← Джавами‘

Джавами‘ · id 4473

مجلة الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (23 804 стр.). Показаны 5111–5150 · переход к 5116.

стр. 5111

فمن ذلك ما جاء في قوله ﷺ : "خير الصيام صيام أخي داود كان يصوم يوما ويفطر يوما". وعنه أنه قال: "أما اليوم الذي أصوم فيه فأتذكر الفقراء، وأما اليوم الذي أفطر فيه فأشكر نعمة الله". ومن ذلك ما جاء في نوع صيام مريم ﵍ في قوله تعالى: ﴿فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَداً فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْماً فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيّاً﴾ . فكان صياما عن الكلام لا إمساكا عن الطعام. ومن ذلك صيام نبي الله موسى ﵇ في المواعدة كما قال العلماء عند قوله تعالى: ﴿وَإِذْ وَاعَدْنَا مُوسَى أَرْبَعِينَ لَيْلَةً﴾ فقالوا قضى أيامها صائما تهيؤا للملاقاة واستعدادا للمناجاة. وعن نبي الله موسى أيضا صيام يوم عاشوراء شكرا لله أن أنجاه الله من فرعون في ذلك اليوم وتوارث اليهود صيامه عنه إلى أن قدم ﷺ المدينة وكانوا في الجاهلية يصومونه كما في حديث عائشة ﵂، وكانوا يعظمون الكعبة فيه ويجددون كسوتها.

стр. 5112

أما أول مشروعية الصيام في الإسلام فكان هو صيام يوم عاشوراء لأن النبي ﷺ لما قدم المدينة ووجد اليهود يصومونه سألهم عن السبب في صيامه فقالوا له: إنه يوم نجى الله فيه موسى من فرعون فصامه شكرا لله فصمناه وها نحن نصومه، فقال لهم ﷺ : "نحن أحق بموسى منكم" فصامه ﷺ وأمر المسلمين بصيامه, وأرسل إلى ضواحي المدينة مناديه من كان صائما فليتم صيامه، ومن لم يكن صائما فليمسك بقية يومه. وقال ﷺ : "لئن عشت إلى قابل لأصومن التاسع والعاشر". أي ليغاير صيامه صيام اليهود بضم التاسع إلى العاشر، وهنا وقفة وتأمل في كلا الأمرين، صيامه ﷺ يوم عاشوراء كصيام اليهود إياه، وصيامه التاسع مع العاشر مغايرة لهم. ففي الأول موافقة لهم في صومهم وفي الثاني مخالفة لهم بالزيادة عليهم. والواقع أن صيامه ﷺ لم يكن لمجرد موافقة اليهود بدليل مخالفته لهم بضم التاسع إليه ولتصريحه ﷺ بأن السبب في صيامه هو السبب الذي دعا موسى ﵇ إلى صومه وهو امتنان الله تعالى عليه بطريق في البحر يبسا ونجاته من فرعون وقومه فصامه شكرا لله وهذا السبب له أهميته وعظيم مدلوله في جميع الأديان وتاريخ الرسل مع الأمم لأنه إعلان وإثبات لانتصار الحق على الباطل في الصراع الدائم على البقاء وإلى الصلاح والإصلاح بصرف النظر عن الأطراف والأشخاص وعن الزمان والمكان، ولذا قال ﷺ : "نحن أحق بموسى منكم". كما بين ﷺ رابطة النبوة بقوله: "نحن معاشر الأنبياء أبناء علات ديننا واحد". وأبناء العلات هم الإخوة لأب ووحدة الدين في الأصول وفي العقائد فنجاة موسى من عدوه انتصار لدين الله ونبيه. وسواء في المبدأ زمن موسى أو زمن محمد ﷺ لأنها قضية حق وإظهار عدل. وهذه مبادئ الإسلام والمسلمين.

стр. 5113

وإن مما يلفت النظر ويستوقف الباحث هو تعظيم هذا اليوم بصيامه لما أجرى الله فيه من الخير وأن للأمة الاحتفاظ بذكرياتها الجليلة والتعبير عنها بما شرع فيها كالصوم في يوم عاشوراء. ثم جاء فرض صيام رمضان في السنة الثانية من الهجرة وقد أشارت نصوص مشروعيته إلى ارتباطه بأعظم مناسبة في هذا الوجود كله هي انبثاق فجر الهداية وإشراقة شمس الرشاد التي بددت ظلمات الجهالة، ومهدت سبل السعادة يقول جبريل ﵇: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ . فكانت فاتحة الرسالة المحمدية وكان ذلك في شهر رمضان كما قال تعالى: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدىً لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ﴾ . فكان جديرا بزمن إنزاله تعظيمه بصيامه وإحياءه بقيامه. لتُجَدِدَ الأمة روابطها بربها، وتوثق عهودها بمبادئ دينها ويبقى على جدته لا تبليه الأعوام ولا توهنه الأيام.

стр. 5114

وقد جرت حكمة العليم الخبير في مشروعية هذا الركن العظيم فبدأ بالتدرج، أولاً يوم عاشوراء ثم فرض مطلقاً من غير تحديد: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ ، ثم انتقل من الإجمال إلى التفصيل: ﴿أَيَّاماً مَعْدُودَاتٍ﴾ . وإن كانت لم تقيد بعدد إلا أنها مقيدة بجمع القلة أياما معدودات. شبيه بما في قوله تعالى في مبيع يوسف ﵇: ﴿وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ دَرَاهِمَ مَعْدُودَةٍ وَكَانُوا فِيهِ مِنَ الزَّاهِدِينَ﴾ . وكذلك الأيام المعدودات ليهون على النفوس تقبلها، وقد شرع بادئ ذي بدء على التخيير: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ . ثم ألزموا به بعد أن توطنت نفوسهم عليه واطمأنت قلوبهم إليه. فحددت لهم أيامه وانتفى عنهم التخيير في قوله تعالى: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ﴾ وبقوله: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ . وبجانب ذلك نوافل وسنن من الصيام في مناسبات وملابسات أخرى انفرد بها الصيام عن سائر العبادات ما كان منها عاما وما كان منها خاصا. فمن ذلك صيام يوم عاشوراء وإنه ليكفر سنة كاملة. ومنها صيام يوم عرفة لمن ليس بعرفات وإنه ليكفر سنة قبله وسنة بعده ومنها صيام الست من شوال وإنها مع رمضان بمثابة صيام الدهر. ومنها صوم يوم الاثنين؛ يوم ولد فيه النبي ﷺ وأنزل عليه فيه. وغير ذلك - الأيام المطلقة - كالأيام البيض كل شهر ويوم الخميس ... إلى غير ذلك. كما شرع الصوم جبرانا لنقص أو تفاديا لخطأ، أو خروجا من مأزق؛ فمن صيام الجبران الصيام عن دم التمتع. ومن التفادي للخطأ عدل دم الصيد وجزائه. ومن الخروج من المأزق الكفارة عن الظهار واليمين وغير ذلك. وهكذا تطور مشروعيته وينفسح تشريعه مما خص به الصيام دون غيره من العبادات.

стр. 5115

وإن للقرآن الكريم منهجا خاصا في سبيل تشريع الصيام جملة وتفصيلا وللصيام خصائص وحكم. لكل عبادة في الإسلام خصائصها وحكمتها، وكلها أنواعُ غذاءٍ للروح تتنوع كأنواع غذاء البدن. فالصلاة: تنهى عن الفحشاء، وتغسل الذنوب كما قال ﷺ : "كنهر جار أمام بيت أحدكم يغتسل فيه كل يوم خمس مرات"، وتأتي يوم القيامة نورا على الصراط: ﴿يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ يَسْعَى نُورُهُمْ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ بُشْرَاكُمُ الْيَوْمَ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ . وكما في الحديث: "والصلاة نور والصدقة برهان". والزكاة: طهرة للمال وتزكية لصاحبها: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾ فهي طهرة للمال من شوائب الحقوق وتعلق عيون المساكين، وزيادة له وحصن. "ما نقص مال من صدقة". "حصنوا أموالكم بالزكاة". والحج: منافع للناس عاجلا وآجلا: ﴿وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالاً وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ. لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ﴾ . وفي الحديث: "من أفاض من عرفات خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه". وأيضا: "والحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة". هذه هي آثار الصلاة والزكاة والحج فما هي آثار الصيام. الواقع أنها كلها عبادة لله تعالى تعبدنا بها وأوجبها علينا ولا يستطيع إنسان الإحاطة بحكم العبادات لأنها حق لله ولا يعلمها إلا هو غير أننا أشرنا إلى بعض ما جاءت به النصوص فيما تقدم.

