Полный текст (23 804 стр.). Показаны 5146–5185 · переход к 5151.
стр. 5146
أثر العقيدة في الفن الإسلامي
بقلم الأستاذ رياض صالح جنزرلي
منذ سنوات وأنا أبحث في مجال الفن وأثر العقيدة الإسلامية فيه، آملا بأن انتهى إلى الكشف عن جوانب هذه المؤثرات وأبعادها. وخاصة بعد أن حاول الكثيرون - ممن كتب في هذا المجال - هدم بعض هذه المؤثرات، أو صرفها إلى غير وجهتها الحقيقية، وقصر زمانها على فترة محدودة، وإعادة زمنها إلى عصر انتهى وقته، علماً بأن الإسلام جاء تشريعاً متكاملا لكل زمان ومكان في شتى أحكامه وتشريعاته, إلا ما كان منها خاضعاً لتطورات الحياة البشرية ولم يكن لها نص أو أثر في كتاب الله وسنة رسوله.
ولعل أكثر من بحث في جوانب الفن الإسلامي تكلم عنه بصفة مجردة أو بصفة تاريخية، ولم يحاول البحث عن الأسباب التي جعلت هذا الفن فناً رائعاً جديداً من نوعه في العالم، وعن المؤثرات التي دفعته إلى هذا الطريق الجديد، وأكسبته روح الحياة والاستمرار والسيادة حتى تركت آثاره على ألبسة إمبراطور ألمانيا وكهنة أوروبا، والمنصة الأندلسية للملك البافاري (لودويك الثاني) مثالاً صارخاً على ذلك [١] .
والبحث في موضوع كهذا خضع لكثير من الأهواء الشخصية والتأويلات والاحتمالات المفرطة، يحتاج إلى عودة تامة لمنابعه الأصلية، دون الاعتماد على تأويلات المحدَثين لئلا يجرفنا تيار التحلل والانفلات.
стр. 5147
كما يحتاج إلى معرفة واسعة أيضاً بأحكامه الشرعية إلى جانب موهبة فنية وشيء من التخصص في الفن الإسلامي الأمر الذي جعلني أرجع فيه إلى القديم، الذي فيه كل ما أريد، فبحثت في كتب الفقه والحديث، فلم أجد أحكامه إلا متفرقة وبشكل خاص في كتب الفقه، فأنت تجدها في حكم اللباس، وفي حكم إجابة الدعاء إلى الوليمة وحكم كسر الدف، وباب الحظر والإباحة، فهي غير مجتمعة في باب واحد مما دعاني إلى مزيد من البحث والتنقيب وإني لا أزال بصدد هذا الموضوع أجمع وأطالع ما يقع تحت يدي من كتب تتعلق به حتى تكتمل جوانبه لدي إن شاء الله. وأستطيع أن أبرزها لقراء المسلمين نقية سليمة خالية من كل شائبة.
لم يكن الإسلام مفرطاً في أي حكم من أحكامه بل وزعها توزيعاً عادلاً وسطاً، إلى جانب من الشمول التام في هذه الأحكام بحيث أنها أحاطت المسلم بهالة إيمانية تامة نستطيع أن نرى آثارها في جوانب حياته عامة، وهذا الشمول التام والتكامل المتناهي يتضح لنا بقوله تعالى:
﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِيناً﴾ [٢]
وهذا الشمول هو الذي جعل للمفن [٣] المسلم نصيباً وافياً في هذه العقيدة وأحكامها.
والمفن إنسان يمتاز بمشاعره الرقيقة والحساسة التي تتأثر بكل ما حولها وتحاول أن تعبر عنها كيفما تشاء.
وكما نرى من هذا التعريف للمفن بأن مجال الأهواء مفتوح للنفس وليس هناك من مقياس يلتزمه المفن في أعماله. لذا فقد جاء الإسلام بمبدأ الالتزام الذي حدد فيه الطرق التي ينبغي على المفن المسلم أن ينتهجها في أعماله الفنية، فلا يخضع للنفس وشهواتها أو الهوى وضلالاته، وخاصة في مسألة كهذه تعتمد على المشاعر النفسية الخاصة.
стр. 5148
إذا فقد جاءت الشريعة الإسلامية كموجه راشد يهدي للذي هو أقوم، ووينتشل البشرية من براثن الجهل والعذاب وضلالات النفوس وشرورها، ويقوِّمها على سبيل الحق والصلاح، ويأخذ بيدها إلى ما فيه خيرها ونجاتها.
لذا حرَّمت على المسلم رسم كل ذي روح، وذلك بنصوص صحيحة صريحة جاءت في أمهات كتب الحديث والفقه الإسلامي، بعبارات لا تخضع لتأويل بعيد كان أو قريب وذلك لوضوحها ونصاعة نصوصها.
ولم بك هذا التحريم إلا لإبعاد كل مظهر ينافي العقيدة الواحدة الصافية، ولمحو كل عهد جاهلي أو أثر وثني كان عليه الإنسان قبل أن يبصر طريق الهداية والرشاد. لذلك كان تحطيم الأصنام أو ل عمل قام به الرسول الأعظم صلوات الله وسلامه عليه، عندما فتح مكة المكرمة ودخل الكعبة، فلم يعد لها وجود في حياة العرب. وكذلك فعل المسلمون حينما فتحوا بلاد الروم فحطموا ما فيها من أصنام وأزالوا منها ما يتنافى مع الشريعة الإسلامية. كما حرم على المسلم صنعها وبيعها واقتناؤها لأنها دليل على الشرك والوثنية ومظهر من مظاهر العبودية لغير الله. وقد أشار إلى هذا ابن القيم ﵀ في كتابه زاد المعاد وكذلك الصنعاني في سبل السلام وغيرهما.
ولم يكن التصوير بأقل شأنا من الأصنام، فقد نهى الإسلام عن التصوير وأنذر المصورين بأشد العقوبات، وذلك بأحاديث صحيحة تشير إلى أن أشد الناس عذباً يوم القيامة المصورون.
فعن عمر رضي الله تعالى عنه أن الرسول الله ﷺ قال: "إن الذين يصنعون هذه الصور يعذبون يوم القيامة يقال لهم أحيوا ما خلقتم" [٤]
стр. 5149
وأخرج الترمذي وقال حسن صحيح عن جابر ﵁: "نهى رسول الله ﷺ عن الصور في البيت، ونهى أن يصنع ذلك". فإن أزيل من الصورة ما لا تبقى معه حياة لم تكره في المنصوص، بأن أزيل منها رأسها، أو لم يكن لها رأس، لا أن فصل رأسها عن بدنها بما يشابه الطوق مما يزيدها حسنا فهذا لا تزول به الحرمة [٥] .
وقال النووي: "قال أصحابنا وغيرهم من العلماء: تصوير صورة الحيوان حرام شديد التحريم, وهو من الكبائر, لأنه متوعد عليه بالوعيد الشديد المذكور في الأحاديث, وسواء صنعه لما يمتهن أو لغيره فصنعته حرام بكل حال, لأن فيه مضاهاة لخلق الله تعالى, وسواء ما كان في ثوب أو بساط أو درهم أو دينار أو فلس, وإناء وحائط وغيرهما" [٦]
وأما تصوير صورة الشجر وجبال الأرض وغير ذلك مما ليس فيه صور حيوان فليس بحرام.
وهناك أحاديث أخرى تتضافر بالمعنى من ناحية تحريم صور ذوات الأرواح لا يتسع الوقت لتتبعها وسرد نصوصها هنا. ويكفينا أن الفقهاء قد أجمعوا على تحريم اتخاذ الصورة لكل ذي روح.
ولم ينه الإسلام عن تصوير ذوات الأرواح فقط بل نهى أيضاً عن تعليق وتزيين الجدران بها، كما تبين هذا من حديث عائشة المشهور [٧] ومن أحاديث أخر، منها:
عن أبي طلحة رضي الله تعالى عنه أن رسول الله ﷺ قال: "لا تدخل الملائكة بيتاً فيه كلب ولا صورة" رواه البخاري ومسلم والترمذي والنسائي وبن ماجة. وفي رواية مسلم: "لا تدخل الملائكة بيتاً فيه كلب ولا تماثيل". كما شمل هذا التحريم اللباس المصور عند بعضهم كما جاء في منظومة الآداب للشيخ محمد السفاريني الحنبلي بقوله:
حوى صورة للحي في نص أحمد [٨]
ويحرم ستر أو لباس الفتى الذي
стр. 5150
إن هذا التحريم لم يكن لهدف تخريبي كما قد يفهمه بعضهم، كما لم يكن يرمي إلى حجز المواهب الفنية والحد من نشاطها. إنما كان يهدف إلى ناحية معينة ومقصد محدد. وهو نقل الفرد المؤمن إلى حظيرة التوحيد والإسلام، وإبعاده عن كل أثر جاهلي، وصرف نظره عن كل ما يتصل بالجاهلية من أدران ومفاسد، وتنمية شعور الالتزام بالعقيدة الإسلامية وتشريعاتها. هذا من جانب ومن جانب آخر وهو الأهم، هو الحد من اتخاذ هذه الصور للشخصيات الإنسانية التي تستحق التعظيم ثم الانتهاء بعد أجيال إلى عبادتها، وقد حدث هذا في الأمم السابقة، وكنائس النصارى أكبر شاهد على هذا.
فالإسلام دين أدرك الواقع ونظر إلى المستقبل، فجاء بمنهج سليم يضمن الحال والمآل لذلك كان لباب سد الذرائع فيه أثر كبير في حفظ الكيان الإسلامي.
