Полный текст (23 804 стр.). Показаны 5216–5255 · переход к 5221.
стр. 5216
لما جاء به رسول الله ﷺ من النظام العادل الموافق للطبيعة البشرية جميعا، فعجبا لهذه المحبة المزعومة ودعوى صاحبها الطويلة العريضة وهو بعيد عنها بعد المشرقين عن المغربين فإنا لله وإنا إليه راجعون، وأما البوصيرى فهو محمد بن سعيد البوصيري الشاعر فلم يكن من أهل العلم ولا البصيرة، وكان يعاني من الكتابة كما حكى ذلك العلامة ابن العماد في شذرات الذهب، والصفدي في الوافي بالوفيات، وابن شاكر الكتبي في فوات الوفيات وغيرهم من أهل العلم رحمهم الله تعالى فماله معروف عندهم وهو صاحب قصيدة البردة وأكثر شعره مخالف لدعوة الكتاب والسنة، وإجماع الأمة، وكانت وفاته في مصر في القرن السابع في بوصير قرية (من قرى مصر) وليست له منزلة علمية كبيرة، فلا بأس أن تشبهوا النبهاني به لأنهما وقفا موقفا واحدا يحاربان دعوة رسول الله ﷺ تلك الدعوة الكريمة التي لأجلها أوذي رسول الله ﷺ أشد الأذى من قريش وانجرحت قدماه بالطائف، فهاجر لأجلها من مسقط رأسه ﷺ مكة المكرمة إلى المدينة المنورة فلقي في سبيل نشرها ما لقي من ألوان المتاعب والمصاعب التي لا نظير لها في تاريخ الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام ولأجلها سقطت ثنيتاه في غزوة أحد. وقد يكون حال البوصيري المذكور أحسن بكثير من حال النبهاني الذي ذهب مذهبا بعيدا جدا وقد نقله عنه الشيخ محمود شكري الألوسي في كتابه ((غاية الأماني في الرد على النبهاني)) إذ قال رحمه الله تعالى: "الأمر السابع من تلك الأمور: أن من علم حال النبهاني وما هو عليه من المعرفة، وما يعتقده من العقائد، ويراه من الآراء لم يلتفت إلى ما ذكره في كتابه الذي سماه (شواهد الحق) ولا غيره من هذيانه الصريح، فإن الرجل جاهل كما ستعلمه من رد كتابه هذا سقيم الفهم بأخبار العدول الثقاة، ورواية الصادقين من الرواة، وما نشره من هذيانه، أعدل شاهد على ذلك، وأصح
стр. 5217
دليل على ما هناك فضلا عما ذكره فيه جهابذة العصر الذين رأوه، وخالطوه، وعرفوا حاله، وشاهدوا أعماله، ومع ذلك نذكر كلام بعضهم فيه ليحمد الله من عوفي من شقائه، وعضال دائه،
قال العلامة الفاضل السيد بدر الدين الحلبي في كتابه (الإرشاد والتعليم) عند ذكره مقالات الأمم ما نصه:"ومن شنيع مقالاتهم في الإسلام قولهم إن النبي ﷺ لا يخلو منه زمان، ولا مكان يريدون بذلك أنه ما من زمان إلا وهو فيه موجود ولا من مكان إلا وهو فيه موجود، قال حفظه الله تعالى - وهذه المقالة الشنيعة لم نرها لأحد من المتكلمين المتقدمين منهم والمتأخرين، ولا رأيناها في كتب العقائد، ولا كنا نظن أحدا يقول هذه المقالة الشنيعة وإنما ذكرها الشيخ يوسف بن إسماعيل النبهاني البيروتي صاحب الكتب الكثيرة في الأدعية والصلوات في منظومة له سماها ((طيبة الغراء)) ناقلا لها عن البرهان، الحلبي، قال: ذكر يوسف النبهاني أنه اطلع على رسالة ألفها البرهان الحلبي في هذا الموضوع فطالعها، وانتفع بها [٧] ثم أجابه الشيخ محمود الألوسي بقوله: ويا ليت شعري أي دليل قام عند هذا الذي قال هذه المقالة الشنيعة حتى قال بها.. هل تلا في ذلك آية منزلة من كتاب الله تعالى، أو حديثا صحيحا من سنة رسول الله ﷺ ؟
إن قال ذلك: فقد كذب وشهد على نفسه بالكذب أو ساق الدليل الذي أورده المتكلمون على أن الباري جل شأنه لا يحويه زمان ولا مكان في النبي ﷺ فحكم له بما حكم به للباري جل وعلا فهو عين الشرك الصريح، ومثل هذه العقائد الفاسدة الباطلة الكاذبة يلقيها أهل الغفلة من المنتمين للعلم في آذان العامة فتصادف منهم قبولا، وتجتمع عليها قلوبهم حتى يصير من المتعذر نزعها من أذهانهم، وربما كفروا من أنكرها عليهم، ورأوا أن إنكار ذلك نوع من الإلحاد في الدين واستخفاف بصاحب الشريعة المطهرة ﷺ "اه.
стр. 5218
قلت: هذه عقيدة أهل الحلول والاتحاد وهم القائلون بوحدة الوجود وإمامهم في ذلك محي الدين ابن عربي الحاتمي المكي صاحب ((فصوص الحكم)) و ((الفتوحات المكية)) وغيرها من الكتب الكفرية وهو القائل: "سبحان من أظهر الأشياء وهو عينها"وقال عبد الكريم الجيلي: "إن النصارى لم يكفروا بأصل الحلول وإنما كفروا بالحصر الذي تضمنه كلامهم أن الله هو المسيح لا غيره من الأشياء ولو عمموا لم يكفروا"وهذا الكلام مما تقشعر منه جلود المؤمنين، نقول فقول النبهاني: إن النبي ﷺ لا يخلو منه زمان ولا مكان ناقلا ذلك عن البرهان الحلبي هو من شعب ذلك الوادي.
وهناك بوصيري آخر. وهو إمام أهل الحديث في عصره وهو الإمام العلامة أحمد بن أبي بكر بن إسماعيل بن قايمماز عثمان بن عمر الكناني المحدث شهاب الدين ولد في محرم سنة ٧٦٢ سمع الكثير من البرهان التنوخي، والبلقيني، والعراقي، والهيثمي والطبقة وحدث، وخرج، وألف تصانيف حسنة، منها زوائد سنن ابن ماجه على الكتب الخمسة، وزوائد سنن البيهقي الكبرى على الكتب الستة، وزوائد المسانيد العشرة على الكتب الستة، وهي مسند الطيالسي ومسند مسدد بن مسرهد، والحميدي، والعدني، وابن راهويه، وابن جميع، وابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، وابن أبي أُسامة، وأبي يعلى ولم يزل مكبا على كتب الحديث وتخريجه إلى أن مات رحمه الله تعالى في محرم سنة أربعين وثمانمائة قاله الحافظ تقي الدين بن فهد المكي، فإن أردتم تشبيه النبهاني بهذا الحافظ فلا يرضى أحد من أهل العلم بالحديث فأرجو أن يكون قصدكم بالبوصيري محمد بن سعيد الشاعر المعروف.
وأما قولكم في حق النبهاني: "متمكن في اللغة العربية، والفنون الأدبية، مداوم المطالعة، ولم يشتغل بالتأليف في العلوم الأدبية مع تبحره فيها".
стр. 5219
قلت: ليس الواقع كما ذكرتم بل الشواهد والحقائق التي سوف أنقلها لكم من كلامه في كتابه الذي سماه شواهد في الاستغاثة بسد الخلق ترد عليه ردا قاطعا فتجعله إنسانا لم يشم رائحة العلم أو عنده علم إلا أنه خالف طريق العلم الصحيحة عنادا، وتكبرا وزورا، وبهتانا على أئمة الدعوة المحمدية، وإن كان الأول فهو أهون وإن كان الثاني فالخطب جلل كبير خطير.
إن كنت لا تدري فتلك مصيبة
وإن كنت تدري فالمصيبة أعظم
стр. 5220
قال الشيخ يوسف بن إسماعيل النبهاني في كتابه ((شواهد الحق في الاستغاثة بسيد الخلق)) المطبوع بمصر سنة ١٣٢٣هـ (: "الباب الثالث في نقل كلام الإمام العلامة ناصر السنة في هذا الزمان سيدي أحمد دحلان مفتي الشافعية في مكة المشرفة في كتابه خلاصة الكلام في بيان أمراء البلد الحرام، وذكر الشبه التي تمسك بها الوهابية، ينبغي أولا أن نذكر الشبهات التي تمسك بها ابن عبد الوهاب في إضلال العباد، ثم نذكر الرد عليه ببيان أن كل ما تمسك به زور، وافتراء، وتلبيس على عوام الموحدين، فمن شبهاته التي تمسك بها زعمه أن الناس مشركون في توسلهم بالنبي ﷺ وبغيره من الأنبياء والأولياء، والصالحين، وفي زيارتهم قبره ﷺ ، وندائهم له بقولهم: يا رسول الله نسألك الشفاعة، وزعم أن ذلك كله شرك، وحمل الآيات القرآنية التي نزلت في المشركين على الخواص والعوام من المؤمنين، كقوله تعالى: ﴿فَلا تَدْعُو مَعَ اللَّهِ أَحَداً﴾ وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاءً وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ﴾ وقوله تعالى: ﴿فَلا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ فَتَكُونَ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ﴾ وقوله تعالى: ﴿وَلا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَنْفَعُكَ وَلا يَضُرُّكَ فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذاً مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ وقوله تعالى: ﴿لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لا يَسْتَجِيبُونَ لَهُمْ بِشَيْءٍ إِلاَّ كَبَاسِطِ كَفَّيْهِ إِلَى الْمَاءِ لِيَبْلُغَ فَاهُ وَمَا هُوَ بِبَالِغِهِ وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلاَّ فِي ضَلالٍ﴾ وقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ إِنْ تَدْعُوهُمْ لا
стр. 5221
يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ﴾ وقوله تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ وَلا تَحْوِيلاً أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُوراً﴾ .
