← Джавами‘

Джавами‘ · id 4473

مجلة الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (23 804 стр.). Показаны 5811–5850 · переход к 5816.

стр. 5811

والجمهور الإسلامي ليس مخيرا في آداء واجب الرقابة على المجتمع وإنما هي مسؤوليته التي أنيطت به لغرض الإرشاد العام لتقويم المعوج، وتشجيع المستقيم وإعانته على الاستمرار وكانت فرضا عليهم بقوله تعالى: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ [٣٤] وقد ذم القرآن بني إسرائيل من اجل أنهم لم يأخذوا بمبدأ الرقابة هذا مأخذ الجد، فأفسحوا مكانا للشر في مجتمعهم بترك الرقابة على المفسدين فقال تعالى: ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرائيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُدَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ كَانُوا لا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾ [٣٥] . وينظر الإسلام إلى الرقابة على أنها انتصار لكرامة الجماعة، وتلبية لنداء الفضيلة والرجولة، فإن التهاون فيها يتنافى والكرامة التي تدفع أصحابها إلى عنها والغضب من جلها والثأر لها. وقد روي عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله ﷺ : "لا يحقر أحدكم نفسه"قالوا: يا رسول الله، كيف يحقر أحدنا نفسه؟ قال: "يرى أمرا لله فيه مقال، ثم لا يقول فيه شيئا ". وينظر الإسلام تارة أخرى إلى الرقابة على أنها عنصر من عناصر احترام المجتمع وتقديسه، وعامل من عوامل انتعاش الأمة وتماسكها، ومظهر من مظاهر المجتمع الفاضل الذي يكسب احترامه لنفسه. وقد أدرك المسلمون هذه الحقيقة فتمسكوا بها وفهم الناس أهدافها فحرصوا على مبدأها، وأدرك الفقهاء أسرارها فكانت في كتبهم أبوابا وفصولا. . على النحو التالي: حقيقة الرقابة على الفقه الإسلامي: الرقابة الجماهيرية نوعان في الإسلام:

стр. 5812

النوع الأول: هو الرقابة الجماهيرية العامة المطلوبة من كل الناس تعبدا وامتثالا لقوله تعالى: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ . وامتثالا لقوله ﵊: "من رأى منكم منكرا فليغيره بيده. . " الحديث. النوع الثاني: الرقابة الجماهيرية الخاصة تقوم بها الجماعة المكلفة من الدولة بذلك ويطلق عليها في العصر الحاضر"شرطة الآداب"ويسميها الفقهاء: "الحسبة" غير أنها أكثر من شرطة الآداب، لأنها تراقب جميع أنواع المظالم والمفاسد والتعديات والمخالفات، وعلى هذا فهي: "أمر بالمعروف إذا ظهر تركه، ونهي عن المنكر إذا ظهر فعله" [٣٦] والفرق الجوهري بين شرطي الآداب اليوم والمحتسب في النظام الإسلامي أن الشرطي يقوم بواجبه يحكم وظيفته وهو أمر غير مضمون الفعالية والتأثير بينما يقوم المحتسب بواجبه استجابة لعقيدته، وامتثالا لدينه، ومرضاة لله وعبادة له، وبهذا فهو مخلص في مهمته مندفع في واجبه، حريص على مصالح مجتمعه، كل هذا إذا أحسن اختيار المحتسب، وأجيد تدريبه، وأتقنت تربيته وتهذيبه. ولقد كان لنظام الحسبة في الإسلام أثر فعال في نقاء المجتمع، وردع المنحرفين، وزجر المجاهرين بالفوضى والفساد. وكان ذلك سببا لإقلاع الكثير من الأفراد عن أسباب لانحراف خوفا من الإهانة حتى أصبحت الفضيلة طبعا فيهم، وقد تكلم الفقهاء عن الحسبة في أبواب مستقلة من كتبهم الفقهية، ونقتطف بعض أقوالهم للتدليل والتمثيل. يقول القاضي أبو يعلى المالكي [٣٧] : وأما ما تعلق بالمحضورات فهو: أن يمنع الناس من مواقف الريب، ومظان التهمة، ويقوم الإنكار ولا يعجل بالتأديب قبل الإنذار. وإذا رأى وقوف رجل وامرأة في طريق سابل لم تظهر منهما أمارات الريب: لم يعترض عليهما بزجر ولا إنكار، فما يجد الناس بدا من هذا.

стр. 5813

وإن كان الوقوف في طرق خالية: فخلو المكان ريبة، فينكرها. ولايعجل في التأديب عليها، حذرا من أن تكون ذات محرم، وليقل: إن كانت ذات محرم، فصنها عن مواقف التهمة، وإن كانت أجنبية فاحذر من خلوة تؤديك إلى معصية الله تعالى. فإذا رأى المحتسب من هذه الحال ما ينكرها تأنى وفحص ورعى شواهد الحال، ولم يعجل الإنكار قبل الاستخبار. وقد سئل أحمد - في رواية محمد بن يحيى - في الرجل السوء، يرى مع المرأة؟ قال: صح به. وإذا جاهر رجل بإظهار الخمر، فإن كان مسلما: أراقها وأدبه، وإن كان ذميا: أدب على إظهارها وتراق عليه. لأنها غير مضمونة [٣٨] . وأما المجاهر بإظهار النبيذ، فهي كالخمر، وليس في إراقته غرم، فيعتبر والي الحسبة شواهد الحال فيه، فينهى فيه عن المجاهرة، ويزجر عليه إن كان يعاقره، ولا يريقه إلى أن يأمره بإراقته حاكم.فإن السكران: إذا تظاهر بسكره، وسخف بهجره، أدبه على السكر والهجر تعزيزا. الوسيلة الثانية – العقوبة: مما سبق يتضح جليا أن الإسلام أعدم الوجود الشرعي للخمرة بالتحريم، وقضى على ضراوتها بالعقيدة، وكرهها للنفوس بوصف الخبث. ثم عمق أزمة عدم توافرها بالمنع، وحد من شيوعها بالرقابة، وزعزع أمنها بالمحتسب، فانطوت مريبة في المواخير، وتوارت سرا في الدهاليز وجمعت حولها زمرا ليسوا من الكرام على أي حال، يتنادمون على وجل، ويتعاقرون على خوف، ويتحاببون على ريبة. وهؤلاء هم الاستثناء من القاعدة وهم - ما استتروا- فأمرهم إلى الله إن شاء عاقبهم وإن شاء عفا عنهم. ومن أبدى صفحته منهم واجهته العقوبة. وقد اقتضت حكمة الله أن تكون العقوبات الإسلامية مناسبة لنوع الجريمة.

стр. 5814

ولما كان السكران الذي يبدي صفحته للناس رجلا بل حياء لأنه أضاعه بالسكر وإنسانا بلا كرامة لأنه أهدرها بالسفه، وشخصا بلا مروءة لأنه أتلفها بالخبل، فقد جعل الله عقوبته مهينة محقرة، تصيب الحياء ولا تؤذي الجسد وتجرح الكرامة ولا تجرح الجسم، وتدعو إلى التحقير ولا تستدعي الطبيب. وعقوبة الشارب عدد من الجلدات الخفيفة، وآلة الجلد: نعل أو ثوب أو ما شاكل ذلك مما يهين ولا يوجع. إجراءات الحاكم قبل الحكم بالعقوبة: لما كان الهدف من لعقوبة في الشريعة الإسلامية هو الإصلاح والتأديب إلى جانب الزجر، ولما كانت عقوبات الحدود مبنية على الدرء، فإن الحاكم مأمور أن يتبع إلى ذلك جميع الوسائل الممكنة قبل أن يصل إلى مرحلة الحكم، وقد كان الخلفاء يبادرون إلى النصح والتأديب قبل اللجوء إلى العقوبة. فقد روي عن الخليفة العادل عمر بن الخطاب ﵁ أنه تفقد رجلا يعرفه، فقيل له: إنه يتابع الشراب، فلم يبادر الخليفة إلى عقوبته بل كتب إليه: "إني أحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو، غافر الذنب، وقابل التوبة، شديد العقاب، ذو الطول، لا إله إلا هو، إليه المصير". فلم يزل الرجل يرددها ويبكي حتى صحت توبته وأحسن النزع، فبلغت نوبته عمر، فقال لمن حضر مجلسه: "هكذا فاصنعوا، إذا رأيتم أخا لكم زل زلة فسددوه ووفقوه، وادعوا الله أن يتوب عليه، ولا تكونوا أعوانا للشيطان عليه". وعلى هذا فإن العقوبة هي الحل الأخير توقع على من استفحل خطره، وطاش صوابه، وأفلت زمام نفسه، ولم في نفسه أن يقدم عذرا مقبول، أو سببا مشروعا، بعد أن حقق له المجتمع الإسلامي كل الحاجات التي تغنيه عن هذا الموقف.

