Полный текст (23 804 стр.). Показаны 6056–6095 · переход к 6061.
стр. 6056
ولنضرب لذلك مثلا بفن الرسم.. إنه دون ريب تعبير فطري عن هوى أصيل في أعماق النفس البشرية، ينزع بها إلى محاكاة الواقع خارج الذات، أو يحفزها إلى تصوير مشاعرها الذاتية من الداخل، وليس هو خاصا بنفس دون أخرى، ولكنه يتفاوت من حيث القوة بتفاوت الأسباب، حتى يكون في واحد أشد بروزا أو خفاء منه في الآخر، وقد عالج الإسلام هذه الموهبة بتوجيهها في الطريق الأسلم، فنهى المسلم عن تصوير ذات الروح، في حين فتح له أبواب الطبيعة على مصراعيها.. يحاكي أشكالها، أو يبدع ما شاء له الخيال من الأشكال الجديدة، حتى امتاز في العالم بفن طريف لا يزال موضع الدهشة والمتعة عند كل ذي حس جمالي.. وبذلك صانه من السقوط في أوحال عبادة الجسد، التي انصرف إليها الفن الوثني وورثته في الغرب والشرق..
وعلى هذه القاعدة الحكيمة عالج الإسلام موضوع الغناء، فلم يقهر غريزة المسلم على تركه نهائيا، ولم يدعه لأهوائه تنطلق به في طريق الشعوب، التي اتخذت منه علما يدرس، وفنا يمارس، ثم صار بها الأمر إلى أن جعلت منه عبادة أقامت لها الآلهة، ونصّبت لها التماثيل.. وأقبل عليها الجميع فلا يحسن سواها، وهاو لا يستطيع عنها فكاكا، فهو ينظر إلى هؤلاء المحترفين للغناء كما ينظر العبد إلى ربه..
الإسلام والغناء:
أجل.. لقد سما الإسلام بالمسلم عن هذا الشذوذ النفسي، فوفر له المجالات التي تشبع غريزته من الغناء ضمن حدود الحكمة.. فأمره بترتيل القرآن، وحسَّن له التغني به، وجعل لهذا الترتيل أصولا تصور معاني القرآن، وتبرز جمال صياغته المعجزة، كما تحفظ في الوقت نفسه للعربية ألقها الباهر، وخصائصها المميزة على مر الدهر.. وبذلك أقام الإسلام للمسلم فنا جديدا يروي ظمأه، ويمتع وجدانه، ويسمو بأشواقه الروحية إلى آفاق لا يحلم بها سواه..
стр. 6057
هذا إلى أنه لم يضيِّق على النفس من الجوانب الأخرى، فأباح لها التغني في مختلف المناسبات، كالزفاف واستقبال المسافر، وفرص الأعياد، دون أن يفرض عليها قيداً سوى نظافة الكلمة، ورصانة التصرف الذي يليق بالإنسان الكريم.
وهكذا يتخذ الغناء في ظل الإسلام مظهرين يبدو في أحدهما فنا مستقلا له قواعده وقوانينه، وله ثماره وأهدافه التربوية، المتمثلة في تجديد الأشواق الوجدانية، وإعداد النفس للجلوات الروحية.. ويكون الثاني انطلاقا مع الفطرة في الأحوال التي تستدعي ذلك الانطلاق..
стр. 6058
وطبيعي أن دينا يعد الإنسان لمهمة الهداية الإلهية والقيادة العالمية، يستحيل أن يرضى عن تلك الحفلات الموسيقية التي يحتشد لها عشرات الآلاف، بل الملايين من الناس، عن طريق المشاهدة المباشرة.. وغير المباشرة، وقد رتَّب في صدرها المنقطعون إلى العزف بمختلف الأدوات حتى خشاخيش الأطفال.. وانتصب في وسطهم ذلك المغني أو تلك القينة، تتهاوى على أعين الهواة في تمعج وكبرياء يخيل إليها أنها تحيي وتميت.. وقد يتوهم بعض ناظريها أن بيدها الإسعاد والإشقاء، فلا يتمالك أن يقفز نحوها ليمرِّغ وجهه على قدميها، كما فعل الممسوس الذي نشرت مجلة (العربي) صورته، وجبهته على قدمي أم كلثوم، وهي تغني على المسرح الفرنسي في باريس.. ولم يكن هذا المعتوه بدعا من الخلق، فقبله كان شاعر الفجور الأكبر عمر بن أبي ربيعة إذا أخذه الوجد بالصوت يصرع فلا يصحو إلا أن ينضح بالماء.. وفي الأندلس يبلغ الهيام بالغناء إلى حد أن خليفة لا يتمالك أن ينخلع من وقاره بازائه، فإذا هو ينهض ليتراقص مع ابن شُهيد الشاعر الماجن على ألحان القيان.. ويسري ذلك في العامة حتى يحتشدون بالآلاف حول القصور ليشاركوا في السماع، تماما كما يفعل اليوم مئات الألوف بل الملايين حين يقضون معظم الليل في الاستماع إلى مسجلات تلك المغنية، التي برهن المليون من مشيعي جنازتها أن هذا الضرب من المخلوقات أعلى وأغلى في قلوبهم من عباقرة العلم، وأبطال الجهاد وسائر أصناف البشر دون استثناء..
ولعل قراء هذه الأسطر لم ينسَوا بعد أن زوجة رئيس الوزراء في إحدى دول المسلمين قد تخلّت عن بعلها وأطفالها لتلحق بفنان هامت بألحانه، وسكرت بأنغامه، فلم تصح إلا وقد نقضت غزلها وخربت بيتها بيدها، وخنقت في قلبها المسحور كل مشاعر الأمومة..
стр. 6059
ومَن مِن الناس لم يسمع بتهارش النسوة على فريد الأطرش، هذه تفضله، وتلك تفضل عليه، حتى ينتهي الأمر بينهما إلى التضارب بل إلى استخدام السكاكين.. أي والله السكاكين!..
واقع الغناء اليوم:
ونعود الآن إلى عبارات الشيخ..
إنه يقر الغناء في نطاق المباحات، إلاّ أن يعرض له ما يخرجه عن ذلك بأن يهيّج شهوة أو يدعو إلى فسق، أو ينبّه إلى شر، أو يتخذ ملهاة عن القيام بالواجب وطاعة الله.
والمفروض في فضيلته أنه ملمّ بروح عصره وبيئته، فلا يفوته واقع الغناء الذي أصبح فنّاً يجتذب الملايين، وله أساطينه الذين لا يقيمون وزنا لهذه الشروط التي أوردها, وها هي ذي أغانيهم المترددة على الألسن، مشحونة بالمهيّجات المفسدات الدافعات إلى كل شر وفسوق، لا تغطّي سوءاتها قصيدة في مدح الرسول، أو أنشودة في الحث على الجهاد.. أمّا إلهاؤها عن الواجب وطاعة الله فيسأل عنه جماهير المفتونين بها، الذين يترقبون فرص تلك المسجلات ليساهروها إلى ثلث الليل الأخير، دون أن يغمض لهم جفن، حتى إذا سكتت سقطوا في فرشهم مخمورين ذاهلين لا يعلمون، ما يعلمون وهم عن ذكر ربهم غافلون، وعن النهوض لصلاة الفجر - حتى لو أرادوها - عاجزون..
ثم هل نسي الشيخ حفظه الله أنّ الغناء الذي يسأله عنه السائل ليس هو ذلك العفوي الذي تستدعيه المناسبات المباحة، بل هو ذلك الفن الذي تعقد له الحفلات العامة، وتنفق فيه الأموال الطائلة، وتسخر لبثه أجهزة الدولة، ويعطي (الأرتيست) كل الفرص لاحتكار الثروات، وامتلاك العقارات، والوصول من الغنى إلى أعلى الدرجات! مما لا يحلم ببعضه عالم مكين ولا عامل أمين.. وهل نسي فضيلته أنّ جوابه، البعيد عن هذا الواقع، سيعطي دعاة هذا المجون فرصا جديدة لترويج سلعتهم، حتى في أوساط البسطاء من أهل الدين!.
الغناء المباح والمنكر:
стр. 6060
أما استناد الشيخ في حِلّيِة الغناء على خبر الجاريتين اللتين كانتا تغنيان وتضربان الدف في بيت رسول الله ﷺ فلا بد من الوقوف عنده قليلا، ذلك لأنّ الناصرين لفنون الغناء كثيرا ما يلوحون به في وجوه المتحفّظين بشأنه، على حين أن الأمر لا يزيد على دفّ وطفلتين، كما حقّق ذلك أولوا العلم من أئمة الحديث.. ومع ذلك فلا شائبة في غناء النساء بالكريم من القول في مثل تلك المناسبات، على أن يظل ذلك في حدود المشروعات، أمّا حين يصل أمر الغناء إلى ما هو عليه الآن فلن يواجه من الشريعة إلاّ الرفض والإنكار، لما يترتب على شيوعه من توهين للعزائم، وتمييع للنفوس، وتعطيل للطاقات، ونشر للتخنث، ومن هنا جاء الحكم برد شهادة المحترف للغناء في القضاء الإسلامي، كما فعل ذلك القاضي المصري الفاضل حين رد شهادة مغنّ، على الرغم من سخط الفنانين ومَن وراءهم - جزاه الله خيراً -..
الدف والمعازف:
ثم احتجاج بعضهم بالدف لإباحة المعازف، على اختلاف أشكالها فمردود بإجماع الأئمة الأربعة على تحريم آلات اللهو جميعا لقوله ﷺ في الحديث الذي أخرجه البخاري وغيره: "ليكونن من أمتي أقوام يستحلُّون الحر والحرير والخمر والمعازف"
стр. 6061
وممّا يسترعي الانتباه في الحديث جمعه ﷺ بين هذه المنكرات الأربع، بما يشير إلى ارتباط بعضها ببعض، وإلى انسلاخ أصحابها من أخلاق الإسلام، ولهذا لم يرد في سائر الآثار التي عرضت للغناء المباح ذكر لغير الدف - أو الغربال وهما واحد - من أدوات اللهو، مع أنّ العرب قد عرفوا العديد من الآلات الوترية وغيرها أثناء. وإنما دخلت على المسلمين هذه الموسيقي المفلسفة في القرن الثالث على أيدي الفارابي وابن الراوندي وابن سينا وأضرابهم تأثراً بما قرؤوه عنها في تعاليم أرسطو وأتباعه من المشائين، فهي والحالة هذه فن دخيل لا علاقة له بالإسلام، ولا سبيل لإفراغ الصبغة الإسلامية عليه، مهما تكلف المتكلفون، ودبج في الترويج له الكاتبون والمؤلفون!..