وأمثال هذه الآيات كثير في القرآن كلها حملها على الموحدين، قال محمد بن عبد الوهاب: إن من استغاث أو توسل بالنبي صلى عليه وسلم أو بغيره من الأنبياء والأولياء والصالحين أو ناداه أو سأله الشفاعة فإنه يكون مثل هؤلاء المشركين، ويكون داخلا في عموم هذه الآيات، وجعل زيارة قبر النبي ﷺ أيضا مثل ذلك [٨] .
قلت: هذا كلام شيخ والدكم نقلته لكم حرفيا، والذي وصفتموه بقولكم: "متمكن في اللغة العربية، والفنون الأدبية"يشهد عليه كلامه هذا بالجهل المركب، والسفاهة المتناهية لم يسبق لها مثال سابق في تاريخ العلم وأنا سوف أتصدى لكلامه هذا بالرد عليه فقرة فقرة مستعينا بالله جل وعلا ومستمدا العون منه لكي يتضح حاله وحال أتباعه الذين يضللون الأمة الإسلامية وما أكثرهم اليوم لا كثرهم الله تعالى.
فأقول: إن عنوان كتابه هذا (شواهد الحق بالاستغاثة بسيد الخلق) غير صحيح فضلا عما في داخل الكتاب من الضلال المبين، والكفر الصريح، والكتاب أجدر به أن يسمى شواهد الضلال والكفر والعياذ بالله.
стр. 5222
أخرج الإمام البخاري ومسلم وأحمد في مسنده من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: "قام فينا النبي ﷺ فذكر الغلول فعظمه، وعظم أمره"، قال: "لا ألفين أحدكم يوم القيامة على رقبته فرس له حمحمة يقول: يا رسول الله أغثني فأقول لا أملك لك شيئا قد أبلغتك، وعلى رقبته بعير له رغاء، يقول: يا رسول الله أغثني، فأقول: لا أملك لك شيئا قد أبلغتك، وعلى رقبته صامت، فيقول: يا رسول الله أغثني، فأقول: لا أملك لك شيئا قد أبلغتك أو رقبته رقاع تخفق فيقول: يا رسول الله أغثني، فأقول: لا أملك لك شيئا وقد أبلغتك ... " ثم ذكر الحديث [٩] ، قال الحافظ: "قوله: "لا أملك لك شيئا" أي من المغفرة لأن الشفاعة أمرها إلى الله تعالى، وقوله: "أبلغتك" أي فليس لك عذر بعد الإبلاغ [١٠] ". قلت فالشاهد في هذا الحديث الشريف على بطلان عنوان الكتاب - أي كتاب النبهاني - وعدم صحته واضح بين، وهو أنه ﷺ وإن كان هو صاحب الشفاعة العظمى - كما جاءت بذلك الأحاديث الكثيرة - لا يغيث يوم القيامة أحدا قبل أن يأذن الله تعالى له بالشفاعة العظمى ليشفع لمذنبي أمته ﷺ دون الكفار والمشركين، فكيف يستغاث به بعد انتقاله ﷺ من هذه الدنيا الفانية إلى رفيقه الأعلى مع أن يوم القيامة هو أقرب الأوقات وأنسبها للاستغاثة به ﷺ وهو الصادق المصدوق ﷺ يقول يوم القيامة لصاحب الفرس والبعير ويكرر: "لا أملك لك شيئا وقد أبلغتك" فالشيخ النبهاني في عنوان كتابه هذا يكذب النبي ﷺ في مقالته تلك المباركة يوم القيامة، والتي أجمعت الدنيا كلها من السلف والخلف من علماء السنة المطهرة وعلى رأسهم أئمة الهدى الأئمة الأربعة الإمام الجليل أبو حنيفة والإمام الشافعي، والإمام مالك والإمام أحمد بن حنبل والبخاري، ومسلم وغيرهم رحمهم الله تعالى على أن تلك المقالة صدق، وحق
стр. 5223
ودين وأن صاحب الفرس الذي يأتي إلى النبي ﷺ مستغيثا به أن ذنبه ذلك ليس من الشرك بل من الكبائر، والذي يتبرأ منه ﷺ قبل أن يأذن له ربه جل وعلا بالشفاعة، فكيف حال من يدعوه من دون الله تعالى ويستغيث به في أمور لا يستطيعها أحد إلا المولى جل وعلا.
ومن هذا القبيل خطابه ﷺ لابنته البتول فاطمة الزهراء أم الحسن والحسين ﵃ أجمعين وعمته صفية بنت عبد المطلب الهاشمية القرشية ﵂، أخرج الإمام البخاري في الصحيح من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: "قام رسول الله ﷺ حين أنزل الله تعالى عليه: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ﴾ قال: "يا معشر قريش أو كلمة نحوها اشتروا أنفسكم لا أغني عنكم من الله شيئا.. يا بني عبد مناف لا أغني عنكم من الله شيئا، يا عباس بن عبد المطلب لا أغني عنك من الله شيئا، يا صفية عمة رسول الله لا أغني عنك من الله شيئا، ويا فاطمة بنت محمد سليني ما شئت من مالي لا أغني عنك من الله شيئا" [١١] . ومن هذا القبيل ما أخرجه الإمام أحمد في المسند من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه بإسناد صحيح، خطابه ﷺ لعمه العباس بن عبد المطلب رضي الله تعالى عنه قال العباس ﵁: "يا رسول الله أنا عمك كبرت سني، واقترب أجلي فعلمني شيئا ينفعني الله به"، قال: "يا عباس أنت عمي ولا أغني عنك من الله شيئا ولكن سل ربك العفو والعافية في الدنيا والآخرة" قالها ثلاثا". الحديث [١٢] . فكان النبي ﷺ معاذ الله - عند الشيخ النبهاني - ومن سار على نهجه - الذي هو متمكن في اللغة العربية ومحب آل البيت في نظركم في عنوان كتابه ((شواهد الحق في الاستغاثة بسيد الخلق)) غير صادق في خطابه هذا لجملة من أقاربه ﷺ وهم عمه العباس وعمته صفية وابنته فاطمة رضي الله تعالى عنهم.
стр. 5224
وهؤلاء الثلاثة الذين تخلفوا من أكابر الصحابة رضي الله تعالى عنهم في غزوة تبوك عن رسول الله ﷺ وهم كعب بن مالك وهلال بن أمية، ومرارة بن الربيع ﵃ الذين اعترفوا بتخلفهم من غير عذر عند رسول الله ﷺ فقال لهم ﷺ تلك المقالة المعروفة التي تناقلها ثقاة المحدثين بأسانيدهم الصحيحة عن رسول الله ﷺ : "قوموا حتى يقضي الله فيكم وليس لكم عندي شيء يخرجكم من موقفكم هذا"، ونهى جميع الصحابة ﵃ عن كلامهم إياهم، فكان أمرهم، وشأنهم معروفا معلوما لدى جميع الصحابة ﵃، وقد صور القرآن الكريم حالتهم التي توصلوا إليها في النهاية إذ يقول جل وعلا في محكم كتابه ﴿وَعَلَى الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَنْ لا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلاَّ إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ ١٨ التوبة.
لماذا لم يستغيثوا برسول الله ﷺ وهو بين أظهرهم ﷺ ولماذا لم يغثهم رسول الله ﷺ في تلك الحال وهو رؤوف رحيم كما وصفه ربه جل وعلا في كتابه إذ يقول جل وعلا: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ﴾ .
стр. 5225
أهذه الآيات نزلت أيضا في قريش في نظر الشيخ النبهاني الذي هو متمكن في اللغة العربية عندكم فانظر حال من اعتذر بتخلفه عن رسول الله ﷺ من الكذبة المنافقين وغيرهم الذين قبل منهم رسول الله ﷺ عذرهم وبايعهم ودعا لهم بالمغفرة ﷺ ومبايعته فكان دعاؤه لهم حسب ما ظهر له ﷺ من أمرهم وشأنهم دون ما كان في قلوبهم وضمائرهم من الكذب والغش ولم يفدهم ذلك شيئا بل زادهم نقمة وعذابا، وقد صور القرآن الكريم حالتهم إذ يقول جل وعلا: ﴿يَعْتَذِرُونَ إِلَيْكُمْ إِذَا رَجَعْتُمْ إِلَيْهِمْ قُلْ لا تَعْتَذِرُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكُمْ قَدْ نَبَّأَنَا اللَّهُ مِنْ أَخْبَارِكُمْ وَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ سَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ إِذَا انْقَلَبْتُمْ إِلَيْهِمْ لِتُعْرِضُوا عَنْهُمْ فَأَعْرِضُوا عَنْهُمْ إِنَّهُمْ رِجْسٌ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ يَحْلِفُونَ لَكُمْ لِتَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنْ تَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لا يَرْضَى عَنِ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ﴾ ١٩٦ التوبة.