стр. 5116

أما الصوم فقد تناولته أقلام عديدة وحاولت أن تنسب إليه حِكماً شتى في أكثر من جانب إلا أن البعض قد يذهب إلى جوانب مادية كالعلاج وصحة البدن أو إنسانية كالعطف على المساكين والشفقة وهذه وإن كان الصوم يفيدها إلا أنه لا يختص بها فقد تحصل بغيره. والبعض قد يذهب إلى جانب خلقي تربوي يتعلق بالقوى النفسية من بهمية وسبعية. وروحانية ملكية وأن الصوم إضعاف للأولى بتقليل الطعام، فتتقوى الثانية. وقد يستأنس لذلك بحديث: "إن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم فضيقوا مجاريه". وهذه أيضاً تابعة للأولى لم تخرج عن الماديات ونطاق الحواشي. ولكن القرآن نص صراحة على أهم خصائص الصيام وحكمته وأبان بأنها الحكمة والغاية من الأديان كلها. وأنها أخص خصائص الشريعة الإسلامية وهي "التقوى"وذلك في معرض التشريع الأول للصيام: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ . و"لعل" أداة نص على العلة والحكمة التي هي التقوى وحقيقة التقوى الوقاية والستر كما قال الشاعر: فتناولته واتقتنا باليد سقط النصيف ولم ترد إسقاطه وهي صيانة المرء من نوازع النفس، وهي جماع الأمر كله في عامة الأديان السماوية ودعوة الأمم السابقين وهذا باب واسع. وقد نص القرآن على أن الغاية من عبادة الناس أولهم وآخرهم من جميع الأمم هي التقوى كما في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ ، ومعلوم أنه تعالى ما خلق الجن والإنس إلا عبادته كما في قوله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالأِنْسَ إِلا لِيَعْبُدُونِ﴾ فتكون التقوى بمضمون هاتين الآيتين هي الغاية من خلق الثقلين الجن والإنس.

стр. 5117

ثم جاء النص في حق كل أمة ابتداء من قوم نوح ﵇ في قوله تعالى: ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ. إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ نُوحٌ أَلا تَتَّقُونَ. إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ. فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ﴾ . وكذلك عاد لقوله تعالى: ﴿كَذَّبَتْ عَادٌ الْمُرْسَلِينَ. إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ هُودٌ أَلا تَتَّقُونَ. إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ. فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ﴾ . وكذلك ثمود لقوله تعالى: ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ الْمُرْسَلِينَ. إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ صَالِحٌ أَلا تَتَّقُونَ. إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ. فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ﴾ . وقوم لوط لقوله تعالى: ﴿كَذَّبَتْ لُوطٍ الْمُرْسَلِينَ. إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ لُوطٌ أَلا تَتَّقُونَ. إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ. فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ﴾ . وأصحاب الأيكة لقوله تعالى: ﴿كَذَّبَ أَصْحَابُ لأَيْكَةِ الْمُرْسَلِينَ. إِذْ قَالَ لَهُمْ شُعَيْبٌ أَلا تَتَّقُونَ. إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ. فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ﴾ . فكل نبي يدعوا قومه إلى التقوى. وجاء القرآن كله دعوة إلى التقوى. وهداية المتقين كما في مطلع القرآن الكريم: ﴿ألم. ذَلِكَ الْكِتَابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدىً لِلْمُتَّقِينَ﴾ ، وبيَّن نوع هدايتهم وطريقة عبادتهم: ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ. وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ. أُولَئِكَ عَلَى هُدىً مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ .

стр. 5118

فبين أن الكتاب الكريم كله إنما هو هداية للمتقين وبيان أعمالهم في العقائد والعبادات. وأنها مرتبطة بالتقوى وارتبطت بها نتائج عظام عاجلا وآجلا: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْراً﴾ حتى طريق العلم: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ﴾ ولو وقع في مأزق جاءته التقوى فأخرجته: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً﴾ ﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ﴾ . ولأن التقوى تمنح معية نصر الله للمتقين: ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ﴾ . وعلى هذا تكون التقوى مصاحبة لهم في الدنيا تصونهم وتحفظهم وتكون لهم وقاية وسترا وكلما جاء الصوم جددها وقواها واكتسبت حصانة ووقاية إلى عام قادم وهكذا كل عام في رمضان. فإذ انتقل من الدنيا لازمته التقوى وساقته إلى أقصى غايته وأمانيه ابتداء من المحشر فيساق إلى الجنة: ﴿وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَراً حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا سَلامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ﴾ . وبعد دخولهم الجنة تأتي التقوى فتحلهم مقاما أمينا: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي مَقَامٍ أَمِينٍ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ﴾ ثم تنزلهم منزلة عزٍ لا يتطلعون إلى غيره: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ. فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ﴾ . وصدق الشاعر في قوله: ولكن التقي هو السعيد ولست أرى السعادة جمع مال وعند الله للأتقى مزيد وتقوى الله خير الزاد ذخرا

стр. 5119

ومن نعم الله على هذه الأمة أن يجعل ذلك لنا في الصوم. وجعله جُنة نتقي بها كل ما نخشاه وننال بها كل ما نتمناه وصدق رسول الله ﷺ : "الصوم جُنة" كما في صحيح البخاري ﵀ عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "الصيام جنة فإذا كان يوم صوم أحدكم فلا يرفث ولا يجهل وإن امرؤ قاتله أو شاتمه فليقل إني صائم مرتين ... " إلى آخر الحديث. وعند النسائي: "الصوم جنة ما لم يخرقها". زاد في الأوسط: قيل بم يخرقها؟ قال: "بكذب أو غيبة". ولعل هذا إشارة إلى الكف عن جميع المعاصي كما نبه عليه حديث: "من لم يدع قول الزور والعمل به فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه". وهنا في جُنة الصائم لم يطالب بترك الزور والعمل به فحسب لأن ذلك مطالب به في كل وقت. ولكنه طولب بترك ما هو له من حق الرد على المعتدي وإسكاته والانتصار لنفسه فإن شاتمه أحد يترك حق الرد عليه وإن كان حقا له ومباحا له إلا أن حق الصيام مقدم وأثر الصوم له فعاليته فكما ترك الطعام والشراب وغيرهما المباحين ومحض حلال له فكذلك يترك حق الرد على من سبه أو شتمه أو قاتله ويرد عليه بقوله: "إني صائم"أن ممسك عن ذلك وفيه وقاية من مجاراة السفهاء والمعتدين لأن الصائم إنسان مثالي ومسلم مسالم بجميع جوارحه لأن التقوى تملأ قلبه فيفيض إخلاصا ومحبة وخشية وخشوعا، ويطهر من الحقد والحسد، والتقوى ستظهر في منطوق لسانه فيكف عن الكذب والغيبة وعن المسابة والمشاتمة بل وعن الرد على من يسبه أو يشتمه..ويقابل الإساءة بالإحسان: "إني صائم". ومثله العين تجللها الوقاية وتحجبها عن النظر المحرم وكذلك الأذن في سماعها وتسمعها. وهكذا بقية الجوارح تصبح في وقاية تامة عن كل منهي عنه. على ما سيأتي بيانه فيما ينبغي على الصائم فعله أو تركه.

стр. 5120

وكفى بالصوم خصاصية أن اختصه تعالى لنفسه دون بقية الأعمال كما في الحديث القدسي: "إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به". وللصيام منزلة خاصة بين الأعمال؛ ومما أجمع عليه المسلمون أن الصيام أفضل العبادات. وتقدم بيان عظم نتائجه من تقوى الله تعالى.. ومما يدل على علو منزلته وعظم مكانته أن الله تعالى اختصه لنفسه دون سائر الأعمال وتولى الجزاء عليه لعظيم أجره كما في الحديث القدسي؛ قال رسول الله ﷺ : "قال الله : كل عمل ابن آدم له الحسنة بعشرة أمثالها إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به". ويعد هذا الحديث أعظم مبرز ومظهر لفضل الصيام وبيان منزلته عند الله وهذا الجزء من الحديث يشتمل مسألتين، الأولى بيان أجر الأعمال ومضاعفتها. والثانية منزلة الصوم عند الله تعالى؛ أما مضاعفة الأعمال فقد نص هنا عن الحسنة بعشر أمثالها. وهذا مبدأ عام تقرر ليلة الإسراء والمعراج لما فرض الله على الأمة خمسين صلاة. وراجع النبي ربه في التخفيف حتى استقرت إلى خمس وقال الحسنة بعشر أمثالها فكانت الصلوات الخمس بدلاً من الخمسين صلاة الأولى وتقرر مبدأ في الإسلام وحداً أدنى لمضاعفة الأجر عند الله. أما الحد الأقصى فلا حد له. فقد يضاعف الأجر بحسب الأعمال أو باعتبار حال أهلها. فمنها ما يضاعف إلى مائة ومنها إلى سبعمائة. بل وأضعاف كثيرة وإلى ما لا يعلم قدره إلا الله.

