Полный текст (23 804 стр.). Показаны 5391–5430 · переход к 5396.
стр. 5391
القاعدة الصلبة من المهاجرين والأنصار
أمام المحن القاسية وجها لوجه بعد وفاة رسول الله ﷺ
لفضيلة الشيخ زهير الخالد
١_ صدى وفاة رسول الله صلوات الله وسلامه عليه.
أ_ عند الصحابة رضوان الله تعالى عليهم..
فوجئ الصحابة - رضي الله تعالى عنهم - بوفاة رسول الله ﷺ بعد أن رأوه في صلاة الفجر، وأمّلوا شفاءه ومعافاته، فنزل بهم النبأ نزول الصاعقة، فأظلمت الدنيا في عيونهم وغرقوا في بحر من الهم والحزن عميق..
قال أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه: "لما كان اليوم الذي قدم فيه رسول الله ﷺ المدينة أضاء منها كل شيء، فلما كان في اليوم الذي توفي فيه أظلم منها كل شيء"رواه الإمام أحمد.
لقد كان مصاب المسلمين بفقد رسول الله ﷺ عظيماً وأليماً.. بل لا يوصف!
لقد فقدوا نبيهم ومربيهم وقائدهم وأسوتهم الحسنة، فقدوا الرجل الذي لا يساويه رجل في الدنيا بأي جانب من جوانب الخير والكمال البشري، وفقدوا للترجمة العملية الحية للقرآن الكريم "كان خلقه القرآن".. ثم إنهم فقدوا نزول الوحي بفقده عليه صلوات الله وسلامه، قيل لأم أيمن رضي الله تعالى عنها حاضنة رسول الله ﷺ مواساةً لها ما يبكيك؟ على النبي ﷺ ؟ ما عند الله خير لرسوله، قد أكرم الله نبيه، فأدخله جنته، وأراحه من نصب الدنيا.. فقالت: إني علمت أن رسول الله سيموت، والله ما أبكي أن لا أكون لا أعلم أن ما عند الله خير لرسوله، ولكني إنما أبكي على الوحي الذي رفع عنا، إنما أبكي على خبر السماء كان يأتينا غضاً جديداً كل يوم، فقد انقطع ورفع فعليه أبكي، فهيجت من عندها على البكاء فجعلوا يبكون..
стр. 5392
وليس هذا فحسب، بل إن الصحابة ﵃ فقدوا نبيهم ﵊ في ظرف عصيب، حيث تحيط بهم الأخطار من كل حدب وصوب، وتتهدد كيانهم ووجودهم فهناك المنافقون في المدينة وحولها، وهناك حديثو العهد بالإسلام ممن قال الله تعالى فيهم ﴿قَالَتِ الأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾ ، وهناك الطلقاء من زعماء قريش في مكة المكرمة الذين قهرتهم قوة الإسلام، ثم هناك اليهود الموتورون الحاقدون، وكذلك النصارى على التخوم الشمالية للجزيرة العربية، وجيش أسامة بن زيد بن حارثة - رضي الله تعالى عنهما - على الانطلاق إليهم، وأيضاً الفرس، ثم إن هناك المتنبئين الكذابين ومنهم من ما زالت فتنته قائمة كمسيلمة، ومنهم من لم يمض غير وقت قصير بل أيام على القضاء على فتنته كالأسود العنسي.
قال محمد بن إسحاق: لما توفي رسول الله ﷺ ارتدت العرب، واشرأبت اليهودية والنصرانية، ونجم النفاق، وصار المسلمون كالغنم المطيرة في الليلة الشاتية لفقد نبيهم حتى جمعهم الله على أبي بكر رضي الله تعالى عنه [١] .
ب_ صدى وفاته ﵊ في الجزيرة العربية:
стр. 5393
ما إن انتشر خبر وفاته ﷺ في الجزيرة العربية حتى اضطربت فيها الأمور وظهر المنافقون وذوو الأطماع في الزعامة والملك والرئاسة والمال، وقوي أمر من تكذب وتنبأ كمسيلمة الحنفي وطليحة الأسدي وسجاح بنت الحارث التغلبية، وارتدت القبائل العربية، ولم يبق مكان في الجزيرة العربية إلا وحدثت فيه فتنة وردة أو محاولة ردة، حتى إن اكثر أهل مكة هموا بالردة لولا أن الله سبحانه كفهم وخوّفهم بسهيل بن عمرو رضي الله تعالى عنه [٢] وقد اختلفت المظاهر التي اتخذتها ردة كل قبيلة، فمنهم من ادعى النبوة، ومنهم من تزندق، ومنهم من امتنع عن دفع الزكاة... وبقيت المدينة المنورة وحدها في وجه هذه الأمواج المتلاطمة من الفتن العاتية الطاغية.. فهي كسفينة في وسط بحر هائج متلاطم الأمواج يريد أن يبتلعها..
ج_ صدى وفاته ﷺ لدى العلم الخارجي:
كان يسيطر على العالم خارج الجزيرة العربية إذ ذاك قوتان أو دولتان كبيرتان هما الدولة الرومية في الغرب والدولة الفارسية في الشرق، وتشكلان معسكرين متنافسين غربياً وشرقيا، تسيطر على الغربي منهما الدولة الرومية، وعلى الشرقي الدولة الفارسية.
وكان التنافس بينهما مستمراً ومنذ قرون وأجيال، إلا أنه توقف فجأة منذ أن أصبح للمسلمين كيان ودولة في المدينة المنورة تحت قيادة رسول الله ﷺ ، وأصبح كل منهما يحسب لهذه القوة الناشئة ويستعد للانقضاض عليها، إنما ينتظر الفرصة السانحة، بل إن المعسكر الغربي الرومي بدأ يتحرش بالمسلمين على عهد رسول الله ﷺ فكانت غزوة تبوك ومؤتة، فلما توفي الرسول ﵊ أراد أن ينتهز هذه الفرصة لكن جيش أسامة بن زيد ﵄ كان له بالمرصاد.
стр. 5394
أما المعسكر الشرقي الفارسي فقد تحرك هو الآخر حين سمع بنبأ وفاة رسول الله ﷺ فقال كسرى: من يكفيني أمر العرب؟ فقد مات صاحبهم، وهم الآن يختلفون بينهم، إلا أن يريد الله بقاء ملكهم فيجتمعون على أفضلهم [٣] .
لقد وجد الصحابة أنفسهم - رضي الله تعالى عنهم - يقفون وجهاً لوجه أمام محن قاسية شديدة وخطيرة، ومهمات كبرى ومسؤوليات ضخمة تمتحن صلابتهم ووعيهم، وتعجم عودهم وجدارتهم للقيام بالأمانة العظمى بعد نبيهم ﵊..
هذه المحن والمهمات يمكن حصرها في نقاط ثلاث وهي:
١_ اجتماعهم قبل كل شيء وبأسرع وقت على رجل منهم خليفة لرسول الله ﷺ .
٢_ الوقوف في وجه الردة الشاملة للجزيرة العربية والمرتدين..
٣_ حمل الأمانة العظمى، وتبليغ رسالة الله تعالى إلى العالم كله وتحرير البشر بها، وإيصال الإسلام إلى كل إنسان على ظهر الأرض وإزالة كل العراقيل والعقبات "سواء كانت هذه العقبات والعوائق شبهات تحاك، وضلالات تزيّن، أو كانت قوى طاغية تصد الناس عن الدعوة وتفتنهم في الدين.." ﴿حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ﴾ [٤] .
وسنتناول - بإذن الله تعالى - هذه النقاط في الأعداد القادمة.
--------------------------------------------------------------------------------
[١] البداية والنهاية جزء (٥) فصل احتضاره ووفاته ﵊..
[٢] المرجع السابق.
[٣] مختصر السيرة للشيخ محمد بن عبد الوهاب ص ٣١٩ ط: ١.
[٤] في ظلال القرآن للسيد قطب رحمه الله تعالى ج٦ ص٢٩ ط: ٤.
стр. 5395
نقض القانون المدني
لفضيلة الشيخ إبراهيم جعفر السقا
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيد المرسلين، وعلى آله وصحبه، ومن اتبع سنته واقتفى أثره إلى يوم الدين.
لم يتخلف المسلمون عن ركب العالم نتيجة لتمسكهم بدينهم أو تعصبهم لإسلامهم، وإنما بدأ هذا التخلف يوم تركوا هذا التمسك بدينهم وتساهلوا فيه، وسمحوا للحضارة الأجنبية أن تدخل ديارهم، وللمفاهيم الغربية أن تحتل أذهانهم وللقوانين غير الإسلامية أن تحكم بلادهم..
стр. 5396
بل من يوم أن حاولوا عقد صلات ومشابهات وموافقات بين نظامهم الإلهي الإسلامي والنظم البشرية الأخرى التي صاغها الناس لأنفسهم في معزل عن الله تعالى ذلك أن الإسلام لا يعتز أن يكون بينه وبين النظم العالمية الأخرى مشابهة أو موافقة لأنه لن يزيد فضلاً ولا كمالاً بهذه النسبة أو المشابهة أو الموافقة لأن كماله المطلق في نسبته إلى صاحب الكمال المطلق وحده وهو الله تعالى جل شأنه، فالإسلام قدّم للبشرية نموذجا من النظام الإلهي ولم يحاول أن يقلد نظاماً من النظم بل اختار طريقه متفرداً فذاً، وقدم للإنسانية علاجاً إلهياً كاملاً لمشكلاتها جميعاً ولقد يحدث في تطور النظم البشرية - لا الإسلامية - أن تلتقي بالإسلام تارة وأن تفترق عنه تارة، ومع ذلك فهو نظام مستقل متكامل لا علاقة له بتلك النظم لا حين تلتقي معه، ولا حين تفترق عنه، فهذا الافتراق، وذلك الالتقاء عرضيان ووليدة مصادفات، وفي أجزاء متفرقة، ولا عبرة بالاتفاق والاختلاف في الجزئيات والعرضيات، إنما المعول عليه هي النظرة الأساسية وتصوره الخاص، وعنه تتفرع الجزئيات فتلتقي أو تفترق معه جزئيات من النظم الأخرى ثم يمضي الإسلام في طريقه المتفرد بعد كل اتفاق أو اختلاف، لأن قاعدته الأساسية التي يقوم عليها تختلف كلياً عن القواعد التي تقوم عليها الأنظمة البشرية جميعاً، فالإسلام يجعل السيادة لله وحده، فالأمر والحكم كله لله، وهو المرجع الأعلى في كل شيء والمصدر الوحيد لكل قانون أو دستور.
