء أسوار العقل فيكون كالسيل الهادر أو كالحمم المتدفقة يأكل بعضها بعضاً فتحيل المدن آثاراً والحقول اليانعة هباءً منثورا، وكان العرب يرون في الغضب انتصاراً للحق ونصرة للضعيف وثأراً للكرامة ويقول الشاعر: إذا ما غضبنا غضبة مضرية هتكنا حجاب الشمس أو قطرت دما ويتردد في جوانب التاريخ أصداء انتصار المعتصم للمرأة التي صرخت وا معتصماه عندما سباها الروم وتم فتح عمورية بما يصوره لنا أبو تمام: لقد تركت أمير المؤمنين بها للنار يوماً ذليل الصخر والخشب حتى يقول: لقد تركت بني الإسلام في صعد والمشركين ودار الشرك في صبب وقد ظهرت في النصف الثاني من القرن العشرين مسرحية في إنكلترا تهافت عليها الشباب تهافت الذباب على جيفة منتنة وعنوان المسرحية (انظر إلى الخلف بغضب) Look Back in Anger. تلك المسرحية التي يدرسها مختصو الآداب الأجنبية على أنها أنموذج من الإنتاج الأدبي للجيل الحديث؛ ذلك الجيل الذي يطلقون عليه منذ ذلك التاريخ اسم (الجيل الغاضب) Angry Generation. ولا يعنينا في هذا المجال التعرض لتلك المسرحية التي تمثل ذلك النمط من الشباب الشقي الخاسر لدينه ودنياه والذي يربطه فيما بينه نزوع التكالب: فتجد كل فرد منهم يمسك بأنثاه إمساك اثنتين من بنات عرس كل واحدة منهما تشد بأسنانها على عنق الأخرى حتى تستنزفها آخر قطرة من دمائها كما يقول أحد النقاد الأدبيين في تلك المسرحية.

стр. 4826

أقول: ليس الغرض عرض تلك المسرحية وإنما الهدف دراسة ما تلى تلك النزعة من تطورات في الغرب، وما انعكست به من ظلال على بعض من شبابنا الذين يستهويهم سراب الضلال، ولو استنزف منهم ميعة الصبا وعنفوان الرجولة ويعرف الجيل الغاضب في الغرب أنه ذلك الجيل الذي اشترك آباؤهم في الحرب العالمية الأولى وفتحوا هم أعينهم على جحيم الحرب العالمية الثانية، هم ذلك الجيل الذي خلفته الحروب التي لم يكن من غاية لها سوى الفتك والتسلط وامتصاص الدماء، فكفر بحكمة الأولين من آبائه وأجداده، الذين لم يخلفوا له سوى الضياع، وكان ذلك الجيل (اللامنتمي) الذي نراه اليوم يعيش على قارعة الطريق كالسوائم وهو يتمرغ على مزابل (الحضارة) المادية التي هيأتها له حكمة الغرب ونتاجه الحضاري المادي، والذي ينظر إليه أحد النقاد الغربيين إليوت T.S.eliot نظرته إلى أرض بباب عقيم (Waste Land) لا ينتظر منه أي خير أو إنتاج. تلك هي (الموضة) التي يحاول تبنيها البعض من شبابنا ويا للأسف، وهي وإن لم تشكل بعد ـ والحمد لله الذي لا يحمد على مكروه غيره ـ سوى قشرة واهية على السطح والتي ـ كما أرجو ـ لا يمكن أن تبلغ أعماق الإنسان المسلم ـ إلا أنها ولا بد تشوه مظهره وتسيء إلى سمعته. غير أن هناك بعض (المبشرين) والمروجين لهذه الغلالة الرخيصة الزائفة ممن يحاولون تشويه حقيقة الجيل العربي الحديث، بإبعاده عن المنابع التي تجلت فيها أصالته وتركزت فيها عزته ألا وهي الشخصية الإسلامية. وأحب في هذا المجال أن أتناول بالبحث شخصيتي شاعر ومتفلسف. أما الشاعر فهو نزار القباني في محاضرة ألقاها في الكويت في حفل للخريجين بعنوان (نزار قبل وبعد النكسة) . وأما المتفلسف فهو الشيوعي الوقح (جلال صادق العظم) في كتابه (نقد الفكر الديني) .

