← Джавами‘

Джавами‘ · id 4473

مجلة الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (23 804 стр.). Показаны 6441–6480 · переход к 6446.

стр. 6441

١- عن عمر بن الشريد عن أبيه قال: استنشدني النبي ﷺ شعر أمية ابن أبي الصلت وأنشدته، فأخذ النبي ﷺ يقول: "هيه هيه". حتى أنشدته مائة قافية. فقال: "إن كاد ليسلم" [٣٢] [٣٣] . ترجمة أمية: هو أمية بن عبد الله بن ربيعة الثقفي. وعتبة وشيبة أبناء خاله ولذلك رثى قتلى بدر بقصيدته المشهورة وكان ممن حرم الخمر وتجنب الأوثان والتمس الدين وطمع في النبوة لأنه قرأ في الكتب أن نبيا يبعث في الحجاز فرجا أن يكون هو. فلما بعث النبي ﷺ حسده وبلغ به الحسد إلى حد الجحود فلم يسلم. توفي بالطائف في السنة الثانية وقيل في التاسعة ومن شعره: كل دين يوم القيامة عند الله إلا دين الحنيفة زور ومن شعره: إن تغفر اللهم تغفر جما وأي عبد لك لا ألما [٣٤] قوله: "هيه هيه" أصله إيه أبدلت الهمزة بالهاء، اسم فعل بمعنى الأمر تقول للرجل "إيه" بغير تنوين إذا استزدته من الحديث المعهود بينكما فإذا نونته استزدته من حديث ما لأن التنوين للتنكير. قوله "إن كاد" مخففة من الثقيلة. أي قارب الإسلام ولم يسلم. وفي رواية:" آمن لسانه وكفر قلبه". ٢- وعن خالد بن كيسان قال: "كنت عند ابن عمر فوقف عليه إياس بن خثيمة قال: ألا أنشدك من شعري يا ابن الفاروق. قال: بلى ولكن لا تنشدني إلا حسنا. فأنشده حتى إذا بلغ شيئا كرهه ابن عمر قال له: أمسك" [٣٥] . ٣- عن قتادة سمع مطرفا قال: "صبحت عمران بن حصين من الكوفة إلى البصرة فقلّ منزل ينزله إلا وهو ينشدني شعرا. وقال: إن في المعاريض لمندوحة عن الكذب" [٣٦] . عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال:"أشعر كلمة تكلمت بها العرب كلمة لبيد ألا كل شيء ما خلا الله باطل". وفي رواية: "أصدق كلمة" منفق عليه.

стр. 6442

المراد بالكلمة هنا القطعة من الكلام كما قال سبحانه: ﴿كَلا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا﴾ إشارة إلى قول الكافر: رب ارجعون لعلي أعمل صالحا فيما تركت. ترجمة لبيد: هو لبيد بن ربيعة بن مالك بن جفر بن كلاب يكنى أبا عقيل قدم على رسول الله ﷺ في وفد بني كلاب فأسلم ثم رجع إلى بلاده وقطن بالكوفة ومات بها عاش مائة وأربعين سنة وكان شريفا في الجاهلية والإسلام قيل مات في خلافة عثمان وقيل في خلافة معاوية [٣٧] . وعجز الشطر الأول. وكل نعيم لا محالة زائل. قوله باطل: أي هالك مضمحل لأنه موافق لأصدق الكلام وهو قوله تعالى: ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ﴾ فلا ريب أن هذه الكلمة أصدق ما تكلم به ناظم أو ناثر. مقدمتها كلية مقطوع بصحتها وشمولها عقلا ونقلا ولم يخرج من كليتها شيء قطعا إلا ما مرَّ استثناؤه وهو الله وصفاته وعقابه وثوابه. وفيه جواز الشعر وإنشاده ما لم يخل بأمر ديني أو يزيل الوقار أو يحصل منه إطراء أو إكثار [٣٨] . ٤- عن المقدام بن شريح عن أبيه قال: "قلت لعائشة ﵂: أكان رسول الله ﷺ يتمثل بشيء من الشعر؟. فقالت: كان يتمثل بشيء من شعر عبد الله بن رواحة ويتمثل ويقول: "ويأتيك بالأخبار من لم تزود" [٣٩] . قوله: "فقالت"لفظ الطحاوي: "فقالت نعم بشعر ابن رواحة وربما قال هذا البيت ويأتيك الخ". وفي لفظ له: "كان يتمثل بشعر ابن رواحة"أخرجه أحمد من طريق مغيرة عن الشعبي: "إذا استراب الخبر تمثل فيه ببيت طرفة"فنسبتها إلى ابن رواحة مجازية [٤٠] . عبد الله بن رواحة: صحابي جليل شهد بدرا وهو أحد النقباء استشهد بمؤتة وكان ثالث الأمراء الذين أخبر بهم النبي ﷺ وكان جده أبو سريح عمرو بن امرئ القيس شاعرا فحلا وهو القائل: يا مال والسيد المعمم قد يبطره بعد رأيه السرف نحن بما عندنا وأنت بما عن

стр. 6443

دك راض والرأي مختلف قوله ويأتيك الخ هذا عجز بيت وصدره ستبدي لك الأيام ما كنت جاهلا. والمعنى يأتي الزمان إليك بالخبر من غير أن ترسل أحدا أن يأتي به إليك فلا تحتاج أن تعطيه الزاد. عن البراء بن عازب قال: "رأيت النبي ﷺ ينقل معنا التراب وهو يقول: والله لولا الله ما اهتدينا ولا تصدقنا ولا صلينا فأنزلن سكينة علينا وثبت الأقدام إن لاقينا والمشركون قد بغوا علينا إذا أرادوا فتنة أبينا ويرفع بها صوته". وفي رواية: "ورفع بها صوته أبينا أبينا "متفق عليه. عن أنس بن مالك عن النبي ﷺ أنه قال: اللهم لا عيش إلا عيش الآخرة فاغفر للأنصار والمهاجرة وفي رواية سهل بن سعد عند مسلم: "فاغفر للمهاجرين والأنصار"وفي رواية: "كانوا يرتجزون ورسول الله ﷺ معهم وهم يقولون الحديث"منفق عليه. عن جندب بن سفيان قال: "دميت إصبع رسول الله ﷺ في بعض تلك المشاهد فقال: هل أنت إلا إصبع دميت وفي سبيل الله ما لقيت أخرجه الشيخان. وعن أبي سفيان بن الحارث بن عبد المطلب أن النبي ﷺ قال في غزوة حنين: "أنا النبي لا كذب أنا ابن عبد المطلب". أخرجه الشيخان. التعليق على الأحاديث

стр. 6444

قال النووي: "قال المازري: أنكر بعض الناس كون الرجز شعرا لوقوعه من النبي ﷺ مع قوله تعالى: ﴿وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَه﴾ وهذا مذهب الأخفش واحتج به على فساد مذهب الخليل في أنه شعر. وأجابوا عن هذا بأن الشعر هو ما قصد إليه واعتمد الإنسان أن يوقعه موزونا مقفى يقصده إلى القافية ويقع في ألفاظ العامة كثير من الألفاظ الموزونة ولا يقول أحد أنها شعر ولا صاحبها شاعر وهكذا الجواب عما في القرآن من الموزون كقوله تعالى: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّون﴾ وقوله تعالى: ﴿نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيب﴾ [٤١] ". ولا شك أن هذا لا يسميه أحد من العرب شعرا لأنه لم تقصد تقفيته وجعله شعرا. قلت: وقد قال الإمام أبو القاسم علي بن أبي جعفر بن علي السعدي الصقلي المعروف بابن القطاع في كتابه الشافي في علم القوافي: "قد رأى قوم منهم الأخفش وهو شيخ هذه الصناعة بعد الخليل أن مشطور الرجز ومنهوكه ليس بشعر كقول النبي ﷺ : "الله مولانا ولا مولى لكم". وقوله: "هل أنت إلا إصبع دميت وفي سبيل الله ما لقيت". وقوله: "أنا النبي لا كذب أنا ابن عبد المطلب" وأشباه هذا القول. قال ابن القطاع: "وهذا الذي زعمه الأخفش وغيره غلط بيِّن وذلك لأن الشاعر إنما سمي شاعرا لوجوه منها أنه شعر القول وقصده وأراده واهتدى إليه وأتي به كلاما موزونا على طريقة العرب مقفى فإن خلا من هذه الأوصاف أو بعضها لم يكن شعرا ولا يكون قائله شاعرا". عن سلمة بن الأكوع قال: "خرجنا مع رسول الله ﷺ إلى خيبر فتسيرنا ليلا فقال رجل من القوم لعامر بن الأكوع: ألا تسمعنا من هينهاتك - وكان عامر رجلا شاعرا - فنزل يحدو بالقوم يقول: اللهم لولا أنت ما اهتدينا ولا تصدقنا ولا صلينا فاغفر فداء لك ما اقتفينا وثبت الأقدام إن لاقينا

