← Джавами‘

Джавами‘ · id 4473

مجلة الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (23 804 стр.). Показаны 5776–5815 · переход к 5781.

стр. 5776

ولابد لنا من الإشارة هنا إلى أن الرسول ﷺ إذا كان هو المعلم الأول فقد كان لحكمة أرادها الله أميان لا يقرأ ولا يكتب، ولو سمح له بذلك لكان من أعظم من قرأ وكتب، ولكنه وقف عند الحد الذي أراده الله له، فظل أميا، لا يقرأ إلا بالمفهوم الذي نزلت به أول آيات الوحي، فإذا كانت القراءة في معناها اللغوي تعني الجمع بين الحروف وتأليفها في كلمات، وتأليف الكلمات في جمل تنطق بواسطة أدوات النطق من مكتوب فإن القراءة كما وردت في هذه الآيات الأولى كانت تعني أكثر من ذلك، وهو ما سبق أن أوردنا من أنه هو المعنى بقول الملك: للرسول ﷺ في غار حراء "اقرأ" ولذلك نجده يجيبه في المرة الثالثة بعد وعي ما أراده الملك "ماذا أقرأ؟ "وكان حينما أمره في المرتين السابقتين يجيب "ما أنا بقارئ" وحتى تتأكد أميته للعالم قبل البعثة فلما قال محمد ﷺ تحت وطأة ما قام به الملك من غطة "ماذا أقرأ "في بعض الروايات، دل ذلك على أن النبي ربما يكون قد أدرك ما يعنيه الملك من القراءة، التي يفسرها ما ورد من أنه حينما ينزل عليه الوحي كان يحرك لسانه به ليحفظه فنبهه الله إلى عدم الحاجة إلى هذا التحريك فقال تعالى: ﴿لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ﴾ . وهذا الجزء الأخير من الآية فيه رد على من ادعى أن الحديث بلفظه ومعناه من عند محمد وهو قوله: ﴿ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ﴾ لأن الحديث هو تفسير ما جاء به القرآن ن فلفظ الحديث من عند محمد ﷺ ومعناه وحي، أما القرآن الكريم فهو وحي بلفظه ومعناه. .

стр. 5777

ومع هذا فالإعجاز في أن يتلقى محمد ﷺ الوحي وهو على هذه الصورة من العنف ويتشوق إليه فقد كان يتمثل في الجهد الشديد الذي عبرت عنه عائشة ﵂ فقالت: "ثم سري عن رسول الله، فجلس وإنه ليتحدر منه مثل الجمان في يوم شات، فجعل يمسح العرق عن جبينه". وقد اتخذ الرسول ﷺ كتبة للوحي ممن عرفوا بالقدرة على ذلك من الصحابة، وكانوا عددا محدودا في مكة، ولكنهم زادوا زيادة كبيرة عندما وجه الرسول عنايته بذلك حينما استقر في المدينة فكانت بداية ذلك أنه جعل فداء غير القادر من أسرى بدر من المشركين ويعرف الكتابة أن يعلم عشرة من أبناء المسلمين. . حتى أنهم ليكتبون الحديث عن الوحي من القرآن فينهاهم عن ذلك ويقول: "ومن كتب عني شيئا من ذلك فليمحه"أي من السنة خاصة "ولكن حدثوا عني". وإذا كان القرآن الكريم هو معجزة الرسول ﷺ العظمى فإنه إذا كان قد أعجز في نمط تركيبه وتأليفه وبيانه وجرسه ومعانيه العرب وهم من هم في بلاغة اللغة. فإنه جمع العرب على لهجة قريش وهي اللهجة الأم، وليس هناك مجال لما أثاره مرجليوث وأضرابه وممن لف لفهم مثل الدكتور طه حسين في كتابه "في الشعر الجاهلي" [٦] . فقد كانت مكة هي أم القرى ذات الطابع الديني والثقافي الأمثل ولابد وأن شعر الجاهليين كتب بلهجة قريش وحتى يثبت إعجاز القرآن بتحدي العرب. . وما زال القرآن قائما - بحفظ الله - للتحدي في مجالات كثيرة غير الإعجاز البلاغي واللغوي والعلمي ولعل أعظم ذلك جميعه ما أشار إليه الرسول ﷺ من أن جدته لا تبلى على كثرة الرد، فهو ربيع دائم. هذا ولقد سألت العقاد يوما في ندوته: ما أثر الإمام ابن تيمية في الفكر الإسلامي؟ قال: أعظم الأثر. قلت: وما دلالة ذلك؟ قال: إنه أوجد منطقا قرآنيا [٧] .

стр. 5778

فقد أدرك هذا الإمام الكبير مدى ما جناه منطق أرسطو على العلوم العربية وعلوم العقيدة والشريعة فأفسد أسلوبها وأساء مناهجها وقضاياها. وقد بلغ التحدي من القرآن مداه للعرب حيث قال الله تعالى: ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ . ولم يجد العرب بعد أن أعيتهم الحيل وبعد تأمل وتفكير وإمعان وتدبير إلا أن يوهموا الناس أنه سحر، وأن محمدا ساحر، وهو اتجاه له دلالته، إذ هي كلمة حق أريد بها باطل، ولذلك نجد القرآن الكريم إزاء هذه الشبهة التي حاكها الوليد بن المغيرة يهدد هذا المشرك تهديدا شديدا ويصمه بالعار قال تعالى من سورة المدثر: ﴿ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيداً وَجَعَلْتُ لَهُ مَالاً مَمْدُودا وَبَنِينَ شُهُوداً وَمَهَّدْتُ لَهُ تَمْهِيداً ثُمَّ يَطْمَعُ أَنْ أَزِيدَ كلا كَلاَّ إِنَّهُ كَانَ لآياتنَا عَنِيداً سَأُرْهِقُهُ صَعُوداً إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ﴾ ومن سورة القلم قوله تعالى: ﴿عُتُلٍّ بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيم﴾ . ونتساءل: لماذا وقف القرآن هذا الموقف من الوليد بن المغيرة؟ والجواب: لأنه أوجد بهذا العناد شبهة، وقد كان أقرب إلى الإيمان حينما لمس هذا النمط الفريد من الترتيل، ولكنه نأى بنفسه بسبب عناده وجهله بعيدا عن النور، وليهيم مع مشركي مكة في دياجير الظلمات حتى يتخطفه الموت. ووقع تدبيرهم هذا بعد هذه المرحلة في غباء الحقد الأعمى فإذا بهم يتفقون على أن يحذروا كل قادم من سحر محمد فتكون النتيجة على عكس المطلوب ولعل خير دليل نسوقه في هذا المجال قصة إسلام عمر وابن الطفيل.

стр. 5779

وإذا كان الرسول ﷺ قد تنزل عليه القرآن نمطا فريدا معجزا من التعبير بواسطة حروف اللغة العربية، فإن من يقرأ الأحاديث النبوية يستطيع أن يلمس صورة من صور التعبير تمتاز بالابتكار والإبداع فالسنة هي المذكرة التفسيرية للقرآن، وهي المستوى الأمثل في توضيح آيات الكتاب العزيز، ومع هذا لا يستطيع أحد أن يقول إن هذا النمط من التعبير يرقى إلى المستوى الذي جاء به القرآن، فالفاصل بين الأسلوبين واضح. . والفاصل بينهما وبين ما عرف من شعر العرب في الجاهلية والإسلام أكثر وضوحا، وقد وقف القرآن موقفا محددا من الشعر والشعراء قال تعالى: ﴿وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لا يَفْعَلُونَ﴾ ومع هذا الموقف المحدد فإن الرسول ﷺ أثنى على الصدق في قول لبيد: ألا كل شيء ما خلا الله باطل. وكان يستمع إلى الخنساء من شعرها في رثاء أخيها صخر ويقول: "إيه يا خناس"وقد أهدى بردته لكعب بن زهير حينما ألقى قصيدته يعتذر فيها من موقفه في هجائه ومعارضته للدعوة الإسلامية بعد أن أهدر دمه أثناء فتح مكة، وكان من أصحابه من الشعراء من يستمع إلى قصائده التي ينشرها بين يديه حسان بن ثابت وعبد الله بن رواحة.

стр. 5780

وقد كتب للرسول ﷺ عدد من أصحابه منهم علي بن أبي طالب، وعبد الله بن الأرقم، وخالد بن سعيد، وأخوه أبان، وزيد بن ثابت وعبد الله بن أبي بن سلول، وأبي بن كعب القارئ ن كما كتب له في بعض الأوقات أبو بكر وعمر وعثمان ﵃ جميعا وكتب له كثيرا معاوية بن أبي سفيان، وكذلك الزبير بن العوام ومعيقيب ابن أبي فاطمة، والمغيرة بن شعبة، وشرحبيل بن حسنة، وخالد بن الوليد، وعمرو بن العاص، وجهم بن الصلت وعبد الله بن رواحة، ومحمد بن مسلمة وعبد الله بن سعد بن أبي سرح وحنظلة الأسيدي وهو حنظلة بن الربيع [٨] . وقد قام بعض هؤلاء بكتابة الوحي كما قام البعض الآخر بكتابة ماعدا ذلك من كتبه. . ومن أهم الوثائق التاريخية التي كتبت في العصر النبوي الكتاب الذي أملاه الرسول ﷺ في موادعة يهود المدينة. . وهو يمثل الميثاق الذي حددت فيه العلاقات بين جميع أفراد مجتمع المدينة وقد تم فيه وضع ملامح المجتمع الإسلامي الجديد والعلاقات بين مجتمع الفئات على اختلاف الدين والعرق والجنس في الحدود التي رسمها الإسلام. هذا بالإضافة إلى كتبه التي أرسلها مع رسله إلى الملوك والأمراء في جميع البقاع، ومنها كتابه الذي أرسله إلى النجاشي في أمر المهاجرين إلى الحبشة ومنها الوثيقة التي أملاها رسول الله على علي بن أبي طالب فيما فاوض عليه سهيل بن عمرو رسول الله بشأن صلح الحديبية. ومن ذلك كتابه ﷺ على ثقيف، وكتابه ردا على كتاب ملوك حمير، وكتاب مسيلمة إلى الرسول ﷺ ورده عليه، وغير ذلك من الكتب وعهود الأمان.