فالله تعالى وحده هو الذي يشرّع الأحكام في كل شيء، وسائر الأنظمة والقوانين تقوم على أساس أن المشرّع هو الإنسان فهو الذي يشرّع لنفسه، وهما قاعدتان متناقضتان لا تلتقيان.
стр. 5397
فالقانون الإسلامي يتجلى فيه قدرة الخالق وعظمته، وإحاطته بما كان وبما هو كائن، خلافاً للقانون الوضعي ومنه القانون المدني الذي نحن بصدد نقضه والذي يتمثل فيه نقص البشر وعجزهم وضعفهم، وقلّة حيلتهم وعرضة قانونهم للتغيير والتبديل والتحريف كما سنرى ذلك جلياً في وقوفنا ساعة مع القانون المدني لنكشف عن وجه الحق، ونعرض فيها صواب الرأي بعمق واستنارة حتى تنجلي الحقائق، ويبرز زيف الباطل فلعل مطبقي هذا القانون يبصرون النور، فيثوبوا إلى الحق ويسيروا في طريق الهدى، ويدركوا مدى ما كانوا فيه من ضلال ما بعده من ضلال، ومن أحكام للطاغوت ولغير ما أنزل الله، ويرون أن واجبهم حرب هذا القانون واستعاضته بقانون الله الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه.
تعريف القانون:
كلمة القانون اصطلاح أجنبي معناه عندهم: الأمر الذي يصدره الحاكم ليسير عليه الناس، وقد عرّف بأنه: ((مجموع القواعد التي يجبر السلطان الناس على اتباعها في علاقاتهم)) وقد أطلق على القانون الأساسي لكل حكومة كلمة الدستور، وأطلق على القانون الناتج من النظام الذي نص عليه الدستور كلمة القانون، وقد عرّف الدستور بأنه "القانون الذي يحدد شكل الدولة ونظام الحكم فيها، ويبيّن حدود واختصاص كل سلطة فيها"أو "القانون الذي ينظم السلطة العامة أي الحكومة ويحدد علاقتها مع الأفراد، ويبين حقوقها وواجباتهم قِبَلَهم، وحقوقهم وواجباتهم قِبَلَها.
стр. 5398
هذه خلاصة الاصطلاحات الذي تعنيه كلمتا دستور وقانون، وهو في خلاصته يعني أن الدولة تأخذ من مصادر متعددة سواء أكانت مصدراً تشريعياً أو مصدراً تاريخياً أحكاماً معينة تتبناها وتأمر بالعمل بها فتصبح هذه الأحكام بعد تبنيها من قِبَل الدولة دستوراً إن كانت من الأحكام العامة، وقانوناً إن كانت من الأحكام الخاصة، ومن الجدير بالذكر أن هناك فرقاً بين الدستور الإسلامي والقوانين الإسلامية، وبين غيرها من الدساتير والقوانين، فإن باقي الدساتير والقوانين مصدرها العادات وأحكام المحاكم الخ، ومنشؤها جمعية تأسيسية تسن الدستور ومجالس منتخبة من الشعب تسن القوانين، لأن الشعب عندهم مصدر السلطات كما أن السيادة للشعب لديهم.
أما الدستور الإسلامي والقوانين الإسلامية فإن مصدرها الكتاب والسنة ومنشؤها اجتهاد المجتهدين حيث الحاكم يتبنى منهما أحكاماً معينة يأمر بها فيلزم الناس العمل بها، لأن السيادة للشرع، والاجتهاد واستنباط الأحكام الشرعية حق لجميع المسلمين، وفرض كفاية عليهم.
١_ نقض كلمة القانون المدني:
إن إطلاق اسم القانون المدني على هذا القانون إطلاق خاطئ لأنه قانون ينظم علاقات الناس، وهو قانون معاملات وليس هناك أي صلة بين لفظ المدني والمعاملات، فوصف القانون بأنه مدني وصف غير منطبق على حقيقته لأن حقيقته أنه ينظم علاقات الناس، وهذه معاملات ولا صلة للقانون بالمدنية مهما أريد بها من معان، فإن أريد بالمدنية الرقي ضدّ التأخر فالقانون يوصف بأنه ينظم العلاقات وبأنه قانون معاملات، وقد يكون راقياً وقد يكون غير راق.
стр. 5399
فالقانون الفرنسي الذي وضع في أيام نابليون قد ظهر للفرنسيين فساده وتأخره، ووضع بدله قانون مدني جديد، ومع ذلك لا يزال يسمى القانون المدني، والقانون الروماني ظهر فساد نظرياته ومع ذلك لا يزال يقال عنه القانون المدني، وليس المراد من وصف القانون بالمدني بيان كونه راقياً أو غير راق بل المراد بيان حقيقته بأنه وضع لينظم المعاملات ولذلك لا علاقة مطلقا بين المدنية وبين المعاملات.
وإن أريد بالمدنية النسبة إلى المدينة فالقانون لم يوضع للمدينة فقط، وإنما وضع للمدينة والقرية ومضارب البدو فتخصيصه بالمدنية لا وجه له مطلقاً، وإن أريد بالمدنية الأشكال المادية المحسوسة فهي عاجلية وهي ليست المنظمة للعلاقات، فلا علاقة للقانون بالأشكال والصناعات، وعليه فلا وجه لتسمية القانون بالقانون المدني ولا لوصفه بأنه مدني، بل هو قانون معاملات.
١_ نقض الأصل الفقهي للقوانين المدنية:
"إن القانون المدني من حيث هو لدى جميع التقنينات اللاتينية [١] والجرمانية [٢] والمتخيرة [٣] يقوم على نظرية الالتزام، ويبنى كله في إجماله وتفصيله عليها، وبما أن هذه النظريات فاسدة من أساسها، لذلك كان القانون المدني كله فاسداً وهاكم البيان:
لقد عرّف القانون المدني بأنه: ((القانون الذي ينظم علاقات الأفراد بعضها ببعض)) وقسم إلى قسمين رئيسيين: قسم الأحوال الشخصية وقسم المعاملات.
فقواعد الأحوال الشخصية هي التي تنظم علاقة الفرد بأسرته، وقواعد المعاملات هي التي تنظم علاقة الفرد بغيره من الأفراد من حيث المال، وعرّف الحق في المعاملات "بأنه مصلحة ذات قيمة مالية يقررها القانون للفرد".
وقسم الحق إلى قسمين رئيسيين حق يتعلق بعلاقة الشخص ويسمى "الحق الشخصي"وحق يتعلق بعلاقة الشخص والمال ويسمى "الحق العيني"، والحق الشخصي في نظرهم رابطة ما بين شخصين دائن ومدين.
стр. 5400
والحق الشخصي هو الالتزام، وعلى أساسه عولجت المعاملات الشخصية مثل الحوالة والبيع والمقايضة والشركة والهبة، والصلح، والإجارة، والعارية، والوكالة، والوديعة، والرهان والكفالة.
والحق العيني هو ليس علاقة في نظرهم وإنما هو سلطة أعطاها القانون لشخص معين على شيء معين، وعلى أساسه عولجت المعاملات العينية مثل حق الملكية، وأسباب كسب الملكية، ورهن المنقول، والرهن العقاري، والتأمين على الحياة، وحقوق الامتياز.
هذا هو الأساس الذي يقوم عليه القانون المدني،.. وهذا الأساس فاسد من عدّة وجوه!
أ_ إن الحق في المعاملات ليس مصلحة ذات قيمة مالية بل هو مصلحة مطلقة، فقد تكون ذات قيمة مالية وقد لا تكون ذات قيمة مالية، فتخصيص الحق بالمصلحة ذات القيمة المالية يؤدي إلى شيئين:
أحدهما: أنه لا يشمل المصالح ذات القيمة المعنوية مثل الكرامة والشرف لأنه لا قيمة مالية لها، ولا يمكن تقديرها بقيمة مالية على الإطلاق، ولذلك كانت نظرية التعويض على القذف خاطئة.
وثانيهما: أن تقدير الأشياء بالقيمة المالية يحتاج إلى وحدة تكون أساساً للتقدير، والحق هو ذاته أساس، ولا يمكن إيجاد وحدة لتقدير قيمته، ولذلك كان تعريف الحق على هذا الوجه فاسداً.
ب_ إن تقسيم الحق إلى قسمين: حق عيني، وحق شخصي لا وجه له، ولا يوجد فرق بين ما أطلقوا عليه اسم الحق الشخصي، وما أطلقوا عليه اسم الحق العيني، ولا يوجد فرق بين المعاملات التي فرّعوها عليها، فلا يوجد فرق بين الإجارة ورهن العقار، فكيف جعلت الإجارة من الحق الشخصي، وجعل الرهن من الحق العيني على أن التعريف نفسه فرضي وليس حقيقياً.
