← Джавами‘

Джавами‘ · id 4473

مجلة الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (23 804 стр.). Показаны 6021–6060 · переход к 6026.

стр. 6021

ويستدل الباقلاني على صحة هذا الأصل بما تضمنه القرآن من آيات التحدي, من مثل قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِّنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ﴾ [٢٦] , جعل عجزهم عن الإتيان بمثله دليلا على أنه منه، ودليلا على وحدانيته. ولقد كانت قضية التحدي مثار اهتمام الباقلاني.. خاصة وهو بصدد الدفاع عن القرآن، فنراه يشبعها تحليلا وتدليلا، إثباتا لصدق النبوة، وتدعيما لوجه الدلالة، وردّا على الملحدين والمتكلمين عامة، والمعتزلة خاصة، الذين أثاروا قضية (الصرفة) . فإذا ما أثبت الباقلاني معجزة النبوة, وإذا ما أصّل الأصول التي اعتمدها في بيان وجه الدلالة على أن القرآن معجز في ذاته.. انتقل الباقلاني إلى صلب موضوعه وهو تحديد وجوه إعجاز القرآن.. وهنا تبدأ المرحلة الثالثة.. مرحلة التحديد، بعد أن اجتاز مرحلتي التمهيد، والتفنيد. يقرّر الباقلاني في الفصل الثالث من كتابه (إعجاز القرآن) أن هذا الإعجاز إنما يردّ إلى ثلاثة أوجه: ١- تضمنه الإخبار عن الغيوب. ٢- وما فيه من القصص الديني وسير الأنبياء مما روتْهُ الكتب السماوية مع أن الرسول ﷺ كان أميّا لا يقرأ ولا يكتب. ٣- ثم بلاغته.

стр. 6022

فأما الوجه الأول: فقد استدل عليه بما وعد الله تعالى نبيه ﵇ أنه سيظهر دينه على الأديان بقوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ﴾ [٢٧] ففعل ذلك.. وكان أبو بكر الصديق ﵁ إذا أغزى جيوشه عرفهم ما وعدهم الله من إظهار دينه ليثقوا بالنصر، ويستيقنوا بالنجح، وكان عمر بن الخطاب ﵁ يفعل كذلك في أيامه حتى وقف أصحاب جيوشه عليه ... وأما الوجه الثاني: فإنه معلوم من حال النبي ﷺ أنه كان أميّاً لا يكتب ولا يحسن أن يقرأ، وكذلك كان معروفا من حاله أنه لم يكن يعرف شيئا من كتب المتقدمين وأقاصيصهم وأنبائهم وسيرهم، ثم أتي بجملة ما وقع وحدث من عظيمات الأمور، ومهمات السير، من حين خلق الله آدم ﵇ إلى حين مبعثه. وأما الوجه الثالث.. فإنه بديع النظم، عجيب التأليف، متناه في البلاغة إلى الحد الذي يعلم عجز الخلق عنه.. ولما كان الباقلاني من علماء اللغة والأدب والبلاغة، فقد ركّز شرحه على هذا الوجه الأخير، فتحدث عن جمال نظم القرآن حديثا مسهبا.. يتضح منه مفهومه ونظريته في إعجاز القرآن. إنه لم يرض أن يترك هذا الوجه دون أن يحدّد قسماته ويبيّن معالمه، ويوضّح سماته، وما عناه بالنظم، من هنا وجدناه يحلّل هذا الوجه البلاغي تحليلا دقيقا، ينمّ عن سعة إطلاع ورسوخ في العلم، ودقة في الفهم معاً.. لقد أرجع الباقلاني جمال النظم القرآني إلى مجموعة وجوه تتسم بالدقة والعمق، وتدل على ترابط جزئيات الموضوع في ذهنه.. منها ما يرجع إلى الجملة، ومنها ما يرجع إلى الفصاحة، ومنها ما يرجع إلى النظم، واستوائه وحسن رصفه، ومنها ما يرجع إلى غزارة المعاني، ومنها ما يرجع إلى تأثير الكلمة في الأسماع..

стр. 6023

وواضح من تقسيماته وتفريعاته أنه متأثر في الشطر الأول من نظريته بفكرة الجاحظ، التي ذهب فيها إلى أن مرجع الإعجاز في القرآن إلى نظمه وأسلوبه العجيب المباين لأساليب العرب في الشعر والنثر وما يُطْوى فيه من سجع [٢٨] . وأما في الشطر الثاني فقد تأثر الباقلاني بفكرة الرُّمَّاني، التي ذهب فيها إلى أن القرآن يرتفع إلى أعلى طبقة من طبقات البلاغة [٢٩] . وعلى الرغم من أن الباقلاني قد اشبع هذه الوجوه العشر البلاغية شرحا وتحليلا وتفسيرا وتمثيلا, وألحق بكل منها ما يؤيد وجهة نظره، واستشهد بالكثير من الشواهد الشعرية والنثرية.. والآيات القرآنية.. إلاّ أنه وجد أنّ هذا الشرح غير كاف، وهذا التعليل غير شاف، فنراه يلحق بهذا الفصل الثالث فصلا رابعا، لا يتناول فيه موضوعا جديداً، بل إنه يعاود شرح ما سبق أن ذكره وبيّنه من وجوه، وواضح أنه قد فاته بعض المسائل لم يستطع أن يدرجها أثناء الشرح فألحقها به. إنه يتناول وجهاً وجهاً من الوجوه الثلاثة التي حددها للإعجاز القرآني ليعاود الكلام عليها ولكن بتركيز شديد وبشواهد جديدة.. ثم يختم هذا الفصل التفسيري المركّز بالكلام عن الإعجاز الواقع في النظم والتأليف والرصف.. ويجعل من حديثه هذا منطلقا لبدء المرحلة الأخيرة وهي مرحلة التأييد والإثبات، وتقديم المبرهنات والمؤيدات. لقد ذكر الباقلاني مجموعة من العناصر التي جعلت من نظم القرآن وجها من وجوه الإعجاز.. منها: "أنه نظم خارج عن جميع وجوه النظم المعتاد في كلامهم، ومباين لأساليب خطابهم, ومن ادّعى ذلك لم يكن له بد من أن يصحّح أنه ليس من قبيل الشعر ولا السجع ولا الكلام الموزن غير المقفى". وهنا نجده يشير إلى نقطة الانطلاق التي سيبدأ منها الدفاع.. فيقول:

стр. 6024

"لأن قوماً من كفار قريش ادّعو أنه شعر، ومن الملحدة من يزعم أن فيه شعرا، ومن أهل الملة من يقول: إنه كلام مسجع إلا أنه أفصح ممّا قد اعتادوه من أسجاعهم.. ومنهم من يدّعي أنه كلام موزون فلا يخرج بذلك عن أصناف ما يتعارفونه من الخطاب" [٣٠] إذن فخطة الباقلاني في المرحلة الثالثة أن ينفي الشعر عن القرآن, ثم ينفي السجع عن القرآن، ثم يذكر الصور البيانية، والعناصر الجمالية التي يمكن أن يقع بها إعجاز القرآن. وهذا ما فعله الباقلاني تدعيما لوجوه الإعجاز وتأييداً لما ذهب إليه من آراء أثناء ردِّه على المزاعم التي قيلت حول القرآن. وفي الحقيقة لم يكن نفي السجع عن القرآن من بنات أفكاره.. ولكنه ردَّد ما ذكره الرمّاني من أن فواصله تباين السجع مباينة تامة، إذ الفواصل تتبع المعنى، أمّا السجع فيتبعه المعنى، ومن أجل ذلك يتضح فيه التكلّف والثقل [٣١] . بعد أن انتهى الباقلاني من دفاعه عن القرآن، انتقل إلى موضوع آخر وهو: الطريق إلى معرفة الإعجاز.. أو كيفية الوقوف على إعجاز القرآن. وهو كعادته حين يتصدى لموضوع ما يتساءل: هل يمكن أن يعرف إعجاز القرآن من جهة ما يتضمنه من البديع؟ وهنا نلاحظ أنه لا يقصد بالبديع المعنى الاصطلاحي المعروف, إنما يقصد ما جاء في القرآن من ألوان الجمال المعنوي التي تشملها علوم البلاغة. وهو في هذا الفصل يحدّد الأبواب والفصول التي ذكرها أهل الصنعة، ومن صنّف في هذا المعنى - يقصد الإعجاز القرآني - ثم يبيّن ما عجزوا عن فهمه أو الوصول إلى كنهه، ليكون الكلام – على حد تعبيره - "وارداً على أمرٍ مبين، وباب مصور".

стр. 6025

ثم يستعرض العناصر البلاغية التي تناولها القوم، وذكروها بوصفها النوافذ التي يمكن من خلالها أن يطلُّوا على آيات الإعجاز القرآني.. فنراه يتحدث كما تحدث البلاغيون السابقون من أمثال ابن المعتز وأبي هلال العسكري عن الاستعارة، والتشبيه، والإرداف, والمماثلة ويذكر المطابقة والجناس، ويذكر ضرباً يسميه (الموازنة) , وهي مما زاده قدامة بن جعفر [٣٢] في كتابه (جواهر الألفاظ) من حسن البلاغة، وقد سمّاها (اعتدال الوزن) . ويذكر الباقلاني أيضا (المساواة) على أنها ضرب من البديع، مقتديا بقدامة في هذا الصنيع، وتأثره في حديثه عقب ذلك عن (الإشارة) و (المبالغة) و (الغلو) و (الإيغال) و (التوشيح) و (صحة التقسيم) و (صحة التفسير) و (التقسيم) و (الترصيع) . ويظل ينقلنا الباقلاني من موضع بلاغي إلى آخر، ومن صورة شعرية فنية إلى أخرى، ملقيا الضوء على ما فيها من أبعاد وظلال فنية، حتى يأتي على كل العناصر البلاغية التي تناولها العلماء, وظنوا أنها السبيل إلى معرفة أسرار الإعجاز القرآني. بيد أنه في آخر المطاف.. يضع أمام الأذهان سؤالا هاما.. هل لأبواب البديع فائدة في معرفة الإعجاز؟ ويجيب على هذا السؤال إجابة صريحة فيقول: "ليس كذلك عندنا.., لأن هذه الوجوه إذا وقع التنبيه عليها أمكن التوصل إليها بالتدريب والتصنع لها". ويمضي فيقول: "إنه لا سبيل إلى معرفة إعجاز القرآن من البديع الذي ادّعوه في الشعر ووضعوه فيه، وذلك أن هذا الفن ليس فيه ما يخرق العادة، ويخرج عن العرف، بل يمكن استدراكه بالتعليم والتدرب به والتصنع له.. أما شَأْوَ نظم القرآن فليس له مثال يُحْتَذى عليه ولا إمام يُقْتَدَى به، ولا يصح وقوع مثله اتفاقاً." فما السبيل إذن إلى معرفة إعجاز القرآن؟

