← Джавами‘

Джавами‘ · id 4473

مجلة الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (23 804 стр.). Показаны 6091–6130 · переход к 6096.

стр. 6091

٥- أن هذا النقد مع ذاتيته وقلته فإنه أصدق صورة للبيئة العربية في جاهليتها، حيث ظلت الصراعات الدموية تمزِّقها، والبداوة تحكمها، والأميّة تستبّد بها, والنظرة الجزئية سبيلها إلى فهم الأمور، والارتجال في الأحكام مسلكها، فلم تتوفَّرُ لها عوامل الرّقي الحضاري والفكري، ولم تتهيأ لها وسائل تحقيق المنهجية العلمية التي تعتمد على الدراسة المتأنية داخل إطار الشمولية المحيطة, وبدهي أنّ الدرس والتحليل في العمل النقدي يتطلب درجة من درجات الرقي الفكري تأتي بعد مجرد الاستجابة الذوقية. وإن كانت الأذواق العربية قد نعمت بجو الحرية والطلاقة، وتمتّعت بروح البساطة التي تميزت بها هذه البيئة، بيد أن الظروف الأخرى التي عاشتها من وثنية متخلفة رانت على قلوبهم، واستولت على عقولهم، ومن عصبية قبلية كانت تحكم مجتمعهم، وتوجه حركتهم قد سَدَّتْ هذه الظروف عليهم منافذ التفكير، فكان جهدهم الذي رأيت في مجال النقد الأدبي.. أيها الاخوة – أيها الأبناء: إنّ تلك البيئة العربية الغارقة في جاهليتها, السابحة في وثنيتها، المفتونة بشعرائها وشاعريتها, يراد لهذه البيئة أن تكون طليعة التحرُّك بدعوة الإسلام دعوة خالصة كتوحيد الله تعالى، والإيمان به، والطاعة له, والقيام بعبادته, وأن يكون الداعي لها عربيا من أبناء هذه البيئة، إعمالا لسنة الله في إرسال الرسل ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلاَّ بِلِسَانِ قَوْمِهِ﴾ فكان بزوغ فجر الإسلام، وسطوع شمس هدايته، ونزول القرآن الكريم على قلب الرسول الأمين، ليكون من المنذرين بلسان عربي مبين، وهو حجة الله المعجزة في الأولين والآخرين حقاً أنها لمهمة شاقة، ومطلب عسير، فمن أين تكون البداية؟ ومع مَنْ تكون؟.

стр. 6092

العشيرة الأقربون يتأبَّوْن ويمتنعون، بل عِزازهم من أمثال أبي لهب وغيره يكابرون ويعارضون، أما الآخرون فهم أشد تأبِّيا، وأعنف معارضة, فياله من صراع رهيب تشهده أرجاء مكة!!. ما السبيل والحال هذه؟ هو أن يظل على دعوته في قومه مؤيدا بالقرآن يدعوهم إلى سبيل ربه بالحكمة والموعظة الحسنة ويجادلهم بالتي هي أحسن، واتجه الرسول ﷺ يدعو الناس إلى الحق وإلى طريق مستقيم، ويقرأ عليهم آيات القرآن الكريم، فتأثر بسحره الفني كثير ممن حَسُن إسلامهم، وصحت عقيدتهم، وقيل مِمنْ تولوا عن الدعوة وأعرضوا عنها كالوليد بن المغيرة، وخبره معروف تفصيلا في كتب السيرة النبوية الشريفة، وفي ذلك يقول ربنا تعالى من سورة المدثر: ﴿إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ ثُمَّ نَظَرَ ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ ثُمَّ أَدْبَرَ وَاسْتَكْبَرَ فَقَالَ إِنْ هَذَا إِلاَّ سِحْرٌ يُؤْثَرُ﴾ ..

стр. 6093

تمرّ الأيام سراعا والمسلمون يكثرون، ويأخذون أنفسهم بمنهاج دينهم القرآني، ويصوغون حياتهم بالأسلوب الرباني, فيجدون متعتهم الفنية في قرآن يتلى، وصلاة تقام لتؤدى، وذكر خاشع للذي خلق فسوى, والذي قدر فهدى, حتى أذن الله بعد ثلاثة عشر عاما مع أهل مكة وجيرانهم أن تنتقل الدعوة إلى طيبة هنا في مدينة الرسول الأعظم حيث التربة الصالحة، فقامت على ربوعها دولة الإسلام الأولى تنشد الخير والعدل والسلام، وتعمل من أجل سعادة البشرية في الحال والمآل، ولكن أعداء الإنسانية من المشركين الجاحدين واليهود الحاقدين جاهروها بالعداء، ونازلوها القتال، فأذن للرسول وصحبة من المهاجرين والأنصار بالقتال ردعا لعدوان، وتأمينا لدعوة, وانتصاراً لحق، ودفعا لظلم!!، فلا تكاد تمضي فترة إلاّ وتقع غزوة أو توجه سرية على مدار عشر سنوات في المدة التي عاشها الرسول ﷺ في المدينة، كل هذا والنظام الإسلامي الشامل يستقر في هذه الدولة، وعملية البناء تسير سيراها العجيب، بناء النفوس والضمائر قبل تشييد البيوت والعمائر، فأتيح للجو الشعري والفني ما يحقق صفاءه ونقاءه, ووفْرته ونماءه، وانبرى هؤلاء الشعراء المسلمون: حسان بن ثابت، وكعب بن مالك، وعبد الله بن رواحة، يخوضون معركة الشعر بالإسلام في مواجهة أعدائه، وقُدِّر لدولة الشعر الإسلامي أن تقوم هي الأخرى، دعامة لدولة الإسلام الأولى من بين الدعائم التي ارتكزت عليها، وظهر الشعر الإسلامي خالصا، لتمجيد المعاني الإنسانية النبيلة، ودعم الأخلاق الإسلامية القويمة [١٣] ، لكن سحر القرآن وتأثيره في النفوس ما زال يسري حتى مع هؤلاء الشعراء، فلم تخلص الحياة للشعر كما كان الحال في الجاهلية، بل شُغِل الناس برواية حديث رسول الله ﷺ وخطبه، ولذلك اتجهت الحركة النقدية في ظلال الإسلام إلى مرحلة أخرى من النمو والتطور أقرب إلى العقل منها إلى العاطفة، فكيف تمت هذه المرحلة؟.

стр. 6094

يمكن القول: إنه لم توجد هذه المرحلة النقدية من فراغ، وإنما وجَدتْ في تراث الجاهليين ما جعلها تتجه نحو النهج العقلي في تقويمها للأمور، وحكمها على الأشياء، بعد أن كان الاتجاه العاطفي هو السائد في النقد الجاهلي، وذلك راجع إلى طبيعة الإسلام الذي يقوم على الحجية والاقتناع، وينظّم المعايير الدينية والخلقية في السلوك الإنساني: العام والخاص، ولعل أبرز الأمثلة لهذا الاتجاه الديني في النقد ما ذكره الرواة من استحسان الرسول ﷺ لقول كعب بن مالك: فَلَيُغْلَبَنَّ مُغَالِبُ الغَلاَّبِ جَاءَتْ سَخِينَةُ [١٤] كَيْ تُغالِبَ ربَّها فقد قال رسول الله ﷺ : "لقد شكرك الله يا كعب على قولك هذا [١٥] " وكذلك ما وقع من النابغة الجعْدي عبد الله بن قيس، وكان يُكْنىَ أبا ليلى حيث أتى رسول الله ﷺ ، وأنشده: ويَتْلو كِتاباً كالمَجَرَّةِ نيرّاً أتيتُ رسول الله إذْ جاءَ بالهُدَى وإنا لنرجو فوْق ذلكِ مظْهَراً بَلَغْنَا السَّماء مَجْدَنا وجُدودُنا فاعترضه الرسول ﷺ ، لشعوره بأنه سينهج في فخره على عادة الجاهليين، قائلا: "إلى أين أبا ليلى؟ "، فقال إلى الجنة، فقال رسول الله ﷺ ، "إن شاء الله" وأنشده: بَوَادِرُ تَحْمِي صَفْوَة أن يُكَدَّراَ وَلاَ خَيْرَ في حِلْم إذاَ لم تَكُنْ لَهُ حَليمٌ إذا ما أوْردَ الأمْرَ أصْدَراَ وَلاَ خَيْر فيِ جهْلٍ إذا لم يَكُنْ له فأعجب الرسول ﷺ بهذا القول؛ لأنه يوافق قوله تعالى: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾ ، ولذلك دعا المصطفى له بقوله، "لا يَفْضُضِ اللهُ فاكَ"، قالَ: فَبقيَ عُمْرَه لم تنقض له سِنٌّ [١٦] .