стр. 5815

وفي ذلك يقول الأستاذ العقاد ﵀[٣٩] : "والعقوبات القرآنية تكفل للمجتمع حاجته التي تغنيه من العقوبة، وهي قيام الوازع ورهبة المحذور، ولكنها لا تحرم الفرد حقا من حقوقه في الضمان الوثيق والفرصة النافعة. وأول ضمان للفرد فيها شدة التحرج في إثبات التهمة، وتأويل الشبهة لمصلحته في جميع الأحوال، وتمكينه من الصلاح والتوبة إذا كان فيه مستصلح ومتاب. وأيا كان القول برعاية الحرية والشخصية في فرض العقوبات، فليس في وسع غال من غلاتها أن يقطع بأن مسألة الزنا أو مسألة السكر من المسائل الفردية التي يترك فيها الأمر كله لآحاد الناس. ففي الزنا والسكر مساس بقوام الأسر، وأخلاق الجماعة، وسلامة الذرية لا مراء فيه. ومتى بلغ من الزاني أن يشهده أربعة شهود عدول، وبلغ من السكير أن يصل القاضي بين شاهدين عدلين والخمر تفوح من فمه، فليست هناك مسألة فرد يفعل ما يحلو له بينه وبين نفسه، ولكنها مسألة المجتمع كله في كيانه وأخلاقه، وأسباب الأمن والطمأنينة. وقد تبدو من هذا حكمة من حكم الشرائط التي اشترط الشرع الإسلامي توافرها لإقامة الحدود. وننتهي من ذلك كله إلى نتيجتين يقل فيهما الخلاف بين المسلمين وغير المسلمين، وهما: أن قواعد العقوبات الإسلامية قامت عليها شؤون جماعات من البشر آلاف السنين، وهي لا تعاني كل ما تعانيه الجماعات المحدثة من الجرائم والآفات. وأن قواعد العقوبات المحدثة لم تكن تصلح للتطبيق قبل لألف سنة، وكانت تنافر مقتضيات العصر في ذلك الحين، ولكن القواعد القرآنية بما فيها من الحيطة والضمان، ومباحات التصرف الملائم للزمان والمكان، قد صلحت للتطبيق قبل ألف سنة، وتصلح للتطبيق في هذه الأيام وبعد هذه الأيام.

стр. 5816

هذا هو المجمل للمسلك الإسلامي لمحاصرة الخمر والمسكرات وهذا هو الموجز للآثار الإيجابية التي نتجت عن هذا المسلك، حين بقيت الخمرة في المجتمعات الإسلامية على مدى أربعة عشر قرنا من الزمن تشعر بالغربة وتحس بالوحشة، وتشكو الوحدة، وتعاني من تجافي المسلمين عنها وهجرهم لها، وتقاسي من العزلة في الأزقة المظلمة والدهاليز الرطبة الرطبة. توجعها المطاردة المخلصة وتؤرقها العيون المتلصصة، وتقلقها العواطف المعادية من كل الناس، إذا احتواها إناء فقد العصمة والضمان، وإذا آواها بيت فقد الحماية والأمن. كان ذلك كله أثرا من آثار الدين في محاربة الخمر والمسكرات، تلك الآثار التي حكمت الناس من غير خوف، وتحكمت في التصرفات من غير عنت، واستحكمت في النفوس من غير قهر. وبهذا البرهان العملي تشتد الضرورة إلى سلاح الدين، وبهذه التجربة الطويلة يشتد الإيمان بنجاح أساليبه ومسالكه، وبهذا الأنموذج التاريخي الفريد يشتد اليقين وينقطع الجدل ويزول التردد. فلما ضعف هذا الوازع الديني في نفوس الناس ضعف معه كل شيء، فإن من أبرز سمات المسلمين اليوم هو انعدام الوضوح في الغاية والوسيلة، ونقص الترية في الإيمان والعقيدة، وضعف التدريب في التطبيق والعمل، واختلال الطاقة في الالتزام والانتماء، وارتباك المعنى في الطاعة والتسليم. ومن هنا عمت المجتمع عيوبه القبيحة، وأنهكته أمراضه الخبيثة، وأوهنت قواه سلبيات وآفات تزيد ولا تنقص، وتقوى ولا تضعف، وتشتد ولا تهن: غش في المعاملة، وغبن في البيع، ورشوة في قضاء الحاجة، ووساطة في الحصول على الحق، وكذب في الدعوى، وإثم في العلاقة، وخمر في استجلاب السرور، ومخدر في دفع الألم. فإذا أردنا قول الحق من غير ضياع للوقت، وإذا رغبنا في الرأي الناصح من غير خداع للنفس، وإذا سلمت لمنطق العقل من غير مغالطة أو مكابرة، فإن علاج ذلك كله إنما هو في الرجوع إلى العقيدة الدينية.

стр. 5817

أما وسائل تحقيق ذلك في المجتمع فإن الحديث فيه يقتضي مكانا آخر ومجالا غير هذا المجال. -------------------------------------------------------------------------------- [١] راجع دائرة المعارف الإسلامية ٨/٤٥٠ والقاموس المحيط ٤/٢٧٦. [٢] راجع دائرة معارف القرن العشرين ٣/٧٩٠. [٣] انظر: الخمر والمشروبات الروحية للدكتور محمد الهواري. مجلة حضارة الإسلام، العدد الأول السنة الخامسة عشرة. [٤] انظر: دائرة معارف القرن العشرين ٣/ ٧٩٠. [٥] أما ما دأب عليه شعراء العربية في العصر العباسي وغيره من التغني بوصف الخمرة وإطرائها فليس محمولا على ظاهره، ولا يجوز أن يفترض أن كل شاعر وصف الخمر يكون قد شربها، ذلك: أن وصف الخمر اكتسب صفة (الفن الشعري) الذي رأى الشعراء والمسلمون – تقليدا للشعراء الجاهليين – أن شاعريتهم لا تكتمل إلا به. كما هو الشأن في الغزل الذي كثيرا ما يردد فيه الشعراء أسماء وأوصاف بمحبوبات لا وجود لهن. وكما هو الحال في قطع الفيافي والقفار على العيس لشعراء لم يشاهدوا قفارا ولم يركبوا عيسا. مما نجده في شعراء الأندلس مثلا. زمن الأدلة الواضحة على هذه الحقيقة مقصورة ابن جابر الهواري مثلا فهو يمدح فيها النبي ﷺ ومع ذلك يضمنها أبياتا في وصف الخمر تعد – من الناحية البلاغية – من أروع الشعر. وما كان الجنون يبلغ بذلك الشاعر الصوفي الضرير أن يتقرب إلى الرسول الكريم بوصف خمر شربها، ولكنه يضمن قصيدته فنا شعريا تقليديا كما ضمنها الغزل التقليدي [٦] سفر العدد، الإصحاح السادس، الآية: ٣ وما بعدها. [٧] سفر لاويين، الإصحاح العاشر، الآية: ٩. [٨] انظر: دائرو المعارف الإسلامية ٨/ ٤٥٢. [٩] انظر دائرة معارف القرن العشرين ٣/ ٧٩١.

стр. 5818

[١٠] انظر: عبد الجبار عريم: الطرق العلمية الحديثة في إصلاح وتأهيل المجرمين والجانحين ص ١٦٣. [١١] الطرق العلمية الحديثة في إصلاح وتأهيل المجرمين والجانحين ص ٢٤٦ وما بعدها. [١٢] انظر: الإنسان والقرآن، الموسوعة ٤/ ٤٠. [١٣] سورة المدثر: ٣٨. [١٤] سورة الأنعام: ١٦٤. [١٥] انظر: الموسوعة ٥/ ٥٠٤. [١٦] المصدر السابق ٥/٥٠٥. [١٧] سورة القصص: ٧٧. [١٨] سورة البقرة: ٣٧. [١٩] سورة هود: ٥. [٢٠] سورة الشعراء: ١٤١ – ١٤٢. [٢١] انظر: فيض القدير ٢ / ٢٧٧. [٢٢] جزء من حديث عمر بن الخطاب ﵁ المشهور الذي رواه أحمد وأصحاب الكتب الستة. انظر: فيض القدير ١ / ٣٠. [٢٣] انظر: الموسوعة ٤ / ١٩٤. [٢٤] سورة البقرة: ٢١٩. [٢٥] راجع: التفسير الكبير ٦ / ٤٦. [٢٦] يشير الرازي بذلك إلى قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلاةِ﴾ . [٢٧] انظر: الموسوعة ٥ / ٨٤٣ وما بعدها. [٢٨] الخمر والمشروبات الغولية. مجلة حضارة الإسلام، العدد الأول السنة الخامسة عشرة. [٢٩] سورة النساء: ٤٣. [٣٠] انظر سنن ابن ماجه حديث رقم ٣٣٧٢. [٣١] المصدر السابق حديث رقم ٣٣٧٣. [٣٢] سورة المائدة: ٩٠. [٣٣] ابن ماجه حديث ٣٣٧٧، ٣٣٧٥، ٣٣٧٦. [٣٤] سورة آل عمران: ١٠٤. [٣٥] سورة المائدة: ٧٧، ٧٨. [٣٦] انظر: الأحكام السلطانية للقاضي أبي يعلى، ص ٢٨٤. [٣٧] انظر: الأحكام السلطانية ص ٢٩٣ وما بعدها. [٣٨] وذهب أبو حنيفة إلى أنها لا تراق، لأنها – عنده – من أموالهم المضمونة في حقوقهم. [٣٩] انظر: الموسوعة ٤ / ١٠٨ – ١٠٩.