стр. 5401
فحين عرّفوا الحق بأنه سلطة معينة يعطيها القانون لشخص معين على شيء معين لم يفهم من هذا التعريف مطلقاً أن العلاقة ناشئة بين الشخص والشيء، بل هي علاقة ناشئة بين الشخص والشخص وموضوعها الشيء، فالعلاقة ما بين شخصين موجودة في الحق العيني، وحين عرّفوا الحق الشخصي بأنه رابطة بين شخصين دائن ومدين يخول الدائن بمقتضاها مطالبة المدين بإعطاء شيء أو بالقيام بعمل أو بالامتناع عن عمل.
حين عرّفوا الحق الشخصي بذلك لم يفهم من هذا التعريف نفي وجود علاقة بين الشخص والشيء، لأن موضوع العلاقة هو الشيء الذي نشأت من أجله الرابطة بين الشخصين، فتكون هناك رابطة بين الشخص والشيء في الحق الشخصي، وهو كالحق العيني عنصر من عناصر الذمة المالية يتصرف فيه صاحبه بالبيع والرهن سواء، ولذلك كان هذا التقسيم غير وارد ومخالفاً للواقع والحقيقة.
الالتزام: إن الحق الشخصي أي الالتزام يقوم على رابطة قانونية ما بين الدائن والمدين، وقد كانت هذه الرابطة التي يقوم عليها الالتزام تعطي للدائن على جسم المدين لا على ماله، وكان هذا هو الذي يميز بين الحق العيني والحق الشخصي.
стр. 5402
فالأول سلطة تعطى للشخص على شيء، والثاني سلطة تعطى للشخص على شخص آخر، وبناء على ذلك كانت سلطة الدائن على المدين سلطة واسعة يدخل فيها حق الإعدام، وحق الاسترقاق، وحق التصرف، ثم ظهر فساد هذه النظرية فلجأوا إلى تخفيف السلطة حتى صارت مقصورة على التنفيذ الذي يقول به القانون المدني وهو حبس المدين مثلا، ثم صار التنفيذ على مال المدين لا على شخصه، بالحجز مثلاً وأصبح للالتزام منذ عهد الرومان مظهران: مظهر باعتباره رابطة شخصية فيما بين الدائن والمدين، ومظهر باعتباره عنصراً مالياً يقوم حقاً لذمة الدائن ويترتب في ذمة المدين، وعلى ذلك ظهر فساد نظرية الالتزام ففسرت هذا التفسير حتى تكون لها ناحية شخصية وناحية مالية، فأدى ذلك إلى أن ينشأ اختلاف في الالتزام فنشأ مذهبان: أحدهما يغلب الناحية الشخصية للاحتفاظ بالنظرة الأصلية للقانون الروماني، وهذا ما سارت عليه التقنينات اللاتينية والآخر يغلب الناحية المالية ويجردها من الناحية الشخصية ويتحرر من القانون الروماني، وهذا هو ما سارت عليه التقنينات الجرمانية، وبذلك صارت نظرية الالتزام تفهم فهماً شخصياً عند اللاتينيين، ويترتب على هذا الفهم عدم لحاق المال والاقتصار على الشخص، ولذلك لم يجيزوا حوالة الدين وأخذ بذلك القانون الفرنسي القديم.
وصارت نظرية الالتزام تفهم فهماً مادياً عند الجرمانيين ويترتب على هذا الفهم لحاق المال وليس الشخص، ولذلك أجازوا حوالة الدين فكان في الالتزام مذهبان:
стр. 5403
المذهب الشخصي، والمذهب المادي ولكل وجهة نظر تخالف الآخر، فالمذهب الشخصي يرى أن الأمر الجوهري في الالتزام هو أنه رابطة شخصية فيما بين الدائن والمدين، ويترتب على هذا أن لا يدخل فيه معاملات كثيرة منها أن لا تدخل فيه الكفالة، ولا يدخل فيه الوعد بجائزة وما شاكل ذلك من المعاملات فيكون مذهباً قاصراً لأنه لا يشتمل المعاملة التي تنشأ من جانب واحد، والمذهب المادي يرى أن العبرة في الالتزام بمحله دون أشخاصه، وأن الرابطة الشخصية ليست هي الأمر الجوهري، ويترتب على هذا أنه يجوز وجود معاملة إذا وجد المال وحده دون شخص، وجعل العلاقة الشخصية غير ضرورية، وهذا لا يجوز إذ لا تتصور أي معاملة تحصل دون وجود شخص آخر حتى الكفالة، والوعد بجائزة، وعقود التأمين لمصلحة الغير والسند لحامله، وكان المذهب الثاني غير واقع هذا بالنسبة لنشوء فكرة الالتزام.
أما بالنسبة لتعريف الالتزام فقد وجدت له عدّة تعاريف وكلّها تدور حول جعل محل الالتزام إعطاء شيء أو القيام بعمل أو الامتناع عن عمل، فقد عرّف الالتزام بأنه اتفاق يلتزم بمقتضاه شخص أو أكثر نحو شخص آخر أو أكثر بإعطاء شيء أو بالقيام بعمل أو بالامتناع عن عمل، وهذا يعني جعل الالتزام اتفاقاً، وهذا التعريف لا يشمل المعاملات التي لا يوجد فيها اتفاق، وعرّف الالتزام بأنه ((حالة قانونية بمقتضاها يجب على الشخص أن ينقل حقاً عينياً أو أن يقوم بعمل أو أن يمتنع عن عمل)) وهذا التعريف جعل الالتزام حالة قانونية مع أن حقيقته هو علاقة يقرّها القانون، فتعريفه بحالة قانونية يجعله فضفاضاً غير مانع من دخول حالات قانونية لا صلة لها بالالتزام.
стр. 5404
هذه خلاصة الالتزام بوجه عام، وهذا كله خطأ محض؛ إذ لا يوجد في الموضوع التزام لا بالمعنى الشخصي ولا بالمعنى المادي، لأن المسألة ليست رابطة بين دائن ومدين ولا يوجد هذه الرابطة مطلقاً، ولا هي رابطة بين شخص ومال أو سلطة لشخص على مال مطلقاً، وإنما الموضوع يتلخص في أن هناك علاقة بين شخصين موضوعها المصلحة، وقد تكون مالاً وقد تكون غير مال، وقد تكون العلاقة عند الإنشاء وقد تكون عند التنفيذ، وهذه العلاقة يوجدها جلب مصلحة أو رفع مفسدة للإنسان، وينظمها القانون فالبيع علاقة بين شخصين عند الإنشاء موضوعها المال، والوعد بإعطاء جائزة لمن عثر على ضائع علاقة بين شخصين عند التنفيذ موضوعها المال، والزواج علاقة بين شخصين موضوعها المصلحة وهي هنا ليست المال، وعلى ذلك فالالتزام بالمفهوم الذي ذكره القانون المدني غير موجود لا بالمذهب الشخصي ولا بالمذهب المادي، والالتزام من حيث هو بالمعنى الذي أرادوه وهو الحقوق الشخصية غير موجودة، وعلى ذلك ليست المعاملات سلطة من شخص على مال، ولا هي رابطة شخصين، وإنما هي علاقة بين شخصين موضوعها المصلحة التي يقرّها القانون، وينطبق ذلك على المعاملات التي تحصل بين شخصين عند الإنشاء كالإجازة أو بين شخصين عند التنفيذ كالوعد بجائزة لمن يقوم بعمل، وإذا كان الأمر كذلك كان الالتزام بأكمله غير موجود فضلاً عن كونه بالمعنى الذي أوردوه غير صحيح لا فيما ورد بالمذهب الشخصي ولا فيما ورد بالمذهب المادي، ولذلك كان القانون المدني ترتب على الالتزام وبني عليه قانونا غير صحيح.
نظرية الالتزام:
стр. 5405
تعتبر نظرية الالتزام أهم النظريات الفقهية في التقنينات الغربية جميعها، والناظر في الفقه الغربي وفي التقنينات جميعها يستدل من العناية الكلية بها على ما لها من شأن وخطر، فهي من القانون المدني بل من القانون عامة بمثابة العمود الفقري من الجسم، وهي في نظرهم أصلح النظريات القانونية ميداناً للتفكير وأفسحها مجالا للتعميم وأخصبها تربة لا نبات القواعد العامة، ويرونها بأنها أولى النظريات قابلية للتوحيد في شرائع الأمم المختلفة ولذلك يجعلونها الأصل الذي يتفرع عنه القانون المدني، فإذا ظهر فسادها وعدم صلاحها تبين بوضوح فساد جميع التقنينات التي بنيت عليها، وظهر فساد جميع القوانين المتفرعة عنها ولا سيّما القانون عنها ولا سيّما القانون المدني الذي هو في حقيقته نظرية الالتزام وفروعها، والناظر في هذه النظرية يجد أنها كانت منذ عهد الرومان وأن جميع التقنينات نقلتها عن الرومان واستعملتها في أول الأمر دون تغيير يذكر، لكن لما بدأت مشاكل الحياة تتجدد ظهر فساد هذه النظرية للذين نقلوها وبرز لهم عدم صلاحيتها فاعتبروا هذا الفساد قصوراً عن الإحاطة بالمشكلات، وأخذوا يغيرونها زاعمين أنها تتطور.
والحقيقة أن هناك عوامل متعددة أبرزت فساد النظرية وأثرت عليها حتى تغيرت كثيراً، وتبدلت على مختلف العصور، فالنظريات الاشتراكية التي ظهرت في أوربا قبل ظهور المبدأ الشيوعي أظهرت عدم صلاحية نظرية الالتزام، فاضطر الفقهاء لأن يغيروا نظرتهم للالتزام، فعقد العمل قد أدخلت عليه قواعد وأحكام تهدف إلى حماية العمال وإلى إعطائهم من الحقوق ما لم يكن لهم من قبل كحرية الاجتماع وحق تكوين النقابات وحق الإضراب، ونص نظرية الالتزام الرومانية لا يبيح إحداث مثل هذه القواعد، ولا يبيح مثل هذه الحقوق.