وقد يستغل بعض ما ذكرناه فيقول بأن التحريم كان بسبب عبادة الناس للأوثان حينما كانوا مشركين، والآن فقد آمن الناس جميعا، وبعدنا عن عهد الوثنية، إذاً فلا بقاء لحكم التحريم وفي هذا الادعاء جهل وتضليل.
فأما الجهل: فإنه على الرغم من تقدم الإنسان وعلى الرغم من حضارته المادية الغالبة في هذا الزمان فإن الكثير من البشر لا زالت عقائدهم تقوم على خرافات وأوهام باطلة، ومنها ما يقوم على عبادة الأوثان والأبقار - كما عند البوذيين والهندوسيين - ولهذا فإن عنصر الوثنية والجاهلية لا يزال موجوداً لدى بعض الفئات من البشر إلى جانب الضلالات كبير في عبادات بعضهم.
стр. 5151
وأما التضليل: فإن نصوص التحريم لم تكن لهذه العلة فقط، إنما جاءت لعلل كثيرة منها علة المضاهاة لخلق الله تعالى - تبارك الله أحسن الخالقين - وهي أهمها. وهذه العلة ملازمة لرسم ذوات الأرواح ولا تزول إلا بزوالها. وكل من حاول إخضاع الأحاديث الواردة لمثل تأويلات الادعاء السابق فقد أفرط إفراطاً كبيراً، وحملها مالا تحتمل، وزاغ بها عن طريقها الصحيح. فالمسلم ملتزم بالنصوص والعمل بها قبل أن يخضعها إلى أي تفسير وخاصة إذا كانت واضحة جلية.
كما لم يكن تحريم تصوير ذوات الأرواح في الإسلام لهدف قريب فقط، مقيد الأمد، بل هو لهدف بعيد، وهو الحافظ على الأجيال القادمة، ووقايتها من مكائد الشيطان، وحجزها عن الوقوع في الشرك بعد الإيمان. وإننا نلاحظ في زماننا الحاضر ما جلبه انتشار التصوير من فساد عارم شمل البشرية عامة، ولم تنج منه الأمة الإسلامية على الرغم من نصوص التحريم الصحيحة الصريحة، فلقد أصبح التصوير وسيلة هامة لعرض مفاسد الأخلاق في كثير من بقاع الأرض، والدفع بالناس إلى أحضان الرذيلة.
وهنا تتجلى روعة الإسلام وحكمته البالغة في هذا التحريم، لأنه خبير بنفوس البشر عليم بغرائزها وقد أراد لها النهوض بهذه الغرائز إلى المستوى اللائق بالإنسانية فلم يحرم عليها شيئاً، إلا وأباح لها ما يقوم مقامه ويسدّ مسدّه، ويفوقه في حسن عاقبته، لذا فقد أجاز للمسلم رسم كل شيء ما عدا الأرواح، وحديث ابن عباس واضح جلي:
стр. 5152
عن سعيد بن أبي الحسن رضي الله تعالى عنه قال: "جاء رجل إلى ابن عباس رضي الله تعالى عنه فقال: إني رجل أصور هذه الصور فأفتني فيها. فقال له: أدن مني، فدنا, ثم قال: أدن مني، فدنا حتى وضع يده على رأسه وقال: أنبئك بما سمعت من رسول الله ﷺ سمعت رسول الله ﷺ يقول: "كل مصوِّر في النار يجعل له بكل صورة صورها نفساً فيعذبه في جهنم" وقال ابن عباس فإن كنت ولابد فاعلا فاصنع الشجر وما لا نفس له" [٩] .
وقف المفن المسلم أمام هذه النصوص تتنازعه رغبتان: رغبة الفن الحبيسة في نفسه التي تطلب منه الخروج. ورغبة الالتزام بأمر الله ورسوله، لذلك بدأت عملية البحث عن منطلق سليم جديد، يحقق له رغبته ولا يتصادم مع تعاليم دينه، ويكون شاهداً على أصالته وغير مسبوق من أحد قبله، أي إيجاد أسلوب جديد يحطم ما كان قائما على أساس جاهلية ويعطي انطباعاً إسلامياً خالصاً.
وبالفعل بدأت عملية التفكير والتطوير لما يراه ثم يتبعها الإبداع الذي يصب فيه المفن أحاسيسه وذوقه. بدأ المفن المسلم يتفقد ما حوله وينظر إلى ما يراه محاولا أن يجرد الأشكال الطبيعية من صفتها الحقيقية مبتعداً عن أي شبهة في التحريم حتى ولو كان عمله مباحاً، محاولا أن يجعل أعماله في قوالب فنية بحتة رائعة، يمنحها عناصر جمالية فريدة من نوعها، وبذلك يكون قد انتهج أرقى خطة مثالية في التعبير عن المشاعر. فالفن يبدأ حينما يأخذ المفن في الانحراف عن المحاكاة الدقيقة للطبيعة. "ويفرض عليها (وزنا) من عنده (أشبه بأوزان الشعر) وفقا لما توحي به مشاعره وإحساساته بالجمال" [١٠] .
стр. 5153
وهكذا تكون العقيدة الإسلامية هي العامل الأول والأخير في قضية الفن الإسلامي وما وصل إليه من إبداع، فقد دفعت المفن المسلم إلى استغلال جميع قدراته العامة، فشحذ خياله لتحرير ما يراه حتى لا يطابق الطبيعة أو الواقع، فجاء فنه بطابع زخرفي بحت اعتبره بعضهم من أرقى الفنون.
لقد نظر المفن المسلم إلى الطبيعة بما فيها من ورود وزهور، وأوراق وغصون ولاحظ أشكالها وتمايلاتها وانحناءاتها، فجردها من واقعيتها وناغم بين حركاتها ثم كرر وناظر، وشابك وعانق، كل ذلك ضمن حركات فنية رائعة، وتوزيعات خلابة، وألوان ساحرة، ودقة متناهية لا نظير لها في باقي الفنون، حتى لتظن نفسك وأنت تنظر إلى زخرفة تشجيرية متشابكة وكأنك تائه في غابة متشابكة الغصون.
ونظر إلى ما يراه في أعمال المهندسين والرياضيين وما يرسمونه من أشكال هندسية، فأخذ عنها وراكب بعضها فوق بعض فكونت لديه أشكالا جميلة كالمسدسات والمثمنات والنجوميات وغيرها، فوزعها توزيعاً منطقياً دقيقاً متوازناً وجانس بينها، وجعل لنفسه نقاطًا ينطلق منها، فقرر بذلك قواعد وأصولا ثابتة اختص بها الفن الإسلامي.
ونظر أيضاً إلى ما يكتبه الناس في مراسلاتهم ومؤلفاتهم، وعلى الأخص كتابة القرآن الكريم الذي لاقى عناية بالغة لم يلقها كتاب في العالم، فاعتنى بخطوطه ونمقها وزخرفها ووشاها، وأبدع فيها غاية الإبداع فكان ما يسمى بالخط العربي الذي يعجز المقام بنا هنا عن استفاء حقه.
وفي كل هذا نرى المفن المسلم ينطلق من مبدأ الخلية الواحدة، واهباً الخلية الفنية صفة التوالد ليعمم بها الصفحة الفنية. ومبدأ الانطلاق من الأصل الواحد مبدأ أصيل في التصور الإسلامي النابع من تصور الإسلام للكون والحياة والإنسان.
стр. 5154
وأود أن أشير قبل أن أنهي كلمتي إلى أن الفن الإسلامي لم يكن في أي مرحلة من مراحله حكراً على فئة دون أخرى، أو منتشراً في طبقة دون غيرها إنما كان فناً شائعاً منتشراً في كل مكان وفي كل فئة دون تمايز أو تفاضل كشأنه في الفن الأوروبي في العصور الوسطى حيث كان حكراً على طبقة الأشراف والنبلاء.
كما أن الفن الإسلامي لم يستغل لخدمة الدين كما هو الحال في الفن المسيحي، فأنت لا تراه في كتب الإسلام الدينية على اختلافها. إنما وجهته العقيدة الإسلامية توجيهاً سليماً فقط لئلا يعزب على هواه.
رياض صالح جنزرلي
ماجستير لغة عربية دبلوم دراسات إسلامية عليا
شهادة الفنون التشكيلية
مكة
--------------------------------------------------------------------------------
[[١ مجلة فكر وفن عدد ١٩
[٢] سورة المائدة آية (٥)
[٣] كلمة مفن كمسن هي الأصح لغة أما فنان فمعناها في اللغة حمار الوحش راجع لسان العرب ج١٣/ ص٣٢٦.
[٤] رواه البخاري ومسلم.
[٥] غذاء الألباب ٢/١٦٤.
[٦] نفس المرجع ١/٣٩٧.
[٧] وهو حديث الستر المصور على الطاقة راجع رياض الصالحين ص٥٩٣
[٨] غذاء الألباب ج٢/٢٠٥
[٩] رواه البخاري ومسلم
[١٠] دائرة معارف الشعب ص ٤٦٥
стр. 5155
مشاهداتي في أوروبا والأمريكيتين وما حولهما
لفضيلة الشيخ سعد ندا
المدرس بالجامعة
كان من فضل الله ﵎ ونعمته على المغفور له جلالة الملك فيصل ﵀ وأسكنه أفسح جناته - أن وفقه إلى العناية بالدعوة الإسلامية، حتى أنه بذل لها جهوده المادية والمعنوية بإنفاق الأموال وبعث الدعاة إلى مختلف أنحاء المعمورة التي تعصف بها تيارات الفتن، ومد يد العون بكل وسائله على أشمل نطاق، من كل ما يسر الله تعالى له, ما ترك به أجل الآثار، بما لم يبلغه أي حاكم عصري في العالم، وبما لا سبيل لامرئ ما أن يجحده.
