Полный текст (23 804 стр.). Показаны 5181–5220 · переход к 5186.
стр. 5181
أن الرسول ﵊ يعطى مثل أجور أتباعه فيالها من نعمة عظيمة يعطى نبينا ﵊ مثل أجور أتباعه إلى يوم القيامة لأنه بلغهم رسالة الله ودلهم على الخير ﵊ وهكذا الرسل يعطون مثل أُجور أتباعهم عليهم الصلاة والسلام وأنت كذلك أيها الداعية في كل زمان تعطى مثل أجور أتباعك والقابلين لدعوتك فاغتنم هذا الخير العظيم وسارع إليه.
كيفية الدعوة:
أما كيفية الدعوة أسلوبها فقد بين الله في كتابه الكريم وفيما جاء في سنة نبيه ﵊ ومن أوضح ذلك قوله تعالى جل وعلا: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ . فأوضح سبحانه الكيفية التي ينبغي أن يقوم بها الداعية ويسلكها. يبدأ أولا بالحكمة والمراد بها الأدلة المقنعة الواضحة الكاشفة للحق والداحضة للباطل ولهذا قال بعض المفسرين المعنى: "بالقرآن"لأنه الحكمة العظيمة لأن فيه البيان والإيضاح للحق بأكمل وجه وقال بعضهم معناه: "بالأدلة من الكتاب والسنة"وبكل حال فالحكمة كلمة عظيمة معناها الدعوة إلى الله بالعلم وبالبصيرة والأدلة الواضحة المقنعة الكاشفة للحق والمبينة له وهي كلمة مشتركة تطلق على معان كثيرة تطلق على النبوة وعلى العلم والفقه في الدين وعلى العقل وعلى الورع وعلى أشياء أخرى وهي في الأصل كما قال الشوكاني ﵀: "الأمر الذي يمنع عن السفه هذه هي الحكمة"والمعنى أن كل كلمة وكل مقالة تردعك عن السفه وتزجرك عن الباطل فهي حكمة وهكذا كل مقال واضح صريح صحيح في نفسه فهو حكمة فالآيات القرآنية أولى بأن تسمى حكمة وهكذا السنة الصحيحة أولى بأن تسمى حكمة بعد كتاب الله وقد سماها الله حكمة في كتابه العظيم كما في قوله جل وعلا: ﴿وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾ يعني السنة فالأدلة الواضحة تسمى حكمة والكلام الواضح المصيب
стр. 5182
للحق يسمى حكمة كما تقدم ومن ذلك الحكمة التي تكون في فم الفرس سميت بذلك لأنها تمنع الفرس من المضي في السير إذا جذبها صاحبها بهذه الحكمة.
فالحكمة كلمة تمنع من سمعها من المضي في الباطل وتدعوه إلى الأخذ بالحق والتأثر به والوقوف عند الحد الذي حده الله . فعلى الداعية إلى الله أن يدعو بالحكمة ويبدأ بها ويعنى بها. فإذا كان المدعو عنده بعض الجفاء والاعتراض دعوته بالموعظة الحسنة بالآيات والأحاديث التي فيها الوعظ والترغيب والترهيب فإن كان عنده شبهة جادلته بالتي هي أحسن ولا تغلظ عليه بل تصبر عليه ولا تعجل ولا تٌعنّف بل تجتهد في كشف الشبهة وإيضاح الأدلة هكذا ينبغي لك أيها الداعية أن تتحمل وتصبر ولا تشدد لأن هذا أقرب إلى الانتفاع بالحق وقبوله وتأثر المدعو وصبره على المجادلة والمناقشة وقد أمر الله جل وعلا موسى وهارون لما بعثهما إلى فرعون أن يقولا له قولا لينا وهو أطغى الطغاة قال الله جل وعلا في أمره لموسى وهارون: ﴿فَقُولا لَهُ قَوْلاً لَيِّناً لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى﴾ وقال الله سبحانه في نبيه محمد ﵊: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾ . الآية.. فعلم بذلك أن الأسلوب الحكيم والطريق المستقيم في الدعوة أن يكون في ذلك حكيما في الدعوة بصيرا بأسلوبها لا يعجل ولا يُعنّف بل يدعو بالحكمة وهي المقال الواضح المصيب للحق من الآيات والأحاديث وبالموعظة الحسنة والجدال بالتي هي أحسن هذا هو الأسلوب الذي ينبغي لك في الدعوة إلى الله .
стр. 5183
أما الدعوة بالجهل فهذا يضر ولا ينفع كما يأتي بيان ذلك إن شاء الله عند ذكر أخلاق الدعاة لأن الدعوة مع الجهل بالأدلة قول على الله بغير علم وهكذا الدعوة بالعنف والشدة ضررها أكبر وإنما الواجب والمشروع ما بيَّنه الله في آية النحل وهي قوله سبحانه: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ﴾ الآية أما الشيء الذي يدعى إليه ويجب على الدعاة أن يوضحوه للناس كما أوضحه الرسل عليهم الصلاة والسلام فهو الدعوة إلى صراط الله المستقيم وهو الإسلام وهو دين الله الحق، هذا هو محل الدعوة كما قال سبحانه: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّك﴾ فسبيل الله جل وعلا هو الإسلام وهو الصراط المستقيم وهو دين الله الذي بعث به نبيه محمدا ﵊ هذا هو الذي يدعى إليه وتجب الدعوة إليه لا إلى مذهب فلان ولا إلى رأي فلان ولكن إلى دين الله إلى صراط الله المستقيم الذي بعث الله به نبيه وخليله محمدا ﵊ وهو ما دل عليه القرآن العظيم والسنة المطهرة الثابتة عن رسول الله ﵊ وعلى رأس ذلك الدعوة إلى العقيدة الصحيحة إلى الإخلاص لله وتوحيده بالعبادة والإيمان به وبرسله والإيمان باليوم الآخر وبكل ما أخبر الله به ورسوله هذا هو أساس الصراط المستقيم وهو الدعوة إلى شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله ومعنى ذلك الدعوة إلى توحيد الله والإخلاص له والإيمان به وبرسله عليهم الصلاة والسلام ويدخل في ذلك الدعوة إلى الإيمان بكل ما أخبر الله به ورسله مما كان وما يكون من أمر الآخرة وأمر آخر الزمان وغير ذلك. ويدخل في ذلك أيضا الدعوة إلى ما أوجب الله من إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة وصوم رمضان وحج البيت إلى غير ذلك ويدخل أيضا الدعوة إلى الجهاد في سبيل الله والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والأخذ بما شرع الله في الطهارة والصلاة والمعاملات والنكاح والطلاق والجنايات والنفقات والحرب والسلم وفي كل
стр. 5184
شيء لأن دين الله دين شامل يشمل مصالح العباد في المعاش والمعاد ويشمل كل ما يحتاج إليه الناس في أمر دينهم ودنياهم ويدعو إلى مكارم الأخلاق ومحاسن الأعمال وينهى عن سفساف الأخلاق وعن سيئ الأعمال فهو عبادة وقيادة يكون عابدا ويكون قائدا للجيش عبادة وحكم يكون عابدا مصليا صائما ويكون حاكما بشرع الله منفذا لأحكامه . عبادة وجهادا يدعو إلى الله ويجاهد في سبيل الله من خرج عن دين الله. مصحف وسيف: يتأمل القرآن ويتدبره وينفذ أحكامه بالقوة ولو بالسيف إذا دعت الحاجة إليه. سياسة واجتماع فهو يدعو إلى الأخلاق الفاضلة والأخوة الإيمانية والجمع بين المسلمين والتأليف بينهم كما قال جل وعلا: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا﴾ . فدين الله يدعو إلى الاجتماع وإلى السياسة الصالحة الحكيمة التي تجمع ولا تفرق.. تؤلف ولا تباعد.. تدعو إلى صفاء القلوب واحترام الأخوة الإسلامية والتعاون على البر والتقوى والنصح لله ولعباده وهو أيضا يدعو إلى أداء الأمانة والحكم بالشريعة وترك الحكم بغير ما أنزل الله كما قال سبحانه: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ﴾ وهو أيضا سياسة واقتصاد كما أنه سياسة وعبادة وسياسة وجهاد فهو يدعو إلى الاقتصاد الشرعي المتوسط ليس رأسماليا غاشما ظالما لا يبالي بالحرمات وبجمع المال بكل وسيلة وبكل طريق وليس اقتصادا شيوعيا إلحاديا لا يحترم أموال الناس ولا يبالي بالضغط عليهم ولا بظلمهم والعدوان عليهم فليس هذا ولا هذا بل هو وسط بين الاقتصادين وسط بين الطرفين وحق بين الباطلين فالغرب عظموا المال وغلوا في حبه وفي جمعه حتى جمعوه بكل وسيلة واستحلوا فيه ما حرم الله والشرق من الملحدين من السوفيت ومن سلك سبيلهم لم يحترموا أموال العباد بل أخذوها واستحلوها ولم
стр. 5185
يبالوا بما فعلوا في ذلك بل استعبدوا العباد اضطهدوا الشعوب وكفروا بالله وأنكروا الأديان وقالوا لا إله والحياة مادة فلم يبالوا بهذا المال ولم يكترثوا من أخذه بغير حله ولم يكترثوا بوسائل الإبادة والاستعباد واستيلاء الأموال والحيلولة بين الناس وبين ما فطرهم الله عليه منم الكسب والانتفاع والاستفادة من قدراتهم ومن عقولهم وما أعطاهم الله من الأدوات فلا هذا ولا هذا فالإسلام جاء يحفظ المال واكتسابه بالطرق الشرعية البعيدة عن الظلم والغشم والرباء وظلم الناس والتعدي عليهم كما جاء باحترام الملك الفردي والجماعي فهو وسط بين النظامين وبين الاقتصادين وبين الطريقين الغاشمين فأباح المال ودعا إليه ودعا إلى اكتسابه بالطرق الحكيمة من غير أن يشغل كاسبه عن طاعة الله ورسوله وعن أداء ما أوجب الله عليه ولهذا قال : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾ . وقال النبي ﵊: "كل المسلم على المسلم حرام دمه وماله وعرضه" وقال: "إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا". وقال ﵊: "لأن يأخذ أحدكم حبلة فيأتي بحزمة من حطب على ظهره فيبيعها فيكف الله بها وجهه خير له من سؤال الناس أعطوه أو منعوه". وسئل ﷺ : "أي الكسب أطيب"فقال: "عمل الرجل بيده وكل بيع مبرور". وقال ﵊: "ما أكل أحدٌ طعاما أفضل من أن يأكل من عمل يده وكان نبي الله داود يأكل من عمل يده". فهذا يبين لنا أن نظام الإسلام في المال نظام متوسط لا مع رأس المال الغاشم من الغرب وأتباعه ولا مع الشيوعيين الملحدين الذين استباحوا الأموال وأهدروا حرمات أهلها لم يبالوا بها واستعبدوا الشعوب وقضوا عليها واستحلوا ما حرم الله منها. فلك أن تكسب المال وتطلبه بالطرق الشرعية وأنت أولى بمالك وبكسبك بالطريقة
стр. 5186
التي شرعها الله وأباحها جل وعلا.