ونظرية العقد ذاتها كانت قوة الالتزام فيها تبنى على إرادة الشخص فصارت تبنى على التضامن في الجماعة أكثر مما تقوم على إرادة الفرد.
стр. 5406
وهذه نظرية الغبن لم تكن موجودة بل لم تكن نظرية الالتزام تجيزها فقد كانت النظريات الفردية تقضي بوجوب ترك الفرد حراً في تعاقده يلتزم بما أراد مهما أصابه من غبن في ذلك، ولما تبين فساد هذه النظريات أدخلت نظرية الغبن على بعض العقود ثم أخذت تتسع حتى أصبحت في القوانين الحديثة نظرية عامة تنطبق على جميع العقود، وهكذا كان لنشوء أفكار عن الحياة تخالف الأفكار القديمة أثر في بيان نظرية الالتزام ولم يقتصر الأمر على ذلك بل كان استعمالها مختلف الآلات الميكانيكية وتقدم الصناعة ووجود حروب عالمية قد أوجد مسائل عملية تبرز فساد نظرية الالتزام إذ إن استعمال الآلات اقترن بمخاطر جمة يستهدف لها الناس ولم تكن نظرية الالتزام تجعل المسؤولية إلا على الشخص، فظهر عدم صلاحيتها ووضعت المسؤولية على الخطأ المفروض، وصار إلحاق أي أذى في العامل يلزم صاحب العمل بالتعويض وهذا لا تقتضي به نظرية الالتزام، وصار عقد التأمين لا يقتصر على الشخص بل يشمل الغير فوجدت نظرية الاشتراط لمصلحة الغير، كما إذا أمّن شخص على حياته لمصلحة أولاده سواء أكان له أولاد وقت التأمين أم لم يكن له أولاد حين التأمين، وهذا يخالف نظرية الالتزام بأنها رابطة بين شخصين، والأولاد الذين لم يوجدوا لا يدخلون في هذه الرابطة مع أن العقد أصبح يدخلهم، وعلاوة على ذلك فإن نظرية الوفاء بعملة نقص سعرها، وفي التسعير الجبري للسلع والتقدير الجبري للأجر، وفي عقود التزام المرافق العامة ما يناقض نظرية الالتزام ومع ذلك أدخلت في القوانين الحديثة وهي تدل على فساد نظرية الالتزام وعدم صلاحها، وزيادة على ذلك فإن النظرية التي تقضي بأن الغش يفسد العقد، والقاعدة القائلة بأنه لا يجوز الاتفاق على ما يخالف الآداب، والنظام العام والالتزام بوجوب الامتناع عن الإضرار بالغير دون حق والإثراء بلا سبب الذي يمنع الشخص أن ينتفع على حساب غيره، كل ذلك يخالف نظرية الالتزام ويدل على
стр. 5407
فسادها لأنها تقييد وليس حرية، وهي تناقض الحق الشخصي وتهدمه على اعتبار أنه حق مطلق غير مقيد على أن الالتزام من حيث هو باعتباره الحق الشخصي، وباعتباره الحق العيني يقوم على رابطة قانونية بين الدائن والمدين توجب على الشخص أن ينقل حقا، وهذا يعني عدم اشتراط الرضا بالحوالة دون رضا المحال عليه بحوالة الحق، وعدم اشتراط رضا الدائن بحوالة الدين، لأن الحالة القانونية في الالتزام تلزم الشخص بنقل الحق عيناً أو ديناً، وهذا لا يضمن تحقيق العدل ولذلك ظهر فساده، فمجرد تبليغ المحال عليه لا يكفي بل لابد من قبوله لأن العقد في الحوالة _ كما في غيرها _ يجب أن تكون برضا أطراف العقد.
هذا إجمال في نظرية الالتزام، ومنه يتبين أنها لا تصلح ميداناً للتفكير لأن كثيراً من أنواع العلاقات بين بني الإنسان لا يمكن استنباطها منها بل على العكس هي تمنع استنباطها مثل كون الغش يفسد العقد وهي لا تصلح لأن تكون مجالاً للتعميم لأن المسؤولية على الخطأ المفروض وحوالة الدين، والاشتراط لمصلحة الغير والإرادة المنفردة وما شابه ذلك لا يمكن أن تشملها لا بمنطوق ولا بمفهوم، ولذلك فهي قاصرة وهي لا تصلح لا نبات قواعد عامة بدليل وجود نظريات وقواعد عامة تناقضها مثل قاعدة عدم جواز الاتفاق على ما يخالف الآداب والنظام العام، ومثل نظرية الغبن في العقود وليس فيها قابلية للتوحيد في شرائع الأمم بدليل ظهور قصورها وعجزها حين ظهرت النظريات الاشتراكية، رغم كونها فاسدة، وحين تقدمت الصناعة وهي من أساسها خاطئة لأنها تقوم على حرية الملكية والحرية الشخصية، وهذه الحرية للشخص وفي الملك هي التي تسبب الفساد بين الناس وهي التي تمكن من الاستقلال والاستعمار لأن إعطاء الحرية في التملك وإعطاء الحرية الشخصية يحميه القانون حين بني على نظرية الالتزام وفي ذلك الفساد والشقاء.
стр. 5408
والذي يبرز فساد نظرية الالتزام أيضاً تعريف مصدر الالتزام وترتيب مصادر الالتزام التي ذكرتها التقنينات القديمة والحديثة كما سنرى في الحلقة المقبلة من هذا الموضوع بمشيئة الله تعالى ذلك جليا.
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
--------------------------------------------------------------------------------
[١] التقنين اللاتيني مأخوذ عن التقنين الروماني وأول ما وضع من القوانين اللاتينية القانون الفرنسي ثم قلدته قوانين متعددة، ومن التقنينات اللاتينية القانون الإسباني، والقانون الإيطالي، وقوانين أمريكا الجنوبية.
[٢] التقنين الجرماني: وقد تحرر من النظريات الرومانية، وغلب النظريات الجرمانية الأصل، وهو يخالف في نظرته الأساسية التقنين اللاتيني، ومن التقنين الجرماني القانون الألماني والنمساوي والسويسري.
[٣] التقنينات المتخيرة: وهي التقنينات التي استقت من كلتا المدرستين اللاتينية والجرمانية، وحاولت أخذ محاسنهما، ومن هذه التقنينات القانون البولوني والقانون البرازيلي.
стр. 5409
من الصحف والمجلات
إعداد العلاقات العامة
إن سن الدراسة الجامعية من الثامنة عشرة إلى الرابعة والعشرين هي فترة الغرس والرعاية وتكوين الإنسان لمبادئه وفيها يتعرض أيضاً لمختلف التيارات الفكرية، ولكننا نبعث شبابنا إلى العدو ليعيدوهم خنجرا مسموما في صدورنا بعد أن يميتوا أواصر المحبة بينهم وبين أهلهم، تلك الفترة التي يجب فيها إعداد الشاب المسلم على منهاج واضح متين.
إنها نظرة الإعجاب التي نحملها للغرب جعلت من الآباء عندنا يعتقدون بأن العلم الصحيح والتدريس الجيد ما هو إلا في جامعات الغرب، أضف إلى ذلك المركز الاجتماعي المرموق الذي هيأه المستعمر لحاملي الشهادة الأوربية والأمريكية (حديثاً) واستمر هذا حتى بعد رحيل الاستعمار حسب تخطيطه.
فقرات من مشاهدات عائد من أمريكا (الحلقة الثالثة) مجلة المجتمع
وهناك انسجام وتفاهم تامين بين فريق من رجال العصابات والشيوعيين في حقل ترويج المخدرات، والتعاون على انتزاع الأسرار العسكرية ومعرفة مواقع الانشاءات التي تنوي حكومة واشنطن إقامتها في ألاسكا والحصول على تصاميمها، وعلى الرغم من طول المسافات الشاسعة التي تفصل ألاسكا عن الولايات المتحدة فإن الأعمال الإجرامية والموبقات قد سبقت المدنية إلى تلك البلاد واستشرى شرها في السنين الأخيرة بشكل فاضح.
ومن الأمور الطبيعية أن تسمع بحوادث تشليح على قارعة الطريق، وسرقات علنية، واقتحام المنازل بقوة السلاح، وهذه الأعمال يقوم بها الجنود وفريق من المدنيين المغامرين.
فقرات من موضوع (فضائح) ((الإمبراطورية الأميركية)) المنشور في كتاب أميركا دولة تحكمها العصابات.
стр. 5410
ولقد أحدث الشيخ علي عبد الرزاق "ثلمه "في الإسلام سيظل يحمل وزرها أمداً طويلا، فلأول مرة يجرؤ عالم أزهري مسلم إلى القول بأن الإسلام دين روحي، وأنه لا صلة له بنظام الحكم مهما كان سياق الدعوة أو ظروفها السياسية أراد أن يخدم بها حزب الأحرار الدستوريين أو الانجليز أو المعارضين الملك فؤاد، فإنه في سبيل غاية هينة قد استخدم نصوصاً أراد بها أن يحجب حقيقة أساسية هي أن الإسلام نظام مجتمع ومنهج حياة متكامل، فمنذ ذلك اليوم يكتب المستشرقون فيقولون: إن في الإسلام نظريتين: إحداهما تقول بإن الإسلام دين ودولة، والأخرى تقول أن الإسلام دين روحي، وصاحب هذه النظرية هو علي عبد الرزاق ومن سار على طريقه من بعده ومن خريجي الأزهر أيضاً مع الأسف.