стр. 6026

هذا هو محور الفصل الثامن الذي خصصه الباقلاني لتحديد (كيفية الوقوف على إعجاز القرآن) يقول فيه: إنه لا يقف عليه إلاّ مَنْ عرف معرفة بيِّنة وجوه البلاغة العربية، وتكوَّنت له فيها ملكة يقيس بها الجودة والرداءة في الكلام بحيث يميِّز بين نمط شاعر وشاعر، ونمط كاتب وكاتب، وبحيث يعرف مراتب الكلام في الفصاحة, وهذا كما يميز أهل كل صناعة صنعتهم "ومتى تقدم الإنسان في هذه الصنعة لم تخف عليه هذه الوجوه، ولم ثشبيه عنده هذه الطرق، فهو يميز قدر كل متكلم بكلامه، وقدر كل كلام في نفسه، ويحكم فيه بما يستحق من الحكم، وإن كان المتكلم يجود في شيء دون شيء عرف ذلك منه، وإن كان يعم إحسانه عرف." [٣٣] وبهذا المفهوم نستطيع أن نعرف أن الباقلاني يرد المسألة إلى الذوق وحُسْن تدرّبه على تمييز أصناف الكلام.. ولقد دفعه هذا الفهم إلى أن يسوق طائفة من خطب الرسول ﷺ ورسائله, ومن خطب الصحابة وغيرهم.. ليلمس القارئ فرق ما بين ذلك كله وبين القرآن. ولا يقف عند حدود النثر.. بل ينطلق إلى آفاق الشعر، فيدرس معلقة امرئ القيس –إمام الشعراء -, ويبين ما فيها من تكلف وحشو، وخلل وتطويل، ولفظ غريب، وكيف تتفاوت أبياتها بين الجودة والرداء، والسلامة والغرابة، والسلامة والانحلال والاسترسال والتوحش والاستكراه.. "مع أنه قد أبدع في طرق الشعر أموراً اتبع فيها" [٣٤] بعد ذلك.. يعود بنا ليتحدث عن جمال نظم القرآن وحسن تأليفه ورصفه وكيف أنه وُزّع على كل آياته بقسطاس سواء منها القصص وغير القصص، بينما يتفاوت كلام البلغاء من الشعراء حتى في القصيدة الواحدة. ويتناول قصيدة بديعة للبحتري الذي اشتهر بجمال ديباجته وحلاوة أنغامه وعذوبة ألفاظه، وهي لاميته المشهورة: فَعَلَ الذي نَهْواه أوْ لم يفعلِ أهْلاً بذلكمُ الخيالِ المقبل

стр. 6027

ويشرِّح أبياتها تشريحا، مبيِّنا ما يجري فيها من ثِقل وتطويل وحشو وتكلف وألفاظ وحشية جافية، ومن تناقض وكزازة وتعسف ورداءة صوغ وسبك. ويهاجم الباقلاني كذلك ما يقال من بلاغة الجاحظ مبيِّناً أنه دائما يستعين بغيره، ويفزع إلى ما يوشِّح به كلامه من مثل نادر، وبيت سائر، وحكمة منقولة، وقصة مأثورة.. كل ذلك ليدل الباقلاني على أن بلاغة القرآن لا تسمو إليها أي بلاغة لشاعر أو كاتب وكأنه في كل ذلك يشرح ما ذكره الرمّاني في رسالته - التي تحدثنا عنها في المقال السابق - من أن للكلام ثلاث طبقات: عليا وهي طبقة القرآن، ووسطى ودُنيا، وهما طبقتا البلغاء على اختلاف بلاغتهم، وما ينظمونه أو يخطبون به أو يكتبونه. ونسمعه دائما يردِّدُ أنّ كلام البلغاء يتفاوت، بينما القرآن لا تتفاوت آياته، وإن العبارة لتُجْلَبُ منه إلى كلام البليغ.. فإذا هي تتلألأُ كأنها الدرّة الواسطة في العقد.. ويمضي الباقلاني قائلا: ".. إنّ القرآن ليس معجزاً لأهل العصر الأول الذي نزل فيهم فحسب، بل هو أيضا معجز لأهل كل العصور.."هذا هو مفهوم الباقلاني للإعجاز القرآني.. وواضح أنه لم يزد في كتابه عن شرحه - أو قل بعبارة أدق - عن محاولة شرحه لما قاله الجاحظ من جمال النظم القرآني، وما قاله الرَّماني من أنه في المرتبة الرفيعة من البلاغة والبيان، ومضى يردُّ تفسير هذه المرتبة بوجوه البديع التي عدَّها ابن المعتز وقدامة وأبو أحمد العسكري وغيرهم، كما ردّ تفسيرها بوجوه البلاغة التي ذكرها الرماني.. وبالطبع, فهذا لا يقلّل من شأن الباقلاني.. أو يبهرج علمه.. فيكفي أن نعلم أنّ الرجل أوّل من هاجم في قوة نظرية إعجاز القرآن عن طريق تصوير ما فيه من وجوه البديع، وأيضا وجوه البلاغة التي أحصاها الرماني. ومن هنا تأتي أهمية الباقلاني، إذ أعدّ للبحث عن أسرار في نَظْم القرآن من شأنها حين تَوضح توضيحا دقيقاً أن تقف الناسَ على إعجازه.

стр. 6028

عقبات في طريق الإسلام إن البلاد الإسلامية ترى أن الإسلام نظام متكامل.. وتراه أفضل للإنسانية من الشيوعية والرأسمالية.. ولكنها لا تفعل شيئا لإبلاغ رؤيتها وإيمانها للعالم. للرد على هذا الاتهام فإن البلاد الإسلامية تتكوّن من حكومات وشعوب, وقد رزئت البلاد الإسلامية بحكومات عسكرية ديكتاتورية, جاءت بانقلابات معظمها مدبر بواسطة الدول الاستعمارية، ومن الطبيعي أن هذه الحكومات لن تطبق الشريعة الإسلامية؛ لأنها عدوته، وستكون ضحيته لو طبق هذا النظام، وحتى الحكومات التي جرّبت الاستعمار باسم الإسلام تخلّت عنه بعد انتصارها, واتخذت الأنظمة البشرية والقوانين الوضعية لحكم شعوبها. وأما الشعوب ففيها العديد من الأفراد والهيئات تتمسك بعقيدتها وتريد تطبيق النظام الإسلامي. وقد لاقت في الكثير من البلاد وفي مختلف العهود من الاضطهاد والتعذيب والتشريد والقتل ما عاقا عن تأدية رسالتها وتبليغ رؤيتها وإيمانها للشعوب الإسلامية وللعالم, حتى أن أحد العلماء - وقد ألّف العديد من الكتب الإسلامية ومنها تفسير للقرآن الكريم يقع في ثلاثين جزءا - اتهم بمحاولة قلب نظام الحكم, وحكم عليه بالإعدام, ونفِّذ فيه الحكم بعد أن لاقى هو وإخوانه ما يعجز عنه معظم الناس، وقد تم عقد كثير من المؤتمرات والاجتماعات في بلاد إسلامية متعددة وكلها يدعو إلى تطبيق الشريعة الإسلامية.. مجلة المجتمع -------------------------------------------------------------------------------- [١] في رأيي أن الباقلاني مادة خصبة للبحث والدارسة لذا سنخصه ببحث مستقل يبرز الجوانب الدينية في شخصية الرجل، ويركز على المسائل العلمية التي تناولها إن شاء الله.

стр. 6029

انظر ترجمته في: تاريخ بغداد ٥/٣٧٩، وفيات الأعيان ٣/٤٠٠، شذرات الذهب ٣/١٦١، وضات الجنات ٤/٦١٦، النجوم الزاهرة ٤/٢٣٤، الأنساب ٦١، الديباج المذهّب لابن فرحون ٢٦٧. وانظر في مذهبه: طبقات السبكي ٢/٢٥٥ – ٢٥٦. وقد طبع كتاب إعجاز القرآن عدة طبعات ... آخرها بشرح وتعليق محمد عبد المنعم خفاجي – وطبعة أخرى أصدرتها دار المعارف بمصر. [٢] الباقلاني – بفتح الباء الموحدة، وبعد الألف قاف مكسورة ثم لام ألف وبعدها نون، فيه لغتان من شدد اللام قصر الألف، ومن خففها مد الألف فقال: باقلاء وهذه النسبة شاذة لأجل زيادة النون فيها. [٣] أسس أبو الحسن الأشعري "٢٧٠ – ٣٣٠هـ"مدرسة كبيرة من مدارس علم الكلام، وخالف أستاذه الجبائي المعتزلي. وكان الباقلاني من أشهر تلاميذ هذه المدرسة. ومعروف أن للأشعري ثلاثة مذاهب: ١- كان معتزليا ينكر جميع الصفات. ٢- ثم صار كلابيا من أتباع محمد بن سعيد بن كلاب يؤمن بسبع صفات فقط. ٣- ثم رجع إلى العقيدة السلفية على يد شيخه الحافظ زكريا الساجي تلميذ الإمام أحمد بن حنبل، يؤمن بجميع صفات الله الذاتية والفعلية والخبرية على الأسس الثلاثة التالية: أ- تنزيه الله عن مشابهة المخلوقات في ذاته وفي صفاته وفي أسمائه كما في قوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ . ب- إثبات كل ما وصف الله به نفسه أو وصفه به رسول الله ﷺ على الوجه اللائق بكلامه وجلاله كما في قوله عز من قائل: ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ . ج- اليأس وعدم الطمع من إدراك كيفية صفات الله وأسمائه كما في قوله سبحانه: ﴿وَلا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْماً﴾ هكذا في كتابيه اللذين أجمع العلماء والمؤرخون على أنهما آخر ما كتب: (الإبانة عن أصول الديانة) و (المقالات الإسلامية) .. لذلك لزم التنويه.. "انظر كتاب: أبو الحسن الأشعري"من مطبوعات الجامعة الإسلامية.