стр. 6445

وألقين سكينة علينا إنا إذا أصيح بنا أتينا وبالصياح عولوا علينا متفق عليه. قلت: وقد سبق الكلام على ما يتعلق به. عن عبد الله بن عمرو قال: قال رسول الله ﷺ : "الشعر بمنزلة الكلام حسنه كحسن الكلام وقبيحه كقبيح الكلام" [٤٢] . عن عائشة ﵂ أنها كانت تقول: "الشعر منه حسن ومنه قبيح، خذ بالحسن ودع القبيح. ولقد رويت من شعر كعب بن مالك أشعارا منها القصيدة فيها أربعون بيتا ودون ذلك" [٤٣] . عن جابر بن سمرة قال: "جالست النبي ﷺ أكثر من مائة مرة فكان أصحابه يتناشدون الشعر ويتذاكرون أشياء من أمر الجاهلية وهو ساكت فربما تبسم معهم". أخرجه الترمذي والطيالسي وأحمد والسياق للترمذي [٤٤] . ترجمة كعب بن مالك: أبو عبيد الله المدني أحد الثلاثة الذين نزلت توبتهم في القرآن بعد خمسين ليلة وهو أحد السبعين الذين شهدوا العقبة شهد أحدا وما بعدها مات بالشام في خلافة معاوية. والمعنى أنه ذا حسن المعنى شرعا فالكلام محكوم عليه شرعا بالحسن ولو كان اللفظ غير فصيح وإذا قبح المعنى شرعا لم يحكم عليه بالحسن وإن كان لفظه فصيحا وهذا حق ولكن الوزن وفصاحة الكلام يزيد الحسن حسنا كالحكمة يزيد القبيح قبيحا كالهجو [٤٥] . كراهة الشعر لمن غلب عليه عن ابن عمر ﵄ عن النبي ﷺ قال: "لأن يمتلئ جوف أحدكم قبحا خير له من أن يمتلئ شعرا" [٤٦] . زاد مسلم: "يريه" بفتح الياء وكسر الراء من الورى وهو داء يفسد الجوف. قال الطح اوي: "المكروه الشعر الذي يملأ الجوف فلا يكون فيه قرآن ولا تسبيح ولا غيره فأما من كان في جوفه القرآن والشعر مع ذلك فهو خارج من قول رسول الله ﷺ " لأن يمتلأ".الحديث [٤٧] .

стр. 6446

وقال النووي: "المراد أن يكون الشعر غالبا عليه مستوليا عليه بحيث يشغله عن القرآن وغيره من العلوم الشرعية وذكر الله تعالى وهذا مذموم من أي شعر كان فأما إذا كان القرآن والحديث وغيرهما من العلوم الشرعية هو الغالب عليه فلا يضر حفظ اليسير من الشعر مع هذا لأن جوفه ليس ممتلئا شعرا وقال العلماء كافة هو مباح ما لم يكن فيه فحش ونحوه. قالوا وهو كلام حسنه حسن وقبيحه قبيح وهذا هو الصواب فقد سمع النبي ﷺ الشعر واستنشده وأمر به حسان في هجاء المشركين وأنشده أصحابه بحضرته في الأسفار وغيرها وأنشده الخلفاء وأئمة الصحابة وفضلاء السلف ولم ينكره أحد منهم على إطلاقه وإنما أنكروا المذموم منه وهو الفحش ونحوه" [٤٨] . وفي رواية لمسلم من طريق أبي سعيد الخدري قال: "بينا نحن نسير مع رسول الله ﷺ بالعرج إذ عرض شاعر ينشد فقال رسول الله ﷺ : "خذوا الشيطان أو أمسكوا الشيطان لأن يمتلئ ... " الحديث والعرج: على نحو ثمانية وسبعين ميلا من المدينة. قال النووي: "وأما تسميته هذا الرجل الذي سمعه ينشد شيطانا فلعله كان كافرا أو كان الشعر هو الغالب عليه أو كان شعره هذا من المذموم". وبالجملة فتسميته شيطانا إنما هي قضية عين تتطرق إليها الاحتمالات المذكورة وغيرها ولا عموم لها فلا يحتج بها. وقال المناوي: "وأما قول المصطفى ﷺ للشاعر الذي عرض له بالعرج خذوا أو أمسكوا الشيطان فلعله علم من حاله أنه اتخذ الشعر حرفة فيفرط في المدح إذا أعطى وفي الذم إذا منع فيؤذي الناس في أموالهم وأعراضهم" [٤٩] . وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.. مراجع البحث القرآن أحكام القرآن لابن العربي. الكشاف للزمخشري. أضواء البيان للشنقيطي. تفسير ابن كثير لإسماعيل بن كثير. تاريخ الأدب العربي للزيات.

стр. 6447

التلخيص الحبير لابن حجر. سيرة ابن هشام. سنن أبي داود. سنن النسائي. سنن ابن ماجه. سبل السلام للصنعاني. الشعر والشعراء لابن قتيبة. شرح شواهد المغني للسيوطي. شرح مسلم للنووي. غريب القرآن. فيض القدير شرح الجامع الصغير للمناوي. فتح الباري لابن حجر. صحيح البخاري. صحيح مسلم. فضل الله الصمد شرح الأدب المفرد لفضل الله الجيلاني. لباب النقول للسيوطي. مسند أحمد والطيالسي. مجمع الأمثال. مقدمة ابن خلدون. مشكل الآثار للطحاوي. مقدمة شرح التلخيص للبرقوقي. مذكرة في الأدب لمحمد المجذوب. مجلة حضارة الإسلام. -------------------------------------------------------------------------------- [١] غريب القرآن _ص٢٦٢ _طبعة المكتبة المرتضوية. [٢] المقدمة ص٥٣٢. [٣] تاريخ الأدب العربي ص٢٨ _طبعة دار نهضة مصر. [٤] انظر حضارة الإسلام العدد ٨ _السنة السابعة ص٧٠ _٧١ _ [٥] ص٧_ طبعة دار الثقافة. [٦] ص٨_٩_طبعة المكتبة التجارية. [٧] سورة النحل ٤٧. [٨] تامكا سناما عظيما. والقرد الذي أمله القراد. والسفن الحديد الذي ينحت به وهو المبرد يقول: إن الرحل أثر سنام الناقة وتنقص منها كما ينقص السفن من العود. [٩] مذكرة في الأدب لطلاب كلية الشريعة. [١٠] فتح القدير ج٤_ص١٢١_١٢٢ مطبعة مصطفى البابي الحلبي. [١١] لباب النقول في أسباب النزول بهامش الجلالين ص٢٣٧_ج١. [١٢] ج٣_ص٣٥٤_دار إحياء التراث العربي. [١٣] فتح القدير ج٤ ص١٢١ _ مطبعة مصطفى البابي الحلبي. [١٤] ١٢٣_ ج٣_ [١٥] فيض القدير. [١٦] أضواء البيان _٦ _ص٣٩٢. [١٧] الكشاف _ص١٣٣ _ ج٣.

стр. 6448

[١٨] أخرجه البيهقي من طريق علي موقوفا والترمذي والحاكم عن عائشة بلفظ "ادرؤوا الحدود عن المسلمين ما استطعتم "سبل السلام ص٤/٥٣. [١٩] انظر أحكام القرآن ج٣ ص١٤٣٠. [٢٠] انظر التلخيص الحبير ج٣/١٢٨. [٢١] أخرجه أحمد في مسنده والبخاري في صحيحه وأبو داود والترمذي. ووجه المطابقة بين الحديث والترجمة أن البيان أعم من كونه نثرا فيدخل فيه الشعر لما يشتمل عليه من أوجه البيان وصفوف التشبيهات والمحسنات التي تجذب.. [٢٢] الميداني _ مجمع الأمثال والزرقاني _ فيض القدير ٢/٥٢٤. [٢٣] أخرجه أحمد في مسنده، وأبو داود في سننه من طريق ابن عباس والجملة الثانية ثابتة في البخاري بلفظ إن من الشعر لحكمة من طريق أبي قاله الزرقاني ٢/٢٤. وانظر ابن حجر فتح_ ١٠/٢٠٢ باب أن من البيان سحرا. [٢٤] ابن حجر فتح ١٠/٢٠٢. [٢٥] النقع: غبار الحرب. كداء: موضع بأعلى مكة وهو غير كدي بالضم. [٢٦] مصعدات: مسرعات في الصعود. الأسل: الرماح الجيدة. [٢٧] متمطرات: مسرعات متحفزات.. [٢٨] الفتح: يعني فتح مكة. [٢٩] الجلاد: المصابرة في القتال. [٣٠] مجوف: فارغ. نخب: جبان. هواء: فارغ. [٣١] عبد الدار: أخو عبد مناف. وحسان يهجو بني عبد الدار لأن النبي ﷺ من بني عبد مناف. [٣٢] أخرجه البخاري في الأدب المفرد وأخرجه مسلم في كتاب الشعر آخر كتاب الحيوان وابن ماجه في الأدب والدارمي في الاستئذان وابن خزيمة في التوحيد والطحاوي في الكراهية وأحمد في مسند ابن عباس. [٣٣] قال النووي في الحديث جواز إنشاء الشعر الذي لا فحش فيه وسماعه سواء شعر الجاهلية وغيرهم وأن المذموم من الشعر الذي لا فحش فيه إنما هو الإكثار منه وكونه غالبا على الإنسان فأما يسيره فلا بأس بإنشاده وسماعه وحفظه.. شرح مسلم ١٥/١٢. [٣٤] تاريخ الأدب العربي ص٧٥.

стр. 6449

[٣٥] أخرجه البخاري في الأدب المفرد في باب إن من الشعر حكمة قال حدثنا عبد الله بن محمد قال حدثنا أبو عامر قال حدثنا أيوب بن خالد هو ابن كيسان الحديث ص٢٢٢. [٣٦] أخرجه البخاري في الأدب المفرد قال حدثنا عمرو بن مرزوق قال أخبرنا شعبة. الحديث. [٣٧] شرح شواهد المغني للسيوطي ١٥٢ _ج١. [٣٨] فيض القدير ١/٥٢٩. [٣٩] أخرجه الترمذي وصححه والنسائي في اليوم والليلة والبخاري في الأدب المفرد والطحاوي في مشكل الآثار. [٤٠] فضل الله الصمد في توضيح الأدب المفرد ٢/٣١٦. [٤١] شرح مسلم ١٢/١١٨. [٤٢] أخرجه البخاري في الأدب المفرد والدارقطني في سننه. [٤٣] أخرجه البخاري في الأدب المفرد من طريق سعيد بن تليد قال حدثنا ابن وهب قال أخبرني جاب بن إسماعيل وغيره عن عقيل عن ابن شهاب عن عروة عن عائشة قال الحافظ سنده حسن وذكره الألباني في سلسلة الأحاديث الصحيحة. [٤٤] وقال حديث صحيح وذكره الألباني في سلسلة الأحاديث الصحيحة ص١٧٦/رقم ج/٤٣٥. [٤٥] فضل الله الصمد ج٢_٣١٥. [٤٦] أخرجه مسلم في كتاب الشعر والدارمي في الاستئذان وأحمد في مسند ابن عمر والبخاري في الأدب المفرد.. [٤٧] معاني الآثار٢/٣٧٢. [٤٨] شرح مسلم ١٥/١٤. [٤٩] فيض القدير ج١_٥٢٩.