وأخيراً أن كثيرين من المخدوعين بدعايات اللهو مأخوذون بالقول أنّ للموسيقي أثرها البالغ في إرهاف الشعور وترقيق القلوب، وتزكية النفوس، وتهذيب الأخلاق، وهو ما ذهب إليه اتباع الفلسفة اليونانية، من المتهمين بدينهم في العصر العباسي وبخاصة أصحاب (رسائل إخوان الصفا) . والواقع أنّ الموسيقي سواء كانت خالصة أو مزيجة بالغناء إنما هي ضرب من وسائل التهييج والتخييل، كأيّ صنف من المخدرات المشتتة للوعي, وهذا ما حفّز هؤلاء إلى أن يدّعوا ما نسبوه إليها من الخصائص، وليس زعمهم هذا إلا كزعم مدمني الخمر والمخدرات حين يقولون: إنها تمنحهم لحظات من السعادة لا سبيل إليها إلا عن ذلك الطريق..
стр. 6062
والحق أنّ الأمر على خلاف ما يزعم غواة هذه الفنون، ولو صح بعض ما ادعوه للموسيقى من فضيلة لظهر في أخلاق الغربيين، الذين يعتبرونها غذاءهم النفسي، وعبادتهم اليومية..ومع ذلك فهم أقسى الخلق قلوبا، وأشدهم بغيا وظلما واستكبارا على عباد الله، واستهتارا بحقوق الضعفاء.. وقد حدث أن زميلا لي كان يتحدث ذات يوم عن الموسيقى حتى ليقول: إنها تجعل من وحشي الطباع إنسانا رقيقا رفيعا. وكان ذلك أثناء الثورة الجزائرية، وقد انطلق الوحش الفرنسي يدمّر الجزائر على رؤوس أبنائها، فقلت: لذلك ترى الفرنسيين يقتلون إخوانك على أنغام الموسيقى! ولمدمني الغناء المشغولين به يقربهم من الله - عياذا بال له- نقول: على رسلكم فاسمعوا إلى شهادة ابن مسعود ﵁ في هذا الضرب من اللهو إذ يقول: "الغناء ينبت النفاق في القلب كما ينبت الماء الزرع [١] وأي نفاق أكبر من أن يسمع أحدهم كتاب الله يرتّل، وحديث رسوله يتلى فلا تحنُّ جوارحه ولا يوجل قلبه، ثم لا يتمالك أن يصعق - كابن أبي ربيعة - أو يكاد إذا مرّ بسمعه ترجيع غانية على لحن معزف!.
ولأنصار الغناء وعشّاق نجومه نقول أيضا: بوسعكم أن تستنصروا لقضيتكم بتلاميذ الفلسفة الإغريقية، وبإخوان الصّفا الباطنية، وبسيفا راقصة المعابد الهندية، وحتى بالحواة الذين يستخرجون الثعابين من جحورها بالمعازف والألحان الغنائية.. أمّا أن تحاولوا الاتكاء على الإسلام في ترويج بضاعتكم فجهد مهدور لا حصيلة له سوى الإخفاق ولو أفتاكم المفتون، وخدع بدعايتكم المغفلون..
ومعذرة لفضيلة الشيخ الذي نكنُّ له كل تقدير.
على أبواب السبعين
من شعر فضيلة الشيخ محمد المجذوب
لذاذة عيشة وصلاح جسمِ !
أبعد التسع والستين أرجو
بأحشائي وأعصابي ولحمي
وقد وهت القوى وسرى التلاشي
من أصناف الغذاء بغير دعم
ولست بمستطيع هضم شيء
فلم أهجع ولم أنعم بحلم
стр. 6063
ولولا (الفاليوم) هلكت سهداً
الصبا عنه - ضياع في خضم
وعمر المرء - إذ ينقض ظلّ
من التقوى - سوى قفر أصم
وما روض الشباب - إذا تعرّى
قليل لو وقفت عليه همي
فحتام التشاغل عن مصير
يزل كالأمس إيماني وعزمي!
وفيم اليأس يغشاني ولما
على نوب الحياة وزاد علمي
وأدبني الزمان فزدت صبراً
بما وسعن من آفاق حِلمِي
وضَيَّقتِ السنون خطاي لكن
من الماضي الذي هو محض وهم
وما أبقت لي الأقدار أغلى
ظفرت من الوجود بخير غنم
فإن أحسن به لله شكراً
--------------------------------------------------------------------------------
[١] سنن أبي داود ج٧ رقم ٤٧٥٩, وقد تقرر لدى المحققين أنه من الآثار الموقوفة عليه, ولكنه من حيث المعنى بمنزلة المرفوع.
стр. 6064
قطرات من الضوء في رحلة قلم
لفضيلة الشيخ عبد الحميد ربيع
عندما تزدحم الأفكار في ذهن الكاتب، وتتكاثر التجارب أمام رؤيته الوحدانيّة, يحار, أيّها يأخذ, وأيّها يدع. وكل فكرة تطل بعينيها، وتدعوه أن يبدأ بها. وكل تجربة تتحرك أمامه, وتعرض أنواعها وألوانها, لعلها تأخذ مكانها إلى عالم النور, حيث تكون أول ما يعانق سن القلم، وينساب على أسلاته. بيانا أخاذا رائعا.
والكاتب ينظر ويتأمل, وبين هذه النظرات والتأملات يتوقف القلم ويختفي إشراق العبارة بين أمواج الفكر وتيار الوجدان.. ومن هنا يلجأ إلى طريق صريح مريح, هو أن يطلب إلى قلمه أن يحدِّثه، وينقل إليه بعض رحلاته وجولاته في عالم الفكر والحياة.
وهذا ما دار بيني وبين القلم, وما قصّهُ عليّ من إشراقه وانطلاقه, أتحدث به إليك أيها القارئ الصديق.
قلت لقلمي والأفكار تتصاعد إلى خاطري، والأحاسيس تتوافد على وجداني, فأدفعها دفعاً, وأصدّ تيّارها العارم المتدفق في رفق وأناة..
قلت: يا قلمي الحبيب, إني لا أريد أن تنهل مني, ولا أن تأخذ عني. قال القلم: ماذا تريد إذن؟
قلت: أريد أن تتحدث إليّ, وأن تحمل إلى سمعي كيف كنت؟ وكيف رحلة الضوء في حياتك, وأنت تتحرك مع الإيمان, وتنتقل مع قصة الإنسان؟.
قال القلم: إذن سأختار لك قطرات من الضوء, أحملها إلى فكرك ووجدانك حتى أذكرك كيف كنت, وكيف كان لقائي المضيء الجريء مع الأدباء والشعراء.
اسمع يا صديقي لقد كان القلم الأعلى أول شيء خلقه الله، وقد أمره الله أن يكتب, فكتبَ القدر, ودوَّن في تلك الساعة ما كان وما هو كائن إلى الأبد, وقد تحدّر إليّ نوره وفكره, وهأنذا أحدثك بلسانه, قلت: وكيف؟ قال: ألم تقرأ ما قاله الوليد بن عبادة ابن الصامت؟.
стр. 6065
قلت: بلى, ولكن ذكرّني وبصّرني بما أعطاك الله, وأفاض عليك, قال: سأفعل, ولكن لا تقاطعني حتى أتمّ هذه القطرات واللقطات, من أضواء الإيمان، ونبضات البيان.
قلت: هذا وعد وعهد.
قال: الآن أكمل ما بدأت فأعرني سمعك, والتفت إليّ بوجدانك, وها هي ذي كلماتي تسعى إليك.
أما كيف كنت أوّل شيء خلقه الله, فسأتلو عليك ما قيل في ذلك: فقد قال الوليد بن عبادة بن الصامت: أوصاني أبي عند موته فقال: يا بُنَيَّ اتق الله, واعلم أنك لن تتّقي, ولن تبلغّ العلم, حتى تؤمن بالله وحده, والقدر خيره وشره, سمعت النبي ﷺ يقول: "إن أوّل ما خلق الله القلم, فقال له: أكتب, فقال: يا رب وما أكتب؟ فقال: أكتب القدر, فجرى القلم في تلك الساعة، بما كان، وما هو كائن إلى يوم الأبد" [١] .
وهكذا أراد الله أن أسجل كلَّ شيء كما أمرني الله.
وقد روى ابن جرير بسنده عن ابن عباس أنه كان يحدث أنّ رسول الله ﷺ قال: "إن أوّل شيء خلقه الله القلم فأمره فكتب كلّ شيء" [٢] .
وهكذا تحرّكت أول ما تحركت بقدر الله, وجريت أول ما تلألأ النور في منيَّ بما أمر الله, فكانت قطرات الضوء الأولى حين خلقني الله قدرا وأمرا, فكنت غامر السعادة بيِّنَ الجلال والكمال.
стр. 6066
ثم شاء الله أن أبدأ الرحلة مع خلق الله, فسرت في الوجود, تشرق الحياة على قطرات سِنَّى: علماً وإدراكاً وإيماناً, وتختفي معالمها حين تظلم الحياة في الضمائر, وتعمى بالناس المسالك والمدارك, فينسَوْني, أو يريدون إليّ أن أحيا مع الظلم والظلام, وأن تتحوّل قطرات الحبر بين شِقَّيّ دَماً مسفوحاً وشرعاً مذبوحاً, وأن أنشر الفزع والرعب, والخوف والدمار, بما يذيعونه في الناس: من نذر ثم من مصادرة للأنفاس, ثم من إرهاق للأرواح، ثم تجري قطرات الحبر دموعا، ويتحوّل صريري على الأوراق أنيناً ممزقاً، وتوجعاً محموماً, ثم أنظر إلى الضحايا والحيارى فأراهم ملحمة مأسوية تفيض بنزيف لا ينصب من الدم الشريف البريء. وأتمنى لو كانت هناك قلوب تترجم إحساسي وتدرك لهاث أنفاسي, إذاً لتكاثرت وتآزرت, وأسرعت لتلأم الجراح, وتعيد الصفاء للأرواح, وتطلع بين عناق القلوب فجر الأمان والإيمان, وظللت كذلك بين الأسى الدامع، والألم الفاجع. أنتظر بلهفة المفزع, وأمل المروَّع شعاع رجاء وقبس هداية وإنقاذ.
حتى كانت إطلالة الضوء للرسالة المحمدية, فأيقنت أن يقظة كبرى دَبّتْ في حياتي, وأن أضوائي ستنسج خيوط فجر جديد سعيد.
وبدأت الرسالة الكاملة الشاملة بالدعوة إلى القراءة, قراءة قصة الخلق, وقراءة العلم بالله الواحد, الذي فاض كرمه على الخلق, وزاد فضله عن الخلق، فعلّم الإنسان ما لم يعلم من أسرار الوجود, وآيات الكون.. ولكن كيف علّم الإنسان ما لم يعلم؟.