стр. 5121

فمن الأعمال التي تضاف إلى سبعمائة وأكثر الإنفاق في سبيل الله لعظم منزلة الجهاد لقوله تعالى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ . وقد جاء في حديث ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : "الأعمال عند الله سبع: عملان موجبان، وعملان بأمثالهما, وعمل بعشر أمثاله, وعمل بسبعمائة, وعمل لا يعلم ثوابه إلا الله ؛ فأما الموجبان فمن لقي الله يعبده لا يشرك به شيئا وجبت له الجنة. ومن لقي الله قد أشرك به وجبت له النار. ومن عمل سيئة جزي بها. ومن أراد أن يعمل حسنة فلم يعملها جزي مثلها، ومن عمل حسنة جزي عشرا. ومن أنفق ماله في سبيل الله ضعفت له نفقته الدرهم بسبعمائة والدينار بسبعمائة، والصيام لله لا يعلم ثواب عامله إلا الله ". ففي هذا الحديث تفاوت الأعمال موجبان للجنة أو النار كما قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ﴾ وقال ﷺ : "من قال لا إله إلا الله خالصا من قلبه دخل الجنة". وعملان بمثلهما السيئة بواحدة ما لم يتب منها والعزم على الحسنة ما لم يتمكن من فعلها له حسنة فإن فعلها فله عشر حسنات؛ وفي الحديث: "من هم بسيئة ولم يعملها وكان تركه إياها لوجه الله فإن له بهذا الترك حسنة". أما الإنفاق في سبيل الله فإنه يضاعف مئات المرات بحسب إخلاص العبادة وقوة رغباتهم وطواعيتهم وإيثارهم لما عند الله تعالى وتقديم غيرهم على أنفسهم ثقة منهم بما عند الله . ولو كانوا في حاجة ماسة لأن الإنفاق وقت الحاجة والفقر أعظم منه عند السعة والغنى كما قال ﷺ في فضل الإنفاق أنه جهد المقل وفي الصحة والشباب وهو يرجو الغنى ويخشى الفقر لأنه يغالب شح النفس ومصداق ذلك في قوله تعالى: ﴿وَمَنْ

стр. 5122

يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ . لأن مقياس الإنفاق بحسب دوافع النفس وأحاسيسها لا بكثرة المال وتعداده كما قال ﷺ : "درهم سبق مائة ألف درهم". فقال رجل: كيف يا رسول الله؟ قال: "رجل له مال كثير فأخذ من عرضه - أي من جانبه - مائة ألف تصدق بها ورجل له درهمان فأخذ أحدهما فتصدق به". فلم يسبق الدرهم الواحد هنا مائة ألف لتميزه عنها في جنسه ولا لغلاء سعره فهو وإن كان نسبته واحدا من مائة ألف بالنسبة للإنفاق إلا أنه من جهة أخرى نسبة واحد من اثنين أي نصف مال صاحبه فكأنه تصدق بنصف ما يملك في هذا الدرهم الواحد أما صاحب المائة ألف فإن نسبة ما تصدق به نسبة جزء من كل وقد لا يؤثر عليه ولا يشعر به. فهذه منزلة الأعمال عمومها وخصوصها من حسنة إلى سبعمائة إلى مائة ألف بحسب الدوافع ونوازع النفس. أما بالنسبة إلى الصوم لأنه فوق هذا كله وهو داخل في خصوص قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ وجاء عنه ﷺ : "الصوم نصف الصبر".

стр. 5123

أما المنزلة العظمى للصوم فهي في قوله ﷺ : "إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به". مع أن جميع الأعمال لله وجميع الجزاء عليها من الله تعالى ولكنه خص الصوم بهذه الإضافة. فقيل في ذلك إنها إضافة تشريف كالإضافة في "بيت الله". وقيل لأن الصائم ليس عليه رقيب إلا الله كما في الحديث: "يدع طعامه وشرابه من أجلي". وقيل لأن الله يحفظه لصاحبه يوم القيامة إذا تقاضى الناس بالحسنات وأخذ ممن عليه الحق من حسناته توفية لصاحب الحق حتى تنفذ فلم يبق إلا حسنات الصوم فيقول الله: "إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به" إلى غير ذلك مما يعظم جوانبها كلها من مراقبة الله تعالى وإخلاص العمل إليه واستشعاره طيلة صومه أنه في عمل اختصه الله لنفسه قيل أيضا إن الله اختصه لنفسه لأن الصائم يتصف بصفة من صفات الله تعالى وهي عدم الطعام والشراب وقد سئل النبي ﷺ عن عمل يدخل الجنة فعن أبي أمامة ﵁ قال: قلت يا رسول الله مرني بأمر ينفعني الله به. قال: "عليك بالصوم فإنه لا مثل له". وفي الصحيحين عن سهل بن سعد أن النبي ﷺ قال: "إن في الجنة بابا يدعى الريان يدعى له الصائمون فمن كان من الصائمين دخله ومن دخله لم يظمأ أبدا". وإذا كانت هذه منزلة الصوم عند الله تعالى فإنها لمن صان صومه وحفظه كما تقدم عنه ﷺ : "والصوم جُنة ما لم يخرقها" أي بكذب أو غيبة.

стр. 5124

ولأن الصوم يتفاوت أيضاً بحسب الأشخاص وشدة المراقبة والإخلاص وليس هو مجرد الإمساك عن الطعام والشراب فحسب بل عن كل ما نهى عنه ولذا قال ﷺ : "رُبَّ صائم ليس له من صيامه إلا الجوع والعطش"أي إذا لم يصم لسانه أو بصره أو سمعه بل ولا قلبه وعموم جوارحه لأن الصوم في حقيقته عبادة البدن كله طيلة اليوم كله. فالصائم في مجاهدة النفس من الفجر إلى الليل شهرا كاملا وقد جمعت له الصلاة في قيام الليل والزكاة في منتهاه فخص هذا الشهر المبارك بثلاثة أركان الإسلام. ولذا فإن المسلم فيه ينعم في رحاب الجَنَّة نهاره صائم وليله قائم ومنتهاه إنفاق في سبيل الله. وهنا نسوق حديث ابن عباس مرفوعا روي عنه: "إن الجنة لتزين من السنة إلى السنة لشهر رمضان فإذا دخل شهر رمضان قالت الجنة: اللهم اجعل لنا في هذا الشهر من عبادك سكانا. وتقول الحور العين: الله اجعل لنا من عبادك أزواجا من صان نفسه في شهر رمضان فلم يشرب فيه مسكرا ولم يرم فيه مؤمنا بالبهتان ولم يعمل خطيئة زوجه الله كل ليلة مائة حوراء. ... إلى قوله: فاتقوا شهر رمضان فإنه شهر الله أن تفرِّطوا فيه فقد جعل الله لكم أحد عشر شهرا تتنعمون فيها وتتلذذون وجعل لنفسه شهر رمضان فاحذروا شهر رمضان". وفقنا الله جميعا لحفظه والوفاء بحقه وأسكننا فسيح جنانه. ولعظم منزلة هذا الشهر فإن له آدابا وأحكاما. آداب الصيام وأحكامه. كل عمل جليل له آدابه وأحكامه أداء لحقه وحفاظا عليه ورجاء لفضله ومن ذلك الصيام وقد تقدم لنا من آدابه صوم جميع الجوارح في النطق والعمل بل وفي التفكير.. يصوم المسلم عن جميع ما نهى الله بل وعن بعض ما أباحه الله له.

стр. 5125

أما أحكامه فمحلها كتب ودروس الفقه وتأتي حسب السؤال والاستفتاء بحسب ما يعرض للإنسان. إلا أن هناك أحكاما عامة تتصل بالآداب من جهة مراعاتها مما ينبغي تذكير الصائم بها.. وهي تتعلق بمأكله ومشربه وأفعاله وأقواله. من ذلك التحري للمأكل الحلال ليكون عونا على طاعة الله. وليكون ذلك تعويدا على كسب الحلال والتحري عن الشبه طيلة العام فيرجح إذا وزن ويوفي إذا كال ولا يطفف إذا اكتال ولا يغش ولا يدلس ولا يختلس إلى غير ذلك من أنواع النقص في المعاملات التي تُدخل عليه مالا حراما. إذ الواجب عليه المطعم الحلال دائما وفي رمضان بالأخص لأنه لا يليق به الصوم عن الحلال وإباحته لنفسه الكسب الحرام. ثم يأتي بعد ذلك آداب وأحكام المطعم والمشرب وهما وجبتا السحور والإفطار. يعتبر السحور في رمضان خصوصية من خصوصيات هذه الأمة لأنه لم يكن للأمم الماضية في صيامهم سحور ولذا قال ﷺ : "فرق ما بيننا وبينهم أكلة السحر".

стр. 5126

إذا كان الصيام عند من قبلنا وفي أول الإسلام يحرم على الصائم الأكل والشرب والوطأ من حين ينام أو يصلي العشاء فأيهما حصل أولا حصل به التحريم، فيمسكون من صلاة العشاء إلى الغد حتى تغرب الشمس، وتكون مدة الإفطار هي مدة ما بين المغرب والعشاء فقط. وإذا نام بعد المغرب وقبل العشاء حرم عليه الأكل، إلى أن جاء رجل من مزرعته بعد المغرب فذهبت زوجته تحضر له الطعام، فغلبته عينه فنام فلم يستطع أن يأكل ولا يشرب، وأمسك لليوم الثاني وأصبح صائما فأغمي عليه في النهار فبلغ ذلك النبي ﷺ .. ووقع من رجل أن جاء إلى أهله فقالت إني قد نمت فظنها تمنع عليه فواقعها ثم تبين له أنه اختان نفسه فأتى النبي ﷺ وأخبره فاشتد ذلك على النبي ﷺ ، فأنزل الله تعالى قوله: ﴿عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنْكُمْ فَالآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ . ونسخ المنع السابق وأبيح لنا الأكل والشرب والنساء، ومع إباحة الأكل والشرب طيلة الليل إلا أنه عمل عادي لكن أكلة السحر هي الرئيسية المرتبطة بالصوم ولذا أكدها النبي ﷺ لأنها رخصة من الله امتن بها علينا ومن هنا يستحب تأخيرها لتحقق معنى امتداد الإباحة إلى آخر الليل فجاء عنه ﷺ الأمر بها: "تسحروا فإن في السحور بركة". والأمر بتأخيرها لتكون عونا على صيام النهار كما في قوله ﷺ : "إنها بركة أعطاكم الله فلا تدعوها". وقال: "استعينوا بطعام السحر على صيام النهار والقيلولة على قيام الليل". ونهى ﷺ عن تقديمه في قوله: "لا تزال أمتي بخير ما عجلوا الفطر