стр. 6450

القدس للطالب سامي بن رضوان قال الله : ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ . إن للقدس موقعا جميلا، وسحرا خاصا، وجمالا خفيا لا يحس به الإحساس الكافي إلا من أقام بها مدة، وتذوق هذا الجمال تدريجيا، ولعل من عوامل سحرها، هدوءها، وعمق صداها، وجمال تلالها، ونظافة جوها، وتنمو على هاتيك التلال، أعشاب وزهور متعددة الألوان تغطي تربتها، وتؤلف معلما من معالمها، وأبنيتها شاهقة تخالط سطوحها قباب غير مرتفعة موروثة عن تاريخها الغابر المديد. موقعها وتقع القدس على خط العرض (٣٤) شمالا، وعلى خط الطول (٣٥) شرقا، وتبعد عن أريحا مسافة (٣٠) كيلو مترا، وعن نهر الأردن (٤٠) كم، وعن ساحل البحر الأبيض المتوسط (٦٥) كم تقريبا. وتقع المدينة كلها تاريخية، وقديمة وحديثة على سلسلة جبال القدس ضمن هضبة ذات مرتفعان تعلو نحو (٨٠٠) متر عن سطح البحر. وتحيط المدينة كلها جبال مشهورة أهمها جبل المشارف من الشمال، وجبال المكبر من الجنوب، وجبل الطور من الشرق، وجبل صهيون من الغرب. وتقع القدس القديمة ضمن سور يحيط بها من جميع جهاتها ويبلغ طوله نحو (٤) كم، وارتفاعه نحو (١٢) مترا، وللسور سبعة أبواب كبيرة، مفتوحة يدخل الناس منها إلى المدينة من نواحيها المختلفة، والذي بنى هذا السور هو السلطان سليمان القانوني العثماني، وقد دامت أعمال هذا البناء في السور (٥) سنوات. وقد بلغت مساحة الأراضي التي تحتلها القدس قديمة وحديثة سنة ١٣٦٧هـ ١٩٤٨م ما يزيد على (٣١) كيلو مترا مربعا، أي ما يبلغ (٣١) ألف دونما، وتبلغ مساحة القدس القديمة نحو ألف دونم.

стр. 6451

وأهم ما في القدس أماكنها المقدسة وفي مقدمتها الحرم الشريف الذي يحوي المسجد الأقصى ومسجد الصخرة، حيث يقع في الجهة الشرقية الجنوبية من المدينة القديمة. وفي هذا المسجد قال رسول الله ﷺ : "لا تشد الرحال إلا لثلاثة مساجد، المسجد الحرام، ومسجدي هذا، والمسجد الأقصى". وهو مسجد رائع البناء عظيم المساحة، ويحيط به سور عظيم، وقد أسرى الله بنبيه محمد ﷺ من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى، ومنه عرج به إلى السماء، وكان النبي ﷺ يستقبل في صلاته المسجد الأقصى إلى أن أمر بتحويل القبلة إلى الكعبة بالمسجد الحرام، فهو أولى القبلتين، وثاني البيتين، وثالث الحرمين، ولهذا فهو محط أنظار المسلمين. وفي المدينة مساجد أخرى كثيرة يبلغ عددها (٣٥) مسجدا، وبها مقدسات مسيحية وأهمها كنيسة القيامة، ولا يملك اليهود بها آثارا ولا أماكن دينية ولا مقدسات على الرغم من الضجة العالية والعويل الطويل إلا عرفا تقليديا لهم في البكاء خارج القسم الجنوبي من الحائط الغربي للحرم الشريف يسمى حائط المبكى. عدد السكان كان عدد السكان سنة ١٣٦٧هـ سنة ١٩٤٨م نحو (١٦٠) ألف نسمة نصفهم من العرب والآخر من اليهود وجاء عددهم هذا وليد الهجرة الناتجة عن وعد بلفور الجائر، ففي النصف الثاني من القرن السابع عشر لم يكن عدد اليهود سوى (١٥٠) شخصا، وفي سنة (١١٧٠م) لم يكن في المدينة أكثر من يهودي واحد.

стр. 6452

والقدس مدينة سياحية عالمية جذابة ولذا فإن بعض السكان يقومون ببعض الصناعات التي يغلب عليها الطابع السياحي مثل صناعات الخشب، الزيتون، والشموع، والقاشاني، والتطريز والزجاج والأدوات الفضية وغيرها، وبعض السكان يقومون بالزراعة حيث خصوبة التربة فيكثر فيها الفواكه والخضروات بأنواعها المختلفة، والتعليم فيها ناشط مزدهر إذ فيها نحو (٥٠) مدرسة عربية و (٣٠) مكتبة منها ما له قيمة تاريخية. كما يوجد بها جميع الدوائر الحكومية. ما يفعله الصهاينة المحتلون يعمل الصهيونيون اليهود على توسيع رقعة القدس وزيادة سكانها وتخطيط الحي اليهودي فيها، وقد تضمنت الخطة عمارات متراصة مرتفعة يشبه بعضها ناطحات السحاب، واشتملت على نواد وبارات ليلية كثيرة، وشقق صغيرة تحيل المدينة إلى ما يشبه محطة السكة السوداء داخل مظاهر الزيف والنشاز، وقد عرضت الخطة على ثلاثين من المهندسين والمعماريين والفنانين العالميين فنفروا منها جميعا ورفضوها لمغايرتها طبيعة المدينة المقدسة. وقد فعلوا فيها ما لا يستوعبه المجلدات. وقد توغلت الحفريات التي يقومون بها في اختراق الحائط الجنوبي للحرم الشريف والأروقة السفلية للمسجد الأقصى في أربعة مواقع الأول، في أسفل محراب المسجد الأقصى والثاني أسفل مسجد عمر، والثالث: تحت الأبواب الثلاثة للأروقة الملاصقة للمسجد الأقصى وهنا توغلت (٢٠) مترا في داخل الحرم، والرابع تحت الأروقة الجنوبية الشرقية للمسجد الأقصى، أصبحت هذه الحفريات تهدد المسجد الأقصى وسور الحرم الجنوبي بالتصدع والانهيار.

стр. 6453

ورغم كل ذلك فقد واصلت السلطات الصهيونية إخلاء العقارات والأراضي بالقوة وتمكنت من إجلاء ما يقارب من خمسة آلاف عربي من مساكنهم وأماكن عملهم داخل الأسوار وحرست ما لا يقل عن ألف من العمل في الزراعة في الأراضي المصادرة خارج الأسوار يعيلون لا أقل من خمسة آلاف شخص، وإجلاء ما يقرب من ألف عربي من مساكنهم خارج الأسوار، وهي بالإضافة إلى ذلك جادة في ملاحقة الباقين منهم ويقدرون بحوالي الألف بالجلاء والتشرد. الاستيطان الإسرائيلي يهدف إلى جعل القدس مدينة يهودية، كشف عن ذلك وزير الإسكان اليهودي عن مؤامرة الاستيطان التي باشروها منذ ١٩٦٨ خارج أسوار القدس وداخلها وما حولها، وتستهدف بناء (٣٥) وحدة سكن وتتسع لإسكان (١٢٢) ألف صهيوني جديد. وقد نفذت هذا البرنامج خلال السنوات الست الماضية وتم لها إنشاء ستة عشر حيا أو مستعمرة جديدة على أنقاض ما هدم من أحياء وقرى عربية وعلى ما صور أو اغتصب من الأراضي داخل أسوار المدينة وخارجها. احراق المسجد الأقصى في يوم الخميس ٨ جمادى الثانية ١٣٨٩هـ أحرقت إسرائيل المسجد الأقصى، وقد دمر الحريق القسم الجنوبي الشرقي منه، كما أتى على المنبر، وقد ادعت إسرائيل أن ماسا كهربائيا سبب الحادث، ثم تراجعت وزعمت أن شابا أضرم النار في المسجد. هل يحتاج المسلمون بعد ألسنة النار التي التهمت المسجد الأقصى إلى من يوقد حميتهم ويشعل إرادتهم للوقوف صفا واحدا وجبهة واحدة في وجه العدو، ولكن من المؤسف حقا أن إشعال النار في أولى القبلتين وثاني البيتين وثالث الحرمين لم يكن مفاجأة وأن المسلمين والعرب لم يأخذوا على حين غرة عندما أقدمت إسرائيل على حرقه ولن يؤخذوا على غرة إذا فعلت إسرائيل لا قدر الله بمقدساتهم أكثر من ذلك.

стр. 6454

إن القدس كانت ولا تزال محل أطماع اليهود والصليبيين، أما الصليبيين فقد يئسوا من تحقيق أطماعهم منذ أن هزمهم صلاح الدين الأيوبي واستردها منهم، وأما اليهود فما زالوا يتأمرون عليها وقد استطاعوا بغدرهم وتفكك المسلمين أن يسيطروا عليها ولكن ذلك لن يطول فسنستردها بعون الله منهم وتبقى تراثا إسلاميا مصونا تحوطها القلوب المؤمنة وتحميها صدور المسلمين، وسوف يرتد كل معتد على القدس والمسجد الأقصى خاسئا بإذن الله.