من مقال نظريات واحدة كشف الفكر الإسلامي زيفها للأستاذ أنور الجندي
فالتخوف من الاكتساح الماركسي لم يعد مناسبا للمرحلة الراهنة من الصراع الإسلامي الماركسي، لأن الإسلام لم يعد الآن في قفص الاتهام، أو في طور الدفاع لظهور حركة بعث إسلامي تستهدف استئناف الحياة الإسلامية، ولهذا السبب لم يعد يسوغ للإسلاميين أن يكتفوا ببيان محاسن الإسلام، وببيان تناقضه مع الماركسية، وإنما أصبح من اللازم عليهم أن يقوموا بهجومات مضادة تدعم مسيرة الحركة الإسلامية المعاصرة على أساس تقييم جدي لإمكانيات نجاح الماركسية وعوامل إخفاقها.
فقرة من مقال الإسلام الواحد والماركسيات المتعددة للأستاذ عبد الواحد الناصر - مجلة العدد الأول السنة السابعة عشر.
حركات نسائية مريبة
جاء في جريدة الأهرام في ١٥_٤_٧٥م تحقيق صحفي عن جريدة نيويورك تايمز الأمريكية تحت عنوان "الجريمة النسائية زادت مع نمو حركة تحرير المرأة في أمريكا ".
стр. 5411
تقول الجريدة: خرج أخيرا تقرير عن مكتب التحقيقات الفيدرالية بالولايات المتحدة يشير إلى أن معدل الجريمة بين السيدات أو الجريمة النسائية ارتفع ارتفاعا مذهلا مع نمو حركات التحرر النسائية، وأن الاعتقالات بين السيدات زادت بنسبة ٩٥ في المائة منذ سنة ١٩٦٩م، بينما زادت الجرائم الخطيرة بينهم بنسبة ٥٢ في المائة، هذا علاوة على أن خطر عشرة مجرمين مطلوب القبض عليهم كلهم من السيدات، ومن بينهن شخصيات ثورية اشتركن في حركات التحرر النسائية مثل جين البرت، وبرنادربن دورن.
ووراء ربط ارتفاع نسبة الجريمة بين السيدات بحركات التحرر النسائية وجهة نظر تقول: إن منح المرأة حقوقاً ومساواتها بالرجل يشجعها على ارتكاب نفس الجرائم التي يرتكبها الرجل، بل إن المرأة التي تحرر تصبح أكثر ميلاً لارتكاب الجريمة.
هذا ما جاء بالنص بالجريدة المذكورة يتبعها وجهات نظر متعددة تتضمن سؤالا في نفس التقرير، والسؤال الآن إذا لم تكن حركات التحرير النسائية هي المسئولة عن ارتفاع نسبة الجريمة بين الأمريكيات فأين تقع المسئولية؟
ونحن نضيف إلى هذا البحث الذي كتبه الدكتور يوسف مراد عن سيكاولوجية الجنس... يؤكد الباحث في كتابه أن النساء اللاتي يتزعمن الحركات النسائية غالباً ما يكون بهن شذوذ بصورة ما دفعتهن إلى الخروج عن طبيعتهن النسوية أو انحدرن من أسر شاذة.
стр. 5412
وقد استمعنا إلى واحدة من زعيمات الحركة النسائية في مصر، وترأس تحرير مجلة نسائية بصوتها الشبيه بصوت الرجل، قالت هذه السيدة: أنها كانت تعجب بالرجال في فترة مراهقتها ولا بأس أن تحب واحدا بعد الآخر، وفي شهادتها المدرسية رسبت في الأخلاق، ولو امتد الحديث عن زعيمات أخريات وآفاق أوسع لرأينا الهول الشديد عن حياتهن الخاصة، هذه حجارة نلقمها أفواه الرجال والنساء الذين ينادون بحرية المرأة في جميع المجالات ويحتفلون بالسنة الدولية للمرأة، وهم في الواقع أعداؤها، وقد أخرجوها من مملكتها في المنزل عارية الساقين والذراعين.. حشروها في زحمة المواصلات تنهشها العيون الزائغة، وغرائز الشباب الملتهبة في الشوارع والمكاتب ومحال العمل فكان ما كان، وسيأتي ما هو أسوأ خيانات زوجية بالجملة، جيل ممزق ينشأ بدون رعاية أسرية أو جو أسري صحي مشاكل طلاق، وخراب بيوت، إلا من عصم الله، ومع هذا نجد صحفيا يطالب بأن تحتل المرأة مناصب أكبر في الوزارة؟
نحو مجتمع أفضل
قبل بضعة أيام أذاع راديو لندن ترجمة للخطاب الذي وجهه رئيس أساقفة كنيسة كانتربرى للشعب الإنجليزي، وعند سماعي لهذه الترجمة لم أكن أصدق ما أسمع.
فللمرة الأولى في حياتي بالرغم من قضائي عدة سنوات خلت في الغرب أثناء دراستي الجامعية لم أسمع إنسانا غربيا في هذا المستوى يحاول إيقاظ ضمائر شعبه للتنبه لهذا المستوى من الانحطاط والفوضى الخلقية التي تعيشها المجتمعات الغربية.
لقد أعلن رئيس أساقفة كانتربرى في خطابه إلى الشعب الإنجليزي أن أهم أسباب انهيار المجتمع الإنجليزي وضعفه وتفككه يعود لعاملين مهمين هما:
اندثار الأخلاق.
اضمحلال الجانب الروحي لدى الإنسان الإنجليزي.
стр. 5413
ونبه شعبه إلى أن الاهتمام والتركيز على النواحي المادية فحسب سوف يؤدي إلى النهاية المحتومة لبريطانيا واندثار حضارتها وضياعها إلى الأبد، وأكد رئيس أساقفة كنيسة كانتربرى أن الاهتمام بالأمور المادية يجب أن يصاحبه باستمرار اهتمام مكافئ بالنواحي الخلقية والروحية، وربط بين انحلال الشباب وتفشي الجريمة والعنف وانهيار الأسرة بالاهتمام الطاغي الوحيد بالنواحي المادية للحضارة وتجاهل أهمية الأخلاق والروح في المحافظة على توازن النفس والسلوك والتصرفات البشرية.
وفي الختام دعا رئيس الأساقفة شعبه إلى الوقوف مليا لتأمل الواقع المرير الذي يعيشونه، والمستقبل المظلم الذي ينتظرهم إذا سارت الأمور على ما هي عليه من الانحلال والضياع، واتخاذ خطوات سريعة لرأب الصدع وإجراءات جذرية لتصحيح المسيرة وذلك بإعادة الاهتمام بالنواحي الخلقية والروحية في تربية النشء.
عن مجلة المجتمع الكويتية
стр. 5414
جراح الإسلام
شعر: محمد المجذوب
(فانقصا من ملامتي أو فزيدا)
قد أبت مقلتاي إلا جمودا
ث عزيزا ولم أؤبن شهيدا
واعذراني إذا وجمت فلم أر
فقد الموت وقعه المعهودا
كثر الموت في الأحبة حتى
في خطوب سدّت عليه الوجودا
ليت شعري ماذا يقول بليغ
ن، وبعض الأنباء يفري الكبودا
أفلا تسمعان أنباء لبنا
فباتت، وهي الجنان، حصيدا
غرقت بالدماء أكنافه الخضر
م فغطت سفوحه والنجودا
وبأرجائه تناثرت الها
على الناطحات حتى تبيدا
وسرت في ربوعه النار تنقضّ
وأحالت عطر الحياة صديدا
والصواريخ زلزلت كل رأس
ء أوحى طغاتها أن تعودا
إنها غدرة الصليبية الرعنا
ن)) ليغدو التوحيد فيها وقيدا
قد تولى إيقادها أمس ((اربا
((وشمعون)) تستجدّ الحقودا
وهي اليوم في قيادة ((إبيير))
وقد جاز في السَّفاه الحدودا
ألبت كل مجرم كره الحق
ن)) _على رغمه_ كتائب سودا
ثم ساقت أوسابهم باسم ((مارو
م والمسلمين دينا سديدا
لا ترى في سوى القضاء على الإسلا
وفي لحظة تخون العقودا
ولكم عاقدت وسيطاً على السلم
أن ترى الكل هالكا أو شريدا
فهي لا ترتوي مدى الدهر إلا
ويرتد دونها مهدودا
فتن يستطار من هولها اللبُّ
ن تزجي على حمانا الجنودا
تتداعى في غمرها ذكرُ الصلبا
كل ضرب من الخطوب فريدا
تتوالى أشباحها حاملات
كوس)) يأبى لها البغاة خمودا
منذ ((فرناند)) لا تزال إلى ((مر
فأذكى أوارها تجديدا
كلما قيل قد خبت هبّ ذو ضغن
العوادي كالدهر غضاً جديدا
غير أن الإسلام ظل على رغم
برار، كيد الفجار إلا صمودا
لم يزده، ولم يزد جنده إلا
نو لنصر في أمتي أو يسودا
ولعمري ما كان للغدر أن ير
стр. 5415
شد واستلهموا الكتاب المجيدا
لو توخّى الحكام فيها سبيل الر
عليه _ بعد الأسود قرودا
بيد أن الإسلام بدِّل _ والهفا
وشدوا على بنيه القيودا
فتحوا للبغاة أسواره الشُّم
في بلاء يجاوز التحديدا
وتباروا في حربه، فهو منهم
أم تراهم قد استطابوا الرقودا!