والإسلام أيضا يدعو إلى الأخوة الإيمانية وإلى النصح لله ولعباده وإلى احترام المسلم لأخيه لا غل ولا حسد ولا غش ولا خيانة ولا غير ذلك من الأخلاق الذميمة كما قال جل وعلا: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ . وقال جل وعلا: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ . وقال النبي ﷺ : "المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يحتقره ولا يخذله" الحديث. فالمسلم أخو المسلم يجب عليه احترامه وعدم احتقاره ويجب عليه إنصافه وإعطاؤه حقه من كل الوجوه التي شرعها الله قال ﷺ : "المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضا" وقال ﷺ : "المؤمن مرآة أخيه المؤمن". فأنت يا أخي مرآة أخيك وأنت لبنة من البناء الذي قام عليه بنيان الأخوة الإيمانية فاتق الله في حق أخيك واعرف حقه وعامله بالحق والنصح والصدق وعليك أن تأخذ الإسلام كله ولا تأخذ جانبا دون جانب. لا تأخذ العقيدة وتدع الأحكام والأعمال ولا تأخذ الأعمال والأحكام وتدع العقيدة بل خذ الإسلام كله خذه عقيدة وعملا وقولا وعبادة وجهادا واجتماعا وسياسة واقتصادا وغير ذلك خذه من كل الوجوه كما قال سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً وَلا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ . قال جماعة من السلف معنى ذلك ادخلوا في السلم جميعه يعني في الإسلام يقال للإسلام سلم لأنه طريق السلامة وطريق النجاة في الدنيا والآخرة فهو سلم وإسلام. فالإسلام يدعو إلى السلم. يدعو إلى حقن الدماء بما شرع من الحدود والقصاص والجهاد الشرعي الصادق فهو سلم وإسلام وأمن وإيمان ولهذا قال جل وعلا: ﴿ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ﴾ . أي ادخلوا في جميع شعب الإيمان في جميع خصال الإيمان لا تأخذوا بعضا وتدعوا بعضا عليكم أن تأخذوا بالإسلام كله ﴿وَلا
стр. 5187
تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ﴾ يعني المعاصي التي حرمها الله فإن الشيطان يدعو إلى المعاصي وإلى ترك دين الله كله فهو أعدا عدو ولهذا يجب على المسلم أن يتمسك بالإسلام كله وأن يدين بالإسلام كله وأن يعتصم بحبل الله جل وعلا وأن يحذر أسباب الفرقة والاختلاف في جميع الأحوال فعليك أن تحكم شرع الله في العبادات وفي المعاملات وفي النكاح والطلاق وفي النفقات وفي الرضاع وفي السلم والحرب ومع العدو والصديق وفي الجنايات وفي كل شيء. دين الله يجب أن يحكم في كل شيء وإياك أن توالي أخاك لأنه وافقك في كذا وتعادي الآخر لأنه خالفك في رأي أو في مسألة فليس هذا من الإنصاف فالصحابة ﵃ اختلفوا في مسائل ومع ذلك لم يؤثر ذلك في الصفاء بينهم والموالاة والمحبة ﵃ وأرضاهم فالمؤمن يعمل بشرع الله ويدين بالحق ويقدمه على كل أحد بالدليل ولكن لا يحمله ذلك على ظلم أخيه وعدم إنصافه إذا خالفه في الرأي في مسائل الاجتهاد التي قد يخفى دليلها وهكذا في المسائل التي قد يختلف في تأويل النص فيها فإنه قد يعذر فعليك أن تنصح له وأن تحب له الخير ولا يحملك ذلك على العداء والانشقاق وتمكين العدو منك ومن أخيك ولا حول ولا قوة إلا بالله.
стр. 5188
الإسلام دين العدالة.. دين الحكم بالحق وبالإحسان.. دين المساواة إلا فيما استثنى الله ففيه الدعوة إلى كل خير وفيه الدعوة إلى مكارم الأخلاق ومحاسن الأعمال والإنصاف والعدالة والبعد عن كل خلق ذميم قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالأِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ والخلاصة أن الواجب على الداعية الإسلامي أن يدعو إلى الإسلام كله ولا يفرق بين الناس وألا يكون متعصبا لمذهب دون مذهب أو لقبيلة دون قبيلة أو لشيخه أو رئيسه أو غير ذلك بل الواجب أن يكون هدفه إثبات الحق وإيضاحه واستقامة الناس عليه وإن خالف رأي فلان أو فلان أو فلان. ولما نشأ في الناس من يتعصب للمذاهب ويقول: إن مذهب فلان أولى من مذهب فلان جاءت الفرقة والاختلاف حتى آل ببعض الناس هذا الأمر إلى أن لا يصلي مع من هو على غير مذهبه فلا يصلي الشافعي خلف الحنفي ولا الحنفي خلف المالكي ولا خلف الحنبلي هكذا وقع من بعض المتطرفين المتعصبين.. وهذا من البلاء ومن اتباع خطوات الشيطان فالأئمة أئمة هدى الشافعي ومالك وأحمد وأبو حنيفة والأوزاعي وإسحاق بن راهويه وأشباههم كلهم أئمة هدى ودعاة حق دعوا الناس إلى دين الله وأرشدوهم إلى الحق ووقع هناك مسائل بينهم اختلفوا فيها لخفاء الدليل فهم بين مجتهد مصيب له أجران وبين مجتهد أخطأ الحق فله أجر واحد فعليك أن تعرف لهم قدرهم وفضلهم وأن تترحم عليهم وأن تعرف أنهم أئمة الإسلام ودعاة الهدى ولكن لا يحملك ذلك على التعصب والتقليد الأعمى فتقول: مذهب فلان أولى بالحق بكل حال أو مذهب فلان أولى بالحق
стр. 5189
بكل حال لا يخطئ. لا هذا غلط، عليك أن تأخذ بالحق وأن تتبع الحق إذا ظهر دليله ولو خالف فلانا أو فلانا وعليك ألا تتعصب وأن لا تقلد تقليدا أعمى بل تعرف لهم فضلهم وقدرهم ولكن مع ذلك تحتاط لنفسك.. تحتاط لدينك.. تأخذ بالحق وترشد إليه وترضى به إذا طلب منك وتخاف الله وتراقبه جل وعلا تنصف من نفسك مع إيمانك بأن الحق واحد وأن المجتهدين إن أصابوا فلهم أجران وإن أخطؤوا فلهم أجر أعني مجتهدي أهل السنة.. أهل العلم والإيمان والهدى..
أما المقصود من الدعوة والهدف منها:
فالمقصود والهدف إخراج الناس من الظلمات إلى النور وإرشادهم إلى الحق حتى يأخذوا به وينجوا من النار وينجوا من غضب الله وإخراج الكافر من ظلمة الكفر إلى النور والهدى وإخراج العاصي من ظلمة الجهل إلى العلم والعاصي من ظلمة المعصية إلى نور الطاعة هذا هو المقصود من الدعوة.
كما قال جل وعلا: ﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾ فالرسل بعثوا لإخراج الناس من الظلمات إلى النور ودعاة الحق كذلك يقومون بالدعوة وينشطون لها لإخراج الناس من الظلمات إلى النور ولإنقاذهم من النار ومن طاعة الشيطان ولإنقاذهم من طاعة الهوى إلى طاعة الله ورسوله.
أما أخلاق الدعاة وصفاتهم التي ينبغي أن يكونوا عليها فقد أوضحها الله جل وعلا في آيات كثيرة منها: الإخلاص.
فيجب على الداعية أن يكون مخلصا لله لا يريد رياء ولا سمعة ولا ثناء الناس ولا حمدهم.. إنما يدعو لله يريد وجهه كما قال الله سبحانه: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ﴾ ، ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ﴾ . فعليك أن تخلص لله هذا أهم الأخلاق.. هذا أعظم الصفات أن تكون في دعوتك تريد وجه الله والدار الآخرة..
стр. 5190
الأمر الثاني: أن تكون على بينة في دعوتك أي على علم لا تكن جاهلا بما تعدو إليه ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَة﴾ فلا بد من العلم فالعلم فريضة فإياك أن تدعو على جهالة وإياك أن تتكلم فيما لا تعلم فالجاهل قد يهدم ولا يبْني وقد يُفسد ولا يُصلح فاتق الله يا عبد الله.. إياك أن تقول على الله بغير علم لا تدعو إلى شيء إلا بعد العلم به والبصيرة بما قاله الله ورسوله فلابد من بصيرة وهي العلم فعلى طالب العلم وعلى الداعية أن يتبصروا فيما يدعو إليه وأن ينظر فيما يدعو إليه ودليله فإن ظهر له الحق وعرف الحق ودعا إلى ذلك سواء كان فعلا أو تركا فيدعو إلى الفعل إذا كان طاعة لله ورسوله يدعو إلى ترك ما نهى الله عنه ورسوله على بينة وبصيرة.