стр. 6095

وفي حديث البراء الذي ذكره البخاري دليل على طلب الرسول ﷺ قول الشعر من حسان، فقد روى أن النبي ﷺ قال لحسان:"أهُجُهم، أو قال هاجِهم وجبريل معك" [١٧] ، وفي حديث أبيّ بن كعب قوله ﷺ "إنَّ من الشِّعْر حِكْمةً" [١٨] ١، حكمٌ نقدي كان له أثره في النهوض بالشعر. وقد روى التِّزمذي وابن أبي شيبة من حديث جابر بن سَمُرة رضي الله تعالى عنه قال: "كان أصحاب رسول الله عليه وسلم يتذاكرون الشعر، وحديث لجاهلية فلا ينهاهم، وربما تبسَّم" [١٩] ممّا كان لهذا أعظم الأثر في إذكاء جذوة الشعر من جديد، ولقد أثنى الرسول ﷺ على ابن رواحة من حديث أبي هريرة في البخاري "إن أخاً لكم لا يقول الرفث يعني بذاك ابن رواحة قال: إذاَ انْشَقّ مَعروفٌ مِن الفَجْرِ ساطعُ وَفِينا رسولُ اللهِ يتْلو كِتابَهُ به مُوقِنَرتٌ أنَّ ما قالَ واقِعُ أَرَاناَ الهُدَى بعدَ العَمى فقلُوبُنا اسْتَثْقَلَتْ بِالكَافِرينَ المَضاجِعُ [٢٠] يبيتُ يُجاَفي جَنْبَهُ عنْ فِراشهِ إذاَ

стр. 6096

فهذا الثناء توجيه نقدي للسمو بالشعر، ونبذ الفاحش منه، ولذلك رأينا رسول الله ﷺ ينفر منه إذا كان مقذعا، فقد أورد الطحاوي رواية ذكرها العيني: قيل لعائشة: إن أبا هريرة يقول: "لأنَ يمتلئ جوف أحدكم قيحاً خير له من أن يمتلئ شعرا"فقالت عائشة: يرحم الله أبا هريرة حفظ أول الحديث، ولم يحفظ آخره: "إنّ المشركين كانوا يهاجون رسول الله ﷺ ، فقال: لأن يمتلئ جوف أحدكم قيحاً خير له من أن يمتلئ شعرا من مهاجاة رسول الله ﷺ "، هذا ورواية أبي هريرة تلك ذكرها بطريقين البخاري في باب (ما يكره أن يكون الغالب على الإنسان الشعْرُ حتى يصدَّه عن ذكر الله والعلم والقرآن) ، وفي ذلك تنظيم لحياة الإنسان في ظل الدين الجديد, كي يظل ذاكراً لموالاه حامدا شاكراً.. ومهما دار الأمر فإن هذه الروايات تنمُّ عن إعجابه ﷺ بالشّعْر الذي يلتزم مبادئ الإسلام, ويعبرُ عن روحه, ومن ثمَّ يقدم هديَّة إلى كعب بن زهير وهي عبارة عن (بُرْدة) ثمينة، بعد إنشاده قصيدته المشهورة التي مطلعها: مُتَيَّمٌ إِثْرَها لم يُجْزَ مَكْبُولُ [٢١] بانَتْ سُعادُ فقَلْبِي اليَوم مَتْبُولُ

стр. 6097

وتشجيع الرسول ﷺ لكعب بن زهير دليل عملي على تشجيعه ومكافأته ﷺ للشعراء المسلمين. أما تنزيه الرسول ﷺ عن كونه شاعرا في قوله تعالى: ﴿وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ إِنْ هُوَ إِلاَّ ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُبِينٌ﴾ فلأن طبيعة الرسالة تأبى الشعر، إذْ لو كان الرسول شاعراً لنسب العرب فضيلته، وحجته البالغة إلى تأثير الشعر، لا إلى فضل الرسالة، ولا يكون إذ ذاك الكلام الذي يلقى إليه وحيا من عند الله، بل إلهاما من شيطان الشعر، ولأمر ما كانت الحكمة في أن الرسول ﷺ ما روى بيت شعر كاملا [٢٢] صحيح الوزن، وإذا وردت بعض الأبيات – إذا صحت روايتها - صحيحة فهي إلى النثر أقرب منها إلى الشعر [٢٣] . وقد ذكر السيوطي تعليلا له وجهته في سبب تنزيه الرسول عن قول الشعر فقال: "إنّ علماء العروض مجمعون على أنه لا فرق بين صناعة العروض، وصناعة الإيقاع إلا أنّ صناعة الإيقاع تقسيم الزمان بالنغم، وصناعة العروض تقسيم الزمان بالحروف المسموعة، فلمّا كان الشعر ذا ميزان يناسب الإيقاع، والإيقاع ضرب من الملاهي لم يصلح ذلك لرسول الله ﷺ [٢٤] . ومما تقدم يتضح لنا موقف الإسلام من الشعر، الأمر الذي انعكس على النقد فبدا المقياس الديني معياراً جديداً في هذه المرحلة.. وقد أسهم الخلفاء الراشدون في إرساء هذا المقياس الديني في النقد الأدبي وترسيخه فها هو أبو بكر الصديق يثني على لبيد حين قال: ألا كُلُّ شَيءٍ ما خَلا الله باطِل فقال الصديق له: "صدقت! "ولّما قال لبيد: وكُلُّ نعيم لا محالةَ زَائِلُ. قال الصديق: "كَذَبْتَ! عند الله نعيمٌ لا يزولُ" [٢٥]

стр. 6098

وكذلك صنع عمر بن الخطاب، فقد نعت زهير بن أبي سُلْمى الشاعر الجاهلي بقوله: "كان لا يُماطل بَيْن القولِ، ولا يَتّبع حُوش الكلام, ولا يَمدَحُ الرَّجلَ إلا بما هُوَ فيه". وهذا الوصف من عمر يعني أنه قرأ شعر زهير كله, قراءة تدبر وتأمل, حتى جاء حكمه هذا الموضوعي عليه. وإذا كان ابن الخطاب قد أعجب بزهير، لتجنّبه المبالغة في المدح، وهو خلق إسلامي محمود, فإنه لا يعطي الجائزة لسُحيم عَبْد بني الحماس, وكان عبدا حبشيا، حين أنشده: كَفىَ الشَّيْبُ والإسلامُ للمْرء ناهِيا عُمَيْرَة وَدِّعْ إنْ تَجَهَّزْتَ غَاديا فقال عمر له "لو كنت قدمت الإسلام على الشيب لأجزتك"فقال سحيم: "ما سَعَرْتُ: أي ما شَعَرْت" [٢٦] . وهكذا أظهر المعيار الديني في النقد، وبدا معه مقياس آخر ينبذ التكلف، ويرفض التعسف، ويؤثر الطبع فها هو رسول الله ﷺ ينعى على الثرثارين المتفقهين المتشدقين، قائلا: "إنّ أحبكم إليّ، وأقربكم منى في الآخرة محاسنكم أخلاقا، وإنّ أبغضكم إليّ وأبعدكم منى في الآخرة مساويكم أخلاقا: الثرثارون المتفقهون المتشدقون" رواه أحمد [٢٧] . وكذلك فعل الإمام على حين قال: "الإيمان أن تؤثر الصِّدْق حيث يضرُّك على الكذب حيث ينفعك، وألا تكون في حديثك فضل عن عملك، وأن تتقي الله في حديث غيرك" [٢٨] ولقد التزم الشعراء الإسلاميون بهذه التوجيهات الرشيدة، وتلك التعاليم السديدة، فسهلت عبارتهم، ووضحت فكرتهم، حتى رموا باللين والضعف!!. أيها الاخوة.. أيها الأبناء:

стр. 6099

إن هذه الجهود الممتازة من الرسول والخلفاء الراشدين كانت لها آثارها البعيدة في توجيه الفن الأدبي ونقده، والاتجاه به في مساره الإسلامي، بعيدا عن المنعطفات والدروب التي عرفتها الجاهلية، ولذلك رأينا الفاروق عمر يتصدى للمنحرفين الهجَّائين، مستعينا بحسان بن ثابت في تقويم أشعرهم، مع حذقه الشعر وبصره بفنونه، لكنه أراد أن تتاح للعدالة ساحتها, وأن يتولّى القضاء فيها مَنْ هو أهل في هذا الفنِّ، فمن ذلك هاتان الواقعتان اللتان ذكرتا في أمهات الكتب النقدية والأدبية.. أما الواقعة الأولى فمع الحطيئة (جرْول بن أوس) ، وكان رقيق الإسلام، لئيم الطبع، سيّئ الخلق؛ قد آواه الزِّبرْقان بن بدر، فلم يحمد جواره، وانقلب عليه، ثم تحوَّل عنه إلى بَغيض بن عامر من رؤساء بني تميم الذين أدركوا الإسلام، فأكرم جواره, فقال الحطيئة يهجو الزبرقان، ويمدح بغيضا: ذاَ حَاجَة عَاش في مُسْتَوْعر شَاسِ [٢٩] مَا كَان ذَنْبُ بَغيض أنْ أَرى رجُلاً وغادرُوه مُقيماً بين أَرْمَاسِ جَاراً لِقَوْمٍ أَطَالُوا هُونَ مَنْزله وَجَرَّحُوهُ بأنياب وأضراسِ مَلُّوا قراه، وهَرَّتْهُ كِلاَبُهُمُ واقْعُدْ فَإِنَّكَ أَنْتٌ الطَّاعِمُ الكَاسِي دَع المكَارِمَ لاتَرْحلْ لبغْيتَها وأنشده آخر الأبيات: لا يَذْهَبُ العُرْفُ بَين الله والنَّاس مَنْ يَغْفَلِ الخَيرةَ لاَ يَعْدِمْ جَوَارِيه فقال له عمر: ما أعلمه هَجَاكَ، أما تَرضى أن تكون طاعما كاسيا؟! قال: إنه لا يكون في الهجاء أشد من هذا، ثم أرسل عمر إلى حسان بن ثابت، فسأله عن ذلك، فقال: لم يهجُه، ولكن سَلَحَ عليه!! فحبسه عمر، وقال: يا خبيث لأشغلنك عن أعراض المسلمين فقال: - وهو محبوس يستعطف عمر-: حُمر الحواصل لا مَاءُ ولا شجرُ؟ ماذا أقول لأفراخ بذي مَرَخ فاغْفِرْ عَليْكَ سَلامُ الله يا عُمَرُ