стр. 5781

وقد بلغ عدد الصحابة رضوان الله عنهم في حجة الوداع مائة ألف، منهم عشرة آلاف صحابي ذكرت أسماؤهم وأحوالهم في كتب التاريخ وهذه إحصائية ببعض أسماء الصحابة الذين امتازوا بكثرة ما حفظوه من أحاديث الرسول ﷺ وعدد ما روى من الأحاديث، وهي تمثل طبقة من الصحابة امتازوا بقوة الحافظة وصفاء الذهن: الصحابي عدد مروياته سنة وفاته أبو هريرة ٥٣٧٤ ٥٩ مبد الله بن عباس ٢٦٦٠ ٦٨ عائشة بنت أبي بكر ٢٢١٠ ٥٨ عبد الله بن عمر ١٦٣٠ ٧٣ جابر بن عبد الله ١٥٦٠ ٧٨ أنس بن مالك ١٢٨٦ ٩٣ أبو سعيد الخدري ١١٧٠ ٧٤

стр. 5782

ومن هنا يتبين أن العربية الذاكرة كانت قوية، ذلك أنه من سنن الله في خلقه أنهم إذا أكثروا من استعمال قوة من قواهم ازدادت قوة وحيوية، وقد مرن الصحابة منذ نزل الوحي على حفظ القرآن كما مرنوا على حفظ الأحاديث حتى بلغوا في ذلك حدا بعيدا وعلى هذا الأساس يمكن القول أن الذاكرة الواعية عند العرب منذ عصر الجاهلية أوجدت هذا اللون من الاستعداد الذي لم يعرف في تاريخ البشرية وأن الوثائق التاريخية الإسلامية في العصر النبوي اعتمدت على وسيلتين الكتابة والحفظ وأن القرآن الكريم امتاز على السنة بأنه حفظ بالوسيلتين وأن الوثيقة الشفوية المحفوظة كان لها نفس القوة في تاريخ النبوة من ذلك ما كان من بيعة العقبة الأولى والثانية فقد وجد الرسول ﷺ نفسه مضطرا حينما واجه جيش المشركين في بدر أن يشاور أصحابه وبخاصة الأنصار. . لأن البيعة الثانية التي على إثرها وبمقتضاها هاجر الرسول وهاجر أصحابه قد نصت على أن يحمي الأنصار رسول الله مما يحمون منه أزواجهم وأبناءهم داخل المدينة لا خارجها، ولم يطمئن الرسول حتى قال له سعد بن معاذ: والله لكأنما تريدنا يا رسول الله، قال: "أجل"قال: فامض يا رسول الله لما أردت، فنحن معك، فوالذي بعثك بالحق لو استعرضت بنا هذا البحر فخضته لخضناه معك ما تخلف منا رجل واحد، وما نكره أن تلقى بنا عدوا غدا، إنا لصبر في الحرب صدق في اللقاء، ولعل الله يريك ما تقر به عينك، فسر بنا على بركة الله. الدكتور عبد الباقي قصة كلية العلوم الاجتماعية الرياض -------------------------------------------------------------------------------- [١] راجع الندوي: الرسالة ص ١٠٤. [٢] راجع زاد المعاد لابن القيم. [٣] راجع المأثورات للشيخ حسن البنا. [٤] راجع مادة بابيل في الطبعة الحديثة من دائرة المعارف البريطانية.

стр. 5783

[٥] راجع مقدمة كتاب حياة المسيح لعباس محمود العقاد. [٦] راجع "مطلع النور "لعباس محمود العقاد، ومقدمة "الظاهرة القرآنية "لمالك بن نبي. [٧] راجع الرد على المنطقيين لابن تيمية. [٨] راجع الروض الأنف للسهيلي ج ٤ ص.٢٦

стр. 5784

الندوة العالمية عن المسكرات تلخيص فضيلة الشيخ محمود فايد في الفترة ما بين ٢١ نوفمبر إلى ٥ ديسمبر ١٩٧٥ م. أقيمت ندوة عالمية عن المسكرات والمخدرات في مدينة المنامة بالبحرين وحضر الاجتماعات وفد من المملكة العربية السعودية أبرز دور الشريعة الإسلامية في معالجة هذه المشكلة، وقد أبدى كثير من المشتركين تفهمهم لهذا الدور، واقتناعهم به، وانتهت الندوة بهذه التوصيات. (١) مناشدة الحكومات في جميع الدول بأن تهتم ببذل أوجه النشاط في مكافحتها، وتعمل على تنسيق الجهود بين العاملين لإيجاد أفضل الأساليب في العلاج والوقاية. (٢) يناشد المؤتمر الدول العربية وهيئة الأمم بتقديم المعونات المادية والفنية إلى لبنان حتى يستطيع المضي في مشروعات التنمية الشاملة بهدف القضاء على زراعة الحشيش في أراضيه. (٣) يناشد المؤتمر دول الشرقين الأدنى والأوسط التي تزرع خشخاش الأفيون تقديرا لظروفها أن تفرض رقابة فعالة على الأفيون الناتج منها لتحول دون تسربه إلى الأسواق للاتجار غير المشروع حماية للمجتمعات من ويلاته. (٤) يناشد المؤتمر الدول الأعضاء بلجنة الاتجار غير المشروع (تركيا، إيران، أفغانستان، الهند) إلى عقد اجتماعات دورية لتدعيم التعاون بين أجهزة المكافحة مع نظائرهم في الدول العرية. (٥) يناشد المؤتمر الدول المنتجة للقات والتي يستهلك فيها بتبصير المواطنين بأضراره المتنوعة كما يناشد المكتب الدولي بببذل الجهود المختلفة للمعاونة في حل هذه المشكلة وكشف تأثيرات القات على الكيان البشري. وفي مجال الوقاية العامة يوصي المؤتمر بما يلي: (١) الاستفادة من تطبيق الشريعة الإسلامية وكيفية علاجها لمشكلة المسكرات والمخدرات. (٢) تنشئة أولاد الأسرة تنشئة صالحة تمنعهم من تعاطيها.

стр. 5785

(٣) توفير الضمان والرعاية الاجتماعية لأسر المدمنين وحماية أفرادها. (٤) نشر الوعي الصحي بين أفراد الشعب وتلاميذ المدارس في جميع مراحلها حفاظا على طاقاتهم ومستقبلهم. (٥) تجنيد وسائل الإعلام المختلفة للقيام بنشاط هام في هذا المجال. (٦) مطالبة الدول التي تسمح بتعاطي المسكرات باتخاذ ما يلزم لمنع ذلك أو الحد منه وفقا لظروف كل بلد. (٧) إلزام المصانع المنتجة للمسكرات إعلان بارز عليها يحذر من أضرارها، ويجب الدعاية لها. وفي حقل العلاج الطبي والنفسي يوصي المؤتمر: (١) تشكيل وحدات تتألف من المتخصصين في لدين والطب والكيمياء للكشف عن أخطارها وتوفير سبل العلاج. (٢) يوصي المؤتمر بأن يبادر المجلس الدولي للمسكرات ومكافحة الإدمان بإجراء دراسات على ضوء ما أجرته بعض الدول والجمعيات الطبية والخيرية وإعدادها للعرض في مؤتمر بغداد الذي سيعقد سنة ١٩٧٦.

стр. 5786

الأسلوب الإسلامي لوقاية المجتمع من الخمر والمسكرات الدكتور أحمد عبيد الكبيسي حقيقة الخمر ونشأتها: الخمر: كلمة عربية، ويرجح أنها مستعارة من الآرامية على الرغم من شيوعها في الشعر الجاهلي، وسميت خمرا، لأنها تركت فاختمرت، واختمارها: تغير ريحها. وقيل: سميت بذلك لمخامرتها العقل. أما "وين" فهي الصيغة العربية للكلمة العبرية "بين"ومعناها: العنب الأسود [١] غير أن صاحب اللسان قد نقل عن ابن بري: أن "الوين"هو العنب الأبيض، أما بقية من نقل عنهم فيذهبون إلى أنه العنب الأسود. ولا يمكن تحديد الزمن الذي اكتشفها الإنسان فيه، ويظهر أنه عرفها منذ زمن بعيد جدا [٢] . فلقد جاء ذكرها في التوراة، وكانت شائعة في عصر الرومان واليونان. ولقد ارتبط انتشار الخمر بانتشار النصرانية، فمن المعروف أن جميع الأديرية القديمة كانت محاطة بالكروم التي تعصر الخمر بها بغية استعمالها بالصلوات الكنسية [٣] . ثم من تطور الزمن فاصبح للخمر صناعة تنتج أنواعا مختلفة منها. موقف المجموعة البشرية من الخمر: لم تتردد أي مجموعة من المجموعات البشرية على اختلاف تكوينها، وتباعد الزمن فيما بينها، واتساع المساحة بين مواطنها في الوقوف من الخمرة موقف المعارض لها فكرا، والمعادي لها شيوعا، والمتردد منها تعاطيا، ولم يعرف عن أي فكر اجتماعي، أو دين سماوي أن شجع على الخمر [٤] أو أباح تعاطيها إباحة مطلقة، أو نظر لها نظرة الاحترام والتكريم [٥] . فقد حرمتها الديانة اليهودية على وجه الإجمال. فقد أوجبت التوراة على الناذر الذي نذر نفسه للرب أن يمتنع عن الخمر والأتربة.

стр. 5787

فقد جاء في التوراة ما نصه [٦] : "وكلم الرب موسى قائلا: إذا انفرز رجل وامرأة لينذر نذر النذير لينتذر للرب، فعن الخمر والمسكر يفترز، ولا يشرب خل الخمر ولا خل المسكر، ولا يشرب من نقيع العنب، ولا يأكل عنبا رطبا ولا يابسا، كل أيام نذره لا يأكل من كل ما يعمل منه جفنة الخمر من العجم حتى القشر". وكان الكهنة يمتنعون عن الخمر قبل قيامهم بالفرائض سواء بسواء بأمر من التوراة التي جاء فيها ما نصه [٧] : "وكلم الرب هارون قائلا: خمرا ومسكرا لا تشرب أنت وبنوك معك عند دخولكم إلى خيمة الاجتماع" والنبط - أيضا - تجنبوا الخمر. ووصفوا أحد آلهتهم في نقوشهم بأنه "الإله الخير الذي لا يقرب الخمر" [٨] كما أن تحريم الخمر يدخل في القاعدة التي قال بها كثير من قساوسة النصارى. وكل ذلك له أصوله في ماضي الساميين السحيق الذي جعل للخمر والأشربة صفة من صفات الشياطين. وقد تميز عصرنا الحاضر بالمعالجة الموضوعية، والمكافحة العلمية لجرثومية الخمر والمسكرات، نظرا لقوة ما وصلت إليه الخمر من شراسة في الانتشار وإبداع في الصنع، وتفنن في الدعاية، حتى استحكمت في النفوس، وتغلبت على الطباع، وتسلطت على الموارد. فضعفت معها الرجولة، وتراخت أمامها الإرادة، وهانت في سبيلها الكرامة، وانعكس ذلك على الحياء العام في الشارع والبيت، وأثر على الإنتاج في المعمل والمؤسسة، وسطا على الأسرار والخطط في السياسة والحرب، وفي ذلك يقول فريد وجدي [٩] : "ولو عمل إحصاء عمن في مستشفيات العالم من المصابين بالجنون والأمراض العضالة بسبب الخمر، وعمن انتحر وقتل غيره بسبب الخمر وعمن يشكو في العالم من آلام عصبية ومعدية بسبب الخمر وعمن أورد نفسه موارد الإفلاس بسبب الخمر وعمن يجرد عن أملاكه بيعا أو غشا بواسطة الخمر. لبلغت حدا مريعا نجد كل نصح بإزائه صغيرا. فما هي إلا بلية تقع على رأس من قضى الله بها عليه من عباده.