الأمر الثالث: من الأخلاق التي ينبغي لك أن تكون عليها أيها الداعية أن تكون حليما في دعوتك رفيقا فيها متحملا صبورا كما فعل الرسل عليهم الصلاة والسلام إياك والعجلة.. إياك والعنف والشدة عليك بالصبر.. عليك بالحلم.. عليك بالرفق في دعوتك فقد سبق لك بعض الدليل على ذلك كقوله جل وعلا: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ وقوله سبحانه: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ﴾ الآية وقوله جل وعلا في قصة موسى وهارون: ﴿فَقُولا لَهُ قَوْلاً لَيِّناً لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى﴾ وفي الحديث الصحيح يقول النبي ﷺ : "اللهم مَن وَليََ من أمر المسلمين شيئا فَرَفق بهم فارفق به ومن ولي من أمر أمتي شيئا فشق عليهم فاشقق عليه".
стр. 5191
فعليك يا عبد الله أن ترفق في دعوتك ولا تشق على الناس ولا تنفرهم من الدين ولا تنفرهم بغلظتك ولا بجهلك ولا بأسلوبك العنيف المؤذي الضار عليك أن تكون حليما صبورا سلس القياد لين الكلام طيب الكلام حتى تؤثر في قلب أخيك وحتى تؤثر في قلب المدعو وحتى يأنس لدعوتك ويلين لها ويتأثر بها. ويثني عليك بها ويشكرك عليها أما العنف والشدة فهو منفر لا مقرب..
ومن الأخلاق والأوصاف التي ينبغي بل يجب أن يكون عليها الداعية العمل بدعوته وأن يكون قدوة صالحة فيما يدعو إليه ليس ممن يدعو إلى شيء ثم يتركه أو ينهى عنه ثم يرتكبه هذه حال الخاسرين نعوذ بالله من ذلك أما المؤمنون الرابحون فهم دعاة الحق يعملون به وينشطون فيه ويسارعون إليه ويبتعدون عما ينهون عنه قال الله جل وعلا: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لا تَفْعَلُونَ كَبُرَ مَقْتاً عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لا تَفْعَلُونَ﴾ وصح عن النبي ﷺ أنه قال: "يؤتى بالرجل يوم القيامة فيلقى في النار فتندلق أقتاب بطنه فيدور فيها كما يدور الحمار بالرحى فيجتمع عليه أهل النار فيقولون له يا فلان مالك؟ ألم تكن تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر.. فيقول بلى كنت آمركم بالمعروف ولا آتيه وأنهاكم عن المنكر وآتيه".
стр. 5192
نعوذ بالله من ذلك هذه حال من دعا إلى الله وأمر بالمعروف ونهى عن المنكر ثم خالف قوله فعله وفعله قوله نعوذ بالله من ذلك. فمن أهم الأخلاق ومن أعظمها في حق الداعية أن يعمل بما يدعو إليه وأن ينتهي عما نهى عنه أن يكون ذا خلق فاضل وسيرة حميدة وصبر ومصابة وإخلاص في دعوته واجتهاد فيما يوصل الخير إلى الناس وفيما يبعدهم من الباطل ومع ذلك يدعو لهم مع دعوته يدعو لهم بالهداية هذا من الأخلاق الفاضلة أن تدعو لهم بالهداية وتقول للمدعو هداك الله وفقك الله لقبول الحق أعانك الله على قبول الحق.. تدعوه وترشده وتصبر على الأذى ومع ذلك تدعو له بالهداية.. قال النبي ﵊ لما قيل عن دوس أنهم عصوا قال: "اللهم أهد دوسا وآت بهم". تدعو له بالهداية والتوفيق بقبول الحق وتصبر وتصابر في ذلك ولا تقنط ولا تيأس ولا تقل إلا خيرا لا تعنف ولا تقل كلاما شينا ينفر من الحق لكن من ظلم وتعدى له شأن آخر كما قال الله جل وعلا: ﴿وَلا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلاَّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلاَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ . فالظالم الذي يقابل الدعوة بالشر والعناد والأذى له حكم آخر في الإمكان تأديبه على ذلك بالسجن أو غيره ويكون تأديبه على ذلك على حسب مراتب الظلم لكن ما دام كافا عن الأذى فعليك أن تصبر عليه وتحتسب وتجادله بالتي هي أحسن وتصفح عما يتعلق بشخصك من بعض الأذى كما صبر الرسل وأتباعهم بإحسان..
وأسأل الله أن يوفقنا جميع لحسن الدعوة إليه وأن يصلح قلوبنا وأعمالنا وأن يمنحنا جميعا الفقه في دينه والثبات عليه ويجعلنا من الهداة المهتدين والصالحين المصلحين إنه جل وعلا جواد كريم وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد وعلى آله وأصحابه وأتباعه بإحسان إلى يوم الدين.
стр. 5193
من الأدب الإسلامي إليك يا أعز البنين
لفضيلة الشيخ إبراهيم محمد سرسيق
المدرس في الجامعة الإسلامية
عندما من الله على الكاتب بمولود، استقبله بمناجاة حارة يبتهل فيها إلى الله، ويشكره على ما وهبه إياه، ويشرح فيها منهجه في إعداد ولده للحياة:
وهي مناجاة تمتزج فيها مشاعر الأبوة الحانية بتعاليم الإسلام الباقية، وتفصح عن اتجاه الكاتب إلى استخدام أسلوب الترسل في عرض الأفكار وترجمة الأحاسيس.
أي بني!
منذ لحظة وصول نبأ مولدك إليّ، وأنا أودّ لو سابقت الريح إليك، لتكتحل عيناي بإلقاء نظرة عليك، وطبع قبلة حانية على خديك، والتمتع بمصافحة يديك ومداعبة شفتيك ومطالعة نور البهجة في عينيك..
سبحانك ربي.. هأنت ذا قد منحتني ولدا يجفف في الحياة دمعي، ويكون لي بمثابة بصري وسمعي، أصِل به وجودي، وأحقق به موعودي، وأستثمر فيه ذاتي، وأمنحه معارفي وخبراتي، أتناوله بين أحضاني، وأضعه في قلبي ووجداني، وأكون له ناصحا معلما، وأجعل منه صديقا متفهما..
يا ولدي..
стр. 5194
إنك أجمل نعم الله عليّ وأجلّها، انتظرتك طويلا بالأمس، وخشيت ألا أراك وقد كادت تغرب الشمس، فبالله ما أبدع خلقك، وأوسع رزقك، وما أرق جوارحك، وما أحلى ملامحك.. تبارك مولاك الذي خلقك فسوّاك فعدلك، في أي صورة ما شاء ركبك! سبحان من بيده مقاليد السموات والأرض سبحان من خلق فسوى، وقدر فهدى ﴿أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ .!.. سبحان ﴿الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وَبَدَأَ خَلْقَ الإِنْسَانِ مِنْ طِينٍ ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ ثُمَّ سَوَّاهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَالأَفْئِدَةَ قَلِيلاً مَا تَشْكُرُونَ﴾ سورة السجدة. ﴿وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لا تَعْلَمُونَ شَيْئاً وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَالأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ ٧٨_ النحل.
سبحان من خلق كل شيء فقدره تقديرا.
سبحان من فتح عينيك، وخطّ حاجبيك، وحرّك شفتيك، ومدّ ذراعيك، ووضع الدنيا كلها تحت قدميك..
لقد عانقتْكَ الحياة يا ولدي وقد أخذت الأرض زخرفها وازينت، وظن أهلها أنهم قادرون عليها.. عانقتك الحياة يا ولدي وقد تبدل الزمان غير الزمان.
أتى الزمانَ بنوه في شبيبته
فسرّهم، وأتيناه على الهرم!
أتيت يا بني وقد سرى ظلام المادة في النفوس، وتسلل حب الدنيا إلى القلوب، وغاب عن البصائر والأبصار نور الأمن والإيمان، وفقد الإنسان مشاعر الأخوة والرحمة لأخيه الإنسان، وخطف الأبصار بريق الدرهم والدينار فبالله ماذا أنت صانع في خضم هذا التيار؟ وكيف تذود عن نفسك وحسّك كل هذه الأخطار؟ أكنت تحدس كل ذلك حين استهللت صارخا بالبكاء، كأنما تشكو هذا البلاء لرب الأرض والسماء؟ لقد أذكرتني هذه الأبيات الحكيمة لابن الرومي حين صاح قائلا:
стр. 5195
لما تؤذنْ الدنيا به من صروفها
يكون بكاء الطفل ساعة يولد
وإلا فما يبكيه منها وإنها
لأوسع مما كان عيشا وأرغد
إذا أبصر الدنيا استهلّ كأنه
بما سوف يلقى من أذاها يهدد.
أرسل معاوية إلى الأحنف بن قيس فلما أتاه قال: "يا أبا بحر. ما تقول في الولد؟ "قال: "يا أمير المؤمنين ثمار قلوبنا، وعماد ظهورنا ونحن لهم أرض ذليلة، وسماء ظليلة، فإن طلبوا فأعطهم، وإن غضبوا فأرضهم يمنحوك ودهم، ويحبوك جهدهم، ولا تكن عليهم ثقيلا فيملوا حياتك ويودوا وفاتك، وكرهوا قربك.."
في قرارة الموجة:
أي بني الحبيب.. ربما تناوشتك في مهيع حياتك عقبات عديدة، إلا أنها لن تكون بعون الله شديدة.. ستجد الملل والنحل، والمذاهب والعقائد، والأفكار والآراء، ينادَى عليها في أسواق الإعلام ومنابر الدعاية وبطون الكتب وأنهار الصحف.. كما ينادى على السلع الرديئة والجيدة، والبضائع الغثة والسمينة.. وسترى هذا كله وتضرب أخماسا لأسداس، متعجبا لما أصاب نفوس الناس! ماذا ستأخذ بحظك منه يا بني..؟ إن الاختيار كله بيديك، وأمر العقيدة لن يكون إلا إليك، لكن نتائج اختيارك حتما ستكون لك أو عليك.. وليت الأمر أشبه باختيار ثوب يلبس، أو طعام يؤكل، أو شراب يحتسى.. بل إنه لأخطر وأكبر ...