стр. 6100

أَلقَيْتَ كَاسِبَهُم في قَعْرِ مُظْلمة فَرَقَّ له قلب عمر وخلّى سبيله، وأخَذ عليه ألاَّ يهجو أحدا من المسلمين [٣٠] . وأما الواقعة الثانية فقد كانت مع النجاشي الحارثي (قيس بن عمرو بن مالك) ، وكان فاسقاً فاحشا رقيق الإسلام أيضا، فهجا بني العَجْلان، فاستعدوا عليه عمر بن الخطاب ﵁، فقال: ما قال فيكم؟ فأنشدوه: فَعَادَى بني العجْلانِ رَهط ابْنَ مقبل إذا اللهُ عادى أهل لُوْمٍ وَرِقَّةٍ فقال عمر! إنما دعا، فإن كان مظلوما استجيب له، وإن كان ظالما لم يستَجب له، قالوا: وقد قال أيضاً: ولا يَظْلِمُون النَّاس حبَّةَ خَرْدلِ قُبيِّلةٌ لا يَغْدِرُون بِذِمَّةٍ فقال عمر: ليت آل الخطَّاب هكذا قالوا: وقد قال أيضاً: إذا صدر الورّاد عن كل منهل وَلا يردون الماء إلا عشيّة فقال عمر: ذلك أقلّ للّكاك أي (الزّحام) قالوا: وقد قال أيضاً: وتأكل من كعبٍ وعوْفٍ ونهشَل تعاف الكلاب الضّاريات لحومهم فقال عمر: أجَنَّ القوم موتاهم، فلم يُضيِّعوهم! قالوا: وقد قال: خُذِ القَعْبَ [٣١] ، واحلبْ أيها العَبدُ واعْجَ وما سُمِّي العجْلانَ إلا لِقِيلهمْ فقال عمر: خير القوم خادمهم (وكلنا عبيد الله!) ، ثم بعث إلى حسان والحطيئة، وكان محبوساً عنده فسألهما, فقال حسان مثل قوله السابق في شعر الحطيئة, فهدد عمر النجاشي وقال له: "إن عُدتَ قَطَعْتُ لِسَانَكَ". وفي هاتين الحادثتين يبدو عمر كأنه ليس من الشعر في شيء، ونحن نعلم مدى فهمه ووعيه بفنونه، ولكنه يظهر هنا على خلاف أمره، ولعل موقفه كخليفة، وموقعه كحاكم جعله يستبين الأمر من ذوي الخبرة مشورتهم، فيصدر حكمه الذي لا يقبل نقضاً ولا تجريحا، ومع هذا فإنّ الواقعة الثانية لم تخل من نظرة نقدية لعمر حين تمنى لآل الخطاب هذه الصفات التي أوردها النجاشي في قوله:

стр. 6101

ولا يظلمون النَّاس حبَّة خَردَل قبيّلة لا يغدرُون بذمة وواضح أنّ هذه الصفات التي تمناها عمر كانت مثار الشكوى من بني العَجْلان ضد النجاشي الشاعر، ولا شك أنّ هذا يكشف عن بُعد نظرة عمر الفاحصة!!. وعمر بهذا التصرف كان يمارس مسؤولياته في تحقيق الطهارة للمجتمع، وصيانة أعراض المسلمين، وتخليص الحياة العربية من ألوان الهجاء المقذع، والسب الفاحش، ومن ثم رأيناه حاسما في القضاء والتنفيذ. أما حسان الناقد في هاتين الواقعتين فقد تميز نقده فيهما بالإيجاز في الحكم من غير تعليل له، شأنه في ذلك ما علمناه في أحكام الجاهليين النقدية وقد يقال: إن جوانب التفكير والبحث قد اتسعت في ظلال الإسلام، وهدي القرآن والسنة مما يستتبع اتساع دائرة النظرة الموضوعية في النقد الإسلامي، بيد أنه عند التأمل نجد أنّ المسلمين الأوائل قد شغلوا بالعديد من القضايا التي تمثل الأهمية بالنسبة لهم, وفي مقدمتها قضية الوجود الجماعي للمسلمين الذي كان مثار حوار كان في مجموعه ساخنا بينهم وبين الكافرين والمرتدين، وقد تجلى هذا الحوار الساخن في المعارك المسلحة التي خاضوها في الغزوات، وحروب الرّدة، وفتوح العراق، والشام، ومصر وغيرها. كذلك شغلوا بالمجالات الخلقية، والدينية التي ركزوا عليها في بناء ودعم هذه الدولة الجديدة, فراحوا يعطون فيها القدرة العلمية، واهتموا في هذه الآونة بالقرآن الكريم، حفظه، وتلاوته، وجمعه، وتفسيره، وتقرير إعجازه، وقهره لأساطين البلاغة، وأرباب البيان والبراعة. ولا شك أنّ هذه الأمور كلها في فترة ضيقة من الزمن لم تهيّء لهم المناخ الذي فيه يكُدُّون عقولهم في فهم الأدب ودراسته، وأتي لهم بأدب تمثل غالبيته مظاهر الحياة الجاهلية وأبعادها؟

стр. 6102

ومع هذا فإن كثيرين من النقاد المعاصرين يطلقون هذا الحكم مرددين أن المسلمين الأوائل لم يُعملوا أفكارهم في دراسة الأدب لاستنباط الأصول الفنية التي يعتمد عليها الحكم، ومن ثم لم يولوا الأدب حظه من الفنية والموضوعية. وفي تقديري: أن هذه الدولة الإسلامية كانت تمثّل فترة التحول من مجتمع الجاهلية والظلمات، إلى مجتمع الإسلام والنور، ولا يطالب من هذه الفترات الحرجة أن تتسع لمثل هذه المطالب طفرة، وحسب هذه الدولة أنها وضعت أساسين هامين في أسس النقد الأدبي عند العرب وهما: ١- الأساس الديني والخلقي. ٢- السهولة في صياغة الأدب وذم الافتعال والتكلف في صنعته. على أنها لم تهمل الجانب العاطفي في الإنسان, وقد رسمت الطريق ليأخذ العقل دوره الأساسي منه، وينطلق إلى غايته بعد أن سقطت القيود، وزالت السدود. أيها الاخوة.. أيها الأبناء:

стр. 6103

هذا هو النقد الإسلامي في عصره الأول ينشد العفة، ويتوخّى السهولة، بيد أنه لما قامت دولة بني أمية على أنقاض الخلافة الإسلامية تبدلت مظاهر الحياة، وتغيرت أحوال المجتمع، وصار لحكام بني أمية ما للأكاسرة والقياصرة فازدانت قصورهم بألوان الفخامة، وأنماط العظمة، مما جعلها مقصدا لأصحاب الحاجات، وطلاّب المنح والهبات، يتخذون من وسائل الزلفى لتحقيق ما يطلبون، فراحت سوق الشعر، واتسعت فنونه وأغراضه, وتأثرت معانيه وألفاظه بجو المنافسة الشديدة، وعاد الهجاء المقذع بين الثلاثي: جرير، والفرزدق، والأخطل, وكان نتاجهم ما عرف بشعر (النقائص) , وعادت الأسواق الأربعة في شكل (مِرْبد البصرة) البديل لـ (عكاظ) في الجاهلية, وجلس الخلفاء الأمويون لسماع الشعراء، ثم منحهم الجوائز، طمعا في الشهرة، وحبا في الثناء، ولا تستثني من هؤلاء الأمويين واحدا إلا أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز الذي كان ينصح دائما للشعراء بالتزام الصدق، وتجنب الكذب، كما أخبر بذلك مَسْلمَةُ بن عبد الملك فتى العرب آنذاك حين قدم عليه: كثِّير عزه، والأحوص، ونصَيْب يطلبون إنشاء الشعر في مجلس الخليفة عمر فأذن لهم في يوم جمعة بعدما أذن للعامّة، ودار حوار بين الخليفة عمر وبين كثير، قال كثيِّر: طال الثَّواء [٣٢] ، وقلّت الفائدة، وتحدَّثتْ بجفائك إيانا وفودُ العرب، فقال: يا كثيِّر: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ﴾ أفي واحد من هؤلاء أنت؟ فقلت: ابن السبيل منقَطَعٌ به، وأنا ضاحك، قال: أو لست ضيف أبي سعيد؟ قلت: بلى، قال: ما أرى مَنْ كان ضيفه منقطعا به، ثم قلت يا أمير المؤمنين: أتأذن لي في الإنشاد؟ قال: نعم، ولا تقل إلاّ حقا، فأنشدت قصيدة نذكر منها: تَبَيَّنُ آياتُ الهدَى بالتَّكَلُّم

стр. 6104

تَكَلَّمْتَ بالحقِّ المبين وإنما على كلِّ لَبْسِ بارق الحقِّ مظْلِم وأَظْهَرْتَ نورَ الحقِّ فاشْتَّد نوره بَرِيَّا وَلم تَقْبَل إشَارةَ مجْرِم وُليتَ فلَمْ تَشْتُم عَلِيًّا وَلم تخِفْ فأقبل عليَّ، ثم قال: يا كثيِّر، إنك تساءَلُ عما قلْتَ، ثم تقدّم الأحوصُ فاستأذنه في الإنشاد، فقال: قلْ، ولا تقل إلا حقا، فأنشد أبياتا منها: ولا يَسْرةً فِعْل الظَّلُوم المُخَاتِل رَأيْناكَ لم تَعْدلْ عن الحقِّ يَمْنَةً وإن كان مِثْلُ الدَّرِّ في فَتَلْ فاتِل فإنْ لم يكُنْ للشِّعرِ عِنْدكَ مَوْضعٌ ومِيراثَ آباءٍ مَشْوا بِالمناصِلِ فإنَّ لَنا قُرْبىَ وَمحْضَ مودَّةٍ فقال له عمر: إنك يا أحوص تُسأل عما قلت، وتقدّم نُصَّيبٌ فاستأذنه في الإنشاد فلم يأذن له، وأمره بالغزو إلى (دابق) ، فخرج وهو محموم، وأمر لكثيِّر بثلثمائة درهم، والأحوص بمثلها، وأمر لنُصيب بمائة وخمسين درهما" [٣٣] .