стр. 6455

من آيات الله في الآفاق للطالب محمد الأمين ولد الشيخ المعهد الثانوي - السنة الأولى أيها الملحدُ الغبيُ تعلَّم وانظر الكون واعيا وتفهم وتفكَّر هُنْيهَةً وتدبَّر وتأمل هذا الوجودَ المُنظم أنظامٌ ولا مُنظم هَذَا نحوٌ سخف ظاهر ورأيٌ مُحَطَم منطقٌ هكذا صغيرٌ حَقير لا يساوي مدادَه لا يسلَّم منطقُ البصرة السَّليمة يأبا هـ ويقضي بردّه إن علم وُجد الكونُ صدفة لا تقل ذا أيٌ عقل يُسيغ هذا؟ تكلم استمعْ ههنا جهازٌ دفينٌ مُحْكم متقن جميل مصمم كان من غير صانع أتُرى ذا منطق العقْل؟ لا وربّى الأكرم أتُرى ذا الجهازَ وهو صغيرٌ من جهاز السماء والأرض أحكم! إنتبه جيدا تفكّر قليلاً لا تقلّد من عقلُه قد تسمّم انفرد ساعة إذا الليل أظلم وسرى الصمتُ في الوجود وخيم وتساءَلْ أَصدفةً كلُّ هذا وتساءل وقل لنفسك مهْيم؟ أُترك الكبر جانيا وتواضعْ واطلب الحق خلصا وتقدم خطوة خطوة رويدا رويدا فإذا الكفر كله قد تهدم وإذا باليقين ينمو وينمو وإذا النُّور قد أضاء فعمَّم أسلم _ الكون مسلمُ _ وتَقدَّم وتشهد شهادة الحق تسلم

стр. 6456

كلية الحديث للطالب أحمد بن حسن المعلم نبأ أهاج كوامنى وأثارا وهششت عند سماعه استبشارا كلية باسم الحديث وأهله تروي الهدى وتعلم الآثارا ماذا أقول وكيف أنطق بالذي في خاطري وأوضح الأسرارا أأقوله نثراً بغير تقيد أم هل ترون أصوغه أشعارا ما حجم أبيات القصيدة كي تفي ما في الجوانح والفؤاد توارى والقلب لولا ما يضم من الهدى لفرى الضلوع من السرور وطارا والنفس يغمرها السرور ومالها ألاّ تسرو وتلبس النوارا لم لا أسرو وقد حظيت بغاية كانت لآمالي الكبار منارا سأكون من صحب الرسول وآله سأنال منه قرابة وجوارا سأعيش في كنف الرسول مصليا ومسلما ومتابعاً مختارا سأرى الدليل وسوف أعمل بالذي دل الدليل على سناه ودارا أنا لن أكون مقلدا متعصبا شبه البهيمة رحبت ينعق سارا أنا لن أكون مقلدا متعنتا أدع الدليل لما أراه جهارا إن المقلد في الخسارة والشقا ما عاش يوما يشبه الأحرارا إن المقلد كالضرير يقوده من شاء براً كان أو كفارا إن المقلد كالصغير مفوضا إن يعط تمراً يرضه أو نارا فدع الثعب المذاهب إنه سجن العقول يتريقها الأصارا وأراه غلاً في الرقاب وصانعا ما يقول رسولتا وستارا يا طالب العلم الصحيح بشارة منحوك علما نافعا مختارا أقبل على علم الحديث فإنه جسر الحياة لمن أراد فخارا وفذ الصحيح ودع سواه فما بن من حاجة لتلفق الأقيارا وتتبع الإسناد وانقد أهله لا تخش إثما فيه أو أضرارا وفذ الصحيح بقوى لا تخش في تطبيقه زيدا ولا عمارا واضرب بسيف الحق كل مقلد

стр. 6457

فلقد حملت مهندا بثارا وأنر بمصباح الحديث ظلامنا ودع الليالي الحالكات نهارا وصدع رؤوس الخارجين عن الهدى من كل مبتدع غدا حفارا وانف الضعيف وما تبين زيفه فلقد رأينا منهما الأضرارا واعمل بما حصلت منه ولا تكن بعد الدراسة حاملا أسفارا وادع الأنام إلى طريق واحد الكل في تطبيقه يتبارى فلقد أساء لنا التغرف أعصرا فسبى العقول وقيد الأفكارا فمتى يخلصنا الحديث من العنا فنسير تحت لوائه أحرارا ومتى يوحدنا الحديث على الهدى فنسير جيشا واحدا جرارا هذا بعون الله سوف نناله فلقد رأينا للخلاص منارا كلية العلم الجليل تقودنا فنخوض تحت لوائها الأخطارا فليهن أبناء الحنيفة منهل بالعذب ينضح طيبا مدرارا وليهن جامعة المدينة أنها صارت لطلاب الحديث مزارا

стр. 6458

طه حسين حياته.. وأدبه.. في ميزان الإسلام ... لفضيلة الشيخ إبراهيم محمد سرسيق كلية القرآن والدراسات الإسلامية طالما سألت نفسي، منذ اشرأبت عنقي إلى بلابل الدوح وهي تشدو في حدائق الأدب.. إذا كانت قيمة كل امرئ ما كان يحسنه، فبأي قيمة من قيم الدين أو الأدب أو الخلق، تسنّم الدكتور طه حسين ذروة الأدب والثقافة والتعليم في مصر؟ وبأي قيمة من قيم الدين أو الأدب أو الخلق تبوّأ مقعد القيادة والتوجيه في دولة الفكر قرابة نصف قرن من عمر الزمان؟ وبأي قيمة من قيم الدين أو الأدب أو الخلق، قد تقبل في كبرياء مصطنع، وشموخ كاذب، وعبقرية مدّعاة أن يصفه أهل البَغاء الفكري، والنفاق السياسي، بأنه: عميد الأدب العربي؟؟ بالله خبروني: من ذا الذي عمّده للأدب في دنيا العرب..؟؟ وهذا كتاب أخرجه لنا كاتب إسلامي نشيط، هو الأستاذ/ أنور الجندي، ونشرته (دار الاعتصام) بالقاهرة، عام ١٣٩٦هـ ١٩٧٦م. وهذا كتاب يضع طه حسين في ميزان الإسلام، بعد أن وضعه الآخرون في موازين كثيرة. ويشاء الله تعالى أنه بقدر ما ارتفعت به الموازين الأرضية فقد هبط في ميزان الإسلام إلى الحضيض. جزاء وفاقا، بما فرَّط في جنب الله، وألحد في ذاته، وتهجم على نبيه ﷺ ، وطعن في كتابه الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، تنزيل من حكيم حميد. والكتاب يحتوي على حوالي (٢٧٠) صفحة من الحجم المتوسط، ويقع في مقدمة وثلاثة أبواب: الباب الأول: حياة طه حسين مرحلة التكوين والإعداد ويتضمن خمسة فصول. وتدور هذه الفصول الخمسة حول مطالع حياته، رحلته إلى أوربة وأثرها، في أحضان الاستشراق، التبعية للفكر الغربي، الولاء للسياسة الغربية. أما الباب الثاني: (مرحلة النضوج والتألق) فيتضمن خمسة فصول أيضا

стр. 6459

في الجامعة، في وزارة المعارف، في الصحافة والسياسة الحزبية، في المجمع والجامعة العربية، وفي المحاضرات والمؤتمرات. ثم يأتي الباب الثالث والأخير: آراء طه حسين وصراعه مع أهل جيله ويتضمن ستة فصول: آراء طه حسين، طريقة البحث، ظاهرة التحول والتناقض، الأسلوب والأداء الفني، الاستجواب، صراعه مع أهل جيله. ثم خاتمة في حوالي سبع صفحات، تلمس لمسا خفيفا أهم ما جاء بالكتاب، وتبرز الدافع إلى تأليفه وتَعِد بتقديم بحث جامع في الموضوع نفسه. وسنعود إلى إبداء رأينا في المنهج والخاتمة، بعد بحث وتقويم المادة العلمية. الحجة إلى مثل هذا البحث: إن الحاجة ماسة جدا إلى مثل هذا النوع من البحوث التي تزن مختلف الشخصيات العلمية والأدبية بميزان الإسلام. ومهما يكن رأينا في المنهج العلمي الذي سار عليه الكاتب في بحثه فإننا نناشد المؤلف وغيره من الباحثين المسلمين أن يتناولوا أولئك الأعلام، الذين ارتفعوا على أسنة الأقلام، أو حملهم العوام فوق الأكتاف والهام لكي يوضعوا في دائرة الضوء الإسلامي فيبدو للملأ ما فيهم من غث أو سمين، ولكي يبرزوا إلى نور الحق بدل أن يضاعفوا أحجامهم ويرفعوا عقائرهم في الظلام. فالقيمة الحقيقية لهؤلاء الأعلام لا توزن بموازين الأرض الزائلة، بل توزن بموازين العدالة الإسلامية: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ. وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الْفَسَادَ﴾ [١] . والمشكلة دائما هي أن الحق أبلج ولكن الباطل لجلج، وفي هذا العصر نرى أهل الباطل يجعجعون ويصيحون ويصرخون، ويتنادون بالنصرة والأحلاف ويهزون الأعطاف بينما أهل الحق قانعون بالسلامة الذليلة، راضون عن الغنيمة بالإياب.