стр. 5226
فكفى الشيخ النبهاني معصية كبيرة على أقل تقدير أن يكذب الله تعالى في كلامه هذا المبارك ورسوله ﷺ في صحيح سنته المطهرة في عنوان كتابه هذا شواهد الحق بالاستغاثة بسيد الخلق. وقد استغاث به ﷺ في آخر حياته عبد الله بن أبيّ بن سلول المنافق المعروف عندما بعث ابنه عبد الله الصحابي الجليل رضي الله تعالى عنه إلى رسول الله ﷺ وذلك بعد مرجعه ﷺ من غزوة تبوك لكي يدعو له ويصلي عليه بعد موته، وفعلا توجه إليه رسول الله ﷺ فدعا له وصلى عليه صلاة الجنازة وهو على قبره وقد ذكر عمر رضي الله تعالى عنه النبي ﷺ بجميع مواقف هذا المنافق التي وقفها ضد الدعوة المحمدية.
ألم تكن هذه استغاثة تمكن منها النبي ﷺ في حياته الدنيوية في حق ابن أبيّ بن سلول؟ ولكن ماذا كان من أمرها، وشأنها فيما بعد، هل نفعت صاحبه مع اعترافه بمقام النبي ﷺ الرفيع عند مولاه جل وعلا؟
стр. 5227
نعم: ينزل القرآن بعد وقفات قليلة مبينا حال هذه الاستغاثة، وقيمتها إذ يقول جل وعلا مخاطبا نبيه الشافع العظيم في يوم الجزاء ﷺ ﴿اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾ نقف هنا قليلا لكي نطلع على موقف المصطفى ﷺ بعد نزول هذه الآية الكريمة هل توقف ﵊ عن الاستغفار والدعاء له من ربه جل وعلا في حق ابن أبيّ بن سلول فثارت فيه عاطفته العظيمة ورحمته المثالية، ورأفته الشامخة كما وصف الله جل وعلا فاستمر في الدعاء والاستغفار للمنافق المذكور وقال ﷺ إن الله تعالى لم ينهني في هذه الآية صراحة عن الاستغفار والدعاء وسوف أزيد عليه فوق السبعين ما لم أنه عنه، ولا يزال الفاروق يذكره مواقف هذا الظالم المنافق ويقول له ﷺ فداك أبي وأمي إن الله قد نهاك في هذه الآية وقد وردت الأحاديث الصحيحة الكثيرة في هذا المعنى، ولم يقتنع المصطفى ﵊ بكلام عمر رضي الله تعالى عنه ثم ينزل القرآن الكريم لفصل الخطاب إذ يقول جل وعلا: ﴿وَلا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَداً وَلا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ إِنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَمَاتُوا وَهُمْ فَاسِقُونَ﴾ . ولقد عرفنا إن شاء الله تعالى أثناء سرد هذه الأدلة من الكتاب والسنة أن تسمية الشيخ النبهاني لكتابه ذلك باطل شرعا، وعقلا، وأما الشرع فقد مضت بعض الأدلة على ذلك فارجع إليها أيها الأخ الكريم بالنظر الصحيح، والعقل السليم، وأما العقل فهو يمنع الإنسان الفطري عن هذه الغواية، والضلالة التي تمسك بها النبهاني ومقلدوه لأنها تخالف دعوة جميع الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام الذين
стр. 5228
بعثهم الله تعالى ببعثة مباركة عظيمة بتوحيد الإنسانية كلها إلى خالقها، وبارئها جل وعلا في جميع أنواع العبادة، دون أن تصرف منها شيئا لغير الله تعالى. سواء كان هذا الغير ملكا مقربا أو نبيا مرسلا، أو وليا صالحا، فإن عبدوا واستغيث بهم بعد موتهم في أمر لا مجال لهم في التصرف فيه، ولا قدرة لهم في العطاء والمنع، فعبادتهم راجعة إلى الشيطان اللعين، لأنه هو الذي تسبب في تحويل هذه الفطرة السليمة إلى الفطرة الخبيثة وهذا واضح بيِّن جلي لا يخفى على أحد ممن فطره الله تعالى على فطرة سليمة، فكان هذا الكتاب معولا هداما، ووسيلة خبيثة، وسعيا شيطانيا في الموقوف أمام دعوة جميع الأنبياء والرسل الذين يقول الله تعالى في حقهم: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ .
стр. 5229
وأما قول الشيخ النبهاني في استشهاده من كلام إمامه الشيخ أحمد زينني دحلان وتلقيبه له بأنواع من الألقاب الضخمة ومنها قوله فيه: "الإمام العلامة ناصر السنة الخ"فقد قلدتموه أنتم أيضا في رسالتكم ((إتحاف ذوي الهمم العلية برفع أسانيد والدي السنية)) بتلقيبكم له أعظم، وأكبر مما لقبه به شيخ النبهاني إذ قلتم: إنه شيخ الإسلام، ومفتي الأنام، والحجة، والمشارك، الزاهد، الناسك، وغير ذلك من الأوصاف الكبيرة، وقد بينت بعض حاله، وكشفت عن بعض أمره وهو لا يستحق هذه الأوصاف بحال من الأحوال، وكنت قد نقلت عن الأستاذ الكبير العلامة الشيخ محمد رشيد رضا من مقدمته العلمية التي وضعها على كتاب صيانة الإنسان من وسوسة الشيخ دحلان للعلامة الأثري الشيخ بشير السهسواني الهندي رحمه الله تعالى. ولقد عرفنا ببعض المعرفة عن حقيقة هذا الرجل أعني أحمد زيني دحلان، وما تمسك به من العقائد الفاسدة الخرافية مع أدلتها التي هي أضعف من بيت العنكبوت، فارجع أيها الأخ الكريم إلى كتاب صيانة الإنسان فإن فيه زيادة، وكفاية إن شاء الله تعالى.
وأما الشبهات التي نقلها محبكم، ومحب آل البيت في نظركم عن شيخه أحمد زيني دحلان وهو بدوره يزعم فيقول: ناقلا عن شيخ الإسلام، ومجدد الملة المحمدية الحنيفية السمحة الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى بنقل غير معزو إلى أحد من كتبه الجليلة ورسائله النافعة، إذ قال عامله الله بما يستحق: "فمن شبهاته التي تمسك بها زعمه أن الناس مشركون في توسلهم بالنبي ﷺ "قف!
стр. 5230
أين قال ذلك شيخ الإسلام، وفي أي كتاب صرح فيه بأن مجرد التوسل بالنبي صلى الله وعليه وسلم وبغيره من إخوانه الأنبياء والصالحين شرك يخرج عن الملة؟ فإن ثبت عنه رحمه الله تعالى ذلك بنقل صحيح في كتاب ما من كتبه العظيمة أو رسائله النافعة فيحمل على تلك الوسيلة الشركية التي يطلب فيها أصحابها من النبي ﷺ ما نفاه عن نفسه الزكية الطاهرة في أحاديثه الصحيحة المخرجة في الكتب الصحاح المعتبرة عند أهل الحديث، وما نفاه عنه مولاه جل وعلا في محكم كتابه إذ قال جل وعلا مخاطبا نبيه ﷺ عندما كان يحاول بحرصه الشديد هداية عمه أبي طالب عند موته قال الله تعالى: ﴿إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ القصص - وقال جل وعلا في سورة النحل: ﴿إِنْ تَحْرِصْ عَلَى هُدَاهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَنْ يُضِلُّ﴾ وأما توسل الصحابة رضي الله تعالى عنهم بدعائه ﷺ في حياته فهذا مشروع ثابت بأسانيد صحيحة كثيرة لا غبار على صحتها، ومن ينكر ذلك فهو ضال مضل، ولم ينكر شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى هذه الوسيلة أبدا بل إنها جائزة ومستحبة في نظره وأنظار أهل الحديث رحمهم الله تعالى وهي أيضا مشروعة في حق كل من كان من أهل الخير والصلاح والعبادة، والزهد، والورع وهو على قيد الحياة يطلب منه الدعاء، ويقال له: ادع الله لي يا أخي بصلاح الدين والدنيا والآخرة، ونحو ذلك، وأما توسل الصحابة رضي الله تعالى عنهم بذاته الشريفة أو ذوات أخرى من الأنبياء والرسل والصالحين الميتين فلم يثبت في ذلك حديث صحيح خال من الشذوذ، أو عمل من أحد الصحابة بعد انتقال المصطفى ﷺ إلى رفيقه الأعلى إلا حديث الأعمى الذي تشبث به الشيخ النبهاني ودندن حوله، ومعه مقلدوه، وأتباعه فهم كثيرون - لا كثرهم الله تعالى - فأني سوف أتكلم عليه بالإسهاب متنا،
стр. 5231
وإسنادا إن شاء الله تعالى عند الرد على الشيخ النبهاني باستدلاله به، وبأحاديث أخرى على دعواه الباطلة، كل ذلك بالتفصيل، فكان هذا التوسل بذاته الشريفة، وبذوات أخرى عملا محدثا في الإسلام، نشأ عن الجهل، وقلة العلم بقواعد الشريعة الغراء، ومناف لكمال عدل الله تعالى، ورحمته، وشفقته على عباده، ومخالفا للقواعد الإسلامية التي بنى عليها رسول الله ﷺ دعوته وجهاده لإعلاء كلمة الله تعالى، ولم يقل أحد من أهل العلم إن هذه الوسيلة شرك، بل إنه عمل محدث في الإسلام، وإن صاحبها والمتمسك بها على خطر عظيم، جسيم من أمر دينه، فليحذر منها، لأنه على قنطرة إبليسية خطيرة، تسقطه في أحضان الشرك في يوم من الأيام.