إنه أمر عقيدة تمتزج بدمك، وتسري في مخ عظامك، وتتغلغل في حنايا روحك، وتقتضيك بذل النفس والنفيس، والغالي والرخيص، من أجل أن تكون بها أو لا تكون أبدا.
стр. 5196
وما قيمة المرء بدون عقيدة تحييه وتبعث الأمل فيه؟ ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾ . ما قيمة حياتك إن عشت والعياذ بالله دون هدف؟ كالعجماوات التي ترتع وتلعب انتظارا ليوم الذبح! لا! لن تكون أبدا ذلك الذبيح على معبد الشهوات، وإن الله تعالى لأرحم بي وبك من أن يجعلني في موضع الرثاء لك والإزراء عليك، أو يجعلك في موقف الذل الذي تجلبه المعصية، أو الشماتة التي يعقبها الشيطان.
والمسألة يا بني ليست مسألة رأى وهوى، فإن رسولنا ﷺ قال: "لن يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعا لما جئت به".
مولود على الفطرة:
دعنا أيها المولود السعيد نقف موقفا حاسما من أمر معاشك ومعادك..
إنك الآن يا قرة العين مولود على الفطرة بنص حديث رسول الله ﷺ : "كل مولود يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه". وقد اختار الله لنا ولك الإسلام دينا. وتالله إنه لأكمل الأديان وأجملها، وكتابه المجيد أحكم الكتب المقدسة وأشملها ونبيه الكريم أفضل الأنبياء وخاتمها. وهو دين الفطرة الحكيمة يا بني. دين البشرية التي تعرف مقاصدها وتتلمس طريقها من أجل خلاصها. دين لا يأمر بفرض إلا ذكر علته في تقدم الإنسانية ورقيها وعزها، ولا ينهى عن أمر إلا ذكر أثره السيئ في إيلام النفس وإذلالها. دين يقف موقف الاعتدال من الطبيعة البشرية، فلا يكتم أنفاسها مرة واحدة، ولا يُرخي لها العنان في مجال العصيان. دين يستقيم مع فطرة البشر وسلوك الإنسان ولا يكلفنا من أمرنا شططا: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ ٣٠ - الروم.
стр. 5197
ولسوف تنمو يا بنيي عظامك، ويشتد عودك، ويصلب ساعدك، وينضج تفكيرك، وعندها يتحتم عليك أن تهجر سنة التقليد، وتعود إلى الإيمان بفكر جديد، ورأي سديد واختيار رشيد، فما أريدك يا بني مقلدا في إيمانك، أو تابعا جاهلا لإمامك، أو ملفقا للأحكام في عبادتك ومعاملاتك.. لا، بل أريدك مؤمنا بالله تعالى عن يقين نابع من العلم، وتبصر قائم على الاجتهاد، لتكون من بعد ذلك كله أسدا من أسود الدعوة، وكوكبا في سماء الإرشاد والهداية، ولكي تنضم إلى ركب المجاهدين الأعلام، والمناضلين من أجل الإسلام، الذين يرفعون اللواء ويكابدون اللأواء، ويواجهون الصعاب ويستعذبون العذاب، لكون كلمة الله هي العليا، وكلمة الذين كفروا السفلى والله عزيز حكيم!
طيفك في الرؤيا:
كم يسعدني الآن يا صغيري أن أرى في المنام طيفك، وقد ضاعفت لله تعالى خوفك، وشهرت لإعلاء كلمته سيفك، وملأت بعبادته خريفك وشتاءك وربيعك وصيفك، وطهرت له من السحت والحرام جوفك، وأقريت في الشدة والرخاء ضيفك، وكففت في الغضب والرضا ظلمك وحيفك..
إذن لفاخرت بك الأقربين والأبعدين وشرفت بصحبتك في أعلى عليين، ودعوت ربي أن يحقق فينا قوله المبين: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ﴾ ٢١- الطور.
نعم.. يا ولدي! أولست تدري أن الولد الصالح امتداد لعمل أبيه في الآخرة؟ أو لست تدري كيف تكون أرواح المؤمنين بالشوق إلى أبنائهم طائرة؟ وكيف أعينهم بالرجاء إليهم يوم القيامة ناظرة؟
стр. 5198
ثم.. أو لست تدري يا بني، أنك امتداد لي في الصالحات بعد وفاتي؟ وأنك زيادة لي في كفة الحسنات بعد مماتي؟ اقرأ إن شئت قول الصادق المصدوق محمد ﷺ : "إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له".
ولسوف تكون إن شاء الله ولدي الصالح. نعم يا ولدي.. ستكون إن شاء الله ولدي الصالح، النقي السيرة والسريرة الطاهر الذيل من غبار العار، المستقيم على الطريقة وإن كثر فيها السراب، الرافض للخطيئة وإن امتزجت بأحلى شراب. وإذا لم تكنه يا بني، وأعوذ بالله من ذلك، فمن ذا تكون؟؟
إنه ليس من أهلك:
هكذا خاطب رب العباد القاهر نبيه نوحا من فوق سبع سموات، مبينا قانون السماء في العلاقة الأبوية الصادقة والصلة البنويّة الموافقة. ذلك أنه عندما ظن ولد نوح أنه ناج بالصخرة العالية من الموجة العاتية: ﴿قَالَ سَآوي إِلَى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الْمَاءِ قَالَ لا عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِلاَّ مَنْ رَحِمَ وَحَالَ بَيْنَهُمَا الْمَوْجُ فَكَانَ مِنَ الْمُغْرَقِينَ وَقِيلَ يَا أَرْضُ ابْلَعِي مَاءَكِ وَيَا سَمَاءُ أَقْلِعِي وَغِيضَ الْمَاءُ وَقُضِيَ الأَمْرُ وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ وَقِيلَ بُعْداً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ وَنَادَى نُوحٌ رَبَّهُ فَقَالَ رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ وَأَنْتَ أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ قَالَ يَا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ فَلا تَسْأَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾ سورة هود.
стр. 5199
هذا منطق السماء في تحديد العلاقة بين الأبناء والآباء، فالطاعة للخالق هي أساس الصلة الطبيعية بين الناس، فإذا ما شذ إنسان عن طاعة الرحمن فقد انفصمت عرى المودة بيننا وبينه، كما أنه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق. وحتى لو عصى والدك الله تعالى - والعياذ بالله - فلا طاعة له عليك، تهتكت أستاره، وشاعت في ماخور المعصية أخباره، وأوشك في جحيم الغضب الإلهي عليه أن تحرقه ناره، اللهم إلا أن تصاحبه بمعروف وتغيثه كملهوف: ﴿وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفاً وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ ١٥- لقمان.
مالك وما عليك:
أيها الولد.. لله ولي عليك أن تكون جادا في حياتك، مخلصا لربك ثم لوالديك إلى حين مماتك، قائما بصلاتك مؤديا لزكاتك، مخبتا لله في غدواتك وروحاتك، متبعا سنة نبيك ورسولك، محسنا علاقاتك بأهلك وجيرانك، وإخوانك، متحريا حسن الاختيار لرفقائك وأصدقائك، كريما في الإحسان لمن أساء إليك، حليما في البطش بمن غدر بك، مسلما الأمر فيه لربك.
ولك عليّ، أيها العزيز، أن أرعى حق الله فيك بقدر ما وهبني الله من مقدرة على إكرامك وإعزازك ورعاية قدومك في هذا العالم! لك عليّ أن أحسّن اسمك، وأرعى نفسك وجسمك وأذود الشرور بكل سرور عنك، وأوجهك إلى الخير ولا أهجره، وأجنبك الخطأ ولا آتيه، وأكون معك في السراء رائدا وقائدا، وفي الضراء عائدا وذائدا، ألاحقك بدعواتي وصلواتي، وأبتغي لك من العلم والهدى ما يفوق ثرواتي وثمراتي..
قال الشاعر العربي:
وإنما أولادنا بيننا
أكبادنا تمشي على الأرض
لو هبت الريح على بعضهم
لامتنعت عيني من الغمض
ويا ولدي الحبيب..
стр. 5200
يحوطك قلبي بين القوم إن طافت بعيني سنة من النوم..
وتحميك الروح إذا هبت الريح لكيلا تحيا بقلب جريح..
ويفديك الجنان إذا خرس اللسان. فلا تخف عني شكاوى الزمان!
وتالله ما عدوت في حبك أمر الله فيك، فلقد أوصاك بحسن رعايتي، وإكرامي في شيخوختي، والدعاء لي بعد موتي - ولكنه لم يوصني بحسن رعايتك لأنه تعالى يعلم كم أنتم معشر الأبناء ملوك على عرش القلوب، متسلطون منا على الرقاب، آخذون منا باليمين، مدللون في أعيننا مهما مرّ بكم من سنين!
فيالك من مضغة صارت جسدا..
ويالك من رشفة صارت عسلا..
ويالك من بسمة صارت للجمال أصلا!
ويالك من فرحة صارت في كتاب السعادة فصلا!
ويالك من مخلوق أصبح على قدرة الخالق دليلا!
ويالك من مولود غرس في قلبي هناء طويلا..!
﴿رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَاماً﴾ .
стр. 5201
الإعلام والدعوة الإسلامية
للدكتور طه عبد الفتاح مقلد
المدرس بكلية الدعوة وأصول الدين بالجامعة
((إن العالم اليوم يموج من حولنا بتيارات وعقائد متباينة كل يبغي السيطرة والسيادة عبر الكلمة المكتوبة والمسموعة. وأدركت الأمم الكافرة أهمية وسائل الإعلام فسخرتها لنشر سمومها وأباطيلها، إيمانا منها بالدور الفعال الذي تلعبه وسائل الإعلام في نشر الأفكار وتغيير العقائد. ويزداد ذلك يوما بعد يوم - في الداخل والخارج - أمام تيار الدعوة الإسلامية)) .
شهد النصف الثاني من هذا القرن الأثر الملحوظ في تطور وسائل الاتصال عبر الأثير عن طريق الكلمة التي تبثها الإذاعة المسموعة، والتي تخطت بها الحواجز المادية، عبر البحار والأنهار والصحاري والقفار وإلى كل الأماكن المجهولة والنائية ... وانتقلت مع الإنسان أينما حلّ وأينما رحلّ.