стр. 5788

وإذا كان النصح لا يجدي أو هو لم يعد يجدي كما يقول فريد وجدي، فما هي الإجراءات التي يجب أن تفرض لغرض الحد من هذا الطوفان الجنوني الخطير؟ للجواب على هذا السؤال تبرز الحاجة إلى نموذج ناجح في التجربة، عملي في التطبيق، فعال في الأثر. وهذا الأنموذج المطلوب - في نظر كثير من المنصفين - هو الأسلوب الإسلامي الذي لأفلح على مدى أربعة عشر قرنا من الزمان أن يجعل هذه الجرثومة تتوارى فلا تظهر في الطريق وتختفي فلا تشيع في المجتمع، وتتأخر فلا تتقدم في صناعة أو صيانة. ونود التنبيه هنا إلى التصور الإسلامي لأهداف الحرب المعلنة ضد الخمرة لكي نكون واقعيين وموضوعيين بلا خيال أو مغالاة. ولا أظن أحدا من الناس يتصور أن الإسلام - يحارب الخمرة والمسكرات - قادر على القضاء عليها قضاء تاما بحيث تختفي كما تختفي الحشرة الخبيثة بعد المكافحة المدروسة بمسحوق أو محلول يقطع دابرها، ويستأصل شأفتها، لا: ليس هذا هو الهدف. وذلك: لأنه ما دام في الإنسان ميل طبيعي إلى اللذة، وما بقي في الفرد نزوع إنساني إلى المتعة، وما استمر البشر مدارا لمختلف العواطف والخلجات، فسوف يبقى هناك نفر يشربون الخمر. وما دام في الأرض نخيل تحمل التمر وحقول تغل الشعير، ودوالي تفرز العنب، فسوف تبقى الدنان بالخمرة مملوءة، ولا يمكن القضاء عليها إلا بالقضاء على ذلك كله وهو أمر مستحيل. فهدف الإسلام إذن هو: أن يقضي على الوجود الشرعي للخمر ليطاردها القانون ويعمق الشعور بقبحها لتعافها النفوس، ويربي الضمير الفاضل لتتعارض مع المروءة، ويشدد العقوبة عليها لتختفي عن الأنظار. وإذا اختفت الخمرة عن الأنظار شحت وتدنت، حتى إذا طلبها الراغب شق عليه منالها، وإذا عرضها التاجر هرب منه طالبها، وإذا تيسرت ظل الراغب والتاجر في خوف دائم وذعر مستديم من العقاب المهين.

стр. 5789

وبذلك تبقى واجهة الجماعة المعلنة نقية طاهرة، لا يلوثها فاقد، ولا يدنسها داعر، ولا يعتدي على نظافتها مستهتر أو متمرد، ومن استتر بعد ذلك فهو إلى الله إن شاء عاقبه وإن شاء عفا عنه. وهذا الهدف سيكون نتيجة لإصلاح الفرد، وتقويم أخلاقه، وتربية ضميره تربية منظمة مدروسة. وهذا هو الفهم المعاصر لإصلاح المجرمين والجانحين الذي يقوم على ركنين أساسيين [١٠] : ١- حماية الهيئة الاجتماعية من خطر السلوك الإجرامي، بحيث تبقى واجهة المجتمع آمنة مطمئنة نقية. ٢-معالجة المجرم وإصلاحه وتقويمه ليصبح عضوا نافعا لنفسه ومجتمعه. الدين سلاح فعال ضد الانحراف: إن الكثير من مشاهير المصلحين وعلماء الإجرام في العالم يتفقون معنا على أن الدين من أمضى الأسلحة ضد الجريمة والانحراف، وكان التركيز منصبا على التعليم الديني في سجون العالم في القرن الثامن والتاسع عشر. وحينما أسست نظم السجون في أمريكا في سنة ١٧٩٠ في فيلادلفيا، اعتبر كل من التربية والتعليم الديني إجراء أساسيا في إصلاح السجن. ولا يزال التركيز قويا حتى اليوم على استعمال سلاح الدين في محاربة السلبيات الخلقية في المدينة والسجن. يقول الأستاذ عبد الجبار عريم أستاذ علم الإجرام في جامعة بغداد [١١] ، ومما لاشك فيه: أن الاعتقاد الديني يلعب دورا هاما في ضبط سلوك الأفراد ومنعهم من ارتكاب المعاصي. فالدين الإسلامي يحرم الخمر والقمار، ومما لاشك فيه أن هذين العاملين من العوامل التي تلعب دورا أساسيا في الإجرام، وقد ثبتت فعالية الإسلام في منع المتدينين حقا من ممارستها. "إن الدين لا يتناقض مع التربية الخلقية والأدبية، فكلاهما يستهدفان إقامة روادع ذاتية تسيطر على سلوك الفرد وتردعه عن الجنوح نحو الخطأ والرذيلة".

стр. 5790

"إن الدين يمكن أن يعتبر طريقة من الطرق التربوية التي تتناول كلا من الجوانب الروحية والخلقية، وكذلك الجانب الاجتماعي أيضا. "ليس بإمكان الفرد أن يستغني عن الجانب المعنوي في الحياة، ولذلك فإن الدين يمكن أن يقدم خدمة في هذا المجال كوسيلة لتهذيب النفس ورفع مستوى الروادع الأدبية، وغرس نوازع الخير، والابتعاد عن الشر، وهذا كله يعتمد بالدرجة الأولى على تنمية الحس الوجداني في السجين وإيقاظ ضميره، وتقوية شعوره بالمسؤولية نحو الغير"اه إذن فإن من الأمور البديهية: أن الدين يعمل على صحة النفس كما يعمل الغذاء صحة الجسد، والنفس الصحيحة تصدر عنها أخلاق صحيحة أيضا، كما أن الجسد الصحيح يصدر عنه عمل صحيح. ولا يستقيم أحدهما بدون الآخر. إن القوي الذي يفعل ما يشاء ليس بصحيح، لأن النفس الصحيحة لا تنطلق كما تنطلق الآلة التي تملؤها قوة البخار، أو قوة الكهرباء، فتصطدم وتهشم، وتخبط خبط عشواء حيث تحملها القوة العمياء. وعلى هذا فلا صحة بدون ضابط ولا يكون الضابط فعالا ومؤثرا غلا إذا كانت فيه القوة على تنمية القدرة على الامتناع، ورد النفس عن بعض ما تشاء، وليس معناه القدرة على العمل فحسب، ولا المضي مع النفس في كل ما تشاء. وقد دل الواقع العملي على أن الدين هو من أقوى الضوابط للإنسان، ومن أشدها إحكاما للتصرف، ومن أعمقها تنمية للانضباط. وإذا انضبط الإنسان فقد أصبح مخلوقا جميلا، يعلم ما يريد فيفعله، ويعرف ما يكره فيرفضه. وعن انضباط الإنسان يقول الأستاذ العقاد ﵀ [١٢] : "وهذا قبل كل شيء هو مصدر الجمال في الأخلاق: مصدره أن القوة النفسية أرفع من القوة الآلية. . مصدره أن يتصرف الإنسان كما يليق بالكرامة الإنسانية، ولا يتصرف كما تحمله القوة الحيوانية، أو القوة التي يستسلم لها استسلام الآلات.

стр. 5791

مصدره أن يكون الإنسان سيد نفسه وأن يعلم أنه يريد فيعمل أو يمتنع عن العمل، وليس قصاراه أن يساق إلى ما يراد. إن المجتمع قد يملي على الإنسان ما يليق وما لا يليق، ولكنه لا يغنيه عن الضابط الذي تناط به جميع الأخلاق". والدين هو الضابط الذي لا غنى عنه في كل خلق من الأخلاق، وبه يتسلط الفرد على ما يفرضه المجتمع عليه من حسن وقبح، فيأخذ ذاك ويترك هذا فيعلوا على المجتمع في كثير من الأحيان، وبدونه يتسلط المجتمع على الفرد في كل ما يفرضه عليه مما يليق، فيكون أسيرا لا يملك الاختيار غضيضا لا يحسن النظر، مشوشا لا يجيد الفرز والانتقاء. والدين هو الضابط الذي يشعر الإنسان بالمسؤولية، ويجعله يحاسب نفسه بها، وبالتالي فإنه يرفض أن يرتكب ما يشين. يتعارض وجمال الأخلاق التي انضبط بضوابطها. وهذا هو "عزم الأمور"الذي جعله القرآن الكريم من مظاهر السمت الجميل والخلق الفاضل، والشخصية الإنسانية الكريمة. والقرآن الكريم أرسى قواعد المسؤولية الفردية، وأناط بها تكاليف الدين والأخلاق، "كل نفس بما كسبت رهينة " [١٣] وقال [١٤] : ولا تكسب كل نفس إلا عليها، ولا تزر وازرة وزر أخر. خلاصة القول: أن الشر - على العموم - ليس مشكلة علمية تحتاج إلى نتاج العقل، ولا مشكلة كونية تحتاج إلى تقدم العلم، ولكنه في حقيقته مشكلة العواطف الإنسانية، والهوى الجامح، والرغبة المتمردة، التي تجعل الإنسان يرفض الألم، ويجهد في أن يكون شعوره بالسرور والمتعة غالبا على تصرفاته وممارساته. وهذا الشعور يقتضي علاجا يطابق طبيعته، وحكمة تلمس جوانب حقيقته ن ولا نعلم علاجا أو حكمة تطابق طبيعة ذلك الشعور غير الدين. وإذا كان هذا الشعور الإنساني في هذه المشكلة يتطلب الدين، فليس هناك ما يمنع من الاستعانة على إيصال الدين وتعاليمه ونظرياته التربوية والأخلاقية بواسطة ما توصل إليه الإنسان من تقدمه في العلم والحضارة.