стр. 6030

[٤] شذرات الذهب ٣/١٦٩ طبع القدسي سنة ١٣٥٠هـ [٥] مقدمة ابن خلدون ص٣٦٩ طبع مطبعة التقدم سنة ١٣٢٢ هـ. [٦] الملل والنحل ٢/١٢٩ نشر أحمد فهمي. [٧] وفيات الأعيان ٣/٤٠٠ وانظر أيضا قصته مع ملك الروم تاريخ بغداد ٥/٢٧٩. [٨] وفيات الأعيان ٣/٤٠٤ وانظر مناظرته للمعتزلة في مجلس عضد الدولة في نفس المصدر, وانظر آراءه في روضات الجنات ص٦١٦, وفي أول رسالة البصائر من علم الكلام للكردى. [٩] انظر طبقات السبكي ج٢/٢٥٧. [١٠] الصل: الحية العظيمة. [١١] إعجاز القرآن ص٢٩ طبعة محمد علي صبيح سنة ١٣٧٠هـ. [١٢] إعجاز القرآن ص٣٠. [١٣] الصفحة نفسها. [١٤] وهو من الكتب المفقودة. [١٥] يقصد أستاذه النظام الذي قال مقالته الخبيثة في مسألة الإعجاز وأرجعها إلي الصرفة، أي أن الله صرف العرب عن معارضة القران. [١٦] إعجاز القرآن ص٣٠ وما بعدها. [١٧] إعجاز القرآن ص٣١. [١٨] سورة فصلت الآية ٣. [١٩] سورة الزخرف الآية ٣. [٢٠] الإنس والجن. [٢١] الليل والنهار. [٢٢] سورة إبراهيم الآية الأولى, ومن ذلك أيضا قوله تعالى في الآية ٦ من سورة براءة, والآية ١٩٥ من سورة الشعراء. [٢٣] مثل: طسم، كهيعص، حم. [٢٤] هي سورة غافر, أما سورة "المؤمنون"فهي ﴿قد أفلح المؤمنون..﴾ وسميت سورة غافر سورة "المؤمن"لقوله تعالى في هذه السورة ﴿وقال رجل مؤمن من آل فرعون..الخ﴾ . [٢٥] إعجاز القرآن ص٤١. [٢٦] سورة البقرة الآيتان ٢٣، ٢٤,ومن آيات التحدي الآية ٢٨ من سورة يونس والآيتان ٣٣، ٣٤ من سورة الطور. [٢٧] سورة التوبة ٣٣.. ومن ذلك الآية ١٢ من آل عمران.. والآية ٧ من سورة الأنفال. [٢٨] البيان والتبين ١/٣٧٣. [٢٩] انظر رسالته (النكت في إعجاز القرآن) .. وانظر مقالنا في العدد السابق من مجلة الجامعة الإسلامية.

стр. 6031

[٣٠] إعجاز القرآن ص٨٠. [٣١] انظر رسالة الرمّاني "النكت في إعجاز القرآن"الفواصل، وانظر أيضا مقالنا في العدد السابق من مجلة الجامعة الإسلامية ص٣٤. [٣٢] جواهر الألفاظ ص٣ طبعة القاهرة. [٣٣] إعجاز القرآن ص١٥١. [٣٤] إعجاز القرآن ص١٨٤.

стр. 6032

من وحي السيرة صور من جهاد الرسول ﷺ وأصحابه في مكة لفضيلة الشيح: محمد عبد المقصود جاب الله المدرس في كلية الدعوة وأصول الدين بعث سيدنا محمد بن عبد الله رسول الله ومجتباه إلى الناس أجمعين ﵊, وقد كان مولده نوراً وضياء للعالمين، وكان مبعثه رحمة مهداة إلى الخلق أجمعين، بعث الرسول ﷺ في مكة بين أقوام غلظت أكبادهم، وتبلّد إحساسهم حتى ليئدون البنات صغيرات، ويمسكوهن على الهون كبيرات، أو يدفعوهن إلى البغاء مكرهات. وتصل بهم خسة العقيدة, وسخف الرأي, ما يعتبر سبة للعقل, وسخرية في الفكر يصنعون آلهتهم بأيديهم من الحلوى ويعبدوها فإذا جاعوا أكلوها. فكان من رحمة الله ومن عدله أن يهيِّئ للإنسانية من يفك إسارها، ويطلقها من أغلالها, ويطهرها من عقائدها, ويعيد عليها حريتها وإرادتها، ويبلغ بها ما أعد لها من رقي وعزة وكمال.

стр. 6033

جاء الرسول ﵊ بدعوته التي أساسها التوحيد في العبادة واقتلاع الشرك من جذوره, فلا يبقى على شيء منه ولا من رسومه المتداعية، ولا يتسامح في هيكل من هياكله الواهية ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ﴾ , ولكن القوم كانوا أعداء ما خفي عليهم وإن كان سعادة ونعيما, أحباء ما ألفوا وإن كان شقاوة وجحيما، فأعدّوا العدة ليصدوا عن سبيل الله، وجندوا كل ما استطاعوا من قوة وبطش، ودهاء وغدر, وقابل الرسول ﷺ كل ذلك بثبات جنانه، وصحة عزمه، وصدق يقينه, وصبر على كيدهم وأذاهم, فكان ذلك آية كبرى على صدق الرسول ﵊ أمام تكتلهم وصلفهم, فليس هناك من يقوم بمثل ما قام به, ثم يقابل بما قوبل به من العنت والأهوال الشدائد، ويبقى بعد ذلك أمينا على عهده, وفيا لدينه, حتى يظهره الله على الدين كله؛ لأنه نبي مؤيد بشديد القوى, وكتابه تنزيل من حكيم حميد, ممن خلق الأرض والسماوات العلى. ولم يكن المشركون على بصيرة من إشراكهم, ولا على معرفة بعقائدهم, وإنما كانوا مقلدين لآبائهم, فأخذ الرسول ﵊ يسفِّه أحلامهم, ويحقر آراءهم, ويعيب تقليدهم, مخاطبا إياهم بقول الله : ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لا يَعْقِلُونَ شَيْئاً وَلا يَهْتَدُونَ﴾ [١]

стр. 6034

وكانت الآيات تتنزل على النبي ﷺ تقريعا وتأنيبا لهم حتى هاج هائجهم.. فخرجت أضغانهم، وطاشت ألبابهم، وراحوا يتفننون له في طرق الإيذاء ويعرضون عليه مغريات الدنيا ليكف عن دعوته ويتنازل عن رسالته، وما قدروا أن دنياهم كلها ومتاعهم جميعه إنما هو تحت قدمه ﷺ , وأنّ قرة عينه وراحة نفسه أن يعلي كلمة الحق، وأن يغسل أدران الإنسانية، وأن يبشّر بالحسنى, وأن يدعم الفضيلة, وأن يؤدي الرسالة كما أمره الله. لهذا أخذ يستقبل المحن ويتلقى الإيذاء عليا في نفسه عزيزا في قومه، ولما نزل عليه قول الله تعالى ﴿فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ﴾ [٢] امتثل لأمر الله وصعد على الصفا فجعل ينادي، يا بني فهر، يا بني عدي, فجعل الرجل إذا لم يستطع أن يخرج أرسل رسولا لينظر الخبر, وكان فيهم أبو لهب بن عبد المطلب, فقال ﵊: "أرأيتم لو أخبرتكم أن خيلا بالوادي تريد أن تغير عليكم أكنتم مصدِّقي؟ قالوا: نعم ما جرّبنا عليك كذبا, قال: فإني نذير لكم بين يدي عذاب شديد, فقال أبو لهب: تبّاً لك, ألهذا جمعتنا, فأنزل الله في شأنه ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ﴾ [٣] , ثم التفت الرسول ﷺ إلى عشيرته الأقربين فقال: "إن الرائد لا يكذّب أهله، وإني لو كذبت على الناس جميعا ما كذبتكم، ولو غررت الناس جميعا ما غررتكم، والله الذي لا إله إلا هو إني رسول الله إليكم خاصة وإلى الناس كافة، والله لتموتنّ كما تنامون، ولتبعثنّ كما تستيقظون, ولتحاسبنّ بما تعملون، ولتجزون بالإحسان إحسانا وبالسوء سوءاً، وإنها لجنة أبداً أو لنار أبداً". ثم توالى الإيذاء على النبي ﵊، فتلقاه هازئاً بخصمه، محتقراً لصنيعه، مستعذباً العذاب في سبيل دعوته، إيماناً بوعد الله الذي يقول: ﴿وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ .

стр. 6035

فهذا عقبة بن أبي معيط شاهد النبي ﵊ في حجر الكعبة يصلي فاقبل عليه ووضع ثوبه في عنقه وخنقه خنقاً شديداً، فأقبل أبو بكر حتى أخذ بمنكبه وقال: "أتقتلون رجلا أن يقول ربي الله وقد جاءكم بالبينات من ربكم". وكان أبو جهل عدواً لنفسه وعدواً لمحمد ﵊, وكان فيه جبروت ولكنه ذليل لا يتماسك أمام رهبة الحق, فكان كلما لقي رسول الله ﷺ يتعبّد بجوار الكعبة نهاه عن صلاته وعن عبادته, فشاهده مرة يصلي فقال له: ألم أنهك عن صلاتك ها هنا؟ وما كان لمحمد ﷺ أن ينتهي لنهي أبي جهل ولا أن يعبأ بهذا الغرور الطائش، فأغلظ لأبي جهل في الرد، وحذّره وتهدّده, فعزّ عليه أن سمع أسلوب التهديد, وسرت في نفسه حمية الجاهلية, وخيِّل إليه أنّ ماله وعديده يغني عنه شيئا فقال يا محمد: أتهددني وأنا أعز أهل الوادي نادبا؟ فنزل الوحي بقوله : ﴿أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهَى، عَبْداً إِذَا صَلَّى، أَرَأَيْتَ إِنْ كَانَ عَلَى الْهُدَى، أَوْ أَمَرَ بِالتَّقْوَى﴾ إلى قوله تعالى: ﴿كَلاَّ لا تُطِعْهُ وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ﴾ [٤]

стр. 6036

ولقد كان ﵊ يسعى إلى مجتمعات قريش - وهم أشد أعدائه - ويتحرّى لقاء رؤوسهم ليصارحهم بآرائه, لا تأخذه منهم رهبة, ولا يقيم لجبروتهم وزنا، وإنما كان حريصا عليهم, معنيا بهدايتهم. أَوْلَمَ عقبةُ بن أبي معيط وليمةً دعا إليها رؤوس الكفر وصناديد الشرك، وكان الرجل على فجوره وطغيانه جاراً للرسول ﵊, فدعاه فيمن دعاهم فلبَّى الدعوة, ولما صار في دار عقبة ودعي إلى الطعام خاطب عقبة فقال: "لقد أجبت دعوتك ولكن لا آكل لك طعاماً حتى تؤمن بالله"، فنطق عقبة بالشهادة, وانتهى أمر هذه الحادثة إلى أبي بن خلف الجمحي - وكان صديقا لعقبة - فقال له: "وجهي من وجهك حرام إن لقيت محمداً فلم تطأ عنقه وتلطم وجهه", فلما رأى عقبة رسول الله ﷺ اعتدى عليه كما أراد خليله, فأنزل الله في سورة الفرقان ﴿وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلاً، يَا وَيْلَتَى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلاناً خَلِيلاً، لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلإِنْسَانِ خَذُولاً﴾ [٥] .

стр. 6037

ولقد كان من شرِّ الأساليب التي كان الباطل يعمد إليها ويحاول أن يلبس بها على الحق ما كان يفعله النضر بن الحارث من بني عبد الدار؛ لقد كان يجلس قبالة الرسول ﵊ فإذا رآه يتلو القرآن وينشر أعلام الحق قال للملأ من قومه: "يا معشر قريش هلمُّوا إليَّ فإني أحسن من محمد حديثا"ثم يشرع فيلفِّقُ حديثاً عن ملوك فارس ويقص أقصوصة من أقاصيصهم، وكان النضر لبقاً في هذا الباب لباقة شيطانية, فنزل القرآن الكريم يدمغه ويشهر به ليكون الصورة الواعظة لكل من يشتري الضلالة بالهدى, قال تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّخِذَهَا هُزُواً أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ، وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا وَلَّى مُسْتَكْبِراً كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْهَا كَأَنَّ فِي أُذُنَيْهِ وَقْراً فَبَشِّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [٦] . وأخذ المشركون يطاردون الرسول ﵊ ويبتدعون الأساليب في محاربته ومع ذلك لم تهن قوته، ولم تلن قناته، ولم تضعف عزيمته, وكلما تجمعت السفاهة وتلاقت النزوات كان ﵊ يناجي ربه: "اللهم إني أشكو إليك ضعف قوتي وقلة حيلتي وهواني على الناس أنت رب المستضعفين وأنت ربي إلى من تكلني؟ إن لم تكن ساخطاً عليّ فلا أبالي". لم يقف المشركون في عدائهم عند حد, ولا أجملوا يوما في الرد بها, بل كانوا جامحين جموحا جاوز المدى, واتخذوا من العداء العام سبيلا لإنكار حقوق المسلمين, واستباحة أموالهم في استخفاف وتهكم وازدراء.

стр. 6038

وكان لرجل من المسلمين المستضعفين اسمه خبّاب بن الأرَت دَيْنٌ على العاص بن وائل من كبراء قريش فطالبه به فقال العاص: أليس يزعم محمَّد هذا الذي أنت على دينه أنَّ في الجنة ما يبتغي أهلها من ذهب وفضة وثياب؟ فقال خبّاب: بلى, قال: فأنظرني إلى هذا اليوم فسأوتى مالاً وولداً وأقضِيَك حقك فأنزل الله من سورة مريم في حقه ﴿أَفَرَأَيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآياتِنَا وَقَالَ لأُوتَيَنَّ مَالاً وَوَلَداً، أَطَّلَعَ الْغَيْبَ أَمِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْداً، كَلاَّ سَنَكْتُبُ مَا يَقُولُ وَنَمُدُّ لَهُ مِنَ الْعَذَابِ مَدّاً، وَنَرِثُهُ مَا يَقُولُ وَيَأْتِينَا فَرْدا﴾ [٧] . وكان عمار بن ياسر وصهيب وبلال وأمثالهم يعذّبون ليرجعوا عن دينهم، فمنهم من كان يكوى بالنار ليفتن عن دينه, ولكن هذه الأجسام قد تعاظمت على النواميس الطبيعية, فيمر بهم سيدنا رسول الله ﷺ وهم أباة صابرون لا يشكون ولا يضرعون فيقول لهم: "صبراً صبراً فإنّ موعدكم الجنة". وقد بلغ من فداحة التنكيل أن مات ياسر أبو عمار أثناء العذاب وسلّمت أمّهُ لأبي جهل كي يعذبها فلم يألها عذاباً وإيذاء إلى أن ماتت مؤمنة تحت أثقال العذاب. وكان أمية بن خلف يعذِّبُ بلالا عذاباً يُنضِجُ الجلد ويشوي اللحم ثم يضع على ظهره صخرة ثقيلة ويقول له: "لا تزال هكذا حتى تموت أو تكفر بمحمد وتعبد اللات والعزى"فلا يزيد بلالا إلا أن يقول: "الله أحد.. الله أحد". وهكذا كانت تستعذب الآلام على مرارتها لكي ينصر الحق ويطمئن الضمير، ويرضى الله, ولقد رضي الله وصدق وعده ﴿إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئينَ، الَّذِينَ يَجْعَلُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ [٨] ولقد كانت عاقبة هؤلاء الطغاة عاقبة أليمة, فلقد قتل أبو جهل والنضر بن الحارث، وعقبة بن أبي معيط, وكلهم ذليل مهين يخرّ لوجهه بين الأسنّة والروح الإسلامية.

стр. 6039

ومنهم من أصيب بشر ألوان المرض حتى عذب في الدنيا وغادرها تشيعه همومه وآلامه وتملأ نفسه الحسرة والندامة كأبي لهب والعاص بن وائل والوليد بن المغيرة. ولقد صدق الله دعوة الحق, ووفّى الله الصابرين أجرهم, فمكّن لهم في الأرض. فسلام عليك يا رسول الله يوم ولدت ويوم بعثت بالرسالة وأدّيت الأمانة، ويوم تبعث حيا. ورضي الله عن أصحابك جزاء ما لاقوا في سبيل الله وفي سبيل دينهم، وأخلصوا لنبيهم، ونصروا الله فنصرهم الله. فليكن لنا في رسول الله ﷺ أسوة حسنة, وليكن لنا في أصحابه قدوة صالحة في نصرة الحق, والدفاع عنه, والجهاد في سبيله, والاستمساك به, حتى نسعد كما سعدوا, ونتبوأ المكانة اللائقة بين الأمم, ونستحق الخلافة في الأرض, والله ولي المؤمنين. محمد عبد المقصود جاب الله المدرس بكلية الدعوة وأصول الدين. -------------------------------------------------------------------------------- [١] الآية ١٠٤ من سورة المائدة. [٢] الآية ٩٤ من سورة الحجر. [٣] الآية ١ من سورة المسد. [٤] الآيات من ٩ – ١٩ من سورة العلق. [٥] الآيات من ٢٧ – ٢٩ من سورة الفرقان. [٦] الآيتان ٦ – ٧ من سورة لقمان. [٧] الآيات ٧٧ – ٨٠ من سورة مريم. [٨] الآيتان ٩٥ – ٩٦ من سورة الحجر.

стр. 6040

الحق.. أحق أن يتبع لفضيلة الدكتور عبد المنعم محمد حسنين المدرس في كلية الدعوة وأصول الدين نشرت مجلة آخر ساعة القاهرة في عددها الصادر يوم ١٣ شوال ١٣٩٦هالموافق ٦ أكتوبر ١٩٧٦م حديثاً للدكتور عبد الحليم محمود شيخ الجامع الأزهر أشار فيه إلى ما تردد من أن بعض الشبان قد حاولوا في الشهور الأخيرة أن يحطموا الأضرحة التي توجد في بعض المساجد بحجة أن الصلاة في هذه المساجد حرام وباطلة بسبب وجود الأضرحة. وقال الدكتور عبد الحليم رداً على سؤال حول هذا الموضوع ما نصه: "إنّ هؤلاء الذين يفعلون ذلك لم يذهبوا لزيارة مسجد رسول الله ﷺ , إنّ هذا المسجد المبارك به الضريح الشريف لرسول الله ﷺ وبه ضريح الصديق ﵁، وبه ضريح الفاروق عمر. ونحن في هذا المسجد نصلي أمام الأضرحة، وعن يمين الأضرحة فتكون الأضرحة أحياناً من خلفنا، وأحيانا أمامنا، وأحيانا عن يميننا وأحيانا أخرى عن يسارنا, والصلاة في هذا المسجد المبارك بألف صلاة. ومعنى هذا أنّنا لا نصلي لصاحب الضريح ولا نسجد له، وإنما نصلي لله ، ونؤمن في يقين - لا شك فيه - بأن الله وحده هو صاحب التصرف في الكون، وهو وحده المعبود، لا إله غيره، ولا رب سواه". وهكذا حاول الدكتور عبد الحليم محمود أن يدافع عن وجود الأضرحة في المساجد, وأن يبيح استمرار وجودها, مستدلاّ على ذلك بوجود قبر الرسول ﷺ وقبري صاحبيه أبي بكر وعمر بالمسجد، وهو يعلم أن الرسول نهى عن ذلك، وأنّ الذي أدخل قبره بالمسجد قد خالف سنته.