يا لقومي.. أليس فيهم رشيد
ن لتمزيقهم يُعدّ الحشودا
شُغلوا بالخلاف، والخصم يقظا
رجموه، أو أوسعوه صدودا
وإذا حثهم على الوعي هاد
ن، ويأبى عن وحيه أن يحيدا
جلهم أسلم الزمام لشيطا
ن يوماً إلا الهلاك الأكيدا
ومحال أن يضمر الكفر للإيما
م منهم قد استمد الوقودا!
هل دَرَوا أن كل غزو على الإسلا
ت تهاوى ليس العقوق الوحيدا
تركنا القدس تستغيث وبيرو
ف المآسي لمن أراد شهودا
فبتايلندا والفلبين إلا
جرح الإسلام ثراً جديدا
وبتركية الشقيقة ما ينفك
إلى الآن لم تجد تضميدا
طعنة ((الدونميّ)) في قلبه البَر
فانبتّ إخاء كان الرباط السعيدا
حطمت دوحة الخلافة
ليس يألو في عقدنا تبديدا
فغدونا مذ يومها في صراع
زت بأحداثها الجسام الوجودا
وضحايا الإلحاد في ((مقدشو)) هز
ولم تلف بيننا مردودا
ردّدت هولها العواصم إنكاراً
يين ليزداد غيهم تصعيدا
بل بذلنا للقائلين الملا
م أعاجيب قد تشيب الوليدا
وبصحراء مغرب العرب اليو
بها للأباة فتحاً مجيدا
أدركتها انتفاضة حقّق الله
ة عادوا فاعلنوا التهديدا
فإذا الإخوة الأولى أعلنوا الحيد
رب ما لا يسرّ إلا الكنودا
ثم لم يكتفوا فصبّوا على المغ
م بتحريضهم تدكّ الحدودا
عُصَب من ذئاب كوبا وفتنا
باركوها وصفقوا تأييدا
كلما أهرقت دماً عربيا
بأبعادها الحليم الرشيدا
محن تضحك الغويّ، وتستبكي
стр. 5416
ولم يستطع لها تحديدا
لو مضينا في سردها عجز العقل
كلّ زيغ ونرفض التسديدا
سلبتنا السّداد حتى لنرضى
ولم نرع في الإخاء العهودا
فأبحنا أرحامنا لمدى البغي
نا على أهلنا العدو اللدودا
وأضعنا حق الإباء، وآثر
لأذانا وراح يبغي المزيدا
ولذلك اشرأب كلّ غشوم
ع لَوَنَّا سقنا إليه الوعيدا
وهو أهوى من أن يسوق لنا الرَّو
منعناه نفطنا المنشودا!
أيّ حول يبقى لعاد إذا نحن
عنهم رفدنا لخرّوا سجودا
ومطايا ((مارون)) لو قد حجبنا
حين صرنا للترهات عبيدا
غير أنا هِنّا على كل عبد
ني أناجي أطيافهن وحيدا
يا خليليّ.. خلياني وأشجا
في جحيم الأسى يذوب وليدا
قد عصتني الدموع لكنّ قلبي
قاتلاتي وإن بدوت جليدا
وجراح الإسلام من كل صوب
стр. 5417
من الأدب الإسلامي
إليك أيها الداعية
بقلم: فضيلة الشيخ إبراهيم محمد سرسيق
المدرس بكلية الشريعة بالجامعة
بعد سنوات عديدة قضاها الكاتب يدعو إلى الله تعالى في شرق القارة الإفريقية عاد يقدم خلاصة تجاربه الميدانية في هذا المقال.
وقد اهتم فيه بإبراز الخصائص الهامة في شخصية الداعية الإسلامي وكيف ينبغي عليه أن يضبط تحركاته على نبض الأحداث في بيئته طبقا لمقتضيات الرسالة التي هيأه الله لتبليغها إلى الناس..
أيها الداعية.. من أنت؟ هل أنت مجرد آدمي يأكل الطعام ويمشي في الأسواق؟ هل أنت مجرد موظف يرتزق من دعوته الناس إلى دين الله؟ أو هل أنت عميل تابع لمذهب سياسي معين، ترتفع بارتفاعه وتنخفض بانخفاضه؟ أو أنك راهب متصوف تنتظر أن يأتيك الناس التماساً للبركة وأملا في "المدد"!!
من أنت على وجه الحقيقة، بين كل هؤلاء؟؟ أم أنك نموذج فريد يختلف عن كل هؤلاء؟
لتكن على بينة أيها الأخ الصالح، أن ظروف الحياة اليوم تختلف كثيرا كثيراً عنها بالأمس، وتلك سنة الله في خلقه، ووسيلة من وسائله سبحانه في تجديد ملكه، ومن ثم فإن طرق الدعوة يجب أن تتكيف مع المتغيرات في هذا الكون، كما أن شخصية الداعي يجب أن تتعدل مع طبيعة الكائنات في هذا العصر، ويحكم على نفسه بالذبول وبالموت، من يظل من الدعاة سالكاً دروبه القديمة، عاكفاً على طرقه العقيمة تاركاً التزود بالمناهج الإرشادية القويمة.
стр. 5418
ومن أعجب العجب، أن ينتهك ستار الأخلاق والأدب، بأن يلجأ الداعية إلى ترديد القديم البالي من الخطب، فكأنما يصيح بلسان غير لسان عصره، ويقدم العظة لغير أهله ومصره، وكأني بأحد الجالسين يناشده ويعارضه: يا أخانا.. قد حفظنا ما تقول منذ سنين ونسيته! فكيف بالله تنسى اليوم ما قلته بالأمس، ولو شئت لرددناه على مسامعك حتى تغرب الشمس! فغير يا هذا من أسلوبك، واشتغل عن عيبنا بإصلاح عيوبك! وقوّم لسانك وبيانك، فإن اللسان هو ترجمان القلب، وبقدر ما يكون فؤادك تقياً نقيا يكون أسلوبك في الدعوة مؤثرا وقوياً!
واعلم يا أخي رعاك الله وهداك وجعل الجنة مثواك، أن البلاغة في الإلقاء الديني ليست في الأصل تدريباً للسان أو تطويعاً للبيان بقدر ما هي تنقية للقلب وتهذيب لجوارح الإنسان، نعم وإلا فخبرني: كيف ينطق الداعية بما ليس فيه؟ وكيف ينهاك عن المنكر ثم يأتيه؟ إنه والله إذن لمأفون مفتون، وتأمل ما في قول الإله القاهر من سرّ باهر ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ﴾ أولست تعلم أن الإيمان دائماً يقترن بالعمل الصالح في كتاب الله الأقدس؟ فكيف بمن نصب نفسه للدعوة إلى الله ؟ ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لا تَفْعَلُونَ﴾ .
стр. 5419
كيف يتوقع من الداعية أن يكون قدوة لغيره وهو لم يستطع أن يصلح ذات نفسه، إنه والله للإفك المبين! إن على الداعية أن يخجل من نفسه، وأن يرهب عقاب ربه، ﴿يَوْمَ تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ تُجَادِلُ عَنْ نَفْسِهَا وَتُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ﴾ عليه أن يبلغ من تأديب نفسه وزجرها وكبح جماحها ما بلغه الأسلاف الراشدون من صحابة رسول الله ﷺ ! فإنه بغير ذلك لن يكون نافذ التأثير، قوي العظة، محركاً لمشاعر الجماهير الساعية إلى الحق وطلب الهداية، فالجماهير تتأثر بالفعل قبل القول، وبالقدوة قبل الخطبة، وبالسيرة الوضيئة النبيلة قبل المحاضرة الجريئة الطويلة.
واكبر منه جاهل يتنسك
فساد كبير: عالم متهتك
لمن بهما في دينه يتمسك
هما فتنة للعالمين عظيمة
روى الطبراني في معجمه الصغير عن علي ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إني لا أتخوف على أمتي مؤمناً ولا مشركاً، أما المؤمن فيحجزه إيمانه، وأما المشرك فيقمعه كفره، ولكن أتخوف عليكم منافقاً عالم اللسان، يقول ما تعرفون، ويعمل ما تنكرون! " فليتأمل هذا كل من يجري الشهد في بيانه، بينما يختبئ ثعبان أرقط تحت لسانه! يتكلم بالحكمة شعراً ونثراً، بينما يحمل قلبه شرا وجمرا..
ونستعيذ بالله تعالى من كل شيطان عنيد.
ثم تعال يا صاحب البيان الطلي، والأسلوب الشهي..
ماذا يحمل بيانك الصائب من علم وافٍ وفقه كافٍ وحديث شافٍ..
стр. 5420
أين التفسير الصريح والحديث الصحيح؟ أين السند القوي، والدليل الذكي؟ من أي المناهل ارتشفت واشتفيت، وعلى أي المصادر اطلعت واكتفيت؟ أقضيت وقتاً طويلاً في البحث والتقصي قبل أن تخرج على الناس بفتواك، وتقدم إليهم من العلم الصحيح نصائحك وهداياك؟ تلك هي وربك قاصمة الظهر التي لا يمحى عارها أبد الدهر، اللهم إلا إذا كنت من عظاتك متثبتاً متيقناً، حتى لا تقع في الهوة التي وقع فيها من قبلك من جعلوا هواهم حكماً في أمور الدين وبئسما صنعوا ﴿لِيَحْمِلُوا أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ أَلا سَاءَ مَا يَزِرُونَ﴾ .
روى البخاري في صحيحه من حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا ضُيعت الأمانة فانتظر الساعة. قال: كيف إضاعتها يا رسول الله؟ قال: إذا أسند الأمر إلى غير أهله فانتظر الساعة ".
وصدق الله العظيم ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ .
ومن العلم الصحيح يا داعي الحق أن تهجر البدع وتنبّه الناس إلى ضررها، وأن تجانب الفساد وتحذر الناس من استشرائه وانتشاره، فإنها المهمة الكبرى المنوطة بك أن تحذر الناس من النار: نار الدنيا ونار الآخرة ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلائِكَةٌ غِلاظٌ شِدَادٌ لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ سورة التحريم: ٦.