стр. 5127

وأخروا السحور". وإن ذلك يحصل ولو بالقليل من الطعام أو الشراب كما في قوله ﷺ : "السحور كله بركة فلا تدعوه ولو أن يجرع أحدكم جرعة من ماء فإن الله وملائكته يصلون على المتسحرين". وكان سحور السلف قبل الآذان بما يتسع لقراءة خمسين آية. مع أنه يجوز إلى قبيل الفجر بلحظات. أما الإفطار فينبغي تعجيله عند أول لحظة من الليل أي عند تحقق دخول الوقت كما تقدم: "لا يزال الناس بخير ما عجلوا الفطر". رواه البخاري ومسلم. فلا يصح لإنسان بعد ذلك أن يؤخر الفطر إمعانا في التأكد فقد حذر ﷺ من التأخير إلى طلوع النجوم في حديث سهل ابن سعد عند ابن حبان: "لا تزال أمتي على سنتي ما لم تنتظر بفطرها النجوم". وفي حديث أنس أيضا: "ما رأيت رسول الله ﷺ قط صلى المغرب حتى يفطر ولو على شربة ماء". أما على أي شيء يكون إفطاره فجاء عنه ﷺ أنه قال: "إذا أفطر أحدكم فليفطر على تمر فإنه بركة فإن لم يجد تمرا فالماء فإنه طهور". وجاء أيضا أنه ﷺ كان يفطر على ثلاث تمرات أو شيء لم تصبه النار. ووردت أدعية وأذكار عند الفطر لأنه جاءت نصوص في أن للصائم دعوة عند فطره ومن الأذكار: "اللهم إني لك صمت وعلى رزقك أفطرت". وفي المبادرة إلى الفطر سر لطيف هو الإشعار بأن العبد ضعيف وكان ممنوعا من رزق الله وقد جاء له الإذن بتناوله فلا يجمل به التأخر بل يبادر فرحا بنعمة الله عليه كما جاء في الحديث: "للصائم فرحتان إذا أفطر فرح بفطره. وإذا لقي ربه فرح بصومه". ويستحب له أن يفطر غيره معه لقوله ﷺ : "من فطَّر صائما كان له كأجر صيامه لا ينقص من أجورهما شيئا ويحصل ذلك ولو بمزقة لبن أو نحوه".

стр. 5128

أما ما بين السحور والإفطار فيجتنب شبهات الإفطار أو ما يؤدي إليه ومن ذلك المبالغة في الاستنشاق خشية أن يسبقه الماء إلى حلقه. ومنها الحجامة سواء الحاجم أو المحجوم أما الحاجم فخشية أن يتسرب الدم إلى فمه والمحجوم فخشية أن يضعف ويحتاج إلى الفطر وهذا ما عليه الجمهور وعند الحنابلة رواية أنها تفطر لما ورد من الأحاديث المتعددة فحملها الجمهور على الكراهية وحملها الحنابلة على التحريم ولهذا بحث مستقل إن شاء الله. كما عليه أن يتجنب مثيرات القيء لأن إثارته مفطرة أما إذا جاءه عفوا وغلبه فإنه لا يفطر. كما عليه أن يتجنب مداعبة أهله إذا خشي من نفسه كما قالت عائشة ﵂: "كان رسول الله ﷺ يقبل نسائه وهو صائم وأيكم أملك لأربه". أي من رسول الله ﷺ . وقد نهى ﷺ الشباب عن التعرض لما يخشى وقوعه. كما أن عليه أن يكثر من تلاوة القرآن كما جاء عنه ﷺ أن جبريل ﵇ كان يدارسه القرآن في رمضان كل سنة مرة وفي السنة الأخيرة دارسه القرآن مرتين إحياء لبدء نزوله في رمضان. وأن يكثر من الصدقات كما جاء عنه ﷺ أنه كان أجود ما يكون في رمضان حينما يدارسه جبريل القرآن. وللقرآن منهج خاص في تشريع الصيام آمل أن ييسر الله تقديمه والاستفادة منه. والله نسأل أن يوفقنا لما يحبه ويرضاه وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا ونبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 5129

تعقيب على محاضرة لفضيلة الشيخ محمد بخيت المستشار بالجامعة الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، سيدنا محمد وعلى آله وصحبه ومن اتبع هداه. وبعد: نشرت مجلة (الرأي العام الكويتية) محاضرة ألقاها الدكتور أحمد عبد الكريم مصطفى، أستاذ التاريخ العربي الحديث في جامعة الكويت، في ندوة الفن الإذاعي تحدث فيها عن "العرب بين الحاضر والمستقبل". ومن النظرة السريعة إلى هذه المحاضرة المستفيضة تبدو بعض الآراء والأفكار التي نرى أنها تتطلب التعقيب والإيضاح. وقبل أن نعرض هذه الآراء والأفكار نذكِّر ببعض الحقائق العامة، التي يجب أن تكون الأساس والمنطلق عند دراسة حاضر العرب ومستقبلهم: الحقيقة الأولى: أن الأمة العربية بعد مجيء الإسلام أصبحت جزءاً من الأمة الإسلامية، وعضواً في كيانها..وأن بنيانها الاجتماعي والاقتصادي والسياسي لم يعد مستقلا عن بنيان المجتمع الإسلامي. الذي وحده الإسلام، وربط بين أفراده جميعا برباط الأخوة، وأعطاه كل مقومات البنيان القوي الصالح، وأمده في حركته على طريق التقدم والتحضر بكل العوامل والطاقات والقيم والنظم التي تجعل منه المجتمع الأعلى للحياة الطيبة في كل عصر ولكل شعب.. يقول الله : ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ آل عمران: ١١٠.. ﴿فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدىً فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلا يَضِلُّ وَلا يَشْقَى، وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى﴾ طه: ١٢٣- ١٢٤. الحقيقة الثانية:

стр. 5130

أن الإسلام ليس نظاما موقوتاً أو موروثاً. من وضع البشر، يقبل التغيير والتبديل استجابة لمقتضيات التطور أو مظاهر التحضر وإنما هو المنهج الإلهي الكامل للحياة في كل الأمكنة والعصور وفي إطاره الشامل تسير الحياة موجهة به إلى غايتها، متبينة حركتها وأهدافها وطبقاً لمبادئها تعاليمها الخالدة تتحدد صور الحضارات، ويتم بناؤها، واستجابة لندائه العالي تسير مواكب التقدم العلمي بكل طاقاتها في كل مجلات الحياة: بحثاً وتجربة، واستكشافا وتسخيراً، فتزداد بالله إيمانا وخشية، كلما هداها إلى سننه في خلقه، وأفاء عليها من نعمه. الحقيقة الثالثة: أن حاضر المسلمين اليوم في المنطقة العربية وفي غيرها إلا ما شاء الله لا يمثل الوجه الحقيقي التطبيقي للإسلام. الحقيقة الرابعة: أن الوضع التخلفي الذي يعاني منه المسلمون اليوم (ويسيئون به إلى الإسلام) هو النتيجة المنطقية الطبيعية لابتعاد المسلمين عن الإسلام في حياتهم التشريعية والعملية، وأن مسافة تخلفهم تقاس بمسافة بعدهم، وأن طي هذه المسافة يتوقف على تحقيق الاستجابة الكاملة الواعية لدعوة الإسلام. الحقيقة الخامسة: أن حضارة الإسلام حضارة متميزة بمبادئها وقيمها وأهدافها.. حضارة تقوم على تحقيق التكامل المعنوي والمادي معاً في حياة الإنسان مستوعبة مقومات هذه الحياة ووظائفها في الحياة الدنيا، وغايتها في الحياة الأخرى، ملبية في اعتدال المطالب الروحية الحسية معاً، حضارة توفر الخير والأمن السعادة للبشر جميعاً ... وبعد هذه المقدمة نشير إلى بعض النقاط التي وردت في المحاضرة.

стр. 5131

١- يذكر الدكتور المحاضر أن كل المجتمعات والثقافات تمر بطريق التغيُّر، ومن الممكن أن ننظر إلى المجتمع والثقافة باعتبارها كلا يمر بتطور معين ثم يقول: "وطبقاً لهذه النظرة أصبح على المؤرخ أن يعير اهتماماً إلى الثقافة والنظم والبنيان الاجتماعي والزعامات ومراكز السلطة والبيئة الطبيعية، وتركيب السكان والعلاقات المتداخلة المسئولة عن التغيرات". ومع ذكر كل هذه العناصر والعوامل الجزئية ذات الصلة مما يحدث من تغيرات لا يرد ذكر (الدين) وهو الأساس في بناء المجتمعات وتوجيه حركتها وتحديد أهدافها وفي وجود الثقافات وتطويرها وتنميتها. ولئن كان هذا مقبولا في الحديث عن المجتمعات الغربية التي انفصلت عن دينها فليس الأمر كذلك عند الحديث عن (المجتمع الإسلامي) أو جزء منه. وإلا لكنا متجاهلين لروح هذا المجتمع وأساس وجوده ومنهج حياته وهو (الإسلام) . ٢- ثم يورد الدكتور هذه العبارة: "والبنيان الموروث للأنماط الاجتماعية - الثقافة في العالم العربي إسلامي في أساسه وأنه في بعض النواحي يرجع إلى مؤثرات سابقة على الإسلام الذي برغم أنه وفَّر للمنطقة قدراً كبيراً من التماثل لم يستطع أن يقضي تماماً على مخلفات الحضارات السابقة عليه". ونرى أن في إطلاق هذا القول اتهاماً للإسلام بالقصور وبالعجز وهو اتهام تَبْرَأُ منه حقيقة الإسلام، وتَتَنَزَهُ عنه ساحته لما يلي: أولاً:

стр. 5132

أن الإسلام هو دين الله الكامل ونهجه الأقوم للحياة ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِيناً﴾ المائدة: ٣.. ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْراً كَبِيراً وَأَنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَاباً أَلِيماً﴾ الإسراء:١٠- ٩.. ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَاناً لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدىً وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ﴾ النحل: ٨٩. ثانياً: أن الإسلام أوجد خير مجتمع يحتذى ويهتدى بمنهجه حتى تقوم الساعة ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ آل عمران: ١١٠.. ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً﴾ البقرة: ١٤٣. فهل يسوغ لنا بعد هذا الذي قرَّرَه القرآن الكريم وشهد له الواقع القول بأن الإسلام لم يوفِّر إلا قدراً كبيراً من التماثل فقط وما هو ذلك القدر القليل من التماثل الذي لم يوفره الإسلام؟!! ثم ما هي تلك المخالفات الحضارية التي عجز الإسلام عن القضاء عليها؟!! وكيف عجز عن ذلك؟!! وهل إذا وجدت تلك المخالفات في حياة بعض الناس انحرافاً منهم عن منهج الإسلام، هل يفسر ذلك بأن الإسلام عجز عن القضاء عليها؟ وهل يراد من الإسلام الذي يعزز إرادة الإنسان أن يسلبه إياها؟ وهل يكون مع هذا السلب تكليف، ويتحقق ابتلاء، ويترتب مسئولية وجزاء؟ إن هذا القول البعيد عن الحقيقة هو أقرب ما يكون متابعة غير مدروسة للمستشرقين في مزاعمهم وافتراءاتهم على الإسلام والمسلمين. ٣- يقول الدكتور المحاضر:

стр. 5133

"إن (المصلحين العثمانيين) بدأوا يقتبسون (التكنولوجيا) الغربية لمقاومة العدوان الأوربي". ويطلق هذا القول دون تعرض منه (للأسلوب) الذي اتبعه هؤلاء الذين يسميهم (مصلحين) (وعلى رأسهم مصطفى كمال أتاتورك) قي اقتباس (التكنولوجيا) وعلاقته بمقومات بنيان دولة إسلامية بل دولة الخلافة الإسلامية في ذلك الوقت وما أحدثه هذا الأسلوب في حياة المجتمع المسلم (تركيا) . ثم يذكر بعد ذلك: "أن جمهرة المسلمين رأوا أن يقروا ويطوِّروا بعض المظاهر النافعة من الثقافة الغربية في إطار النظام القانوني والأخلاقي الذي تضمنته الشريعة الإسلامية، وبدت صعوبة هذه المشكلة في أنه لم يسهل تحديد ما يتمشى وما لا يتمشى مع الشريعة الإسلامية". ولا أدري كيف نتصور وجود (هذه المشكلة) التي تجعلنا مع التمسك بشريعتنا نسير في طريق مسدود؟. ومن المعلوم أن الشريعة الإسلامية هي شريعة كل الأمم في كل العصور، وهي تستوعب في يسر كل شئون الحياة ومطالبها. وتحدد ما تقره وما لا تقره وتعطي كلا حكمه، مستمدا من كتاب الله وسنة رسوله ﷺ : ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَاناً لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدىً وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ﴾ النحل: ٨٩، ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ النحل: ٤٤. ومثل تلك المشكلة التي يشير إليها الدكتور- إن وجدت - فإنما تنشأ عن الجهل بالشريعة الإسلامية، أو عدم الانقياد لها، أو التعصب الأعمى لما نتلقاه عن غيرنا. ٤- بعد ذلك يضيف الدكتور - مرتبا على ما سبق - قوله:

стр. 5134

"ولهذا كانت محاولات سَن القوانين في إطار الشريعة مترددة وحائرة". وهذه القضية مترتبة على (المشكلة) التي أوردها الدكتور والتي تبيَّنا أنها غير موجودة مع الشريعة الإسلامية ولا يمكن أن توجد. وما رتب على غير الموجود فهو غير موجود بداهة. وإذا كان هناك تردد وحيرة فليس لصعوبة سّنِ القوانين طبقاً للشريعة الإسلامية. ولكن لأن الحكام والقائمين بأمر المسلمين غير جادين ومخلصين فيما يريدون، فالتردد والحيرة في (إرادتهم) هم، وليس في تطبيق الشريعة الإسلامية السمحة بدليل أن الحكام الذين أرادوا ذلك جادين مخلصين تيسر لهم ما أرادوا كما هي الحال في المملكة العربية السعودية. ٥- ثم يعقب بقوله: "مع اتجاه قلة من المصلحين إلى التصريح بأن القوانين الإسلامية مشتقة من بداية التجربة المدنية للعرب، بمعنى أنها كانت مجرد استجابة لمتطلبات هذه الفترة الاجتماعية الأمر الذي يستلزم إعادة النظر فيها بحسب الظروف المتغيرة ... "الخ. والدكتور المحاضر يذكر هذا الاتجاه منسوبا إلى من يسميهم قلة من (المصلحين) دون أن يذكر أسماءهم أوأسماء بعض منهم ودون تعقيب منه على اتجاههم. وهذا الاتجاه افتراء على الإسلام ومحاولة لهدم شريعته.. فالشريعة الإسلامية كما نعلم هي شريعة إلهية لا وضعية وأحكامها جميعا إما نصية من الكتاب والسنة أو اجتهادية مستنبطة من النص ومرتبطة به طبقاً لما هو مقرر في أصول الفقه، وهي لم تشرع للعرب خاصة وإنما شرعت للناس كافة في كل الأزمنة والأمكنة حتى تقوم الساعة. والقول (بالاشتقاق، أو الاستجابة) ترديد لمزاعم المستشرقين، وأعداء الإسلام. ٦- ويتحدث الدكتور بعد ذلك:

стр. 5135

عن (الاتجاه العصري) أو الاقتباس عن الغرب فينقل عن المستشرق المعروف سير (هاملتون جب) تعريفه لهذا الاتجاه بأنه يغلب عليه كونه حركة فكرية عند المتعلمين ذوي الاتجاه العلماني..ثم يضيف إلى ذلك "من رأيه - المستشرق جب - أن العلمانية لم تستورد من أوربا على اعتبار أن بعض جوانبها كان يتضمنها (إسلام العصور الوسطي) ثم بعد أن مهدت الوهابية وغيرها الطريق دخلت المؤثرات العلمانية الوافدة من الغرب عن طريق العلم الغربي واقتصاد الغرب وآدابه وأثر التعليم العلماني الحديث الذي فكك البنيان الاجتماعي القديم"..والدكتور لا شك أنه يوافق (المستشرق جب) فيما ذهب إليه وإلا لعقب عليه أولما نقل عنه. والمستشرق المذكور يذكر (العلمانية) مطلقة دون تحديد - كما هي عادة المستشرقين - في استعمال العبارات الغامضة الملتوية في حديثهم عن الإسلام والمسلمين. فما المقصود بكلمة العلمانية هنا؟. إن كان المقصود بها ما يتبادر منها عند الإطلاق، وهو التفسير المادي للكون، والاعتماد على العلم التجريبي ورفض ما عداه، فالإسلام يرفض هذه (العلمانية) لمنافاتها لعقيدته وشريعته ولا يمكن أن يتضمن شيئاً منها في أي عصر؛ لأن الإسلام واحد في كل العصور وليس هنا (إسلام العصور الوسطى) وإسلام غير العصور الوسطى.. نعم هناك مسلمو العصور الوسطى ومسلمو غير العصور الوسطى. ولكن يجب أن نعلم أن واقع المسلمين لا يعني الإسلام. فالإسلام هودين الله الواحد الخالد الذي أرسل به خاتم النبيين سيدنا محمد صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم إلى الناس كافة لا يتغير ولا يتبدل مع تلاحق العصور، وتوارد الأمم ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ الروم: ٣٠.

стр. 5136

وادعاء المستشرقين أن (الوهابية) مهدت الطريق لهذه (العلمانية) هو محض افتراء وتجن على دعوة الحق. والوهابية ليست فرقة لها دعوتها الخاصة، أو مذهبا جديداً في الإسلام، وإنما هي دعوة مخلصة واعية أمينة إلى الإسلام، وتطبيقه عقيدة وشريعة تطبيقاً سليماً وشاملا لكل نواحي الحياة، وفق ما جاء به الكتاب والسنة وعمل السلف الصالح. وإن كان المقصود من (العلمانية) هو النهضة العلمية التي ظهرت في أوربا واتخذت منها طريقاً لبناء حضارتها. فالإسلام في كل العصور (وليس في العصور الوسطي فقط) ، يحث على العلم ويرفع من شأن العلماء النظريين والتجريبيين، ويدعو إلى العلم التجريبي اكتشافاً لسنن الله في الكون وآياته في الخلق، وانتفاعا بنعمة التسخير، وهو يحض المؤمنين على أن يتفوقوا في العلوم على غيرها تحقيقاً لعزتهم وحتى تكون لهم الكلمة العليا ولا يكون لغيرهم عليهم سبيل. ولكن الإسلام لا يدعو إلى العلم النظري والتجريبي دعوة مطلقة بل دعوة موجهة وفق منهجه وفي إطار مبادئه وأحكامه وأهدافه، حتى يكون العلم سبيلاً لبناء الحضارات المتكاملة معنويا ومادياً معا، ووسيلة للتقدم وتيسير حياة الناس، وحل مشكلاتهم وإسعادهم في دنياهم وأخراهم. وعلى هذا لا يقال: إن الإسلام (وهو دعوة العلم والإيمان) ، قد تضمن بعض جوانب تلك (العلمانية) الأوربية لأنه أشمل منها ولأنها انحرفت عن جادتها وابتعدت عن غايتها واتخذت لها طريقاً مادياً لا يقره الإسلام. وإن كان الإسلام في دعوته العلمية لا يرفض الانتفاع المتبصر بما استخدمه الآخرون وتوصلوا إليه في ميادين العلم ومعامل التجارب.