стр. 6460

فهل يلام الباطل إذا أرغى وأزبد، وتهدد وتوعّد؟ وإذا ما خلا الجبان بأرض طلب الطعن وحده والنزالا!! ومشكلة (طه حسين) أنه رجل ملأ الدنيا وشغل الناس، واستفاض صيته وطارت شهرته في كل الأقطار، وما علم الناس سببا لهذه الشهرة المستفيضة والصيت الذائع! ولكنهم اقتنعوا، فجأة وبزعمهم، بأن هذا الرجل مشهور وما دام مشهورا فلا بد أنه شخصية عظيمة. وهكذا ظلوا مع الآخرين يكذبون ويكذبون حتى صدّق الجميع أنفسهم!!! لماذا برز ((طه حسين)) وفرض شخصيته على الناس سنين طويلة؟ هل بسبب موقفه المعادي للفكرة الإسلامية؟ هل بسبب نشاطه الحزبي ومغامراته السياسية؟ هل بسبب كتبه الهزيلة، وشخصيته المنافقة؟ هل بسبب ارتمائه الذليل في أحضان المستشرقين، وترديده لأباطيلهم؟ هل بسبب منهجه العلمي الزائف المستعار؟ هل بسبب كراهيته للعرب وتهوينه الدائم من شأن دينهم وحضارتهم؟ هل بسبب اتجاهه إلى الإباحية والأدب المكشوف؟ مرة أخرى: لماذا استفاضت شهرة طه حسين؟ لماذا ارتفعت منزلته لدى الباحثين عن صنم يعبدونه من دون الله؟ يالله للمسلمين! متى يكف الناس عن إحاطة بعضهم بعضا بأوصاف القداسة، وهالات العظمة، وهم يعلمون أن العظمة والقداسة لله وحده؟ متى يكف الناس عن كيل عبارات المديح والإطراء لمن يزعمونهم خطأ قد بلغوا قمة العلم أو الحكمة أو البراعة في دنيا المظاهر البراقة والألقاب الخادعة ﴿كَأَنَّهُمْ إِلَى نُصُبٍ يُوفِضُونَ﴾ . وصدق الله العظيم: ﴿وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلا قَلِيلاً﴾ . فلنسر في دروب البحث المتأني وراء هذا الشبح الغامض، عسانا أن نهتدي بفضل الله تعالى في الوقوف على سرّ هذه الظاهرة العجيبة ظاهرة البرق الذي يلمع في ظلام دامس فزاده غبرة ترهقها قترة. أولا: عداؤه للفكرة الإسلامية:

стр. 6461

إن كل من يراجع كتابات طه حسين ابتداء من كتابه (في الشعر الجاهلي) إلى آخر ما أملى يروعه جرأة هذا الرجل على شريعة الله وأحكامه السامية، حتى ليخيَّل إليه أن الرجل قد حمل بكلتا يديه مِعْوَلا مسنونا يهدم به كل بنيان إسلامي، وقد لبس في كل مرة قناعا يتخفى من ورائه وهو يقوم بعمله الموبوء في همة دائمة لا تعرف الكلال. فهو قد تعمد إحياء الدعوة المنهارة بفصل دراسة الأدب العربي عن الفكرة الإسلامية. ووصف هذه العملية الخبيثة بوصف مثير وخطير كعادته في كل عملية هدم يقوم بها فقال: إنها تحرير الأدب العربي من إطاره الإسلامي. ورفع عقيرته قائلا: "أنا أريد أن أدرس تاريخ الأدب في ((حرية وشرف)) كما يدرس صاحب العلم الطبيعي علم الحياة والنبات!! ". وزعم أن ربط الأدب بالإطار الإسلامي فيه إيحاء بالدعوة إلى الإسلام والتبشير به!! ومن عجب أن ينزلق صاحب ((الوعد الحق)) و ((على هامش السيرة)) إلى هذا المنزلق الخطير!! ولئن كانت الدعوة الإسلامية وما زالت - والحمد لله - في غنى عن أمثاله من القردة المقلدين، الذين جعلوا ظهورهم قنطرة عبور لأفكار المستشرقين من كل حدب وصوب فإنا نقول لكل من يحاول إحياء هذه الشبهة التي نعتبرها بحق كالجنين الذي ولد ميتا: _ وهل الإسلام إلا منهج كامل للحياة، والأدب جزء منها؟ فكيف لا يدخل الأدب في الإطار العام للقيم الإسلامية النبيلة التي تسكن من قلوبنا في السويداء؟ إذا كان العلم الطبيعي كعلم الحياة والنبات يملك سلاحا قويا للتمحيص والتجريب هو التجربة العلمية التي يمكن التحكم فيها، والاحتكام إليها فما المرجع الذي يمكن اللجوء إليه لتصحيح القيم، وتهذيب السلوك، وترقية المشاعر إذا لم نرجع إلى شريعة الله.. رب كل شيء ومليكه؟ ﴿أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ _ يقول علماء النفس: لابد لأي سلوك من دوافع.

стр. 6462

_ فإذا كان الأمر المتعارف عليه أن يدرس الأدب في ظل القيم والمبادئ السائدة في كل عصر وبيئة باعتبارها (الإطار المرجعي له From Of RefeRence) ، وإذا كان الأدب العربي يدرس في بيئة إسلامية فما الدوافع الخفية وراء السلوك الطارئ المستنكر لدارسة الأدب العربي مقرونا بمبادئ الإسلام؟ _ ثم من ذا الذي يزعم أن دارسة الماديات في علم الحياة والنبات يمكن أن تقارن بدراسة المعنويات من القيم والفضائل والإنسانيات؟؟ أخيرا يعلق المستشرق كامبفاير قائلا: "إن المحاولة الجريئة التي قام بها طه حسين ومن يشايعه في الرأي، لتخليص دراسة العربية من شباك العلوم الدينية، هي حركة لا يمكن تحديد آثارها على مستقبل الإسلام" [٢] . ثانيا: دعوته إلى الجاهلية الفرعونية: ويتمثل ذلك في إصراره على وضع شعار فرعوني للجامعة المصرية حين كان مديرا لها. وفي ادعائه المتكرر أن مصر فرعونية وأنها تابعة لليونان في الفكر، وتابعة لمنطقة البحر المتوسط والغرب في السياسة، وأقرب ما تكون إلى الروح الفرعونية في الثقافة والحضارة!!! وقد أرسل إليه الأستاذ توفيق الفكيكي برقية من العراق تقول: "إن شعاركم الفرعوني سيكسبكم الشنار، وستبقى أرض الكنانة وطن الإسلام والعروبة، برغم الفرعونية المندحرة!! ". ماذا - أيضا - يستهدف طه حسين من هذه الدعوة السخيفة إلى جاهلية الفراعنة؟ كيف يدعو مفكر إسلامي إلى العودة الانتكاسية إلى جاهلية الأوثان وبدائية التصور وفطرية السلوك وخرافة المعتقدات؟ وماذا يبتغي من جذبهم إلى الفرعونية الهالكة إلا سلخهم من الانتماء إلى أمة الإسلام ودين الإسلام ونبي الإسلام؟ في أيام هذا المفكر الفرعوني ردّ عليه الدكتور زكي مبارك قائلا:

стр. 6463

"إنك تعرف أن مصر ظلت ثلاثة عشر قرنا، وهي مؤمنة بالعقيدة الإسلامية، والأمة التي تقضي ثلاثة عشر قرنا في ظل دين واحد لا تستطيع أن تفرّ من سيطرة هذا الدين" [٣] . ومعلوم ما يثبته المؤرخون من ((الانقطاع الحضاري)) الذي أحدثه الإسلام في نفوس المصريين، حين نفضوا أنفسهم تماما من التراث الفرعوني واليوناني والروماني، وتركوا هذه الحضارات تذوب وتضمحل، وآمنوا بالإسلام وتشربوا في معاملاتهم ولغتهم وسلوكهم ولم تكن لهم ثقافة خاصة منفصلة عن الثقافة الإسلامية الأصلية. ورغم أن هذه الفكرة الساقطة - فكرة الانسحاب من العقيدة القوية المسيطرة، إلى أوهام القرون البدائية المنقرضة - لم يتقبلها المصريون أنفسهم، ولم يكن لها من بينهم دعاة يعتد بهم، فإنه من الواضح أن كثيرا من المستشرقين يحتضنونها في حدب شديد، ويعتبرونها ركيزة أساسية في محاولاتهم المستمرة والمتكررة لهدم الإسلام. ونحن هنا نلفت الأنظار بقوة إلى أن كل دعوة قومية لإحياء العنصرية العرقية إنما هي دعوة مشبوهة، لأنها ضد الدين في المبدأ والأساس. ثالثا: ادعاؤه الكاذب أن الدين ((ظاهرة اجتماعية)) : ارتأى طه حسين - والحقد حشو فمه - أو قل: إنه نقل نقلا حرفيا عن أستاذه اليهودي ((إيميل دوركايم)) ذلك الرأي الخطير الكافر، الذي يطيح بكل تراث طه حسين وشخصيته وتاريخه: "إن العالم ((الحقيقي)) (!!) ينظر إلى الدين كما ينظر إلى اللغة، وكما ينظر إلى الفقه، وكما ينظر إلى اللباس.. من حيث إن هذه الأشياء كلها ((ظواهر اجتماعية)) يحدثها وجود الجماعة. وإذن نصل إلى أن الدين في نظر العلم لم ينزل من السماء [٤] ، ولم يهبط به الوحي، وإنما خرج من الأرض كما خرجت الجماعة نفسها.." [٥] .