стр. 6041

وشيخ الجامع الأزهر يعلم – أيضا - أنه لا يجوز اتخاذ المساجد على القبور؛ لأن الرسول ﷺ قال: "لعن اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد" وهو حديث متفق عليه. فالذين يعظّمون القبور ويبنون عليها المساجد والقباب يخالفون ما نهى عنه رسول الله ﷺ ويحادون ما جاء به، بل إنهم بعدم اتباعهم هدي الرسول يعصون الله الذي قال: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ "النساء: ٨٠" وقال جل وعلا: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الأَمرِ مِنْكُمْ﴾ "النساء: ٩٥". والشيء الذي لا شك فيه أنّ الدكتور عبد الحليم محمود شيخ الجامع الأزهر على علم بما قاله الله ورسوله، إذ من المستبعد عقلا أنّ عالما مثله، يشغل أكبر منصب ديني في بلاده لا يعلم أن رسول الله ﷺ نهى عن اتخاذ المساجد على القبور، ونهى عن الصلاة إلى القبور، فكيف يدافع عالم في مثل منصبه عن وجود الأضرحة في المساجد؟! والشيء العجيب حقا أن الدكتور عبد الحليم محمود في إجابته عن السؤال الخاص بمحاولة بعض الشبان تحطيم الأضرحة التي توجد في بعض المساجد لأن الصلاة في مثل هذه المساجد حرام وباطلة بسبب وجود الأضرحة، حاول أن يلبس الحق بالباطل، وأن يكتم الحق مع علمه به، فلم يذكر موقف الإسلام من اتخاذ المساجد على القبور، أو من الصلاة إلى القبور، بل ترك هذا الموضوع إلى أمر آخر، وهو أن الصلاة في مسجد الرسول بألف صلاة. أليس الاستناد في الدفاع عن وجود الأضرحة في بعض المساجد إلى أن الصلاة في مسجد الرسول بألف صلاة نوعاً من المغالطة وخلطا بين الحق والباطل؟!.

стр. 6042

ألا يعلم الدكتور عبد الحليم محمود أن الله نهى بني إسرائيل عن إلباس الحق بالباطل وكتمان الحق مع علمهم به، فقال تعالى مخاطبا إياهم: ﴿وَلا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ "البقرة: ٤٢"ثم خاطبهم بقوله جل وعلا: ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلا تَعْقِلُونَ﴾ "البقرة: ٤٤". ألا يعلم شيخ الجامع الأزهر أنّ رسول الله ﷺ أمر بتسوية القبور، وأنّ مخالفة أمر الرسول، وتعلية القبور واتخاذ المساجد عليها، كانت جميعها من ذرائع الشرك ووسائله؟.. إنّ وجود الأضرحة في المساجد أدّى إلى الفتنة بأربابها، فلما وقع التساهل في هذه الأمور وقع المحذور وعظمت الفتنة بأرباب القبور، وصارت القبور محطا لرحال المعظمين لها، وانصرف هؤلاء المعظمون عن عبادة الله، وأخذوا يدعون أرباب هذه القبور ويستغيثون بهم، ويتضرعون لهم، ويذبحون وينذرون، فصرفوا للقبور جل العبادة مرتكبين كل شرك محظور.

стр. 6043

والواقع أن القبور التي بالمساجد قد أبعدت الناس عن التوحيد, ولا إنقاذ لكثير من المسلمين من التردي في هوة الشرك إلا بإزالة الأضرحة التي بالمساجد؛ لأن المساجد لله، فينبغي أن يدعى الله وحده فيها، يقول الله جل وعلا: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلا تَدْعُو مَعَ اللَّهِ أَحَداً﴾ الجن: ١٨؛ ولأن وجود القبور بالمساجد يصد الناس ويصرفهم عن إخلاص العبادة لله وحده، كما يُسيءُ إلى النفوس، ويجعلها تذل لغير الله، ويجردها من العزة بتوحيد الله تعالى. وأصل الشرك أن يوجه حق الله في العبادة إلى غيره تعالى، أو يعتقد أنّ مخلوقا من خلق الله له سلطان فوق قدرة المخلوقين، وهذا هو اعتقاد من غفلوا عن كنه التوحيد الخالص في المقبورين من أرباب الأضرحة التي توجد بالمساجد فهم يعتقدون أنّ لهم من القوة أو الجاه ما يمكّنهم من تصريف الأمور، وجلب المنافع، ودفع المضار, وغيرها مما لا يقوى عليه إلا رب العالمين. ولا يستطيع الدكتور عبد الحليم محمود شيخ الجامع الأزهر أن ينكر أنّ هذا هو الذي يحدث فعلا في المساجد التي توجد بها أضرحة، فالدفاع عن بقاء هذه الأضرحة بالمساجد، واستنكار الدعوة إلى إزالتها معناها الموافقة على بقاء ذرائع الشرك ووسائله، وهذا ما لا يقبله عالم ديني كبير كشيخ الجامع الأزهر.

стр. 6044

ولقد صدق العلاّمة ابن القيم –﵀ حين قال: "ومن جمع بين سنة رسول الله ﷺ في القبور، وما أمر به، ونهى عنه، وما كان عليه أصحابه، وبين ما عليه أكثر الناس اليوم، رأى أحدهما مضاداً للآخر، مناقضا له بحيث لا يجتمعان أبداً، فنهى رسول الله ﷺ عن الصلاة إلى القبور وهؤلاء يصلون عندها وإليها، ونهى عن اتخاذها مساجد، وهؤلاء يبنون عليها المساجد، ويسمونها مشاهد مضاهاة لبيوت الله، ونهى عن إيقاد السرج عليها، وهؤلاء يوقفون الوقوف على إيقاد القناديل عليها، ونهى عن أن تتخذ عيداً، وهؤلاء يتخذونها أعياد ومناسك، ويجمعون لها كاجتماعهم للعيد أو أكثر، وأمر بتسويتها, كما روى مسلم في صحيحه، وهؤلاء يرفعونها عن الأرض كالبيت، ويعقدون عليها القباب, ونهى عن تجصيص القبر والبناء عليه، كما روى مسلم في صحيحه عن جابر ﵁ قال: "نهى رسول الله ﷺ عن تجصيص القبر، وأن يعقد عليه وأن يبنى عليه". ونهى عن الكتابة على القبور، كما روى أبو داود في سننه عن جابر: أن رسول الله ﷺ نهى عن تجصيص القبور وأن يكتب عليها"قال الترمذي: حديث حسن صحيح. وهؤلاء يتخذون عليها الألواح ويكتبون عليها القرآن وغيره. ونهى أن يزاد عليه غير ترابها، كما روى أبو داود عن جابر أيضا: أن رسول الله – ﷺ "نهى أن يجصّص القبر أو يكتب عليه أو يزداد عليه" وهؤلاء يزيدون عليه الآجر والحصى والأحجار. والمقصود أنّ المعظمين للقبور، البانين عليها المساجد والقباب مناقضون لما أمر به رسول الله ﷺ محادون لما جاء به. والدكتور عبد الحليم محمود شيخ الجامع الأزهر يعلم هذا جيداً، وينبغي أن يعلنه للناس، حتى يتبعوا الحق، لأن الحق أحق أن يتبع فهل يفعل فضيلته ذلك مرضاة لله ورسوله؟!

стр. 6045

إن تعظيم الأضرحة بالصلاة عندها يشبه تعظيم الأصنام بالسجود لها والتقرب إليها، وقد بدأت عبادة الأصنام بتعظيم الأموات باتخاذ صورهم والتمسح بها والصلاة عندها. وقد آل الأمر بمن يعظّمون القبور إلى أن شرعوا لها حجا، ووضعوا لها مناسك، وفي هذا مفارقة لدين الإسلام، ودخول في دين عبادة الأصنام، ومخالفة لما شرعه رسول الله ﷺ عند زيارة القبور. إنّ الذي شرعه الرسول عند زيارة القبور إنما هو تذكر الآخرة، والإحسان إلى المزور بالدعاء له والترحم عليه، والاستغفار له وسؤال العافية له، فيكون الزائر محسنا إلى نفسه، وإلى الميت، فقلب هؤلاء المشركين الأمر، وعكسوا الدين، وجعلوا المقصود بالزيارة الشرك بالميت ودعاءه والدعاء به، وسؤاله حوائجهم، واستنزال البركة منه، ونصره لهم على الأعداء ونحو ذلك، فصاروا مسيئين إلى أنفسهم وإلى الميت. وكان رسول الله ﷺ قد نهى الرجال عن زيارة القبور سدّاً للذريعة، فلمّا تمكّن التوحيد في قلوبهم، أذن لهم في زيارتها على الوجه الذي شرعه، ونهاهم أن يقولوا هجرا، ومن أعظم الهجر الشرك عندها قولا وفعلا. وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ "زوروا القبور فإنها تذكركم بالموت". وعن ابن عباس –﵄ قال: مر رسول الله ﷺ بقبور المدينة، فأقبل عليهم بوجهه، فقال: "السلام عليكم يا أهل القبور، يغفر الله لنا ولكم، أنتم سلفنا ونحن بالأثر" رواه أحمد والترمذي وحسنه.