стр. 6105

ومهما قيل عن عمر بن عبد العزيز فهو خامس الراشدين، وكان عهده فترة متميزة عن الحياة التي ارتضاها الأمويون، ومع هذا فإنا وجدناه في هذه الحادثة يعطي الشعراء المنح، ناصحا لهم بالتزام الصدق في القول، مذكِّراً إياهم بالسؤال عما يقولون، وعلى الرغم من أنه لم يأذن لنُصيب بقول الشعر في مجلسه إلاّ أنه لم يحرمه من عطائه, وهذا التصرف ينبني عن رعاية من عمر للشعراء مع توجيههم إلى الفضيلة، وتذكيرهم بالخير. وسرعان ما تبدلت الحال بعده، وصارت الحياة الأدبية والنقدية مواكبة لحياة البذخ والترف التي سيطرت على حكام الأمويين, ومن تبعهم من العباسيين، ولولا ظهور الطبقة الأولى من اللغويين والرواة والنحاة في عصر بني أمية، والرعيل الأول من النقاد البلاغيين الذين درسوا قضية النظم لإثبات إعجاز القرآن في عصر بني العباس؛ لم يقدّر للنقد العربي الإسلامي أن تقنّن قضاياه وترسى قواعده، وتتضح معالمه، وتتسع دائرته، حيث ظهرت البلاغة كعلم وهي في جملتها وتفصيلها قانون من قوانين النقد الأدبي، وينتهي القرن الخامس الهجري عصر النضج البلاغي لتستمر جهود المسلمين في النقد والبلاغة كان أوفر من حظ النقد، وظل الحال كذلك حتى ظهور النهضة الأوربية، وكانت جهود الأوربيين في مجالات النقد الأدبي ثم قيام مدارسه المتعددة المتعارضة، ومع فجر القرن العشرين الميلادي رأينا من المسلمين من درس النقد الأدبي في بيئته الغريبة الصليبية, ثم عاد إلينا يصب اللعنات، ويوجه الطعنات إلى نقدنا الإسلامي ولقد خُدع بذلك نفر غير قليل من المهتمين بدراسات النقد الأدبي عند العرب، فبدءوا يرددون شكوك أساتذتهم المستغربين!

стр. 6106

وفات هؤلاء، وأولئك أن الاتجاه التجريبي الذي قامت عليه الحضارة الصناعية الأوروبية الحاضرة لم ينشأ ابتداء في أوربا، وإنما نشأ في الجامعات الإسلامية في الأندلس، والمشرق مستمد أصوله من التصور الإسلامي وتوجيهاته إلى الكون وطبيعته الواقعية، ومدخراته، وأقواته.. ثم استقلت النهضة العلمية في أوربا بهذا النهج، واستمرت تنميه ترقيه، بينما ركد وترك نهائيا في العالم الإسلامي بسبب بُعْد هذا العالم تدريجيا عن الإسلام، نتيجة عوامل بعضها يكمن في تركيب المجتمع، وبعضها يتمثل في الهجوم عليه من العالم الصليبي والصهيوني.. ثم قطعت أوربا بين المنهج الذي اقتبسته وبين أصوله الاعتقادية الإسلامية، وشَردت به نهائيا بعيدا عن الله، في أثناء شرودها عن الكنيسة، التي كانت تستطيل على الناس –بغيا وعدوانا- باسم الله [٣٤] !!. وكذلك أصبح نتاج الفكر الأوربي بجملته، شأنه شأن نتاج الفكر الجاهلي في جميع الأزمان، والبقاع شيئا آخر، ذا طبيعة مختلفة من أساسها عن مقومات التصور الإسلامي، ومعادية في الوقت ذاته عداء أصيلا للتصور الإسلامي. ولذلك وجب على المسلم أن يرجع إلى مقوّمات تصوره وحدها، وألاّ يأخذ إلاّ من المصدر الرباني إن استطاع بنفسه، وإلاّ فلا يأخذ إلاّ عن مسلم تقي، يعلم عن دينه وتقواه ما يطمئنه إلى الأخذ منه والتلقّي عنه. ولهذا فإني أوافق الناقد الإسلامي الأستاذ سيد قطب على نظرته العميقة في أن حكاية فصل (العلم) عن (صاحب العلم) ١ لا يعرفها الإسلام فيما يختص بكل العلوم المتعلقة بمفهومات العقيدة المؤثرة في نظرة الإنسان إلى الوجود والحياة والنشاط الإنساني، والأوضاع، والقيم، والأخلاق، والعادات، وسائر ما يتعلق بنفس الإنسان، ونشاطه من هذه النواحي.

стр. 6107

إن الإسلام يتسامح في أن يتلقّى المسلم من غير المسلم، أو عن غير التقي من المسلمين في علم الكيمياء البحتة، أو الطبيعة، أو الفلك، أو الطب، أو الصناعة، أو الزراعة، أو الأعمال الإدارية والكتابية. وأمثالها، وذلك في الحالات التي لا يجد فيها مسلما تقيا يأخذ عنه هذا كله، كما هو واقع منْ يسمّون أنفسهم المسلمين اليوم، الناشئ من بُعدهم عن دينهم ومنهجهم, وعن التصور الإسلامي لمقتضيات الخلافة في الأرض –بإذن الله- وما يلزم لهذه الخلافة من هذه العلوم والخبرات، والمهارات المختلفة، ولكنّ الإسلام لا يتسامح أبدا في أن يتلقى المسلم أصول عقيدته، ولا مقومات تصوّره، ولا تفسير قرآنه وحديثه، وسيرة نبيه، ولا منهج تاريخه, وتفسير نشاطه, ولا مذهب مجتمعه, ولا نظام حكمه، ولا منهج سياسته، ولا موحيات فنه وأدبه، وتعبيره ونقده.. من مصادر غير إسلامية, ولا أن يتلقى عن غير مسلم يثق في دينه وتقواه في شيء من هذا كله.. أيها الاخوة.. أيها الأبناء: لا خلاص لنا مما نحن فيه إلاّ إذا رجعنا إلى الينبوع الإسلامي الصافي، وقد حباكم الله بهذه الجامعة الإسلامية التي تقوم برسالتها المعهدية والتبليغية فهي جامعة تعليم ودعوة تدرس الإسلام في مظانه الأصيلة، وتنشر دعوته ذات الخصائص النبيلة. فهل لنا أن نتخذ منها منطلقا إلى عمل إسلامي خالص من أجل أدب ونقد إسلامي أصيل؟ يتبع وينشأ من تصور الإسلام الخاص للحياة كلها، ولعلاقات والروابط فيها. إنّ الأمل الكبير في أن تتوفّر الجهود المخلصة من الأساتذة المتخصصين، والدارسين المتعمقين في قاعات البحث والدروس داخل إطار جامعتنا الإسلامية لتحقيق هذا الرجاء، وبذلك تكون هجرتنا إلى هذه المدينة المنورة, وتلك الجامعة التي تقلها أرضها الطيبة هجرة خالصة إلى الله ورسوله..

стр. 6108

﴿وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ وَسَتُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ والله من وراء القصد وهو الهادي إلى سواء السبيل. د. عبد الحميد العبيسي -------------------------------------------------------------------------------- [١] آية ٢٢٤ من سورة الشعراء. [٢] آية: ٢٢٧ من سورة الشعراء. [٣] آية: ٥ من سورة الكهف. [٤] النقد الأدبي العربي "دراسة نظرية تطبيقية للمحاضر"ص١١، ١٢ط عيسى الحلبلي بالقاهرة.. [٥] الهوب: من الهب الفرس: اجتهد في السير، وجد فيه حتى آثار الغبار وتطاير الشرر من حافره درة: دفعه، الزجر: الصياح بالفرس فيجري، الأخرج: ذكر النعام. [٦] العنقاء: ثعلبة بن عمرو "مزيقاء"أحد أجداد الأزد القدامى، وقبيلة حسان الخزرج أزدية، محرق: الحارث بن عمرو "مزيقياء"أمير الغساستة في جلق دمشق بالشام لأوائل القرن السادس الميلادي، وهم أيضا من الأزد انظر المصون في الأدب لأبي أحمد العسكري: ص٢، ٤ ط حكومة الكويت تحقيق هارون.. [٧] الإقواء: اختلاف حركة الروي في القصيدة من الكسر إلى الضم [٨] ج١ ص١٥٧، ص١٥٨. [٩] الضاعنين للعسكري ص٤٤٠ الحليمي.. [١٠] النقد الأدبي أحمد أمين ج٢ ص٤١٨ ط النهضة المصرية.. [١١] طبقات فحول الشعراء: ص٢٥. [١٢] العمدة لابن سكور: ج١ ص٦١. [١٣] دراسات في الأدب والنقد للمحاضر: ص٦٠ ط عيسى الحلبي بالقاهرة.. [١٤] سخينة: لقب قريش، لأنها كانت تعاب بأكل السخينة. [١٥] خزانة الأدب ج١ ص٤١٧ ط دار الكتب. [١٦] الشعر والشعراء لابن كتيبة: ج١ ص٢٨٩. [١٧] سيرة ابن هشام: ج٢ ص٢٦١ ط م الحلبي.

стр. 6109

[١٨] الشعر والشعراء لابن كتيبة: ج١ ص٢٨٩. [١٩] المرجع السابق ص١٨٢ والطبقات الكبرى لابن سعد ج١ ص٦٩. [٢٠] عمدة القارئ: ج٢٢ ص١٨٧. [٢١] الشعر والشعراء لابن قتيبة: ج١ ص١٥٤، ص١٥٦ وطبقات فحول الشعراء ج١ ص١٠١ والعمدة ج١ ص٧ ويروي "لم يفد"، و "لم يشف". [٢٢] الأغاني: ج١٥ ص١٤٢، العمدة ج١ ص٣٢، السيرة ج٢ ص٩٤.. [٢٣] العقد الفريد لابن عبد ربه: ج٥ ص٨٢، ج٦ ص١١٥، ص١١٦ ط العهان.. [٢٤] الزهر للسيوطي: ج٢ ص٢٩١ ط السحارة، ص٢ ص٤٧٠ ط دار الكتب. [٢٥] الموشح للمرزباني ص١٧. [٢٦] الخزانة للبغدادي: ج٢ ص١٠١ نقلا عن المبرد في الكامل [٢٧] المسند ج٤ من حديث أبي ثعلبة الخشني. [٢٨] نهج البلاغة: ج٢ ص٢٥٧. [٢٩] شاس: مسهلة من "شأس"بالهمزة مثل كأس في كأس بمعني: خشن الحجارة: أو غليظا. [٣٠] الشعر والشعراء لابن قتيبة: ج١ ص٣٢٧، ص٣٢٨. [٣١] العقب: القدح الضخم الغليظ الجامني.. [٣٢] الثواء: الإقامة.. [٣٣] الشعر والشعراء: ج١ ص٥٠٤، ٥٠٧. [٣٤] معالم في الطريق: ص١٣٠، ١٣١.