стр. 5792

لأن كل ما هو مطلوب في هذا الصدد هو: أن ترتبط التشريعات ومشاريع السيطرة على هذه المسألة بمفهوم العقيدة الدينية، وضبط الرغبة وعدم الإخلال بضوابط الفكر الديني ليكون للفرد رؤيته الواضحة، وحدوده المرسومة، واستجابته الذاتية. لماذا الدين وليس التشريعات الوضعية: جرى التطبيق العملي على حقيقة لا يمكن إنكارها، وليس في الوسع التغاضي عنها، وليس فيها ما يحتمل العناد والمكابرة، وهي: أن الإنسان في أغلب أحواله لا يستسيغ امتثال القانون إلا إذا خشي طائلته، ويقبل على امتثال أحكام الدين من غير حاجة إلى رقيب، والإنسان عندما يمتثل أحكام القانون لا يحس بذلك الإحساس الروحاني الممتع الذي يحسه وهو امتثال لتعاليم الدين التي تضفي على نفسه الرضا، وتسبغ على روحه الطمأنينة، وتلبس تصرفاته بلباس الاحترام والقدسية. ومن هنا نجد الملايين من الناس لا يشربون الخمر امتثالا لدوافع الدين في نفوسهم، وآلافا من الناس يشربونها مع علمهم بأن التشريع الوضعي يحرمها. ففي العراق مثلا، أو مصر، يمتنع الناس عن الخمر مع أن القانون لا يعاقب شاربها. وفي الكويت أو الهند، أو أمريكا - في سني تحريم الخمر فيها - يقبل بعض الناس على الخمر سرا مع وقوعهم بذلك تحت طائلة القانون. فما هي حقيقة النفسية التي تقف خاف هذه الظاهرة المتناقضة؟ الجواب عن هذا التساؤل يكمن في سير طبيعة الإنسان في عالمه الداخلي كله، وبجولة النظر في مداخل نفسه، ومطويات تفكيره، وخلفيات تصرفاته عامة. لن في أعماق الإنسان عوالم شتى أشد سعة من العالم الذي يشاهده بعينيه، وليس لهذا العالم وجود بالنسبة الإنسان ما لم يكن له وجوده الباطن في علمه أو قرارة نفسه، وإلا فهو والمجهول عنده سواء.

стр. 5793

ومن الحقائق التي باتت مسلمة اليوم في علم النفس: أن الأعماق الخفية في الإنسان هي التي تفسر لنا أعمالنا الظاهرة حين تحتاج إلى تفسير شديد الوضوح ولا تجد تفسيرها الصحيح في الظواهر المحسوسة. وآخر ما ثبت من تجارب "السلوكيين"الذين يفسرون السلوك النفساني بحركات الأعصاب وخوائج الدماغ وعوارض الوظائف الجسدية على التعميم: أن الوظائف الجسدية كلها مرتبطة بالإرادة، وأن الإرادة مرتبطة بوعي الدماغ ما بطن منها وما ظهر، على ما أثبتته مدرسة بافلوف"فيلسوف السلوكيين الكبير. وهناك من علماء النفس من يوغل في القدم باحثا عن تفسير للتصرفات الإنسانية الظاهرة فيستعين على إرجاع هذه التصرفات إلى أصولها ن إلى تجارب البشر وحوادث التاريخ عبر الزمان. ويقتصد بعضهم فينقب عن ذلك في موروثات الإنسان في أسرته وأصوله من قبل ميلاده، بينما يقتصر غيرهم على البحث عن ذلك في طفولة الإنسان وما اعتورها من أحداث، وما اعترضها من انعطافات والتواءات. وإذا كان علماء النفس مولعين بنسبة كل تصرف إنساني لا يعجبهم إلى عقدة نفسية، فإنهم حتى الآن لم يفلحوا في أن يقدموا لنا الإنسان المثالي حسب تصورهم، ولا أظن بأنهم سيفلحون في ذلك لا لشيء إلا لأن كل وصف مثالي يضعونه لا يمكن أن يكون جامعا ولا مانعا ومن هنا فلا استقرار لقواعدهم، ولا برهان على ما يقررون. غير أن أصح المذاهب النفسية في هذا الباب هو مذهب "يونج"عن النماذج البشرية، وهو يرى: أن الإنسان المثالي ليس نموذجا واحدا، وإنما هو نماذج متعددة، وذلك لاختلاف العامل الطبيعية التي يتبعها أن يكون لكل طبيعة نموذج مثالي. وعلى هذا فليس هناك نموذج بشري واحد يقاس إليه العمل الصحيح.

стр. 5794

وسواء كان الصواب إلى جانب هؤلاء أو إلى جانب أولئك، أو إلى جانبهما معا، فإنهم متفقون على أن ما عدا النموذج أو النماذج المثالية، فإن الإنسان فريسة عقدة نفسية هي التي تتحكم في سلوكه، وتحدد تصرفاته، وتفرض عليه المقدار المطلوب من السلبيات ن ومهمة الباحث أن يتعرف على تلك العقدة ليقوم بمحاولة حلها. ومن العقد النفسية ما يقتضي لحلها تطور في المدنية والحضارة، أو تبدل في الأعراف والقيم، أ, سيطرة الحقائق الدينية والعلمية. فالنوع البشري كله قد انحدر منذ آلاف السنين قبل عصور الشرائع وعصور المدنية والحضارة، وقد استقرت في أعماقه الباطنة باقات من المخاوف التي لا يضبطها عد أو حصر، وحزم من أنواع الرعب تتنافر أسبابها، وتختلف آثارها ونتائجها، لا يسبر لها غور، ولا تؤمن لها نكسة. فقد عانى الإنسان القديم كثيرا من وطأة الخوف المستحكم من الوحوش الضارية، والسباع العادية، والمخاوف الشديدة من أشباح الظلام وشياطين المكر والغيلة وسطوة الجن ونمورهم، وذلك إلى جانب مخاوفه من البرق والرعد، ومن الأعاصير والسيول ومن السحر والخديعة. وعانى الإنسان أيضا من مخاوف حقيقية لا تستند إلى الأوهام والخرافات. مثل مخاوفه من الحر والبرد، ومخاوفه من الجوع والعري، ومخاوفه من الأوبئة الفتاكة والأمراض المبيدة، ومخاوفه من أبناء جنسه من أعداء أو غرباء، وملاك، ومالكين. ويستمر الزمن في دوارنه، وتتعاقب الأزمنة عصورا ودهورا وقرونا ويتوارث الجنس البشري هذه المخاوف حتى يصبح الخوف سمة تميز الفرد، وعبئا يثقل نفسه، وقيدا يشل عقله. ثم تأتي الحضارة وهي تحمل إلى الناس قوانينها وآدابها فتنال ما هو ظاهر مكشوف من هذه المخاوف فتعالجه، ألا أنها تقصر دون ما هو مستقر في قرارة النفس من فزع مجهول، وحذر كامن، ووهم دخيل.

стр. 5795

وهكذا يبقى الجنس البشري موزعا بين عاملين: عامل الظاهر الذي يدركه عمل الحضارة، وعامل الباطن الذي هو سليل الشعور الموغل في القدم من وراء الحضارات والشرائع والقوانين. والعامل الباطني هو أخطر ما في حياة الإنسان، لأنه يترجم إلى فزع في الظلام المطبق لا يدرى له سبب ن وخوف من المجهول لا يعرف له مبرر، وحذر من كل جديد أو وافد لا يعثر له على تفسير. يقول الأستاذ العقاد في هذا المعنى [١٥] : "إن العقيدة النفسية الكبرى في أعماق النوع البشري قد تتلخص في كلمتين وهما: المخاوف المجهولة. وإن الشفاء من تلك العقدة يتلخص في كلمتين أخريين، وهما: الثقة البصيرة. . والثقة البصيرة في كلمة واحدة، وهي: "الإيمان" لأنه أمان وائتمان. أو نعيد القول بعبارة أخرى فنقول: إن الإيمان هو: الدين القويم. وقد يقول قائل: لماذا لا يكون الأمان من تلك المخاوف الكامنة في أعماق النفوس البشرية منوطا بالسلطة المتمثلة في رئيس القبيلة، أو قوة العشيرة، أو سلطان الحكام والأولياء عل الجماعات والشعوب ممثلا في القوانين والتشريعات؟ والجواب المقنع على هذا التساؤل يتلخص في أن السلطان الإنساني - في أغلب الأحيان - يبدو وكأنه كبت فوق كبت، وخوف على خوف، وتخويف يعقب تخويفا من نوع آخر. وبهذا يكون مدعاة إلى التمرد عليه كلما خلا الإنسان إلى هواه، وأمن الرقابة، وابتعد عن الحساب. ومن هنا تبرز الحاجة إلى مصدر للأمان الذي يتبعه الإيمان من سلطة فوق سلطة البشر، يدين بها الخاضع لها لأنه مطمئن إليها، وواثق بها وقريب منها وهي مشاعر وأحاسيس تسبق الخوف من العقاب.

стр. 5796

ولقد تبينا من تاريخ النوع البشري أن تربية ما لم يفلح في أن تحقق للإنسان هذا النوع من الوضع المناسب عدا تربية الدين، تلك التربية التي تترقى به كلما ترقت في طريق الثقة البصيرة وتحدد له موقعه المرغوب كلما وصلت إليه بالأسلوب النقي العالي الذي يمزج بين الروح والجسد. من هذه الوجهة يرتبط إصلاح النفس بالدين على المستوى الفردي والمستوى الجماعي، ولاسيما الدين الذي تهيأت له النفوس بعد التقدم في معارج الحضارة. فإن هذا الدين يلتقي بالنوع الإنساني في إبان حاجته إليه، واستعداده لتلقيه، ويلتقي به الفرد طلبا لعلاج دائه الأكبر: داء المخاوف المبهمة، بدواء الثقة واليقين البصير. فقد ثبت - من الوجهة العلمية - أن العقيدة هي التي تعصم الإنسان من العلة التي ترجع إليها جميع الأمراض النفسية، وهي علة الانقسام الداخلي التي توزع بين النفس النقائض والأضداد وتفقدها الوسيلة التي توحد بها مسلكها، وتعيد بها الوئام والألفة بين مقاصدها ونزعاتها. يقول الأستاذ العقاد أيضا [١٦] : "ليس أخطر على الإنسان الفرد من توزيع الفكر والنية بين النقائض المختلفة، ومن هذا التوزيع الأليم ينساق الفكر إلى بلباله المريض، ويقع في الداء المعروف بداء الفصام، أو انقسام الشخصية. ويقترن بهذا الخطر - وقد يكون من أسبابه - داء الحيرة بين حياة الروح وحياة الجسد، وبين تغليب حياة الروح بالجور على المتعة الحسية، وتغليب حياة الجسد بالاسترسال مع الشهوات، والإقبال على الذات الحيوانية دون غيرها، ويتحقق الخطر على الطبع السليم عند الوقوف في مفترق الطريق بين المتدابرتين كأنهما عدوان متقاتلان، ينتصر أحدهما بمقدار ما يصيب الآخر من الخذلان والهزيمة" "وفي الإسلام عصمة من كل داء من أدواء هذا الفصام الذي يمزق طوية الفرد، أو يمزق صورة الوجود كله بين خصومات الفكر وخصومات العقيدة، وخصومات المثل العليا في كل قبلة تتجه إليها.