إنه تعالت قدرته, وتقَدس كماله, علَّمه بالقلم، ليعرف به ذاته، وليدرك أنواره وأسراره، وليبدِّد به الظلمة عن عَيْنَي الوجود، وليفتح به القلوب على آيات الله ونعمه, وليزيل غشاوات الأفكار والبصائر، حتّى يكون الإيمان الصادق المشرق هو لغة الحياة السويَّة النقيَّة.
стр. 6067
ومن هذا المنطلق السماويّ الصفيّ, سعيت بقطرات الضَوء، وتحرّكت مع الإنسان فسّجلت حياته وتاريخه, ودوّنت انتفاضاته ومعاملاته، كما حرّكْتُ في هالة الضوء إيمانه وبيانه، ونوّرت مع لغة قلبه حنانه ووجدانه, ثم أخذت كل ذلك، ووضعته في ضمير الزمن، ليتحرّك به فمه مع الأجيال وللأجيال, وليتحدث به في أذن التاريخ، وينتقل معه في رحلة الضوء، ومع قطراته الحبيبة الرحيبة، وليتقدم به إلى الكون حياة إنسان، وعهد إيمان، وإشراق علم وعمان، ومعالم حضارة إسلامية, بنت الوجود على العلم والكتاب، وجمعت شتاته على خير لسان وبيان.
ومن هنا كان قسم الله بالقلم وبالكتاب, فقد أقسم الله تعالى بي وبما أتحرك به على الورق ليسطّر وينوَر: من علم وفن وبيان في قوله تعالى: ﴿ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ﴾ .
وهو أعظم تكريم لي، ولما أدوّنه في كل زمان ومكان, فقد كان الوجود وما يزال مدينا لدعامتين: قلم وكتاب, يعني مدينا لي ولما أسطره ولا فخر..
وعلى هذا سارت قطرات الضوء في ركب الدعوة الإسلامية, لترى الدعامتين تقويان وترتفعان, حين تسير بهما على الألسنة, وبين الضمائر والخواطر, مشاعل الهداية، ومنائر الإخلاص والخلاص، لتأخذ بيد البشرية، وتمد لها طوق النجاة، لتجذبها من غمار الضلال والبهتان, إلى مراقي الإيمان والصدق والأمان.
ثم تقدمت في خشوع وإجلال لأتحرك بقطرات الضوء في موكب النبوة، فتابعت الرحلة, حينما تنزل الوحي على سيد المرسلين، وحينما تنقّل على أفواه الصحابة, وحينما صحبني الكاتبون، لأدوّن أحلى ما تحرّك به لسان، وأجمل ما نطق به فم, وأعظم ما قرأه رسول. وأقدس ما نوّر به لبان. لأدوّن القرآن الكريم.
فقد كان القرآن ما يكاد يتنزل وحْياً, وما يكاد يُتْلىَ نوراً, حتى تسعى له آذان الكون, وحتى تردده الخواطر والضمائر, وحتى يتحرك على أفواه المؤمنين الموقنين نورا ودستورا.
стр. 6068
وظلت كذلك في رحلة النور, إلى أن أكمل الله دينه, وثبت بين القلوب يقينه, وأصبح كل أصحاب رسول الله أضواء تسعى بالقرآن، وتمشي بين الناس بالعلم والعمل.
وفي موكب الجلال والكمال أخذت أتابع مشرق الوحي، حين يمضي بركب النبوة إلى ميادين الجهاد والنصر، فتأخذني العزة والفخر إلى منبع الإشراق والهدى. وحين تمت الرسالة بإتمام الدين, مضى الرسول الكريم إلى الرفيق الأعلى حين أتاه اليقين.
وهنا كادت تسيل قطرات الضوء دموعا, وتذيب الضلوع فزعا وهلوعا, ولكن تحركت الآيات وأضاءت الأصوات: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئاً وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ﴾ [٣] .
من هنا صحوت وآمنت بأمر الله، وأيقنت بحكمة الله، وسرت بقطرات الضوء مع الرسالة حين أخذت طريقها بين الصحابة والتابعين. وأصبح الحفاظ لكتاب الله، والواعين لسنة رسول الله، وأحاديثه الشريفة الجامعة. أخذ هؤلاء وأولئك يسيرون وكأنهم مصاحف بشرية تتحرك بين الناس، وكتب للسنة تنطلق كما كان يقول رسول الله ﷺ . وظل الحال كذلك رغم الخطوب والحروب.
وقد فزعت, وأشتد جزعي وهلعي حينما احتدم الأمر في حرب الرِّدة, وقتل كثير من حفاظ القرآن, ولكني اطمأننت حينما دعاني الخلفاء الراشدون لكتابة القرآن, وأخْذِه من أفواه الحفاظ, وتدوينه على اللخاف [٤] والجلود. وكان عملا أسعد حياتي حينما أتم الخلفاء الراشدون كتابة القرآن الكريم كلّه قبل أن ترحل البقيّة الباقية من الحفّاظ.
стр. 6069
ثم خفتت قطرات الضواء من أفق حياتي - لا تسلني يا صديقي كيف خفتت - إنها اختفت تحت غبار المعارك, وصليل السيوف, حينما ازدحمت الأجواء بالنقع, واختلطت الأشعة في الآفاق بالقتام والسهام. فقد احتدمت الفتن واصطدمت الجيوش, واحمرت المواقع, واصفرت الوجوه, وغاب عني البيان والأمان, فلم أدوِّن بين هذه الملاحم إلا الدموع والدماء, ولم أسجِّل إلا السلاح والجراح, في صراع دموي رهيب, تزهق فيه الأرواح الزكيّة التقيّة بيد أهلها وذويها, فكانت تسيل دماء القتيل لتنهمر دموع القاتل. إنّ قطرات الضوء لتتحرك معي, مندفعة من قلبي مع تصوير الشاعر الإسلامي لهذه المعارك, وما تسفر عنه من الفظائع والفواجع التي تتعانق فيها الدموع بالدماء, فيقول:
عليها بأيد ما تكاد تطيعُها
تقتِّلُ من وتْر ٍ أعزّ نفوسها
تذكرّت القُربي ففاضت دموعها [٥]
إذا احتربَتْ يوما ففاضت دماؤها
ثم ماذا أدوِّن بعد هذا, والدماء تسجّل على الرمال آلاف القتلى من عظماء المسلمين، إني أدوِّن لك - يا صديقي والحياء يغلبني - بعض الرسائل والوصايا والمحاورات, في لقاء للمجتمع, هين هادئ رزين.
وظللت بعد ذلك مستريحا, أترك مهمتي للأسماع, تعي ما يدور؛ من الشعر والطُّرَف, وأخبار المجالس, وأحاديث الأسمار.
ثم التقت قطرات الضوء على أوراقي مع إشراقة عهد جديد, طلع على الوجود مع أفواج حضارات غامرة باهرة, بدأت طلائعها تحمل في يديها أولى شعاعات العصر العباسي الأول.
وبدأت قطرات الضوء تشهد للكتابة والشعر ما أصبح صناعة خاصة وبراعة مونقة متقنة. تخصص لها أناس، واحترفها آخرون، وصعد على أشعة الضوء إلى أعلى المناصب كتّاب, وشعراء, وأدباء. عرفوا الكلمة وجعلوها سُلّماً إلى مطالبهم ومآربهم.
стр. 6070
ومن هؤلاء محمد بن عبد الملك الزيات, وكان أديبا بليغا، وشاعراً محسنا، متكامل الأداء والوفاء, قد استطاع بذكائه وعلمه أن يصعد إلى الوزارة, وأن يعمل وزيرا لثلاثة خلفاء, هم: المعتصم, والواثق, والمتوكل.
وقصة صعوده إلى الوزارة طريفة ظريفة, فقد صنع من علمه ولباقته سُلَّماً من القشِّ الهشِّ وصعد عليه إلى الوزارة.
فقد حدث أن الخليفة المعتصم سأل وزيره أحمد بن عمار البصري عن الكلأ ما هو؟ فقال ابن عمار: لا أدري, فقال المعتصم: أي حكم هذا؟ خليفة أميّ, ووزير عاميّ, ثم قال: انظروا من بالباب من الكتّاب فوجدوا محمد بن عبد الملك الزيات, وأحضروه إليه فسأله عن الكلأ؟ فقال: هو العشب على الإطلاق, فإن كان رطبا فهو الخلي, وإن كان يابسا فهو الحشيش, ثم شرع في تقسيم النبات فاستوزره وارتفع شأنه [٦] .
وأصبح له دولة وسلطان, حتى أقبل إليه الشاعر الملهم حبيب ابن أوس الطائي المعروف بأبي تمام, وأخذ يتودد إليه, وليس أجمل في هذا المقام من الحديث عن القلم الذي فضله وأوصله.
أرأيت - يا صديقي - كيف كانت صحبتي؟ وكيف أضاءت هذه الصحبة ذهن ابن الزيات, حتى استطاع أن يقول الكلمة في حينها, وأن يصعد عليها إلى ما يريد؟
стр. 6071
ولنعد إلى شاعرنا الملهم أبي تمام كيف حيّا صاحبه؟ وكيف تحدّث عني؟ إنه قال له: إنّ قلمه قد علا في منزلته حتى لا يستطيع أن يصل إليه كاتب, وأنه لبراعته إذا تحرّك على الورق متحدثا عن أمر، أصاب خفيّة وجليّة, وأنه لولا ما يكتبه في خلواته, وما يعطيه لقلمه من أسرار بلاغته, لما كان للمُلك تلك العزة والعظمة, التي تقام لها تلك الاحتفالات والمهرجانات, ثم يقول له: على أنَّ قلمك هذا إن شاءت عبارته بشدتها ونفاذها جعلت حبره سُمّاً قاتلا, وإن أرادت أساليبه ببراعتها ورقتها أحالت حبره عسلا مصفى, وإنّ قطرات الحبر التي تسيل على سنَّة يحسبها الغِرُّ الغافل طلا ورذاذا, ولكنها تفعل في الشرق والغرب ما لا يفعله المطر الغزير من الخير الكثير.
وإنّ هذا القلم إذا حملته أصابعك لتكتب به كان أفصح من دبّجَ وأنتج, وإن تخلّت عنه أصابعك كان أخرس لا يهمس, ولكنّه إذا احتضنته أناملك, واستوى بين أطرافها, وأخذ يدعو إلى فمه فرائد المعاني, أقبلت إليه روافد الفكر, الملأى بالمعارف واللطائف, وتفجّرت ينابيع البيان الحافلة بالروائع والعظائم. وعند ذلك تتجه الحرب كما يريد, وتنهزم الجيوش الجرّارة أمام همسة منه آمرة قاهرة.