وفي الصيف الماضي، كنت - بتوفيق الله تعالى - واحد من هؤلاء الدعاة، فقد وافق الفيصل العظيم- غفر الله له - على سفري للدعوة إلى الله تعالى في غيانا بأمريكا الجنوبية لمدة شهرين ونصف.
وقد أحسست - عقب إبلاغي الموافقة السامية - بعظم المهمة، وثقل العبء، وضخامة الأمانة التي حملتها، وأهمية الرسالة التي كلفت بها، في آفاق جديدة لم يسبق لي طرقها، وبين شعوب متباينة العادات والأخلاق، وممزوجة المذاهب والمعتقدات. بيد أني وضعت رائدي قوله تعالى: ﴿وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ﴾ . ولم أتهيب قطع تلك المسافات الشاسعة، وولوج تلك الأقطار النائية، ذلك أني أحسست أن أي بقعة على سطح الأرض يظهر فيها وجه الإسلام إنما هي وطن كل مسلم، على ما قال القائل:
الشرق فيه كمثل الغرب سيان
ولست أدري سوى الإسلام لي وطنا
عددت أرجاءه من لب أوطاني
وكلما ذكر اسم الله في بلدٍ
стр. 5156
واستعنت بالله تعالى، وانطلقت جوا ميمما شطر تلك الآفاق، ماراً بانجلترا، ثم بكندا، ثم بترينيداد، حتى وصلت أخيراً إلى غيانا بأمريكا الجنوبية حيث ركزت نشاطي بالدعوة فيها طيلة شهرين، ثم عدت إلى نقطة انطلاقي بالمدينة المنورة مركز الإشعاع ومصدر النور إلى العالمين.
والحقيقة التي لمستها أن البلاد التي مررت بها قد غشي نواحي حياتها من مظاهر الحياة المادية الكثيرة. ففي كل مكان ترى آلات وعقولا إلكترونية تعمل على سرعة إنجاز العمل في وقت يسير. ولذا كان طابع الأعمال هناك السرعة المتناهية، وانعكس هذا على الناس، فهم ينطلقون إلى حيث يقصدون في خفة وسرعة حركة كانطلاق تلك الآلات، فلا تجد منهم من يقف متلكئا، أو من يسير متلفتا، أو من يتباطأ في حركاته مترددا، ومن ثم كان الإنتاج عندهم كثيرا، منظما، دقيقاً. فضلا عن ذلك فإن الغالب على حديث الناس هناك الاختصار ما أمكن، حتى أن كتابة الأسماء ونطقها بحروفها الأولى فحسب، والإجابة على السؤال بكلمة أو كلمتين، وربما تكون بمجرد الإشارة. فقلت حينذاك أبياتا منها:
من العرف والعادات والحضارة
وأبصرت فيها ما لم أشاهد مثيله
يضيع وقتا دون شغل وهمسة
ففي كل فج لا ترى المرء واقفا
جموع من النمل انبرت من خلية
ترى الناس فيها مسرعين كأنهم
وتبلغ حضارة تلك البلاد أوجها في الولايات المتحدة الأمريكية - التي مررت بها أثناء عودتي-حيث تمتلئ مدنها بأفخم المباني التي تسمى ناطحات السحاب وحيث يوجد بها كذلك أعلى ما أقيم من بناء في العالم كله، كما يوجد بها عديد من قناطر فوق الأنهار متقاطعة وعديد من الأنفاق تحت الأرض، وأنفاق امتدت لمدى بعيد تحت الأنهار.
стр. 5157
وبجانب هذه الحضارة المتشعبة في كل مظاهر الحياة، يوجد انحلال خلقي خطير؛ فالمرأة تسير في الطرقات شبه عارية، والرجل يقبل المرأة، ويخاصرها، ويعانقها، ويجلسها على فخذيه على أعين الناس دون مبالاة ولا حرج، إذ قد أصبحت هذه الأمور لديهم مشاهد عادية ترى في كل وقت وفي كل مكان، حتى تبلدت أحاسيس الناس، وماتت مشاعرهم تجاه هذه المشاهد الانحلالية، فلم ينكرها منهم منكر، ولم يثر ضدها منهم ثائر. ومن ثم فإن الشخص المسلم حين يخرج من محل إقامته إلى أي طريق عام، لا يحس للإسلام أدنى مظهر أو أقل أثر، بل يلمح سريعاً غربة الإسلام وأهله في تلك البلاد، خاصة وأن حكامها من اليهود والنصارى والشيوعيين.
стр. 5158
وقد زرت المراكز الإسلامية في تلك البلاد، وقابلت المسئولين بها، واستفسرت منهم عن مدى النشاط الذي تقوم به تلك المراكز، وتبين أن نشاطها محدود، إذ يقوم عليها بعض المسلمين الذين تسيطر عليهم البدعة والخرافة، والذين لا تدفعهم دوافع الرغبة الصادقة في إقامة صرح الإسلام في تلك البقاع، يؤدون عملا وظيفياً رتيباً يظهر تلك المراكز بمظهر باهت هزيل عاجز عن القيام بواجب الدعوة إلى هذا الدين القيم، ومن ثم لا تجد تلك المراكز أثرا فعالا في مجال الدعوة إلى الله، وتصحيح العقائد، والكشف عن حقائق الإسلام بما يرد كيد أعدائه، ويواجه الدعوات الزائفة والمبادئ الهدامة التي تحاول تحطيم الإسلام بأساليب متنوعة مثل الدعوة إلى: النوبية، والإليجية، والأحمدية (أو القديانية) والشيوعية، فضلا عن التخطيط اليهودي المقنع، والتبشير النصراني السافر. ومن ثم انتشرت تلك الدعوات الزائغة انتشارا له أثره الخارجي، بحيث أحاطت بالمسلمين في تلك المناطق، بل وتسربت إلى كثير منهم، وملأت عليهم حياتهم فاعتنقها بعضهم اعتناقا كليا، فبقي على إسلامه اسما وتجرد منه فعلا واعتنقها بعضهم اعتناقا جزئيا. وخلطها بما عرف من اليسير من الإسلام فشوه ولبّس به بصيص الحق الذي لديه.
стр. 5159
وقد نتج عن هذا كله أن المسلمين في تلك المناطق يَحْيَوْنَ حياة الضعف والهزال، ولا تتميز لهم شخصية عن غيرهم، بل إن حياتهم داخل بيوتهم بالاختلاط الشديد بين الرجال والنساء - وخارج بيوتهم - بالتزامهم زي غير المسلمين وسفور المرأة المزري- لا تفترق عن حياة غير المسلمين بحيث إذا دخلت بيتا - دون أن تُنبّه إلى أنه بيت مسلم - يصعب عليك أن تعرف أنه كذلك، وإذا قابلت مسلماً في أي طريق - دون أن تنبه أنه مسلم - من العسير عليك أن تعرف أنه كذلك أيضاً. وفوق ذلك لا يجد أدنى حرج في أن تظهر زوجته وبناته بهذا اللون السافر داخل بيته أمام غير المحارم، أو أن يسرن بجانبه على تلك الهيئة في الطرقات. بل أنه أكثر من ذلك إذا زرت مسلما في بيته أو دعاك لتناول طعامه، فإنه يسرع إلى تقديم زوجته وبناته ابتغاء السلام عليك ومصافحتك والجلوس إليك والتحدث معك، بل ومشاركتك على المائدة في تناول الطعام دون حياء.
فضلا عن ذلك فإن المسلمين في تلك البقاع تسمى بعضهم بأسماء عربية حرفت حتى ما تكاد تلمح عربيتها مما شابهت به أسماء غير المسلمين مثل اسم رمضان حرف إلى رمزا، ورمزان، ورام جون، واسم نذير حرف إلى اسم نادير. كما تسمى بعض المسلمين بأسماء غير إسلامية أو عربية مثل: بيير، وجولشير، وشيرين، ومورين، وزبار، وفرنكلين. الأمر الذي تنطق معه حالة المسلمين في تلك المناطق بذوبان شخصياتهم في غير المسلمين دون قصد منهم لذلك، بل مما توارثه خلفهم عن سلفهم ردحا طويلا من الزمن، لم يقم فيه بينهم ذو لسان صدق يمييز لهم الخبيث من الطيب، ويبصرهم - في جرأة المؤمن وشجاعة الناصح وإخلاص الموجه - بالحق الذي شرعه الله .
стр. 5160
وحين تبهت شخصية المسلمين في تلك البقاع إلى هذا الحد، مما يعنون من جهل مطبق لمبادئ دينهم، وطغيان البدع والخرافات على النذر اليسير الذي علموه، فلا تبدو لهذه الشخصية أي وزن يقوى على التأثير أو التغيير في واقع تلك الأمم، فإننا نلمح شخصية غير المسلمين - الذين يحادون الله ورسوله - بارزة طاغية، لها قوة التأثير والتغير، في قوة جماعية منظمة تبني حركتها على تخطيط مدروس له فعاليته وأهدافه.
ومن ثم أجد مما يناسب مقامي هذا أن ألقي بعض الضوء على تلك المنظمات المتجمعة المتباينة التي زاحمت المسلمين وملأت الجو من حولهم بالباطل، وحركت كوامن المعركة فأثارت نقعها وجلبتها فأصبح صوت الحق لا يكاد يسمعه أو يحس به أحد.