стр. 5797

فليس في الإسلام عداء بين الروح والجسد، وليس للجسد فيه محنة تتحنه بالصراع بين الطيبات المشروعة من متعة الروح والجسد. وفي ذلك يقول تعالى: ﴿وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الآخِرَةَ وَلا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا﴾ [١٧] . فليس في العقيدة الإسلامية إنسان متصدع يتوزع بين نوازع الروح ونوازع الجسد، وليس فيه ضمير متصدع يتوزع بين الدنيا والآخرة، وليس فيه عالم متصدع يتوزع بين السماء والهاوية، ولا خليقة متصدعة تتوزع بين اللعنة الأبدية أو المغفرة الأبدية. وفي عقيدته ما يعصم من كل فصام. وليس في عقيدته منفذ لفصام تتسرب منه أدواء النفوس، وكل أدواء النفوس فإنما يرجع إلى الشقاق البعيد في ضمائر مرضى القلوب. وأن ما يعانيه المدمنون على الخمر والمسكرات إنما هو أزمة ضمير أثقله الخوف فراح ينشد الأمن بالغيبوبة، ومزقته الحيرة فطفق يقتلها بالمخدر، وأضناه التمزق والانفصام فهرب إلى النوم اليقظ. والدراسات النفسية اليوم ترجع جميع الأمراض النفسية إلى مرض واحد، هو داء الضمير المدخول المنقسم ز وترجع جميع أنواع العلاجات إلى علاج واحد هو علاج الإيمان واليقين. وهذا الدواء إنما هو عند الدين وليس عند غيره من التشريعات الوضعية، أو العلم. وذلك: لأن العلم وسيلة لما يمكن أو يعرف بعلم، ولا حاجة به إلى ثقة أو تسليم ن وإنما يؤمن الإنسان ليعرف كيف يثق وكيف يبصر مواطن الأمان، ثم يركن إليه ركون العارف الآمن، يقول محمد عبده ﵀: "هؤلاء الفلاسفة والعلماء الذين اكتشفوا كثيرا مما يفيد راحة الإنسان أعجزهم أن يكتشفوا طبيعة الإنسان ويعرضوها عليه حتى يعرفها ويعود إليها. هؤلاء الذين صقلوا المعادن حتى كانت من الحديد اللامع المضيء، أفلا يتيسر لهم أن يجلوا ذلك الصدأ الذي غشي الفطرة الإنسانية، ويصقلوا تلك النفوس حتى يعود إليها لمعانها الروحي؟.

стр. 5798

حار الفيلسوف في أوربا وأظهر عجزه مع قوة العلم، فأين الدواء؟. الدواء في الرجوع إلى الدين، فالدين هو الذي كشف الطبيعة الإنسانية وعرفها إلى أربابها في كل زمان، لكنهم يعودون فيجهلونها. إذن فإن الأزمة في كل الانحرافات إنما هي أزمة الضمير الممزق الذي يستهويه الهروب، ويريحه الخدر، ويسعده النوم. والدين هو الذي يمنح الفرد مقياسا للحياة يرتفع به عن الاستسلام للذة المجردة، والمتعة المطلقة، وهو مقياس الضمير المستقل، الذي يؤدي وظائفه بناء على إيمان راسخ بالقواعد الثابتة. وإذا كانت الأديان العالمية توصف دائما بأنها ثورات واسعة، فإن هذه السعة لا تقاس بمدى الأرض التي تغطيها، ولا بعدد الأفراد الذين يعتنقونها، وإنما تقاس سعتها بمدى التغيير الذي في ضمير الفرد، ومدى الانضباط الذي تفرضه على هذا الضمير الذي يتلقى هذا الفرض بثقة وإيمان وتسليم، حيث ينعكس هذا الإيمان على جميع أعماله وتصرفاته. وحينئذ لا حدود لذلك التغيير الذي تحدثه ثورة الأديان في ضمائر الناس ونفوسهم، لأنها تتناول كل ما تزاوله النفس من شؤونها الظاهرة والباطنة، تتناول الأفكار الواضحة، والهواجس الخفية، كما تتناول العادات والأخلاق وتنظم العرف والقانون كما تنظم الحياة الاجتماعية والدساتير الحكومية، فهي تلحق بكل فرع من فروع التصرفات والوقائع لأنها لحقت قبل ذلك بالأصل الموجه الذي هو "الضمير". وإذا صلح الضمير، فإن له أثرا مباشرا على جميع تصرفات الإنسان من حيث انسجامها مع ما في هذا الضمير من فكر وعقيدة. ونتكلم عن أثر الضمير الديني في الأفعال، فنقول: أثر الضمير الديني على التصرفات: الضمير الديني فعال الأثر في ما يتعلق بربط الفرد بالرقيب الذي لا ينام، وبالعالم الذي لا يجهل، وبالمطلع الذي لا يخفى عليه شيء.

стр. 5799

وحينئذ لن يكون من اليسير على هذا الفرد - وهو بهذا الموقع - أن يكون على السبيل المتعرج، والدروب الخلفية ما دام قد نصب من ضميره رقيبا على أعماله وحسيبا على تصرفاته. وبهذه الرقابة الطوعية يكون الإنسان قد وجد نفسهن واكتشف ذاتهن وسلمت له الفضيلة بهذا المدد الذي جعله الله أساسا لاستقامة الحياة منذ أن خلقه الله وعلق به عمارة الكون: ﴿قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعاً فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدىً فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [١٨] . وللضمير الديني عند الفرد سلطان قوي وأثر فعال يفوق سلطان التشريعات الوضعية بكثير، من حيث الضمير موجه من غير أمر، ناصح من غير تهديد، مقنع من غير نكال. أما التشريعات والقوانين الوضعية، فقد جبلت النفوس على النفور منها، والتمرد عليها، لأنها مفروضة من سلطة خارجة عن الاختيار، ويجد الفرد - في الأغلب - ما يبرر موقفه المناوئ والمتخبط من تلك السلطة ومن أجل هذا كانت التشريعات المتسمة بالإقناع والحجة ومخاطبة العقل والضمير أكثر تقبلا واستجابة. لأنها تخاطب سلطة الضمير الديني الذاتية النابعة من أعماق الفرد، وتهيمن على شؤونه، وتشرف على تصرفاته. ولقد عبر القرآن الكريم عما نسميه الضمير الديني ب "تقوى الله"فندب المؤمنين إليها وحثهم عليها، وناداهم بوصف الإيمان ليحملهم حملا قويا على تنفيذ ما ندبهم إليه، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ .

стр. 5800

ونظرا لأهمية التقوى "الضمير الديني"في تحديد حسن استعمال الفرد لحريته الشرعية نرى الأنبياء جميعا قد اتفقوا على مبدأ استعمال الضمير الديني استعمالا مؤثرا ومخاطبة الفرد من خلاله. فما من نبي إلا وقد دعا قومه إلى تقوى الله من أجل أن يكون هناك ضمير ديني مؤثر: ﴿وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُوداً قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ أَفَلا تَتَّقُونَ﴾ [١٩] . ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ الْمُرْسَلِينَ إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ صَالِحٌ أَلا تَتَّقُونَ﴾ [٢٠] . والأمثلة على ذلك كثيرة. وسائل تربية الضمير الديني: من أجل أن يكون للفرد ضمير ديني مؤثر شرع الله من الأسباب ما يوصل الفرد إلى هذا الموقع المرسوم. ومن بين تلك الأسباب "العبادات"التي هي في ظاهرها علاقة بين العبد وربه وهي في معناها تربية الضمير الديني لدى الفرد الذي يجعله مشدودا إلى الجماعة بقوة روحية تحكم ميوله وتوجه إرادته، وتحدد سلوكه، فتحقق الالتزام والانضباط قبل أن تتدخل القوانين لرسم الطريق. فمن صلاة تقي الفرد مواقع السقوط إلى صيام يربي العقل ويروض الروح ويعف اليد ويهذب اللسان، وإلى زكاة تغرس في الفرد حب التعاون والشعور بالمسؤولية، إلى حج يوفر للفرد امتزاجا اجتماعيا عالميا، إلى صدقة ترقق القلب وترهف الشعور. وهكذا نجد أن العبادات الإسلامية تتجه إلى تهذيب ضمير الفرد ليكون مستعدا للتلاحم مع المجتمع الفاضل من أجل غاياته الفاضلة. فإن القلوب إذا صلحت انعدمت فيها طاقة التفكير في الشر، والتخطيط للجريمة، والإصرار على الخطأ، فإن الجريمة تبدأ أول ما تبدأ في ضمير الإنسان وفكره قبل أن تأخذ طريقها إلى حيز التنفيذ: "إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى" [٢١] ، "والإثم ما حاك في صدرك وكرهت أن يطلع عليه الناس" [٢٢] .