وأصبح الفرد في مجتمعه لا يحيا منعزلا عن العالم الذي يعيش فيه ... وأضحى يتأثر بالقوى والمؤثرات الجديدة التي تؤثر عليه في الحاضر والمستقبل سواء بسواء.
وبما أن الإعلام وسيلة فعالة من وسائل الاتصال بالجماهير فإنه من البداهة أن يعتبر قيامها بدور فعال في الدعوة الإسلامية وفاء لواجب من واجبات الإسلام الأساسية عليها. بل إن هذا الواجب يتأكد نتيجة لمرور المجتمعات الإسلامية بعصور متطاولة من الجهل والتخلف الفكري.. كان من نتيجتها. أن تأثر وضوح الرؤية لدى هذه المجتمعات بالنسبة لأفكار الإسلام وقيمه. كما كان من نتيجته ظهور انحرافات بالغة ومدمرة، سواء من حيث السلوك أم من حيث التعلق بالخرافات والأوهام.
стр. 5202
واستخدام الإذاعة من أجل الدعوة إلى الله وفاء بواجب أساسي عليها تجاه المجتمع الإسلامي خاصة والمجتمع الإنساني كله عامة. يتأكد ذلك إذا عرفنا أن ما اصطلح على تسميته بالثقافة ينزع إلى الاختلاف والتفرقة عن الطريق وسائل الاتصال بالجماهير عبر الإذاعة كما أكد ذلك ((أبراهام مولز)) وبين أن الناس يستمعون إلى الأخبار والبرامج التي تخرج من مصادر واحدة (وكالات الأنباء) فالإنسانية تتجه لأن تعيش بنفس الأفكار وقد يكون لها نفس الاستجابات وهذا يفسر طغيان عقائد بعض الأمم على بعضها الآخر.
وهذا يدفعنا إلى أن ندعو إلى أن تهدف إذاعاتنا إلى الدعوة لدين الله الحق بالحكمة والموعظة الحسنة أمام تلك التيارات المتباينة تحقيقا لقوله تعالى: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ النحل - ١٢٥.
وقوله تعالى: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي﴾ يوسف -١٠٨.
ولعل واقع الإعلام الإذاعي اليوم باختلاف فنونه وأساليبه للتأثير على الجماهير يدعونا إلى أن ندعو إلى سبيل الله بحكمة وبصيرة لأننا نعرف أن الغالبية العظمى من المستمعين تميل إلى عدم الاهتمام بمعرفة الطريقة التي يتم بها خلق الثقافة بل تتقبلها على أنها إنتاج يعرض من محطات الإذاعة التي تبث برامجها. فالفرد في الغالب الأعم لا يفكر ولا يحلل بقدر ما يستمع وينصت ولعل هذا يجعلنا أكثر حذرا وأكثر بصيرة.
ولقد لاحظ لازارزفلد Lazarsfeld وشرام Schramm وبرلسن. أن هذا يبدو جليا بين من يخلق المواد المذاعة وبين من يسمعها.
إننا نجد أن الدول الكبرى تمتلك اليوم أقوى محطات للبث عن طريق الأقمار الصناعية. التي ملأت كوكبنا الأرضي بالعديد من العقائد والثقافات المرغوب فيها وغير المرغوب فيها.
стр. 5203
لقد فطنت كثير من الدول الكبرى إلى الإذاعة لما لها من القدرة على التأثير الوجداني والعقائدي من خلال الكلمة المسموعة والموسيقى والأغاني والبرامج الترفيهية. وفي ثنايا ذلك تبث سمومها لتحطيم إرادة الجماهير أو تعمل على نشر الشائعات لتضل الناس عن صراط الله المستقيم.
تأثيرات كامنة:
وهناك تأثيرات ظاهرة وأخرى كامنة تسعى إليها الإذاعات للتأثير على الجماهير (كما أوضح ذلك جوزف كليبر) حيث يكون هناك تركيز معين لتدعيم اتجاه ما، بل إن الإذاعة تكون في كثير من الأحيان قادرة على خلق اتجاه جديد أكثر من قدرتها على تحويل الاتجاهات المسبقة الراسخة. ولقد عمل أعداء الإسلام ردحا من الزمن على خلق تيارات فكرية وعقائدية جديدة. بل أخذوا يعلمون المسلمين لغتهم ويلقنونهم فكرهم. وتدخلوا في ثقافة المواطن المسلم كما حدث في جنوب إفريقيا وبلدان من آسيا. ألبسوا ذلك رداء الإسلام حينا وسموا الأشياء بغير مسمياتها حينا آخر.. لقد أكد ((اللورد ماكولي)) مرة أن سياسة الإعلام في الهند كانت تهدف إلى خلق طبقة من المثقفين في جلود هندية، ولكنهم يفكرون ويدركون بعقول إنجليزية، ويقومون كذلك بدور الوسطاء بين بريطانيا وبين الملايين من الناس.
تجاهل مقصود:
ونحن نجد اليوم كثيرا من الإذاعات تروج للعقائد والمذاهب الضالة عملا وفكرا، بل تسعى جاهدة على أن تصور الإسلام على أن الدين فيه غير الدنيا. ومما يؤسف له أن هذا التفكير الذي ينطوي على تجاهل مقصود لحقيقة الإسلام قد سرت عدواه إلى كثير من المثقفين في البلاد الإسلامية نتيجة لروافد الفكر المادي أو ((العلماني)) فأصبحت كلمة الإسلام في نظر الكثير منهم يمكن أن تعني أي شيء إلا الأمور المتعلقة بشؤون الحياة التي نحيا فيها فكانت تلك هي الهوة التي تفصل بين الدين وبين اللحاق بركب الحضارة.
стр. 5204
وطغى هذا المفهوم ((العلماني)) على ميدان الإرسال الإذاعي فتلك برامج دينية وهذه برامج غير دينية وهذا رجل دين وهذا ليس برجل دين. ولا يغيب عنا جميعا أن الإسلام ليس وقفا على رجل يعرف بأنه رجل دين وليس كذلك وقفا على برنامج دون آخر إعلامي أم ثقافي أم ترفيهي. فروح الإسلام يجب أن ترفرف على برامج الإذاعة كلها مهما اختلفت أشكالها وتعددت أغراضها.
لقد وقعت كثير من البلدان الإسلامية ردحا من الزمن تحت سيطرة الاحتلال الأجنبي الذي سمى نفسه استعمارا. لكي يوهم أممنا الإسلامية أنه ما جاء إلا لدفع عجلة العمران وهو في الحقيقة جاء ليستنزف خيراتها ويبدل عقائدها.
الإعلام المقنع:
ورحل المحتل عن بلادنا الإسلامية بجيشه وعتاده وأبقى لنا العديد من ضلاله وأوهامه وعقائده الفاسدة التي تضعف من روح الإسلام وأهله والتي ظل يمدها عن طريق إذاعاته الموجهة. إن الإذاعات الموجهة سلاح ماض استغلته اليوم جميع الدول التي تسعى إلى تحقيق مناطق نفوذ، ((فهتلر)) مثلا منذ توليه السلطة عام ١٩٣٣ أنشأ شبكة ضخمة للإرسال الإذاعي الموجه إلى أوربا وإمريكا وإفريقيا وأستراليا بهدف التأثير على هذه البلاد ثم اهتمت إيطاليا كذلك بالإذاعات الموجهة، ونافستها في ذلك بريطانيا التي أخذت تعنى عناية فائقة بهذا الضرب من الإذاعات ثم أسهمت الولايات المتحدة الإمريكية والإتحاد السوفيتي بنصيب وافر في هذا المضمار.
والتزمت هذه الإذاعات بالواقع الإعلامي المقنع إذ تختار الأخبار والأفكار شبه الموضوعية مع حذف ما يريدون حذفه في دهاء وصياغة إعلامية لا يدركها المستمع بيسر وربما خلع عليها صفة الحياة.
فكانت جميع البرامج والأخبار تحررها مراكز التوجيه مع مراعاة الطابع الموجه لكل بلد من البلدان، والمهم عندها هو اجتناب الكذب الذي يسهل اكتشافه.
صراع وصراع:
стр. 5205
إن كثيرا من الإذاعات الموجهة تستهدف عزل الإسلام كقوة اجتماعية وكقوة سياسية لها أثرها في محيط السياسة العالمية وكقوة فكرية لها أثرها البالغ في صلة الإنسان بأخيه الإنسان.
وحصر الإسلام في نطاق ضيق يتقوقع على نفسه فيه حتى يبقى نصوصا تتلى وحديثا يقرأ. لا روح في ذلك ولا عمل يدفع إلى التقدم والعلم.
ومن الأمر الذي يجب أن يوضح بين أعين الإذاعات الإسلامية أن صليبية الغرب الثقافية وشيوعية الكتلة الشرقية على اختلاف المفاهيم بينهما يلتقيان ويتعاونان معا من أجل إضعاف العقائد الإسلامية وعزلها عن الحياة.. تلك الحرب التي تستهدف أول ما تستهدف حجب الرؤية عن المثقفين من أبناء المسلمين وجعلهم في موضع الحيرة والضياع فلا يرون ما بين أيديهم من نور وهداية وإنما يتلفتون شرقا وغربا بحثا عما يتخيلون أنه طريق التقدم والتطور.
أُصيب المجتمع الإسلامي بالتخلف ولجأت بعض الإذاعات الموجهة إلى بث برامجها إلى المستمع في بلادنا يزينون له الباطل والمبادئ الهدامة على أنه هو الحق.
وهذه الإذاعات الموجهة بعقليتها وتفكيرها تقلل من أهمية ما تملكه من عناصر وقوى حضارية يمكن إن أحسنت إذاعتنا استغلالها أن يقوم عليها بناؤها الفكري وأن يشكل منها قاعدة ومنطلقا لحضارة الإنسان وتقدم البشرية.
فالإذاعات الموجهة تهدف إلى أن تذوب حضارة الإسلام وعراقته.
ولذا ينبغي أن نكون على حذر من ذلك وأن نكون أمام هذه التيارات المختلفة في عالمنا الآن على مستوى المسئولية نهدي أمتنا ونحترم أهدافنا.