وإذا اتجه هذا الاتجاه، فإنني أهدف من ورائه إلى لفت المسلمين - حيثما كانوا - إلى خطورة تلك المنظمات، والحذر منها، وبذل كل وسائل الحيطة تجاهها، حتى يسكتوا أصواتها، ويخمدوا أنفاسها، ويقطعوا الطريق على من يخدعون بها ويتهافتون عليها.
وإليك - أخي المسلم - حقائق عن تلك المنظمات فيما يلي:
أولا: جمعية أنصار الله (النوبيون)
وهي جمعية لها بالغ خطورتها على الإسلام والمسلمين، إذ أنها منظمة يهودية لبست ثوب الإسلام لتلبس على الناس الحق بالباطل، هادفة من وراء ذلك إلى تشويه الإسلام وخلطه بغيره من الأديان الأخرى السالفة عليه، ومزج مبادئه بمبادئها حتى تذوب فيها، وتختفي حينذاك على مدى الزمن حقائق الإسلام.
وقد نشأت هذه الجمعية منذ أربع سنوات في الولايات المتحدة الأمريكية، واتخذت مركزا لها في بروكلين - نيويورك، وتسمت باسم خداع هو (جمعية أنصار الله) ، وأعضاؤها جميعا سود اللون.
стр. 5161
ومنذ عام أنشأت هذه الجمعية فرعا لها في دولة (ترينيداد وتوبيجو) لتنشر مبادئها في دول البحر الكاريبي، وتجذب إليها العديد من سود اللون الذين يشكلون أغلبية سكان تلك البلاد. وقد استطاع هذا الفرع - في خلال عام واحد - أن يجذب إليه ألف عضو.
والمتفطن يستطيع - في يسر - أن يلمح سرعة انجذاب الأعضاء إلى هذا الفرع - فضلا عن مركزه الرئيسي - وتزايدهم المستمر، وتكتلهم في قلب عاصمة ترينيداد.
وخلال بعثتي - في الصيف الماضي - إلى غيانا بأمريكا الجنوبية، يسر الله تعالى لي المرور ببورت أف سبية عاصمة ترينيداد، وأنبئت بوجود فرع تلك الجمعية بها، فعمدت إلى مقره، أحاول بذلك أن أستكشف حقيقة مبادئ تلك الجمعية حين ترامت إلي أنباء خطروتها. وقد وجدت هذا المقر قد بني من خشب على شكل المسجد، وأقيم على ربوة بين المساكن، فدخلته، واستقبلني به وكيل الفرع وبعض أعضائه، ولاحظت أنهم جميعاً سود اللون، وأن كلا منهم قد خرم أنفه من فتحته اليمنى وعلق عليه حلقة بيضاء، ووضع على صدره علماً على شكل مستطيل نصفه الأعلى أسود اللون، ونصفه الأسفل أخضر اللون، ورسم فيه هلال في وسطه ما يشبه الشعلة، ثم جُعل على يمين المستطيل مثلث أبيض قاعدته العرض الأيمن للمستطيل، وكتب على داخل ضلع القاعدة (لا إله إلا الله محمد رسول الله) ، وعلى داخل ضلع المثلث العلوي (ومحمد أحمد المهدي) ، وعلى داخل ضلع المثلث السفلي (خليفة رسول الله) . ورسم في وسط المثلث هلال بداخله النجمة السداسية (وهي نجمة إسرائيل) . وقد كتب تحت المستطيل المنوه عنه عبارة (جمعية أنصار الله) .
فضلا عن ذلك فقد رأيت كل عضو قد لبس في خنصر يده اليسرى خاتما نقشت عليه النجمة السداسية كذلك.
стр. 5162
وقد سألت وكيل الفرع عن سندهم في لبس حلقة الأنف والخاتم والعلم بالنجمة السداسية فأجابني بأن سندهم في ذلك نصوص من التوراة. فدعاني هذا الجواب إلى سؤاله عما إذا كانوا مسلمين، فأجابني بالإثبات، فسألته عن سبب التزامه بنصوص التوراة، فأجابني بأنهم يؤمنون بجميع الرسل ويتبعونهم جميعا، ويؤمنون بكل الكتب المنزلة وينفذون مقتضاها جميعا.
ثم أحضر لي نسخاً مترجمة إلى اللغة الإنجليزية من: القرآن، والإنجيل، والتوراة، والزبور كانت جميعا موضوعة فوق مكتبة في جانب المسجد. وقد لاحظت أنه قد وضعت أربعة طبول - طول كل منها قرابة متر ونصف في أركان المسجد الأربعة، فسألت وكيل الفرع عن سبب وضعها، فأجابني بأنهم يدقون عليها قبل الأذان وبعده.
وقد علمت من الوكيل المذكور أن الفرع يصدر مجلة خاصة باللغة الإنجليزية لا توزع إلا على الأعضاء. واستطعت - بحيلة ما - أن أحصل على بعض نسخ هذه المجلة، وقد وجدت غلافها يختلف في كل عدد عن الآخر، ويحمل - فضلا عن اسم جمعية الأنصار الله - شعارات مختلفة مثل. (علمنا المفقود) وهو العلم الذي يحمله كل عضو على صدره والسالف الإشارة إليه، ومثل: (إن الله يبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة من يجدد لها دينها) ، ومثل: (وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم) ، ومثل: (من فضلك لا تدمر) ومثل: (اللهم اغفرلي وارحمني) .
وقد تبين لي من قراءة أعداد المجلة المذكورة ما يأتي:
١- أن هذه الجمعية تتبع (محمد أحمد المهدي) السوداني، إذ أن الشعار على غلاف المجلة كتب عليه - كما أسلفت الذكر - (لا إله إلا لله محمد رسول الله، ومحمد أحمد المهدي خليفة رسول الله) .
٢- أن أعضاء هذه الجمعية كلهم من سود اللون.
стр. 5163
٣- أن الأعضاء ليسوا فقط منتسبين كأعضاء للأنصار في بوسطن (وهي تقع في شمال نيويورك بالولايات المتحدة الأمريكية) ، وفي بلاد البحر الكاريبي وإنما هم مترابطون كذلك مع الأنصار في السودان بإفريقيا.
٤- أن الرئيس الروحي العام للجمعية في أمريكا هو (الإمام عيسى عبد الله محمد المهدي) وهو ابن عم (سيد صديق المهدي) رئيس أنصار السودان بإفريقيا.
٥- أن الجمعية تجعل للأعضاء أئمة متعددين هم: الإمام عيسى عبد الله محمد المهدي ابن الإمام الهادي المهدي، والإمام سيد صديق المهدي ابن الإمام السيد صديق المهدي، والإمامان الهادي المهدي والسيد صديق المهدي ابنا الإمام عبد الرحمن المهدي وهو ابن الإمام محمد أحمد المهدي.
وتذكر المجلة عبارة ﵇ عقب كل إمام، كما تذكر أن الإمام الأخير هو السليل التاسع عشر للمصطفى محمد الأمين ﷺ السليل السادس والعشرون لإسماعيل ﷺ السليل الأول لإبراهيم ﷺ السليل المباشر لآدم ﷺ .
٦- أن المجلة تذكر أن النبي المصطفى محمد الأمين ﷺ كان أسود اللون مثل محمد أحمد المهدي (وتذكر المجلة عقبه: ﵇ ، وكذلك كان أسود اللون مثل آدم ﷺ .
وتذكر المجلة أن هذه التقريرات ليست تحيزا، وإنما هي لتوضيح الأخطاء، ولتفسير الحقائق، وأن الأعضاء - وهم النوبيون أي سود اللون - جميعا في سوادهم مثل الإمام عيسى عبد الله محمد المهدي.
٧- وتورد المجلة عهدا وموثقاً تقول: (آمنوا بالله كخالق وحيد، وآمنوا بجميع أنبيائه، وبالإمام محمد أحمد المهدي ﵇ كمهدي حقيقي مرسل لكل الناس في الدنيا. وآمنوا بكل ملائكته، وبكل كتبه المقدسة، وتعليمات المهدي ﵇. هذا هو النداء الأخير لجميع المسلمين لينضموا تحت جماعة واحدة هي المسماة: أنصار الله للعالم) .
стр. 5164
٨- وتذكر المجلة أن (الإمام محمد أحمد المهدي ﵇ المولود سنة ١٨٤٥م المتوفى سنة ١٨٨٥م كان عمله تجديد الإسلام لحالته الأصلية، وقمع البهتان، وإعداد مكان للنوبيين. وأنه بعد مائة سنة جاء الإمام المجدد عيسى عبد الله محمد المهدي - المولود سنة ١٩٤٥- الذي يناضل منذ سنين ليعيد الإسلام الصافي للمسلمين في العالم.
وهو الرئيس العام للأنصار في أمريكا وبلاد البحر الكاريبي الآن.
٩- وتذكر المجلة أن علمهم يخلق بين الناس أمور أربعة:
(١) الوحدة
(٢) الحب
(٣) الاحترام
(٤) الاهتمام.
١٠- كما تذكر المجلة (أن كثيرا من البلاد العربية عندها علم قريب الشبه من علمهم لأنهم يعلمون البذرة الحقة لإبراهيم (صلى الله لعيه وسلم) ، والمسلمين الحقيقيين الذين تكلم عنهم كثيرا المصطفى محمد الأمين ﷺ .
١١- كما تذكر المجلة أن النبي المصطفى محمد الأمين ﷺ قال: "إن الله يبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة من يجدد لها دينها".
١٢- كما تذكر المجلة عن أنس أن النبي ﷺ قال: "اسمعوا وأطيعوا وإن استعمل حبشي كأن رأسه زبيبة".