стр. 5137

والقول: بأن الوهابية مهدت الطريق (للعلمانية) بهذا المفهوم فدخلت مؤثراتها الوافدة من الغرب عن طريق العلم الغربي واقتصاد الغرب وآدابه.. ألخ. قول غير مفهوم وغير مقبول لأن الوهابية (كما ذكرنا) ما هي إلا دعوة إسلامية خالصة تدعو إلى ما يدعو إليه الإسلام وتمهد السبيل لنشر دعوته وتطبيق شريعته. فكيف يقال إنها مهدت الطريق الآثار (العلمانية) التي لا يقر الإسلام كثيراً منها لتعارضها مع مبادئه وأحكامه ومنها الاقتصاد الغربي القائم على الربويات ونظم المعاملات المخالفة للنظم الإسلامية؟. وواجبنا أن نتابع المستشرقين في آرائهم الخاطئة وادعاءاتهم المضللة واتهاماتهم الجائرة التي يريدون منها النيل من الإسلام، وتشويه حقيقته، وإلقاء الشبهات أمام دعوته. (٧) ثم يقول الدكتور المحاضر: "أما مبعث الإعجاب بأوربا الذي ترتبت عليه حركة الاقتباس فهو: أولاً: أنها حققت نظاماً ناجحاً يقوم على الدستور، ويحدد سلطة الحاكم، ويقيم العدالة، ويقر حرية كل من الفرد والمجموع. ثانياً: عزا العرب حيوية أوربا إلى نظامها التعليمي وتنظيمها الاجتماعي وروح البحث الحر والنظم التعليمية والدراسية التي تسندها الدولة دون أن تشرف عليها. وما أسهمت به المنظمات والجمعيات الخاصة في تقدم أوربا اقتصادياً وإنسانياً. ثالثاً: أخذ العرب بمرور الزمن يقدرون آداب الغرب بغض النظر عن قيمتها العلمية فقاموا بترجمتها بحيث اكتسبت في النهاية أهمية لا تتناسب مع محتواها".

стр. 5138

وكنا نرجو من الدكتور وهو في عرض القضايا التاريخية عرضاً علمياً أن لا يورد بواعث الإعجاب. هذه قضايا مسلَّمة, لأنها إن سُلِّمَت أن تكون بواعث إعجاب لغير المسلمين فلا يصح أن تكون للمسلمين. فالإنسان إنما يعجب بشيء إذ لم يكن لديه مثله أو أحسن منه، وفي الإسلام - كما يعلم الدكتور - من النظم السياسية والاجتماعية والتعليمية والاقتصادية ما يفوق كل نظام آخر في أوربا وغيرها، وإعجاب من يعجب بأوربا من المسلمين لما يستهويهم عندها مبعثه في الحقيقة جهلهم أو تجاهلهم لما عندهم في دينهم وانصرافهم عن تطبيقه إلى تطبيق ما عند غيرهم.. والعجب ممن يستحسن شيئاً عند غيره وعنده ما هو أحسن منه، أو يستورد من بضاعة الغير ولديه لأفضل مما يستورده، وأكثر فائدة. ٨- ثم يثير الدكتور في محاضرته قضية القومية العربية ويجعلها قمة أماني العرب من الخليج إلى المحيط.. وهي دعوة عنصرية شعوبية استعمارية يناصرها أعداء الإسلام لأن فيها تفريقاً للمسلمين، وتمزيقاً لوحدتهم الإسلامية وإضعافاً لوجودهم. وتمكينا لعدوهم منهم ولا فائدة يرجى للعرب من وراء استقلالهم بقوميتهم وارتباطهم بجنسيتهم، لأن عزتهم وقوتهم وسيادتهم في إيمانهم ووحدتهم الإسلامية لا في عرق أوفي أرض أو وحدة أمل أو وحدة مصير كما يزعم أصحاب هذه الدعوة المنكرة، ولا أمل ولا مصير لمسلم إلا من الإسلام وللإسلام. ولا نطيل في هذا لأن ما كتب في تفنيد قضية القومية العربية، وبينان مخاطرهم ودحض الدعوة إليها كثير. وهي دعوة باطلة لاغية لن يكون لها أثر، مع قيام دعوة الإسلام دعوة الإيمان والإخاء والوحدة. وبعد فهذه..النقاط التي رأينا التعقيب عليها إيضاحا للحقيقة وإزالة للشبهة، ونسأل الله أن يوفقنا جميعا ويعيننا على إتباع هداه. وصلى الله تعالى وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه والمهتدين بهديه.

стр. 5139

الاحتشام والاحترام والسخاء وعظم الأخلاق، والقيم والمشاعر السامية وكل ما يمكن اعتباره نفحات إلهية، لا يمكن الحصول عليها عن طريق الإلحاد. فالإلحاد أسوأ أنواع الأنانية ولسوف تفضي هذه الحضارة بدون العقيدة والدين سوف يحول النظام إلى فوضى. سوف ينعدم التوازن وضبط النفس والتمسك بالقيم. سوف يتفشى الشر في كل مكان.. إننا بحاجة ملحة أن نقوي صلتنا وعلاقتنا بالله. (كريسبي مويسون)

стр. 5140

رسائل لم يحملها البريد لفضيلة الشيخ عبد الرؤوف اللبدي المدرس بالجامعة عجيب أمرك يا صديقي!! أبعد عشرات السنين وسنّ السبعين، وأنت ترفل في نعم الله، وتخضم خضراء الحياة، أبعد أن لبست شبابها جديدا، وطويت كهولتها رغيدا، أبعد أن امتلأ بجمالها عيناك، وانتضج بطعامها حضناك، أبعد هذا كله تتبرم بالحياة، وتتشكى من قدر الله؟!. وأي شيء في أن يسترد الله نور عينيك، وقد استأمنك عليهما سبعين عاما؟! ماذا صنعت بهما في هذه السنين السبعين؟! لقد رأيت بهما عدو الله وعدوك أربعين خريفا أو تزيد، رأيته وهو يضع قدمه الثقيلة على أرضك وأرض آبائك وأجدادك، رأيته وهو يسدد حربته الطويلة إلى صدور الشيوخ والنساء والأطفال من أبناء دينك وقومك، فماذا صنعت؟ أرأيت بهما طريق الجهاد فسرت عليها قدما، وأبصرت بهما الأعداء فتقحمتهم مهاجما؟ لم تصنع شيئا من ذلك يا صديقي، وإنما أبصرت بهما طريق الهزيمة فوليت عليها مدبرا، وليت وهما تفيضان بالدمع وتغمضان على القذى. ظننت الحرب سحابة صيف سرعان ما تنقشع، وهزة أرض وشكان ما تسكن وتطمئن، خدعت أذناك بما كانتا تسمعان من عهود ووعود، وخدعت عيناك بما كانتا تبصران من أسلحة وجنود، ونسيت أنك مسؤول عن توليك وقعودك يوم يقوم الحساب. رأيت بهما المنكرات تسعى بين يديك وعن أيمانك وشمائلك ومن ورائك، فماذا صنعت؟ كانت يديك شلاء، وكانت شفتك خرساء، ومضى قلبك ينبض باتساق وهدوء دون أن يشمئز، وظلت نفسك مطمئنة وادعة دونما تقزز. ماذا تريد أن ترى بعينيك يا صديقي؟ أتريد أن تكون شاعرا ترى مطلع الشمس ورحلة القمر وأمواج البحر؟!

стр. 5141

لا تزال الشمس كما عهدتها من قبل تشرق ضاحكة مستبشرة، يطفح وجهها بالنور ويفيض بالحياة، تؤمل أن ترى في ديار المسلمين عزا وبزا، واعتصاما وفوزا، فتطوف بالأرض تسأل هنا وتنظر هناك، فلا تجد آخر النهار ما تطمئن به القلوب، ولا ما تقر به الأعين، فيحمر وجهها خجلا، وتلملم أشعتها حياء، وتتوارى عن الأنظار كاسفة حزينة خائبة الرجاء. أتريد أن ترى القمر؟! لا يزال القمر كما تعهد، يبزغ أول الشهر نحيفاً هزيلا قد تقوس كالعرجون القديم، يطل على ديار العرب وغير العرب من هؤلاء المسلمين، فيرى تلك الاحتفالات بالأعياد القومية في كثير من العواصم وتلك المظاهرات الصاخبة والمعربدة في شوارع المدن الكبرى، ويسمع تلك التصريحات المجلجلة وتلك الخطب المصلصلة، فيظنها زحوف الجهاد إلى المعركة، ويخالها خطب القادة في جنود القتال، فيزداد نوره قوة وجمالا ويزداد جسمه صحة وكمالا، ويطفح وجهه بالسرور، وتفيض أشعته بالبهجة ثم يتبين له كذب ما خال، وباطل ما ظن، فيهزل جسمه من الحزن، ويخبو ضوءه من خيبة، ويتوارى عن الأنظار , تكاد لا تدركه الأبصار. أتريد أن ترى بهما البحر وأمواج البحر؟! لا تزال أمواج البحر كما تعهدها من قبل، تضرب شواطئ المسلمين بعنف، وغضب، وتصيح فوق رمالها والصخور الثائرة مزمجرة: أين أنتم أيها المسلمون من آبائكم وأجدادكم في الزمن الغابر، وأين أنتم اليوم من هذه الدول الكبرى في العصر الحاضر، أين أساطيلكم الحربية التي تجوب المحيطات والبحار، وأين غواصات الذرة وحاملات الطائرات التي تحمي الذمار وتدرأ الأخطار؟! فيكم عوامل التقدم فلم تتأخرون؟! ولديكم أسباب المنعة والقوة فلم تضعفون؟! كان آباؤكم قادة وورثتم تراث القيادة، فإلى متى هذا الوقوف؟! وفيم الحيرة وهذا التردد؟!