стр. 6046

هكذا تكون زيارة القبور، كما شرعها رسول الله ﷺ لأُمّته، وعلّمهم إياها. ولقد جرّد السلف الصالح التوحيد، وحموا جانبه حتى كان أحدهم إذا سلّم على النبي ﷺ ثم أراد الدعاء استقبل القبلة، وجعل ظهره إلى جدار القبر ثم دعا, ونصّ على ذلك الأئمة الأربعة. فجرَّد السلف العبادة لله، ولم يفعلوا عند القبور منها إلا ما أذن فيه رسول الله ﷺ من الدعاء لأصحابها، والاستغفار لهم، والترحُّم عليهم. فهل يفعل زوار القبور التي في المساجد ما شرعه الرسول ﷺ عند زيارة القبور؟!. لا. والله.. لقد أصبحت زيارة القبور شركا وترويجاً للبدع، وهذا أمر يعترف به كل مؤمن بربه الواحد الذي لا شريك له، وهو أمر لا نشك في أنّ الدكتور عبد الحليم محمود شيخ الجامع الأزهر يعترف به، فلماذا نسكت عليه؟!.. لماذا لا نؤيد المطالبين بإزالة الأضرحة من المساجد!؟ أليست المطالبة باتباع ما شرعه رسول الله ﷺ أمراً واجبا على كل مؤمن ومؤمنة؟ ألا ينبغي على شيخ الجامع الأزهر أن يكون أول المطالبين باتباع شرعة رسول الله ﷺ ؟!.. ألا ينبغي على شيخ الجامع الأزهر أن يكون أول المطالبين بتسوية القبور وعدم اتخاذ المساجد عليها وإزالة الأضرحة الموجودة في بعض المساجد؟!. إن الحق أحق أن يتبع، فإلى متى نسكت على الباطل؟!.. أليست دعوة الناس إلى اتباع الحق أمرا واجبا على علماء الدين بعامة وعلى شيخ الجامع الأزهر في بلاده بخاصة؟!.. د. عبد المنعم محمد حسين كلية الدعوة وأصول الدين الجامعة الإسلامية

стр. 6047

رسائل لم يحملها البريد لفضيلة الشيخ عبد الرؤوف اللبدي لحيتي العزيزة: ليست هذه الرسالة التي أكتبها إليك رسالة أشواق وشكاة من أيام فراق، فرسائل الشوق والحنين إنما تكون بين المحبين إذا تباعدت بهم الأمكنة، وتطاول على فراقهم الأزمنة. وأنا وأنت - كما تشاهدين - نعيش معا جننا إلى جنب، لم يتفرق بنا مكان ولم يتطاول على نأينا زمان، على أنّ العلاقات التي بيننا ليست علاقات ودّ وإخاء، وإنما هي علاقات ظلم واعتداء, فأنا أحمل السلاح كل صباح وأغير على حدودك الطبيعية أجتاح منها ما أشاء وأدع منها ما أشاء، أجاوز ذلك أحيانا، فأقصّ رؤوسا قد طالت، أجذّ شعيرات شالت. ولا ريب أنك تعدّين هذا ظلما ظالما واعتداء آثما، ما أظنّكِ تنسينه أبد الدهر, أو تصفحين عنه ذات يوم. لعلك تتوقعين أن تكون هذه الرسالة رسالة اعتراف بذنب وشعور بإثم وتكلف في معذرة، ولكن هيهات هيهات أن يعترف الظالمون ذات يوم أنهم ظلموا، أو أن يقولوا ذات مرة إنهم ارتكبوا حوبا كبيراً. الدول القوية ذات السلاح والجند حين تستولي على الشعوب الضعيفة غير ذات الحول والطول، لا تقول لها أريد أن أستعبدك وأن أستغلك وأن أمتص دمك وآكل خيراتك، وإنما تقول لها أريد أن أطوّرك وأن أحضّرك وأن أزيل عنك غبار الجهل والتخلف، وأجعلك تقدمية, تذوقين طعم الحضارة, وتجدين ريح المدينة. وأنا أقول لك بلغة هؤلاء الأقوياء ومنطق أهل الظلم: معاذ الله يا لحيتي العزيزة أن أكون من المعتدين، فأنا أريد أن أجمّلك وأن أزيّنك وأن أجعلك بين اللحى منسّقة لا يرى الناس فيك عوجا ولا أمتا. وما أكثر ما تفقد الألفاظ دلالاتها - يا لحيتي العزيزة - وما أكثر ما تفقد الأعمال أسماءها، وأنا أعرف كثيراً من ذلك، ولكنّي لن أقصّه عليك، فهذا شيء لا يعنيني ولا يعنيك وليس هو من موضع هذه الرسالة.

стр. 6048

أرجو ألا يضيق صدرك إذا قلت لك: إنك قد جلبت عليّ كثيراً من المشكلات وجنيت عليّ كثيراً من الجرائر، فقبل أن عرفتك كان الناس يقولون لي: يا أيها الفتى.. ويا أيها الشاب، وينادونني نداءات أخرى كثيرة تبعث الحياة وتثير العزائم، أما بعد أن عرفتك ورأيت منك هذه الحلة البيضاء التي تلبسين فلم أعد أسمع إلا ما أكره، لم أعد أسمع إلا يا شائب ويا عمّ ويا جدّ وغير ذلك مما يشعرني بالضعف والعجز، ويذكّرني قرب الأجل، ويريني شبح الموت. لعلك تعجبين من شأني وتقولين: أليست هذه هي الحقيقة؟! بلى، هذه هي الحقيقة لا ريب ولا كذب، ولكنك إذا قلتِ للطالب الراسب يا راسب، وإذا قلت للرجل المتكبّر يا متكبّر، وللتاجر الظالم يا ظالم، أفتظنين هؤلاء جميعا يرضون بما نودوا به؟!. إنّ للألفاظ – يا عزيزتي - ظلالا وطعوما تحملها بين حروفها ووراء أصواتها قد تجهلينها ولا تدركين، وإنّ كثيراً من التجارب لا يستطيع المرء أن يحسّها تمام الإحساس ولا أن يتذوّقها كل التذوّق إلا بعد أن تمرّ به ويمرّ بها. قبل أن عرفتك حين لم يطرّ شاربي ولم ينبت على عارضيّ شعر كنت أقرأ في كتاب لا أذكر اسمه الآن: لي اسم فلا أدعى به وهو أول دعاني الغواني عمهن وخلتني فأعجب للشاعر وأقول: غريب أمر هذا الرجل، الفتيات الحسان ينادينه يا عمّ تكريما وتجلّة، فإذا هو غاصب يستنكر ويقول لي اسم معروف من قبل يا عم، فلم لا أنادى به؟!. وظللت على عجبي الساذج ذاك إلى أن عرفتك يا لحيتي العزيزة، وصرت أنادى بما كان ينادى به النمر بن تولب العكلي. معذرة أيها ذا الشاعر! لقد ظلمتك هذه السنوات الطويلة، فلم أحس إحساسك ولم أذق طعم حسراتك وأنت تسمع العذارى ينادينك - وقد رأين الشيب لاح بعارضيك - يا عمّ، متناسيات اسمك الأول اسم الشباب والفتوة والقوة.

стр. 6049

ولعلك - يا لحيتي العزيزة - لم تنسَى ما كان في مطار عمان حين سألتني موظفة المكتب: أتعرف القراءة والكتابة، فقلت مستغربا! نعم، قالت: املأ هذه البطاقة, فأخرجت من جيبي قلما، ثم رأتني أكتب به. أعطيت تلك الموظفة البطاقة، ومضيت بك يا لحيتي إلى قاعة المغادرين، وقبل أن يطمئن بنا المجلس همست في آذانك مغاضبا: أرأيت تلك الموظفة وما صنعت! تظنني أمياً لا أعرف القراءة والكتابة, وأنا الذي أعلم الناس القراءة والكتابة منذ ثلاثين عاما!!. ألم تكوني أنت سبب ذلك الظن الذي أهان وأوجع؟! رأتك في وجهي بيضاء كالثغام، فظنتني من مواليد القرن الماضي أيام لم يكن هناك مدارس تعلّم ولا تلاميذ يتعلمون. أراك تهمسين في أذني وتقولين: أنت يا صاحبي تحملني دائما أسباب ما تلقى من عناء وهوان، دعني إذن أحتال لنفسي وأدرأ عنها أسباب هوانك وعنائك، دعني أخدع الناس وأرتدي لهم ثوبا يحبون، ردّني سوداء في لون الشباب والقوة لأعيش مرة أخرى غضة بضة، ولأجلوك أنت للناس فتيا قويا لا تسمع منهم ما تكره، ولا تلاقي ما تراه يزري ويشين، وما عليك في هذا من تثريب، أليست هذه هي السنة؟ أو لا يكون في هذا اتباع للسنن؟ يا لله مما تقولين أيتها اللحية: السنة, إنما تكون سنة حين يراد بها وجه الله والدار الآخرة، أما السنة التي يراد بها الناس وعرض الدنيا فليست تزن عند الله جناح بعوضة، إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى، فلا تكذِبي على الله وأنت تعلمين. ابقي يا عزيزتي بيضاء كما صيّرك الله، لا أريدك سوداء ولا شقراء ولا حمراء، ولا أريد أن تتلوني تبعا لأهواء الناس، ولا أن تطوري طمعا في مرضاتهم، ها أنت ذي في صبغة الله، ومن أحسن من الله صبغة. لتبقى هكذا ولينادني الناس أي نداء يريدون، لتبقى هكذا وليدعني الناس أي دعاء يشاءون، أنت في هذا البياض أعظم مهابة في الأعين، وأشد حراسة حين لا تكون هناك عيون.

стр. 6050

كنت أظنك يا لحيتي العزيزة غير ذات أثر في سلوكي وخلقي وتفكيري, ولكنّي بعد أن صحبتك حينا وكنت فارقتك أحيانا، بعد هذا عرفت الأمر على خلاف ما كنت أظن وأحدس. لعلك في ذكر لم تنسَىْ بعدُ مواضع كادت تزلّ بها قدمي، ومواطن فيها كدت أصير إلى هلكة، فوقفت بحزم وبقوة، صائحة في وجهي: مكانك شيخ! لست بصاحبة لك في هذا الموطن, خير لي أن أموت قبل هذا وأكون نسيا منسيا, إمّا أن تعود بي إلى الفندق وهناك فراق ما بيني وبينك، وإما أن تجتثني ها هنا على قارعة الطريق على ما في ذلك من ذل لي وهوان. ذلك خير لي ألف مرة من أن أشاهد مكانا تشغل فيه الخطايا وتصيح فيه الآثام. وحين أسمع ذلك منك أرتد إليك بصيرا وأقول: الحمد لله أن لم أفرط شيئا في جنب الله، وشكراً لك يا لحيتي هذه الغضبة العارمة التي كانت في سبيل الله. وما أكثر المواقف التي تقفين فيها حارسة يقظى, ومستشارة أمينة حين يغفل القلب، ويجمع الهوى، وتطغى نزعات الشيطان. فأنا منك في الطريق دائما في رعاية ووصاية، أسمعك تقولين من حين إلى حين: هذا لا ينبغي لك، هذا لا يجمل منك، هذا لا بأس به عليك. وأراك أحيانا تسكنين وتسكتين فأمضي في أمري قدما لا أتردد. ولقد بان لي يا لحيتي العزيزة أن لك أثراً في معاملة الناس لي وفي حكمهم عليّ، ولعلك لم تنسَيْ بعدُ حين سحنا في الأرض، وكنّا نطوف على الفنادق ننشد غرفة نأوي إليها في كل مدينة حللنا بها، لعلك لم تنسَيْ ما كنت ترين: بعض أصحاب الفنادق كان قد تلقاك لقاء غير ذي ودّ، فمنذ أن طلعتِ عليه وقبل أن تسأليه شيئا أو تنبسي ببنت شفة قال بجفاء وغلظة - وهو يزوي ما بين عينيه -: لا مكان، لا مكان!! ثم لم يكترث ولم يلتفت ولم يعقّب، ومضى في شأنه كأن لم يكن هناك شيء، فرجعتِ على الأعقاب تهتزين غضبا وثورة، ولا تدرين من حنق ماذا تصنعين، فبدل أن تهبطي بالمصعد إلى الأرض صعدت به في السماء.