١٣- كما تذكر المجلة أن الإنجيل جاء فيه: (ثم نظرت فإذا خروف واقف على جبل صهيون ومعه مائة وأربعة وأربعون ألفا لهم اسم أبيه مكتوبا على جباههم) . كما جاء فيه: (بعد هذا نظرت وإذا جمع كثير لم يستطع أحد أن يعده من كل الأمم والقبائل والشعوب والألسنة واقفون أمام العرش وأمام الخروف مستترون بثياب بيض وفي أيديهم سعف النخل) .
стр. 5165
وإن دلت محتويات هذه المجلة على شيء فإنما تدل على أن هذه الجمعية تهدف - في تخطيط صهيوني عالمي منظم - إلى العبث بمبادئ الإسلام وخلطه بمبادئ أخرى زائفة تنقضه من الكتب السابقة التي نالتها جميعاً أيدي التحريف فلم تبقى منها أصولا ولا فروعا، وذلك كله ابتغاء تشويه حقائق الإسلام، وطمس معالمه تدريجيا، وجر أهله إلى متاهات من الزيغ والزيف والضلال.
إن هذه الأيدي الخفية العابثة المجرمة الأثيمة، التي تستحق أن تبتر كلية مع ذويها، تحتاج إلى استنهاض همم المسلمين وبعث أرواحهم، وتجميع قلوبهم، والاعتصام بدينهم للذود عن حياضه، ودفع تيارات الفكر الغادر الخائن من أهل الغدر والخيانة، وصد أمواج الإلحاد والرِّدّة التي تتردى فيها سراعا أفواج من عوام المسلمين وجهّالهم تحت ألوان متباينة من التأثيرات والدوافع العاتية.
стр. 5166
العدد ٣١
فهرس المحتويات
١-الدعوة إلى الله وما ينبغي أن يتحلى به الدعاة: لسماحة الشيخ عبد العزيز بن باز رئيس إدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد
٢-أضواء من التفسير: لفضيلة الشيخ عبد القادر شيبة الحمد
٣-رسائل لم يحملها البريد: لفضيلة الشيخ عبد الرؤوف اللبدي
٤-القرآن أساس الحكم الصالح: لفضيلة الشيخ محمود عبد الوهاب فايد
٥-رسالة إلى بيروت: لفضيلة الشيخ محمد مصطفى المجذوب
٦-توحيد الله (٢) : لفضيلة الشيخ عبد الله أحمد قادري
٧-العيد في الإسلام معناه وحقيقته: لفضيلة الشيخ محمد أمان علي
٨- نداء من الجامعة الإسلامية - عدوان جديد من اليهود على المسجد الإبراهيمي بمدينة الخليل
٩-تنزيه الأصحاب عن تنقص أبي تراب (٢) : لفضيلة الشيخ حمود عبد الله التويجري
١٠-من الأدب الإسلامي إليك يا أعز البنين: لفضيلة الشيخ إبراهيم محمد سرسيق
١١-الإعلام والدعوة الإسلامية: للدكتور طه عبد الفتاح مقلد
١٢-إلقاء الضوء القرآني (على كتابة الدكتور علوي حول النبهاني) : لفضيلة الشيخ عبد القادر حبيب السندي
١٣-اهتمام القرآن بالعلم: لفضيلة الشيخ أحمد عبد الرحيم السايح
١٤-القدرة المطلقة تستوجب العجز المطلق: لفضيلة الشيخ السعيد الشربيني الشرباصي
١٥-مسجد الملك فيصل في البرازيل: للشيخ أحمد واكد
١٦-العبادة حق لله وحده: إبراهيم بن علي الدغيري
١٧-من الصحف والمجلات - ((نظرة محمد إقبال إلى العلوم والآداب)) : إعداد العلاقات العامة
١٨-ماذا تعرف عن ... الكبد ... ؟ : للدكتور سيد أحمد عبد البر
١٩-ندوة الطلبة - إلى الشباب: قصيدة للطالب عبد الرحمن شميله
٢٠-العظات والعبر من هدي هجرة سيد البشر: للطالب عزيزو محمد
٢١-صرخة الحق: قصيدة للطالب حسين أحمد
٢٢-أخبار الجامعة: إعداد العلاقات العامة
٢٣-الفتاوى: لسماحة الشيخ عبد العزيز بن باز
عمادة البحث العلمي - جميع الحقوق محفوظة ١٤٢٣ هـ / ٢٠٠٢ م
стр. 5167
الدعوة إلى الله وما ينبغي أن يتحلى به الدعاة
لسماحة الشيخ عبد العزيز بن باز
رئيس إدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد
الحمد لله رب العالمين، والعاقبة للمتقين، ولا عدوان إلا على الظالمين وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، إله الأولين والآخرين، وقيوم السموات والأرضين، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، وخليله، وأمينه على وحيه، أرسله إلى الناس كافة، بشيرا ونذيرا، وداعيا إلى الله بإذنه وسراجا منيرا، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه الذين ساروا على طريقته في الدعوة إلى سبيله وصبروا على ذلك وجاهدوا فيه حتى أظهر الله بهم دينه، وأعلى كلمته ولو كره المشركون، وسلم تسليما كثيرا. أما بعد:
فإن الله إنما خلق الجن والإنس ليُعْبَد وحده لا شريك له، وليعظم أمره ونهيه، وليعرف بأسمائه وصفاته، كما قال : ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالأِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ .
وقال : ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ .
وقال : ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاَطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْماً﴾ .
فبين سبحانه أنه خلق الخلق ليعبد، ويعظم ويطاع أمره ونهيه، لأن العبادة هي توحيده وطاعته مع تعظيم أوامره ونواهيه، وبين أيضا أنه خلق السموات والأرض وما بينهما ليعلم أنه على كل شيء قدير، وأنه قد أحاط بكل شيء علما.
стр. 5168
فعلم بذلك أن من الحكمة في إيجاد الخليقة أن يعرف الله سبحانه بأسمائه وصفاته وأنه على كل شيء قدير، وأنه العالم بكل شيء جل وعلا، كما أن من الحكمة في خلقهم وإيجادهم أن يعبدوه ويعظموه ويقدسوه ويخضعوا لعظمته إذ العبادة هي الخضوع لله جل وعلا والتذلل له، وسميت الوظائف التي أمر الله بها المكلفين من أوامر وترك نواهي عبادة لأنها تُؤَدّي بالخضوع والتذلل لله .
ثم لما كانت العبادة لا يمكن أن تستقل بتفاصيلها العقول، كما أنه لا يمكن أن تعرف بها الأحكام من الأوامر والنواهي على التفصيل، أرسل الرسل، وأنزل الكتب لبيان الأمر الذي خَلق من أجله الخلق، ولإيضاحه وتفصيله للناس حتى يعبدوا الله على بصيرة، وحتى ينتهوا عما نهاهم عنه على بصيرة.
стр. 5169
فالرسل عليهم الصلاة والسلام هم هداة الخلق، وهم أئمة الهدى، وهم دعاة الثقلين جميعا إلى طاعة الله وعبادته، فالله سبحانه أكرم العباد بهم ورحمهم بإرسالهم إليهم، وأوضح على أيديهم الطريق السوي والصراط المستقيم، حتى يكون الناس على بينة من أمرهم، وحتى لا يقولوا: ما ندري ما أراده الله منا، ما جاءنا من بشير ولا نذير، ما نعرف مراد الله، فقطع الله المعذرة وأقام الحجة بإرسال الرسل، وأنزل الكتب كما قال جل وعلا: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ . وقال سبحانه: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلاَّ نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ . وقال : ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ﴾ الآية وقال سبحانه: ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ﴾ .
стр. 5170
فبين سبحانه أنه أرسل الرسل وأنزل معهم الكتب ليحكم بين الناس بالحق والقسط، وليوضح للناس ما اختلفوا فيه من الشرائع والعقائد، من توحيد الله وشريعته فإن قوله : ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ يعني على الحق لم يختلفوا من عهد آدم ﵊ إلى نوح كان الناس على الهدى كما قال ابن عباس ﵄ وجماعة من السلف والخلف، ثم وقع الشرك في قوم نوح فاختلفوا فيما بينهم، اختلفوا فيما يجب عليهم من حق الله، فلما وقع الشر والاختلاف أرسل الله نوحا ﵊ وبعده الرسل كما قال : ﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ﴾ وقال تعالى: ﴿وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ إِلاَّ لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ وَهُدىً وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ .
فالله أنزل الكتاب يبين حكم الله فيما اختلف فيه الناس، ويبين شرعه فيما جهله الناس، وليؤمر الناس بالتزام شرع الله، والوقوف عند حدود الله، وينهى الناس عما يضرهم في العاجل والآجل، وقد ختم الرسل جل وعلا بأفضلهم وبإمامهم وبسيدهم نبينا وسيدنا محمد بن عبد الله عليه من ربهم أفضل الصلاة والتسليم.
стр. 5171
فبلَّغ الرسالة وأدى الأمانة، ونصح الأمة وجاهد في الله حق جهاده، ودعا إلى الله سرا وجهرا، وأوذي في الله أشد الأذى ولكنه صبر على ذلك كما صبر مَنْ قبله مِنَ الرسل عليهم الصلاة والسلام. صبر كما صبروا، وبلغ كما بلغوا، ولكنه أُوذي أكثر، وصبر أكثر وقام بأعباء الرسالة أكمل قيام عليه وعليهم الصلاة والسلام. مكث ثلاثا وعشرين سنة يبلغ رسالات الله، ويدعو إليه، وينشر أحكامه، منها ثلاث عشرة سنة في أم القرى _ مكة المكرمة _ أولا بالسر ثم بالجهر، صدع بالحق وأُوذي وصبر على الدعوة وعلى أذى النَّاس مع أنهم يعرفون صدقه وأمانته ويعرفون فضله ونسبه ومكانته، ولكنه الهوى والحسد والعناد من الأكابر، والجهل والتقليد من العامة، فالأكابر جحدوا واستكبروا وحسدوا، والعامة قلدوا واتبعوا وأساؤوا، فأُذي بسبب ذلك أشد الأذى ﵊.