стр. 5819

تكذيب الوصية المنسوبة لخادم الحرم لسماحة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز من عبد العزيز بن عبد الله بن باز إلى من يطلع عليه من المسلمين - حفظهم الله بالإسلام - وأعاذنا وإياهم من شر مفتريات الجهلة الطغام.. آمين سلام عليكم ورحمة الله وبركاته. أما بعد - فقد اطلعت على كلمة منسوبة إلى الشيخ أحمد خادم الحرم النبوي الشريف بعنوان (هذه وصية من المدينة المنورة عن الشيخ أحمد خادم الحرم النبوي الشريف)

стр. 5820

قال فيها: كنت ساهرا ليلة الجمعة أتلو القرآن الكريم وبعد تلاوة قراءة أسماء الله الحسنى فلما فرغت من ذلك تهيأت للنوم فرأيت صاحب الطلعة البهية رسول الله ﷺ الذي أتى بالآيات القرآنية والأحكام الشريفة رحمة بالعالمين سيدنا محمد ﷺ فقال: "يا شيخ أحمد قلت: لبيك يا رسول الله يا أكرم خلق الله فقال لي: أنا خجلان من أفعال الناس القبيحة ولم أقدر أن أقابل ربي ولا الملائكة لأن من الجمعة إلى الجمعة مات مائة وستون ألفا على غير دين الإسلام ثم ذكر بعض ما وقع فيه الناس من المعاصي ثم قال: فهذه الوصية رحمة بهم من العزيز الجبار ثم ذكر بعض أشراط الساعة إلى أن قال فأخبرهم يا شيخ أحمد بهذه الوصية لأنها منقولة بقلم القدر من اللوح المحفوظ ومن يكتبها ويرسلها من بلد إلى بلد ومن محل إلى محل بني له قصر في الجنة ومن لم يكتبها ويرسلها حرمت عليه شفاعتي يوم القيامة ومن كتبها وكان فقيرا أغناه الله أو كان مديونا قضى الله دينه أو عليه ذنب غفر الله له ولوالديه ببركة هذه الوصية ومن لم يكتبها من عباد الله اسود وجهه في الدنيا والآخرة وقال والله العظيم ثلاثا هذه حقيقة وإن كنت كاذبا أخرج من الدنيا على غير الإسلام ومن يصدق بها ينجو من عذاب النار ومن كذب بها كفر"هذه خلاصة ما في هذه الوصية المكذوبة على رسول الله ﷺ ولقد سمعنا هذه الوصية مرات كثيرة منذ سنوات متعددة تنشر بين الناس فيما بين وقت وآخر تروج بين الكثير من العامة وفي ألفاظها اختلاف وكاذبها يقول إنه رأى النبي ﷺ في النوم فحمله هذه الوصية وفي هذه النشرة الأخيرة التي ذكرناها لك أيها القارئ زعم هذا المفتري في هذه الوصية أشياء كثيرة من أوضح الكذب وأبين الباطل سأنبهك عليها قريبا في هذه الكلمة إن شاء الله.

стр. 5821

ولقد نبهت عليها في السنوات الماضية وبينت للناس أنها من أوضح الكذب وأبين الباطل فلما اطلعت على هذه النشرة الأخيرة ترددت في الكتابة عنها لظهور بطلانها وعظم جرأة مفتريها على الكذب وما كنت أظن أن بطلانها يروج على من له أدنى بصيرة أو فطرة سليمة ولكن أخبرني كثير من الإخوان أنها قد راجت على كثير من الناس وتداولوها بينهم وصدقها بعضهم فمن أجل ذلك رأيت أنه يتعين على أمثالي الكتابة عنها لبيان بطلانها وأنها مفتراة على رسول الله ﷺ حتى لا يغتر بها أحد ومن تأملها من ذوي العلم والإيمان أو ذوي الفطرة السليمة والعقل الصحيح عرف أنها كذب وافتراء من وجوه كثيرة ولقد سألت بعض أقارب الشيخ أحمد المنسوبة إليه هذه الفرية عن هذه الوصية فأجابني بأنها مكذوبة على الشيخ أحمد المذكور وقد مات من مدة ولو فرضنا لأن الشيخ أحمد المذكور أو من هو أكبر منه زعم أنه رأى النبي ﷺ في النوم أو اليقظة وأوصاه بهذه الوصية لعلمنا يقينا أنه كاذب أو أنه الذي قال له ذلك شيطان ليس هو الرسول ﷺ ولجوه كثيرة منها أن الرسول ﷺ لا يرى في اليقظة بعد وفاته ومن زعم من جهلة الصوفية أنه يرى النبي ﷺ في اليقظة فقد غلط أقبح الغلط ولبس عليه غاية التلبيس ووقع في خطأ عظيم وخالف الكتاب والسنة وإجماع أهل العلم لأن الموتى إنما يخرجون من قبورهم يوم القيامة لا في الدنيا ومن قال خلاف ذلك فهو كاذب كذبا بينا أو غالط ملبس عليه لم يعرف الحق الذي عرفه السلف الصالح ودرج عليه أصحاب الرسول ﷺ وأتباعهم بإحسان.

стр. 5822

الوجه الثاني: أن الرسول ﷺ لا يقول خلاف الحق لا في حياته ولا بعد وفاته وهذه الوصية تخالف شريعته مخالفة ظاهرة من وجوه كثيرة كما يأتي وهو ﷺ قد يرى في النوم ومن رآه في المنام على صورته الشريفة فقد رآه لأن الشيطان لا يتمثل في صورته كما جاء بذلك الحديث الصحيح الشريف ولكن الشأن كل الشأن في إيمان الرائي وصدقه وعدالته وضبطه وديانته وهل رأى النبي ﷺ في صورته أو في غيرها ولو جاء عن النبي ﷺ حديث قاله في حياته من غير طريق الثقات الضابطين ولكنه يخالف رواية من هو أحفظ منهم وأوثق مخالفة لا يمكن معها الجمع بين الروايتين لكان أحدهما منسوخا لا يعمل به والثاني ناسخ يعمل به حيث أمكن ذلك بشروطه وإذا لم يكن ذلك ولم يمكن الجمع وجب أن تطرح رواية من هو أقل حفظا وأدنى عدالة والحكم عليها بأنها شاذة لا يعمل بها فكيف بوصية لا يعرف صاحبها الذي نقلها عن رسول الله ﷺ ولا تعرف عدالته وأمانته فهي والحالة هذه حقيقة بأن تطرح ولا يلتفت إليها وإن لم يكن فيها شيء يخالف الشرع فكيف إذا كانت الوصية مشتملة أمور كثيرة تدل على بطلانها وأنها مكذوبة على رسول الله ﷺ ومتضمنة لتشريع دين لم يأذن به الله وقد قال النبي ﷺ : "من قال علي ما لم أقل فليتبوء مقعده من النار"، وقد قال مفتري هذه الوصية على رسول الله ﷺ ما لم يقل وكذب عليه كذبا صريحا خطيرا فما أحراه بهذا الوعيد العظيم وما أحقه به إن لم يبادر بالتوبة وينشر للناس أنه قد كذب هذه الوصية على رسول الله ﷺ لأن من نشر باطلا بين الناس ونسبه إلى الدين لم تصح توبته منه إلا بإعلانها وإظهارها حتى يعلم الناس رجوعه عن كذبه وتكذيبه لنفسه لقول الله : ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ

стр. 5823

بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللاَّعِنُون إِلاَّ الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا فَأُولَئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ فأوضح الله في هذه الآية الكريمة أم من كتم شيئا من الحق لم تصح توبته من ذلك إلا بعد الإصلاح والتبيين والله سبحانه قد أكمل لعباده الدين وأتم عليهم النعمة ببعث رسوله محمد ﷺ وما أوحى الله إليه من لشرع الكامل ولم يقبضه إليه إلا بعد الإكمال والتبيين كما قال : ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي﴾ الآية.

стр. 5824

ومفتري هذه الوصية قد جاء في القرن الرابع عشر يريد لأن يشرع للناس دينا جديدا يترتب عليه دخول الجنة لمن أخذ بتشريعه وحرمان الجنة ودخول النار لمن لم يأخذ بتشريعه ويريد أن يجعل هذه الوصية التي افتراها أعظم من القرآن وأفضل حيث افترى فيها أن من كتبها وأرسلها من بلد إلى بلد أو من محل إلى محل بني له قصر في الجنة ومن لم يكتبها ويرسلها حرمت عليه شفاعة النبي ﷺ يوم القيامة وهذا أوضح الدلائل على كذب هذه الوصية وقلة حياء مفتريها وعظم جرأته على الكذب لأن من كتب القرآن الكريم وأرسله من بلد إلى بلد أو من محل إلى محل لم يحصل على هذا الفضل إذا لم يعمل بالقرآن الكريم فكيف يحصل لكاتب هذه الفرية وناقلها من بلد إلى بلد ومن لم يكتب القرآن ولم يرسله من بلد إلى بلد لم يحرم شفاعة النبي ﷺ إذا كان مؤمنا به تابعا لشريعته وهذه الفرية الواحدة في هذه الوصية تكفي وحدها للدلالة علة بطلانها وكذب ناشرها ووقاحته وغباوته وبعده عن معرفة ما جاء به الرسول ﷺ من الهدى وفي الوصية سوى ما ذكر أمور أخرى كلها تدل على بطلانها وكذبها ولو أقسم مفتريها ألف قسم أو أكثر على صحتها ولو دعا على نفسه بأعظم العذاب وأشد النكال على أنه صادق لم يكن صادقا ولم تكن صحيحة بل هي والله من أعظم الكذب وأقبح الباطل ونحن نشهد الله سبحانه ومن حضرنا من الملائكة من اطلع على هذه الكتابة من المسلمين شهادة نلقى بها ربنا أن هذه الوصية كذب وافتراء على رسول الله ﷺ أخزى الله من كذبها وعامله بما يستحق ويدل على كذبها وبطلانها سوى ما تقدم أمور كثيرة: الأول: منها قوله فيها: "لأن من الجمعة إلى الجمعة مات مائة وستون ألفا على غير دين الإسلام، لأن هذا من علم الغيب والرسول ﷺ قد انقطع عنه الوحي بعد وفاته وهو في حياته لا يعلم الغيب فكيف بعد وفاته لقول الله سبحانه: ﴿قُلْ

стр. 5825

لا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلا أَعْلَمُ الْغَيْب﴾ الآية وقوله تعالى: ﴿قُلْ لا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ الْغَيْبَ إِلاَّ اللَّهُ﴾ وفي الحديث الصحيح عن النبي ﷺ أنه قال: "يذاد رجال عن حوضي يوم القيامة فأقول يا رب أصحابي أصحابي فيقال لي إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك فأقول كما قال العبد الصالح ﴿وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ . الثاني: من الأمور الدالة على بطلان هذه الوصية وأنها كذب قوله فيها "من كتبها وكان فقيرا أغناه الله أو مديونا قضى الله دينه أو عليه ذنب غفر الله له ولوالديه ببركة هذه الوصية"إلى آخره وهذا من أعظم الكذب وأوضح الدلائل على كذب مفتريها وقلة حيائه من الله ومن عباده لأن هذه الأمور الثلاثة لا تحصل بمجرد كتب القرآن الكريم فكيف تحصل لمن كتب هذه الوصية الكاذبة الباطلة، وإنما يريد هذا الخبيث التلبيس على الناس وتعليقهم بهذه الوصية حتى يكتبوها ويتعلقوا بهذا الفضل المزعوم ويدعوا الأسباب التي شرعها الله لعباده وجعلها موصلة إلى الغناء وقضاء الدين ومغفرة الذنوب نعوذ بالله من أسباب الخذلان وطاعة الهوى والشيطان.