стр. 6464

إذن فطه حسين، هذا المنبع الكدر لتيارات الإلحاد والتشكيك، هو السبب في ذيوع هذه الفكرة السامة التي روّجتها ألسنة الأغرار من الناشئة وأدعياء الثقافة والفلسفة، ونشرتها أقلام الكتاب من كل مسلوبي الشخصية وضعاف العقيدة في هذا العصر، الذين روّجوا أن الدين ظاهرة اجتماعية!! ظاهرة اجتماعية تصدر عن الجماعة، وتتطور معها، وليست بوحي سماوي من الله تعالى. وطه حسين أيضا- وقد ازداد بغيا وعتوا، وإفسادا في الأرض ومكر السيئ ولا يحيق المكر السيئ إلا بأهله – فقد رتّب على هذه النظرة المتحدية للدين ما يلي: ١- "أن الدين يجب أن يُعلّم فقط كجزء [٦] من التاريخ القومي، لا كدين إلهي منزل لإصلاح أحوال البشر". ويرى: "أن القوانين الدينية لم تعد تصلح في الحضارة الحديثة كأساس للأخلاق والأحكام، ولذلك لا يجوز أن يبقى الإسلام في صميم الحياة السياسية أو كمنطلق لتجديد الأمة". ويرى: "أن الأمة تتجدد بمعزل عن الدين" [٧] . وما من شك هنا أن هذا الملحد الجريء إنما يعرض للإسلام من منظور المسيحية، ويجهل أو على الأصح يتجاهل بخبث شديد الفرق الهائل بين الإسلام والمسيحية. فبينما المسيحية تعطي ما لقيصر لقيصر، وما لله لله، فالإسلام يتناول الحياة كلها بتشريع كامل لا ينفصل فيه دين عن دنيا (إلا في أذهان العباقرة أمثال عميد الأدب الراحل) ... وصدق الله مولانا في كتابه الكريم: ﴿قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ لا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾ [٨] .

стр. 6465

٢-أن النص المثبت في الدستور المصري بأن الإسلام دين الدولة، لا ضرورة له. يقول: "لم أكن في اللجنة التي وضعت الدستور القديم، ولم أكن بين الذين وضعوا الدستور الجديد ولم يستشرني أولئك ولا هؤلاء هذا النص والذي اشتمل عليه الدستور والذي [٩] يعلن للدولة المصرية دينا رسميا هو الإسلام.. ولو استشارني أولئك أو هؤلاء لطلبت إليهم أن يتدبروا ويتفكروا قبل أن يضعوا هذا النص في الدستور!!! " [١٠] . رابعا: تهوينه من شأن العرب والحضارة العربية الإسلامية.. لكأنما أصيب صاحبنا بحمى قاتلة.. جعلته ينتفض حنقا على العرب وكل ما يمت إليهم بصلة.. ونتساءل مع الأستاذ أنور الجندي: "هل يمكن أن يكون مثل هذا الكاتب عميدا للأدب العربي الذي يزدريه ويتعقبه؟ أو قائدا لأمة هو منكر لمفاهيمها لا يدين لها بولاء..؟ " [١١] . في اعتقاده - عفا الله عنه - أن العرب ليسوا إلا وسطاء بين الأمم والحضارات. وأن الدور الذي قاموا به هو الدور الذي قام به من سبقهم من شعوب البحر المتوسط كالفينيقيين واليونان والرومان. يريد أن يتجه سكان المنطقة إلى الغرب لمواجهة الوحدة الإسلامية! وكان مصر إلى البحر المتوسط لمواجهة فكرة العروبة!! ويدعي أن الفتح العربي الإسلامي لم يكن إلا ضربا من الاستعمار الذي خضع له المصريون كما خضعوا للفرس والرومان وغيرهم. ومن الواضح أنه في كل ذل يسقط الأثر الديني من حسابه في كل ما يقول. ادعى أن العرب لم يكن لهم نثر فني. وأنهم لم يجيدوا الإنشاء إلا بعد اتصالهم بالفرس، وأن أول كاتب في اللغة العربية هو ابن المقفع الفارسي الأصل. وكل هذا الشر قد نقله من شرير آخر هو ((المسيوا مرسيه)) الذي كتبه في المجلة الإفريقية التي تصدر بالفرنسية في الجزائر.

стр. 6466

هاجم العلامة العبقري (ابن خلدون) في رسالة التي تقدم بها إلى السربون، إرضاء لأستاذه اليهودي (دوركايم) الذي كان رئيسا للجنة الدكتوراه، وانتقد علم الرجل وقدره، ووصف جهاد المغاربة ضد الفرنسيين بأنه (معارضة للتمدن) ..؟ رأيه في القرآن الكريم معاذ الله أن يكون لبشر ما - كائنا من كان - رأي في القرآن الكريم المعجز الذي يعلو ولا يُعلى عليه. فالقرآن ليس من كلام البشر، ولا ينبغي أن تحكم فيه أهواء البشر. ﴿قُلْ أَنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْض﴾ . ولكن هكذا تقتضينا أمانة العلم أن نكشف على الملأ، مطاعن تلميذ المستشرقين النشيط طه حسين، في الترويج والدعاية لمبادئ أساتذته في (السربون) وفي (الكوليج دي فرانس) أولئك الذين اتخذوا من التظاهر بدراسة الإسلام تكأة للطعن فيه، ﴿حَسَداً مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقّ﴾ . _ ١_ أول هذه المطاعن [١٢] يهوي بصاحبه إلى هوة الكفر الصريح والعياذ بالله. وهذا نص عبارته: "للتوراة أن تحدثنا عن إبراهيم وإسماعيل. وللقرآن أن يحدثنا عنهما أيضا. ولكن ورود هذين الاسمين في التوراة والقرآن لا يكفي لإثبات وجودهما التاريخي، فضلا عن إثبات هذه القضية التي تحدثنا بهجرة إسماعيل بن إبراهيم إلى مكة، ونشأة العرب المستعربين فيها. ونحن مضطرون إلى أن نرى في هذه القصة نوعا من الحيلة في إثبات الصلة بين اليهود والعرب من جهة وبين الإسلام واليهود والقرآن والتوراة من جهة أخرى" [١٣] . هكذا يفجِّر طه حسين قذيفة الكفر الرهيبة المدمرة هذه دون أن يبالي أي قدر من الخسائر تسببه لضمير الأمة المسلمة وإحساسها المرهف نحو دينها وعقيدتها..! تكذيب صريح القرآن الكريم، وادعاء فاجر بأنه ليس مصدرا تاريخا موثوقا به ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً﴾ .

стр. 6467

والغريب أن هذا الكفر كان يراد له أن يدرس في كلية الآداب بالجامعة المصرية! لولا أن أراد الله أن تموت الفتنة في مهدها ويفصل رأس الكفر من الجامعة. _ ٢ _ في مؤتمر المستشرقين السابع عشر بجامعة أكسفورد (سبتمبر ١٩٢٨م) ألقى طه حسين بحثا عنوانه (استخدام ضمير الغائب في القرآن) . وقد ارتأى فيه: أن تأويل ضمير الغائب في معظم آيات القرآن باسم الإشارة فيه حلّ لمشكلة عدم المطابقة بين الضمير وما يرجع إليه. وزعم أنه بهذا الرأي يصحح ما يراه بعض المستشرقين من أن في القرآن خطأ نحويا - حاشا لله - إذ يرون الضمير قد رجع إلى متأخر، أو رجع إلى محذوف مفسّر بما يدل عليه من بعض الوجوه. وقد وصف الرافعي ﵀ طريقة استبدال اسم الإشارة بضمير الغائب بأنها "بيع الذهب بالملح"! إشارة إلى أن رأي طه حسين الذي نقله عن أسياده المستشرقين بلا فهم وبلا علم إنما هو رأي ساقط بليد تافه، لا تقاس قيمته إلا بقيمة الملح إذا قورن بالذهب في نفاسته. ويعقب الرافعي قائلا: "وكأنه أخذ تلك القاعدة من ذلك الكتاب الذي عثر به في خرائب روما، فرآه مكتوبا قبل الإسلام بمائة سنة، وفيه آراء في الشعر الجاهلي، وفيه قواعد نحوية ضابطة محكمة لا يشذ عنها إلا شاذ، ولا يختلف عليها إلا ما كان خطأ. وفيه أشياء وأراء يقال أن الدكتور طه لا يردّه عن نشرها إلا أنه يطمع أن يجد تحقيقها في كتاب آخر يعثر به في خرائب أثينا!! " [١٤] . وهو يشير بذلك إلى ولع الدكتور بالثقافة اليونانية وإغراقه في حب الإغريق، وحُبِّه لهم حبا ملك عليه قلبه حتى نهاية حياته! ويكاد المريب يقول خذوني: امتنع الدكتور عن نشر بحثه هذا في اللغة العربية، حتى حصلت عليه صحيفة الأهرام فنشرته مترجما، وانكشفت أباطيل الدكتور وفضحه الله على رءوس الأشهاد! _ ٣ _

стр. 6468

زعم طه حسين أن القراءات السبع المجمع عليها لدى العلماء لم تنزل من عند الله، وأن العرب كما قرأتها حسبما استطاعت قراءتها لا كما أوحى الله بها إلى نبيه ﷺ . وهو بذلك البهتان ينكر أنها مروية عن الله تعالى كما جاءت على لسان الرسول الكريم ﷺ متجاهلا الآثار المتواترة والصحيحة التي وردت بهذا الصدد في كتب السنة المعتمدة. كان يرى أن هناك قرآنا مكيا وقرآنا مدنيا، القرآن المكي يتميز بالبعد [١٥] عن المناقشة والخلو من المنطق (كذا) ! والقرآن المدني يناقش الخصوم بالحجة الهادئة.. والمؤسف ليس هذا الكلام الغث وحده، وإنما المؤسف بالدرجة الأولى هو ما يدل عليه من أن هذا الملحد المجاهر بإلحاده يعتقد أن القرآن الكريم هو من وضع النبي ﷺ !!! فهل هناك ما هو أصرح من هذا في باب الكفر؟ وليس كلامه هذا صادرا عن استقراء لما يزعمه قرآنا مكيّا ومدنيا. فالدارسة المتعمقة للقرآن تُبَيِّن أن الآيات المكيّة مليئة بأقوى البراهين وأقمعها للملحدين الجاحدين. وكثيرا ما حاجّ الله سبحانه كفار مكّة وقارعهم الدليل تلو الدليل وتحداهم المرة بعد المرة فأعلنوا عجزهم وتسليمهم ودخلوا في دين الله أفواجا. أما ما يزعمه قرآنا مدنيا، ويزعم أنه مُلِئَ بالتشريعات والأحكام ومبادئ الأخلاق.. الخ.. فإنه يردّ ذلك كله- قاتله الله - إلى احتكاك المسلمين بيهود المدينة، الخ ما قاله مما يملأ النفس ألما ووجدا على هذا الآدمي الذي ابتلي به المسلمون حينا من الدهر، ولا زالت سمومه تتسرب على أيدي أشياعه ممن وردوا ورده، وشربوا من المستنقع الذي كرَع منه حتى غصّ بريقه..! _ ٥ _ زعم أن عدم وضع النقط على الحروف القرآنية في بدء تدوينه قد أدّى إلى حدوث اختلاف في نطقه، فهناك كلمات تنطق هكذا: فتبينوا، فتثبتوا.. الخ.