ويدلنا على أن الأكابر قد عرفوا الحق وعاندوا قوله سبحانه: ﴿قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ فَإِنَّهُمْ لا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾ .
стр. 5172
بين سبحانه أنهم لا يكذبون رسول الله ﷺ بل يعلمون صدقه وأمانته وكانوا يسمونه الأمين قبل أن يوحى إليه ﵊، ولكنهم جحدوا الحق حسدا وبغيا ونفاسة عليه ﵊ لكنه ﵊ لم يبال بذلك ولم يكترث به بل صبر واحتسب وسار في الطريق ولم يزل داعيا إلى الله جل وعلا، صابرا على الأذى مجاهدا بالدعوة كافا عن الأذى متحملا له صافحا عما يصدر منهم حسب الإمكان، حتى اشتد الأمر وعزموا على قتله ﵊ فعند ذلك أذن الله له بالخروج والهجرة إلى المدينة.. فهاجر إليها ﵊، وصارت عاصمة الإسلام الأولى وظهر فيها دين الله وصار للمسلمين دولة وقوة واستمر ﵊ في الدعوة وإيضاح الحق وشرع في الجهاد بالسيف وأرسل الرسل يدعون الناس إلى الخير والهدى ويشرحون لهم دعوة نبيهم محمد ﵊، وبث السرايا، وغزا الغزوات المعروفة حتى أظهر الله دينه على يديه وحتى أكمل الله به الدين وأتم عليه وعلى أمته النعمة ثم توفي ﵊ بعدما أكمل الله به الدين وبلغ البلاغ المبين ﵊ فتحمل أصحابه من بعده الأمانة وساروا على الطريق فدعوا إلى الله ، وانتشروا في أرجاء المعمورة دعاة للحق ومجاهدين في سبيل الله لا يخشون في الله لومة لائم يبلغون رسالات الله ويخشونه ولا يخشون أحدا إلا الله جل وعلا فانتشروا في الأرض غزاة مجاهدين ودعاة مهتدين وصالحين مصلحين ينشرون دين الله، ويعلمون الناس شريعته ويوضحون لهم العقيدة التي بعث الله بها الرسل، وهي إخلاص العبادة لله وحدة وترك عبادة ما سواه من الأشجار والأحجار والأصنام وغير ذلك، فلا يدعى إلا الله وحده، ولا يستغاث إلا به ولا يحكَّم إلا شرعه ولا يصلى إلا له ولا ينذر إلا به إلى غير ذلك من العبادات وأوضحوا للناس أن العبادة حق الله وتلوا عليهم ما ورد في
стр. 5173
ذلك من الآيات مثل قوله سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ﴾ ، ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ إِيَّاهُ﴾ ، ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ ، ﴿فَلا تَدْعُو مَعَ اللَّهِ أَحَداً﴾ ، ﴿قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ لا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾ . إلى غير ذلك من الآيات.
وصبروا على ذلك صبرا عظيما وجاهدوا في الله جهادا كبيرا ﵃ وأرضاهم وتبعهم على ذلك أئمة الهدى من التابعين وأتباع التابعين من العرب وغير العرب ساروا في هذا السبيل - سبيل الدعوة إلى الله وتحملوا أعبائها وأدوا الأمانة مع الصدق والصبر والإخلاص في الجهاد في سبيل الله وقتال من خرج عن دينه وصد عن سبيله ولم يؤدوا الجزية التي فرضها الله إذا كان من أهلها. فهم حملة الدعوة وأئمة الهدى بعد رسول الله ﷺ وهكذا أتباع الصحابة من التابعين وأتباع التابعين وأئمة الهدى ساروا على الطريق كما تقدم وصبروا في ذلك، وانتشر دين الله وعلت كلمته على أيدي الصحابة ومن تبعهم من أهل العلم والإيمان من العرب والعجم من هذه الجزيرة جنوبها وشمالها ومن غير الجزيرة من سائر أرجاء الدنيا، ممن كتب الله له السعادة ودخل في دين الله وشارك في الدعوة والجهاد وصبر على ذلك وصارت لهم السيادة والقيادة والإمامة في الدين بسبب صبرهم وإيمانهم وجهادهم في سبيل الله وصدق فيهم قوله سبحانه فيما ذكر في بني إسرائيل ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآياتِنَا يُوقِنُونَ﴾ صدق هذا في أصحاب الرسول ﷺ وفي من سار على سبيلهم صاروا أئمة وهداة ودعاة للحق وأعلاما يقتدى بهم بسبب صبرهم وإيقانهم.
стр. 5174
فإن بالصبر واليقين تنال الإمامة في الدين فأصحاب الرسول ﵊ وأتباعه بإحسان إلى يومنا هذا هم الأئمة وهم الهداة وهم القادة في سبيل الحق، وبذلك يتضح لنا جميعا، ويتضح لكل طالب علم أن الدعوة إلى الله من أهم المهمات وأن الأمة في كل زمان ومكان في أشد الحاجة إليها بل في أشد الضرورة إلى ذلك ولذا رأيت أن تكون هذه المحاضرة في شأن الدعوة ويتخلص الكلام في الدعوة إلى الله في أمور:
الأمر الأول: حكمها وفضلها.
الأمر الثاني: كيفية أدائها وأساليبها.
الأمر الثالث: بيان الأمر الذي يدعى إليه.
الأمر الرابع: بيان الأخلاق والصفات التي ينبغي للدعاة أن يتخلقوا بهما وأن يسروا عليهما فنقول - وبالله المستعان وعليه التكلان جل وعلا وهو المعين والموفق لعباده :
الأمر الأول: بيان حكم الدعوة إلى الله وبيان فضلها:
стр. 5175
أما حكمها: فقد دلت الأدلة من الكتاب والسنة على وجوب الدعوة إلى الله وأنها من الفرائض والأدلة في ذلك كثيرة منها قوله سبحانه: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ . ومنها قوله جل وعلا: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّك الْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ . ومنها قوله : ﴿وَادْعُ إِلَى رَبِّكَ وَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ . ومنها قوله سبحانه: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي﴾ . فبين سبحانه أن أتباع الرسول ﷺ هم الدعاة إلى الله وهم أهل البصائر والواجب كما هو معلوم هو اتباعه والسير على منهاجه ﵊ كما قال تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً﴾ .
стр. 5176
وصرح العلماء أن الدعوة إلى الله فرض كفاية بالنسبة إلى الأقطار التي يقوم فيها الدعاة فإن كل قطر وكل إقليم يحتاج إلى الدعوة وإلى النشاط فيها فهي فرض كفاية إذا قام بها من يكفي سقط عن الباقين.. ذلك الواجب وصارت الدعوة في حق الباقين سنة مؤكدة وعملا صالحا جليلا وإذا لم يقم أهل الإقليم أو أهل القطر المعين بالدعوة على التمام صار الإثم عاما وصار الواجب على الجميع وعلى كل إنسان أن يقوم بالدعوة حسب طاقته وإمكانه. أما بالنظر إلى عموم البلاد فالواجب أن يوجد طائفة منتصبة تقوم بالدعوة إلى الله جل وعلا في أرجاء المعمورة تبلغ رسالات الله وتبين أمر الله بالطرق الممكنة فإن الرسول ﷺ قد بعث الدعاة وأرسل الكتب إلى الناس وإلى الملوك والرؤساء ودعاهم إلى الله وفي وقتنا اليوم قد يسر الله أمر الدعوة أكثر بطرق لم يدركها من قبلنا ولم تحصل لمن قبلنا فأمور الدعوة اليوم متيسرة أكثر من طرق كثيرة وإقامة الحجة على الناس اليوم ممكنة بطرق كثيرة: عن طريق الإذاعة عن طر يق التلفزة - عن طريق الصحافة - من طرق شتى.. فالواجب على أهل العلم والإيمان وعلى خلفاء الرسول أن يقوموا بهذا الواجب وأن يتكاتفوا فيه وأن يبلغوا رسالات الله إلى عباد الله ولا يخشون في الله لومة لائم ولا يحابون في ذلك كبيرا ولا صغيرا ولا غنيا ولا فقيرا بل يبلغون أمر الله إلى عباد الله كما أنزل الله وكما شرع الله وقد يكون ذلك فرض عين إذا كنت في مكان ليس فيه من يؤدي ذلك سواك كالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فإنه يكون فرض عين ويكون فرض كفاية. فإن كنت في مكان ليس فيه من يقوى على هذا الأمر ويبلغ أمر الله سواك فالواجب عليك أنت أن تقوم بذلك فأما إذا وجد من يقوم بالدعوة والتبليغ والأمر والنهي غيرك فإنه يكون حينئذ في حقك سنة وإذا بادرت إليه وحرصت عليه كنت بذلك منافسا في الخيرات ومسابقا إلى الطاعات. ومما احتج به
стр. 5177
على أنها فرض كفاية قوله جل وعلا: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْر﴾ الآية.