стр. 5142

أم تراك يا صديقي تريد أن ترى بهما بنيك وبناتك، لتصل حياتهم بحياتك، ولتملأ بهم عينيك قبل مماتك، ولكنهم - وا أسفاه لم يستطيعوا أن يحيوا بجوارك! ضاقت عليهم الأرض حواليك بما رحبت، لم يسمح لهم أن يعيشوا أحرارا، ولا أن يقولوا كلمة الحق جهارا، ففروا إلى بلاد الأجانب فرار العصافير عن أعشاشها، وقد جفّلها الصيادون، وروّعها القناصون، فأصبحت لا تراهم إلا رسائل، ولا تعرفهم إلا ذكريات. نعم، لقد بقيت في عقر بيتك ابنتك الكبرى نائلة، ولكن ماذا تريد أن ترى فيها، لقد ذبل على وجنتيها الشباب الوريق، ومات على أجفانها معاني البر والعطف والرحمة، ألبستها ثياب الحقد والسخط والعقوق، فهي لا تنظر إليك إلا نظرات المظلوم إلى ظالمه، ولا تلحظك إلا لحظ المحروم ذوي النعمة. كانت في ميعة الصبا ورونق الشباب، وقد وفد إليها كثير من الخطاب وفيهم قليل ممن ترضى دينهم والخلق، ولكنك أغليت المهر وشططت في الشرط، وابتغيت بزواجها عرض الدنيا وعلواً في الأرض، فأنت لا تريد إلا صهرا تفاخر بوظيفته الكبرى في الدولة، أو تباهي بثرائه العريض بين الناس، أو تخال مهنته كنزا لا ينفد، وأراد الله ما لم ترد، أعرضت عمن كان يريدك، وأعرض عنك من كنت تريد، وبقيت ابنتك عانسا تسأل الله غدوّا وعشيّا أن يعجل بك إلى الدار الآخرة، لعلها تأخذ نصيبها من الدنيا. أم ماذا يا صديقي؟! أتريد أن تقرأ بهما صحفا ومجلات في بلاد عربية تطبع ثم تنشر على القارئين الغافلين وتوزع؟! سوف تعشى عيناك وأنت تبحث فيها عن كلمة الصدق والرأي الحق بين ركام كلام ينطق بالحقد، وتراب أحاديث تثيره الرشوة، وضلال أقلام يملي عليها الباطل.

стр. 5143

أنا لا أنكر يا صديقي ما في هذا الكون من جمال وجلال وإبداع وإتقان وتناسق وروعة، فكيفما قلبت البصر في الأرض، وحيثما وجهت النظر في السماء، وأينما أرسلت العيون في هذا العالم، وجدت جمالا يأسر عيني وحسي وجلالا يملأ فؤادي ونفسي، وآيات وإبداع وإتقان مبثوثة في كل مكان. وكأين من موقف وددت لو كان لي فيه ألف عين تبصر، وألف أذن تسمع، وألف حاسة تذوق وتستمع، وألف قلب يعقل ويخشع، وألف نفس تهتز إعجابا وانجذابا، وذهولا، ثم لا أملك إلا أن أخر ساجدا لوجه الله ذي الجمال والجلال والكمال والإبداع والإتقان. ولكن ما حاجتك أنت إلى العينين، إذا كنت لا تبصر بهما إلا مواقع قدميك على الدرب، ولا ترى بهما إلا قطع الشطرنج وأوراق اللعب في ساعات الفراغ، ولا ترسلهما إلا في أصناف الطعام والشراب وأنت جالس على الموائد، ولا تتعرف بهما إلا أوراق النقد تقلبها بين يديك؟! ما أكثر الذين أصابهم ما أصابك، ثم لم ينعموا بما كنت تنعم! لم ينعموا سبعين عاما ولا سبعين يوما ولا سبعين دقيقة، ومع ذلك اصطبروا وصابروا واستقبلوا قدر الله بسعة صدر وجلد، وشكر لله وحمد، ومضوا في هذه الحياة يجاهدون كما يجاهد المبصرون أو أشد، ثم فازوا فوزا عظيما، وقدموا لأنفسهم وللناس خيرا عميما، ما يزال يذكر ويؤثر، ويذاع وينشر، ويطوف بالأرض، وترويه الأجيال والعصور. سبحانك يا إلهي!! ما أكثر النعم التي تهبها لهذا الإنسان!! ثم هو لا يشكرها ولا يذكرها ولا يأبه بها ولا يراها، وقد كان من قبل يتمناها، ويرى النعيم والسعادة في لقياها، حتى إذا ما ابتليته واسترجعتها منه، راح يبكي ويشكو، ويعول ويولول. لا تحسب الإبصار كله ماتعا يا صديقي، فما أكثر ما تمر بالإنسان ساعات يتمنى فيها ألا يكون بصيرا! ما حاجة الإنسان إلى عينيه حين يرى بهما ما رآه المتنبي حين قال: غذاء تضوى به الأجسام واحتمال الأذى ورؤية جانيه

стр. 5144

وما أكثر ما وضعت يدي على عيني كي لا أرى بهما أناسا يتصفون بالعلم، وينسبون إلى الدين، وهم يقفون مواقف الملق والنفاق والضراعة في سبيل عرض من أعراض الحياة الدنيا. ما أجمل التلون والألوان في أزهار الربيع الناضرة تميس على سفوح الجبال، وتكلل بها هامات الروابي، وتغرق فيها بطون الأودية!! ولكن ما أقبح أن ترى التلون والألوان في أخلاق الرجال ومبادئهم على دروب الحياة الوعرة الطويلة!! ما أكثر ما تأذى الأعين - ومن وراء الأعين قلوب وأنفس- ما أكثر ما تأذى وهي تشاهد أولئك السائحين الأجانب يطوفون بالبلاد كما يطوف البط المختال في برك حدائق الحيوان، ويحدجون أبناء البلاد باحتقار وينظرون إليهم النظر الشزر، كأنما هم حشرات تزحف فوق التراب العفن، أو ديدان تتمطى في الوحل الآسن. وكم في هذه الحياة من رؤى وصور تقذى بها الأعين، وتضوى بها الأجسام والأنفس، وكم على وجه الأرض من أعمال أناس يكون فيها العمى من نعم الله. فلا تذهب نفسك يا صديقي على ما فقدته حسرات، وليكن لك في عبد الله بن عباس أسوة مبصرة حين فقد بصره في أواخر عمره فقال: ففي لساني وسمعي منهما نور إن يسلب الله من عيني نورهما ولتنظر إلى بشار بن برد كيف ألهم الحكمة وملأ الآذان صوابا: وليس بعار أن يقال ضرير وعيرني الأعداء والعيب فيهم فإن عمى العينين ليس يضير إذا أبصر المرء المروءة والتقى وإني إلى تلك الثلاث فقير رأيت العمى أجرا وذخرا وعصمة صديقك عبد الرءوف اللبدي ... هذه العصبية الدينية الإسلامية التي تتزعمها السعودية أمر مخيف ... ففيه تعطيل لكل أمل لدينا -لدى إسرائيل - في أن نستطيع التعايش السلمي يوما مع غير التقدميين العرب ...

стр. 5145

فخير لنا أن تجاورنا نظم تقدمية مرتبطة بالمعسكر الاشتراكي الدولي. الذي من أساس دعوته السلام والتعايش بين مختلف النظم والجماعات والقوميات..من أن تجاورنا نظم رجعية إسلامية متعصبة لا نستطيع التعايش الفكري معها. عن جريدة كول هام الصادرة في تل أبيب

стр. 5146

أثر العقيدة في الفن الإسلامي بقلم الأستاذ رياض صالح جنزرلي منذ سنوات وأنا أبحث في مجال الفن وأثر العقيدة الإسلامية فيه، آملا بأن انتهى إلى الكشف عن جوانب هذه المؤثرات وأبعادها. وخاصة بعد أن حاول الكثيرون - ممن كتب في هذا المجال - هدم بعض هذه المؤثرات، أو صرفها إلى غير وجهتها الحقيقية، وقصر زمانها على فترة محدودة، وإعادة زمنها إلى عصر انتهى وقته، علماً بأن الإسلام جاء تشريعاً متكاملا لكل زمان ومكان في شتى أحكامه وتشريعاته, إلا ما كان منها خاضعاً لتطورات الحياة البشرية ولم يكن لها نص أو أثر في كتاب الله وسنة رسوله. ولعل أكثر من بحث في جوانب الفن الإسلامي تكلم عنه بصفة مجردة أو بصفة تاريخية، ولم يحاول البحث عن الأسباب التي جعلت هذا الفن فناً رائعاً جديداً من نوعه في العالم، وعن المؤثرات التي دفعته إلى هذا الطريق الجديد، وأكسبته روح الحياة والاستمرار والسيادة حتى تركت آثاره على ألبسة إمبراطور ألمانيا وكهنة أوروبا، والمنصة الأندلسية للملك البافاري (لودويك الثاني) مثالاً صارخاً على ذلك [١] . والبحث في موضوع كهذا خضع لكثير من الأهواء الشخصية والتأويلات والاحتمالات المفرطة، يحتاج إلى عودة تامة لمنابعه الأصلية، دون الاعتماد على تأويلات المحدَثين لئلا يجرفنا تيار التحلل والانفلات.