стр. 4827

ويجتمع الاثنان في تهافتهما على مصادر الغرب الفكرية والثقافية، حتى اصطبغت بها شخصيتهما وأصبحا غريبين عن جيلنا وشعبنا وأصولنا بل ومفاهيمنا ويفترقان في أن نزاراً شاعر تستهويه رؤى الغرب لأنه بدأ ماجنا ولم يهده الله بعد، فهو وراء التجديد حتى ولو خالف الطبيعة أو الفطرة وأما جلال فهو عبد ذليل من رقيق التصنيع الشيوعي الذي يسلب الإنسان إنسانيته ويحيله جهازاً آلياً كالدمية التي تسيرها المدخرة.. في تلك لمحاضرة يعرض نزار شعره، ويظن أن ما مر به من تحول يجب أن يكون مماثلاً لما يمر به كل شخص في بلادنا، ثم ينظر إلى الغرب فيستلهم من حالته لبوساً يحاول شد أستاره علينا، ولكننا نرفض ونرفض أن نقبل رفضه، لأنه رفضه رافضي وغصبه أجنبي، والحالة التي يعبر عنها ليست منا ولا هي فينا. يقول نزار إن أجيالنا كانت تعيش في دوامة فراغ طاحونة ما طحنت قط سوى الهواء، وأن شعبنا كان مجمداً مسمراً في المساجد ليس له من أمره سوى ترديد الدعاء على اليهود، وأن هذا ما حدا به إلى (قتل) الإمام، وأن حكوماتنا ما كانت ترى في قضية فلسطين أكثر من دجاجة تبيض ذهباً، أو هي قميص عثمان يزايدون عليه. وخلاصة ما يصل إليه إعلان نفسه رافضاً شأن الغاضبين من الغرب، وهو يتنكر حتى لجلده وعظمه ولحمه ودمه!. هذا نزار بعد النكسة.

стр. 4828

أما جلال صادق العظم فهو بالأصل غريب عن عالم الدين، فتراه يهرف بما لا يعرف ويستعير من مفاهيم الغرب عن ديانات الغرب حللاً يدعي لها اسم الإسلام، فتراه يأخذ من جحيم (Inferno) وانتي وخرافات القرون الوسطى في أوربا، وصور الفردوس المفقود والفردوس المكتسب (Paradise lost&Paradise Regained) لملتون Milton، ودكتور فارستوس Dr.Faustus لكريستفر مارلو Marlowe ويحيل كل ذلك لوحة خلفية يدعي أنها الإسلام الذي هو منه براء، ثم ينتهي جلال صادق العظم إلى متاهة الزمان والمكان في الفصل الأخير من كتابه، ليؤدي طقوس الشرك والوثنية وعبدة الطاغوت، في دوامته التي لم تطحن سوى المارقين أمثاله ولن تستقطب سوى عبدة الشيطان. كان اليونانيون في القديم يعبدون وثنا يسمونه هيدس Hades ـ عندهم ـ أي (إله) الجحيم، مملكته تحت الأرض يسودها الظلام، وقد اتخذ مسيحيو القرون الوسطى وطلبة (عصر النهضة) نفس الفكرة عن الجحيم، فكان وانتي يعتقد أن هنالك سرداباً مظلماً تحت بيت المقدس يصل إلى مركز الأرض، يمر به الموتى فيما يسمونه (المطهّر) Purgatory وكان ملتون الضرير يفكر في هبوط آدم وحواء من الجنة لارتكابهما (الخطيئة الأصلية) وفقدهما فردوسهما، وأن الله تأسى عليهما فنزل إلى الأرض جسداً هو المسيح، كي يعاني آلام الموت على الصليب، محرراً بذلك بني البشر من زور (الخطيئة الأصلية) التي ارتكبها آدم وحواء في الاقتراب من الشجرة المحرمة.