стр. 5826

الأمر الثالث: من الأمور الدالة على بطلان هذه الوصية قوله فيها: "ومن لم يكتبها من عباد الله اسود وجهه في الدنيا والآخرة"وهذا أيضا من أقبح الكذب ومن أبين الأدلة على بطلان هذه الوصية وكذب مفتريها كيف يجوز في عقل عاقل أن من لم يكتب هذه الوصية التي جاء بها رجل مجهول في القرن الرابع عشر يفتريها على رسول الله ﷺ ويزعم أن من لم يكتبها يسود وجهه في الدنيا والآخرة ومن كتبها كان غنيا بعد الفقر وسليما من الدين بعد تراكمه عليه ومغفور له ما جناه من الذنوب، سبحانك هذا بهتان عظيم وإن الأدلة والواقع يشهدان بكذب هذا المفتري وعظم جرأته على الله وقلة حيائه من الله ومن الناس فهؤلاء أمم كثيرة لم يكتبوها فلم تسود وجوههم وهنا جم غفير لا يحصيهم إلا الله قد كتبوها مرات كثيرة فلم يقض دينهم ولم يزل فقرهم فنعوذ بالله من زيغ القلوب ورين الذنوب وهذه صفات وجزاءات لم يأت بها الشرع الشريف لمن كتب أفضل كتاب وأعظمه وهو القرآن الكريم فكيف تحصل لمن كتب وصية مكذوبة مشتملة على أنواع من الباطل وجمل من أنواع الكفر سبحان الله ما أحكمه على من اجترأ عليه بالكذب.

стр. 5827

الأمر الرابع: من الأمور الدالة على لأن هذه الوصية من أبطل الباطل وأضح الكذب قوله فيها "ومن يصدق بها ينج من عذاب النار ومن كذب بها كفر"وهذا أيضا من أعظم الجرأة على الكذب ومن أقبح الباطل يدعو هذا المفتري جميع الناس إلى أن يصدقوا بفريته ويزعم أنهم بذلك ينجون من عذاب النار وأن من كذب بها يكفر لقد أعظم على والله هذا الكاب على الله الفرية وقال والله غير الحق إن من صدق بها هو الذي يستحق أن يكون كافرا لا من كذب بها لأنها فرية وباطل وكذب لا أساس له من الصحة ونحن نشهد الله على أنها كذب وأن مفتريها كذاب يريد أن يشرع للناس ما لم يأذن به الله ويدخل في دينهم ما ليس منه والله قد أكمل الدين وأتمه لهذه الأمة من قبل هذه الفرية بأربعة عشر قرنا فانتبهوا أيها القراء والإخوان وإياكم والتصديق بأمثال هذه المفتريات وأن يكون لها رواج فيما بينكم فإن الحق عليه نور لا يلتبس على طالبه فاطلبوا الحق بدليله واسألوا أهل العلم عما أشكل عليكم ولا تغتروا بحلف الكذابين فقد حلف إبليس اللعين لأبويكم على أنه لهما من الناصحين وهو أعظم الخائنين وأكذب الكذابين كما حكى الله عنه ذلك في سورة الأعراف حيث قال سبحانه: ﴿وَقَاسَمَهُمَا إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ﴾ فاحذروه واحذروا اتباعه من المفترين فكم له ولهم من الأيمان الكاذبة والعهود الغادرة والأقوال المزخرفة للإغواء والتضليل عصمني الله وإياكم من شر الشياطين وفتن المضلين وزيغ الزائغين وتلبيس أعداء الله المبطلين الذين يريدون أن يطفئوا نور الله بأفواههم ويلبسوا على الناس بدينهم والله متم نوره وناصر دينه ولو كره أعداء الله من الشياطين وأتباعهم من لكفار والملحدين.

стр. 5828

وأما ما ذكره هذا المفتري من ظهور المنكرات فهو أمر واقع والقرآن الكريم والسنة المطهرة قد حذرا منها غاية لتحذير وفيها الهداية والكفاية ونسال الله أن يصلح أحوال المسلمين وأن يمن عليهم باتباع الحق والاستقامة عليه والتوبة إلى الله سبحانه من سائر الذنوب فإنه التواب الرحيم القادر على كل شيء وأما ما ذكر عن شروط الساعة فقد أوضحت الأحاديث النبوية ما يكون من أشراط الساعة وأشار القرآن الكريم إلى بعض ذلك فمن أراد أن يعلم ذلك في محله من كتب السنة ومؤلفات أهل العلم والإيمان وليس بالناس حاجة إلى بيان مثل هذا المفتري وتلبيسه ومزجه الحق بالباطل وحسبنا الله ونعم الوكيل ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، والحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم على عبده ورسوله الصادق الأمين وعلى آله وأصحابه وأتباعه بإحسان إلى يوم الدين.

стр. 5829

الغناء من علل المجتمع المسلم بقلم فضيلة الشيخ معوض عوض إبراهيم تحت عنوان "فتوى شرعية.. من عالم بالأزهر".. "الغناء المحتشم.. ليس حراما"وإلى جوار صورة إحدى الفتيات.. نشرت جريدة الأخبار القاهرية - كلاما نسبته لعالم أعرفه حريصا على أن يقول الحق.. ولهذا أبادر فأنكر نسبة هذا الكلام إليه إن لم يكن قد سقط بعضه أو أضيف إليه ما ليس منه. إن صوت المرأة في المعاملات الضرورية لا بأس به في دين الله، إن لم تتكلف المرأة اللين في كلامها من جهة وحين لا يكون في صوتها من جهة أخرى ما يغري بها رقاق الدين ومرضى الأفئدة.. والله تعالى يقول لأمهات المؤمنين وهو أدب معهن لمن وراءهم من بنات حواء: ﴿يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلاً مَعْرُوفاً﴾ الأحزاب ٣٢، قولا لا تنكره الشريعة ولا يجافي التصون والكمال فإن كان صوتها مما يطمع فإنها مأمورة بالغض منه والتصرف فيه عما يوقع في الإثم على غير إرادة منها والله تعالى يقول: ﴿إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً﴾ الإسراء ٢٩. والكلام الذي نشر على أنه فتوى "عالم من الأزهر"يكاد بعضه يصرع بعضا، وليس فيه بصيص من نور الشريعة وحتى يكون القراء على علم به، أنقل منه بأمانة هذه الفقرات.. "إن الغناء الذي لا يثير الفتن ولا يحرك الشهوات ولا يصد عن الواجبات لم يحرمه حديث شريف ولا سنة نبوية قال القاضي أبو بكر العربي – هكذا لم يصح في تحريم الغناء شيء!!.

стр. 5830

ثم يردف قائلا: "ولا شك أن الغناء المحرم هو المقترن بمجالس الخمر والسهر الحرام.. وهناك قيود لابد من مراعاتها لكي يكون الغناء مباحا، منها: ضرورة احتشام المغنية! وألا يخالف موضوع الغناء آداب الإسلام وأن يؤدي الغناء بطريق وقورة لا تميع فيها ولا إغراء ولا إثارة! ! ولابد أن تكون المعنية مرتدية الزي الشرعي الفضفاض السميك الذي لا يظهر غير الوجه والكفين ثم تجنبها التزين!!. ومعذرة فقد أكثرت من علامات التعجب التي تغني كل واحدة منها على كلام وكلام في هذا الكلام. ثم تقول الفتوى "هذا هو الرأي الشرعي في الغناء"مع التأكيد بأن معظم الغناء الذي تسمعه اليوم هو من النوع المحظور الحرام، وعلى المجتمع أن يتذكر قول الله تعالى "وذكرت الفتوى البسملة"ولو أنها تعوذت بالله لعصمها من هذا اللهث في غير طائل وكان ذلك هو الحق في القراءة، ثم ذكرت الفتوى بعد البسملة المقحمة في غير موضعها كما أقحم هذا الكلام كله على الدين باسم "عالم من الأزهر" قوله تعالى: ﴿إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً﴾ اه تلك هي الفتوى بقضها وقضيضها – كما يقولون – لا كما قلت: إنني أنقل منها فقرات إنصافا لما قيل وللقارئ حتى يكون على بينة من الأمر.. ثم أتساءل: أوكل دين الله – أيها الناس – هو الكلمة التي أوردتها الفتوى من كلام ابن العربي ﵀؟ ! وإذا سلمنا جدلا أنها من كلامه أهي كل ما قال ابن العربي في الغناء؟ وغناء المرأة بخاصة على ما يعرف الناس من مظاهر أمر المغنيات وأغانيهن وما يكون عليه الإيقاظ وغير الإيقاظ بين أيديهن في الاحفال التي يقذف فيها الشيطان بكل ضلاله. سكران: سكر هوى وسكر مدامة ومتى إفاقة من به سكران؟