стр. 6110

التعليم المعاصر والتربية الإسلامية لفضيلة الشيخ محمد الشربيني خبير التعليم بالجامعة دعت التربية الإسلامية في عهد الرّسالة المحمدية وصدر الإسلام إلى مبادئ وقيم أخلاقية وآداب عامة يلتزم بها كل من معلم الصبيان وطالب العلم في السلوك والمعاملة وطرائق التعليم والتربية في المدارس والمعاهد ودور العلم النظامية وغيرها بمختلف نوعياتها. وإليك طرفاً من هذه الخصائص والفضائل التي يجب أن يتحلّى بها كل من المعلم والطالب. أولا: الخصائص والشروط التي اشترطها المسلمون الأوائل في المعلمين والمربين: ١- أن يكون المعلّم أو المربي قوي اليقين بالله وأن يقو بشعائر الدين وإظهار السنة وإخماد البدع وأن يتخلق بمحاسن الأخلاق. ٢- أن يتشبه بأهل الفضل والدين من معلمي الصحابة والتابعين ومن أتي بعدهم من أكابر العلماء والفقهاء والسلف الصالح. ٣- ألا ينصِّب نفسه للتعليم حتى يستكمل أهليته ويشهد له أفاضل الأساتذة بذلك. ٤- أن يحب تلاميذه ويصونهم عن الأذى ما استطاع، وأن يغفر لهم خطاياهم ويعذرهم على هفواتهم. ٥- أن يرحِّب بطلبته إذا حضروا إليه ويسأل عنهم إذا غابوا عنه، وأن يعودهم في منازلهم إذا كانوا مرضى. ٦- أن يقول "لا أدري"إذا سئل عما لا يعرفه, وكما قال ابن مسعود ﵁ في وصيته للمعلمين: "يا أيها الناس من علم شيئا فليقل به، ومن لا يعلم فليقل: "الله أعلم"فإنّ من العلم أن تقول "الله أعلم". ٧- أن يتفهّم مستوى طلابه ويخاطبهم على قدر فهمهم وإدراكهم، فيكتفي للحاذق بالإشارة، ويوضح لغيره بالعبارة، ويكرر الكلام لمن لا يعلم، وعليه أن يبدأ بتصوير المسألة أو موضوع الدرس، ثم يوجِّه الأمثلة، ويقتصر على ذلك من غير دليل ولا تعليل، فإن سهل على الطلبة الفهم فعليه أن يذكر التعليل والمأخذ ويبيِّن الدليل المعتمد.

стр. 6111

٨- ألا يعلِّم أحداً ما لا يحتمله ذهنه أو سنُّه، ولا يشير على أحد بقراءة كتاب يقصر عنه فهمه. ٩- ألاّ يدرس وهو منزعج النفس، أو فيه ملل أو مرض أو جوع أو غضب فإن ذلك مضرٌّ بنفسه وبطلابه ضرراً بليغاً. ١٠- أن يكون يقظاً أثناء الدرس وأن يوقظ الغافل من طلابه، وأن ينصحهم بحسن الاستماع من حين لآخر، وأن يحثهم على نظافة الفصل ومكان إلقاء الدرس. ١١- أن يجعل للطلاب أوقاتاً معينة يعرضون فيها عليه ما حفظوه من القرآن والعلوم الأخرى وليكن ذلك في نهاية كل أسبوع وذلك سنة المعلمين الأوائل منذ كانوا. ١٢- أن يستعلم عن أسماء طلبته وحاضري درسه وعن أنسابهم ومواطنهم وأحوالهم لما في ذلك من تقوية الصلات بينه وبينهم والتعرف عليهم بما يسهِّل له أمر تعليمهم بعد الوقوف على مشكلاتهم ومحاولة معالجتها. ١٣- يجب عليه أن يكون مَثَلاً أعلى لطلابه في هندامه ومظهره ونظافة جسمه وتقصير أظفاره واجتناب الروائح الكريهة والعادات الممقوتة. ١٤- أن يطرح على تلاميذه أسئلة كثيرة متنوعة يفهم منها مقدار ما استوعبوه من دروس وما فهموه من مقررات، فإن لم يجدهم قد استفادوا بالقدر المطلوب أعاد عليهم الكرّة، وإن وجدهم قد فهموا وحفظوا فعليه أن يثني على البارع منهم ويشجع المتوسط ويأخذ بيد الضعيف والمتخلف, وعليه أن يوصي كل واحد منهم بقراءة الكتب التي تلائم مستواه الفكري وعمره الزمني. والحق إنّ المعلّمين في كل زمان هم الصفوة المختارة الذين نذروا نفوسهم لتعليم أبناء الأمة وأذابوا حياتهم لإضاءة الطريق أمام الشباب وأجيال المستقبل، قد حملوا أسمى رسالة وعليهم أن يؤدّوها في صدق وأمانة وإخلاص حتى ينالوا رضا الرحمن ويحوزوا القبول من الناس. ويكفيهم فخراً وشرفاً أنهم خلفاء سيد المرسلين وخاتم النبيين محمد صلوات الله وسلامه عليه. ثانيا: الآداب والفضائل التي يجب أن يتحلى بها طلاب العلم:

стр. 6112

١- يجدر بطالب العلم أن يفهم أنه إنما يتعلم العلم لله ولدين الله وللخير والمحبة والسلام وليس لأي عرض زائل. ٢- وعليه أن يحافظ على شعائر دينه الحنيف ومكارم الأخلاق وإظهار السنن وأن يخشى الله في كل ما يقول وما يفعل وأن يطهِّر قلبه من الصفات الذميمة كالحسد والرّياء والغش والكذب وما إلى ذلك منم فاسد الأخلاق. ٣- يجدر بطالب العلم أن يجدَّ في الدراسة منذ بداية العام وأن ينشط في الحفظ والعمل وألا يتأخر عن مواعيد دروسه. ٤- يجب عليه أن لا يسأل أستاذه أسئلة تعنُّت وتعجيز، وأن يهذِّب أسئلته ويعرضها بشكل مقبول وبأسلوب مهذَّب. ٥- أن لا يعاشر غير إخوان المجدين، ويبتعد عن أصحاب الأخلاق الفاسدة ورفاق السوء، فإن الطبع سرَّاق. ٦- أن لا ينتقل من بحث قديم إلى بحث جديد إلاّ إذا بعد إتقان البحث القديم، إلاّ إذا كان ذا مواهب كبيرة، وبعد استئذان أستاذه ومشورته بذلك. ٧- وعليه أن ينظر لأستاذه ومربيه نظرة إجلال واحترام وتقدير وأن يبجِّل أستاذه في حضوره وغيبته، ولا يخاطبه بتاء الخطاب وكافه ولا يناديه من بعيد، بل عليه أن يخاطبه بصفة الجمع ويذكره في غيبته بقوله: قال أستاذنا أو شيخنا كذا وكذا.. ٨- أن يسبق أستاذه في الحضور إلى مكان الدرس أو الحلقة أو الندوة وأن يجلس في حضرته بأدب، ويتعاهد تغطية قدميه وإرخاء ثيابه ولا يستند في حضرته إلى (جدار) أو مخدة (وسادة) ولا يدبر إليه ظهره وغير ذلك مما هو متعارف عليه في آداب الجلوس. ٩- أن يلقى بسمعه إلى الشيخ بحث لا يضطره إلى إعادة الكلام ولا يتمخط ولا يتمطى ولا يتثاءب ولا يتجشَّأ ولا يضحك إلا بقدر وعند المناسبة. ١٠- أن يقلِّل النوم وينظم مواعيده حتى لا يلحقه الضرر من كثرة النوم في بدنه وذهنه بحيث لا يزيد نومه في اليوم والليلة على ثماني الساعات.

стр. 6113

١١- وعليه أن يعمل دائما على ما ينشِّط ذهنه بالترويح عن النفس وذلك بالسير في الخلوات والمنتزهات وممارسة الرياضة. وأن لا يأكل ما يفسد عليه ذوقه وفهمه أو يضر بصحته أو ينسيه بعض ما درس وكان المسلمون الأوائل يوصون الطالب بتناول بعض الأطعمة وشرب بعض الشراب الذي يعتقدون أنه يقوي الذهن والذاكرة مثل: أكل الزبيب بكثرة، وشرب الجلاب والعسل واستعمال السِّواك. هذه هي بعض التعاليم الإسلامية الأصيلة التي وردت على لسان العلماء والمربين المسلمين الأوائل لأبنائهم من طلاب العلم في كل زمان ومكان, لتصلح من شأنهم وترفع من قدرهم وتسمو بمستواهم العقلي والخلقي والبدني والاجتماعي, وهي مشاعل تنير لهم طريق الهداية في حياتهم الدراسية، حتى إذا ما خرجوا إلى ميدان الحياة العامة كانوا رجالا عاملين مؤمنين مشبَّعين بروح التربية الإسلامية السمحة التي تعصمهم من الزلل وتهديهم صراطاً مستقيما في حياتهم الدنيوية والأخروية. النظام التأديبي لطلاب المدرسة الإسلامية: اهتم المربُّون المسلمون الأوائل بأمر عقوبة الطفل وتأديبه بغية تعليمه وتهذيبه وتقويم سلوكه, وقد اختلفت آراؤهم في الوسيلة التي يعاقب بها الطالب: ١- رأى بعضهم أنه لا بد من العقوبة، على أن لا تتعدى حدود الإنذار، فالتوبيخ، فالتشهير أمام زملائه، فالضرب الخفيف. ٢- وقال آخرون بإباحة الضرب والعقوبة الجسدية الشديدة إذا ما تجاوز الطفل حدود المعقول والمقبول ولم ينفع فيه الإنذار والتوبيخ والتشهير والزجر والضرب الخفيف.