стр. 6051

وبعضهم كان قد تلقاك لقاء ذي ودّ، فوقف مسلّما هاشا باشَّا تضحك أسارير وجهه، وإذْ لم يكن هناك مكان قال: لنا الشرف أن تكونوا في هذا الفندق نزلاء، وإنه ليؤسفني ألا يوجد الليلة متسع، ثم شيّعك إلى الباب وهو يكرِّر اعتذاره ويظهر أساه، وإني لأذكر أنك قد خرجت من هذا الفندق راضية مطمئنة وإن لم تلقَيْ فيه ما كنت تنشدين. وذات ليلة ونحن في طريق العودة، وقد طاب لك المقام في أحد الفنادق الفخمة، وجلسنا على أريكة وثيرة نسرح الطرف في الآفاق البعيدة وفي مواكب النجوم، أخذنا بأطراف الأحاديث بيننا، وجعلت تهمسين في أذني وتقولين: شتان - يا صاحبي - ما كان بين ذينك الرجلين، ولكنّي لم أدر حتى الليلة سببا لما كان. فقلت: أي رجلين تعنين؟ لعلّكِ تقصدين من تلقانا في فندقه لقاء خشنا، ومن تلقانا في فندقه لقاء حسنا. فقلت لي: نعم، هو هذا. فأجبت أقول: أما الثاني فأظنه ذا دين وخلق، فحين رآك أحسّ وشائج ذاك الدين، فحنّ وحنا وعطف. والعقيدة الصحيحة الصادقة يا لحيتي العزيزة ما أسرع ما تؤاخي بين أصحابها وإن اختلف العرق والدم واللون وإن اختلفت الدار واللغة. أما الثاني فأنا في حيرة، لا أدري كيف أحلّل وأعلّل!! أذكر أننا حين دخلنا عليه كان يلعب الشطرنج، فلعله كان مغلوبا في ذاك اللعب أو أوشك أن يُغلب، فكان جوابه الجاف وصوته الخشن واستقباله الفظّ صدى همّه وحزنه وما يعانيه. وأظنّك لا تزالين تذكرين أنك رأيت في قاعة الاستقبال لذاك الفندق وجوها زهاها الحسن أن تتقنعا، ورجالا على حظ من الثروة والجاه عظيم، فلعل صاحب الفندق كان يخشى أن تكوني لهم شجاً في الحلق أو غصة في الصدر أو قذى في العين، وهو عليهم أحرص، وفي جيوبهم أطمع، فكان منه كان. ولقد همست في أذني حينئذ تقولين: ولكنه كان في أولئك القوم لحى مثلي، ولربما كان بعضها أعظم وأضخم.

стр. 6052

هو كما تقولين يا لحيتي العزيزة، ولكنها في أغلب الظن لحى (موضة) وهواية، لا لحى دين وعقيدة، وما أكثر ما تتشابه المظاهر والشارات، وتختلف من ورائها نيات ومقاصد وغايات، ثم لا تنسَي يا عزيزتي أنّ هذه اللحى لحى أوروبية، أو ذات أنساب وأرحام في أوروبا، ومن كان ذا حاله فله في هذا العالم منزلة عظمى وشان أيما شان. أولا تذكرين أولئك الجنود المرتزقة الأوربيين الذين لا تتجاوز عدتهم أصابع اليد الواحدة، أرأيتِ كيف تقوم لهم الدنيا وتقعد حين حكم عليهم بالإعدام في إفريقيا لما ارتكبوه من جرائم تشيب لهولها الولدان. ولكن شعبا ليس بأوروبي وليس بذي نسب في أوربا يقتلع من أرضه اقتلاعا ويبعثر في أرجاء الأرض، فلا تقوم له تلك الدنيا ولا تقعد ولا يكاد يرثيه منها أحد. ومن المحتمل يا عزيزتي أن يكون صاحب ذاك الفندق ملحداً أو ذا ميل إلى الإلحاد، أو حفيد أم ذات عداوات قديمة وأحقاد. ومهما يكن من أمر ذاك الرجل فإنّ لك في هذا العالم أعداء كثيرين، يحاربون بأسلحة شتّى لا يفترون، ويجرِّبون وسائل كثرا لا ييأسون، وأنتِ على رغمهم أجمعين ثابتة صامدة لا تقهرين. يجتثونك صباحا فتظهرين لهم مساء، ويجتثونك مساء فإذا أنت ملء عيونهم حين يصبحون، فهم منك في شغل شاغل وهم مقيم غير راحل. ألا تهدئين وتنعمين وتنامين! انظري، ما أجمل السماء! وما ألطف هذا الهواء! وما أروع النجوم! وما أطيب النوم دون هموم!. وبعد فالحق يا لحيتي العزيزة أنّ لك حسنات كثيرة أدّخرها عند الله ليوم القيامة، ولأصبرنّ على ما ألاقي فيك من أذاة وإعنات من أناسيّ هذه الأيام. عبد الرؤوف اللبدى وا إسلاماه! إنتاج الخمور في المغرب ارتفع منذ سنة ٦٥ إلى ٧٥ من ٦٠٠٠٠٠ هكتوليتر إلى ١٢٧٣٤٦٣ هكتوليتر في السنة, وأنّ ثلثيها يستهلك داخليا, وأنّ العائدات من الخمور قد بلغت أكثر من مأتي مليون درهم.

стр. 6053

المصادر: كتابة الدولة المكلفة بالتخطيط والتنمية. مديرية الإحصائيات ط٧٥. جريدة الحياة الاقتصادية بالفرنسية. جغرافية حوض البحر الأبيض المتوسط قسم٤ مقرر من طرف الوزراء. عن جريدة النور الصادرة في المغرب

стр. 6054

تعقيب.. لا تثريب بقلم الشيخ محمد المجذوب المدرس بكلية الدعوة وأصول الدين يا أنصار الغناء.. تعالوا إلى كلمة سواء لفضيلة الشيخ سيد سابق منزلة في قلوب قرائه وعارفيه، وهو حقيق بذلك بما أسهم فيه من تجديد للفكر الديني، فبكتابه (فقه السنة) يشد القارئ إلى المنبع الأصيل من كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، وفي مقالاته التي يطالع بها قراءه في المنشورات الإسلامية عمق وتحليل يساعدان على إبراز المكنونات البعيدة من المعاني التي لا يقع عليها إلا الممتازون الملهمون. ولكن إعجابنا بالشيخ من هذه الناحية لا ينبغي أن يصرفنا عن الجوانب الأخرى التي يدفعه الاجتهاد بها إلى نتائج لا يكون دليله فيها من النوع القطعي، وقد ينطوي إغفال التنبيه إليها على مؤثرات بعيدة المدى في قلوب الشباب الذين لم تنضج لديهم ملكة النقد والتمييز. قبل أيام وقع في سمعي صوت الشيخ في إذاعة الكويت وهو يجيب على سؤال يتعلق بالغناء وموقف الإسلام منه، وخشيت أن يغلبني النوم فيفوتني بعض رأيه فضغطت إصبع المسجل ليحتفظ لي ببقية كلامه كي أعود إليه فيما بعد، وأستعيد جواب الشيخ - حفظه الله - فإذا هو يتحدث عن أنواع الغناء الذي يعتبر من المباح الطيب، فتغنّ في الفرح إشهارا له وإعلانا عنه، وتغنّ في الأعياد إظهارا للسرور، وتغن للجنود لينشطوا في الجهاد في سبيل الله.. ثم يعقب على ذلك بقوله: "والغناء ما هو إلا كلام حسنه حسن وقبيحه قبيح، فإذا عرض له ما يخرجه عن دائرة الحياء كان حراما مثل أن يهيِّج الشهوة، أو يتخذ ملهاة عن القيام بالواجب وطاعة الله". ويذكر خبر الجاريتين اللتين كانتا تغنيان وتضربان بالدف في بيت رسول الله، وقد أنكر عليهما الصديق ﵁ ذلك، فقال له نبي الله ﷺ : "دعهما.. فإنها أيام عيد." دور الغناء في تاريخنا:

стр. 6055

وقبل التعقيب على كلمات الشيخ لا نرى مندوحة عن التذكير بالظروف التي تطرح فيها مثل هذه الأسئلة، وموقف الفقيه في تقديرها عندما ينتدب للجواب عليها.. فما زال صحيحا أنّ الحكم في الشيء فرع عن تصوره، وأقل ما يجب التنبيه إليه بإزاء هذا الضرب من الاستفتاءات - بل الاستدراجات - هو ذلك الوضع الذي صار إليه الغناء منذ غياب العهد الراشدي، وما أعقبه من تخلخل الضوابط الإسلامية في حياة المجتمع، حتى غلب اللهو على الجد، واقتحم المجون ميدان التوجيه الشعبي، فزاحم عليه كل المقومات الفضلى، وبذلك أفرغت نفوس العامة من عناصر القوة، ثم انتهت إلى الانهيار الذي دمّر أخيرا حضارة الإسلام، وذهب بقوة المسلمين في غرب العالم الإسلامي وشرقه.. الإسلام والغرائز: إنّ الغناء في أصله ليس إلا وسيلة فطرية للتنفيس عن النفس، فإليها يلجأ الإنسان في فرحه وحزنه وحيرته وقلقه، وذلك أمر مشهود في الطفل والشيخ، والمحزون والمحبور والمتعب، وحتى في الحيوان، وغير معقول أن يمنع الإسلام هذه الغزيرة من التعبير عن ذاتها عند الحاجة، وهو الذي راعى في نظامه الأقوم وآدابه البنّاءة كل جوانب الفطرة, فأرشد إلى خير السبل في توجيهها واستصلاحها والموازنة بين عناصرها جميعاً.