стр. 5831

وليتنا نعي أقوال المفسرين لقول الله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّخِذَهَا هُزُواً..﴾ لقمان ٦. فإن فيما قالوا هدى لشداة الحلال وشريف الخصال، وشداة لأنفس الذين يؤثرون الحق على ممالأة الرجال، وقد قرأ ابن مسعود هذه الآية ثم قال: "الغناء والله الذي لا إله إلا هو"يرددها ثلاثا.. وروى عنه القرطبي ﵀ قوله "الغناء ينبت النفاق في القلب"وابن عمر وجمع غفير من الصحابة والتابعين وتابعيهم هم أعلا كعبا من أبي بكر ابن العربي على جلالته مع ابن مسعود فيما ذهب إليه من تفسير "لهو الحديث"بالغناء غناء الرجال أيها الرجال.. وإن القرطبي ليذكر من كلام ابن العربي "الغناء المعتاد الذي يحرك النفوس ويبعثها على الهوى والغزل والمجون و..، لا يختلف في تحريمه لأنه اللهو والغناء المذموم بالاتفاق فأما ما سلم من ذلك – والكلام لابن العربي – فيجوز القليل منه في أوقات الفرح كالعرس والعيد وعند التنشيط على الأعمال الشاقة كما كان في حفر الخندق.. فأما ما ابتدعته الصوفية اليوم من الإمعان على سماع الأغاني بالآلات المطربة من الشبابات والطار والمعازف والأوتار فحرام"اه ابن العربي.. ولقد ترجم البخاري – أيها الناس – باب كل لهو باطل إذا شغل عن طاعة الله ومن قال لصاحبه تعال أقامرك وقوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّخِذَهَا هُزُواً﴾ . وأود أن ينظر طالب المزيد المسألة الثالثة من تفسير القرطبي ﵀ للآية.. ففيها غنية وكفاية في الموضوع وفيها: - الغناء على الدوام - والكلام في غناء الرجال وليس منه غناء النساء بحال - سفه، ترد به الشهادة فإن لم يدم لا ترد.

стр. 5832

- أما مالك بن أنس فإنه نهى عن الغناء وعن استماعه وقال: إذا اشترى جارية ووجدها مغنية كان له ردها بالعيب ذلك – أيها الناس – في الجارية بعيبها وهو مذهب أهل المدينة إلا إبراهيم بن سعد. - أما مذهب أبي حنيفة فإنه يكره الغناء، ويجعل سماعه من الذنوب وهو مذهب سائر أهل الكوفة بإجماع ولا يعرف لأهل البصرة خلاف في ذلك إلا ما روي عن أبي الحسن العنبري. - وأما مذهب الشافعي فقال: الغناء مكروه يشبه الباطل ومن استكثر منه فهو سفيه ترد شهادته. - وذكر ابن الجوزي عن إمامه ابن حنبل ثلاث روايات: قال: وقد ذكر أصحابنا عن الخلال وصاحبه عبد العزيز إباحة الغناء وإنما أشاروا إلى ما كان في زمانهما من شعر الزهد قال.. وعلى هذا يحمل ما لم يكرهه الإمام أحمد.. ويدل عليه أنه سئل عن رجل مات وخلف ولدا وجارية مغنية فاحتاج الصبي إلى بيعها فقال: تباع على أنها ساذجة لا على أنها مغنية فقيل له: إنها تساوي ثلاثين ألفا ولعلها عن بيعت ساذجة تساوي عشرين ألفا؟ فقال: لا تباع إلا على أنها ساذجة قال ابن الجوزي: وإنما قال أحمد هذا لأن هذه الجارية المغنية لا تغني بقصائد الزهد بل بالأشعار المطربة المثيرة إلى العشق وإني ههنا لأسترعي انتباه القارئ على ما ذكر بعد من كلام ابن العربي من سماع القينات فلا ستكمل كلام أبي الفرج في قول القرطبي وهذا دليل على أن الغناء محظور إذ لو لم يكن محظورا ما جاز تفويت المال على اليتيم. - قال الطبري: فقد أجمع علماء الأمصار على كراهة الغناء والمنع منه وإنما فارق الجماعة إبراهيم بن سعد والعنبري وقد قال رسول الله ﷺ : "عليكم بالسواد الأعظم ومن فارق الجماعة مات ميتة جاهلية" وأورد أبو الفرج قول القفال برد شهادة المعني والرقاص.

стр. 5833

وقد استخلص القرطبي من هذه الأقوال حكما فقال "وقد ثبت أن هذا الأمر - غناء الرجال - لا يجوز، فأخذ الأجرة عليه لا يجوز وقد ادعى أبو عمر بن عبد البر الإجماع على تحريم الأجرة على ذلك ولفت الأنظار إلى تفسيره ﵀ الآية ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ﴾ الأنعام"وقال "وحسبك". ومن عجب أن أهل هذه الصناعة من الرعاية على المستويات العليا ما لا يجد كثيرون من البناة والدعاة والضرائب في بعض الأقطار تخفض عنهم بينما تتضاعف على إنتاج العلماء والمفكرين والصحف اليومية تذكر هذه الأيام أن متوسط دخل فلان من المغنيين في بعض أقطارنا الكبرى هو عشرون ألف جنيه شهريا!! ﴿وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى لِلَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ الشورى٣٦. وكنت على موعد مع القارئ أن أذكر له قول ابن العربي في غناء القينات فخذه من قول القرطبي "الرابعة: قال القاضي أبو بكر بن العربي: وأما سماع القينات فيجوز للرجل أن يسمع غناء جاريته – جاريته هو أيها الناس – إذ ليس شيء منها عليه حراما لا من ظاهرها ولا من باطنها فكيف يمنع من التلذذ بصوتها؟ أما أنه لا يجوز انكشاف النساء للرجال ولا هتك الأستار ولا سماع الرفث فإذا أخرج ذلك إلى ما لا يحل ولا يجوز منع من أوله واجتث من أصله.

стр. 5834

أما سماع الغناء من المرأة التي ليست بمحرم فإن أصحاب الشافعي قالوا: لا يجوز.. سواء كانت حرة أو مملوكة وقال الشافعي وصاحب الجارية إذا جمع عليها الناس لسماعها فهو سفيه ترد شهادته، ثم ذكر وصفا غليظا.. وإنما جعل صاحبها سفيها لأنه دعا الناس إلى الباطل ومن دعا الناس إلى الباطل كان سفيها"اه أيبقى مجال لتصديق ما أوردت الفتوى من القول المنسوب لابن العربي "لم يصح في تحريم الغناء شيء"وقول الذي أفتى "أن الغناء لم يحرمه حديث شريف ولا سنة نبوية"؟ ومع هذا فلا بأس بأن أورد لمن قالوا "الغناء المحتشم ليس حراما"من أصح كتابين بعد القرآن الكريم - البخاري ومسلم - عن عائشة ﵂ قالت: "دخل عليّ النبي ﷺ وعندي جاريتان تغنيان بغناء بعاث فاضطجع على الفراش وحول وجهه ودخل أبو بكر فانتهرني وقال: أمزمار الشيطان عند رسول الله ﷺ ؟ فأقبل عليه رسول الله ﷺ وقال دعهما، فلما غفل غمزتهما فخرجتا". أن الرسول لم ينكر على أبي بكر قوله عن الغناء – غناء جاريتين عند سيدة بما لا فحش فيه ولا شبهه –: "مزمار الشيطان"وإنما أقرهما الرسول لأنهما جاريتان غير مكلفتين تغنيان بغناء الأعراب الذي قيل يوم بعاث من الشجاعة والحرب، وكان اليوم يوم عيد. وقد حكى أبو عمرو بن الصلاح الإجماع على تحريم السماع الذي جمع الدف والشبابة فليرجع من شاء إلى فتاويه في ذلك ينتهي معه إلى قوله.. "ومن يتتبع ما اختلف فيه العلماء أو أخذ بالرخص من أقاويلهم تزندق أو كاد"اه

стр. 5835

وقال أبو سليمان الدراني "لو أخذت برخصة كل عالم، وزلة كل عالم، اجتمع فيك الشر كله"وقال ابن قيم الجوزية ﵀ في كتابه "إغاثة اللهفان": "قد تواتر عن الإمام الشافعي ﵁ قوله" خلفت ببغداد شيئا أحدثته الزنادقة يسمونه التغبير – وهو كما قال ابن دريد – تهليل أو ترديد صوت بقراءة وغيرها – يصدون به الناس عن القرآن فإذا كان قول الشافعي في التغبير – وهو من الرجال أيها الناس – وتعليله له أنه يصد عن القرآن وهو شعر مزهد في الدنيا يغني به مغن ويضرب بعض الحاضرين بقضيب على نطع أو حجرة على توقيع غناء فليت شعري ما يقول في سماع – التغبير عنده كنقطة في بحر – قد اشتمل على كل مفسدة وجمع كل محرم فالله بين دينه وبين كل متعلم مفتون وعابد جاهل وقد كتب خامس الخلفاء الراشدين عمر بن عبد العزيز لمؤدب ولده: ليكن أول ما يعتقدون من أدبك بغض الملاهي التي بدؤها من الشيطان وعاقبتها سخط الرحمن فإنه بلغني عن الثقات من أهل العلم أن صوت المعازف واستماع الأغاني واللهج بها ينبت النفاق في القلب كما ينبت العشب في الماء"ذكره الإمام ابن القيم. ولابن القيم ﵀ تنبيهان، في كتابه "إغاثة اللهفان"يصف في أولهما المعكوف على السماع بما يشمئز به عن السماع ذووا القلوب وساق المذاهب الأربعة في السماع.. ويذكر في ثاني التنبيهين في "إغاثة اللهفان"أن السماع من الأجنبيات من أعظم المحرمات وأشدها إفسادا للدين.. وقال فيه: وما خالف في الغناء إلا رجلان إبراهيم بن سعيد والعنبري فإن الساجي حكى عن الأول أنه كان لا يرى به بأسا أما الثاني فهو مطعون فيه"اه.