وإذا أمدّه الفكر النابه, وسعت إليه العبارات تترى, وهي تتبارى في حسنها ورونقها, فأمتلأت بها الأوراق من أعلاها إلى أدناها, وقد بدأت الأفكار كالتيار, لا تنقطع ولا تمتنع, وهو يتحرك في مد زاخر نمامر, هنا تبدو عظمة شأنه, وهو يبدو نحيلا ضئيلا, ولكن أثره يطيح بالسمان العظام, إذا تحرك في حلبة الطعان والبيان.. أخذتني النشوة والعزة وأنا أنثر لك حديث أبي تمام عن القلم. يعني حديثه عني. وأحب أن تقرأ أنت يا صديقي شعره يقول:
تُصابُ من الأمر الكلىَ والمفاصل [٧]
لك القلمُ الأعلى الذي بشباتهِ
لما احتفلت للملك تلك المحافل [٨]
له الخلواتُ اللاء لولا نجيُّها
стр. 6072
وأرْيُ الجَنىَ اشْتَارَتْهُ أيد عواسل [٩]
لُعَاب الأفاعي القاتلات لعابه
بآثاره في الشرق والغرب وابل [١٠]
له رِيقَةٌ طلُّ ولكِنَّ وقعِها
وأعجم إن خاطبته وهو راجل [١١]
فصيح إذا استنطقته وهو راكب
عليه شعابُ الفكر وهي حوافلُ [١٢]
إذا ما امتطى الخمسَ اللطافَ وأفرغت
لنجواه تقويضَ الخيام الجحافل [١٣]
أطاعته أطرافُ القَنَا, وتَقَوَّضَتْ
أعاليه في القرطاس وهي أسافل [١٤]
إذا استَعْزَرَ الذّهنَ الذكيَّ وأقبلتْ
ثلاث نواحيه الثلاثُ الأنامل [١٥]
وقد رَفَدتَهْ الخنصران, وسدَّدَتْ
ضَنىً وسَمِيناً خَطْبه وهو ناحل [١٦]
رأيت جليلاً شأنُه وهو مُرْهَفٌ
وبعد هذا اللقاء الممتع بين الأديبين, وما سجّلاه في دولة الأدب من المهارة والجدارة.
بعد هذا اللقاء ماذا تريد منّي - يا صديقي - أظنك تريد مَزيداً من أخبار أصدقائي, في رحلتي مع قطرات الضوء. حَسَناً, سأرحل بك إلى وزير آخر عمل وزيراً لثلاثة خلفاء أيضا, هم: المقتدر, والقاهر, والراضي.
ذلك الوزير هو محمد بن علي بن حسن بن مقلة [١٧] الكاتب, صاحب الخط المنسوب إليه, والذي نقل به الخط من الكتابة الكوفية إلى الكتابة المعروفة الآن بجودتها وروعتها, ولهذا ضرب به المثل في براعة الخط والتفوق فيه.
وقد استطاع هذا الشاعر الكاتب, بلباقته وتأنقه, أن يجمع بين روعة البيان, وبراعة البنان, فكان كمن جمع بين السَّعْدَيْن: جمال الخط, وابتسام الحظ, بل إنه كما قيل: "صعد بجمال الخط إلى جمال الحظ", ولكنه في موكب السعد, هل سلم من الحسَّاد, وكيد الحاقدين؟
إنّ حسّاده، والنافيين عليه بيانه ومكانه, قد دسُّوا له: أنّه زوّر كتابا على الخليفة, ووقِّعه عنه؛ فأقصاه الخليفة عن الوزارة, وأقسم ليقطعنّ يده.
стр. 6073
وقد كان ابن مقلة مع عظم منزلته ومكانته, وصولا ودودا, كثير الأصدقاء والأصحاب, وكانوا يملئون أبوابه ورحابه, ولكنهم ما كادوا يعلمون بمحنته, حتى تفرقوا عنه, ولم يظفر بفرد واحد يواسيه, ويخفّف عنه بعض مآسيه. ومع ذلك لم تمكث هذه المحنة غير بعض يوم, فقد انكشفت المكيدة, وظهر الدسُّ, ووضحت براءة ابن مقلة, فأرسل إليه الخليفة, وخلع عليه، وأخذ يسيرضيه ثم أرجعه إلى ما كان عليه من المناصب والتكريم.
وهنا أقبلت وفود المنافقين, ومواكب المرائين والمداهنين, وتكاثر عليه أصحاب المكائد والموائد, أقبلوا من جديد إلى داره ومزاره, يدعوهم في سخرية إلى مزيد من النفاق والارتزاق فيقول:
فحيث كان الزمانُ كانوا
تحالف الناسُ والزمانُ
فانكشف الناسُ لي وبانوا
عادانيَ الدهرُ نصفَ يومٍ
عودوا فقد عاد لي الزمان
يا أيُّها المعرضون عنّا
أرأيت - يا صديقي - كيف يلقى النابهون والمتفوقون؟ وكيف يتحمّلون كثيرا من المتاعب والمصاعب؟ ولكنها ضريبة المجد, وكم للمجد من ضرائب.
أظنك بعد هذا تريد إليّ أن أمضي بك مع قطرات الضوء إلى موقف آخر لشخصية أخرى. نعم - يا صديقي - سنلتقي بشخصية أخرى من أعز أصدقائي إنه وزير شاعر فارس عرف القلم فامتشقه وآخاه فأهدى إليه ألقه. أتريد أن تعرف حديثه عني, واعتزازه بي إنه صورني بأجمل ما يصورني شاعر يعيش قصة القلم بمعناها ومرماها, ويؤكد أن السيف ظل للقلم, وأن صليله صدى لصريره حينما يتحرك على الورق, وتسعى إليه الدنيا لتسبق. وأنه إذا حمل القلم فحسبه ذلك عزة ومتعة. أرأيت إلى أي حدّ بلغت منزلتي؟ إنه ليهزّني الطرب وأنا أنقل شعر ابن سناء الملك حين يتحدث عن القلم, يعني يتحدث عني في ذلك الشعر الذي ما زال يهز أذن الزمن, ويحرّك النخوة في حملة الأفلام؛ ذلك حيث يقول:
فما ضرَّني ألا أهزَّ المهَّندا
ولي قلمٌ في أنْمُلي إن هززته
стр. 6074
فإنَّ صليل المشرَفيِّ له صَدَى
إذا صال فوق الطرس وقعُ صريره
أقرأت – يا صديقي - كيف يكون الوفاء والسناء؟ إنه مَجْدٌ وأيُّ مجد.. وإنّي لأحس الآن أنك تطالبني بمزيد من الحديث, وأن أسير مع قطرات الضوء إلى موقف آخر, وشخصية أخرى. ولكني لا أريد أن أكدّر خاطرك, أو أعكر وجدانك. فسأعبر بقطرات الضوء تلك العصور الخامدة الهامدة, التي خفقت فيها أضواء المعرفة, وانزويت في غياهبها إلى حين. وأنا أتطلع إلى فكر يقظ، وبيان رائد, وإيمان يمسح عن عينيه الظلام والإحجام, ويشق حجب الأوهام والآثام, ليُطْلعَ فجر الحقيقة, الذي يزيل الأباطيل ويمحو الأضاليل, ويكشف عن جوهر المسلم السليم المستقيم, الذي يلتقي مع خالقه بالضياء واليقين, ويخوض من أجل دينه ملاحم الجهاد والاستشهاد، هكذا كنت أنْظرُ إلى عصور الاستعمار والاستعباد، ويدفعني الشوق إلى أن أقوم برحلة داخل الأفكار والأبصار، لعلني أصل إلى ملاذ في طريق الإنقاذ.
وقد كان وبدأ ركب الإصلاح يظهر هنا وهناك، حتى بدا فلق الصبح, وظهر الطريق واضحا صريحا, وبدا النبع المحمدي عذبا سائغا، فقصده المسلمون، ينهلون منه، ما يُرْوي البصائر, ويَشْفي القلوب, ويضيء الضمائر, ويدعو الناس في مشارق الأرض ومغاربها إلى مورد الصدق واليقين.
وهنا ألتقي بأحد العلماء [١٨] الشعراء يتحدث عني, ويذكر أثري في صحوة الحياة حين تمضي قطرات الضوء فتهز النفوس والرؤوس. وحين تدُقُّ أبواب الظلام فتذوب وتزول. ثم حين أقصد إلى الفتن فأطفئها أو أهدِّمُها، وحين أريد أن أشنها حربا أحيل مدادي دما, وحين أريد أن أجعل الدنيا زهرا وعطرا تبتسم فيها أضوائي على فم الزمان, وتبصر السعادة ثمارا تملأ الأعين أفراحا, والأرواح متعة ومِرَاحاً, وحين أبعد بأضوائي تجد الحيرة على الوجوه وتبصر العقول تكاد تزِل وتَضِلّ, وأنا دائما أحمل نضارتي ورونقي بين البستان أو فوق البنان.
стр. 6075
ولو نظرت إلى قطرات الحبر أبصرت الحياة تتدفق وتتألق, ورأيت الضياء والبناء للحياة في مباراة حتى تبلغ الحياة قمة اكتمالها إيمانا وأمانا.
أظنك الآن تشتاق معي لتقرأ شعره, وهاأنذا أنقله لك حيث يقول:
وأمات اليراع خطبا مثارا؟
كم أثار اليراع [١٩] خطبا كمينا
فأسالت من الدِّما أنهارا
قطرات من بين شِقّيْهِ سالت
وغصون الخلاف [٢٠] تزهو ثمارا
هو إن شعّ فالليالي ابتسام
وعقول الأنام تكبو انهيارا
وهو إن غضّ فالنفوس حيارى
حين يُسقى الدُّجى فيغدو نهارا
كان غصنا فصار أنضر عود
وبناء في سنِّة تتبارى
هكذا تبصر الحياة ضياءً
وإلى هنا - يا صديقي - نكتفي بهذه القطرات، لنلتقي بها مرة أخرى في رحلة مع قطرات ضوء جديدة سعيدة إن شاء الله.
قلت: ولكن هناك قطرات ولقطات تنتظر الأضواء.
قال القلم: نعم, وموعدنا مع رحلات آنية, تتعدَّد وتتجدَّد.
قلت: هذا لك, وإني لمنتظر رحلتك القادمة, فإلى اللقاء يا قلمي الحبيب.
قال القلم: إلى اللقاء, وأنا عند موعدي بمشيئة الله يا صديقي العزيز.