قال الحافظ ابن كثير عند هذه الآية وجماعة ما معناه: ولتكن منكم أمة منتصبة لهذا الأمر العظيم تدعوا إلى الله وتنشر دينه وتبلغ أمره ومعلوم أيضا أن الرسول ﵊ دعا إلى الله وقام بأمر الله في مكة حسب طاقته وقام الصحابة كذلك ﵃ وأرضاهم بذلك حسب طاقتهم ثم لما هاجروا قاموا بالدعوة أكثر وأبلغ ولما انتشروا في البلاد بعد وفاته ﵊ قاموا بذلك أيضا ﵃ وأرضاهم كل على قدر طاقته وعلى قدر علمه.
فعند قلة الدعاة وعند كثرة المنكرات وعند غلبة الجهل كحالنا اليوم تكون الدعوة فرض عين على كل واحد بحسب طاقته وإذا كان في محل محدود كقرية ومدينة ونحو ذلك ووجد فيها تولى هذا الأمر وقام به وبلغ أمر الله كفى وصار التبليغ في حق غيره سنة لأنه قد أُقيمت الحجة على يد غيره ونفذ أمر الله على يد سواه. ولكن بالنسبة إلى بقية أرض الله وإلى بقية الناس يجب على العلماء حسب طاقتهم وعلى ولاة الأمر حسب طاقتهم أن يبلغوا أمر الله بكل ما يستطيعون وهذا فرض عين عليهم بالتعيين على حسب الطاقة والقدرة وبهذا يعلم أن كونها فرض عين وكونها فرض كفاية أمر نسبي يختلف.
стр. 5178
فقد تكون الدعوة فرض عين بالنسبة إلى أقوام وإلى أشخاص وسنة بالنسبة إلى أشخاص وإلى أقوام لأنه وجد في محلهم وفي مكانهم من قام بالأمر وكفى عنهم أما بالنسبة إلى ولاة الأمور ومن لهم القدرة الواسعة فعليهم من الواجب أكثر وعليهم أن يبلغوا الدعوة إلى ما استطاعوا من الأقطار حسب الإمكان بالطرق الممكنة وباللغات الحية التي ينطق بها الناس. يجب أن يبلغوا أمر الله بتلك اللغات حتى يصل دين الله إلى كل أحد باللغة التي يعرفها: باللغة العربية وبغيرها فإن الأمر الآن ممكن وميسور بالطرق التي تقدم بيانها.. طرق الإذاعة والتلفزة والصحافة وغير ذلك من الطرق التي تيسرت اليوم ولم تتيسر في السابق كما أنه يجب على الخطباء في الاحتفالات وفي الجمع وفي غير ذلك أن يبلغوا ما استطاعوا من أمر الله وأن ينشروا دين الله حسب طاقتهم وحسب علمهم. ونظرا إلى انتشار الدعوة إلى المبادئ الهدامة وإلى الإلحاد وإنكار رب العباد وإنكار الرسالات وإنكار الآخرة وانتشار الدعوة النصرانية في الكثير من البلدان وغير ذلك من الدعوات المضلِّلة نظرا إلى هذا فإن الدعوة إلى الله اليوم أصبحت فرضا عاما وواجبا عاما على جميع العلماء وعلى جميع الحكام الذين يدينون بالإسلام فرض عليهم أن يبلغوا دين الله حسب الطاقة والإمكان بالكتابة وبالخطابة وبالإذاعة وبكل وسيلة استطاعوها وألا يتقاعسوا عن ذلك أو يتكلوا على زيد أو عمرو فإن الحاجة بل الضرورة ماسة اليوم إلى التعاون والاشتراك والتكاتف في هذا الأمر العظيم أكثر مما كان قبل ذلك لأن أعداء الله قد تكاتفوا وتعاونوا بكل وسيلة للصد عن سبيل الله والتشكيك في دينه ودعوة الناس إلى ما يخرجهم من دين الله فوجب على أهل الإسلام أن يقابلوا هذا النشاط المضل وهذا النشاط الملحد بنشاط إسلامي وبدعوة إسلامية على شتى المستويات وبجميع الوسائل وبجميع الطرق الممكنة وهذا من باب أداء ما أوجب الله على عباده من
стр. 5179
الدعوة إلى سبيله.
فضل الدعوة:
وقد ورد في فضل الدعوة والدعاة آيات وأحاديث كثير كما أنه ورد في إرسال النبي ﷺ الدعاة أحاديث لا تخفى على أهل العلم ومن ذلك قوله جل وعلا: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحاً وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ . فهذه الآية الكريمة فيها التنويه بالدعاة والثناء عليهم وأنه لا أحد أحسن قولا منهم وعلى رأسهم الرسول ﵊ ثم أتباعه على حسب مراتبهم في الدعوة والعلم والفضل فأنت يا عبد الله يكفيك شرفا أن تكون من أتباع الرسل ومن المنتظمين في هذه الآية الكريمة ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحاً وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ المعنى لا أحد أحسن قولا منه لكونه دعا إلى الله وأرشد إليه وعمل بما يدعو إليه يعني دعا إلى الحق وعمل به وأنكر الباطل وحذر منه وتركه ومع ذلك صرح بما هو عليه ولم يخجل بل قال: إنني من المسلمين.. مغتبطا وفرحا بما مَنَّ الله به عليه ليس كمن يستنكف عن ذلك ويكره أن ينطق بأنه مسلم أو بأنه يدعو إلى الإسلام لمراعاة فلان أو مجاملة فلان ولا حول ولا قوة إلى بالله. بل المؤمن الداعي إلى الله القوي الإيمان البصير بأمر الله يصرح بحق الله وينشط في الدعوة إلى الله ويعمل بما يدعو إليه ويحذر ما ينهى عنه فيكون من أسرع الناس إلى ما يدعو إليه ومن أبعد الناس عن كل ما ينهى عنه ومع ذلك يصرح بأنه مسلم وبأنه يدعو إلى الإسلام ويغتبط بذلك ويفرح به كما قال : ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾ .
стр. 5180
فالفرح برحمة الله فرح الاغتباط.. فرح السرور.. أمر مشروع، أما الفرح المنهي عنه فهو فرح الكبر والمرح هذا هو المنهي عنه كما قال في قصة قارون: ﴿لا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ﴾ . هذا فرح الكبر والتعالي على الناس والتعاظم وهذا هو الذي ينهى عنه أما فرح الاغتباط والسرور بدين الله والفرح بهداية الله والاستبشار بذلك والتصريح بذلك ليعلم فأمر مشروع وممدوح ومحمود فهذه الآية الكريمة من أوضح الآيات في الدلالة على فضل الدعوة وأنها من أهم القربات ومن أفضل الطاعات وأن أهلها في غاية من الشرف وفي أرفع مكانة وعلى رأسهم الرسل عليهم الصلاة والسلام ومن ذلك قوله جل وعلا: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي﴾ . فبين سبحانه أن الرسول يدعو على بصيرة وأن أتباعه كذلك فهذا فيه فضل الدعوة وأن أتباع الرسول ﷺ هم الدعاة إلى سبيله على بصيرة والبصيرة هي العلم يما يدعو إليه وما ينهى عنه وفي هذا شرف لهم وتفضيل وقال النبي الكريم ﵊ في الحديث الصحيح: "من دل عل خير فله مثل أجر فاعله". رواه مسلم في الصحيح.. وقال ﵊: "من دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور من تبعه لا ينقص ذلك من أجورهم شيئا ومن دعا إلى ضلالة كان عليه من الإثم مثل آثام من تبعه لا ينقص ذلك من آثامهم شيئا". أخرجه مسلم أيضا. وهذا يدل على فضل الدعوة إلى الله وصح عنه ﵇ أنه قال لعلي ﵁ وأرضاه: "فوالله لأن يهدي الله بك رجلا واحدا خير لك من حمر النعم". متفق على صحته، وهذا أيضا يدلنا على فضل الدعوة إلى الله وما فيها من الخير العظيم وأن الداعي إلى الله جل وعلا يعطي مثل أجور من هداه الله على يديه ولو كآلاف الملايين تعطى أيها الداعية مثل أجورهم فهنيئا لك أيها الداعية إلى الله بهذا الخير العظيم وبهذا يتضح أيضا
стр. 5181
أن الرسول ﵊ يعطى مثل أجور أتباعه فيالها من نعمة عظيمة يعطى نبينا ﵊ مثل أجور أتباعه إلى يوم القيامة لأنه بلغهم رسالة الله ودلهم على الخير ﵊ وهكذا الرسل يعطون مثل أُجور أتباعهم عليهم الصلاة والسلام وأنت كذلك أيها الداعية في كل زمان تعطى مثل أجور أتباعك والقابلين لدعوتك فاغتنم هذا الخير العظيم وسارع إليه.