стр. 5836

لقد أرخيت للقلم العنان وما يزال للإفاضة في الغناء مكان فلا اجتزئ راضيا بقول أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز: "ما ساح السياح وخلوا ديارهم وأولادهم إلا لمثل ما نزل بنا حين رأوا الشر قد ظهر والخير قد اندرس ورأوا الفتن ولم يؤمنوا أن تغيرهم وأن ينزل العذاب بأولئك القوم فلا يسلمون منه فرأوا أن مجاورة السباع وأكل البقول خير من مجاورة هؤلاء في نعيمهم ثم قرأ ﴿فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ الذاريات ٥٠". قال: "فر قوم فلولا ما جعل الله جل ثناؤه في النبوة ما جعل لقلنا ما هم بأفضل من هؤلاء فمما بلغنا أن الملائكة لتلقاهم وتصافحهم والسحاب والسباع تمر بأحدهم فيناديها فتجيبه ويسألها أين أمرت؟ فتجيبه وليس بنبي". والله المسؤول أن يرينا الحق حقا ويرزقنا اتباعه وأن يرينا الباطل باطلا ويرزقنا اجتنابه وأن لا يجعله ملتبسا علينا فنضل ونهلك وطوبى لمن آثر الحق فظاهره وآثره وإن تركه وما له من صديق. معوض عوض إبراهيم الباحث العلمي برئاسة البحوث العلمية والإفتاء

стр. 5837

الإخاء الإسلامي قوة وعطء وانتصار لفضيلة الشيخ أحمد عبد الرحيم السايح الإخاء الإسلامي.. هو الأصل الأصيل في بناء دولة الإسلام. وقيام الأمة الإسلامية.. "ولقد كان العرب - قبل الإسلام - والناس معهم على شفا حفرة من النار. متشاكسون. متنافرون، متحاربون، سنين طويلة، من أجل ناقة، فنزلت الآيات.. قيل لهم: تحابوا فتحابوا. قيل لهم: تآخوا فتآخوا. ثم قيل لهم: انفروا. فهبوا خفافا وثقالا.. تنزلت الآيات.. فقالوا: سمعنا وأطعنا. ومؤمنو مكة. على اختلاف قبائلهم ما عرفنا لهم اسما في التاريخ إلا المهاجرين ومؤمنو المدينة ما عرفنا لهم اسما في التاريخ إلا الأنصار فإذا بالفرقاء والمتشاكسون دولة" [١] . والإسلام لم يكتف بإطلاق اسم المهاجرين. على المؤمنين من أهل مكة الذين هاجروا إلى المدينة.. ولم يكتف أيضا بإطلاق اسم الأنصار على قبيلتي الأوس والخزرج، أبناء قيلة.. مع أن إطلاق اسم الأنصار والمهاجرين كافيا لإعطاء العمق الإسلامي الأصيل. لم يكتف الإسلام بهذا. ولذا نجد رسول الله ﷺ يبدأ في البناء الأخوي الكامل. ليقيم دولة الإسلام. على أساس سليم.. قال ابن إسحاق: "وآخى رسول الله ﷺ بين أصحابه من المهاجرين والأنصار فقال فيما بلغنا: "تآخوا في الله أخوين أخوين" [٢] . قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّأُوا الدَّارَ وَالإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [٣] .

стр. 5838

لقد بلغ المسلمون الأوائل في الإيثار - بكل ما تشمله كلمة إيثار من معنى ومفهوم ومدلول - بلغوا درجة عليا. ومكانة عظمى. بما وقر في قلوبهم من إيمان. وبما أشرق في نفوسهم من يقين.. إن قوة الإيمان بالله، والتصديق برسوله ﷺ . تجعل النفس الإنسانية. تشرق بالكثير من صفات الخير. وتتخلق بالآداب والفضائل العظيمة.. ولقد صنع ذلك الإيمان وهذا التصديق. جماعة اصطبغ سلوكهم بالشمائل الجليلة.. فكانوا يؤثرون إخوانهم بأموالهم. وديارهم. على أنفسهم. ويتنازلون عن قسمهم في الغنائم من أجلهم، ويقدمون حاجة إخوانهم على حاجتهم، حبا لهم، ورغبة في أخوتهم [٤] . والإيثار في الإسلام هو: تقديم الغير على النفس وحظوظها الدنيوية رغبة في الحظوظ الدينية، وذلك ينشأ عن قوة اليقين، وتوكيد المحبة، والصبر على المشقة، يقال: آثرته بكذا أي خصته به وفضلته [٥] . والذين سكنوا المدينة. وأشربت قلوبهم حب الإيمان، من قبل هجرة أولئك المهاجرين.. لهم صفات كريمة وشيم جليلة، تدل على كرم النفس ونبل الطباع، [٦] ولذا كانوا يقدمون المحاويج على حاجة أنفسهم، ويبدأون بالناس قبلهم، وفي حال احتياجهم إلى ذلك.. وهؤلاء تصدقوا به، وهم يحبون ما تصدقوا به، وهؤلاء آثروا على أنفسهم مع خصاصتهم وحاجتهم إلى ما أنفقوه [٧] . وجاء أن رسول الله ﷺ قسم أموال بني النضير على المهاجرين ولم يعط الأنصار إلا ثلاثة نفر: أبا دجانة سماك بن خرشة، وسهل بن حنيف، والحارث بن الصمة. وقال لهم: "إن شئتم قسمتم للمهاجرين من أموالكم ودياركم، وشاركتموهم في هذه الغنيمة، وإن شئتم كانت لكم دياركم وأموالكم ولم يقسم لكم شيء من الغنيمة". فقالت الأنصار: بل نقسم لهم من أموالنا وديارنا، ونؤثرهم بالغنيمة ولا نشاركهم فيها [٨] .

стр. 5839

وقال رسول الله ﷺ للأنصار: "إن إخوانكم قد تركوا الأموال والأولاد وخرجوا إليكم"فقالوا: أموالنا بيننا قطائع.. فقال رسول الله ﷺ أو غير ذلك؟ قالوا: وما ذاك يا رسول الله؟ قال: هم قوم لا يعرفون العمل فتكفونهم وتقاسمونهم التمر ". فقال لله" [٩] . وعن أبي هريرة ﵁ قال: قالت الأنصار للرسول ﷺ : أقسم بيننا وبين إخواننا النخيل.. فقال الرسول: لا. فقالوا: المهاجرون - أتكفوننا المؤنة ونشرككم في الثمرة؟ قالوا: سمعنا وأطعنا [١٠] . نعم.. إن الإيمان الصادق. إذا صادف قلوبا. هيئت له، تمكن فيها ونما، وترعرع، وأشرقت آثاره على من حولها، وسعى أصحاب هذه القلوب المؤمنة، في بذل ما يرضي من حولهم من المسلمين. وكان أصحاب رسول الله ﷺ . من خيرة من تمسك بفضيلة الإيثار.. حرصا على أخوة الإسلام. وتواددا في ظلال الإيمان.. قال تعالى: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ﴾ [١١] . وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْ بَعْدُ وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا مَعَكُمْ فَأُولَئِكَ مِنْكُمْ..﴾ [١٢] . والمؤاخاة في الناس. قد تكون على وجهين [١٣] : أحدهما: أخوة مكتسبة بالاتفاق الجاري مجرى الاضطرار. والثانية: أخوة مكتسبة بالقصد والاختيار. فأما المكتسبة بالاتفاق.. فهي أوكد حالا، لأنها تنعقد عن أسباب تعود إليها.. والمكتسبة بالقصد. تعقد لها أسباب. تنقاد إليها، وما كان جاريا بالطبع. فهو ألزم مما هو حادث بالقصد. أما المكتسب بالاتفاق فله أسباب.. ما له هوى إلا له سبب يبتدي منه وينشعب وأول أسباب الإخاء: التجانس في حال يجتمعان فيها، ويأتلفان بها، إن قوى التجانس. قوى الائتلاف به، وإن ضعف كان ضعيفا، ما لم تحدث عليه علة أخرى، يقوى بها الائتلاف.

стр. 5840

وإنما كان كذلك. لأن الائتلاف بالتشاكل، والتشاكل بالتجانس، فإذا عدم التجانس من وجه انتفى التشاكل من كل وجه، ومع انتفاء التشاكل يعدم الائتلاف.. فثبت أن التجانس وإن تنوع أصل الإخاء. وقاعدة الائتلاف. وقد روى يحيى بن سعد عن عمر، عن عائشة ﵂. عن النبي ﷺ أنه قال: "الأرواح جنود مجندة فما تعارف منها ائتلف. وما تناكر منها اختلف" فالأرواح بالتجانس متعارفة، وبفقده متناكرة. قال الشاعر: فلا تحتقر نفسي وأنت خليها فكل امرئ يصبو إلى من يشاكل وقال آخر: فقلت أخي قالوا أخ من قرابة فقلت لهم إن الشكول أقارب نسيبي في رأيي وعزمي وهمتي وإن فرقتنا في الأصول المناسب ثم يحدث بالتجانس. المواصلة بين المتجانسين، وهي المرتبة الثانية من مراتب الإخاء. وسبب المواصلة بينهما وجود الاتفاق بينهما. فصارت المواصلة نتيجة التجانس.. والسبب فيه وجود الاتفاق. لأن عدم الاتفاق منفر. وقد قال الشاعر: الناس إن وافقتهم عذبوا أولا فإن جناهم مر كم من رياض لا أنيس بها تركت لأن طريقها وعر ثم يحدث عن المواصلة رتبة ثالثة وهي المؤانسة. وسببها: الانبساط. ثم يحدث عن المؤانسة رتبة رابعة وهي المصافاة. وسببها: خلوص النية.. ورتبة خامسة.. وهي المودة وسببها الثقة. وهذه الرتبة هي أدنى الكمال، في أحوال الإخاء. وما قبلها أسباب تعود عليها. فإن اقترن بها المعاضدة.. فهي الصداقة، ثم يحدث عن المودة، رتبة سادسة، وهي المحبة، وسببها: الاستحسان، فإن كان الاستحسان لفضائل النفس. حدثت رتبة سابعة. وهي الإعظام. وإن كان الاستحسان للصورة والحركات حدثت رتبة ثامنة، وهي العشق، وسببه الطمع. وقد قال المأمون رحمه الله تعالى: أول العشق مزاح وولع ثم يزداد إذا زاد الطمع كل من يهوى وإن عالت به رتبة الملك لمن يهوى تبع