стр. 6114

٣- وقال الأكثرون من المربين أن العقوبة تنقسم قسمين: روحية وبدنية, ويجب أن يسبق ذلك النصائح والتوجيهات والإرشادات، فإن لم تجد نفعا فإنه يبدأ بالعقوبة الروحية وهي العبوس في وجه الطالب المعاقب، فاللوم، فالإهانة على انفراد فالتوبيخ أمام الرفقاء. فإن لم تأت العقوبة الروحية بنتيجة ما لجأ إلى العقوبة الجسدية من الوخز والضرب وليتجنب المربي أن يضرب رأس الفتى أو وجهه. وهم يستدلون على جواز استخدام العقوبة البدنية بالحديث النبوي الشريف القائل: "مروا أولادكم بالصلاة لسبع سنين واضربوهم عليها لعشر". ويقول المربي العربي القابسي فيما كتبه عن سياسة المعلمين: "إنه يبيح للمعلّم أن يؤدب أطفاله إذا لم يفد معهم اللطف والإيناس، ويبيح له ذلك على أن يتجاوز ثلاث ضربات إلا إذا كان الطفل سيّئ الخلق قد ناهز الاحتلام فلا بأس من ضربه عشر ضربات وألا يزيد عن ذلك لأن أبناء الناس وديعة في يده. وكما يعاقب المعلّم تلميذه على إهماله دروسه يعاقبه أيضا على الإسراف في لعبه ولهوه وعلى الهرب من الدرس وعلى إيذاء إخوانه". ويقول في ذلك أيضا المربي القابسي: "إذا أفرط الطالب فتثاقل على الإقبال على العلم، وتباطأ في حفظه أو أكثر الخطأ فيما حفظ أو في كتابة لوحه من نقص حروفه وسوء تهجيته وقبح كتابته وغلطه في نقطه، فنبَّهه مرة بعد مرة فأكثر التغافل ولم يُغن فيه التقريع بالكلام فله أن يعاقبه بالعقوبة البدنية المناسبة وهي الضرب بعصا (ضرباً لا يسبب للطالب عاهة مستديمة أو أذى شديداً وإنما يكفي شعوره بالألم عند توقيع العقوبة عليه) ". على أنّ كثيراً من المؤدبين والمربّين كانوا يلّحون إلحاحا شديداً بوجوب عدم الضرب والشتم والسب لما فيها من الفساد. فقال أحدهم: "لا تؤدبه إلاّ بالمدح ولطف الكلام وليس هو ممن يؤدب بالضرب أو التعنيف".

стр. 6115

فهذا يدلنا على أن نفراً من المربّين المسلمين كرهوا الضرب أصلاً, وأوجبوا عدم العنف لما في ذلك من الضرر على المتعلم. ويقول رسول الله ﷺ "إن الله يحب الرفق في الأمر كله وإنما يرحم الله من عباده الرحماء". العلاقة بين الأستاذ والتلميذ في صدر الإسلام وفي عالمنا المعاصر: كانت العلاقة بين المعلم والمتعلم في صدر الإسلام قائمة على الحب والوفاء والتكريم والتوقير، فالمعلم والد يؤدب بالحسنى، ويهذِّب بالحكمة، ويقسو حينما تجب القسوة، ولكنها قسوة من يريد الخير لابنه وتلميذه. وكان المتعلّم ابناً مطيعا بارّاً، يرى في إجلاله لأستاذه مظهراً من مظاهر الأدب وحسن الخلق، وكان التلميذ يعتبر نفسه عجينة في يد أستاذه المحب له الحريص عليه، فهو يشكِلُّها ويصوغها على حسب ما يرى, ويعتقد فيه الصلاح والنجاح. وعلى التلميذ أن يسمع ويستجيب. وكان الطالب يحافظ على وفائه لأستاذه حتى بعد تخرّجه أو انقطاعه عن حلقة الدرس، أو بلوغه مرتبة ملحوظة في الحياة, فهو يظلّ يذكر مدرسه بالخير، وهو يحتفل لقدومه ولقائه, ويتأدب أمامه ويستحي منه ويزوره ويتودد إليه. وكان المدرِّسُ من جهته يظلّ على صلة بتلميذه ولو نزل معترك الحياة, وهو يواصل توجيهه وإرشاده بحسب طاقته وإمكاناته وقدراته، وهو يتبع خطواته في المجتمع، ويفرح لتوفيقه ونجاحه في مجال عمله. هذه العلاقة بين الأستاذ وتلميذه ظلّت قوية ومتينة إلى عهد قريب. ولو رجعنا إلى عهد أبعد، وذهبنا نسترجع تاريخنا الإسلامي لوجدناه عاطراً بقصص الحب والوفاء المتبادل بين المعلّمين والمتعلّمين مليئاً بمواقف التمجيد من جانب التلاميذ للأساتذة والمربّين والأوائل. ومن أبلغ ما ورد في مجال تكرم الطلاب لأستاذهم هذه القصة:

стр. 6116

كان المعلّم النحوي الشيخ "الفراء"يقوم بتعليم ولدَيْ الخليفة العباسي المأمون علوم العربية، وذات يوم أراد "الفراء"أن يقوم من درسه، فتسابق الأميران إلى حذائه ليقدِّماه إليه وتنازعا على ذلك لحظة، ثم اتفقا على أن يحمل كل منهما من الحذاء واحدة, ولما علم الخليفة الوالد "المأمون"بالقصة تأثر منها وأعجب بها. أما اليوم: فإنّ من الطلاب من ينسى حق أستاذه وهو بين يديه يغترف من علمه وفضله، فكيف به إذا بعد عنه وتخرَّج وعمل في ميدان تخصصه, كما أنّ بعض المدرّسين وهم قلة لا يؤدون حق تلاميذهم عليهم, ولا يبذلون الجهد المطلوب في سبيل تعليمهم وتربيتهم ومعالجة مشكلاتهم. حقاً لقد ضعفت الرابطة بين التلميذ وأستاذه في عالمنا المعاصر، وضعفت العلاقة بينهما في بعض الأحيان ضعفاً يندر بأخطر العواقب؛ إذ بدا الطالب يسرف في الاعتزاز بشخصيته، وقد يعلو صوته على أستاذه أو يخشى في تعبيره معه، أو أن يضع ساقاً على ساق في وجهه أو يصرِّح أمامه في جرأة بما لا يليق التصريح به، ومن الطلاب من يتجرأ فيعصي أمر أستاذه. فأين هذا مما قاله الشاعر شوقي في فضل المعلم: كاد المعلّم أن يكون رسولا قم للمعلِّم وفِّه التبجيلا يبني وينشئ أنفساً وعقولاً أرأيت أعظم أوأجلَّ من الذي وفي تقدير المعلم: علّمت بالقلم القرون الأولى سبحانك اللهم خير معلّم وهديته النور المبين سبيلا أخرجت هذا العلم من ظلماته وكما ورد في قوله تعالى جلت قدرته وفي فضل العلم: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَّمَ الْقُرْآنَ خَلَقَ الإِنْسَانَ، عَلَّمَهُ الْبَيَانَ﴾ . وقوله لنبيِّه محمد ﷺ : ﴿وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيماً﴾ .

стр. 6117

فالتعليم هو وظيفة الأنبياء السامية، والمعلّم هو وريثهم في هذه الرِّسالة. ومحمد خاتم النبيين ﷺ يقول "إنما بعثت معلماً". حقّا, ً إنّ موضوع العلاقة بين الأستاذ وتلميذه في الوقت الحاضر هو من موضوعات الساعة التي يجب أن تأخذ طريقها إلى الاهتمام والعناية والرعاية والمعالجة السريعة, ولا شك أنّ هذا العلاج يشترك في تقديمه ولاة الأمور من المسؤولين والمربّين والآباء والمدرّسين والمثقفين من العلماء والأدباء، وكذلك نخبة من الطلاب, وحتى نستطيع أن نعود بهذه العلاقة الوثيقة والرابطة المتينة التي كانت تربط الأستاذ بتلاميذه إلى ما كانت عليه من قوة ومحبة ومودة وألفة، وكان لها الفضل الأكبر في تخريج جيل عربي إسلامي من أئمة الفكر والأدب والعلوم ومن كبار العلماء والفقهاء والمحدثين الذين وضعوا الأساس المتين لحضارتنا الإسلامية العربية المجيدة في عصورها الزاهرة. أهداف التربية والتعليم عند المسلمين الأوائل: اختلف المؤلفون المسلمون وغير المسلمين في بيان الأهداف التي قصد إليها الإسلام من وراء حضِّه على العلم: ١- فمنهم من قال: إنّ أهدافه من وراء ذلك هي إحياء شعائر الإسلام والقيام بفروضه وعباداته, أي أنها أغراض دينية بحتة. ويؤكدون على ذلك بقول الرسول ﷺ "طلب العلم فريضة على كل مسلم ومسلمة" ويقصد به التعليم الديني من قرآن وسنة وما إليها. ٢- ومنهم من قال: إنّ أهداف الإسلام من التعليم هي أهداف دينية ودنيوية معا, بمعنى أنّ الدين الإسلامي لا يمنع أهله من الإفادة مما في الكون من توجيه العقل إلى اكتساب المال بالطرق المشروعة من تجارة وصناعة وزراعة وما إلى ذلك. ٣- ومنهم من قال: إن وراء الهدفين الديني والدنيوي هدفاً ثالثاً هو العلم لذاته بما يدفع صاحبه إلى التعليم والبحث لا لشيء سوى البحث عن الحقيقة والتنقيب عن دفائن المعرفة.