стр. 6469

والحق الذي لا مراء من حوله، مهما أرجف المرجفون، أن القرآن مكلوء برعاية الله إلى أبد الآبدين ودهر الداهرين وذلك بنص قول الحق : ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ . وقد أحاط الكثيرون من الدارسين لعلوم القرآن بالكثير مما يتعلق بهذه الأمور، وما قصد طه حسين بهذا الافتراء إلا أن يكسر القداسة التي خص بها القرآن الكريم، سّيما وهو يعلم أن القرآن يتميز عن التوراة والإنجيل بأنه معجز بلفظه، محفوظ في السطور والصدور بنصّه، متعبد بتلاوته وهو كما قال (جاك بيرك) : "سقف اللغة العربية تقاس عليه ولا يقاس عليها"، فكيف يضعه هذا المخّرف موضع الشك والاختلاف؟ _ ٦ _ ادعى أن لفظة (سورة) مأخوذة من كلمة (شورة) العبرية، بمعنى (سلسلة) وأثار الشك في لفظة (قرآن) هل هي عربية أو عبرية أو مأخوذة من لغات أخرى. ورأى أن (الكتاب) غير (القرآن) ، وأن الكتاب كان موجودا قبل إنزال القرآن، وأن القرآن صورة عربية منه. (نعوذ بالله من ذلك) . هل سمع السامعون في تاريخ الكفر والنفاق بمثل هذا؟ _ ٧ _ ومن أخباره أنه كان يشجع تلاميذه في كلية الآداب على أن ينقدوا القرآن في جرأة ينقدونه باعتباره كتابا أدبيا! يمكن أن يقال فيه هذا كذا، وهذا كذا. ويحاول أن يدرسه دراسة فنية!! فهل تسلح أولئك الطلاب بالأسلحة العلمية الكافية لدارسة القرآن، فضلا عن ((نقده)) بأمر أستاذهم؟ وهل يملك أستاذهم نفسه، مهما بلغ من علوم اللغة نحوها وصرفها وبلاغتها وأدبها وفقهها ومتنها، أن يمسّ القرآن بكلمة نقد واحد؟ وهل استطاع أساطين البلاغة وفرسان البيان من العرب الخلص إلا أن يسلموا مقاليدهم أمام إعجاز القرآن الكريم وبلاغته فماذا يبلغ هذا الدعيّ من الفقه بلغة الكتاب الكريم وأحكامه العظيمة؟ سبحانك هذا بهتان عظيم. وقفة أمام تراث طه حسين

стр. 6470

سنضرب الذكر صفحا عما أوردناه، رغم فظاعته وهوله. وسنلج مرة أخرى باب البحث في تراث طه حسين، لعلنا قد ظلمنا الرجل وما أنصفناه أن أثبتنا عداوته للدين، وأغفلنا نتاجه في الأدب. سنلج باب البحث في أدبه على طريقته هو بأن نجرده من القيم الروحية التي كان معاديا لها. ((ونحرره)) - كما يقول - من إطاره الإسلامي! تميزت كتابات طه حسين بما يلي: ١_ المجافاة لروح البحث العلمي الصحيح: من الواضح أنه لم يكن من الميسور له أن يستعين بأدوات البحث العلمي، من هنا اكتفى بالنقد الأدبي الذي يقوم على الذوق، والقصة التي تقوم على الخيال، والاستعراض التاريخي والسياسي الذي يستطيعه كل من يمسك بالقلم كما يقول أنور الجندي! وفي الجامعة المصرية يقول أستاذه الشيخ محمد المهدي: "إن رأس هذا الفتى كالقدر الفارغة تحتها النار تتلظى فلا هو يشفق على القدر فيملؤها بما يقيها جور النار، ولا هو يبقى على النار إلى أن يتسنى لها الانتفاع بها في الوقت المناسب" [١٦] . وفي الحقيقة إن استعراض النتائج النقدي لطه حسين، يوقفنا على حقيقة خطيرة ومؤسفة، وهي أنه كان في نقده يسير على غير قواعد. كان يكتفي بما يسميه هو نقدا ذوقيا. ومتى كان النقد ذوقا مجردا بلا دراسة؟ ومتى كان الذوق دستورا عاما يستوي فيه كل الناس، حتى تكون الأحكام الصادرة على أساسه أحكاما نهائية وعامة ولها صفة الثبات والصدق؟ هذا ما عابه عليه صديق عمره والمدافع عنه ضد الثائرين عليه عباس العقاد: "نرى الدكتور يقول مرة: إن أصول النقد الأدبي واحدة، قد وضعها اليونان قديما وفرغوا منها، وتلقاها منهم الإنجليز كما تلقاها منهم الفرنسيون فهم لا يختلفون. ثم أراه يقول بعد أشهر قليلة: إن النقد ليس له أصول مقررة عند الناقد، فضلا عن الأمم الكبيرة والعصور الكثيرة، وأن الناقد يستحسن أو يستهجن، والمرجع إلى ذوقه وحده في استحسانه أو استهجانه! " [١٧] .

стр. 6471

وأخطر من هذا أن ينقلب ذوق الناقد إلى صكوك للغفران، بحيث يعطي البركة لهذا وجواز العبور لذاك، أو ينصب من نفسه حاكما عاما في دولة الأدب، يأمر وينهى، ويكافئ ويضطهد، ويقرِّب ويبعد.. ويميل في معظم أحكامه مع الهوى. وهذا هو أيضا ما فعله طه حسين. يقول إسماعيل الأدهم: "والدكتور طه في نقده للمؤلفات العصرية، والأدباء والشعراء المعاصرين يميل كثيرا مع هواه، لأنه يعتبر النقد عملا أدبيا محضا. فيعمل على إظهار تذوقه، وتتجلى شخصيته بأغراضها وأهوائها في نقداته، ومن السهل أن تكتشف عواطف الدكتور وميوله بل أهواءه وأغراضه من السهل تستكشف أنه متأثر بالحب في هذا الفصل وبالصداقة في هذا الفصل، والبغض والحسد في ذياك الفصل. ومن هنا يرى الكثيرون أنه ليس بعالم، ولا يستطيع أن يكون عالما" [١٨] . ولعل هذا الاتجاه القائم على الميل مع الهوى هو الذي دفع طه حسين إلى أن يغير كثيرا من آرائه فجأة وبلا مقدمات، ولذلك سنجده ينقض اليوم ما بناه بالأمس، كالتي نقضت غزلها من بعد قوة أنكاثا. وما ينبغي للكاتب الذي يحترم نفسه وفكره وعقل القارئ له أن يبدي أحكاما فجة لم تستقر في عقله ولم تنضج في تفكيره!! ٢- اتجاهه إلى الإباحية والأدب المكشوف: إن الدعوة القوية المشبوهة، التي اتجه بها طه حسين إلى فصل دراسة الأدب العربي عن الفكر الإسلامي، وظل يلح إلحاحا عجيبا في الدعوة إليها لم يناد بها عبثا، ولم يطالب بتطبيقها مطالبة ذاهبة في الهواء. وإنما كانت هذه الدعوة ستارا فاجرا يخفى من ورائه عملياته الإباحية الداعرة، التي تنطلق من مبدأ الحرية في التعبير الأدبي! ويا أيتها الحرية..! كم من الفضائح في دنينا ترتكب باسمك!! انطلق طه حسين باسم الحرية الفكرية يطالب بترك الأبناء على هواهم في طريق حياتهم، وإعطائهم ما يسمى بحق التربية الاستقلالية الحرة ...