--------------------------------------------------------------------------------
[١] مسند الإمام أحمد بسنده, والترمذي بسنده، وقال: "حديث حسن صحيح", وأحكام القرآن للقرطبي الجزء ١٨ ص ٢٢٥.
[٢] ابن كثير المجلد الثالث ص٥٣٢ رواه عن ابن جرير.
[٣] الآية ١٤٤ من سورة آل عمران.
[٤] اللخاف: جمع لخفة، وهي الحجارة البيض الرقاق.
[٥] ديوان البحتري. قصيدته في مدح المتوكل.
[٦] شذرات الذهب ج٢ ص٧٨.
[٧] شباته: حده.
[٨] نجيها: سرها.
[٩] لعاب الأفاعي: سمها – الأرى: العسل – اشتارته: جنته – العواسل: جمع عاسلة وهي التي تجني العسل.
стр. 6076
[١٠] الطل: الندى والمطر الخفيف_ الوابل: المطر الغزير.
[١١] راكب: راكب على أنامل الكاتب – أعجم: ضد الفصيح _ الراجل: الذي يمشي على رجليه.
[١٢] الخمس اللطاف: أنامل الوزير – شعاب: جمع شعب وهو مسيل الماء – حوافل: مملوءة.
[١٣] تقوضت: تهدمت – نجواه: حديثه الخفي – الجحافل: الجيوش العظيمة.
[١٤] استعزر: استعان.
[١٥] رفدته: أعانته – ثلاث نواحيه: زواياه الثلاث.
[١٦] مرهف: محدد – سمينا خطبه: عظيما شأنه – ناحل: ضئيل الجسم والحجم.
[١٧] شذرات الذهب ج١ ص٣١٠ – ٣١١.
[١٨] هو الكاتب العظيم والشاعر المبدع مصطفى لطفي المنفلوطي.
[١٩] اليراع: القلم.
[٢٠] الخلاف: شجر لا ثمر له.
стр. 6077
أثر الإسلام في النقد الأدبي عند العرب
بقلم الدكتور عبد الحميد محمد العبيسي
أحمد الله إليكم، وأصلّي معكم على رسول الله، ربنا عليك توكلنا وإليك أنبنا، وإليك المصير وبعد:
فإنه لمن دواعي اغتباطي وسروري البالغَيْن أن تتاح لي فرصة الإسهام بهذه المحاضرة ضمن إطار برنامج محاضرات الموسم الثقافي للجامعة الإسلامية المباركة المزدهرة, وقد اقترحت أن يكون موضوعها هو:
أثر الإسلام في توجيه وتهذيب النقد الأدبي عند العرب
وحين أوثر هذا الموضوع بالحديث فإن ذلك مرجعه إلى أسباب قوية أهمها:
١- هذه المزاعم التي رددها نفر من المستشرقين الذين يكيدون للإسلام والتي تقوم على أن هذا الدين الإسلامي قد انتشر بين العرب انتشارا جغرافيا سياسيا منذ انتصار الإسلام الحربي في شبه الجزيرة، ولكن الإسلام الثقافي لم يجد طريقه إلى قلوب المسلمين إلا في العصر العباسي. محتجين بأن الشعر العربي في صدر الإسلام جاء خاليا من الصور الإسلامية المختلفة، وحجتهم تلك واهية لا تستند إلى أساس، ذلك أنّ أيّ متأمل لشعر الإسلام الأول يجد أن الألفاظ والمعاني الإسلامية قد وجدت طريقها، وأخذت سبيلها إلى هذا الشعر العربي منذ قيام دولة الإسلام الأولى هنا في المدينة المنورة بعد الهجرة.
стр. 6078
٢- سوء فهم بعض الباحثين العرب لموقف الإسلام من الشعر، ذلك أنهم زعموا أنّ القرآن يعادي الشعر، ويكره الشعراء، وأن الإسلام لا يرضى عن الفن الشعري، ويذم المشتغلين به، مستندين إلى ظاهر آية الشعراء ﴿وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ﴾ [١] متناسين سياق هذه الآية الكريمة، وأنّ الإسلام لا يحارب الشعر والفن لذاته، بل يحارب المنهج الباطل الذي سلكه الشعراء الذين عارضوا هذا الدين، ولم يؤمنوا به حين دعاهم داعي الإيمان، بدليل هذا الاستثناء ﴿إلأَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ [٢] فهؤلاء لا يشملهم هذا الوصف العام من الذم، وإلا فهل يستوي عبد الله ابن الزِّبعري، وأبو سفيان بن الحرث بن عبد المطلب اللذان كانا يهجوان رسول الله ﷺ في جاهليتهما قبل إسلامهما، وحسّان بن ثابت، وكعب بن مالك وعبد الله بن رواحة ﵃ من شعراء الأنصار الذين مدحوا الرسول ﷺ ، ونافحوا عن دعوته؟
٣- أنّ بعض الدارسين من النقاد العرب لم يدركوا نظرة الأصمعي الفاحصة إلى شعر حسان بن ثابت في الإسلام التي تقول: "إن هذا الشعر قد لاَنَ؛ لأن الشعر نِكدٌ لا يقوى إلا في الشر، فإذا دخل في باب الخير ضعُف.."، إذ رتَّبُوا على ذلك حكماً خاطئاً مفاده: أنّ الإسلام كان وراء ضعف الشعر في الصدر الأول عصر النبوة، فإذا ما قست هذا الشعر بشعر الفحول الجاهليين، أو قسته بشعر الفحول الأمويين تجده دونهما: قوة ومتانة، فقد ضعف كمّاً وكيفاً!! هكذا قالوا، وما زالوا يقولون!!.
стр. 6079
وفات هؤلاء أن جذوة الشعر لم تنطفئ، ولكن في إطار منهج هذه الدعوة الإسلامية الجديدة، فتلاشت أغراض كالهجاء المقذع، والغزل الرخيص الفاحش, ومجالس الشراب والهوى، وغيرها أغراض وجدت واتسعت كشعر الفتوحات، والتعريف بهذا الدين، والدعوة إلى التمسك بمبادئه في توحيد الله تعالى، وعبادته الخالصة، والالتزام بالأخلاق الإسلامية الرفيعة، والمثل الإنسانية الكريمة، مما جعل شعر عصر النبوة يباين شعر الجاهلية، في كثير من اتجاهاته وتصويراته فلا محل للقياس، فضلا عن أن النثر الفني الذي كان قليلا في الجاهلية قد ازدهر كثيرا في الإسلام, ممثلا في البلاغة النبوية، والخطابة الإسلامية, وبهذا اتسعت دائرة العمل الأدبي، شعرا ونثراً في عصر النبوة.
وكلام الأصمعي هذا إنما يمثل الأساس الراسخ المتين لما تعورف عليه اليوم بين النقاد المعاصرين بـ (قضية الالتزام) , هذه القضية التي أصبحت مثاراً للخلاف الشديد بين النقاد في زماننا، حتى ليمكن القول: إنها صارت قضية النقد المعاصر، ولا يستطيع باحث كائن مَنْ كان أن يسوي بين شعر لا يصدر عن نزوة طارئة، أو جمحة عارمة، وبين شعر لا يصدر عن هوى ولا ينصرف عن خير، ومن ثَمَّ فإنّ المنهج الإسلامي الذي استقرت عليه أرواح الشعراء في الصدر الأول، فاتجهوا إلى الواقع يصورونه ويتأملونه رغبة في تعميق الإيمان بالله، والثقة فيه عدلا وفضلا، قد اتسع هذا المنهج لمقتضيات هذه الحياة التي ترامت أطرافها، وتباعدت أرجاؤها، حتى كان ما رأيناه من نكسة الشعر على يد أصحاب النقائص: جرير، والفرزدق، والأخطل من شعراء بني أمية، فإن هذا الثلاثي هو الذي يتحمل وحده مسؤولية هذه الانتكاسة بعودة الهجاء على نحو جاهلي بل أشد، وغير ذلك من فنون القول وأغراضه التي لم تلتزم منهجا أخلاقيا، أو مبدأ إنسانيا، بالفحول الأمويين والفحول الجاهليين- في زعم بعض الدارسين اليوم.
стр. 6080
٤- أن التبعية التي فرضتها ظروف على بعض الدارسين تجعلهم بمنأى عن الواقع الإسلامي الذي كان مسرحا للفن الأدبي حين يتصدون لتقويم هذه الفترة التي لم تكن طبيعة أو مستقرة، فها هو كتاب الله يتنزَّلُ على عبده ورسوله محمد ﷺ منجَّماً حسب الحوادث، ووفق الأحوال، ينظم شؤون المعاش والمعاد، ويرسم الطريق لفتح القلوب والبلاد، والمؤمنون من حول رسول الله يزدادون إيماناً ووثوقا في نصر الله للمؤمنين، فيدافعون عن قرآنهم بسَنَانهم ولسانهم، ويدفعون الباطل بسلاحهم ونتاج عقولهم، وقد استولى عليهم جو القرآن فأثر في نفوسهم وأفئدتهم، وحَرَّك مشاعرهم وأحاسيسهم، فكان طبيعيا أن يشتغل الناس به يحفظون آياته، ويتدبّرون معانيها، ويدركون مراميها، حتى سيطر جوه الفني على عقولهم وقلوبهم، فكان بمثابة البديل الفني لهذه الأمة عن ذلكم الشعر الذي استولى عليها ردَحا من الزمَن، واستبد بكل جانب من جوانب حياتها طيلة الجاهلية الأولى، وإبان ظهور الإسلام، حتى قيل: إن هذا القرآن - بتأثيره الساحر في نفوس العرب - كان واحداً من أسباب انصراف المسلمين الأوائل عن التعبير الفني فترة من الوقت لأنه أغناهم-مؤقتا- عن جمال الأداء بجمال التلقي والانفعال!!.