وأما مقالة النبهاني الشنيعة في شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى وهي قوله: "إن كل ما تمسك به الوهابية،، وابن عبد الوهاب في إضلال العباد فهو زور، وافتراء وتلبيس على عوام الموحدين".
قلت: الأمر بالعكس كما سيأتي ذلك مفصلا إن شاء الله تعالى عند كلامي على الآيات القرآنية التي ساقها النبهاني في كتابه الباطل، وجعلها خاصة في كفار مكة الذين حاربوا دعوة رسول الله ﷺ ، ولا يتناول منطوقها ولا مفهومها في نظره بعد وفاة النبي ﷺ أحدا من المسلمين الحاليين، فلا يوجد في زعمه كفر ولا شرك أصلا بعد وفاة النبي ﷺ في ذرية الذين آمنوا به ﷺ إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، هكذا زعم هو وأتباعه الذين قلدوه في نظريته هذه.
((ما هو مفهوم كلمة الوهابية عند النبهاني وأتباعه؟)) .
стр. 5232
لقد كنت في بلادي السند وأنا صغير لم أبلغ الحلم وأسمع هذه الكلمة من أفواه مشائخ الطرق الذين كانوا دائما، وأبدا يحذرون عوام الناس وخواصهم منها، ووضعوا لها مفهوما خطيرا، تقليدا لغيرهم ممن سمعوا منهم لدعاية خبيثة ماكرة مع علمهم أنها جاءت من أسيادهم المستعمرين الذين كانوا يحكمون البلاد الهندية وغيرها بالحديد والنار لكي يسدوا بها الناس لئلا يقبلوا على هذه الدعوة الكريمة التي جدد الله بها دينه، وأعلى بها كلمته، وكان العدو يخشى من ظهور هذه الدعوة الكريمة، وانتشارها في العالم كله خصوصا في القارات التي كانت تحت سيطرته وبطشه لأن هذه الدعوة الكريمة كانت تقف أمام العدو بالمرصاد وتحول بينه وبين تنفيذ مخططاته الاستعمارية الخبيثة، ولم يكن هذا النوع من الدعوة الكريمة منحصرا وجوده في (نَجْد) وحدها فقط بل كان في كل مكان وزمان، وهناك رجال مخلصون يدعون إلى هذه الدعوة الكريمة إلا أن الدعوة لم تلق دعما قويا، ومساندة فعالة مثالية إلا في ديار نجد على يد الأمراء السعوديين وعلى رأسهم الإمام محمد بن سعود تغمده الله تعالى برحمته ورضوانه وجعل الجنة مثواه وسائر أبناءه وأحفاده رحمهم الله تعالى فتقوى أمر هذه الدعوة السامية فصار لها صدى عظيم في أنحاء العالم وأعدل دليل على ذلك أن من سمع الإذاعة البريطانية في تلك الأيام المباركة التي رجعت هذه البلاد مرة ثانية إلى أهلها كانت تقول الإذاعة البريطانية: إن الجيش الوهابي فعل كذا، وترك كذا ومن هنا كان انتشار هذه الكلمة بمفهومها الخاص في أطراف العالم نعم وصل صوت الدعوة الحلو الرنين من أقصى الدنيا إلى أعلاها، ومن أعلاها إلى أقصاها، في وقت لم تكن وسائل المواصلات موجودة البتة بمثل ما توجد في الوقت الحاضر، إلا أن العدو اللعين الماكر اتخذ بسياسته الماكرة الخبيثة، وحيله الإبليسية دفاعا لنفسه، ومخططاته الاستعمارية سماسرة مأجورين من كل نوع وصنف في كل مكان ممن عرفوا ببيع
стр. 5233
الضمائر رخيصة للاستعمار وهم ينتسبون إلى العلم زورا، وبهتانا أمثال الشيخ أحمد زيني دحلان بمكة، والنبهاني بالشام، وأحمد رضا خان بالهند وغيرهم عاملهم الله تعالى بما يستحقون.
نعم فاتخذهم العدو واشترى ضمائرهم بمبلغ كبير من المال لكي يشوهوا حقائق هذه الدعوة السامية فأساؤا إليها بتلصيقهم إياها بأنواع من الدعايات المغرضة الفاسدة فحرفوا مبادئها العليا، وقواعدها الرفيعة وفي ضوء تلك الدعاية حرفوا القرآن الكريم ونصوص السنة الصحيحة حسب هواهم الفاسد، فجعلوا لهذه الكلمة (الوهابية) مفهوما خاصا، ومعنى بشعا خبيثا لكي يدندنوا حوله فلما كان نجد قد ورد ذكره في الأحاديث الصحيحة وعدم دعاء الرسول ﷺ لأهله دون أن يحققوا ما هو النجد المعني في الحديث الشريف، ولم يلتفتوا إلى تلك القرائن الواضحة الظاهرة التي تنطبق على ذلك النجد، وما هو كلام أهل الحديث من أمة محمد ﷺ في نجد الذي عناه رسول الله ﷺ وفي حديثه.. وقد ذكر العلامة ياقوت الحموي في معجم البلدان عشرات من النجود وكذا غيره وليس المراد الذي عينوه هم فتركوا كل هذا مع علمهم ويقينهم أن نجدا الوارد في الحديث ليس هو الذي عينوه، وأشاروا إليه في هذه الدعاية الماكرة الخبيثة الفظيعة التي أقامها الاستعمار وعملاؤه في أطراف العالم على أنقاض هؤلاء السماسرة الدخلاء المأجورين، ومن هنا كان هذا المفهوم الجديد الخبيث شائعا في أطراف العالم وهو أن الوهابية تعادي الرسول ﷺ وتحرم الصلاة عليه، وهدمت القباب والأبنية التي كانت مبنية على قبور الصحابة وغيرهم رضي الله تعالى عنهم، وكان للاستعمار في كل بلد، وقرية ممثل يقوم بنشر هذه السخافات والترهات، ومن هنا انتشرت ((كلمة الوهابية)) في العالم كله في شرقه، وغربه، وجنوبه، وشماله، بمفهومها الخاص، فانظر فلسفة المستعمر أن الداعي في نجد إلى هذه الدعوة المحمدية كان
стр. 5234
اسمه بلا خلاف بين جميع المسلمين (محمد بن عبد الوهاب) فكان من الواجب أن تنسب الدعوة بمفهومها الخاص عند هؤلاء بالقياس الصحيح عند جميع أهل اللغة (بالمحمدية) لأن اسم صاحبها والداعي لها ((محمد)) وليس الوهاب إلا أنهم لم يرضوا بهذه النسبة الصحيحة الموافقة للواقع واللغة العربية خوفا على كشف مؤامرتهم الخبيثة أمام عوام الناس من المسلمين وخواصهم لأن الدعوة إذا حملت اسما صحيحا، ونسبة صحيحة فلا بد لها من قبول، وإقبال عليها لأنها تحمل اسم رسول الله ﷺ ، وكنت ممن اغتر بهذه الدعاية الماكرة الخبيثة وأنا في بلدي - السند - فلما أكرمني الله تعالى بالهجرة إلى هذه البلاد المقدسة وذلك في عام ١٣٦٨هـ من بلدي ومسقط رأسي حظيت بلقاء إنسان كريم فاضل جاء من الهند إلى المدينة مهاجرا إلى الله تعالى، وكان حاله سابقا كحالي إلا أنه ﵀ التجأ بعد الله تعالى إلى مطالعة كتب شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى عن طريق الشيخ العلامة الطيب الأنصاري رحمه الله تعالى فتلذذ بمطالعتها جدا حتى اعتنق العقيدة السلفية عن طريق هذه الكتب النافعة ولا بد من ذكر هذا الرجل رحمه الله تعالى وهو العلامة الأثري الشيخ رشيد أحمد بن إبراهيم الهندي رحمه الله تعالى المتوفى في ذي القعدة عام ١٣٨١هـ بالمدينة المنورة وكان رحمه الله تعالى قد أسس بعد اعتناقه العقيدة السلفية مدرسة بناء على موافقة سامية كريمة سماها دار العلوم السلفية، ومن هنا بدأت لي حياة جديدة بلقاء هذا الرجل الكريم فكان يلقي إليّ دروسه في المسجد النبوي الشريف مساء وكان يبكي كثيرا عند إلقائه الدروس في التوحيد فرحا، واستبشارا وكان يقول دائما رحمه الله تعالى لو مت يا بنيّ قبل اعتناق هذه العقيدة الصافية النقية لمت على غير ملة الإسلام، ولما كان يأتي اسم شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى وكذا اسم الإمام ابن القيم والإمام المجدد شيخ الإسلام محمد بن عبد
стр. 5235
الوهاب رحمه الله تعالى أثناء إلقائه الدروس كان يترحم عليهم كثيرا ويمجد ذكرهم وشأنهم ودائما يوصي الطلبة بمطالعة كتبهم رحمه الله تعالى وفي تلك الأيام بالذات قد كشف الله تعالى عن قلبي الغطاء ثم عرفت بعد ذلك أن الدنيا والله في غيبوبتها وضلالها إلا ما شاء الله تعالى، ولقد تأكدت حينئذ تماما أن هذه الوهابية المزعومة في أنظار هؤلاء لا تعادي الرسول ﷺ أبدا وإنما هي التي تحبه وحدها، لما درست عنها دراسة وافية شافية وعما تعتقده في رسول الله ﷺ وهي التي توجب الصلاة على رسول الله ﷺ ، وتجعلها ركنا من أركان الصلاة، فإن تركها أحد عامدا، أو ناسيا بطلت صلاته عندها وهذا هو مذهب أهل الحديث، وبينما تنص كتب أخرى فقهية والتي تمسك بها هؤلاء الذين أقاموا هذه الدعاية الكبرى فإن الصلاة على رسول الله ﷺ ليست ركنا من أركان الصلاة عندهم فإن تركها أحد ناسيا سجد سجدتي سهو، فلا تبطل صلاته عندهم، ومن هنا كتب العلامة المحدث الشيخ مسعود علم الندوي كتابا بارعا عظيما في ترجمة شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى في اللغة الأردية دفاعا عن رسول الله ﷺ ، وعن دعوته الكريمة وفند جميع شبه أهل الباطل من عباد القبور والأضرحة التي تمسكوا بها فجزاه الله تعالى أحسن الجزاء، وجعل الجنة مثواه هذا هو مفهوم الوهابية عند النبهاني والدحلان وأتباعهما فقد أكثرا من استعمال كلمة الوهابية في كتبهم ورسائلهم التي سبق الوصف الدقيق عنها. وللمقال بقية في العدد القادم وصلى الله عليه وسلم وبارك على عبده ورسوله محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
--------------------------------------------------------------------------------
стр. 5236
[١] من ترجمة المؤلف لشيخنا العلامة محمد بن عبد الله بن سبيل من غاية الأماني في الرد على النبهاني ص١٠/١.