стр. 5147

كما يحتاج إلى معرفة واسعة أيضاً بأحكامه الشرعية إلى جانب موهبة فنية وشيء من التخصص في الفن الإسلامي الأمر الذي جعلني أرجع فيه إلى القديم، الذي فيه كل ما أريد، فبحثت في كتب الفقه والحديث، فلم أجد أحكامه إلا متفرقة وبشكل خاص في كتب الفقه، فأنت تجدها في حكم اللباس، وفي حكم إجابة الدعاء إلى الوليمة وحكم كسر الدف، وباب الحظر والإباحة، فهي غير مجتمعة في باب واحد مما دعاني إلى مزيد من البحث والتنقيب وإني لا أزال بصدد هذا الموضوع أجمع وأطالع ما يقع تحت يدي من كتب تتعلق به حتى تكتمل جوانبه لدي إن شاء الله. وأستطيع أن أبرزها لقراء المسلمين نقية سليمة خالية من كل شائبة. لم يكن الإسلام مفرطاً في أي حكم من أحكامه بل وزعها توزيعاً عادلاً وسطاً، إلى جانب من الشمول التام في هذه الأحكام بحيث أنها أحاطت المسلم بهالة إيمانية تامة نستطيع أن نرى آثارها في جوانب حياته عامة، وهذا الشمول التام والتكامل المتناهي يتضح لنا بقوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِيناً﴾ [٢] وهذا الشمول هو الذي جعل للمفن [٣] المسلم نصيباً وافياً في هذه العقيدة وأحكامها. والمفن إنسان يمتاز بمشاعره الرقيقة والحساسة التي تتأثر بكل ما حولها وتحاول أن تعبر عنها كيفما تشاء. وكما نرى من هذا التعريف للمفن بأن مجال الأهواء مفتوح للنفس وليس هناك من مقياس يلتزمه المفن في أعماله. لذا فقد جاء الإسلام بمبدأ الالتزام الذي حدد فيه الطرق التي ينبغي على المفن المسلم أن ينتهجها في أعماله الفنية، فلا يخضع للنفس وشهواتها أو الهوى وضلالاته، وخاصة في مسألة كهذه تعتمد على المشاعر النفسية الخاصة.

стр. 5148

إذا فقد جاءت الشريعة الإسلامية كموجه راشد يهدي للذي هو أقوم، ووينتشل البشرية من براثن الجهل والعذاب وضلالات النفوس وشرورها، ويقوِّمها على سبيل الحق والصلاح، ويأخذ بيدها إلى ما فيه خيرها ونجاتها. لذا حرَّمت على المسلم رسم كل ذي روح، وذلك بنصوص صحيحة صريحة جاءت في أمهات كتب الحديث والفقه الإسلامي، بعبارات لا تخضع لتأويل بعيد كان أو قريب وذلك لوضوحها ونصاعة نصوصها. ولم بك هذا التحريم إلا لإبعاد كل مظهر ينافي العقيدة الواحدة الصافية، ولمحو كل عهد جاهلي أو أثر وثني كان عليه الإنسان قبل أن يبصر طريق الهداية والرشاد. لذلك كان تحطيم الأصنام أو ل عمل قام به الرسول الأعظم صلوات الله وسلامه عليه، عندما فتح مكة المكرمة ودخل الكعبة، فلم يعد لها وجود في حياة العرب. وكذلك فعل المسلمون حينما فتحوا بلاد الروم فحطموا ما فيها من أصنام وأزالوا منها ما يتنافى مع الشريعة الإسلامية. كما حرم على المسلم صنعها وبيعها واقتناؤها لأنها دليل على الشرك والوثنية ومظهر من مظاهر العبودية لغير الله. وقد أشار إلى هذا ابن القيم ﵀ في كتابه زاد المعاد وكذلك الصنعاني في سبل السلام وغيرهما. ولم يكن التصوير بأقل شأنا من الأصنام، فقد نهى الإسلام عن التصوير وأنذر المصورين بأشد العقوبات، وذلك بأحاديث صحيحة تشير إلى أن أشد الناس عذباً يوم القيامة المصورون. فعن عمر رضي الله تعالى عنه أن الرسول الله ﷺ قال: "إن الذين يصنعون هذه الصور يعذبون يوم القيامة يقال لهم أحيوا ما خلقتم" [٤]

стр. 5149

وأخرج الترمذي وقال حسن صحيح عن جابر ﵁: "نهى رسول الله ﷺ عن الصور في البيت، ونهى أن يصنع ذلك". فإن أزيل من الصورة ما لا تبقى معه حياة لم تكره في المنصوص، بأن أزيل منها رأسها، أو لم يكن لها رأس، لا أن فصل رأسها عن بدنها بما يشابه الطوق مما يزيدها حسنا فهذا لا تزول به الحرمة [٥] . وقال النووي: "قال أصحابنا وغيرهم من العلماء: تصوير صورة الحيوان حرام شديد التحريم, وهو من الكبائر, لأنه متوعد عليه بالوعيد الشديد المذكور في الأحاديث, وسواء صنعه لما يمتهن أو لغيره فصنعته حرام بكل حال, لأن فيه مضاهاة لخلق الله تعالى, وسواء ما كان في ثوب أو بساط أو درهم أو دينار أو فلس, وإناء وحائط وغيرهما" [٦] وأما تصوير صورة الشجر وجبال الأرض وغير ذلك مما ليس فيه صور حيوان فليس بحرام. وهناك أحاديث أخرى تتضافر بالمعنى من ناحية تحريم صور ذوات الأرواح لا يتسع الوقت لتتبعها وسرد نصوصها هنا. ويكفينا أن الفقهاء قد أجمعوا على تحريم اتخاذ الصورة لكل ذي روح. ولم ينه الإسلام عن تصوير ذوات الأرواح فقط بل نهى أيضاً عن تعليق وتزيين الجدران بها، كما تبين هذا من حديث عائشة المشهور [٧] ومن أحاديث أخر، منها: عن أبي طلحة رضي الله تعالى عنه أن رسول الله ﷺ قال: "لا تدخل الملائكة بيتاً فيه كلب ولا صورة" رواه البخاري ومسلم والترمذي والنسائي وبن ماجة. وفي رواية مسلم: "لا تدخل الملائكة بيتاً فيه كلب ولا تماثيل". كما شمل هذا التحريم اللباس المصور عند بعضهم كما جاء في منظومة الآداب للشيخ محمد السفاريني الحنبلي بقوله: حوى صورة للحي في نص أحمد [٨] ويحرم ستر أو لباس الفتى الذي

стр. 5150

إن هذا التحريم لم يكن لهدف تخريبي كما قد يفهمه بعضهم، كما لم يكن يرمي إلى حجز المواهب الفنية والحد من نشاطها. إنما كان يهدف إلى ناحية معينة ومقصد محدد. وهو نقل الفرد المؤمن إلى حظيرة التوحيد والإسلام، وإبعاده عن كل أثر جاهلي، وصرف نظره عن كل ما يتصل بالجاهلية من أدران ومفاسد، وتنمية شعور الالتزام بالعقيدة الإسلامية وتشريعاتها. هذا من جانب ومن جانب آخر وهو الأهم، هو الحد من اتخاذ هذه الصور للشخصيات الإنسانية التي تستحق التعظيم ثم الانتهاء بعد أجيال إلى عبادتها، وقد حدث هذا في الأمم السابقة، وكنائس النصارى أكبر شاهد على هذا. فالإسلام دين أدرك الواقع ونظر إلى المستقبل، فجاء بمنهج سليم يضمن الحال والمآل لذلك كان لباب سد الذرائع فيه أثر كبير في حفظ الكيان الإسلامي. وقد يستغل بعض ما ذكرناه فيقول بأن التحريم كان بسبب عبادة الناس للأوثان حينما كانوا مشركين، والآن فقد آمن الناس جميعا، وبعدنا عن عهد الوثنية، إذاً فلا بقاء لحكم التحريم وفي هذا الادعاء جهل وتضليل. فأما الجهل: فإنه على الرغم من تقدم الإنسان وعلى الرغم من حضارته المادية الغالبة في هذا الزمان فإن الكثير من البشر لا زالت عقائدهم تقوم على خرافات وأوهام باطلة، ومنها ما يقوم على عبادة الأوثان والأبقار - كما عند البوذيين والهندوسيين - ولهذا فإن عنصر الوثنية والجاهلية لا يزال موجوداً لدى بعض الفئات من البشر إلى جانب الضلالات كبير في عبادات بعضهم.
следующие страницы →