стр. 4829

أما الدكتور فارستوس للشاعر الإنكليزي مارلو فهو إنسان يبيع نفسه لإبليس لقاء أن يكون له كل ما يريد ويشتهي خلال فترة زمانية محددة، ويستهوي صورة الفردوس المفقود وصورة إبليس متمرداً على أمر ربه فيراه جلال صادق العظم أول الثائرين المتمردين من (الجيل الغاضب) لأنه لم يقبل حكم الله، أو بالأحرى لأنه كان له طمعه وجشعه غروره ما جعله ملعوناً في الدنيا والآخرة، من هذه الصور يتخذ جلال لبوساً للدين الإسلامي، ويدعي أن هذا هو الدين الإسلامي الذي يرى فيه سبباً لنكسه حزيران، ومن ثم يجد أن طريق إبليس هو طريق الخلاص والتحرير. وينتهي جلال صادق العظم إلى بيت القصيد ليقيم من المادة إلهاً يملأ الزمان والمكان، والناس فيه دمىً تسير بلا هدف ولا غاية ولا حرية، وما كان أجدره أن يثور على ذلك العالم القميء الذي لم يترك له من إنسانيته شيئاً. ويظهر لنا مما سبق أن كلاً من نزار وجلال كانا غريبين في فكرهما وتصورهما عن حقيقة ما يتعرضان له ويجترئان عليه ألا وهو الإسلام، والإسلام من ذلك كله براء، فهما كانا يكتبان لإنسان الغرب الذي تتبرأ منه المسيحية نفسها. وأما الصورة الحقيقية لواقعنا ما يلي: إن الله اصطفى رجلاً من البشر اسمه محمد بن عبد الله صلوات الله عليه وسلامه، فحمَّله عبء الرسالة وثقل الأمانة، فوقف ﷺ يدعو للإسلام الذي جعل الله به للإنسان قيمة وللحياة معنى وغاية وللتاريخ كياناً، نظام رباني تناول الحياة وما بعدها، والكون وما حواه، والمسلمون موحدون يصدقون الحديث ويؤدون الأمانة، ويصلون الرحم ن ويحسنون الجوار، ويكفون عن المحارم والدماء، يعبدون الله لا يشركون به شيئاً ويقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة، ويصومون رمضان وذلك دين القيمة.

стр. 4830

يحب أحدهم لأخيه ما يحب لنفسه، والمسلم من سلم الناس من لسانه ويده، وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله ألا وهي القلب، فاللهم يا مقلب القلوب والأبصار ثبت قلوبنا على دينك وألهمنا طريق الرشاد. لو تتبعنا الشخصية الإسلامية الحقة لوجدنا فيها حقيقة ما خلق الإنسان له، وأين منها أجيال الضياع! ولو تسائلنا كيف وصلت الأمة الإسلامية إلى ما وصلت إليه في انتصارها وسؤددها لوجدنا الجواب صريحاً بيناً، لقد كان المسلمون مخلصين فيما قصدوا إليه لا ترهبهم في الحق لومة لائم، نصروا الله فنصرهم وثبت أقدامهم، أما اليوم قمن أين يأتي الضياع؟ .. الجواب بسيط وواضح أيضاً.. إن بعض المسلمين نسوا الله فأنساهم أنفسهم وأن طريق الهدى الحقيقي والقوة الحقيقية هي العودة إلى تفهم الإسلام والعمل به، فأهل الغرب ما نالوا منا إلا بمحاولاتهم الدس علينا في ديننا، وماذا ينفعنا لو ربحنا العالم كله وخسرنا أنفسنا، أما ما نستطلعه اليوم في المنعطفات المهملة من جادة الحياة في بلادنا فليست سوى جيف لا تستهوي غير الذباب.