[٢] إتحاف ذوي الهمم العلية ص ٢٦_٢٧.
[٣] الإصابة ٣٢٦/١.
[٤] معجم المؤلفين ٢٧٥-٢٧٦/١٣.
[٥] الإعلام ٢٢٩/٩.
[٦] المائدة: ٤٤– ٤٥– ٤٧ انظر غاية الأماني ٥٣/١.
[٧] غاية الأماني في الرد على النبهاني ص٥٩/١.
[٨] شواهد الحق للنبهاني ص٧٥_٧٦ من طبعة سنة ١٣١٣ بمصر.
[٩] أخرجه البخاري: الجهاد ١٨٩، مسلم: الإمارة ٢٤ن والإمام أحمد في: السنة ٤٢٦/٢.
[١٠] فتح الباري ١٨٥_١٨٦/٦.
[١١] أخرجه البخاري في الجامع الصحيح.
[١٢] الإمام أحمد في المسند ٢٠٦/١.
стр. 5237
اهتمام القرآن بالعلم
لفضيلة الشيخ أحمد عبد الرحيم السايح
إن من يمعن النظر.. في أعماق الحضارة الإسلامية، وما حققته للإنسانية من أسباب النمو، وعوامل الازدهار.. ويلم بما جاء به الفكر الإسلامي، من مفاهيم تناولت أهم معضلات الحياة..
إن من يتعمق في ذلك.. يدهشه مدى عمق التفكير الواعي، الذي بلغ ذروته علماء الإسلام.. ويتضاعف إعجاب الباحث، بهذا الفيض الزاخر من الجهود العلمية العظيمة التي ملأت الدنيا..
وتزداد دهشة المفكر، ويتعاظم تمجيده، لحركة التحول الخطيرة التي أصابت المجتمع العربي، في تلك الفترة القصيرة..
تُرَى.. أي سر هذا الذي استطاع أن يحول عرب الصحراء، إلى أساطين في العلم، ومشاعل في الحضارة، وأفذاذ في المعرفة، ومنارات في الثقافة؟ وأي قوة رفعت العرب من حال البداوة التي كانوا عليها، إلى أبطال وقادة، غير هيابين ولا وجلين؟.
وترى. . كيف نفسر سرعة تطور العرب من الجاهلية الجهلاء.. إلى الحضارة العلياء، في أقل مدة عرفتها الإنسانية؟.
تقول الكاتبة الألمانية الدكتورة (سيجريدهونكه) : "إن هذه الطفرة العلمية الجبارة، التي نهض بها أبناء الصحراء، من العدم، من أعجب النهضات العلمية الحقيقية، في تاريخ العقل البشري".
وليس من المعقول في نظر المفكر، والباحث، والدارس.. أن يطفر الفكر العربي الذي قيدته ظروف الحياة القبلية الآسنة اليبوس، إلى مثل هذه المرتبة العالية، دون أن تكون هناك الأسباب القوية التي دفعت به إلى الحياة المتحركة دفعا..
стр. 5238
ومن المُسَلَّم به، أنه لم تظهر قبل الإسلام.. أية دلائل على التطور الفكري من العرب المنتشرين في الجزيرة العربية [١] .. وكان الشعر، والخطابة والتنجيم، أحب شيء إلى عرب الجاهلية إذن.. ما هي تلك الأسباب التي استقى منها الفكر العربي، مادة حيويته، وتطوره؟ وما هي الموارد التي نهل منها أسباب تكامله، وقوته؟؟..
إن المنبع الأول والأصيل في كل ذلك.. هو: القرآن الكريم.. وذلك أن القرآن، لم يكن كتاب دين يحث على العبادة فحسب.. وإنما كان إلى جانب تأكيد وحدانية الله، وما يتبعها من عقائد، وعبادات، وأوامر، ونواهي، كان أعظم الدساتير التي عرفتها الإنسانية، في تاريخها الطويل الممتد عبر الزمن.. وذلك بما تضمنه من القواعد الرصينة الكفيلة بقيام المجتمع الإنساني الصالح.
ولقد كان أول أثر من آثار القرآن في الفكر الإنساني.. اهتمامه الواسع بالعلم.. وذلك أن العلم أساس التقدم والتعاون، وتبادل الخبرات والمنفعة، وقد كانت عناية القرآن بالعلم.. تفوق حد الوصف..
تأمل القرآن وتدبر آياته، تجده يدعو إلى تحكيم العقل والمنطق، في مظاهر الكون، وأحداث الماضي..
ولقد اشتمل القرآن على ستة آلاف ومائتين وستة وثلاثين آية.. منها سبعمائة وخمسون آية كونية وعليمة.. احتوت أصولا وحقائق تتصل بعلوم الفلك والطبيعة، وما وراء الطبيعة، والأحياء، والنبات، والحيوان، وطبقات الأرض، والأجنة، والوراثة، والصحة، والصحة الوقائية، والتعدين والصناعة، والتجارة، والمال، والاقتصاد، إلى غير ذلك من أمور الحياة.. واحتوت باقي الآيات على الأصول والأحكام في المعاملات، وعلاقات الأمم والشعوب، في السلم والحرب، وفي سياسة الحكم، وإقامة العدل، والعدالة الاجتماعية.. وكل ما يتصل ببناء المجتمع..
стр. 5239
وهذا كله بخلاف العبادات، والعقائد، والتكاليف، والقصص، والمواعظ، والأمثال، وغير ذلك من شتى أمور الدين والدنيا.. مما كان محلا للدراسة والاستنتاج، والتخريج، والتأصيل، والبحث، والتنقيب.. وكان أساسا لعلوم الفقه، والتفسير، والحديث والأصول، والأخلاق، والبلاغة، والنحو، والأدب.. ذلك أن القرآن من العمق، والاتساع، والعموم، والشمول.. بما يقبل تفهم البشر له.. أياً كان مبلغهم من العلم، وبما يفي بحاجاتهم في كل عصر، ويتجاوب مع أهل البداوة في يسر، ويبهر في عمقه أهل الحضارة الذين صعدوا في سلم الرقي، وبرعوا في فنون العلم والمعرفة.
واسم القرآن نفسه مشتق من القراءة، والقراءة أدنى مفاتيح العلم للإنسان.. وللقراءة أهميتها الكبرى، في التقدم العلمي والفكري.. وما دام الإنسان يقرأ فإنه إلى نمو ثقافي رائع..
وأول ما تنزل على محمد ﷺ ، خمس آيات.. هي قوله تعالى..: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ خَلَقَ الأِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ اقْرَأْ وَرَبُّكَ الأَكْرَمُ الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ عَلَّمَ الأِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾ ..
فالقراءة مفتاح العلم، والطريق الدائم للمعرفة.. لذلك كما ترى كان الأمر القرآني الأول لرسول الله، ﷺ ، أمرا متكررا للقراءة، وأوضحها مؤكدا ما رمى إليه من معنى وهو: العلم، والتعلم، والتعليم.. بكل ما تحمله الكلمات الثلاث في أصلها الصرفي من أبعاد خيرة، ومجالات نافعة.. [٢]
стр. 5240
وزاد القرآن التأكيد بذكر القلم.. والقلم من أعظم نعم الله على عباده.. إذ به تخلد العلوم، وتثبت الحقوق، وتعلم الوصايا، وتحفظ الشهادات، ويضبط حساب المعاملات الواقعة بين الناس.. وبهذا تقيد أخبار الماضين للباقين اللاحقين.. ولولا الكتابة لانقطعت أخبار بعض الأزمنة عن بعض ودرست السنن، وتخبطت الأحكام، ولم يعرف الخلف مذهب السلف. وكان معظم الخلل الداخل على الناس، في دينهم، ودنياهم، إنما يعتريهم من النسيان الذي يمحو صور العلم من قلوبهم، فجعل لهم الكتاب وعاء حافظا، من الضياع.. كالأوعية التي تحفظ الأمتعة من الذهاب والبطلان [٣] .
وأول قسم في القرآن أقسم به رب العزة.. صدر بحرف من حروف الهجاء، وكان بالقلم وبما يسطر العالمون..قال تعالى: ﴿ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ﴾ .