وقد روى ابن بطة بإسناد جيد عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "لا تركبوا ما ارتكبت اليهود فتستحلوا محارم الله بأدنى الحيل ".
وسبحان من خلق النفوس وهو أدرى بأهوائها ومشاربها وهو قادر على إصلاحها.
стр. 5421
((الحكمة)) .. جوهرة الداعية.. ويتفرع عن الإيمان بهذه الحقيقة أن يتفهم الداعية نفوس مريديه، فلا يلصق نفسه بهم وقد وهنوا أو سئموا، ولا يتخلى عنهم وقد رغبوا وطلبوا.. ولا ينبغي أن ننسى كيف عاتب الله نبيه من فوق سبع سموات في شأن عبد الله بن أم مكتوم، ذلك الأعمى الذي جاءه يسعى وهو يخشى ﴿وَأَمَّا مَنْ جَاءَكَ يَسْعَى وَهُوَ يَخْشَى فَأَنْتَ عَنْهُ تَلَهَّى كَلاَّ إِنَّهَا تَذْكِرَةٌ﴾ .
ومن أخطاء الدعاة أن يشنوها حرباً شعواء على مخالفيهم في الرأي أو المذهب أو العقيدة، وينسون أو يتناسون ضرورة التطبيق العملي لتوجيهات القرآن المجيد ﴿وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْناً﴾ ، ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ ، ﴿وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً﴾ وكم من دعاة أخفقوا في مسعاهم بغلظ طباعهم، وخشونة مسلكهم، وكان يمكنهم أن يؤلفوا حولهم القلوب، ويفوزوا دائماً بالمطلوب وينالوا الثواب المرغوب، ولهذا كانت وصية الله تعالى لموسى وهارون حين وجههما إلى فرعون ﴿فَقُولا لَهُ قَوْلاً لَيِّناً لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى﴾ ، ولم يمدح الله نبيه محمداً بمال أو جمال بل بحسن الخلق ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ ، ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ ، ﴿وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِك﴾ .
وما لي لا أجذب ناظريك إلى الكفاح المضني الذي ناء به محمد ﷺ ، وكيف كان يسوس الناس أفضل سياسة، ويعامل الحضري والبدوي منهم بلطف وكياسة، أفلا يكون لنا قدوة في رسول ربنا وهو الذي جمّله الله بحميد الفعال وكريم الخصال؟
стр. 5422
يا خلفاء الداعية الأعظم: محمد ﷺ كم تغنمون من الثواب إذا نشطتم في التبليغ، ولم تكتفوا بالقعود في حرز منيع! يا دعاة الإسلام، لا تنتظروا أن يهب الناس إليكم، ويتزاحموا بالمناكب عليكم! قوموا من نومكم وابحثوا عن الضال لترشدوه كما أرشدكم الله، وعن المنحرف لتقوموه بما علمكم الله ﴿مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الأَرْضِ أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الآخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الآخِرَةِ إِلاَّ قَلِيلٌ﴾ ! يا قومنا! لقد كان أمر الله لرسوله بالقيام وتحرير العقول من الأوهام أمرا صريحاً لا تلميح فيه ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ قُمْ فَأَنْذِرْ﴾ ، ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ﴾ ﴿وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ﴾ ، فكيف بكم أيها الدعاة في هذا العصر.. وقد تضخم العبء، ونشطت الدعوات الإلحادية، وصار الدعاة أغراضا ترمى بالسهام!
كيف وقد زادت الثروة، وانكمش عدد المؤمنين، وتفاقم الخطر والضرر على الدعاة الموحدين! تظلون مع هذا كله خدماً لبطونكم، عبيداً لشهواتكم أسارى لنسائكم؟ إذن فاسمعوا ما رواه الديلمي عن علي ﵁ مرفوعاً: "يأتي على الناس زمان همتهم بطونهم، وشرفهم متاعهم، وقبلتهم نساؤهم ودينهم دراهمهم ودنانيرهم، أولئك شر الخلق لا خلاق لهم عند الله".
стр. 5423
إن الدعوة إلى الله ليست سلعة تقبل أو ترفض! وليست عرضاً يبرم أو ينقض! وإنما هي روح الحياة وحياة الروح، وبدونها يكون المرء مصباحاً بلا شعاع، ومسافراً بلا متاع، وكائنا ممسوخاً ضائعاً شر ضياع ﴿يا أيها الذين ءامنوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾ وكلما كان الداعي مخلصاً مناضلا في سبيل رسالته، دائب التبليغ لدعوته نصره الله وأعزه، وأذهب كيد الكائدين له، وهيأ النجاح له أينما حل وحيثما ذهب! ﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾ فيا أخي هداك الله، لا تهزل وأعداؤك في جد، ولا تصخب وشانئوك في عمل، ولا تنم والمبشرون في يقظة ﴿فَلَنَسْأَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْأَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ﴾ .
أفضل الجهاد: كلمة حق.. عند سلطان جائر..
آه ثم آه يا إخوتي: الحق أقول لكم: كم من المصائب التي طمّت وعمّت في عالمنا الإسلامي، ما كان لها أن تحدث والأمر لله، لو أن كلمة الحق قيلت في وجه طاغية غشوم!
ترك الدعاة الجهر بالحق فجهر فيهم أعداؤهم بالباطل، تخلوا عن تنفيذ أمر الله فسلط الله عليهم بأعمالهم من لا يخافوه ولا يرحمهم، فنعموا بجبنهم، وسمنوا في ظل خورهم وكسلهم وتسبيحهم بحمد ظالميهم.. فاللهم إنا نبرأ إليك مما فعلوا، ونعوذ بجبروتك أن نصنع مثل ما صنعوا.
ونسألك يا ذا النعم أن تلهمنا اللجوء إليك حين يحاصرنا الشيطان وأعوانه من بني الإنسان، فلا نكتم حقاً، ولا نخشى لك رقا، ولا تأخذنا فيك لومة لائم، نجاهر في وجه الظالمين بما قلته وقاله رسولك، نذكرهم بما نسوا من الحق، نخوفهم بجلالك وعظمتك أن يحلوا حراماً أو يحرموا حلالا، نذود الناس أن ينحنوا لغير الله، أو يذلوا رقابهم لما سوى الله.
فما يملك الإنسان نفعا ولا ضرا
من الله فاسأل كل أمر تريده
من الكبر في حال تموج بهم سكرا
стр. 5424
ولا تتواضع للكبار فإنهم
فقد قيل عنها إنها السجدة الصغرى
وإياك أن ترضى بتقبيل راحة
يا داعية الإسلام.. ارجع البصر فيما حولك من أحوال دنياك: هل ترى إلا دولا تقوم وتنفض، وحكومات تبني وتنقضّ! ورؤساء يجيئون ويذهبون، وملايين يولدون ويموتون؟ هكذا أنت يا صاحبي ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالإِكْرَامِ﴾ ، فضع مصحفك بين يديك، واجعل رسالتك نصب عينيك، واعلم أن الدعوة هي حياتك ومماتك، هي ماضيك وحاضرك، هي أعظم ما يبقى من خير لك ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحاً وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ ويقول النبي ﷺ "فو الله لأن يهدي الله بك رجلا واحداً خير لك من حمر النعم".
فلتكن أعظم أعمالك بركة عليك بعد موتك، أن يتذكر بعض من هديتهم إلى الله، فيدعو لك دعوة صالحة، واجعل مسعاك لله، وإخلاصك كله لله، والتجاؤك دائماً إلى الله، وثقتك كلها في فضل الله، والله لا يضيع أجر من أحسن عملا.
стр. 5425
ندوة الطلبة
الجِّد
للطالب أحمد حسن المعلم
فاترك معاتبتي بالله يا سامي
بالجد يمكنني تحقيق أحلامي
فيما يؤهلني للموقف السامي
إني لأصرف أوقاتي وأنفقها
حتى أود لو أن اليوم كالعام
يجتاز بي الدهر لا أبغي تصرمه
لذا حرصت على تقييم أيامي
إني أرى العمر مهر المجد أطلبه
فقد نهاني عن التبذير إسلامي
لا أصرف الوقت في لهو وفي لعب
بل راحت النفس في جدي وإقدامي
ولا أرى في لزوم الجد من تعب
فما تسبب تسهيدي بإيلامي
فكم سهرت على أوراك مكرمة
جاء النجاح يداوي جرحها الدامي
بل لو تفطرت الأعضاء من تعب
ينسيك ما كان من جهد وآلام
ما أعذب القصد بعد الجهد تدركه
يسري الطموح إلى أبناء أعمامي؟
هذا شعوري شعور الطامحين فهل
стр. 5426
أخبار الجامعة
صاحب السمو الملكي ولي العهد ونائب رئيس مجلس الوزراء والرئيس الأعلى للجامعة الإسلامية يرأس المجلس الأعلى للجامعة في السابع عشر من شهر ربيع الأول القادم
سيعقد بمشيئة الله المجلس الأعلى للجامعة الإسلامية في السابع عشر من شهر ربيع الأول دورته الأولى للعام الدراسي ٩٥- ١٣٩٦هـ في مقر الجامعة برئاسة صاحب السمو الملكي الأمير فهد بن عبد العزيز ولي العهد ونائب رئيس مجلس الوزراء والرئيس الأعلى للجامعة الإسلامية، ويبحث المجلس في هذه الدورة العديد من الموضوعات ومن بينها مشروع ميزانية الجامعة للعام المالي ٩٦-١٣٩٧هـ وإنشاء فرع لكلية الشريعة بالجامعة في مقاطعة القصيم لتكون نواة لجامعة في تلك المنطقة في المستقبل القريب بمشيئة الله.