стр. 6081
وقد اتخذت الدعوة الإسلامية من الإعجاز الفني للقرآن مظهرا بارزا من مظاهرها، ومنطلقاً أساسيا من منطلقاتها في الدعوة إلى هذا الدين بالحجة والإقناع، والحكمة والإبداع، مما هيّأ للنقد العربي سبيلا أكثر تقدما نحو الموضوعية، فكان مولد قضية الإعجاز الفني للقرآن، وهي قضية نقية في الصميم، ولقد استتبع البحث فيها ظهور قوانين البلاغة وقضاياها وأحكامها، تصحيحاً للأساليب العربية التي تعرّضت لموجة اللَّحنْ، مع ضعف الملكات وفسادها بفعل الاختلاط بين العرب وغيرهم من شعوب الأرض، وإبرازاً لنواحي الإعجاز التفصيلية في نظم القرآن الكريم, وكشفا عن القيم الجمالية التي تكمن في أساليب هذا الكتاب وآياته، وصولا إلى إثبات إعجاز القرآن بنظمه ونسقه، وروعة نسجه، وتخير لفظه، وتناسق موسيقاه، وعمق معناه، وشرف مغزاه.. في مواجهة الملحدين الذين قالوا بالصَّرفَةِ ﴿كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ إِنْ يَقُولُونَ إِلاَّ كَذِباً﴾ [٣]
٥- وكذلك فرضت التبعية على هؤلاء أن يطعنوا في أصالة النقد الأدبي عند العرب زاعمين، أن نُقَّاد العرب أفادوا - تبعا لا أصالة - من بعض ما ترجم فلاسفتنا القدامى، دون أن يدركوا النظريات الكلية للنقد اليوناني القديم، وأنّ ما لدى الأجانب (الفرنجة) من أصول النقد، ومناهج الأدب هو المقياس الأقوم، والمثل الأعظم، ومن ثمَّ فلا مفرَّ من إخضاع الأدب العربي لتلك المقاييس الأجنبية، غير عابئين بالمقاييس الأصلية للنقد العربي، متجاهلين حقيقة الاختلاف في طبيعة الفن الأدبي من أمة إلى أمة، وجوهر التفاوت بين المقاييس النقدية لفحص هذا الفن المختلف باختلاف واقعه!!.
стр. 6082
وقد أذكى هذا الاتجاه حدَّة الصراع بين القديم والجديد التي بلغت ذروتها في عالمنا المعاصر، حتى رأينا بعض أنصار الجديد من العرب المسلمين يقولون بإلغاء ذاتية الفن الأدبي ونقده عند العرب، وهم بهذا يشوِّهون شخصية هذه الأمة المسلمة التي يمثّل فيها الفن الأدبي ونقده أحد معالم شخصيتها البارزة.
هذه الأسباب وغيرها بلا شك كانت وراء اختياري لهذا الموضوع الذي سأتناوله الليلة في وقفة متأنية من أجل المراجعة والتقويم، وقفة تبدو فيها الحقائق عارية عن الأهواء، وتظهر الأمور مجردة عن النزعات والشكوك في إطار من الموضوعية الجادة، والشمولية الهادفة.
ولا أدعي - بهذه الوقفة - الإحاطة المستوعبة لجوانب هذا الموضوع المتعددة بل والمتشابكة، ومن ثمّ فإن حديثي إليكم ومعكم سيكون بمثابة أضواء كاشفة على الطريق، هذا وبالله التوفيق.
أيها الإخوة.. أيها الأبناء:
قد يكون من المفيد حقا أن نعرض بشيء من الإيجاز الوافي لحركة النقد الأدبي في الجاهلية، لكي ندرك مدى البعد الذي حققه الإسلام في توجيه الأفراد الذين شكلوا مجتمع الإسلام هم بذواتهم الذين كانوا يصنعون مجتمع الجاهلية، وهنا يبدو أثر الإسلام في إعادة صياغة حياتهم الفكرية والأدبية والنقدية على نحو جديد لم يألفوه ولم يعرفوه.
стр. 6083
ذلك أنه على الرغم من تردِّي الحياة الجاهلية الوثنية في بعض جوانبها الاجتماعية، وعلاقات الأفراد والقبائل بعضها مع بعض بما تحفل به كتب التاريخ من قصص المعارك، حتى لتبدو هذه العلاقات في جملتها سيئة؛ لأنها تقوم على العصبية الدموية، والقرابة النسبية، وناهيكم بـ (أيام العرب) التي راح ضحيتها الكثيرون من أبنائهم وشجعانهم، ومن العجيب أن هذه الأيام كانت من بين الأسباب القوية في إنهاض الشعر العربي الجاهلي، تعبيرا عن الحماسة والفخر والتباهي بالأنساب والأحساب، وفق تقاليد الجاهليين، وظل الحال يتصاعد في نمو أدبي مطّرد حتى ظهر نور الإسلام، والعرب أغنى ما يكونون براعة وفصاحة في كلامهم: شعرا ونثرا.
ومن الواضح المتعالَم أن هذا الأدب العربي وُجد أولاً منذ بدأت فترة الجاهلين، تعبيرا عن مفاتن الحياة، وتصويراً لمظاهر الطبيعة آنذاك، ففاضت ملكات الشعراء، وجادت مواهب الخطباء بالجيِّد من القول، والرائع من الكلام.
стр. 6084
وقد كان لكل قبيلة في الجاهلية شاعراً أو أكثر وخطيب تعز بظهورهم، وتشرف بنبوغهم، وكان حرصهم على الشعر أكثر من النثر، لسهولة حفظه، ودوامه وبقائه، وهم قوم تغلب عليهم الأمية لا يكتبون، ولا يقرؤون من كتاب، ومن ثم كان اتجاههم إلى الشعر الغنائي أو الوجداني فهاموا به، وأغرموا بحبه، يعزفون على قيثارته أشجى الألحان, ويشدون أجمل الأنغام، وينشدون أعذب الأشعار، ثم يعقدون أسواقهم الأدبية التي من أكبرها وأشهرها (عكاظ) الواقع شرقي مكة بين نخلة والطائف، وكانت هذه الأسواق تمثل منتديات النقد ومحافلة في هذه الفترة، فيعرضون فيها نتاجهم الشعري والأدبي على أرباب هذه الصناعة الشعرية والأدبية، طلباً لتقويم ما يعرضون، وتحصيلاً للسبق فيما يتنافسون, وعندئذ تبدو مواطن الجودة منه، وتظهر مواضع الرداءة فيه، وهذا التقويم لتلكم الأساليب الشعرية والأدبية هو ما عُرِف بـ (النقد الأدبي) أو (نقد الأدب) [٤] ، وقد مارسه الإنسان العربي بفطرته وذوقه، وطبيعته وإحساسه، وميله ومزاجه، فاستحسن أو استهجن ما يراه دون تحليل أو تعليل يواكب تذوقه الجمالي، مما جعل هذا النقد الجاهلي ينشأ ذاتيا محدوداً في نطاق كل نص على حده إلى الحد الذي يستطيع، على نحو هذه اللمحات النقدية التي ذكرتها أمهات الكتب المعنية.
ولعل أقدم ما حكاه الرواة في إطار ما عُرف من نقد لدى الجاهليين هذه الرواية - على القول بوقوعها - التي كان مسرحها (حِمَى بني طيء) حين كان يقيم فيهم أمير الشعراء الجاهليين امرؤ القيس الذي تزوج هناك من (أم جُنْدب) فدخل عليه يوما علقمة بن عَبَدة التميمي المعروف بـ (علقمة الفحل) ، وهو قابع في خيمته، ووراءه أم جُنْدب وهي بنت عم علقمة الشعر، فقال امرؤ القيس: أنا أشعر منك! وقال علقمة: بل أنا أشعر منك! فقال: قُلْ!، وأقول! ثم تحاكما إلى أمّ جندب، فقال امرؤ القيس قصيدته:
َقَضِّ لُبَانَاتِ الفُؤادِ المُعَذَّبِ
стр. 6085
خَلِيلي مُرَّابِي عَلَى أُمِّ جُنْدبِ
وأتبعه علقمة بقصيدة التزم فيها الموضوع والقافية، والروي لقصيدة امرئ القيس، فقال في مطلعها:
وَلَم يَكُ حَقَّا كُلُّ هَذَا التَّجَنُّبِ
ذَهَبْت مِنَ الهِجْرَانِ في غيْرِ مذْهَبِ
فلما فرغا من إنشادهما قالت لزوجها: علقمة أشعر منك.
فقال لها: وكيف ذاك؟ قالت: لأنك قلت:
وللزَّجْر فيه وَقْعُ أَخَرَج مُهْذِبِ [٥]
فلِلسَّوْطِ أُلهُوبٌ وللِسَّاقِ دِرَّةٌ
فجهدْت فرسَك بسوطك في زجرك، وَمَريْتَه فأتعبْتَه بساقك!! أما علقمة فقد قال:
يَمُرُّ كَمَرِّ الرائح المتَحلِّبِ
فأدْركهُنَّ ثانيا من عِنَانِهِ
فأدرك فرسه ثانيا من عِنانه، لم يضربه بسوط، ولا مراه بساق ولا زجره, ولم يتعبه، فقال امرؤ القيس: ما هو بأشعر مني، ولكنك له وامقٌ أي: محبة.
ويبدو أنها كانت كارهة لزوجها، فضلا عن تعصبها لابن عمها علقمة، فجاء حكمها ممثلا لهواها في بيت واحد من قصيدة طويلة، ولا أعتقد أن فرساً مَّا - بغضِّ النظر عن فرس امرئ القيس - لا يستطيع فارسها أن يمتطي صهوتها إلا إذا حرّك ساقيه، واستخدم سوطه، فأين مزية علقمة على امرئ القيس؟!!.
لكنها المرأة هي المرأة يغلب عليها الهوى، وكثيرا ما تجنح بها العاطفة!!
وفي تقديري أن قيمة هذه الرواية - إن صحت - في أنها تعبر عن أول كلام نقدي ذاتي تأثري يُنبِئُ عن الهوى عُرِف لدى الجاهليين.
فإذا ما انتهينا من هذه المعارضة النقدية التي بدت في شكل مباراة حاسمة تراءات أمامنا صورة القبة الحمراء المصنوعة من الجلد القائمة في سوق عكاظ تظلل النابغة الذبياني، حيث كان يتوافد إليه الشعراء, يقرضون شعرهم، ويعرضون نتاجهم، وكان أوّلهم: الأعشى (أبو بصير) الذي أنشد قصيدة طويلة أوّلها:
وَسُؤالي وما تَرُدُّ سُؤالي
مَا بُكاءُ الكَبيرِ بالأَطْلالِ
стр. 6086
وبعد أن فرغ الأعشى من إنشاده، قام حسان بن ثابت الأنصاري فأنشد قصيدته التي قال فيها مفتخراً:
وَأَسْيَافُنَا يَقْطُرْنَ مِنْ نَجْدَة دَمَا
لَنَا الجَفَنَاتُ الغُرُّ يَلْمَعْنَ بالضُّحا
فَأكرِمْ بنا خَالاً، وأَكْرِمْ بنا ابْنَما [٦]
وَلَدْنَا بَني العَنَقَاءِ وابنيْ مُحَرِّقٍ
فقال النابغة: "أنت شاعر، ولكنك أقللت جفانك وأسيافك وفخرت بمن ولدت، ولم تفخر بمن أنجبك!! "
هذا وذكر أنّ الخنساء السُّلمية جاءت إلى هذا المجلس، فأنشدته قصيدتها في رثاء أخيها صخر:
أَمْ أَقْفَرَتْ مُذْ خَلَتْ مِنْ أهلها الدار
قذى بِعَيْنك أمْ بالعَيْنِ عُوّارُ
فقال لها النابغة: والله لولا أن سبقك أبو بصير فأنشدني آنفاً لقلت: إنّك أشعر الجنِّ والإنس!! , فقال حسان: والله لأنا اشعر منك، ومن أبيك ومن جدِّكَ!