فأول سورة نزلت من القرآن.. سورة العلق.. ومن العلق يخلق الإنسان، وكانت السورة التالية لسورة العلق، هي سورة القلم، وبالقلم يكتب ويتعلم الإنسان..
فإنسانية الإنسان لا تكون إلا بالخلق، ولا تتم إلا بالعلم..
وما ألطف قول الشاعر:
إذا افتخر الأبطال يوما بسيفهم
وعدوه مما يكسب المجد والكرم
كفى قلم الكتاب مجدا ورفعة
مدى الدهر أن الله أقسم بالقلم
وأقسم الله في سورة القلم.. بالقلم والكتب، فتحاً لباب التعليم بهما، ولا يقسم ربنا إلا بالأمور العظام. فإذا أقسم بالشمس والقمر، والليل والفجر، فإنما ذلك لعظمة الخلق، وجمال الصنع، وإذا أقسم بالقلم والكتب، فإنما ذلك ليعم العلم والعرفان وبه تتهذب النفوس، وترقى شئوننا الاجتماعية والعمرانية [٤] .
وما أروع لفظ ﴿وَمَا يَسْطُرُونَ﴾ حيث يشمل كل فنون الكتابة والتعبير عما في الضمير، بالرسم، والرمز، ويشمل كل آلة أو نظام استحدث للتوصل إلى ذلك، من آلات، ومعدات حدثت أو ستحدث [٥] ..
стр. 5241
والقرآن.. يهتف بالإنسانية: ﴿وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلاً﴾ ..
وبجانب هذا يرفض أن يقف بالعلم عند حد.. بل يفتح للإنسانية باحة ليس لها نهاية..
ولقد وضع القواعد السليمة، لوزن المعلومات، وتمييز صحيحها من زائفها. فقرر أن المسائل لا تأخذ الطابع العلمي، ولا ترقى إلى درجة المعلومات.. إلا إذا قامت عليها بينة، واستندت إلى دليل، ومن ثم كان القرآن ولا يزال ينادي دائما: ﴿قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ .. ﴿قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا﴾ ..
﴿وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً﴾ .
وهذه الآية الأخيرة.. تنهى عن اتباع ما لم يقم به علم يستند إلى حجة سمعية، أو رؤية بصرية، أو براهين عقلية.. وهي طرق الاستدلال التي تنحصر في العقليات، والسمعيات، والمحسوسات..
وهذا الميزان الذي وضعه القرآن دفع بالناس دفعا، إلى تلمس الأدلة، ومعرفة ما يفيد المجتمع.. قال تعالى في سورة البقرة: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ لآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ ..
فأمعن الناس فكرهم في هذا الكون الفسيح، وأنعموا النظر فيما حوى من عجائب، ليستغلوا ما حواه من موارد.
وتتكرر كلمة العلم بجميع اشتقاقاتها وتصريفاتها في سور وآيات القرآن تكرارا، يكفي لتقدير منزلة العلم والعلماء..
стр. 5242
وكلمة العلم في القرآن عامة.. تشمل مختلف أغراضه ومراميه.. ويرشدنا هذا العموم، إلى أن العلم في القرآن، ليس خاصا بعلم الشرائع والأحكام.. إنما المراد هو كل علم يفيد الإنسان، توفيقا في القيام بمهمته، التي على كاهله، منذ قدر الله خلقه، وجعله خليفة في الأرض..
فإدراك ما يصلح النبات والأشجار علم.. وإدراك ما يصلح الحيوان والطير علم.. وإدراك موارد الصناعية وكيفياتها علم.. وإدراك الأمراض وعللها والوقاية منها علم.. وإدراك الأمم لكل ما يفيد المجتمعات الإنسانية علم..
فالعلم في القرآن يشمل كل أنواع المعرفة، التي تتصل بكل ما يفيد الناس، في دينهم، ودنياهم، وفي معاشهم ومعادهم، وفي أجسادهم وأرواحهم. ولهاذ كله.. فسح القرآن مجال العلم للعقل الإنساني، وتعدى به أسوار الطبيعة وتغلغل به في أسرار الكون والحياة.. ولم يقف به عند حدود الماديات الطبيعية، بل تعداها إلى كل شيء في الحياة يفيد المجتمع، ويعود عليه بالتقدم والرقي.. ومن هذا المنطلق.. عرف المسلمون منزلة العلم وفضله.. وأدركوا مبلغ الحاجة إليه.. وأنه هو الذي يوضح لهم معالم الطريق، ويفتح أمامهم آفاق الحياة.. فوجهوا عزائمهم إلى طلب العلوم.. ولم يشغلهم عنها ترف الحضارة، ولا ثنت عزائمهم بأساء الحياة وضراؤها.
بحثوا عن العلوم حتى أقاموا لها في كل قطر منارا عاليا، وحملوا مشاعلها مشارق الأرض ومغاربها.. ولم يقفوا بجهودهم عند نتاج عقولهم وأفهامهم بل اتجهوا بها أيضا إلى علوم السابقين.. يدرسونها، ويمحصونها، ويأخذون عنها، ويزيدون عليها، ما هداهم إليه البحث، والنظر، والاستدلال.. فاستخرجوا العلوم من زوايا الإهمال والنسيان، وزادوها نقاء وصفاء، وكانوا يطلبون العلوم طلب الناقد البصير.
وبهذه النهضة العلمية.. استطاعوا أن يعملوا عمل الأقوياء، لأن العمل لبناء المجتمعات لا يصدر إلا عن إرادة قوية، والإرادة القوية لا تأتي إلا من العلم..
стр. 5243
--------------------------------------------------------------------------------
[١] بل قد ظهرت بوادر التطور الفكري قبيل البعثة النبوية ويبدو جليا في شعر الحكماء وخطبهم، وكان ذلك ضروريا لإقدار العقل العربي على فهم المعاني العليا التي جاء بها الإسلام. - المجلة
[٢] انظر استراتيجية العالم الإسلامي. مجموعة محاضرات وزارة الحج والأوقاف ص١٧.
[٣] تفسير القاسمي ج١٧ ص٦٢٠٩.
[٤] تفسير المراغي ج١٩ ص٢٧.
[٥] التفسير الواضح ج٢٩ ص١٣.
стр. 5244
القدرة المطلقة تستوجب العجز المطلق
لفضيلة الشيخ السعيد الشربيني الشرباصي
المدرس بدار الحديث المكية
إن ما تراه العيون والأبصار من صنعة البديع الخلاق في الفضاء والآفاق تسوقها إلى الإيمان المطلق بالله القدير الصانع لهذا الوجود.
وإذا ما استقر هذا الإيمان في القلب واستخدم الإنسان العقل والفهم وجد أن الاعتراف بالقدرة المطلقة يستلزم الإقرار بالعجز المطلق، الشامل لكل ما في الكون من خلائق وحقائق، ومن مقدمات ونتائج وغايات ووسائل ...
والعجز الشامل المطلق يلغي الواسطة والحيلة، ويجعل المؤمن المفكر يقر بعدم ارتباط التأثير في المسبب للسبب، أو خضوع النتيجة للمقدمة، أو استتباع الغاية للوسيلة. لأن ارتباط هذه الأشياء ببعضها ليس ارتباطا ذاتيا، وإنما هو ارتباط عارض جاء تنظيما من الله لهذا الوجود. فالمصدر الأصلي لهذا الارتباط إنما هو إرادة الله تعالى. حتى أننا لنجد هذا الارتباط ينفك تماما عندما يريد الله ذلك مثل ما حدث لإبراهيم ﵇ حينما أراد العلي العظيم ذلك فقال: ﴿قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْداً وَسَلاماً عَلَى إِبْرَاهِيمَ﴾ وفي المسند عن جابر ﵁ عن النبي ﷺ : "لا يبقى بر ولا فاجر إلا دخلها فتكون على المؤمنين بردا وسلاما كما كانت على إبراهيم".
وقدرة الله تعالى واضحة وظاهرة، وثابتة وشاخصة، ومشهودة ومحسوسة وعجز المخلوق يشهد له الواقع، وتبديه التجربة. وكل من القدرة والعجز شاهد على صحة الآخر. فعجز المخلوق دليل على قدرة الخالق، وقدرة الخالق المطلقة دليل على عجز المخلوق البالغ والشامل ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ .
стр. 5245
وإنا لنرى عجز الإنسان واضحا حتى فيما يظن أنه يملكه ويختص به ومن شأنه هو، كفضائله الذاتية وخصائصه البدنية. إذ أنه لا يستطيع نقل هذه الفضائل وتلك الخصائص إلى أحب الناس إليه وهم أولاده، إلا إذا أراد الله ذلك. فالقوي لا يملك بالحتمية أن يجعل ابنه قويا إلا إذا أراد الله ذلك. والذكي لا يمنح ابنه ذكاءه إلا بمشيئة من الله تعالى. والجميلة لا تأتي ابنتها جميلة، والقبيحة قد تأتي ابنتها جميلة، ورغم ما يقال عن قانون الوراثة فإن تناقضه وتخلفه كثيرا من جيل إلى جيل يرد الأمر إلى القوة الخفية التي تدير القانون وتنفذه أو لا تنفذه، وتمضيه أو تثنيه. ﴿هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَاءُ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ .
فإذا تركنا ما هو مرتبط بذات المخلوق إلى ما يعرض له من عوارض نجد أن الحال واحد لا يختلف الأمر فيهما. فالإنسان لا يملك أن يجعل ولده سعيدا أو شقيا، غنيا أو فقيرا، عظيما أو حقيرا.