стр. 4831

إلى جنة الرضوان شعر: سيد أحمد حسن الطوابي المدرس بدار الحديث المكية رثاء لفقيد العروبة والإسلام (صاحب الجلالة الملك فيصل آل سعود) إلى جنة الرضوان يا فيصل الندى إلى جنة الرضوان يا فيصل الهدى إلى جنة المأوى إلى الله راضيا فقد عشت مرضي الخلال مسددا فقد كنت ـ حقا ـ للشريعة حاميا وكنت ملاذا. في المكارم. مفردا وكنت محبا للكنانة مخلصا وكنت مثالا للوفاء مجسدا وكنت لكل المؤمنين مؤازرا وكنت لنا في أزهر الله منجدا وكنت تقود السلم بالرأي صائبا وكنت تقود الحرب شهما ممجدا فحققت نصراً للعروبة حاسماً وقوضت ظلما بالبغاة معضدا أبا العرب. لو تفدى النفوس محبة لطابت نفوس أن تكون لك الفدى فقدنا بفقد الفيصل البر والحجا ففقدنا بفقد الفيصل الحلم والجدا فقدنا بفقد الفيصل الود صافيا فقدنا بفقد الفيصل العزم موقدا فهذي هي الدنيا عليك حزينة وعالمنا قد بات بعدك مسهدا فلا جفن إلا قد تقرح حسرة ولا طرف إلا صار بعدك أرمدا بكاء. وتسليم. وحزن على النوى وصبر على ما قدر الله إذ غدا حبيب إلى الأقوام بر بشعبه فكم كنت تشقى في الحياة ليسعدا جواد لعون المستحقين نهضة على بذل ما فيه الصلاح تعودا تواسي إذا حلت بقومي نكبة لتخمد من ضرائها وتبددا إذا أمسكوا فاضت يداك سجية وإن بذلوا مالا فأكرمهم يد رزين. وأحلام الرجال خفيفة جريء إذا المقدام خاف من الردى أمين على التوحيد تحمي ذماره وتغضب للتوحيد إن مسه العدى خلال بها سست الأنام مبجلا وعشت بها في الناس سيدا سيبكي عليك العرب أعليت ذكرهم بنيت لهم مجدا عريقا وسؤددا فمن يرأب الصدع الذي قد أهمنا ومن يمحق البغي الذي بلغ المدى

стр. 4832

سيبكي عليك القدس فيصل في جوى وكان يرى فيك النصير المؤيدا وأهلوه أما من أقام فإنه يقيم على ضيم. يسام مقيدا وإما طريد فارق الأهل مرغما فراح يعاني في الحياة مشردا ولكنه شعب أبي مناضل يخوض غمار الموت، لن يترددا وكنت له يا فيصل العرب ناصرا وكنت له يا فيصل الحق معضدا سيبكي عليك المسلمون جميعهم فقد كنت للإسلام سيفا مهندا فكم ذدت عنه إذ تقاعس أهله تصون ذماراً كان قبل مهددا حميت حمى الإسلام في كل بقعة لتبعث عزا تالدا وتجددا تنادي بدستور السماء شريعة لتدمغ زورا قد فشا وتعددا فلا هدى إلا من تراث رسولنا وقرآننا قد ظل للمجد موردا توحد حول الدين كل شعوبنا لتجمع شملا كان قبل مبددا ورابطة الإسلام شيدت صرحها بمهبط وحي كي تصون وتنجندا لتسترجع العز التليد لأمة وتصنع باسم الله شعباً موحدا وتعلي لواء للعقيدة خالد وترفع مجدا كان كالطود أيدا فمن غيره نادى الشعوب لوحدة ومن غيره راد الطريق وأرشدا وكم مسجد في كل قطر بنيته لتنشر بين الناس وحياً من الهدى رفعت لواء العلم في دار هجرة فصار مناراً للإله مشيدا لينشر هدى الله في كل بقعة ويعلي دين الله في كل منتدى جزاك إله الكون خير جزائه وطيب مثوى فيصل وتغمدا أيطوي لواء كان للحق ناصراً ويخبو شهاب كان للدين فرقد فصبراً إله الكون قد جل رزؤنا فكيف لهذا القلب أن يتجلدا فقد كان نبراساً مضيئا ومشرقا وكان لهدى الله في الكون مرشدا فمن للألى باعوا الحنيفة بالهوى ومن للذي خان العهود وأفسدا ومن يقهر الإلحاد شاع مدمرا فقد كنت للإلحاد بالحق موئدا ومن يرغم الأذناب عاثوا بأرضهم وصار كتاب الله فيهم مهددا نذرت تصلي بالمقدس قربة وقد صار بعد المجد هونا مهودا