فإن الضباب الغريب عبر الأثير حجب رؤيتنا وشغلنا عن مصادر الثقافة الإسلامية الصحيحة وبعد بنا عن رؤية ما في الإسلام من نور وهداية ولا شك أن ما يمتلكه غيرنا من ضوضاء تزدحم بها أجواؤنا هو الذي ساعد على انتشار هذا الضباب الذي حجب رؤيانا وجعلنا لا نرى ما في الإسلام من ميادين الريادة والقيادة.
стр. 5206
وليس معنى ذلك أن تغلق الإذاعات الإسلامية أبوابها وتعيش في عزلة عن هذا العالم.
ولكن كل ما نأمله ألا تلجأ إلى تقليد الغير دون وعي أو أن تنقل عنه دون تبصر. وينبغي أن يكون اتصالها بغيرها مبعثه إيمانها بذاتها وإصرارها على الاحتفاظ بشخصيتها. كما لا يعني هذا أننا نقف في طريق التقدم من أي مكان يأتي. ولكننا نحذر أن نستورد الأفكار والقيم بنفس الطريقة التي تستورد بها السلع الغذائية والأدوات المنزلية.
ومن الواضح أن الشعوب الإسلامية في العصر الحاضر قد أغرقت بطوفان من الأيدلوجيات المختلفة بهدف تغيير عقائدها أو التأثير على قيمها وظهر التنافس حول ذلك واضحا. ولكن واحدة من هذه الأيدلوجيات لم تنجح في استقطاب الشعب المسلم أو الاستيثار بميوله.
ولقد كان يخيل في بعض الأحيان أنه تحت ظل السلطان السياسي أو العسكري نجحت أيدلوجية معينة في السيطرة على الشعب وميوله. ولكن حكم الأيام ومجريات الأحداث أكدت أن أيا من هذه الأيدلوجيات لم تلامس أفئدة الشعب المسلم ولا مشاعره الحقيقية. ولكن ليس معنى هذا أن تترك المجال لسلاح الكلمة المذاعة فللكلمة المذاعة خطورتها وما تحويه من عناصر الإفضاء كما عبر عن ذلك - إرك برنيو (Erik Barnow) فالكبير يفضي إلى الصغير والصغير يفضي بما سمع لأترابه.
وتسعى كثير من الدول عن طريق إذاعاتها إلى إعادة النظر ومعتقدات الإنسان ومدى تأثير البث الإذاعي فيه وتجري الإذاعات العديد من البحوث على عينات مختلفة من المستمعين إليها، باسم الإصلاح الفكري أو الإصلاح الأيديولوجي أو الاغتصاب العقلي أو التغيير الذهني أو ما يعرف باسم (غسيل المخ) .
стр. 5207
أمن الملائم أن تجري إذاعاتنا الإسلامية بعض البحوث التجريبية في مجال المستمعين إليها لقياس الأثر الناتج من سماع البرامج المذاعة وأن تقوم بدراسة دقيقة للسكان من حيث تجمعهم في مناطق دون أخرى وكذلك معرفة المستوى العلمي والعقائدي وعادات كل جماعة وظروفها وإمكانياتها وآمالها وتصوراتها في الحياة. فكما يرى (دوب) أن ردود الفعل للبرنامج الواحد يختلف في الجماعة الواحدة فقد يجد استحسانا عند البعض دون الآخرين. وقد يفهمه نفر منهم جيدا دون آخرين.
ولا شك أن لهذا أثره الواضح في مجال تحسين البرامج أو المادة المذاعة وفق دراسة واعية تستهدف النهوض بالمستمع المسلم وتتعرف عن وعي إلى أي حد استجاب المستمع إلى ما ندعو إليه من دين الله الذي ارتضاه لعباده حياة ومنهجا ومن الضروري أن يقترن ذلك بشجاعة رجل الإذاعة في مواجهة النتائج أيا كان نوعها والعمل على مزيد من التقدم والنجاح.
تصحيح المفاهيم:
يجب أن تقوم إذاعتنا الإسلامية على أُسس قوية من العلم والفكر والإيمان حتى تمد المسلم بالقيم الإسلامية الصحيحة وحتى يستطيع أن يعيش بها حاضره وتمده كذلك بالحقائق حتى يستطيع أن يقضي على المذاهب الباطلة المعادية للإسلام.
وتقوم كذلك بتصحيح المفاهيم العلمانية الخاطئة بالنسبة لعدد كبير من المسلمين الذين بهرتهم ثقافة الغرب وقضاياه، وأن تقدم البديل - البرامج الإسلامية المخططة والمدروسة -.
إن كثيرا من البلدان الإسلامية لا تحظى الإذاعة فيها بنسبة تتلاءم مع مسئولياتها تجاه القضية الإسلامية، فالبرامج الإسلامية فيها لا تزيد عن ١٤% من نسبة برامجها المذاعة. بل هناك إذاعات إسلامية لا تصل هذه النسبة فيها إلى ١٠% ولعل هذا يدعونا إلى إعادة النظر في خريطة البرامج من أجل مزيد من البرامج الإسلامية الهادفة التي تنبع عن فهم سليم واع لطبيعة هذا الدين الحنيف.
стр. 5208
فإذا نظرنا إلى الإذاعات من حولنا نجد أنفسنا أمام فلسفات مختلفة (وأيديولوجيات) مختلفة متباينة تجدد كل منها أهداف الإذاعة وطبيعتها من وجهة نظرها فليكن هدفنا الإسلام والدعوة إليه. ولتسع كل إذاعة للعمل في ميدانها ولكل وجهة هو موليها، فاستبقوا الخيرات إلى كلمة تهدي أُمة وتشيد حضارة لا إلى كلمة تضل الناس وتلهيهم عن صراط الله المستقيم.
والحق أن أمام إذاعاتنا مسئوليات كبرى تجاه الدعوة الإسلامية حتى يتعرف المسلم في بقاع الأرض على الإيمان الحق بالله رب العالمين الذي سخر له ما في الكون يفلح الأرض في مناكبها. نعمل حتى يدرك العالم كله أن الإسلام كرَّم الإنسان بالعلم والتقوى مما جعله يعيش مطمئنا على حياته وماله وعرضه فلا مجال لصراع بين الطبقات يمزق بعضها بعضا أو يسيطر بعضها على بعض. كما أنه لم يهدر كرامته كما فعلت بعض النظم الأرضية المنحرفة التي أخذ أهلها يتخبطون حتى اليوم في ظلام يبحثون فيه عن سبيل.
ميدان الدعوة:
إذن فميدان الدعوة فسيح في أرض الإسلام وفي بلدان تريد أن ترى نور الهداية والحق.
ونأمر أن تترابط الإذاعات الإسلامية بعضها من بعض برباط الأخوة في سبيل تحقيق الدعوة إلى الله سبحانه وأن نتبادل معا الخبرات الإعلامية والبرامج الإسلامية ذلك حتى تتحقق قوة الروابط الأخوية ويصبح المؤمن فردا يعيش في إطار الجماعة الإسلامية تجمع بينه وبين إخوانه على اختلاف الأوطان واللغات مبادئ الأخوة في الإسلام، عقيدتهم واحدة وقبلتهم واحدة ودينهم واحد وربهم واحد.
لتكن الدعوة الإسلامية هدفا أساسيا للإذاعة الإسلامية حتى تحقق قول الله : ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ آل عمران -١١٠.
وبالله التوفيق.
стр. 5209
إلقاء الضوء القرآني (على كتابة الدكتور علوي حول النبهاني)
لفضيلة الشيخ عبد القادر حبيب الس ندي
المدرس بمعهد الحرم المكي
الحمد لله وكفى وسلام على عباده الذين اصطفى وبعد:
فلقد كنت قد حررت بعض الملاحظات الخفيفة على كتابة فضيلة الدكتور السيد محمد حسن بن السيد علوي بن عباس المدرس بالمسجد الحرام، وبكلية الشريعة والدراسات الإسلامية بجامعة الملك عبد العزيز بمكة المكرمة، تلك الكتابة التي كتبها أخونا الدكتور مدحا، وثناء على الشيخين.. محمد زاهد الكوثري، وأحمد زيني دحلان، وكنت قد بينت بعض حال المذكورين في مقال متواضع نشرته مجلة الجامعة الإسلامية الغراء في عددها الثالث من السنة السابعة، وهو بعنوان ((عرض ونقد لما كتبه الدكتور محمد علوي مالكي حول الكوثري والدحلان)) .
стр. 5210
وكنت قد نفيت في المقال المذكور معرفتي لبقية الرجال الذين ترجم لهم الأخ الدكتور وهم الذين تتلمذ عليهم والده السيد الشيخ علوي بن عباس رحمه الله تعالى أو كانت له بهم صلة علمية، إلا أنني قد أمعنت النظر مرة ثانية فيما كتبه أخونا العزيز الدكتور السيد محمد علوي في رسالته ((إتحاف ذوي الهمم العلية برفع أسانيد والدي السنية)) المطبوعة بدمشق الشام في عام ١٣٨٧هـ ١٩٦٧م فوجدت رجلا آخر قد ترجم له الأخ الدكتور في رسالته المذكورة وهو الشيخ ((يوسف بن إسماعيل بن حسن النبهاني الشامي)) صاحب الكتاب ((شواهد الحق في الاستغاثة بسيد الخلق)) ذلك الكتاب الذي رد عليه العلامة الإمام محمود شكري الألوسي في كتابه البارع العظيم (غاية الأماني في الرد على النبهاني) هذا الكتاب المبارك الذي يقول عنه شيخنا العلامة الشيخ محمد بن عبد الله بن سبيل النائب للشئون الدينية بالمسجد الحرام، وإمام الحرم المكي متعنا الله بحياته ناقلا عن العلامة الشيخ رشيد رضا ((المنار ٧٨٥-١٢)) (غاية الأماني في الرد على النبهاني) كتاب مؤلف من سفرين كبيرين لأحد علماء العراق الأعلام، المكنى بابي المعالي الحسيني السلامي الشافعي، رد فيها ما جاء به النبهاني في كتابه ((شواهد الحق)) من الجهالات. والنقول الكاذبة والآراء السخيفة، والدلائل المقلوبة في جواز الاستغاثة بغير الله تعالى، وما تعدى به طوره في سب أئمة العلم، وأنصار السنة، كشيخ الإسلام بن تيمية، إلى أن قال: "وفي هذا الكتاب ما لا أحصيه من الفوائد العلمية، في التوحيد، والحديث والتفسير، والفقه والتاريخ، والأدب، وما انفرد به بعض المشاهير، فأنكره العلماء عليه كالإنكار على الغزالي وابن عربي الحاتمي وغيرهما، فعلى هذا الكتاب نُحِيلُ الذين يكتبون إلينا في المشرق والغرب يسألوننا أن نرد على النبهاني، وكذا من اغتروا بقوله، ونُقُولِه وظنوا أن قولنا في الاعتذار عن عدم قراءة كتبه، والرد عليها أنه لا يوثق
стр. 5211
بعمله، ولا نقله، هو من قبيل السب حاشا لله ما هو إلا ما نعتقده فيه أو في كتبه بعد النظر في بعضها، ورؤية ما فيها من الأحاديث الموضوعة، والنقول المكذوبة، والاستنباطات الباطلة فمن جعل نفسه بالاستنباط مجتهدا وهو ينكر الاجتهاد، ويعترف بأنه ليس أهلا له" اه [١] .