كيفية الدعوة:
أما كيفية الدعوة أسلوبها فقد بين الله في كتابه الكريم وفيما جاء في سنة نبيه ﵊ ومن أوضح ذلك قوله تعالى جل وعلا: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ . فأوضح سبحانه الكيفية التي ينبغي أن يقوم بها الداعية ويسلكها. يبدأ أولا بالحكمة والمراد بها الأدلة المقنعة الواضحة الكاشفة للحق والداحضة للباطل ولهذا قال بعض المفسرين المعنى: "بالقرآن"لأنه الحكمة العظيمة لأن فيه البيان والإيضاح للحق بأكمل وجه وقال بعضهم معناه: "بالأدلة من الكتاب والسنة"وبكل حال فالحكمة كلمة عظيمة معناها الدعوة إلى الله بالعلم وبالبصيرة والأدلة الواضحة المقنعة الكاشفة للحق والمبينة له وهي كلمة مشتركة تطلق على معان كثيرة تطلق على النبوة وعلى العلم والفقه في الدين وعلى العقل وعلى الورع وعلى أشياء أخرى وهي في الأصل كما قال الشوكاني ﵀: "الأمر الذي يمنع عن السفه هذه هي الحكمة"والمعنى أن كل كلمة وكل مقالة تردعك عن السفه وتزجرك عن الباطل فهي حكمة وهكذا كل مقال واضح صريح صحيح في نفسه فهو حكمة فالآيات القرآنية أولى بأن تسمى حكمة وهكذا السنة الصحيحة أولى بأن تسمى حكمة بعد كتاب الله وقد سماها الله حكمة في كتابه العظيم كما في قوله جل وعلا: ﴿وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾ يعني السنة فالأدلة الواضحة تسمى حكمة والكلام الواضح المصيب
стр. 5182
للحق يسمى حكمة كما تقدم ومن ذلك الحكمة التي تكون في فم الفرس سميت بذلك لأنها تمنع الفرس من المضي في السير إذا جذبها صاحبها بهذه الحكمة.
فالحكمة كلمة تمنع من سمعها من المضي في الباطل وتدعوه إلى الأخذ بالحق والتأثر به والوقوف عند الحد الذي حده الله . فعلى الداعية إلى الله أن يدعو بالحكمة ويبدأ بها ويعنى بها. فإذا كان المدعو عنده بعض الجفاء والاعتراض دعوته بالموعظة الحسنة بالآيات والأحاديث التي فيها الوعظ والترغيب والترهيب فإن كان عنده شبهة جادلته بالتي هي أحسن ولا تغلظ عليه بل تصبر عليه ولا تعجل ولا تٌعنّف بل تجتهد في كشف الشبهة وإيضاح الأدلة هكذا ينبغي لك أيها الداعية أن تتحمل وتصبر ولا تشدد لأن هذا أقرب إلى الانتفاع بالحق وقبوله وتأثر المدعو وصبره على المجادلة والمناقشة وقد أمر الله جل وعلا موسى وهارون لما بعثهما إلى فرعون أن يقولا له قولا لينا وهو أطغى الطغاة قال الله جل وعلا في أمره لموسى وهارون: ﴿فَقُولا لَهُ قَوْلاً لَيِّناً لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى﴾ وقال الله سبحانه في نبيه محمد ﵊: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾ . الآية.. فعلم بذلك أن الأسلوب الحكيم والطريق المستقيم في الدعوة أن يكون في ذلك حكيما في الدعوة بصيرا بأسلوبها لا يعجل ولا يُعنّف بل يدعو بالحكمة وهي المقال الواضح المصيب للحق من الآيات والأحاديث وبالموعظة الحسنة والجدال بالتي هي أحسن هذا هو الأسلوب الذي ينبغي لك في الدعوة إلى الله .
стр. 5183
أما الدعوة بالجهل فهذا يضر ولا ينفع كما يأتي بيان ذلك إن شاء الله عند ذكر أخلاق الدعاة لأن الدعوة مع الجهل بالأدلة قول على الله بغير علم وهكذا الدعوة بالعنف والشدة ضررها أكبر وإنما الواجب والمشروع ما بيَّنه الله في آية النحل وهي قوله سبحانه: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ﴾ الآية أما الشيء الذي يدعى إليه ويجب على الدعاة أن يوضحوه للناس كما أوضحه الرسل عليهم الصلاة والسلام فهو الدعوة إلى صراط الله المستقيم وهو الإسلام وهو دين الله الحق، هذا هو محل الدعوة كما قال سبحانه: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّك﴾ فسبيل الله جل وعلا هو الإسلام وهو الصراط المستقيم وهو دين الله الذي بعث به نبيه محمدا ﵊ هذا هو الذي يدعى إليه وتجب الدعوة إليه لا إلى مذهب فلان ولا إلى رأي فلان ولكن إلى دين الله إلى صراط الله المستقيم الذي بعث الله به نبيه وخليله محمدا ﵊ وهو ما دل عليه القرآن العظيم والسنة المطهرة الثابتة عن رسول الله ﵊ وعلى رأس ذلك الدعوة إلى العقيدة الصحيحة إلى الإخلاص لله وتوحيده بالعبادة والإيمان به وبرسله والإيمان باليوم الآخر وبكل ما أخبر الله به ورسوله هذا هو أساس الصراط المستقيم وهو الدعوة إلى شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله ومعنى ذلك الدعوة إلى توحيد الله والإخلاص له والإيمان به وبرسله عليهم الصلاة والسلام ويدخل في ذلك الدعوة إلى الإيمان بكل ما أخبر الله به ورسله مما كان وما يكون من أمر الآخرة وأمر آخر الزمان وغير ذلك. ويدخل في ذلك أيضا الدعوة إلى ما أوجب الله من إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة وصوم رمضان وحج البيت إلى غير ذلك ويدخل أيضا الدعوة إلى الجهاد في سبيل الله والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والأخذ بما شرع الله في الطهارة والصلاة والمعاملات والنكاح والطلاق والجنايات والنفقات والحرب والسلم وفي كل
стр. 5184
شيء لأن دين الله دين شامل يشمل مصالح العباد في المعاش والمعاد ويشمل كل ما يحتاج إليه الناس في أمر دينهم ودنياهم ويدعو إلى مكارم الأخلاق ومحاسن الأعمال وينهى عن سفساف الأخلاق وعن سيئ الأعمال فهو عبادة وقيادة يكون عابدا ويكون قائدا للجيش عبادة وحكم يكون عابدا مصليا صائما ويكون حاكما بشرع الله منفذا لأحكامه . عبادة وجهادا يدعو إلى الله ويجاهد في سبيل الله من خرج عن دين الله. مصحف وسيف: يتأمل القرآن ويتدبره وينفذ أحكامه بالقوة ولو بالسيف إذا دعت الحاجة إليه. سياسة واجتماع فهو يدعو إلى الأخلاق الفاضلة والأخوة الإيمانية والجمع بين المسلمين والتأليف بينهم كما قال جل وعلا: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا﴾ . فدين الله يدعو إلى الاجتماع وإلى السياسة الصالحة الحكيمة التي تجمع ولا تفرق.. تؤلف ولا تباعد.. تدعو إلى صفاء القلوب واحترام الأخوة الإسلامية والتعاون على البر والتقوى والنصح لله ولعباده وهو أيضا يدعو إلى أداء الأمانة والحكم بالشريعة وترك الحكم بغير ما أنزل الله كما قال سبحانه: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ﴾ وهو أيضا سياسة واقتصاد كما أنه سياسة وعبادة وسياسة وجهاد فهو يدعو إلى الاقتصاد الشرعي المتوسط ليس رأسماليا غاشما ظالما لا يبالي بالحرمات وبجمع المال بكل وسيلة وبكل طريق وليس اقتصادا شيوعيا إلحاديا لا يحترم أموال الناس ولا يبالي بالضغط عليهم ولا بظلمهم والعدوان عليهم فليس هذا ولا هذا بل هو وسط بين الاقتصادين وسط بين الطرفين وحق بين الباطلين فالغرب عظموا المال وغلوا في حبه وفي جمعه حتى جمعوه بكل وسيلة واستحلوا فيه ما حرم الله والشرق من الملحدين من السوفيت ومن سلك سبيلهم لم يحترموا أموال العباد بل أخذوها واستحلوها ولم
стр. 5185
يبالوا بما فعلوا في ذلك بل استعبدوا العباد اضطهدوا الشعوب وكفروا بالله وأنكروا الأديان وقالوا لا إله والحياة مادة فلم يبالوا بهذا المال ولم يكترثوا من أخذه بغير حله ولم يكترثوا بوسائل الإبادة والاستعباد واستيلاء الأموال والحيلولة بين الناس وبين ما فطرهم الله عليه منم الكسب والانتفاع والاستفادة من قدراتهم ومن عقولهم وما أعطاهم الله من الأدوات فلا هذا ولا هذا فالإسلام جاء يحفظ المال واكتسابه بالطرق الشرعية البعيدة عن الظلم والغشم والرباء وظلم الناس والتعدي عليهم كما جاء باحترام الملك الفردي والجماعي فهو وسط بين النظامين وبين الاقتصادين وبين الطريقين الغاشمين فأباح المال ودعا إليه ودعا إلى اكتسابه بالطرق الحكيمة من غير أن يشغل كاسبه عن طاعة الله ورسوله وعن أداء ما أوجب الله عليه ولهذا قال : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾ . وقال النبي ﵊: "كل المسلم على المسلم حرام دمه وماله وعرضه" وقال: "إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا". وقال ﵊: "لأن يأخذ أحدكم حبلة فيأتي بحزمة من حطب على ظهره فيبيعها فيكف الله بها وجهه خير له من سؤال الناس أعطوه أو منعوه". وسئل ﷺ : "أي الكسب أطيب"فقال: "عمل الرجل بيده وكل بيع مبرور". وقال ﵊: "ما أكل أحدٌ طعاما أفضل من أن يأكل من عمل يده وكان نبي الله داود يأكل من عمل يده". فهذا يبين لنا أن نظام الإسلام في المال نظام متوسط لا مع رأس المال الغاشم من الغرب وأتباعه ولا مع الشيوعيين الملحدين الذين استباحوا الأموال وأهدروا حرمات أهلها لم يبالوا بها واستعبدوا الشعوب وقضوا عليها واستحلوا ما حرم الله منها. فلك أن تكسب المال وتطلبه بالطرق الشرعية وأنت أولى بمالك وبكسبك بالطريقة
следующие страницы →