стр. 4833

فأوف بهذا النذر (خالد) أنه يئن وترديه القيود مصفدا (أخالد) حقق وعد فيصل للورى لتقهر أعداءا وتكبت حسدا بخالد مخزوم قهرنا جحافلا وأقبلت الدنيا إلينا لتسعدا وآل سعود كالليوث شهامة إذا راح منهم سيد رمت سيدا رعاك إله الكون تحفظ شرعه وسدد (فهدا) للمكارم والهدى فمن ينصر الرحمن يحظى بنصره فيرى عدوا قد تجنى وعربدا

стр. 4834

من إيجابية الإيمان بقلم الأستاذ: محمد بن إبراهيم بخات مما يدل على صدق الاعتقاد والإيمان – أقصد الاعتقاد في وحدانية الله والإيمان بدينه – البرهان الحق على هذا الثنائي المُنجي المحيي من لدن هذا الإنسان، فهو ينجي لأن ملتزمه استثناه الله من الخسر. ﴿وَالْعَصْرِ إِنَّ الإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِْ﴾ وهو يحيي في هذه الدنيا وفي تلك الآخرة بحسن العمل من المستجيب له أي لهذا الثنائي عملياً وواقعياً في دنياه، وإحياؤه في أخراه يكون مصيرياً وجزائياً بالفوز بنعيم الجنة والزيادة. وهذا الإحياء مضمون وملازم لكل من عاش بنتيجة هذا الثنائي وهي تتجسم دوماً وأبداً في إيجابية إيمان المؤمن، متمثلة في استقامة دائمة منه، وهذه الاستقامة التي هي حياة له ووقاية له ما هي في الحقيقة إلا إيجابية ناتجة عن هذا الإيمان. إيمان كما يريد القرآن وكما بين رسول الإسلام، لا يكون ولا يتحقق إلا على ضوئهما وبوحي منهما وباعتراف وتوجيه منهما، وإلا فحيثما كانت المخالفة لهما والإنحراف عنهما فلا إيمان ولا إسلام، وإنما هما جاهلية جامعة لكفران وانحراف الجاهلين في القديم والحديث. وإيجابية الإيمان واستقامة المؤمن تحققتا ماضياً وتتحققان حاضرا ومستقبلا لمن رغب فيهما واستجاب لهما من مؤمني عهد النبوة وعهد الخلافة الراشدة وعهد التابعين ومن تبعهم بإحسان من الذين قال فيهم تعالى مقدراً وشاهداً، ومن ينطبق عليهم قوله سبحانه راعياً لهم وهاديا ممن كان منهم حسن الإيمان وصدق الإخلاص. فكان أن ألتزموا هذا الدين واستقاموا به، فمن هم؟ وماذا قال فيهم أحسن القائلين؟ ﴿فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَنْ تَابَ مَعَكَ وَلا تَطْغَوْا إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌْ﴾

стр. 4835

﴿فَلِذَلِكَ فَادْعُ وَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُم ... ﴾ ﴿إِنْ هُوَ إِلاَّ ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ﴾ ﴿قَالَ قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُمَا فَاسْتَقِيمَا وَلا تَتَّبِعَانِّ سَبِيلَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ ﴿أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَاسْتَقِيمُوا إِلَيْهِ وَاسْتَغْفِرُوهُ وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ﴾ ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ أَلاَّ تَخَافُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ نُزُلاً مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ﴾ ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ ولأهمية الاستقامة للأحياء من بني آدم لأنها حياة طيبة لهم، ولقيمة الاستقامة بالنسبة للمؤمن في كل زمان ومكان نزلت تلك الآيات موجهة إنسان الإسلام، ومقيمة الحجة على إنسان الجاهلية، وهاديه لكل خير، وواقيه من أي ضلالة في كل الأزمنة والأمكنة. إنها حياة نظيفة وقيمة صحيحة من قيم هذا الدين، وبرهان صادق على صدق الإنتماء إليه، وإيجابية دالة على صدق الإهتداء به، لذلك كانت وصية رسول الله للصحابي سفيان بن عبد الله الثقفي في كلمتين من جوامع كلمه الرائدة القائدة التي تهدي وتقي: تهدي لمحاسن الإسلام وفضائل هذا الدين، وتقي من ضلالات ومفاسد ورذائل أي جاهلية كيفما كانت قديمة أو جديدة.
следующие страницы →