стр. 5841

وهذه الرتبة آخر الرتب المعدودة. وليس لما جاوزها رتبة مقدرة. ولا حالة محدودة، لأنها قد تؤدي إلى ممازجة النفوس. وإن تميزت بذواتها، وتفضي إلى مخالطة الأرواح. وإن تفارقت أجسادها.. وهذه حالة لا يمكن حصر غايتها، ولا الوقوف عند نهايتها.. وقد قال الكندي: الصديق إنسان هو أنت إلا أنه غيرك.. ومثل هذا المروي عن أبي بكر الصديق ﵁ حين أقطع طلحة بن عبيد الله أرضا، وكتب له بها كتابا، وأشهد فيه ناسا. منهم عمر بن الخطاب ﵁ فأتي طلحة بكتابه إلى عمر ليختمه، فامتنع عليه عمر.. فرجع طلحة إلى أبي بكر ﵁ وقال: والله ما أدري أنت الخليفة أم عمر؟ فقال: بل عمر لكنه أنا [١٤] .. أما المؤاخاة المكتسبة بالقصد.. فلابد لها من داع يدعو إليها، وباعث يبعث عليها.. وقد يكون الداعي لها من وجهين: رغبة وفاقة.. فأما الرغبة فهي أن يظهر من الإنسان فضائل تبعث على إخائه، ويتوسم بجميل يدعو إلى اصطفائه.. وأما الفاقة.. فهي أن يفتقر الإنسان لوحشة انفراده، ومهانة وحدته، إلى اصطفاء من يأنس بمؤاخاته، ويثق بنصرته وموالاته [١٥] .. وأعز ما تملكه الجماعات الإخاء فهو الرصيد الثابت، والقاعدة الصلبة والمرتكز الصاعد. والأخوة في الإسلام. قاعدة الحياة ولا حياة بدون إخاء. وإخوان..والأخوة في الإسلام فوق كل الحاجز الجنسية، والعرقية. والقومية، والحزبية، والسياسية، وهي في الإسلام على أصول أصيلة، وقواعد متينة. ومن ذلك وحدة الأصل الإنساني فالناس جميعا على اختلاف أجناسهم، وتمايز ألوانهم، وتباعد أقطارهم، يرجعون إلى أب واحد، وأصل واحد، ولطالما ذكر القرآن الكريم هذه الحقيقة وبينها في أساليب شتى، وآيات متعددة، لكي تكون دائما موضع الاعتبار، والرعاية. قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا..﴾ [١٦]

стр. 5842

فهذه الآية العظيمة – كما ترى – تقرر أصلا من أصول الإسلام، وهو المساواة بين الناس.. ولقد قررت هذه الآية. مبدأ ضخما من المبادئ الإنسانية السامية.. فهي من معجزات هذا القرآن الذي أنزله الله ضياء للناس ونورا. يهتدون به، وبرهانا ساطعا ينير السبل أمامهم [١٧] . وكان العالم قبل انبثاق نور الإسلام. يموج في الظلم، ويضطرب في الفساد، وتسوده الهمجية، والعصبية الجاهلية، وتخيم عليه ضلالات العصور القديمة، وقد نشر الرعب أجنحته على الدنيا وزاد الفساد، وتفاخر بالأنساب، وعاشوا تحت ظل نظام الطبقات.. في هذه الظلمة الداكنة، ينبثق فجر الإسلام، فتبدد أنواره، تلك الغيوم السوداء،.. وتنزل هذه الآية الكريمة، لتقرر مبدأ إنسانيا عظيما.. وهو إعلان المساواة بين البشر، كل البشر [١٨] . ويهتم القرآن الكريم بالإنسانية والبشرية، اهتماما يفوق حد الوصف. وهذه كلمة "الناس"يتكرر استعمالها في أساليب القرآن الكريم نحوا من مائة وأربعين مرة.. كثير منها جاء خطابا للبشر عموما. وكثير منها ورد دالا على الجنس البشري. وهذه أيضا كلمة "الإنسان"تستعمل في آيات القرآن الكريم، في لأكثر من ثمانين موضعا.. في أساليب متنوعة. عائدة بالمفكر والعاقل، إلى أصل الإنسان. ولا شك أن استعمال "الناس"و "الإنسان"بهذا الاهتمام يخلق في المسلم تربية إنسانية، تعجز عن الوصول إليها أساليب رجال التربية الحديثة، أمثال: جان جاك روسو، وهربارت سبنسر، وجون ديوي، ووليم جيمز،.. وغيرهم من فلاسفة التربية، حتى كلمة البشر الدالة على الجنس الإنساني الواحد، تستعمل في القرآن الكريم، في أكثر من خمس وثلاثين آية، وهكذا يهتم القرآن الكريم. بكل ما من شأنه أن يوقظ في الناس، أحاسيس الإنسانية، ويربي الخلق الإنساني.. والإسلام جاء ليقيم بين البشر رابطة الإنسانية القائمة على ارتباط البشر جميعا بالله خالق الأرض والسموات.

стр. 5843

"وفي إنشاء جميع البشر من نفس واحدة، لآيات بينات على قدرة الله وعلمه وحكمته ووحدانيته.. وفي التذكير بذلك إيماء إلى ما يجب من شكر نعمته، وإرشاد إلى ما يجب من التعاون والتعارف بين البشر. وأن يكون هذا التفرق إلى شعوب وقبائل مدعاة على التأليف. لا إلى التعادي والتقاتل وبث روح العداوة والبغضاء بين الناس" [١٩] . وعن أبي مالك الأشعري قال: قال رسول الله ﷺ : "إن الله لا ينظر إلى أحسابكم ولا إلى أنسابكم. ولا إلى أجسامكم ن ولا إلى أموالكم، ولكن ينظر إلى قلوبكم. فمن كان له قلب صالح تحنن الله عليه وإنما أنتم بنو آدم، وأحبكم إليه أتقاكم" [٢٠] . والمسلمون هم أحق الناس بالحفاظ على الأخوة. وأجدر الناس باتباع هدى القرآن، وتعاليم الرسول ﷺ . ومن الأصول الأصيلة للأخوة في الإسلام وحدة العقيدة.

стр. 5844

ووحدة العقيدة من أهم الركائز لوحدة المسلمين، وتكامل أخوتهم. وعقيدة المسلمين واحدة. لا تختلف باختلاف جنس من الأجناس. أو لون من الألوان، أو مصر من الأمصار، أو جيل من الأجيال، أو زمن من الأزمان، هذه العقيدة قائمة وتقوم على الإيمان بالله. وبرسول الله، وبكل ما في القرآن.. وأن الإسلام هو الإسلام.. والقرآن هو القرآن.. ومن آيات العقيدة في القرآن قول الله تعالى: ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَالْمَلائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾ [٢١] . قال الإمام ابن كثير: اشتملت هذه الآية على جمل عظيمة، وقواعد عميمة وعقيدة مستقيم [٢٢] . والآية كما نرى مشتملة على خمسة عشر خصلة.. وترجع إلى ثلاثة أقسام: فالخمسة الأولى منها تتعلق بالكمالات الإنسانية التي هي من قبيل صحة الاعتقاد. وآخرها قوله: "والنبيين" وافتتحها بالإيمان بالله واليوم الآخر لأنهما إشارة إلى المبدأ والمعاد. والستة التي بعدها تتعلق بالكمالات النفسية التي هي من قبيل حسن المعاشرة العباد وأولها (وآتى المال) وآخرها (وفي الرقاب) . والأربعة الأخيرة تتعلق بالكمالات الإنسانية التي هي من قبيل تهذيب النفس وأولها (وأقام الصلاة) وآخرها (وحين البأس) ولعمري من عمل بهذه الآية فقد استكمل الإيمان ونال أقصى مراتب الإيقان [٢٣] .

стр. 5845

وعقيدة الإسلام واحدة لدى كل المسلمين في شرق الأرض وغربها، وشمالها وجنوبها، تجتمع عليها قلوبهم. وتحفظها عقولهم. وتستيقنها نفوسهم، ووحدة العقيدة، جددت بين المسلمين، ما مضى من قرابة الدم القائمة بينهم. وإذا كانت أبوة آدم ﵇، أبوة مادية، تجمع بين الأمة الإسلامية. وتوحد بينها في الأصل، فإن العقيدة الإسلامية، هي أبوة روحية. ترجع إليها فروع المؤمنين. والحق أن المؤمن حينما يستشعر جلال هذا الأصل الروحي، الذي يجمعه وإخوانه المؤمنين، في مشارق الأرض ومغاربها إلى جانب الأصل المادي الذي يرجعه معهم على أبوة واحدة. فإنه حينئذ يشعر أنه إنما يحيا بإخوانه، ويحيا لهم ويحس كأنه غصن من أغصان شجرة عظيمة، يحيا بحياتها ويموت بموتها [٢٤] . وإن رابطة العقيدة في الإسلام – وهي رابطة في المبادئ والمثل العليا والقيم الرفيعة – من أقوى عوامل التقدم والازدهار. وتلك التعاليم هي أعلى وأقوى من رابطة الدم. والنسب، والمساكنة، في الوطن. والمشاركة في القومية. وهذا الأساس هو المنطلق الوحيد، للخروج من قوقعة الأنانيات الفردية، والقبلية والقومية. إلى صعيد اللقاء الإنساني. على أساس المبادئ. مبادئ الحق، والعدل، والخير، وفي هذا الإطار التربوي النفسي ذاته، عالج الإسلام النفس الإنسانية إعدادا لها، لتحقيق المعارف، والتعاون. فعالج آفاتها وأمراضها الحائلة دون التعاون. كالحقد والحسد والغل، التي تثيرها دوافع النفعية للذات الفردية أو القبلية أو القومية [٢٥] .