стр. 5801

والحقيقة التي لا مراء فيها بعد ذلك هي: أن الضمير الديني إذا ما تربى على هذا النحو الذي رسمه الإسلام، فإنه يتوفر لدينا أقوى الأسباب لوقاية الفرد والمجتمع من جميع أشكال الانحراف في كافة المجالات ومنها: الإقبال على هذه الجرثومة التي هي آفة العقل السليم، والتفكير المستقيم، والرأي البناء، وبهذا السبب وحده امتنع الملايين من الناس منذ أن حرم الله الخمر وإلى هذا اليوم عن مجرد التفكير في تناول المخدرات والمسكرات. وإلا فما هو الحاجب الذي يقف بين طالب مسلم يدرس في أوربا مثلا وبين تناول الخمر غير الضمير الديني الذي يراقب الله. والضابط الديني الذي ينظم السلوك، والعقيدة السماوية التي توجه العمل. وهي نفس الطاقة التي تمنع الفرد من القتل والزنا والسرقة والخيانة ونحو ذلك من الجرائم الخطيرة. يقول الأستاذ العقاد [٢٣] : إن "إن الضمير الديني"ليهدي العقل هنا غاية الهداية التي تطلب من الدين القويم دون أن يربطه بالقيود القاسرة أو يكرهه على الجمود المعطل عن التصرف والتصريف، وعلى هذا الضمير الديني تقوم رسالة الدين التي تعلو مع الزمن على نظم الاقتصاد وبرامج الساسة وشقائق الأسماء من دعوة تلهج بالديمقراطية، أو صيحة تلفظ بالمادية، أو حذلقة تتعلق بأطراف المبادئ وأهداب القواعد والنظريات وتحسب أن (الإنسانية) بنت يوم وساعة، وأن "الضمير الإنساني"زي من أزياء الأمم مع الصباح ويخلع قبل المساء. الأسلوب الديني لعزل المسكرات: يتدرج الإسلام وهو بصدد عزل الخمر وبقية المسكرات على ثلاث مراحل، ويتوقف نجاح كل مرحلة على مدى تحقق المرحلة التي قبلها. ودور هذه المراحل لاحق لدور تربية الضمير الديني عند الفرد. فبعد الفراغ من تربية هذا الضمير تبدأ المراحل الآتية: المرحلة الأولى: الإقناع العقلي:

стр. 5802

أول اتجاه من اتجاهات الإسلام في طريق تحريم الخمر كان مخاطبة للعقل خطابا يستهدف إقناع المخاطب إقناعا عقليا بسلبيتها وعزلها. فجاء النص على هذا الشكل: ﴿يَسْأَلونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا﴾ [٢٤] ومن هذه الإشارة إلى أن الخمر والميسر شر على الرغم مما فيهما من بعض المنافع القليلة طفق المسلمون يبحثون في الجوانب السيئة التي ينفضها هذا الداء على عقل الفرد وجسمه وما له إمعانا في الوصول إلى أقوى نقطة من نقاط الاقتناع. فذهب المفسرون والحكماء والكتاب والأطباء إلى تقصي ذلك حتى وصلوا إلى الحقيقة التي لا حقيقة بعدها في أن الخمر ضرر يجب تحاشيه، وسوء ينبغي الابتعاد عنه، ومرض يلزم التخلص منه، وهي إثم كبير لا يليق بذي المروءة أن يتدنى إلى مستواه. فقال المفسرون مثل ما يلي: قال الفخر الرازي في تفسيره [٢٥] : "الإثم الكبير فيه أمور: أحدها: أن عقل الإنسان أشرف صفاته، والخمر عدو العقل، وكل ما كان عدو الأشرف فهو أخس، فيلزم أن يكون شرب الخمر أخس الأمور. وتقريره: أن العقل إنما سمي عقلا لأنه يجري مجرى عقال الناقة، فإن الإنسان إذا دعاه طبعه إلى فعل قبيح، كان عقله مانعا من الإقدام عليه، فإذا شرب الخمر بقي الطبع الداعي إلى فعل القبائح خاليا عن العقل المانع منها، والتقريب بعد ذلك معلوم. ذكر ابن أبي الدنيا أنه مر على سكران وهو يبول في يده ويمسح به وجهه كهيئة المتوضئ، ويقول: الحمد لله الذي جعل الإسلام نورا والماء طهورا. ثانيها: ما ذكره الله - تعالى - من إيقاع العداوة والبغضاء والصد عن ذكر الله وعن الصلاة [٢٦] .

стр. 5803

ثالثها: أن هذه المعصية من خواصها: أن الإنسان كلما كان اشتغاله بها أكثر ومواظبته عليها أتم: كان الميل إليها أكثر. وقوة النفس عليها أقوى بخلاف المعاصي، مثل الزاني إذا فعل مرة واحدة فترت رغبته في ذلك العمل، وكلما كان فعله لذلك العمل أكثر كان فتوره أكثر ونفرته أتم، بخلاف الشرب، فإنه كلما كان إقدامه عليه أكثر كان نشاطه أكثر ورغبته فيه أتم، فإذا واظب الإنسان عليه صار غرقا في اللذات البدنية. . وبالجملة: فالخمر يزيل العقل، وإذا زال العقل حصلت القبائح بأسرها ولذلك قال ﵊: "الخمر أم الخبائث" أه وقال الحكماء مثل ما قال ابن الوردي في لاميته الشهيرة: واترك الخمرة أن كنت فتى كيف يسعى في جنون من عقل وعن العباس بن مرداس أنه قيل له: لم لا تشرب الخمر، فإنها تزيد في جراءتك. فقال: ما أنا بآخذ جهلي بيدي فأدخله جوفي، ولا أرضى أن أصبح سيد قوم وأمس سفيههم. وقال الكتاب مثل ما قال العقاد [٢٧] : "حين يكون العمل بالعقل أمرا من أوامر الخالق: يمتنع على المخلوق أن يعطل عقله"والإسلام لا يقبل من المسلم لأن يلغي عقله ليجري على سنة آباءه وأجداده". "وما من أحد يهتدي بعقله لا يسعه أن يرى الصواب وأن يكف عن الخطأ فإذا قسر على نبذ الصواب واقتراف الخطأ ففي وسعه أن ينجو بنفسه من القسر حيث كان، وفي وسعه إذا حيل بينه وبين النجاة أن يلقى الضرر الذي يجنيه عليه من يهدد كرامته ويقتل ضميره. فذلك لا ريب أهون الضررين في هذه الحال. ولا معنى للدين ولا للخلق إذا جاز للناس لأن يخشوا ضررا يصيب أجسامهم، ولا يخشوا ضررا يصيبهم في أرواحهم وضمائرهم، وينزل بحياتهم الباقية إلى ما دون الحياة التي ليس لها بقاء، وليس فيها شرف ولا مروءة. "إن حق العقل في الإسلام يقاس بكل قوة من قوى تلك الموانع التي ترصد له ويصده عن طريقه"أه.

стр. 5804

أما يقوله الأطباء فهو موافق لنص الرسول على الخمرة بأنها مرض، فعن طارق بن سويد الحضرمي قال: قلت يا رسول الله، إن بأرضنا أعنابا نعتصرها فنشرب منها؟ قال: لا، فراجعته قلت: إنا نستشفي به للمريض، قال: "إن ذلك ليس بشفاء ولكنه داء". فقال الأطباء ما يلي بعضه: يقول الدكتور محمد الهواري [٢٨]- بعد أن استعرض نتائج أبحاث العديد من علماء الغرب -: "ومن كل هذا يظهر جليا أن الانسمام الغولي يعتبر من أعظم الأخطار التي تهدد البشرية. . فهو مدعاة للفتك بالجملة العصبية، وقد تكون من أهم الأسباب الموجبة للأمراض العصبية والعقلية والنفسية، ومن أعظم دواعي الجنون والشقاوة والإجرام، لا في المرء المسيء لنفسه وحده، بل وفي أعقابه من بعده، فيكون إذن علة الشقاء والعوز، وسبب البؤس والتعاسة، وجرثومة الإفلاس والمسكنة، ما نزل بقوم إلا وأدى بهم مادة ومعنى، أي بدنا وروحا، أو جسما وعقلا، وهو الاضمحلال المحتم وحلول الخراب الأعظم. فكل المؤسسات العلمية أصبحت متفقة على أن آثاره معروفة بصورة لا مجال للشك فيها: ١- فهو يقوم بتخريش الأقسام الأولى من جهاز الهظم تخريشا آليا. ٢- ويساهم في تصلب الأنسجة ويضعف فيها خاصة جذب الماء إليها. ٣- ويزيد في احتقان العروق الدقيقة مما يؤدي إلى الاستحالات الشحمية في الخلايا والقصور في آداء وظائفها الطبيعية. ٤- ويؤدي إلى التهاب المعدة التهابا تختلف شدته بين الالتهاب البسيط والالتهاب المتقرح مع توسع في المعدة لدى المدمنين. ٥- ومن عواقبه نزلات الأمعاء المزمنة مع إمكان تقرح العفج أو المعي الإثنى عشري. ٦- إضافة إلى الآفات البابية التي تؤدي إلى تشمع الكبد وخاصة التشمع الضموري أو التشمع الشحمي الضموري. ٧- ومن آثاره كذلك تصلب الطحال والتهاب الصفاق المزمن الذي يكون مرتعا للعصيات السلية.

стр. 5805

٨- ولا يخلو جهاز الدوران من التأثر به، فالقلب ينوء بالشحم وتتصلب الشرايين وتحتقن العروق الدقيقة. ٩- والجهاز البولي يصاب بآفات شديدة نتيجة لانطراح قسم لا بأس به من الغول عن طريقه، ولقد شوهدت حوادث التهاب في الكلى والمثانة وزيادة اطراح المواد الأجنبية عن طريق البول. ١٠- والجملة العصبية أكثر الأعضاء انفعالا بهذه المادة، فالدماغ يصاب باحتقان السحايا والقشر احتقانا يؤدي إلى تصلب الدماغ والتهاب السحايا. ويختتم الدكتور الهواري كلامه قائلا: ولم يكن هناك كالتشريع الإسلامي حكمة وصرامة في الوقوف أمام خطر الغول، إذ أصدر تشريعه بالتحريم القاطع، فعاد بذلك على الأمة الإسلامية بكل ما يحفظ لها من سلامة في صحتها واقتصادها، لا فرق في ذلك بين جميع السوائل الغولية سواء المقطرة منها أو المخمرة. فالنتائج واحدة في جميع هذه الأشربة، وإن اختلف التأثير بحسب ما في هذه الأشربة من الغول. وما كان هذا التحريم ليفقر الأمة أو يسبب اضمحلالها وما كان هذا التحريم يوما شرا على المسلمين المتعففين أو على كل من يحرمه على نفسه من عقلاء الناس اه. هذا بعض ما يقوله الأطباء، أما ما يقوله علماء النفس والاجتماع، والاقتصاد فهو مريع بنذر بالخطر ومرعب يوحي بالدمار، خطير يقتضي الحل السريع الصارم. هذه هي المرحلة الأولى على طريق كفاح الإسلام ضد الخمر والمسكرات. فقد ربى الإسلام ضمير الفرد عن طريق إقناعه بخبثها معنى، وقبحها أثرا، وسطوتها على أغلى درة يملكها الإنسان وهي العقل. فلما تبين المسلمون ذلك، رتب الله على هذه الحقيقة النظرية حقيقة عملية، فجاءت المرحلة التالية: المرحلة الثانية - التحريم المؤقت:

стр. 5806

لم يغب عن علم الله مدى تعلق الناس بالخمر ومدى شيوعها في مجتمعاتهم، فأراد لأن يشرع لهم خطوة عملية على طريق إنهاء الخمر والانتهاء منها، فجاء النص على تحريمها تحريما مؤقتا في أثناء الصلاة، فجاء النص على هذا الشكل: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ﴾ [٢٩] وهكذا خطا القرآن في مكافحة الخمرة خطوة هجومية فعلية فكان تشريع تحريمها وقت الصلاة بعد أن تهيأت أذهان المسلمين لهذه الخطوة من خلال المرحلة الأولى التي ألمعنا إليها. ثم يتوسع رسول الله ﷺ في إظهار هذا التشريع الجديد بالشكل الذي يهيء أذهان المسلمين للمرحلة الثالثة وهي مرحلة التحريم المطلق. ففي حديث أبي الدرداء قال [٣٠] : "أوصاني خليلي ﷺ : "لا تشرب الخمر فإنها مفتاح كل شر"، وعن خباب بن الأرت قال [٣١] : قال رسول الله ﷺ : "إياك والخمرة فإن خطيئتها تفرع الخطايا، كما أن شجرتها تفرع الشجر". ففهم المسلمون: أن الخمر إن حرمت وقت الصلاة فقط، فإن ذلك لا يعني أنها كريمة المذاق في غير وقتها لأن النهي قد صدر من رسول الله الذي تيقن المسلمون صدقه في القول، وعرفوا نصحه في الأمر، وتبينوا حكمته في التشخيص. وبذلك يكون الخمر قد انعزل في أوقات الصلاة تشريعا، وانعزل في غير أوقاتها مروءة وكرامة. وبات المسلمون يترقبون تحريمها المطلق، ويتوقعون منعها المستمر، ويرون لمجتمعهم أن يتطهر منها ويبتعد عنها، نظرا لأن بعض المسلمين استمروا على معاقرتها في غير أوقات الصلاة فكانت بذلك سبب في بعض الخصومات والمنازعات.

стр. 5807

فقد اجتمع قوم من الأنصار وفيهم سعد بن أبي وقاص، فلما سكروا وافتخروا وتناشدوا الأشعار حتى أنشد سعد شعرا فيه هجاء للأنصار، فضربه أنصاري بلحى بعير فشجه شجة موضحة فشكا إلى رسول الله ﷺ فقال عمر ﵁: "اللهم بين لنا في الخمر بيانا شافيا". فكانت: المرحلة الثالثة: التحريم المطلق: شاء الله جلت قدرته أن يكون تحريمه للخمرة تحريما مطلقا هو خاتمة المطاف في أمر الخمر وبقية المسكرات التي تأخذ حكمها، فجاء النص على هذا الشكل: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنْصَابُ وَالأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [٣٢] ، وأكد رسول الله ﷺ هذا التحريم بجملة من الأحاديث مبينا المزيد من التفصيلات في هذا التحريم، ومن ذلك حديث عبد الله بن عمرو قال: قال رسول الله [٣٣] ﷺ : "من شرب الخمر وسكر، لم تقبل له صلاة أربعين صباحا، وإن مات دخل النار، فإن تاب تاب الله عليه. ." ومن ذلك حديث أبي هريرة قال قال رسول الله ﷺ : "مدمن الخمر كعابد وثن" وحديث أبي الدرداء قال: قال رسول الله: "لا يدخل الجنة مدمن خمر". وهكذا تناهى المسلمون عن الخمر فلم ترد على خاطر، وطهروا مجتمعهم منها فلم تدخل على بيت، وفطموا نفوسهم عنها فلم تظهر على مائدة. فلقد استجاب المسلمون لهذا القرار السماوي لأنه من عند الله ن وامتثلوا لهذا النهي لأنه وحي الدين، وحرصوا على تنفيذه في البيئة رغبة في مرضاة الله وتجنبا لغضبه. وهذه هي جوانب الميزة التي يمتاز بها التشريع الديني عن بقية التشريعات الوضعية. فالتشريع الديني يلقى التسليم لأنه من العقيدة ويصادف الرضا لأنه من الرحمن الرحيم ويحظى بالطاعة لأنه ليس من البشر.

стр. 5808

فالرقابة عليه ذاتية من ضمير الفرد، والرجاء منه ثواب من عند الله، والعاقبة في تجاهله غضب من الخالق، أو عقوبة من المخلوق. وهذه كلها ثمرة من ثمرات تربية الضمير الديني عند الفرد، حيث يجد في طاعة الله متعة، وفي امتثال أوامر عباده، وفي الحرص على مرضاته غاية ورسالة. غير أن الإسلام - بواقعيته التي أهلته للبقاء، وفطرته التي هيأته للحياة، وبساطته التي يسرته للخلود -: لا يفترض في الناس أن يكونوا ملائكة ولا يطلب منهم أن يكونوا معصومين ولا يريد منهم أن يصبحوا نورانيين. بل إنه افترض فيهم الخطيئة فحثهم على التوبة، وتوقع منهم الذنب فكتب لهم المغفرة، وانتظر منهم الزلل فخلق فيهم الندم. وقد خلق الله في لناس الخير والشر، وعرض عليهم الصواب والخطأ، ويسرهم للطاعة والمعصية. فلما طلب الله منهم الخير أعانهم عليه بالتشريع، ولما توخى منهم الصواب يسره لهم بالعقل، ولما أمرهم بالطاعة حببها عليهم بالثواب. وجعل من وراء ذلك كله سياجا يعصم الناس من الشذوذ، ووسيلة تقي الأفراد من الانحراف، ونظاما يسهل للمجموعة البشرية مهمة التعاون على البر والتقوى. فكان أن شرع الله للناس الوسائل الفعالة، والطرق المرسومة لتنفيذ شريعته، وإصلاح عباده. أراد بها أن يجبر صغار النفوس أن يكونوا كبارا، وأن ييسر لضعاف الإرادة أن يكونوا أقوياء، وأن يخطط لعبيد الشهوة أن يكونوا أفاضل. فما هي تلك الوسائل؟ وسائل الدين لتنفيذ تحريم الخمر:

стр. 5809

الوسائل التي شرعها الله لتنفيذ أوامره وشريعته متعددة الوجوه، متنوعة الأهداف، غير أننا نشير هنا إلى وسيلتين مما يتعلق بموضوعنا هذا مبينين الجانب النفسي والتربوي الذي تحتوي عليه تلكما الوسيلتان وبيان أثرهما في وقاية الفرد والمجتمع من الخمر والمسكرات على وجه العموم. وهذا الجانب خاص بنفر قليل من الناس ممن لم يكتمل نموه الفكري، ولم تصل تربية ضميره الديني إلى المستوى المطلوب. وهاتان الوسيلتان هما: الرقابة الجماهيرية، والعقوبة، ونتكلم عنهما فيما يلي: الوسيلة الأولى - الرقابة الجماهيرية: لقد وهب الله الأفراد حرية كاملة في حدود المشروع، حيث لا يمكن أن نوجد الفرد المؤثر في المجتمع إلا إذا كان هذا الفرد حرا بالقدر الذي يجعله عزيزا لا يذل، وشجاعا لا يهاب، وقويا لا يضعف. وعندها يمكن لهذا الفرد أن يكون قادرا على أداء دوره في إتمام البناء بعد إرساء قواعده. والحرية في الإسلام ليست انطلاقا من القيود ن بل هي معنى لا يتحقق في المجتمع إلا مقيدا. وعلى هذا: فإن الحر حقا هو الفرد الذي تتجلى فيه المعاني الإنسانية العالية، الذي يجد القدرة على ضبط نفسه بضوابط المصلحة العامة، ويتجه بها إلى معالي الأمور. والحر هو الذي يسيطر على إرادته ولا تسيطر عليه شهواته وأهواؤه، وإنما هو سيد نفسه إلى الحد الذي يعرف ما لها وما عليها، وإن هذه السيادة النفسية التي يتسم بها الحر: هي العنصر الأول في تكوين معنى الحرية في نفسه. وإن الذين يفهمون الحرية انطلاقا من كل القيود إنما هم عبيد الأهواء الذين لا يفهمون حق أنفسهم، ولا يراعون من المجتمع. وعلى هذا فإن قيود الحرية ترجع في مجملها إلى حقيقتين: الأولى: هي السيطرة على النفس والخضوع لحكم العقل لا لحكم الهوى.

стр. 5810

والثانية: هي الإحساس الدقيق بحق المجتمع على الفرد ن وبدون هذه الحقيقة تبرز الأنانية الفردية، والحرية والأنانية نقيضان لا يجتمعان. ومما لا شك فيه أن الناس ليسوا سواء في مراعاة حرية الغير، وحق المجتمع، فإن الناس منهم الحر ومنهم الذي يدعي الحرية، لذلك كان لابد أن تقيد حرية من يدعون الحرية بقيود خارجية عن النفس بحكم القانون، وحينئذ تكون هذه القيود حماية للحرية وليست كبتا لها. والإسلام يسعى لإيجاد مجتمع متكافل تتعاون فيه كل القوى الإنسانية بحيث تلتقي على المحافظة على المصلحة الفرد أولا، ثم يتدرج بها الأمر إلى مرحلة صيانة البناء الاجتماعي والعمل على إرساء قواعده المتراصة التي لا ينفذ الدخن من إجزائها. وعندما يتحقق المجتمع المتكافل فإنه - بالضرورة - ينتج رأيا عاما فاضلا هو أول مظهر من مظاهر هذا المجتمع. وللرأي العام الفاضل رقابة نفسية تجعل البشر ينطوي على نفسه فلا يظهر وتجعل الخير موقع الإعلان والظهور. وبالرأي العام الفاضل يشعر الجماعة بقوة خفية تعينها على حفظ واجهة المجتمع نقية ناصعة، وهذه القوة هي رد الفعل الاجتماعي العام الذي يجعل من الحياة سدا بين الجريمة وبين أن تظهر أو تشيع. ومن هنا يرى الإسلام أن الجمهور قادر على أن يقوم بدوره العام بين مبدأين أساسين، وهما: ١- مبدأ الشورى بين أطراف الأمة. وليس هذا موضوعنا هنا. ٢- مبدأ الرقابة على المجتمع. ومبدأ الرقابة هذا حصيلة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وهو من القواعد الأساسية في المجتمع الإسلامي وبذلك يكون الله قد منح الناس حق الدفاع عن أنفسهم ومجتمعهم من سيطرة الرذيلة عليه، وما يتبع ذلك من انحراف النفوس وعبث المفسدين.