قلت: ولقد وجدت الأخ الدكتور محمد علوي مع وجود كلام أهل العلم في النبهاني قد أثنى عليه في رسالته المذكورة ثناء عطرا ووصفه بأوصاف كبيرة، ولقبه بألقاب ضخمة، وهو بعيد عنها بعد المشرق من المغرب، فلما كان هذا الثناء العظيم، والوصف مخالفا للواقع، وتأييدا له في طعنه في أئمة الدعوة المحمدية من السلف الصالح من الصحابة والتابعين ومن تعبهم بإحسان إلى يوم الدين في النهج القويم، والصراط المستقيم، والعقيدة الصافية النقية كالإمام شيخ الإسلام ابن قيم الجوزية ومن معهم إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها.
كالإمام المجدد شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب رحمهم الله تعالى أحببت أن أُبين بعض حال النبهاني وما كان عليه من سوء الحال، وشنيع المقال مع بيان منزلته العلمية، وما قام به من الطعن في دعوة الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام، ونشره الكفر الصريح، والضلال المبين والبدع المذمومة بجميع أنواعها ناقلا ذلك عن كتابه شواهد الحق في الاستغاثة بسيد الخلق، ليس ذلك تشنيعا على أحد أو شماتة فيه ولكن بيانا للحق إن شاء الله تعالى، ورفعا لشأن الدعوة المحمدية، ونشرها. ودفاعا عن الإسلام وعن دعوته الكريمة السامية.
стр. 5212
ولقد وجد في رسالة الأخ الدكتور محمد علوي ملاحظات أخرى ضرورية وهي خطيرة جدا سوف أتعرض لها إن شاء الله تعالى فيما بعد في حلقات مسلسلة بيانا للحق وتوضيحا له، وأداء للأمانة العلمية، وتبرئة للذمة أمام الله تعالى الله الذي أخذ الميثاق والعهد على أهل العلم بتبليغ الحق وتفسيره أمام الخلائق مع دعائي وتضرعي إلى الله جل وعلا أن يجعلنا والأخ الدكتور وسائر أهل العلم من دعاة الحق وأنصاره، وأعوانه حتى نلقى الله تعالى بلقاء كريم مرض فإن وفقت في هذه الكتابة بإصابة الحق والصواب فهو محض كرم وفضل وتوفيق من الله تعالى، وإن كان غير ذلك فهو من نفسي، ومن الشيطان فلا حول ولا قوة إلا بالله تعالى وهو حسبي ونعم الوكيل.
قال فضيلة الدكتور السيد محمد حسن في رسالته المذكورة مترجما الشيخ النبهاني (العلامة أبو المحاسن يوسف بن إسماعيل بن حسن النبيهاني، الشامي، الشافعي مذهبا، المولود سنة ١٢٦٦هـ والمتوفى ١٣٥٠هـ حسان آل البيت، وبوصيري عصره، الشاعر، المفلق، الذائع الصيت، محب آل البيت، متمكن في اللغة العربية، والفنون الأدبية، مداوم المطالعة، ولم يشتغل بالتأليف في العلوم الأدبية مع تبحره فيها، بل اقتصر على المدائح النبوية، والموضوعات الدينية، وأول ما ظهر من مؤلفاته: ((الشرف المؤبد لآل سيدنا محمد)) [٢] .
стр. 5213
قلت: يا أخي العزيز لا يوافقكم أهل العلم العالمون بالكتاب والسنة وإجماع الأمة ممن عرفوا هذا الرجل معرفة جيدة بتشبيهكم له بحسان بن ثابت الأنصاري شاعر رسول الله ﷺ ، والذي نافح عن رسول الله ﷺ ، وعن رسالته السامية المخرجة عن ظلمات الشرك والبدعات إلى نور العلم الصحيح، والتوحيد الخالص والعقيدة الصافية النقية قال الحافظ: "وفي الصحيحين من طريق سعيد بن المسيب قال: مر عمر رضي الله تعالى عنه على حسان في المسجد وهو ينشد الشعر فلحظ إليه، فقال: "كنت أنشد وفيه من هو خير منك"، ثم التفت إلى أبي هريرة فقال: "أنشدك الله أسمعت النبي صلى الله عليه وسل يقول: "أجب عني. اللهم أيده بالروح القدس" وقد أخرج الشيخان أيضا من حديث البراء بن عازب رضي الله تعالى عنه أن النبي ﷺ قال لحسان: "أهجهم أو هاجهم وجبريل معك"، وقال الإمام أبو داود في سننه: حدثنا لوين، عن أبي الزناد عن أبيه، عن هشام بن عروة، عن عائشة ﵂ أن النبي ﷺ كان يضع لحسان المنبر في المسجد يقوم عليه قائما يهجو الذين كانوا يهجون النبي ﷺ ، فقال رسول الله ﷺ : "إن روح القدس مع حسان ما دام ينافح عن رسول الله ﷺ " [٣] ، قلت: فهذه الأحاديث نص صريح على أنه ﷺ رضي بشعر حسان ووافقه على ما دعا إليه من تقوية العقيدة الإسلامية وهجاء الكفار المعاندين لدعوة رسول الله ﷺ في شعره فدعا له ﷺ بالتأييد، والتوفيق، والسداد، فأين منزلة هذا الصحابي الجليل المؤيد بدعوة رسول الله ﷺ له من منزلة الشيخ النبهاني الذي قضى حياته كلها تقريبا في معارضة الدعوة المحمدية، وهي دعوة الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام كما سوف يأتي ذلك مفصلا إن شاء الله تعالى كفى الشيخ النبهاني كفرا بواحا، ومعصية
стр. 5214
كبيرة، ومخالفة صريحة لرسول الله ﷺ ولدينه المتين ونظامه الرفيع أن يرأس في آخر حياته محكمة الحقوق المدنية ببيروت وهي محكمة مدنية، لا دينية لا يخفى حالها السيئ، ونظامها اللعين المخالف لكتاب الله تعالى وسنة رسوله ﷺ . قال الأستاذ عمر رضا كحالة: "تولى القضاء في قعبة جينين من أعمال نابلس، ورحل إلى القسطنطينية، وعين قاضيا بكوى سنجق من أعمال ولاية الموصل، فرئيسا لمحكمة الجزاء باللاذقية، ثم بالقدس، فرئيسا لمحكمة الحقوق ببيروت" [٤] وقال الأستاذ الكبير خير الدين الزركلي: "قال صاحب معجم الشيوخ: للنبهاني كتب كثيرة خلط فيها الصالح بالطالح، وحمل على أعلام الإسلام كابن تيمية وابن القيم حملات شعواء، وتناول مثل الإمام الألوسي المفسر، والشيخ محمد عبده، والسيد جمال الدين الأفغاني، وآخرين ورد عليه محمود شكري الألوسي في غاية الأماني في الرد على النبهاني، والثاني الآية الكبرى على الرائية الصغرى" [٥] .