стр. 5846

والأصل الثالث في أصول الأخوة الإسلامية وحدة مصدر التشريع.. ومصدر التشريع واحد لدى المسلمين.. وهو القرآن الكريم. كتاب الله الذي أنزله ليكون دستور الخالق في إصلاح الخلق. ينظم الحياة. ويعالج النفوس، ويقوم اعوجاج المجتمع، قال تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِناً عَلَيْهِ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجاً وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ وَإِنَّ كَثِيراً مِنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ﴾ [٢٦] . وقال تعالى: ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدىً لِلْمُتَّقِينَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ أُولَئِكَ عَلَى هُدىً مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [٢٧] . وقال تعالى: ﴿قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [٢٨] .

стр. 5847

وأن الله ذكر للنور ثلاث فوائد: الأول: أنه يهدي به الله من اتبع رضوانه سبل السلام أي أن من اتبع منهم ما يرضيه تعالى بالإيمان بهذا النور، يهديه الطريق التي يسلم بها في الدنيا والآخرة. من كل ما يرديه ويشقيه، فيقوم في الدنيا بحقوق الله تعالى. وحقوق نفسه الروحية والجسدية، وحقوق الناس، فيكون متمتعا بالطيبات. مجتنبا للخبائث، نقيا، مخلصا، صالحا، مصلحا. ويكون في الآخرة سعيدا منعما جامعا بين النعيم الحسي والجسدي والنعيم الروحي العقلي. الثانية: الإخراج من ظلمات الجهل والوثنية. إلى نور التوحيد الخالص. حيث يصبح الإنسان حرا كريما بين الخلق، عبدا خاضعا بين يدي الخالق وحده. الثالثة: الهداية إلى الصراط المستقيم، وهو الطريق الموصل إلى المقصد والغاية من الدين. في أقرب وقت. لأنه طريق لا عوج فيه، ولا انحراف، فيبطئ سالكه، أو يضل في سيره.. وهو أن يكون الاعتصام بالقرآن الكريم على الوجه الصحيح الذي أنزله الله تعالى لأجله. بأن تكون عقائده. وآدابه، وأحكامه، مؤثرة في تزكية النفس، وإصلاح القلب، وإحسان الأعمال. وثمرة ذلك سعادة الدنيا والآخرة. بحسب سنن الله في خلق الإنسان [٢٩] .. والقرآن الكريم هو وحده القادر على تحديد علاقة الإنسان بالوجود كله والقرآن الكريم هو وحده القادر على أن يرسم للمجتمع الإسلامي الخطوط السليمة. ويضع له الحوافظ التي تحفظ الإنسانية. من التردي والهلاك.. والقرآن الكريم هو وحده الذي توجد فيه الحلول المنطقية المقبولة لكل ما وراء الحواس. وهو وحده الذي توجد فيه الحلول العملية لكل الجوانب وبهذا كان القرآن الكريم غنيا بكل جوانب الحياة الروحية والعقلية والجسمية.. والقرآن الكريم هو وحده القادر على إذكاء روح الأخوة الإسلامي وتدعيم المحبة بين المسلمين. .

стр. 5848

وما دام القرآن الكريم يعمل على وحدة الصف الإسلامي.. فلا غرو أن يأمر الله المسلمين إن دب بينهم نزاع بأن يرجعوا إلى كتاب الله.. قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً﴾ [٣٠] . فالرجوع عند التنازع في أي أمر إلى كتاب الله. وسنة رسول الله شرط في الإيمان. وذلك كله خير محض لا شر فيه أبدا.. ومن العجيب أن تشاهد تنازعا واختلافا بين الأخوة المسلمين. يؤدي على تحرك أجهزة الإعلام كلها. لتلقى الشتائم والسباب. والتهم.. وإن هذا الأمر محزن ومؤلم.. ولا يصح أن يكون بين المسلمين.. ولا شك أن المذاهب الهدامة. والأحزاب البغيضة لها اثر فعال في توسيع هوة الخلاف والاختلاف. والمسلمون أخوة بنص القرآن الكريم قال تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ [٣١] . . أخوة في الدين والحرمة لا في النسب، ولهذا قيل: أخوة الدين اثبت من أخوة النسب. فإن أخوة النسب تنقطع بمخالفة الدين وأخوة الدين لا تنقطع بمخالفة النسب [٣٢] .

стр. 5849

وأخوة الدين أحق وأجدر أن يهتم لها، ويصلح ما بين المؤمنين. لأنها أخوة بنص كتاب الله تعالى. والله هو الذي عقد هذه الأخوة وما عقده الله ﵎ لا تحله يد بشر. مهما قويت. وسطتن وظلمت. ومن عجيب أمر هذه الآية الكريمة. أنها جاءت وكأنها قررت أمرا واقعا مفروغا منه، لا يرد ولا يصد. فقالت: "إنما المؤمنون إخوة"هذا حكم الله، وهكذا أخبر عن هذا العقد الذي ربطه في السماء بين المؤمنين مهما اختلفت أجناسهم. وتباينت لغاتهم. وتباعدت أقطارهم. وتناءت ديارهم. فهم اخوة، تجمعهم عقيدة خالدة، ورسالة واحدة. وهكذا جاءت الجملة خبرية، تقرر واقعا عظيما وتخبر عنه فقالت: "إنما المؤمنون إخوة"ولم تأت الجملة إنشائية ن إذ لم جاءت الآية إنشائية. لكانت الأخوة غير موجودة. ولكنه ربط قلوب المؤمنين برباط واحد، وعقد هذا الرباط. ثم أخبر عن هذه الحقيقة الثابتة الواقعة، وقضى فيها بحكمة فقال: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ ثم ثنى بتقرير هذه الحقيقة رسول الله ﷺ حين قال: "المسلم أخو المسلم أحب أو كره" كما قال ﵊: "المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يخذله ولا يعيبه. ولا يتطاول عليه في البنيان فيستر عنه الريح إلا بإذنه، ولا يؤذيه بقتار قدره".وفي سنن أبي داود، عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: "المؤمن مرآة المؤمن. المؤمن أخو المؤمن. يكف عنه ضيقه ويحوطه من ورائه".. وهكذا فهم الصحابة الكرام هذه الأخوة. وعاشوا فيها ولها، وأصبحوا بفضل الله تعالى إخوانا.. دعوتهم واحدة، وأمرهم واحد.. تقاسموا الحب فيما بينهم، وآثروا إخوانهم على أنفسهم. فقاسموهم الأموال، ووصلوا إلى درجة من الإيثار. أن يقول الصاحب لصاحبه:: هذا مالي جعلته بيني وبينك. وهاتان زوجتاي اختر أيتهما تشاء لتتزوجها أنت [٣٣] .

стр. 5850

والأخوة في الإسلام أسلوب تربوي وسلوك عملي، يسمو بالمسلمين، ويصل بهم إلى ذروة مراقي الفلاح والنصر.. وآثار الأخوة تبدو واضحة في التعاون الذي قام بين المسلمين. فجعل منهم أمة واحدة. تخوض المعارك بإيمانها بالله. وبنصر الله. لم تكن هذه الأمة القائمة على الأخوة. تعرف اليمين ولا اليسار. ولا التقدمية، ولا الثورية، ولا الحزبية، ولا جبهة السلام. ولا جبهة الرفض، ولا غير ذلك من حركات أريد بها شغل العالم الإسلامي، وتمزيق أخوته ووحدته، وسوف يبقى المسلمون في أشد الحاجة إلى الأخوة الإسلامية، لأنها السياج الذي يقي المجتمع من التعثر والتبعثر. والأمة الإسلامية تحتاج إلى الجامعة الإسلامية المتكاملة في الإخاء الإسلامي الذي لا يعرف ولا يعترف بالحزبية، ولا العصبية، ولا القومية، ولا الإقليمية. ولا المذاهب الفكرية. وقد أتم الله للمسلمين، وحدة الأصل، ووحدة العقيدة، ووحدة المصدر، ووحدة الشعور، ووحدة الصف، ووحدة العادات. وكانت آثار ذلك واضحة. سواء في معارك بدر. والقادسية، واليرموك، وحطين، وعين جالوت، والعاشر من رمضان. وغير ذلك من معارك المسلمين التي خاضوها في سبيل الله. وسواء في الحب في الله والتعاون المثمر، والتكامل والمساواة والعدل والشورى والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. ومن منطلق الأخوة الإسلامية كانت أمتنا ولا زالت تملك رصيدا ضخما، يمكن استثماره، لتحقيق الإخاء الإسلامي العظيم والذي يجعلنا نحس بإخواننا المسلمين في الفلبين. وأريتريا، وبلغاريا، وفلسطين، وتايلند، وبخارى، والتركستان. وغيرها من المناطق التي يئن فيها المسلمون توجعا وألما. والذي يجعلنا أيضا نعتز بالانتماء الإسلامي. ونرفض كل ما عدا الإسلام من الماركسية والتقدمية. وغيرهما من الأسماء التي أبدعها القاموس الشيوعي الإلحادي.
следующие страницы →