стр. 5811

والجمهور الإسلامي ليس مخيرا في آداء واجب الرقابة على المجتمع وإنما هي مسؤوليته التي أنيطت به لغرض الإرشاد العام لتقويم المعوج، وتشجيع المستقيم وإعانته على الاستمرار وكانت فرضا عليهم بقوله تعالى: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ [٣٤] وقد ذم القرآن بني إسرائيل من اجل أنهم لم يأخذوا بمبدأ الرقابة هذا مأخذ الجد، فأفسحوا مكانا للشر في مجتمعهم بترك الرقابة على المفسدين فقال تعالى: ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرائيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُدَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ كَانُوا لا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾ [٣٥] . وينظر الإسلام إلى الرقابة على أنها انتصار لكرامة الجماعة، وتلبية لنداء الفضيلة والرجولة، فإن التهاون فيها يتنافى والكرامة التي تدفع أصحابها إلى عنها والغضب من جلها والثأر لها. وقد روي عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله ﷺ : "لا يحقر أحدكم نفسه"قالوا: يا رسول الله، كيف يحقر أحدنا نفسه؟ قال: "يرى أمرا لله فيه مقال، ثم لا يقول فيه شيئا ". وينظر الإسلام تارة أخرى إلى الرقابة على أنها عنصر من عناصر احترام المجتمع وتقديسه، وعامل من عوامل انتعاش الأمة وتماسكها، ومظهر من مظاهر المجتمع الفاضل الذي يكسب احترامه لنفسه. وقد أدرك المسلمون هذه الحقيقة فتمسكوا بها وفهم الناس أهدافها فحرصوا على مبدأها، وأدرك الفقهاء أسرارها فكانت في كتبهم أبوابا وفصولا. . على النحو التالي: حقيقة الرقابة على الفقه الإسلامي: الرقابة الجماهيرية نوعان في الإسلام:

стр. 5812

النوع الأول: هو الرقابة الجماهيرية العامة المطلوبة من كل الناس تعبدا وامتثالا لقوله تعالى: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ . وامتثالا لقوله ﵊: "من رأى منكم منكرا فليغيره بيده. . " الحديث. النوع الثاني: الرقابة الجماهيرية الخاصة تقوم بها الجماعة المكلفة من الدولة بذلك ويطلق عليها في العصر الحاضر"شرطة الآداب"ويسميها الفقهاء: "الحسبة" غير أنها أكثر من شرطة الآداب، لأنها تراقب جميع أنواع المظالم والمفاسد والتعديات والمخالفات، وعلى هذا فهي: "أمر بالمعروف إذا ظهر تركه، ونهي عن المنكر إذا ظهر فعله" [٣٦] والفرق الجوهري بين شرطي الآداب اليوم والمحتسب في النظام الإسلامي أن الشرطي يقوم بواجبه يحكم وظيفته وهو أمر غير مضمون الفعالية والتأثير بينما يقوم المحتسب بواجبه استجابة لعقيدته، وامتثالا لدينه، ومرضاة لله وعبادة له، وبهذا فهو مخلص في مهمته مندفع في واجبه، حريص على مصالح مجتمعه، كل هذا إذا أحسن اختيار المحتسب، وأجيد تدريبه، وأتقنت تربيته وتهذيبه. ولقد كان لنظام الحسبة في الإسلام أثر فعال في نقاء المجتمع، وردع المنحرفين، وزجر المجاهرين بالفوضى والفساد. وكان ذلك سببا لإقلاع الكثير من الأفراد عن أسباب لانحراف خوفا من الإهانة حتى أصبحت الفضيلة طبعا فيهم، وقد تكلم الفقهاء عن الحسبة في أبواب مستقلة من كتبهم الفقهية، ونقتطف بعض أقوالهم للتدليل والتمثيل. يقول القاضي أبو يعلى المالكي [٣٧] : وأما ما تعلق بالمحضورات فهو: أن يمنع الناس من مواقف الريب، ومظان التهمة، ويقوم الإنكار ولا يعجل بالتأديب قبل الإنذار. وإذا رأى وقوف رجل وامرأة في طريق سابل لم تظهر منهما أمارات الريب: لم يعترض عليهما بزجر ولا إنكار، فما يجد الناس بدا من هذا.

стр. 5813

وإن كان الوقوف في طرق خالية: فخلو المكان ريبة، فينكرها. ولايعجل في التأديب عليها، حذرا من أن تكون ذات محرم، وليقل: إن كانت ذات محرم، فصنها عن مواقف التهمة، وإن كانت أجنبية فاحذر من خلوة تؤديك إلى معصية الله تعالى. فإذا رأى المحتسب من هذه الحال ما ينكرها تأنى وفحص ورعى شواهد الحال، ولم يعجل الإنكار قبل الاستخبار. وقد سئل أحمد - في رواية محمد بن يحيى - في الرجل السوء، يرى مع المرأة؟ قال: صح به. وإذا جاهر رجل بإظهار الخمر، فإن كان مسلما: أراقها وأدبه، وإن كان ذميا: أدب على إظهارها وتراق عليه. لأنها غير مضمونة [٣٨] . وأما المجاهر بإظهار النبيذ، فهي كالخمر، وليس في إراقته غرم، فيعتبر والي الحسبة شواهد الحال فيه، فينهى فيه عن المجاهرة، ويزجر عليه إن كان يعاقره، ولا يريقه إلى أن يأمره بإراقته حاكم.فإن السكران: إذا تظاهر بسكره، وسخف بهجره، أدبه على السكر والهجر تعزيزا. الوسيلة الثانية – العقوبة: مما سبق يتضح جليا أن الإسلام أعدم الوجود الشرعي للخمرة بالتحريم، وقضى على ضراوتها بالعقيدة، وكرهها للنفوس بوصف الخبث. ثم عمق أزمة عدم توافرها بالمنع، وحد من شيوعها بالرقابة، وزعزع أمنها بالمحتسب، فانطوت مريبة في المواخير، وتوارت سرا في الدهاليز وجمعت حولها زمرا ليسوا من الكرام على أي حال، يتنادمون على وجل، ويتعاقرون على خوف، ويتحاببون على ريبة. وهؤلاء هم الاستثناء من القاعدة وهم - ما استتروا- فأمرهم إلى الله إن شاء عاقبهم وإن شاء عفا عنهم. ومن أبدى صفحته منهم واجهته العقوبة. وقد اقتضت حكمة الله أن تكون العقوبات الإسلامية مناسبة لنوع الجريمة.

стр. 5814

ولما كان السكران الذي يبدي صفحته للناس رجلا بل حياء لأنه أضاعه بالسكر وإنسانا بلا كرامة لأنه أهدرها بالسفه، وشخصا بلا مروءة لأنه أتلفها بالخبل، فقد جعل الله عقوبته مهينة محقرة، تصيب الحياء ولا تؤذي الجسد وتجرح الكرامة ولا تجرح الجسم، وتدعو إلى التحقير ولا تستدعي الطبيب. وعقوبة الشارب عدد من الجلدات الخفيفة، وآلة الجلد: نعل أو ثوب أو ما شاكل ذلك مما يهين ولا يوجع. إجراءات الحاكم قبل الحكم بالعقوبة: لما كان الهدف من لعقوبة في الشريعة الإسلامية هو الإصلاح والتأديب إلى جانب الزجر، ولما كانت عقوبات الحدود مبنية على الدرء، فإن الحاكم مأمور أن يتبع إلى ذلك جميع الوسائل الممكنة قبل أن يصل إلى مرحلة الحكم، وقد كان الخلفاء يبادرون إلى النصح والتأديب قبل اللجوء إلى العقوبة. فقد روي عن الخليفة العادل عمر بن الخطاب ﵁ أنه تفقد رجلا يعرفه، فقيل له: إنه يتابع الشراب، فلم يبادر الخليفة إلى عقوبته بل كتب إليه: "إني أحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو، غافر الذنب، وقابل التوبة، شديد العقاب، ذو الطول، لا إله إلا هو، إليه المصير". فلم يزل الرجل يرددها ويبكي حتى صحت توبته وأحسن النزع، فبلغت نوبته عمر، فقال لمن حضر مجلسه: "هكذا فاصنعوا، إذا رأيتم أخا لكم زل زلة فسددوه ووفقوه، وادعوا الله أن يتوب عليه، ولا تكونوا أعوانا للشيطان عليه". وعلى هذا فإن العقوبة هي الحل الأخير توقع على من استفحل خطره، وطاش صوابه، وأفلت زمام نفسه، ولم في نفسه أن يقدم عذرا مقبول، أو سببا مشروعا، بعد أن حقق له المجتمع الإسلامي كل الحاجات التي تغنيه عن هذا الموقف.

стр. 5815

وفي ذلك يقول الأستاذ العقاد ﵀[٣٩] : "والعقوبات القرآنية تكفل للمجتمع حاجته التي تغنيه من العقوبة، وهي قيام الوازع ورهبة المحذور، ولكنها لا تحرم الفرد حقا من حقوقه في الضمان الوثيق والفرصة النافعة. وأول ضمان للفرد فيها شدة التحرج في إثبات التهمة، وتأويل الشبهة لمصلحته في جميع الأحوال، وتمكينه من الصلاح والتوبة إذا كان فيه مستصلح ومتاب. وأيا كان القول برعاية الحرية والشخصية في فرض العقوبات، فليس في وسع غال من غلاتها أن يقطع بأن مسألة الزنا أو مسألة السكر من المسائل الفردية التي يترك فيها الأمر كله لآحاد الناس. ففي الزنا والسكر مساس بقوام الأسر، وأخلاق الجماعة، وسلامة الذرية لا مراء فيه. ومتى بلغ من الزاني أن يشهده أربعة شهود عدول، وبلغ من السكير أن يصل القاضي بين شاهدين عدلين والخمر تفوح من فمه، فليست هناك مسألة فرد يفعل ما يحلو له بينه وبين نفسه، ولكنها مسألة المجتمع كله في كيانه وأخلاقه، وأسباب الأمن والطمأنينة. وقد تبدو من هذا حكمة من حكم الشرائط التي اشترط الشرع الإسلامي توافرها لإقامة الحدود. وننتهي من ذلك كله إلى نتيجتين يقل فيهما الخلاف بين المسلمين وغير المسلمين، وهما: أن قواعد العقوبات الإسلامية قامت عليها شؤون جماعات من البشر آلاف السنين، وهي لا تعاني كل ما تعانيه الجماعات المحدثة من الجرائم والآفات. وأن قواعد العقوبات المحدثة لم تكن تصلح للتطبيق قبل لألف سنة، وكانت تنافر مقتضيات العصر في ذلك الحين، ولكن القواعد القرآنية بما فيها من الحيطة والضمان، ومباحات التصرف الملائم للزمان والمكان، قد صلحت للتطبيق قبل ألف سنة، وتصلح للتطبيق في هذه الأيام وبعد هذه الأيام.
следующие страницы →