стр. 6118

وقد لخص بعض علماء التربية المسلمين هذه الأغراض في أربعة أهداف رئيسية وهي: ١. غرض ديني. ٢. غرض اجتماعي. ٣. غرض مادي (نفعي) لكسب العيش. ٤. غرض عقلي وثقافي (العلم لذاته) . وكان الغرض الأخير هو هدف عشرات العلماء الذين بذلوا أعمارهم في سبيل العلم والبحث, ولم يقبلوا عليه أجراً ولا وظيفة، ولا أباحوا لأنفسهم أن يأخذوا درهما ولا ديناراً في سبيل نشر العلم والبحث والمعرفة, وهؤلاء كثيرون, وفي طليعتهم أبو بكر الصديق وعمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب وابن عباس وعبد الله بن عمر وأبو حنيفة النعمان والإمام مالك والشافعي وأحمد بن حنبل وغيرهم من كبار الصحابة والتابعين. المواد الدراسية عند المسلمين تبلورت الدروس والمعلومات في مواد دراسية اعتباراً من أيام المدرسة النظامية الإسلامية سواءً في الكتاتيب أو المدارس أو دور العلم أو دور الحكمة. فقد بحث المسلمون فيها أبحاثاً مستفيضة, وقسّموا العلوم إلى درجات أو مواد أو مقررات دراسية بالمعنى المفهوم حالياً. فقالوا: إنّ أول ما يجب على الطالب دراسته بعد القرآن الكريم وأصول العلوم الدينية ومبادئ العلوم العربية هو التفسير ثم علم الحديث ثم علم أصول الفقه ثم علم الفقه ثم علم الخلاف بين المذاهب الإسلامية. وفي ترتيب مواد الدراسة قسَّموا العلوم أربعة أقسام:- ١- علوم مفروضة فرض عين: وهي علوم القرآن الكريم والضروري من علوم الدين أصولاً وفروعاً. ٢- علوم مفروضة فرض كفاية: وهي العلوم الدينية كلها بأصولها وفروعها, فإن تعلّمها البعض ففي ذلك كفاية. ٣- علوم مباحة: وهي العلوم المفيدة ولكن تعلّمها مفيد في الحياة العامة مثل التوقيع والتذهيب والخط بمختلف أشكاله الخ.. ٤- علوم محرَّمة: وهي العلوم الباطلة المضرة, مثل السحر والشعوذة والطلسمات. كما قسَّم بعض العلماء، والمربّين العلوم قسمين فقط وهي:

стр. 6119

١. العلوم الشرعية. ٢. العلوم غير الشرعية. فالشرعية: وهي ما ورد في القرآن الكريم والسنة وعن طريق الصحابة. غير الشرعية: تنقسم إلى ما هو محمود وإلى ما هو مذموم, وإلى ما هو مباح وغير المباح. والمحمود هو ما يرتبط به مصالح أمور الدنيا كالطب والحساب, وهذا ينقسم بدوره إلى ما هو فرض كفاية وإلى ما هو فضيلة وليس بفريضة. أما فرض الكفاية فهو كل علم لا يستغني عنه كالطب مثلا إذ هو ضروري في بقاء الأبدان على الصحة, والحساب فهو ضروري في المعاملات والتركات والوصايا والمواريث وغيرها. وكذلك علوم الملاحة والحياكة والحجامة (الصيدلة) وغيرها من العلوم المفيدة في الحياة العلمية, أما المذموم فهو: علم السحر، وعلم الشعوذة والطلسمات. وقسّم ابن خلدون العلوم إلى: ١- مجموعة المواد الإجبارية. ٢- مجموعة المواد الاختيارية. فالمجموعة الأولى: تشمل مباحث دراسة القرآن وتعليم القراءة والكتابة، وبعض أخبار السنة، ومعرفة أوليات الدين واللغة العربية والحساب وكذلك ترويض الجسم (التمرينات والألعاب الرياضية) . والمجموعة الثانية (الاختيارية) : وتقوم على التوسع في دراسة علوم القرآن والدين وبحوث اللغة العربية وآدابها، ودراسة الرياضيات والفلك وما إليه من العلوم العامة.

стр. 6120

ولقد كانت هذه المناهج والبرامج متبعة منذ زمن الرسول ﷺ وخلفائه الراشدين, وفي عصر الأمويين والعباسيين الأوائل من بعدهم؛ لأنها كانت تلائم البيئة الاجتماعية التي يحياها العرب المسلمون بصورة عامة في تلك الأزمان. فلمّا تطورت الحياة في العصر العباسي الثاني, ومال الناس إلى التعمق في علوم الكلام والعقائد والمذهب والآداب من شعر ونثر وخط وتجويد ظلت هذه المواد في سمو وتطور طوال العصر العباسي إلى أن تدهورت الأمة الإسلامية, وضعف شأنها بعد سقوط بغداد سنة ٦٥٦هـ؛ إذ انحطت البرامج الدراسية وتراجع الناس إلى برامج ساذجة لا تهتم بتنمية الجسم والعقل, ولا تعمل على إذكاء روح البحث, وإنما ترمي إلى حشو الأدمغة ببعض القشور ومباحث الجدل والتصوف، فهبط المستوى التعليمي بعد أن كان في الحقيقة السابقة يهدف إلى رفع مستوى الطالب الفكري والاجتماعي والعقلي والوجداني. لم تكن الدولة تشرف على المعلّمين وكتاتيبهم الذين يعملون بها في صدر الإسلام، وإنما كانت الرقابة متروكة لضمير المعلّم ووجدانه وخلقه وأصالته، فقد كان الناس في صدر الإسلام - ومنهم المعلمون- يخافون الله فيما يفعلون وفيما يقولون, وكان كثير من المعلمين والمربين يعلِّمون وهم لا يبغون من وراء ذلك إلاّ الاحتساب وطلب الثواب.

стр. 6121

فلمّا تطورت الحياة في المجتمع الإسلامي, وتسرّب الفساد إلى كيان الدولة واختلط العرب بأجناس مختلفة من مختلف الشعوب والجنسيات صار الآباء وأولياء الأمور يهتمون بانتقاء أفاضل المعلمين لأولادهم كما ينتقون العارفين والمتفقهين في هذه المهنة، وكانوا يطلبون من معلم الكتَّاب شروطاً معينة بأن يكون ذا ثقافة عالية، وأن يكون عارفاً بسياسة تربية الأطفال ودارساً لنفسياتهم (أي ملماً بطرق التدريس وأصول التربية وعلم النفس) وأن يكون ديِّنا ورعاً متزوجا، ولا يجيزون للشبان المراهقين مزاولة هذه المهنة. من هنا نرى الأهمية الكبرى في اختيار وانتقاء المعلّمين الذين يقومون بأقدس رسالة وهي تربية وتنشئة وتعليم الشباب في مختلف أدوار حياتهم, وهي مهمة ليست باليسيرة, وليس من السهل أن يقوم بها كل من أوتي من العلم قسطاً من المعرفة دون أن تتوافر لديه المقومات الأساسية للمعلم الصالح والمربي الفاضل. مناهج البحث عند المسلمين: كان تصنيف مناهج البحث عند المسلمين ينقسم إلى أقسام ثلاثة: ١- منهج أهل الحديث: وهم الإمام مالك وأصحابه ممن قالوا بالأصول الأربعة ولكن اعتمادهم كان أساساً على القرآن والحديث والإجماع. ٢- منهج أهل الرأي: وهم الإمام أبو حنيفة ممن قالوا بالأصول الأربعة, ولكن جلّ اعتمادهم على القرآن وعلى ما صح من الحديث، وعلى الإجماع والقياس. ٣- منهج أهل الظاهر: وهم داود وأصحابه ممن قالوا بالأصول الثلاثة: القرآن والسنة والإجماع، ومنعوا العمل بالتأويل والرأي والقياس. وقد غلبت بعض هذه المناهج الثلاثة على أقاليم دون غيرها، فمذهب أهل الحديث غلب على أهل مكة والمدينة ومصر ومسلمي أفريقية والأندلس. ومذهب أهل الرأي غلب على أهل العراق والمشرق ولكنه لم يعمَّر طويلا. والمذهب الثالث: غلب على بعض الأمصار في الدولة الإسلامية في المشرق والمغرب.

стр. 6122

هذه نظرات سريعة عن التربية الإسلامية في معظم جوانبها, وهي جديرة بالدراسة والاهتمام من المؤولين على كافة المستويات, ويجدر بإدخال هذه المادة في برامج التعليم وخاصة بالكليات الجامعية حتى يتحقق لشبابنا العربي والإسلامي والعالمي ما نصبو إليه جميعا من غزة وتقدم وأصالة عربية وتربية إسلامية حقة. ولن يكتب لهذه البشرية في عالمنا المعاصر الخير والتوفيق ما لم تتأصل فيها المبادئ والقيم التي نادت بها الشريعة الإسلامية السمحة من قرآن وسنة وإلاّ فلا بد من عاصفة مدمِّرة تهلك الحرث والنسل والعياذ بالله. وبالله التوفيق.. محمد الشربيني – خبير التعليم بالجامعة

стр. 6123

العدد ٣٦ فهرس المحتويات ١- افتتاح المؤتمر - كلمة سماحة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز ٢- دليل المؤتمر العالمي لتوجيه الدعوة وإعداد الدعاة ٣- بعض سمات الدعوة في هذا العصر: لفضيلة الشيخ أبي الحسن علي الحسني الندوي ٤- كيفية إعداد الداعية: للدكتور أحمد أحمد غلوش ٥- إعداد الداعية ومعالجة بعض مشاكل الدعوة: لفضيلة الشيخ محمد محمد أبو فرحة ٦- مشكلات الدعوة والدعاة في العصر الحديث وكيفية التغلب عليها؟ : للدكتور محمد حسين الذهبي ٧- من هنا.. فلنبدأ أعمالنا للدعوة: لفضيلة الشيخ محمد المجذوب ٨- بين يدي العلاج: للدكتور عبد السلام الهراس ٩- رسالة الإعلام في بلاد الإسلام وعلاقتها بالدعوة الإسلامية: لفضيلة الشيخ عبد الله بن إبراهيم الأنصاري ١٠- الدعوة الإسلامية ووسائل الإعلام: للدكتور عبد المنعم محمد حسين ١١- الأساليب التبشيرية في العصر الحديث: للدكتور علي محمد جريشة ١٢- توصيات المؤتمر العالمي لتوجيه الدعوة وإعداد الدعاة عمادة البحث العلمي - جميع الحقوق محفوظة ١٤٢٣ هـ / ٢٠٠٢ م

стр. 6124

افتتاح المؤتمر كلمة سماحة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز الرئيس العام لإدارة البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد بعد عصر يوم السبت الرابع والعشرين من شهر صفر سنة ١٣٩٧ افتتح المؤتمر العالمي لتوجيه الدعوة وإعداد الدعاة، وقد افتتح المؤتمر سماحة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز الرئيس العام لإدارة البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد نيابة عن صاحب السمو الملكي الأمير فهد بن عبد العزيز نائب جلالة الملك وولي العهد ونائب رئيس مجلس الوزراء والرئيس الأعلى لجامعة الإسلامية، وهذا نص كلمة سماحته. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ

стр. 6125

الحمد لله رب العالمين الذي خلق الثقلين لعبادته وأمرهم بها في كتابه المبين وعلى لسان رسوله الأمين عليه أفضل الصلاة والتسليم، وأرسل الرسل صلوات الله وسلامه عليهم ليدعوا الناس إليها وليبينوها لهم، وختمهم بأفضلهم وإمامهم نبينا وإمامنا محمد بن عبد الله صلوات الله وسلامه عليه وجعل رسالته عامة لجميع العالمين. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له القائل في كتابه: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحاً وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ ، والآمر نبيه أن يدعو إلى سبيله بالحكمة والموعظة الحسنة. والذي أمره أن يدعو الناس إلى سبيله، وأخبر أن الدعاة إليه على بصيرة هم أتباعه على الحقيقة فقال عز من قائل: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ ، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله وأمينه على وحيه وصفوته من خلقه، أرسله الله رحمة للعالمين، وقدوة للسالكين وحجة على العباد أجمعين، أرسله شاهداً ومبشراً ونذيراً وداعياً إلى الله بإذنه وسراجاً منيراً، فهدى به من الضلال وبصّر به من العمى، وجمع به بعد الفرقة، وأغنى به بعد العيلة، وفتح به أعيناً عمياً، وآذاناً صماً، وقلوباً غلفاً، وهدى به العباد إلى صراطه المستقيم، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه ومن سلك سبيله واهتدى بهداه إلى يوم الدين. أما بعد: أيها الإخوة الكرماء أعضاء هذا المؤتمر. باسم الله العظيم افتتح هذا المؤتمر العالمي ((مؤتمر توجيه الدعوة وإعداد الدعاة)) نيابة عن سمو الأمير الكريم فهد بن عبد العزيز ولي عهد المملكة العربية السعودية ونائب رئيس مجلس الوزراء لمشاغله الكثيرة التي حالت بينه وبين حضور هذا المؤتمر، وأسأل الله أن يمنحه التوفيق والإعانة على كل خير، وأن يسدد خطاه، وأن يبارك في أعماله.

стр. 6126

أيها الإخوة الأعزة أعضاء المؤتمر: يسرني أن أحييكم تحية الإسلام، وأن أرحب بكم أجمل الترحيب، فأقول: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وأهلاً وسهلاً بكم في بلادكم وبين إخوانكم في مدينة رسول الله ﷺ ، وفي رحاب مسجد نبيه ﵊، وفي مهاجره وفي عاصمة الإسلام الأولى، ومنطلق الدعوة إلى الله على يد رسوله محمد ﵊، وعلى يد أصحابه الكرام، الغزاة الفاتحين، والأئمة المهتدين، وأتباعهم بإحسان رضي الله عن الجميع وأرضاهم، وأسأله سبحانه أن يجعلنا وإياكم من أتباعهم بإحسان وأن ينصر دينه ويعلي كلمته، وأن يصلح أحوال المسلمين جميعا، وأن يولي عليهم خيارهم ويمنحهم الفقه في الدين، وأن يسلك بنا وبهم صراطه المستقيم، إنه سميع قريب. أيها الإخوة إن هذا المؤتمر بلا شك مؤتمر عظيم، قد دعت الحاجة بل الضرورة إلى عقده، وإن الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة لمشكورة كثيراً على تبني هذه الدعوة إلى المؤتمر وقيامها بالإعداد له، ودعوتها نخبة ممتازة من أقطار الدنيا من العلماء والدعاة إلى الله من أكثر من سبعين دولة لحضوره وتبادل الرأي في شؤون الدعوة والدعاة وتذليل الصعوبات والعقبات التي تعترض سبيلها، وللنظر في طرق ووسائل محاربة الدعوات الضالة والمذاهب الهدامة والأفكار المنحرفة، وكل ما يتعلق بشؤون الدعوة وأحوال المسلمين.

стр. 6127

وإن حكومة هذه البلاد الحكومة السعودية وفقها الله تشكر كثيراً على موافقتها على إقامة هذا المؤتمر، وعلى دعمها له بكل ما يحتاج إليه، وعلى رعايتها له، كما هي بحمد الله تدعم كل ما يتعلق بالدعوات الإسلامية، والقضايا الإسلامية، وجميع ما يتعلق بالإسلام، فلها بحمد الله جهود مشكورة، وأعمال جليلة في دعم قضايا المسلمين وإعانة مؤسساتهم ومدارسهم وجمعياتهم، والدعاة إلى الله في كل مكان، فجزاها الله عن ذلك خيراً، وبارك في أعمالها وزادها من فضله، ونشر بها الدعوة في كل مكان، وأصلح لها البطانة، وكتب لها التوفيق من عنده، كما نسأله سبحانه أن يوفق قادة المسلمين في كل مكان وأن يهديهم صراطه المستقيم، وأن ينصر بهم الحق، ويخذل بهم الباطل، وأن يوفقهم للاستقامة على دينه، وإخلاص العبادة لله وحده، والقضاء على كل ما يخالف ذلك، كما نسأله أن يوفق قادة المسلمين وعلماءهم في كل مكان والدعاة إلى الحق وعلماء المسلمين والمسؤولين فيهم للتعاون الكامل على البر والتقوى، ونصر دين الله وإعلاء كلمته، وعلى بيان حقيقة التوحيد والعبادة التي خلق الله من أجلها الخلق وأرسل الرسل، وعلى بيان حقيقة الشرك الذي هو أعظم الذنوب وأكبر الجرائم، وعلى القضاء عليه وبيان حقيقته للناس، وبيان وسائله وذرائعه للناس، والقضاء عليها بالوسائل التي شرعها الله . كما أسأله سبحانه أن يوفقهم جميعاً لمحاربة البدع التي استشرت في العالم، حتى التبس على أكثر الخلق دينهم بسبب ظهور البدع التي ما أنزل الله بها من سلطان وبسبب كثرة المروجين لها والداعين إليها باسم الإسلام حتى التبس الحق على كثير من الناس، لقلة العلماء المتبصرين الذين يشرحون للناس حقيقة الدين ويوضحون لهم حقيقة ما بعث به الله نبيه محمداً ﵊، ويبينون لهم معاني كتاب ربهم وسنة نبيهم واضحة جلية كما تلقاها أصحاب رسول الله عن نبيهم وكتاب ربهم.

стр. 6128

أيها الإخوة الكرام أعضاء المؤتمر: ليس من الخافي على كل من له أدنى علم أو بصيرة أن العالم الإسلامي اليوم بل العالم كله في أشد الحاجة إلى الدعوة الإسلامية الواضحة الجلية التي تشرح للناس حقيقة الإسلام وتوضح لهم أحكامه ومحاسنه، وتشرح لهم معنى ((لا إله إلا الله)) ومعنى شهادة ((أن محمداً رسول الله)) فإن أكثر الخلق لم يفهم هاتين الشهادتين كما ينبغي، ولذلك دعوا مع الله غيره، وابتعدوا عنه، إن هاتين الشهادتين هما أصل الدين وأصل الملة وأصل الإسلام. أما الشهادة الأولى فهي تبين حقيقة التوحيد وحقيقة العبادة التي يجب إخلاصها لله وحده ، لأن معناها كما لا يخفى لا معبود حق إلا الله، فهي تنفي العبادة عن غير الله وتثبت العبادة لله وحده، والعبادة اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال الظاهرة والباطنة، من الصلاة والزكاة والصوم والحج والذبح والنذر والدعاء والاستغاثة والسجود وغير ذلك، فهذه العبادات يجب أن تكون لله وحده، ويجب على العلماء أن يبينوا ذلك للناس، وإن صرفها لنبي أو ولي شرك بالله ، قال الله جل وعلا: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِل﴾ ، وقال : ﴿فَلا تَدْعُو مَعَ اللَّهِ أَحَداً﴾ ، وقال الله تعالى: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ. إِنْ تَدْعُوهُمْ لا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ﴾ . والآيات في هذا المعنى كثيرة.

стр. 6129

وأما شهادة أن محمداً رسول الله فكثير من الناس لم يفهمها على حقيقتها وحكموا القوانين الوضعية وأعرضوا عن شريعة الله، ولم يبالوا بها، جهلا بها أو تجاهلاً بها.. إن شهادة أن محمداً رسول الله تقتضي الإيمان برسول الله ﵊، وطاعته في أوامره واجتناب نواهيه، وتصديق أخباره وأن لا يعبد الله إلا بالشريعة التي جاء بها ﵊، كما قال الله : ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾ وقال سبحانه: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ ، فالواجب على جميع العالم، على جميع الثقلين أن يعبدوا الله وحده وأن يحكموا نبيه محمداً ﵊ ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ . وقال : ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْماً لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ وقال سبحانه: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ . ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ . ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ . أيها الإخوة الكرام أعضاء المؤتمر

стр. 6130

إن الناس اليوم في أشد الحاجة إلى الدعوة، وإلى بيان الداعية الذي ينبغي أن يقوم بهذه الدعوة وبيانها بأخلاقه وأعماله وصفاته، بحاجة إلى الداعية المستقيم في أقواله وأفعاله، الذي يكون قدوة للمدعوين في سيرته وأخلاقه وأعماله ومدخله ومخرجه وكل شؤونه، إن العالم بحاجة إلى تيسير وسائل الدعوة وإيضاحها، وتسهيل العقبات والصعوبات التي تقف في طريق الداعية، المسلمون اليوم في أشد الحاجة إلى الدعاة الصالحين، إلى العلماء المبرزين الذين يدعونهم إلى كتاب ربهم وسنة نبيهم ويوضحون لهم معاني كتاب الله وسنة رسول الله ﵊ ويبينون لهم سيرته ﵊ وسيرة أصحابه ﵃ وأرضاهم. المسلمون اليوم بل العالم كله في أشد الحاجة إلى بيان دين الله وإظهار محاسنه وبيان حقيقته، والله لو عرفه الناس اليوم ولو عرفه العالم على حقيقته لدخلوا فيه أفواجاً اليوم كما دخلوا فيه أفواجاً بعدما فتح الله على نبيه مكة ﵊.
следующие страницы →