وإنما هي عيوننا الشاخصة صوب السماء بأحر الدعاء تسأل الله أن يجعلهم سعداء أغنياء، وأن يجنبهم الفقر والشقاء.
وإننا لنجد أحرص الناس على المال قد يرزقون بأفسد الأولاد للمال. وقد نجد أنشط الناس للجد والعمل يرزقون بأولاد لا يفهمون للحياة معنى سوى النوم والكسل، والتواكل والفرار من المسؤولية.
стр. 5246
ويستمر العجز البشري واضحا ومنطلقا في مداه، فالذين يحلمون بالأطفال قد يعيشون عقما، والذين لا يريدون أطفالا قد يولد لهم توائم. ومن أراد الذكور تأتيهم الإناث.. ومن يريدون الإناث تأتيهم الذكور. والمريض الذي تجمعوا حوله يعدون ساعاته قد ينشط ويعمر، والقوي الوثاب قد يسقط فلا ينهض، والمتخلف الذي سبق، والسابق الذي تخلف، والتلميذ الذي تحول أستاذا لأستاذه، والأستاذ الذي تتلمذ على تلميذه، والصفقة التي توقع صاحبها أن تكون مصدر الغني والثراء، فكانت باب الفقر والخراب، والتجارة البائرة التي تحولت إلى صفقة رابحة فأعزت وأغنت صاحبها. والصديق الذي أمنته فخان، والعدو الذي خفته فكان أمنا وسلاما..
والجبابرة الذي صرعوا بأتفه الأسباب والمستضعفين الذين اضطهدوا فورثوا الأرض وعمروها. والجميلة التي شقيت بجمالها، والقبيحة التي فتحت لها الآفاق صور لا حصر لها ولا عد كلها تثبت العجز المطلق للمخلوق حتى فيما يظن أنه مصدر لقوته واعتداده. وفي الوقت ذاته تثبت القدرة المطلقة للواحد الخلاق سواء فيما يدخل في كسبنا أو لا يدخل في قدرتنا.
ومن هنا ندرك أن أمر الهداية وهي شيء أعلى وأجل من الصفات البدنية والخصائص الجسدية ومن العوارض الدنيوية والمظاهر المعيشية متروكة لله وحده لا شريك له ولا معين. وحينما نؤمر بالدعوة إنما ننفذ الأمر فقط والنتيجة لله ، وهو الذي يهدي من يشاء. وهذا هو الخطاب الذي وجهه الله إلى خير الدعاة وأفضل الرسل قائلا له: ﴿إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ .
ولقد كان ﵊ في بداية الدعوة حريصا كل الحرص على إيمان قريش واستجابتها له، ودخول نفر من آله إلى الدعوة ولكن ذلك لم يتم إلا عندما أراد ذلك ولمن أراد الله له ذلك!..
стр. 5247
وقديما عجز نوح ﵇ عن أن يفعل شيئا لأعز الناس عليه: ﴿وَنَادَى نُوحٌ ابْنَهُ وَكَانَ فِي مَعْزِلٍ يَا بُنَيَّ ارْكَبْ مَعَنَا وَلا تَكُنْ مَعَ الْكَافِرِينَ قَالَ سَآوي إِلَى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الْمَاءِ قَالَ لا عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِلاَّ مَنْ رَحِمَ وَحَالَ بَيْنَهُمَا الْمَوْجُ فَكَانَ مِنَ الْمُغْرَقِينَ وَنَادَى نُوحٌ رَبَّهُ فَقَالَ رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ وَأَنْتَ أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ قَالَ يَا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ﴾ .
فلا عاصم اليوم والغد والأمس لأحد إلا لمن رحم ربك ولمن شاء له الهداية والتوفيق. وسواء كانوا من أصلابنا أو كانوا أحبابا ورفقاء لنا فالأمر دائما لله، وقد جاء هذا الأمر إلى لوط: ﴿فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ وَلا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ إِلاَّ امْرَأَتَكَ إِنَّهُ مُصِيبُهَا مَا أَصَابَهُمْ﴾ .
وهكذا كتب الله على امرأة لوط ﵇ ما كتبه على العصاة والمخالفين ﴿فَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا جَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ مَنْضُودٍ﴾ .
وفي قصة يوسف ﵇ لا يختلف الحال، وإن فيها لآيات للسائلين والمفكرين حينما تجمع إخوته عصبة وقرروا أن يقتلوه أو يطرحوه أرضا، ولكن يعقوب ﵇ يقول لهم: ﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ﴾ ويرد الأمر لله وحده ويستعين به ويعود يوسف مكرما معززا بفضل الله لا يضره ما كان وما دبر.
كل هذه العبر تدعو المسلم إلى التطلع للسماء والنظر إلى خالق الكائنات وحصر الرجاء في الله، وقصر الطلب عليه. وندائه وحده وترك الاعتماد على من عداه. لأن غيره مسكين من المساكين، ومخلوق من المخلوقات. وعبد من عباد القوي الجبار.
стр. 5248
ألا ما أضل الإنسان حينما يغلق عيونه عن نور السماء، وما أهونه حينما يتعلق بأوهى الأسباب من المخلوقات، وما أضعفه حينما يعتمد على ضعيف مثله..
وما أقواه حينما يمضي في طريقه معتمدا على الله، مرتكزا على الثقة فيه، مستلهما العون منه، معتصما بحوله وقوته مستنصرا بنصره ﴿وَمَا النَّصْرُ إِلاَّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ﴾ .
стр. 5249
مسجد الملك فيصل في البرازيل
للشيخ أحمد واكد
جاءنا من السيد أحمد واكد نائب رئيس الجمعية الخيرية الإسلامية في لوندرينا البرازيل ما يأتي:
تلقت الجمعية الخيرية الإسلامية في مدينة كويابا بالبرازيل مساعدة سخية من المملكة السعودية لإنشاء جامع في كويابا عاصمة ماتوكروسو. وقد حمل المساعدة إلى الجمعية الشيخ أحمد صالح المحايري مبعوث رئاسة البحوث العلمية السعودية بتكليف من سعادة السفير السعودي الدكتور مأمون القباني.
وفي شهر شعبان الماضي (أغسطس) أقامتْ الجمعية احتفالا رسميا بمناسبة وضع الحجر الأساسي لهذا الجامع حضره سفراء الدول الإسلامية والعربية الذين وصلوا إلى كويابا في العاصمة البرازيلية بطائرة تابعة لسلاح الجو البرازيلي وهم السادة: السفير السعودي والتركي والإيراني، والعراقي والباكستاني والسوري واللبناني والجزائري والمصري، مع الملحق الثقافي السعودي والوزير المفوض الإيراني، وهؤلاء يمثلون المركز الإسلامي الذي تم إنشاؤه مؤخرا في برازيليا وتديره الدول الإسلامية الأعضاء بواسطة سفرائها.
وكان في استقبالهم حاكم الولاية كارسيا نيتون وكبار الرسميين المدنيين والعسكريين وجموع غفيرة من أبناء الطائفة الإسلامية والعربية. وبعد أن أُلقيتْ عدة كلمات في الحفل ألقى سعادة السفير السعودي الدكتور مأمون القباني كلمة المركز فقال: "إنه ليشرفنا أن نضع باسم المركز الإسلامي الأحجار الأولى لجامع كويابا". وقد نقل في كلمته استعداد المملكة السعودية لتقديم كافة المساعدات الثقافية الإسلامية لمستحقيها في كل مكان..
وقد نظم الحفل وأعد له وأجري من أجله كافة الاتصالات الرسمية الشيخ أحمد المحايري مبعوث رئاسة إدارات البحوث العلمية السعودية في البرازيل.
стр. 5250
وبعد عشرين يوما من احتفال الطائفة الإسلامية في كويابا.. احتفل المسلمون في مدينة لوندرينا البرازيلية، بتدشين جامع الملك فيصل الذي تم بناؤه مؤخرا بمساعي الجمعية الإسلامية فيها. وبدعم مالي من المملكة السعودية.
وقد كان الاحتفال أكبر تجمع إسلامي شهدته البرازيل إذ توافد إلى لوندرينا ممثلوا المؤسسات الإسلامية والعربية في البرازيل وبعض الديبلوماسيين العرب والمسلمين كما حضر وجهاء المنطقة من رسميين وصحفيين. وقد دعي للحفل سماحة الرئيس العام الشيخ إبراهيم بن محمد آل الشيخ حفظه الله الذي أيد المشروع وهنأ المسلمين واعتذر ببرقية عن الحضور لظروف طارئة وأوكل الشيخ أحمد صالح المحايري لينوب عنه في الحفل.
كما دعي معالي الأمين لرابطة العالم الإسلامي الذي أرسل برقية ينيب فيها ممثل الرابطة الشيخ عبد العزيز العناني. كما دعيت الجامعة الإسلامية بسماحة رئيسها العلامة الشيخ عبد العزيز بن باز حفظه الله وقد وردت برقية من سماحة الشيخ عبد المحسن العباد يهنئ المسلمين لنجاح مشروعهم.. كما وردت برقية السكرتير العام للرئاسة سماحة الشيخ محمد ناصر العبودي الذي اعتذر فيها أيضا عن تلبية الدعوة. وقد قرأت البرقيات في الحفل وترجمت إلى اللغة البرتغالية.