فقبض النابغة على يده، ثم قال: يا ابن أخي، إنك لا تُحْسن أن تقول مثل قولي:
وإنْ خِلْتُ أن المنَتَا عَنْكَ واسعُ
فإنّكَ كاللَّيلِ الذّي هُوَ مُدْرِكي
ثم قال للخنساء: أنشديه فأنشدته، فقال: والله ما رأيت أنثى أشعر منكِ!! فقالت له الخنساء: والله ولا رجلا!!
ومما تقدم تلمحون صورة النابغة الشاعر الناقد العملاق يجلس للحكم بين الشعراء ثم يقضي قضاءه الفصل بتفضليه شعر الأعشى والخنساء على سائر الشعراء، وخطابه لحسان قائلا له: أنت شاعر، بيد أنك استعملت في البيت الأول لفظتي: الجفنات، والأسياف، وهما ينبئان عن القلة، وكان لزاما عليه في مقام فخره واعتزازه بقومه أن يستخدم مكانهما: الجفانَ والسيوف (صيغتي جمع الكثرة) ، إذ الفخر يناسبه التكثير لا التقليل!!.
стр. 6087
ولا يغيب عن مثل النابغة إدراك التفاوت بين صيغ الألفاظ، ودلالتها على معانيها، وهذا هو نقده آية حذقه ومعرفته بدلالات الألفاظ على المعاني, ومدى ملاءمة ذلك لمقامات الكلام، فإنّ اللفظ يجب أن ينهض بحق المعنى كله, وحين يقصر اللفظ عن استيعاب المعنى يبدو النقص في التعبير الذي يزري بالأسلوب!!
أما نقد البيت الثاني فقائم على ملحظ لطيف للنابغة، فإنّ عادة الجاهليين في فخرهم أن يذكروا مناقب ومآثر آبائهم وأجدادهم، ولا أن يتباهوا بأبنائهم وأحفادهم، وقد استمرت هذه العادة مسيطرة فترة طويلة حتى لمسنا آثارها لدى شعراء بني أمية، فها هو الفرذدق يقول لجرير متفاخراً:
إذا جمَعَتْنا –يا جريرُ- المجَامِعُ
أُولئك آباَئي فَجئْني بِمِثْلهمْ
ولو كان النابغة يعيش الآن ما عاب حسانا، فإنّ عادة الآباء تجري في هذه الأيام على التباهي بأبنائهم، لا سيما الذين يبرزون، ويتفوّقون، فيحقّقون بهذا سبقا وشرفا يضاف إلى كل آبائهم، فالولد سِرُّ أبيه، كما يقولون.
وأيًّا ما كان الأمر فإنّ نقد النابغة لحسّان ينمُ عن خبرة غير محدودة بتقاليد الجاهليين، وهذا يجعلنا لا نقبل التشكيك من أحد نقادنا المعاصرين لهذه الرواية، حيث قال:
"وبعيد كل البعد عن روح الجاهليين وعن طبيعة العصر الجاهلي ما يضيفه بعض الرواة إلى قصة النابغة مع حسان في (عكاظ) .
فإن الجاهلي لم يكن يعرف جمع التصحيح، وجمع التكسير وجموع القلة، وجموع الكثرة، ولم يكن له ذهن علمي يفرِّق بين هذه الأشياء، كما فرَّق بينهما ذهن الخليل وسيبويه، ولأن مثل هذا النقد لا يصدر إلاّ عن رجل عرف الفروق البعيدة بين دلالة الألفاظ، وألمّ بشيء من المنطق والفلسفة".
стр. 6088
وبالنظر إلى هذا الكلام يبدو متداعيا، إذ أنّ النابغة - وهو العربي الخالص المحيط بأسرار لغته وأساليبها - ليس بحاجة إلى أن يعرف مصطلحات وضعت في عصور لاحقة له في مواجهة نشو اللحن، وشيوع الخطأ، وفساد الملكات، ولذلك رأينا غلام النابغة لم ينتظم ذكر هذه المصطلحات، وكذلك ليس النابغة بحاجة إلى أن يعرف منطق وفلسفة أرسطو حتى يفكّر وإلا فلنا التفكير الفطري لدى الإنسان، وهذا مما لا يقول به أحد!!.
على أنّ النابغة كان أقرب الجاهليين إلى فترة ظهور الإسلام، وقد حكى عنه الشعراء المخضرمون الذين أدركوا ظهور الإسلام، كالأعشى، وحسّان والخنساء، مما يجعلنا مطمئنين إلى صدق الرواية عنهم.
ومن الطريف أنّ النابغة الناقد لم يسلم هو الآخر من نقد الآخرين، فقد عابوا عليه: (الإقواء) [٧] في شعره، فقد ذكر ابن قتيبة في كتابه (الشعر والشعراء) : "وكان يُقْوِي في شعره، فعيب ذلك عليه، واسمعوه في غِنَاء قوله:
عَجْلانَ ذا زادٍ وغَيْرَ مُزَوِّدِ
أَمِنْ آلِ مَيَّةَ رَائحٌ أَو مُغْتَدى
وبذاكَ خبَّرَنا الغُدافُ الأسودُ
زَعَمَ البَوارِحُ أنَّ رِحْلتَنَا غَداً
ولما سمع النابغة بشعره فَطن لهذا العيب الذي يُذْهِبُ التناسق في النَّغم، وتنبّه إلى أنّ الإقواء معيب، وقد تحرّز عنه فيما بعد، ولم يعد إليه، وقال: "قَدِمْتُ الحجاز وفي شعري ضعف, ورحلت عنها وأنا أشعر الناس" [٨] .
فإذا ما تركنا النابغة الشيخ شاهدنا طرفة بن العبد البكري الصبي الفتى ينكر على الشاعر المتلمس المسيَّب ابن عَلسَ إطلاقه سمة: الصَّيْعَرِيَّةُ على الجمل في قوله:
بنَاج عَلَيْه الصَّيْعَرِيَّةُ مِكْدَم
وقَدْ أتَنَاسى الهَمَّ عِنْد ادَّكَارِه
стр. 6089
فقال طرفة: استنوق الجمل، ذلك أن الصَّيْعَرِيَّةُ سمة في عُنق الناقة، فجعلها الشاعر صفة للبعير، واعتبرها طرفة سقطة لغوية من الشاعر، فكانت كلمته الموجزة الوافية معبرة عن إحساسه في سَنٍّ مبكرة بفقه المعاني ووعيها.
على أنه قد وجد نوع من النقد نتيجة ظهور (المعلقات) أو القصائد الطوال، وهو ما عُرِف الآن بـ (النقد الانتخابي) , وطبيعي أن خط النثر الجاهلي الذي عثر عليه قليل، وكذلك نقده، يبدو في بعض توجيهات أكثم بن صيفي خطيب الجاهليين المصقع يقول فيها لكتابه إذا كاتب ملوك الجاهلية: "افصلوا بين كل معنى منْقَضٍ, وصلوا إذا كان الكلامُ معجونا بعضه ببعض " [٩] .
أيها الاخوة الأبناء:
ومن خلال هذا العرض نستطيع أن نحدّد ملامح النقد الجاهلي ومعالمه فيما يأتي:
١- أنّ هذا النقد أصيل في نشأته، وقد اعتمد هذا النقد على الذوق والإحساس، فبدا ذاتيا لا تذكر فيه علة، ولا يوضح معه سبب، وإن كنا قد رأينا بعض النظرات الموضوعية المجملة الواضحة، كما في حكومة النابغة على حسان.
٢- أنّ هذا النقد الجاهلي كان محصّلة جهد بذله الشعراء النقدة، بل إنّ هذا النقد كان مقصورا على الشعراء المقتدرين، ذلك أنّ درايتهم وخبرتهم بقول الشعر- الذي تعاطوا فنونه وتراكيبه وعرفوا أسراره وأساليبه- قد جعلتهم ينفردون بهذا الجهد النقدي دون غيرهم، وقُدِّر لجماعة الشعراء آنذاك أن تختص به، يستوي في ذلك الفتى والشاب، والشيخ الكبير, ولا نستثني إلا (أم جندب) التي لا أخا لها شاعرة، وعلى ذلك فإنّ تلك الأحكام الذاتية التي جاءت على لسان هؤلاء النقاد على إجمالها هي صادرة عن ذوي بصر ودرية في صناعة الشعر وقوله، مما جعل هذا النقد صادقا لا يخلو من موضوعية.
стр. 6090
٣- أنه مع القول بذاتية هذا النقد قيمكن أن نلمح في بعض الروايات التي مرت بنا آثار الموضوعية، فنجده نقدا معنويا في رواية أم جندب، ورواية النابغة مع حسّان، ونقدا لغويا في رواية طرفة، ونقدا عروضيا في الإقواء الذي عيب به النابغة في الحجاز, ومهما قيل عن آثار تلك الموضوعية وأبعادها فإنها لا تعدو إلا أن تكون نظرات جزئية محدودة ينقصها الشمول والاستيعاب، ويعوزها قواعد المنهج العلمي في التفكير، ومن ثمّ وُجد النقد الجاهلي: "غير مبني على قواعد فنية، ولا على ذوق منظم ناضج، إنما هو لمحة الخاطر، والبديهة الحاضرة" [١٠] وذوقه بدائي يتبع الشعر، وينساق وراء عاطفته.
٤- أنّ قلة هذا النقد راجعة إلى أنه لم يرد عن العرب إلا القليل أو أقله كما يقول محمد بن سلام الجمحي الناقد المتوفى سنة ٢٣٢هفي كتابه المعروف (طبقات فحول الشعراء) : "فقد حكى عن يونس بن حبيب: قال عمرو بن العلاء: ما انتهى إليكم مما قالت العرب إلا أقلُّه، ولو جاءكم وافرا لجاءكم علم وشعرٌ كثير" [١١] .
ومما يؤكد هذه الحقيقة ما رواه ابن رشيق في العمدة مرفوعا إلى الخطيئة أنه سئل عن أشعر الناس، فقال: أبو دُؤَاد، حيث يقول:
فَقْدَ مَنْ رزُئْتُهُ الإعْدامُ!!