стр. 5215
قلت: كيف هو محب آل البيت النبوي ويرأس في آخر حياته محكمة الحقوق المدنية ببيروت يقول العلامة الألوسي بعدما نقل عنه العقائد الفاسدة الكفرية كعقيدة وحدة الوجود والاتحاد والحلول قال رحمه الله تعالى: "هذا حال النبهاني في عقائده، وجهله في العلوم العقلية والنقلية أشهر من أن ينبه عليه كما ستعلمه إن شاء الله تعالى. لكن بقي علينا بيان حاله وما هو عليه إلى اليوم من أفعاله، وأعماله، وحيث أني لم أقف على حقيقة أمره وإن كان ما نشره من الكتب تطلعنا على حلوه ومره - سألت عنه بعض الأفاضل من الأصحاب ممن رآه واجتمع به وعرف ما عنده من الفصول والأبواب، فكتب كلاما طويلا فيه، وعرفني بظاهره، وخافيه فمن ذلك قوله: إن النبهاني قد قضى شطرا من عمره في المحاكم النظامية، وتسمى أيضا بالمحاكم القانونية" - ثم ذكر كلاما طويلا في بيان حال تلك القوانين وما فيها من المخالفة لقواعد الدين - ثم قال: "إن النبهاني تولى رياسة الجزاء في بيت الله المقدس عددا كثيرا من الأعوام، وبين حقيقة هذا المنصب وما يتعاطاه الرئيس من الأحكام، قال: ثم تحول إلى رياسة محكمة البداية في بيروت، وبين ما يرى في هذا المحل من الوظائف والمواد، ثم قال: وإن أوهن البيوت لبيت العنكبوت، قلت: إن كان صادقا عليه ذلك المقال يكون تائها في أودية الجهل والضلال، فكيف يدعى الإيمان فضلا عن دعواه المحبة لسيد ولد عد نان، وهو معرض عن هديه، وسنته، ناء عن العمل بشريعته فهلا قرأ قوله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ " [٦] قلت: فليقارن بين ما ادعى من المحبة لرسول الله ﷺ ولآله وبين ما تولى من المناصب الهامة في تلك المحاكم القانونية المدنية المخالفة
стр. 5216
لما جاء به رسول الله ﷺ من النظام العادل الموافق للطبيعة البشرية جميعا، فعجبا لهذه المحبة المزعومة ودعوى صاحبها الطويلة العريضة وهو بعيد عنها بعد المشرقين عن المغربين فإنا لله وإنا إليه راجعون، وأما البوصيرى فهو محمد بن سعيد البوصيري الشاعر فلم يكن من أهل العلم ولا البصيرة، وكان يعاني من الكتابة كما حكى ذلك العلامة ابن العماد في شذرات الذهب، والصفدي في الوافي بالوفيات، وابن شاكر الكتبي في فوات الوفيات وغيرهم من أهل العلم رحمهم الله تعالى فماله معروف عندهم وهو صاحب قصيدة البردة وأكثر شعره مخالف لدعوة الكتاب والسنة، وإجماع الأمة، وكانت وفاته في مصر في القرن السابع في بوصير قرية (من قرى مصر) وليست له منزلة علمية كبيرة، فلا بأس أن تشبهوا النبهاني به لأنهما وقفا موقفا واحدا يحاربان دعوة رسول الله ﷺ تلك الدعوة الكريمة التي لأجلها أوذي رسول الله ﷺ أشد الأذى من قريش وانجرحت قدماه بالطائف، فهاجر لأجلها من مسقط رأسه ﷺ مكة المكرمة إلى المدينة المنورة فلقي في سبيل نشرها ما لقي من ألوان المتاعب والمصاعب التي لا نظير لها في تاريخ الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام ولأجلها سقطت ثنيتاه في غزوة أحد. وقد يكون حال البوصيري المذكور أحسن بكثير من حال النبهاني الذي ذهب مذهبا بعيدا جدا وقد نقله عنه الشيخ محمود شكري الألوسي في كتابه ((غاية الأماني في الرد على النبهاني)) إذ قال رحمه الله تعالى: "الأمر السابع من تلك الأمور: أن من علم حال النبهاني وما هو عليه من المعرفة، وما يعتقده من العقائد، ويراه من الآراء لم يلتفت إلى ما ذكره في كتابه الذي سماه (شواهد الحق) ولا غيره من هذيانه الصريح، فإن الرجل جاهل كما ستعلمه من رد كتابه هذا سقيم الفهم بأخبار العدول الثقاة، ورواية الصادقين من الرواة، وما نشره من هذيانه، أعدل شاهد على ذلك، وأصح
стр. 5217
دليل على ما هناك فضلا عما ذكره فيه جهابذة العصر الذين رأوه، وخالطوه، وعرفوا حاله، وشاهدوا أعماله، ومع ذلك نذكر كلام بعضهم فيه ليحمد الله من عوفي من شقائه، وعضال دائه،
قال العلامة الفاضل السيد بدر الدين الحلبي في كتابه (الإرشاد والتعليم) عند ذكره مقالات الأمم ما نصه:"ومن شنيع مقالاتهم في الإسلام قولهم إن النبي ﷺ لا يخلو منه زمان، ولا مكان يريدون بذلك أنه ما من زمان إلا وهو فيه موجود ولا من مكان إلا وهو فيه موجود، قال حفظه الله تعالى - وهذه المقالة الشنيعة لم نرها لأحد من المتكلمين المتقدمين منهم والمتأخرين، ولا رأيناها في كتب العقائد، ولا كنا نظن أحدا يقول هذه المقالة الشنيعة وإنما ذكرها الشيخ يوسف بن إسماعيل النبهاني البيروتي صاحب الكتب الكثيرة في الأدعية والصلوات في منظومة له سماها ((طيبة الغراء)) ناقلا لها عن البرهان، الحلبي، قال: ذكر يوسف النبهاني أنه اطلع على رسالة ألفها البرهان الحلبي في هذا الموضوع فطالعها، وانتفع بها [٧] ثم أجابه الشيخ محمود الألوسي بقوله: ويا ليت شعري أي دليل قام عند هذا الذي قال هذه المقالة الشنيعة حتى قال بها.. هل تلا في ذلك آية منزلة من كتاب الله تعالى، أو حديثا صحيحا من سنة رسول الله ﷺ ؟
إن قال ذلك: فقد كذب وشهد على نفسه بالكذب أو ساق الدليل الذي أورده المتكلمون على أن الباري جل شأنه لا يحويه زمان ولا مكان في النبي ﷺ فحكم له بما حكم به للباري جل وعلا فهو عين الشرك الصريح، ومثل هذه العقائد الفاسدة الباطلة الكاذبة يلقيها أهل الغفلة من المنتمين للعلم في آذان العامة فتصادف منهم قبولا، وتجتمع عليها قلوبهم حتى يصير من المتعذر نزعها من أذهانهم، وربما كفروا من أنكرها عليهم، ورأوا أن إنكار ذلك نوع من الإلحاد في الدين واستخفاف بصاحب الشريعة المطهرة ﷺ "اه.
стр. 5218
قلت: هذه عقيدة أهل الحلول والاتحاد وهم القائلون بوحدة الوجود وإمامهم في ذلك محي الدين ابن عربي الحاتمي المكي صاحب ((فصوص الحكم)) و ((الفتوحات المكية)) وغيرها من الكتب الكفرية وهو القائل: "سبحان من أظهر الأشياء وهو عينها"وقال عبد الكريم الجيلي: "إن النصارى لم يكفروا بأصل الحلول وإنما كفروا بالحصر الذي تضمنه كلامهم أن الله هو المسيح لا غيره من الأشياء ولو عمموا لم يكفروا"وهذا الكلام مما تقشعر منه جلود المؤمنين، نقول فقول النبهاني: إن النبي ﷺ لا يخلو منه زمان ولا مكان ناقلا ذلك عن البرهان الحلبي هو من شعب ذلك الوادي.
وهناك بوصيري آخر. وهو إمام أهل الحديث في عصره وهو الإمام العلامة أحمد بن أبي بكر بن إسماعيل بن قايمماز عثمان بن عمر الكناني المحدث شهاب الدين ولد في محرم سنة ٧٦٢ سمع الكثير من البرهان التنوخي، والبلقيني، والعراقي، والهيثمي والطبقة وحدث، وخرج، وألف تصانيف حسنة، منها زوائد سنن ابن ماجه على الكتب الخمسة، وزوائد سنن البيهقي الكبرى على الكتب الستة، وزوائد المسانيد العشرة على الكتب الستة، وهي مسند الطيالسي ومسند مسدد بن مسرهد، والحميدي، والعدني، وابن راهويه، وابن جميع، وابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، وابن أبي أُسامة، وأبي يعلى ولم يزل مكبا على كتب الحديث وتخريجه إلى أن مات رحمه الله تعالى في محرم سنة أربعين وثمانمائة قاله الحافظ تقي الدين بن فهد المكي، فإن أردتم تشبيه النبهاني بهذا الحافظ فلا يرضى أحد من أهل العلم بالحديث فأرجو أن يكون قصدكم بالبوصيري محمد بن سعيد الشاعر المعروف.
وأما قولكم في حق النبهاني: "متمكن في اللغة العربية، والفنون الأدبية، مداوم المطالعة، ولم يشتغل بالتأليف في العلوم الأدبية مع تبحره فيها".
стр. 5219
قلت: ليس الواقع كما ذكرتم بل الشواهد والحقائق التي سوف أنقلها لكم من كلامه في كتابه الذي سماه شواهد في الاستغاثة بسد الخلق ترد عليه ردا قاطعا فتجعله إنسانا لم يشم رائحة العلم أو عنده علم إلا أنه خالف طريق العلم الصحيحة عنادا، وتكبرا وزورا، وبهتانا على أئمة الدعوة المحمدية، وإن كان الأول فهو أهون وإن كان الثاني فالخطب جلل كبير خطير.
إن كنت لا تدري فتلك مصيبة
وإن كنت تدري فالمصيبة أعظم
стр. 5220
قال الشيخ يوسف بن إسماعيل النبهاني في كتابه ((شواهد الحق في الاستغاثة بسيد الخلق)) المطبوع بمصر سنة ١٣٢٣هـ (: "الباب الثالث في نقل كلام الإمام العلامة ناصر السنة في هذا الزمان سيدي أحمد دحلان مفتي الشافعية في مكة المشرفة في كتابه خلاصة الكلام في بيان أمراء البلد الحرام، وذكر الشبه التي تمسك بها الوهابية، ينبغي أولا أن نذكر الشبهات التي تمسك بها ابن عبد الوهاب في إضلال العباد، ثم نذكر الرد عليه ببيان أن كل ما تمسك به زور، وافتراء، وتلبيس على عوام الموحدين، فمن شبهاته التي تمسك بها زعمه أن الناس مشركون في توسلهم بالنبي ﷺ وبغيره من الأنبياء والأولياء، والصالحين، وفي زيارتهم قبره ﷺ ، وندائهم له بقولهم: يا رسول الله نسألك الشفاعة، وزعم أن ذلك كله شرك، وحمل الآيات القرآنية التي نزلت في المشركين على الخواص والعوام من المؤمنين، كقوله تعالى: ﴿فَلا تَدْعُو مَعَ اللَّهِ أَحَداً﴾ وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاءً وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ﴾ وقوله تعالى: ﴿فَلا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ فَتَكُونَ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ﴾ وقوله تعالى: ﴿وَلا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَنْفَعُكَ وَلا يَضُرُّكَ فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذاً مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ وقوله تعالى: ﴿لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لا يَسْتَجِيبُونَ لَهُمْ بِشَيْءٍ إِلاَّ كَبَاسِطِ كَفَّيْهِ إِلَى الْمَاءِ لِيَبْلُغَ فَاهُ وَمَا هُوَ بِبَالِغِهِ وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلاَّ فِي ضَلالٍ﴾ وقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ إِنْ تَدْعُوهُمْ لا
следующие страницы →