افتتح الحفل إمام الجامع الشيخ المحايري الذي رحب بالحضور جميعا وقال: "إن كان البعض يتساءل عن أهمية هذا الجامع الجميل في هذا البلد النائي عن مهبط الوحي، ومدى فعاليته في هذا المحيط، فإني بكل فخر أقرر أنه سيلعب إن شاء الله نفس الدور الذي لعبه المسلمون في فجر الإسلام لما انطلقوا من بلادهم، وسيكون مركزا يشع نورا وهداية للعالم التائه الضال بحضارة المادية التي لا تمت إلى الأخلاق الروحية والقيم بصلة. وفي مقامي هذا أطلب الرحمة للذي دعم هذا المشروع واعتنى به بتقديم العون له؛ ألا وهو جلالة الملك فيصل رحمه الله تعالى وطيب ثراه".
стр. 5251
وبعد أن ألقى الشيخ العناني كلمة الرابطة وألقت بقية الوفود كلماتها التي تعبر جميعها عن فرحة المسلمين بنعم الله. وقف سماحة الشيخ محمد أبو السمح الملحق الثقافي وممثل المركز الإسلامي وألقى كلمة طيبة تعرض فيها لوجوب تكاتف المسلمين، وخاصة في المهجر عندما يكونون هم الأقلية ثم أبدى فضيلة أبو السمح إعجابه بالإنجازات التي حققتها بعثة رئاسة البحوث العلمية والممثلة في الشيخ المحايري إلى جانب البعثات الأخرى في الميدان الإسلامي وحقل الدعوة في المهجر وقال سعادته: "إني أكبر رجال هذه الجمعية الأشبال الذين استطاعوا بالتعاون مع شيخهم إنجاز مشروع بيت الله في أقرب وأخصر وقت إذ أن مسجدا واسعا كهذا يحتاج إلى المزيد من الوقت ولكن بركة الله يسرت كل عسير".
واختتم الحفل حاكم الولاية الذي قال: "إن كنت أفخر بشعبي فإني أفخر بالمسلمين منهم الذين نظموا أنفسهم في جمعية قامت بخدمات ثقافية كبيرة قدمتها للبرازيل".
стр. 5252
العبادة حق لله وحده
إبراهيم بن علي الدغيري
نشرت مجلة (العقيدة) التي تصدر عن دار العقيدة في (مسقط) عمان ورئيس تحريرها سعيد السمحان الكثيري في عددها ٥٨ السنة الرابعة تاريخ ٣ صفر عام ١٣٩٥ الموافق فبراير ١٩٧٥ كلمة بعنوان: (انطفأ كوكب الشرق) وقد جاء فيها ما نصه:
أعلن الحداد في كل بيت مصري وعربي على أم كلثوم التي كانت معبودتهم التي لا نظير لها على مر العصور ...
وهذه الكلمة تتنافى مع العقيدة الإسلامية التي سميت المجلة باسمها ونأسف كل الأسف أن من يدعي الإسلام يفتري هذه الفرية على أهل مصر وغيرهم من العرب، لأن كل مسلم يعبد الله جل وعلا.. ولا يجوز له عبادة غير الله لا ملك مقرب ولا نبي مرسل، فكيف تكون أم كلثوم معبودتهم!؟ فهذا الناشر قد ارتكب فرية كبيرة بنسبته إلى المصريين وغيرهم من العرب عبادة أم كلثوم، لأن من عبد مع الله غيره فهو مشرك كافر بالله، ومن يشرك بالله فقد حرم الله عليه الجنة ومأواه النار وما للظالمين من أنصار.. فنحن العرب أهل عقيدة إسلامية نرد هذا المقال على قائله وناشره.. فالعقيدة الإسلامية هي عقيدتنا نبرأ إلى الله من كل ما يخالفها والسلام.
стр. 5253
من الصحف والمجلات
((نظرة محمد إقبال إلى العلوم والآداب))
إعداد العلاقات العامة
إن الأدب موهبة كبيرة من مواهب الله وقوة عظيمة يحدث به صاحبه انقلابا في المجتمع، وثورة فكرية، يضرب به الأوضاع الفاسدة الضربة القاضية. ويملأ القلوب حماسة وغضبا. ويشعل البلاد نارا، ويملأ النفوس قلقا واضطرابا، وتذمرا من الشر، وتطلعا إلى الخير، فلابد أن يكون في قلم الأديب والشاعر التأثير الذي هو أشبه بعصا موسى وأن يؤدي رسالته في العالم. وكل أدب استغل لجمع المادة أو إرضاء الأغنياء والأثرياء أو إثارة الشهوات. أو على الأقل كان أداة للهو والتسلية، والتذوق بالجمال والتغني به.. فهو أدب ضائع مظلوم استعمل لغير ما خلق له، ولغير ما وهب له.
ويعتقد محمد إقبال أن الأدب لا يصل إلى الذروة العليا حتى يستمد حياته وقوته من أعماق القلب الحي، ويسقى بدمه.
стр. 5254
عرف الشاعر صديقا له من الهاشميين قد أثرت فيه الفلسفة تأثيرا كبيرا. وتزلزلت عقيدته الإسلامية.. فكتب إليه محمد إقبال قصيدة. يقول: "أنا رجل كما تعرف أنتهي في الأصل إلى سومناه (المعبد الوثني المعروف في الهند) وكان - أي المعبد - من عباد اللات ومناة، وإن أسرتي عريقة في البرهمية ولكن يجري في عروقك دم الهاشميين وتنتمي إلى سيد الأولين والآخرين وقد امتزجت الفلسفة بلحمي ودمي. وجرت مني مجرى الروح. أنا وإن كنت لا أحسن شيئا فلا شك أني نزلت في أعماق هذه الفلسفة. وتغلغلت في أحشائها، وبعد ذلك أقول: إن الحكمة الفلسفية ليست إلا حجابا للحقيقة وإنها لا تزيد صاحبها إلا بعدا عن صميم الحياة. وأن بحوثها وتدقيقاتها تقضي على روح العمل. هذا (هيجل) الذي تبالغ في تقديره إن صدفته خالية من اللؤلؤة وأن نظامه ليس إلا وهما من الأوهام. لقد انطفأت شعلة القلب في حياتك أيها السيد؟ وفقدت شخصيتك. فأصبحت أسيرا، لبرجسان إن البشرية تريد أن تعلم كيف تتقن حياتها وكيف تخلد شخصيتها. إن بني آدم يطلبون الثبات ويطلبون دستورا للحياة. ولكن الفلسفة لا تساعدهم في ذلك بالعكس من ذلك. إن المؤمن إذا نادى الآفاق بأذانه أشرق العالم واستيقظ الكون.
إن الدين هو الذي ينظم الحياة. وإنه لا يكتسب إلا من إبراهيم ومحمد فعليك أيها السيد بتعاليم جدك ﷺ إلى متى يا ابن علي ﵁ تقلد أبا علي (ابن سينا) إذا لم تكن بصيرا بالطريق فالقائد القرشي (يعني رسول الله صلى الله عليه سلم) خير لك من القائد البخاري (يعني ابن سينا) .
عن مجلة البعث الإسلامي المجلد ١٩.
стр. 5255
ماذا تعرف عن ... الكبد. ..؟
للدكتور سيد أحمد عبد البر
أخصائي الأمراض الباطنية بالجامعة
- إذا كنت واحدا ممن يغرمون بالمعلومات الطبية.
- إذا كنت واحدا ممن يغرمون بمعرفة حقائق طبية عن جسم الإنسان.
- فإني أدعوك لقراءة هذه الصفحات ففيها بعض اللقطات السريعة عن الكبد.
من أجل صحتك.....
أكبر عضو في جسم الإنسان هو الكبد ويزن حوالي ٢% من وزن الجسم أي حوالي واحد ونصف كيلوجرام. ومهما قام العلماء ببحوثهم فإن الأيام تؤكد أن الكبد مليء بالأسرار.
ويقع الكبد في الجزء الأيمن العلوي من التجويف البطني تحت الضلوع ويصل سطحه العلوي إلى حلمة الثدي الأيمن ويمتد هذا السطح إلى حلمة الثدي الأيسر وهو يقع تحت الحجاب الحاجز مباشرة وهو الذي يفصله عن القلب والرئتين.
والكبد ينقسم إلى عدة أجزاء تسمى الفصوص وله أربطة كثيرة تربطه بالحجاب الحاجز والمعدة والإثنى عشر وله بوابة يدخل منها الدم من القلب إلى الكبد وتبلغ كمية الدم الداخلة عن هذا الطريق حوالي ٣٠٠ سنتيمتر مكعب في الدقيقة. وكذلك الوريد البابي وهو يحمل الدم من المعدة والأمعاء والبنكرياس والطحال إلى الكبد وتبلغ كمية الدم الداخلة عن هذا الطريق حوالي ٢٠٠ سنتمتر مكعب في الدقيقة.
وبعملية حسابية بسيطة تجد أن كمية الدم الواردة للكبد في الدقيقة تساوي وزنه تقريبا.
ويجدر الذكر هنا أن كمية الدم في الدورة الدموية لجسم الإنسان تبلغ حوالي ٦ لتر فإن هذه الكمية تقريبا تصل الكبد كل دقيقة.
ويخرج الدم من الكبد بواسطة الأوردة الكبدية ليعود إلى القلب وتتم الدورة الدموية.
ويوصل الكبد بالإثنى عشر قناة هي قناة الصفراوية وهي تحمل العصارة الصفراوية من المرارة إلى الأمعاء لتؤدي دورها في عملية الهضم.
следующие страницы →