لاَ أَعُدُّ الإقْتَارَ عُدُماً ولَكِنْ
ثم يعقب ابن رشيق قائلا: وهواي أبو دؤاد، وإن كان فحلا قديما، وكان امرؤ القيس يتوكأ عليه، ويروي شعره، لم يقل فيه أحد من النقاد مقالة الحطيئه.." [١٢]
ومهما دار الأمر فإنّ شعر الجاهليين في حساب الزمن لا يجاوز قرنين من الزمان, فهل تناسب هذه المدة مع تراثها مع التاريخ الطويل للعرب قبل الإسلام؟ الأمر الذي يجعلنا بأن نقطع يده بسبب ضياع كثير من أشعارهم، ونقدهم..
стр. 6091
٥- أن هذا النقد مع ذاتيته وقلته فإنه أصدق صورة للبيئة العربية في جاهليتها، حيث ظلت الصراعات الدموية تمزِّقها، والبداوة تحكمها، والأميّة تستبّد بها, والنظرة الجزئية سبيلها إلى فهم الأمور، والارتجال في الأحكام مسلكها، فلم تتوفَّرُ لها عوامل الرّقي الحضاري والفكري، ولم تتهيأ لها وسائل تحقيق المنهجية العلمية التي تعتمد على الدراسة المتأنية داخل إطار الشمولية المحيطة, وبدهي أنّ الدرس والتحليل في العمل النقدي يتطلب درجة من درجات الرقي الفكري تأتي بعد مجرد الاستجابة الذوقية.
وإن كانت الأذواق العربية قد نعمت بجو الحرية والطلاقة، وتمتّعت بروح البساطة التي تميزت بها هذه البيئة، بيد أن الظروف الأخرى التي عاشتها من وثنية متخلفة رانت على قلوبهم، واستولت على عقولهم، ومن عصبية قبلية كانت تحكم مجتمعهم، وتوجه حركتهم قد سَدَّتْ هذه الظروف عليهم منافذ التفكير، فكان جهدهم الذي رأيت في مجال النقد الأدبي..
أيها الاخوة – أيها الأبناء:
إنّ تلك البيئة العربية الغارقة في جاهليتها, السابحة في وثنيتها، المفتونة بشعرائها وشاعريتها, يراد لهذه البيئة أن تكون طليعة التحرُّك بدعوة الإسلام دعوة خالصة كتوحيد الله تعالى، والإيمان به، والطاعة له, والقيام بعبادته, وأن يكون الداعي لها عربيا من أبناء هذه البيئة، إعمالا لسنة الله في إرسال الرسل ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلاَّ بِلِسَانِ قَوْمِهِ﴾ فكان بزوغ فجر الإسلام، وسطوع شمس هدايته، ونزول القرآن الكريم على قلب الرسول الأمين، ليكون من المنذرين بلسان عربي مبين، وهو حجة الله المعجزة في الأولين والآخرين حقاً أنها لمهمة شاقة، ومطلب عسير، فمن أين تكون البداية؟ ومع مَنْ تكون؟.
стр. 6092
العشيرة الأقربون يتأبَّوْن ويمتنعون، بل عِزازهم من أمثال أبي لهب وغيره يكابرون ويعارضون، أما الآخرون فهم أشد تأبِّيا، وأعنف معارضة, فياله من صراع رهيب تشهده أرجاء مكة!!.
ما السبيل والحال هذه؟
هو أن يظل على دعوته في قومه مؤيدا بالقرآن يدعوهم إلى سبيل ربه بالحكمة والموعظة الحسنة ويجادلهم بالتي هي أحسن، واتجه الرسول ﷺ يدعو الناس إلى الحق وإلى طريق مستقيم، ويقرأ عليهم آيات القرآن الكريم، فتأثر بسحره الفني كثير ممن حَسُن إسلامهم، وصحت عقيدتهم، وقيل مِمنْ تولوا عن الدعوة وأعرضوا عنها كالوليد بن المغيرة، وخبره معروف تفصيلا في كتب السيرة النبوية الشريفة، وفي ذلك يقول ربنا تعالى من سورة المدثر: ﴿إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ ثُمَّ نَظَرَ ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ ثُمَّ أَدْبَرَ وَاسْتَكْبَرَ فَقَالَ إِنْ هَذَا إِلاَّ سِحْرٌ يُؤْثَرُ﴾ ..
стр. 6093
تمرّ الأيام سراعا والمسلمون يكثرون، ويأخذون أنفسهم بمنهاج دينهم القرآني، ويصوغون حياتهم بالأسلوب الرباني, فيجدون متعتهم الفنية في قرآن يتلى، وصلاة تقام لتؤدى، وذكر خاشع للذي خلق فسوى, والذي قدر فهدى, حتى أذن الله بعد ثلاثة عشر عاما مع أهل مكة وجيرانهم أن تنتقل الدعوة إلى طيبة هنا في مدينة الرسول الأعظم حيث التربة الصالحة، فقامت على ربوعها دولة الإسلام الأولى تنشد الخير والعدل والسلام، وتعمل من أجل سعادة البشرية في الحال والمآل، ولكن أعداء الإنسانية من المشركين الجاحدين واليهود الحاقدين جاهروها بالعداء، ونازلوها القتال، فأذن للرسول وصحبة من المهاجرين والأنصار بالقتال ردعا لعدوان، وتأمينا لدعوة, وانتصاراً لحق، ودفعا لظلم!!، فلا تكاد تمضي فترة إلاّ وتقع غزوة أو توجه سرية على مدار عشر سنوات في المدة التي عاشها الرسول ﷺ في المدينة، كل هذا والنظام الإسلامي الشامل يستقر في هذه الدولة، وعملية البناء تسير سيراها العجيب، بناء النفوس والضمائر قبل تشييد البيوت والعمائر، فأتيح للجو الشعري والفني ما يحقق صفاءه ونقاءه, ووفْرته ونماءه، وانبرى هؤلاء الشعراء المسلمون: حسان بن ثابت، وكعب بن مالك، وعبد الله بن رواحة، يخوضون معركة الشعر بالإسلام في مواجهة أعدائه، وقُدِّر لدولة الشعر الإسلامي أن تقوم هي الأخرى، دعامة لدولة الإسلام الأولى من بين الدعائم التي ارتكزت عليها، وظهر الشعر الإسلامي خالصا، لتمجيد المعاني الإنسانية النبيلة، ودعم الأخلاق الإسلامية القويمة [١٣] ، لكن سحر القرآن وتأثيره في النفوس ما زال يسري حتى مع هؤلاء الشعراء، فلم تخلص الحياة للشعر كما كان الحال في الجاهلية، بل شُغِل الناس برواية حديث رسول الله ﷺ وخطبه، ولذلك اتجهت الحركة النقدية في ظلال الإسلام إلى مرحلة أخرى من النمو والتطور أقرب إلى العقل منها إلى العاطفة، فكيف تمت هذه المرحلة؟.
стр. 6094
يمكن القول: إنه لم توجد هذه المرحلة النقدية من فراغ، وإنما وجَدتْ في تراث الجاهليين ما جعلها تتجه نحو النهج العقلي في تقويمها للأمور، وحكمها على الأشياء، بعد أن كان الاتجاه العاطفي هو السائد في النقد الجاهلي، وذلك راجع إلى طبيعة الإسلام الذي يقوم على الحجية والاقتناع، وينظّم المعايير الدينية والخلقية في السلوك الإنساني: العام والخاص، ولعل أبرز الأمثلة لهذا الاتجاه الديني في النقد ما ذكره الرواة من استحسان الرسول ﷺ لقول كعب بن مالك:
فَلَيُغْلَبَنَّ مُغَالِبُ الغَلاَّبِ
جَاءَتْ سَخِينَةُ [١٤] كَيْ تُغالِبَ ربَّها
فقد قال رسول الله ﷺ : "لقد شكرك الله يا كعب على قولك هذا [١٥] "
وكذلك ما وقع من النابغة الجعْدي عبد الله بن قيس، وكان يُكْنىَ أبا ليلى حيث أتى رسول الله ﷺ ، وأنشده:
ويَتْلو كِتاباً كالمَجَرَّةِ نيرّاً
أتيتُ رسول الله إذْ جاءَ بالهُدَى
وإنا لنرجو فوْق ذلكِ مظْهَراً
بَلَغْنَا السَّماء مَجْدَنا وجُدودُنا
فاعترضه الرسول ﷺ ، لشعوره بأنه سينهج في فخره على عادة الجاهليين، قائلا: "إلى أين أبا ليلى؟ "، فقال إلى الجنة، فقال رسول الله ﷺ ، "إن شاء الله" وأنشده:
بَوَادِرُ تَحْمِي صَفْوَة أن يُكَدَّراَ
وَلاَ خَيْرَ في حِلْم إذاَ لم تَكُنْ لَهُ
حَليمٌ إذا ما أوْردَ الأمْرَ أصْدَراَ
وَلاَ خَيْر فيِ جهْلٍ إذا لم يَكُنْ له
فأعجب الرسول ﷺ بهذا القول؛ لأنه يوافق قوله تعالى: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾ ، ولذلك دعا المصطفى له بقوله، "لا يَفْضُضِ اللهُ فاكَ"، قالَ: فَبقيَ عُمْرَه لم تنقض له سِنٌّ [١٦] .
стр. 6095
وفي حديث البراء الذي ذكره البخاري دليل على طلب الرسول ﷺ قول الشعر من حسان، فقد روى أن النبي ﷺ قال لحسان:"أهُجُهم، أو قال هاجِهم وجبريل معك" [١٧] ، وفي حديث أبيّ بن كعب قوله ﷺ "إنَّ من الشِّعْر حِكْمةً" [١٨] ١، حكمٌ نقدي كان له أثره في النهوض بالشعر. وقد روى التِّزمذي وابن أبي شيبة من حديث جابر بن سَمُرة رضي الله تعالى عنه قال: "كان أصحاب رسول الله عليه وسلم يتذاكرون الشعر، وحديث لجاهلية فلا ينهاهم، وربما تبسَّم" [١٩] ممّا كان لهذا أعظم الأثر في إذكاء جذوة الشعر من جديد، ولقد أثنى الرسول ﷺ على ابن رواحة من حديث أبي هريرة في البخاري "إن أخاً لكم لا يقول الرفث يعني بذاك ابن رواحة قال:
إذاَ انْشَقّ مَعروفٌ مِن الفَجْرِ ساطعُ
وَفِينا رسولُ اللهِ يتْلو كِتابَهُ
به مُوقِنَرتٌ أنَّ ما قالَ واقِعُ
أَرَاناَ الهُدَى بعدَ العَمى فقلُوبُنا
اسْتَثْقَلَتْ بِالكَافِرينَ المَضاجِعُ [٢٠]
يبيتُ يُجاَفي جَنْبَهُ عنْ فِراشهِ إذاَ
следующие страницы →