стр. 6056

ولنضرب لذلك مثلا بفن الرسم.. إنه دون ريب تعبير فطري عن هوى أصيل في أعماق النفس البشرية، ينزع بها إلى محاكاة الواقع خارج الذات، أو يحفزها إلى تصوير مشاعرها الذاتية من الداخل، وليس هو خاصا بنفس دون أخرى، ولكنه يتفاوت من حيث القوة بتفاوت الأسباب، حتى يكون في واحد أشد بروزا أو خفاء منه في الآخر، وقد عالج الإسلام هذه الموهبة بتوجيهها في الطريق الأسلم، فنهى المسلم عن تصوير ذات الروح، في حين فتح له أبواب الطبيعة على مصراعيها.. يحاكي أشكالها، أو يبدع ما شاء له الخيال من الأشكال الجديدة، حتى امتاز في العالم بفن طريف لا يزال موضع الدهشة والمتعة عند كل ذي حس جمالي.. وبذلك صانه من السقوط في أوحال عبادة الجسد، التي انصرف إليها الفن الوثني وورثته في الغرب والشرق.. وعلى هذه القاعدة الحكيمة عالج الإسلام موضوع الغناء، فلم يقهر غريزة المسلم على تركه نهائيا، ولم يدعه لأهوائه تنطلق به في طريق الشعوب، التي اتخذت منه علما يدرس، وفنا يمارس، ثم صار بها الأمر إلى أن جعلت منه عبادة أقامت لها الآلهة، ونصّبت لها التماثيل.. وأقبل عليها الجميع فلا يحسن سواها، وهاو لا يستطيع عنها فكاكا، فهو ينظر إلى هؤلاء المحترفين للغناء كما ينظر العبد إلى ربه.. الإسلام والغناء: أجل.. لقد سما الإسلام بالمسلم عن هذا الشذوذ النفسي، فوفر له المجالات التي تشبع غريزته من الغناء ضمن حدود الحكمة.. فأمره بترتيل القرآن، وحسَّن له التغني به، وجعل لهذا الترتيل أصولا تصور معاني القرآن، وتبرز جمال صياغته المعجزة، كما تحفظ في الوقت نفسه للعربية ألقها الباهر، وخصائصها المميزة على مر الدهر.. وبذلك أقام الإسلام للمسلم فنا جديدا يروي ظمأه، ويمتع وجدانه، ويسمو بأشواقه الروحية إلى آفاق لا يحلم بها سواه..

стр. 6057

هذا إلى أنه لم يضيِّق على النفس من الجوانب الأخرى، فأباح لها التغني في مختلف المناسبات، كالزفاف واستقبال المسافر، وفرص الأعياد، دون أن يفرض عليها قيداً سوى نظافة الكلمة، ورصانة التصرف الذي يليق بالإنسان الكريم. وهكذا يتخذ الغناء في ظل الإسلام مظهرين يبدو في أحدهما فنا مستقلا له قواعده وقوانينه، وله ثماره وأهدافه التربوية، المتمثلة في تجديد الأشواق الوجدانية، وإعداد النفس للجلوات الروحية.. ويكون الثاني انطلاقا مع الفطرة في الأحوال التي تستدعي ذلك الانطلاق..

стр. 6058

وطبيعي أن دينا يعد الإنسان لمهمة الهداية الإلهية والقيادة العالمية، يستحيل أن يرضى عن تلك الحفلات الموسيقية التي يحتشد لها عشرات الآلاف، بل الملايين من الناس، عن طريق المشاهدة المباشرة.. وغير المباشرة، وقد رتَّب في صدرها المنقطعون إلى العزف بمختلف الأدوات حتى خشاخيش الأطفال.. وانتصب في وسطهم ذلك المغني أو تلك القينة، تتهاوى على أعين الهواة في تمعج وكبرياء يخيل إليها أنها تحيي وتميت.. وقد يتوهم بعض ناظريها أن بيدها الإسعاد والإشقاء، فلا يتمالك أن يقفز نحوها ليمرِّغ وجهه على قدميها، كما فعل الممسوس الذي نشرت مجلة (العربي) صورته، وجبهته على قدمي أم كلثوم، وهي تغني على المسرح الفرنسي في باريس.. ولم يكن هذا المعتوه بدعا من الخلق، فقبله كان شاعر الفجور الأكبر عمر بن أبي ربيعة إذا أخذه الوجد بالصوت يصرع فلا يصحو إلا أن ينضح بالماء.. وفي الأندلس يبلغ الهيام بالغناء إلى حد أن خليفة لا يتمالك أن ينخلع من وقاره بازائه، فإذا هو ينهض ليتراقص مع ابن شُهيد الشاعر الماجن على ألحان القيان.. ويسري ذلك في العامة حتى يحتشدون بالآلاف حول القصور ليشاركوا في السماع، تماما كما يفعل اليوم مئات الألوف بل الملايين حين يقضون معظم الليل في الاستماع إلى مسجلات تلك المغنية، التي برهن المليون من مشيعي جنازتها أن هذا الضرب من المخلوقات أعلى وأغلى في قلوبهم من عباقرة العلم، وأبطال الجهاد وسائر أصناف البشر دون استثناء.. ولعل قراء هذه الأسطر لم ينسَوا بعد أن زوجة رئيس الوزراء في إحدى دول المسلمين قد تخلّت عن بعلها وأطفالها لتلحق بفنان هامت بألحانه، وسكرت بأنغامه، فلم تصح إلا وقد نقضت غزلها وخربت بيتها بيدها، وخنقت في قلبها المسحور كل مشاعر الأمومة..

стр. 6059

ومَن مِن الناس لم يسمع بتهارش النسوة على فريد الأطرش، هذه تفضله، وتلك تفضل عليه، حتى ينتهي الأمر بينهما إلى التضارب بل إلى استخدام السكاكين.. أي والله السكاكين!.. واقع الغناء اليوم: ونعود الآن إلى عبارات الشيخ.. إنه يقر الغناء في نطاق المباحات، إلاّ أن يعرض له ما يخرجه عن ذلك بأن يهيّج شهوة أو يدعو إلى فسق، أو ينبّه إلى شر، أو يتخذ ملهاة عن القيام بالواجب وطاعة الله. والمفروض في فضيلته أنه ملمّ بروح عصره وبيئته، فلا يفوته واقع الغناء الذي أصبح فنّاً يجتذب الملايين، وله أساطينه الذين لا يقيمون وزنا لهذه الشروط التي أوردها, وها هي ذي أغانيهم المترددة على الألسن، مشحونة بالمهيّجات المفسدات الدافعات إلى كل شر وفسوق، لا تغطّي سوءاتها قصيدة في مدح الرسول، أو أنشودة في الحث على الجهاد.. أمّا إلهاؤها عن الواجب وطاعة الله فيسأل عنه جماهير المفتونين بها، الذين يترقبون فرص تلك المسجلات ليساهروها إلى ثلث الليل الأخير، دون أن يغمض لهم جفن، حتى إذا سكتت سقطوا في فرشهم مخمورين ذاهلين لا يعلمون، ما يعلمون وهم عن ذكر ربهم غافلون، وعن النهوض لصلاة الفجر - حتى لو أرادوها - عاجزون.. ثم هل نسي الشيخ حفظه الله أنّ الغناء الذي يسأله عنه السائل ليس هو ذلك العفوي الذي تستدعيه المناسبات المباحة، بل هو ذلك الفن الذي تعقد له الحفلات العامة، وتنفق فيه الأموال الطائلة، وتسخر لبثه أجهزة الدولة، ويعطي (الأرتيست) كل الفرص لاحتكار الثروات، وامتلاك العقارات، والوصول من الغنى إلى أعلى الدرجات! مما لا يحلم ببعضه عالم مكين ولا عامل أمين.. وهل نسي فضيلته أنّ جوابه، البعيد عن هذا الواقع، سيعطي دعاة هذا المجون فرصا جديدة لترويج سلعتهم، حتى في أوساط البسطاء من أهل الدين!. الغناء المباح والمنكر:

стр. 6060

أما استناد الشيخ في حِلّيِة الغناء على خبر الجاريتين اللتين كانتا تغنيان وتضربان الدف في بيت رسول الله ﷺ فلا بد من الوقوف عنده قليلا، ذلك لأنّ الناصرين لفنون الغناء كثيرا ما يلوحون به في وجوه المتحفّظين بشأنه، على حين أن الأمر لا يزيد على دفّ وطفلتين، كما حقّق ذلك أولوا العلم من أئمة الحديث.. ومع ذلك فلا شائبة في غناء النساء بالكريم من القول في مثل تلك المناسبات، على أن يظل ذلك في حدود المشروعات، أمّا حين يصل أمر الغناء إلى ما هو عليه الآن فلن يواجه من الشريعة إلاّ الرفض والإنكار، لما يترتب على شيوعه من توهين للعزائم، وتمييع للنفوس، وتعطيل للطاقات، ونشر للتخنث، ومن هنا جاء الحكم برد شهادة المحترف للغناء في القضاء الإسلامي، كما فعل ذلك القاضي المصري الفاضل حين رد شهادة مغنّ، على الرغم من سخط الفنانين ومَن وراءهم - جزاه الله خيراً -.. الدف والمعازف: ثم احتجاج بعضهم بالدف لإباحة المعازف، على اختلاف أشكالها فمردود بإجماع الأئمة الأربعة على تحريم آلات اللهو جميعا لقوله ﷺ في الحديث الذي أخرجه البخاري وغيره: "ليكونن من أمتي أقوام يستحلُّون الحر والحرير والخمر والمعازف"
следующие страницы →