كما سيقوم بدراسة بعض لوائح الجامعة مثل لائحة قسم الدراسات العليا، ولائحة المجلس العلمي، ولائحة مجلس شؤون الدعوة، واللائحة المالية للجامعة، ولائحة المكتبات، كما سيتم في هذه الدورة تعيين عمداء للكليات من هيئة التدريس وأعضاء في مجلس الجامعة، وإنشاء أقسام في الكليات.
وسيتفضل سمو الرئيس الأعلى للجامعة بمناسبة قدومه الميمون إلى المدينة المنورة لرئاسة المجلس الأعلى للجامعة بمناسبة قدومه الميمون إلى المدينة المنورة لرئاسة المجلس الأعلى للجامعة بتفقد أقسام الجامعة وسماع بعض المحاضرات في بعض كليات الجامعة.
وهذه اللفتة الكريمة من سموه نموذج مما تتلقاه الجامعة من سموه باستمرار من رعايته إعلاءً لشأنها وتقديراًً لرسالتها وتشجيعها لها على السير قدماً نحو تحقيق أهدافها السامية.
الدكتور حافظ غانم نائب رئيس الوزراء ووزير التعليم العالي المصري يزور الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة
стр. 5427
زار الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة صباح الخميس ٥ صفر معالي الدكتور محمد حافظ غانم نائب رئيس الوزراء ووزير التعليم العالي بجمهور مصر العربية يرافقه الدكتور صوفي أبو طالب مدير جامعة القاهرة وبعض المسئولين عن التعليم العالي في مصر، وكان في استقبالهم فضيلة الشيخ عبد المحسن بن حمد العباد نائب رئيس الجامعة وفضيلة الأمين العام الشيخ عمر محمد فلاتة وعمداء الكليات وعدد من أساتذة الجامعة وقد رحب بهم فضيلة نائب رئيس الجامعة وتحدث إليهم عن الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة ورسالتها العالمية وعنايتها بتثقيف الطلاب المسلمين من سائر أنحاء العالم الثقافة الإسلامية الصافية.
وبالدعوة إلى الإسلام وتبليغ رسالته الخالدة إلى العالم أجمع، وأشار فضيلته إلى أهمية الدراسات الإسلامية للطلاب المسلمين في سائر الجامعات.
ثم تحدث معالي الدكتور محمد حافظ غانم عن دور الجامعات في نقل الثقافات من جيل إلى جيل وأشاد برسالة الجامعة الإسلامية.
وبعد انتهاء الاجتماع زار معالي الضيف الكريم ومرافقوه بعض أقسام الجامعة ثم ودعوا بما استقبلوا به من حفاوة وتكريم.
وفي مساء اليوم غادر الوفد المدينة المنورة متوجهاً في رعاية الله إلى جدة وكان في وداعه بالمطار فضيلة نائب رئيس الجامعة والأمين العام والعمداء وبعض المسئولين في الجامعة.
стр. 5428
أضواء من التفسير
لفضيلة الشيخ عبد القادر شيبة الحمد
المدرس بكلية الشريعة بالجامعة
قال تعالى: ﴿وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئاً إِلاَّ مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَىإِنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ لَيُسَمُّونَ الْمَلائِكَةَ تَسْمِيَةَ الأُنْثَى وَمَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَإِنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئاً فَأَعْرِضْ عَنْ مَنْ تَوَلَّى عَنْ ذِكْرِنَا وَلَمْ يُرِدْ إِلاَّ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا ذَلِكَ مَبْلَغُهُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اهْتَدَى﴾ .
المناسبة:
بعد أن ذكر أطماعهم وشهواتهم، وهم يطمعون أن تشفع لهم هذه الأصنام، أقنطهم من هذه الشفاعة، ببيان أن الملائكة المقربين لا تغني شفاعتهم إلا من بعد إذن الله ورضاه لمن يكون أهلا للشفاعة، فكيف تشفع الأصنام لمن يعبدها؟
القراءة:
قرأ الجمهور ﴿شَفَاعَتُهُمْ﴾ ، وقرئ شفاعته، وقرئ شفاعاتهم.
المفردات:
﴿كَمْ﴾ خبرية للتكثير. ﴿مَلَك﴾ ٍ واحد من الملائكة مأخوذ من المأْلَكَةَ وهي الرسالة، ومنه قولهم ألكني إلى فلان أي أبلغه عني. وسمي الملك لأنه يبلغ عن الله تعالى ﴿لا تُغْنِي﴾ لا تدفع ولا تنفع. ﴿يَأْذَنَ﴾ أي يبيح للشافع أن يشفع. ﴿تَسْمِيَةَ الأُنْثَى﴾ أي يقولون إنهم بنات الله. ﴿تَوَلَّى﴾ أعرض. ﴿ذِكْرِنَا﴾ أي القرآن. ﴿مَبْلَغُهُمْ﴾ غايتهم. ﴿ضل﴾ حاد.
التراكيب:
стр. 5429
قوله ﴿وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئاً إِلاَّ مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى﴾ كم في محل رفع على الابتداء، والخبر لا تغني، وأفردت الشفاعة على قراءة الجمهور لأنها مصدر، ولأنه لو شفع جميعهم لواحد لم تغن شفاعتهم عنه شيئاً. وجمع الضمير في شفاعتهم مع إفراد الملك باعتبار المعنى أي وكثير من الملائكة. وقوله ﴿شَيْئا﴾ مفعول مطلق أي شيئاً من الإغناء. واللام في قوله ﴿لِمَنْ يَشَاء﴾ بمعنى في. والواو في قوله ﴿وَيَرْضَى﴾ لمطلق الجمع. وإذنه تعالى لا يصدر إلا إذا رضي عن عبده المذنب فإذا رضي عنه أذن للشافع أن يشفع له، وهو سبحانه لا يرضى إلا بالتوحيد. وقوله ﴿إِنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ لَيُسَمُّونَ الْمَلائِكَةَ تَسْمِيَةَ الأُنْثَى﴾ التعبير بالاسم الموصول لتسجيل كفرهم وللإشارة إلى نوع الخبر وأنه من نوع القبائح. فإن قيل: زعمهم لشفاعة أصنامهم إيمان منهم بالآخرة؛ قلنا: هم لا يجزمون بالحشر ويقولون إن كان حشر فهم يشفعون. وقوله: ﴿وَمَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ﴾ حال من فاعل يسمون، أي يسمونهم والحال ألا علم لهم بما يقولون أصلاً، وعلم مبتدأ مؤخر، ولهم خبر مقدم. وقوله: ﴿فَأَعْرِضْ عَنْ مَنْ تَوَلَّى عَنْ ذِكْرِنَا﴾ الفاء فصيحة. وكان مقتضى الظاهر أن يقول ﴿فأعرض عنهم﴾ ولكنه وضع الموصول موضع الضمير للتوسل به إلى وصفهم بما في حيز الصلة من الأوصاف القبيحة مع تعليل الحكم بها. وقوله: ﴿ذَلِكَ مَبْلَغُهُمْ مِنَ الْعِلْم﴾ قيل الجملة مقررة مضمون ما قبلها من قصر الإرادة على الحياة الدنيا. والإشارة فيه قيل إلى ما هم فيه من التولي وقصر الإرادة على الحياة الدنيا. وقيل الإشارة إلى جعلهم الملائكة بنات الله. وقيل إلى الظن أي غاية ما يعلمون أن يأخذوا بالظن. وقوله: ﴿إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ
стр. 5430
بِمَنِ اهْتَدَى﴾ تعليل للأمر بالإعراض ووعيد شديد لهم. وإنما كرر ﴿هُوَ أَعْلَمُ﴾ لزيادة التقرير والإيذان بكمال تباين المعلومين.
المعنى الإجمالي:
وكثير من الملائكة الذين هم عباد مكرمون لا يستطيعون أن يطلبوا أن يخفف العذاب عن أحد إلا إذا رضي الله عمن يشفع فيه وأذن للشافع في الشفاعة مع أنه لا يرضى إلا عن أهل التوحيد.
إن هؤلاء الجاحدين للبعث ليصفون الملائكة الذين هم عند الرحمن بصفات الإناث فيقولون هم بنات الله. والحال أنه لا علم لهم بهذا الاسم الذي يطلقونه، فإنهم لم يشهدوا خلقهم، ولم يبصروا أجسامهم.
ما ينقادون إلا للخواطر الشيطانية، وإن الخواطر الشيطانية لا تكون سبيلا للصدق. وإذا كانوا بهذه المثابة فلا تقتل نفسك على آثارهم إن لم يؤمنوا بهذا الحديث أسفا، فإن دأبهم الإعراض، وديدنهم البعد عن مصدر الخير والشرف. وليست لهم أهداف نبيلة، ولا مثل عليا. وإنما همهم بطونهم وما يدور حولها.
هذا الذي وصفناهم به هو منتهى علمهم، وغاية معارفهم، وسيجدون عاقبة كفرهم خزياً ووبالا.. وستجد عاقبة صبرك نصراً وعزا، لأن ربك لا يعزب عنه أحوالهم الخبيثة، ولا يضيع عنده صبرك الجميل.
ما ترشد إليه الآيات:
١_ إقناط الكفار من شفاعة أصنامهم.
٢_ لا شفاعة إلا في أهل التوحيد.
٣_ لابد للشافع من سبق الإذن.
٤_ تسمية الملائكة بنات الله من الرجم بالغيب.
٥_ الرمي بالظنون لا يكون علماً.
٦_ الأمر بالصبر عليهم.
٧_ الوعيد الشديد لهم.
следующие страницы →