стр. 6472

ودعا إلى مطالبة المرأة بالثورة على الرجل، ومخالفتها له، وخروجها على ولايته.. وتشجيع الفتاة على ممارسة جميع أنواع الحرية وتحطيم التقاليد الشرقية.. (أي الآداب الإسلامية) .. ولا شك أنه، بما استطاع أن يتشرّبه من عادات الغرب في فرنسا، وبما اقتبسه من تقاليد الغرب منذ اقترن بزوجته الفرنسية في باريس، وأنجب منها ولده الذي أسماه اسما فرنسيا هو ((كلود)) _ لا شك أنه بذلك أقدر على تعليمنا كيف يكون التنكر للدين، والتقاليد، والقيم والفضائل الإسلامية. ونحن نتساءل: لمصلحة من، يشيع الدكتور في دراسته للعصر العباسي، أنه كله كان عصر شك وزندقة وفجور ومجون. ويتخذ من شعراء معينين ذوي ميول غزلية وجنسية أعلاما منشرة لهذا العصر كله، مسقطا من حسابه كل الاتجاهات الدينية والحماسية والحكمية وأشعار البطولة وأبيات الزهد.. الخ؟ لا غرو أن الناقد الذي يتخذ من كتاب الأغاني ونحوه مصادر رئيسية لنقده الذوقي وإنتاجه الأدبي - ويقضي جل أوقاته مع النتائج الرخيص لأبي نواس، ومسلم بن الوليد، ووالبة بن الحباب، وأمثالهم من شعراء العبث - لا يتوقع منه إلا أن يطلق هذه الغثاثات التي لا تثبت للنقد، ولا تستحق أن تناقش لأن زيفها واضح حتى للمبتدئين في دراسة الأدب [١٩] . وليس يصح في الأذهان شيء إذا احتاج النهار إلى دليل اعتناقه مبدأ الشك الديكارتي هل يمكن أن يصل الإنسان عن طريق الشك إلى اليقين؟ هذا هو السؤال الخطير الذي أجاب عنه طه حسين بالإيجاب. بل وجعل منه منهجا علميا، إلتزمه في دراساته الأدبية، وتعصب له تعصبا شديدا. والمهم أن نقرر كما قرر هو: أن هذا المنهج لم يصطنعه من عند نفسه، بل جارى فيه الفيلسوف الفرنسي ((ديكارت)) صاحب ((الكوجيتو)) الفرنسي المشهور.. (أنا أفكر، فأنا موجود.. (je pense, donc je suis) .

стр. 6473

وإذا تأملنا هذا المنهج بعمق، ووقفنا عنده طويلا، لوجدناه يتضمن عمليتين ذهنيتين، إحداهما يقينية، وهي النقض أو الهدم. وثانيهما محتملة، وهي البناء أو اليقين. فالمفكر الفرنسي يفرغ ذهنه تماما من أي فكرة معارضة أو مؤيدة لموضوع بحثه، ثم يبدأ في محاولة البناء من جديد، وهي عملية أشبه ما تكون بالولادة العسرة. فالهدم أسهل ما يكون بضربة معول، بينما البناء يتطلب أدوات وخبرات عديدة ووقتا طويلا وعملا شاقا حتى يرتفع البناء مرة أخرى. ثم إن هناك مدى محدودا يمكن أن يتحرك فيه هذا المبدأ الشكاك. أما إذا اقتربنا من المقدسات الدينية، والنصوص الثابتة من الكتاب أو السنة. فأي منطق يجيز لمفكر أو باحث مهما علا كعبه في ميدانه أن يستخدم مبدأ الشك الديكارتي كما يستخدم الجراح المشرط في تشريح النصوص وتمزيقها وتفريق وحدتها وهدم مضموناتها؟ إن دون ذلك خرط القتاد!. لقد بلغ هَوَس الدكتور بتطبيق مبدأ الشك أن جرّبه في كل شيء.. - في إنكار الشخصيات التاريخية، حتى وإن أثبتها القرآن والتوراة والإنجيل. كما فعل في إنكار الوجود التاريخي لإبراهيم وإسماعيل ﵉. - في النسب الصحيح للشاعر المتنبي حين ادعى أنه لقيط! - في الحقائق الثابتة.. حين أنكر عروبة مصر وساق الأباطيل التي يرددها المستشرقون لتأييد هذا الإنكار. - في وجوب تعظيم النسب الشريف، حين قال: "فلأمر ما، اقتنع الناس بأن النبي يجب أن يكون صفوة بني هاشم، وأن يكون بنو هاشم صفوة بني عبد مناف، وأن يكون بنو عبد مناف صفوة بني قصي، وأن تكون قصي صفوة قريش، وقريش صفوة مضر، ومضر صفوة عدنان، وعدنان صفوة العرب، والعرب صفو الإنسانية كلها" [٢٠] ! - في إنكار الشعر الجاهلي جملة وتفصيلا وهو ديوان العرب، ومصدر ثقافتهم وموضع فخرهم وسجل انتصاراتهم، وتاريخهم المنبئ بأحوالهم في سلمهم وحربيهم، في حلهم وترحالهم، في غدوهم ورواحهم.

стр. 6474

وفي معرض الرد على مذهب الشك الذي انتهجه طه حسين يقول الأستاذ الغمراوي: "إن الغرب نجا من أن يحاول هدم تاريخه أو تاريخ لغاته هادم عن طريق الشك غير العلمي: لسيادة الرأي العلمي فيه.. واستحواذ الروح العلمي على أهله.. أما الشرق، فليس له مثل هذين السياجين يردّان عنه عادية هذا الباطل الذي يهاجمه باسم الحق، ولا هذا الشك الذي يريد أن يداخله باسم العلم، ولا هذا الهدم والتعطيل اللذين يكرّ عليه بهما نفر من أهله باسم التجديد! ومهما يكن من موقف المؤرخين في الشرق أو في الغرب حيال مبدأ الشك المطلق فإن العلماء لا يأخذون به، وإن العلم لا يقرّه ولا يمكن أن يقره.." [٢١] . إن منهج الشك الذي اتخذ منه صاحبنا الشكاك هذا معولا يهدم به التراث العربي والإسلامي، وسلاحا يحاول به تمزيق عقائد الأمة وأخلاقها لا يصلح أن يكون طريقا علميا منهجيا يسلكه الباحثون عامة والباحثون المسلمون خاصة.. وبحسب المرء منا أن يسأل نفسه: هل يمكنه أن يشك لحظة واحدة فيما جاء في كتاب الله سبحانه أو سنة رسوله ﷺ ؟ وهل يمكن أن يوصله الشك في الحقائق الثابتة الوطيدة إلا إلى هوة الضياع الأبدي؟ وهل استطاع أن يتوصل من شكه هذا إلى الإيمان، سيما والكل يعلم أن طه حسين ظل يتاجر بتصريحاته الدينية وكتبه التي يزعمها إسلامية إلى آخر حياته؟ إن الدعوة الإسلامية في غنى عن هذا كله. إن قضية الإيمان لا يهزها ولا يؤثِّر فيها مُدَّعُو الإيمان، والمتاجرون بعقائد المسلمين، ولكن الأمور يجب أن توضع في نصابها الصحيح، فلينهض أُسُودُ الدعوة لينفوا أمثال هذا المأجور الراحل من صفوفهم كما ينفي الكير خبث الحديد!

стр. 6475

يقول الأستاذ العدوي: "كيف يقدس الحق من يجد في الشك لذة؟ أم كيف يطمئن للحقائق من يجد في القلق والاضطراب رضا؟ إذا كان الشك يلذ للدكتور وأمثاله من المجددين، والاضطراب تستريح إليه نفسه، فكيف يستنتج مجهولا من معلوم، وينتقل من مقدمات إلى نتائج، ومن مبادئ إلى غايات؟ وهل إذا وضحت أمام الدكتور المقدمات وتجلت الحقائق، يأمن أن تساوره شهوة الشك، أو تملك عليه أمره لذة القلق والاضطراب؟ " [٢٢] . ملاحظات حول منهج البحث الذي ارتضاه المؤلف من المعروف جيِّدا لدى الباحثين [٢٣] أنه لا بحث بدون منهج، ولا منهج بدون هدف. وهناك أساسيات لدى المشتغلين بالبحث العلمي، وهي أشبه ما تكون بالدستور العام، الذي يتضمن عددا من القواعد الكلية، التي بدونها لا يمكن وضع البحث أيّاً كان صاحبه في دائرة البحوث العلمية المحترمة. ونحن الآن بصدد المناقشة لبعض الجوانب التي أغفلها الباحث المخلص الأستاذ أنور الجندي، رغم علو كعبه ورسوخ قدمه في الدراسات الأدبية والإسلامية بصفة عامة: _ ١ _ إن أكبر ما يعاب به الباحث ألاّ يحيل القارئ على المراجع المتخصصة التي استقى منها مادته العلمية. ومؤلفنا ينقل عن العقاد ما يقرب عن صفحة كاملة (ص١٨٤) من كتابه دون أن يقول لنا من أين استقى كلام العقاد هذا، لعل القارئ يبغي الاستزادة أو الرجوع إلى الأصل المنقول عنه. وينقل مثل هذا عن السيد محب الدين الخطيب (ص١٨٥) دون ذكر المرجع ومثل هذا كثير في كتابه، إذ يقول مثلا ص٢٠٢: "وقد دمغه صديق عمره الأستاذ أحمد أمين بهذا التحول والتناقض حين قال في إحدى مقالاته.."والسؤال هنا: أين، ومتى.. قال الأستاذ أحمد أمين ذلك؟؟. _ ٢ _ ومن المعروف أيضا في علم مناهج البحث، وفي علم مصطلح الحديث، أن عدم ذكر الراوي يضعف من صحة الرواية. ومن أجل هذا لا يمكن قبول مثل هذه العبارة التي أوردها المؤلف ص١٨٦:

стр. 6476

"ويتفق هذا مع ما قاله بعض المقربين إليه: لا أدري الزيات، أم أحمد أمين أم غيرهما.." إذا كنت لا تدري مصدر الخبر، فعلى أي أساس أوردته؟ ومثل ذلك قوله ص١٧١: "ويقول أحد الباحثين الأعلام.."أحد الباحثين الأعلام، ولا ندري من هو؟ لماذا؟ هل يخجل أن يصرح لنا باسمه؟؟ _ ٣ _ ومما يخدش منهج الباحث أن يذكر في صلب بحثه ما يجب أن يذكره في الحاشية. وهي مسألة يجب أن ينتبه إليها الباحثون أجمعهم، لأن ذلك يوقع الباحث في بلبلة وحيرة ويعطل الانتفاع المرجو من البحث بالطريقة العلمية المفيدة. فهو يقول في الصفحة الثانية بعد المائتين: _ ٤ _ "كتب الدكتور زكي مبارك في ١١ نوفمبر ١٩٣٢م في جريدة البلاغ تحت عنوان: الحديث ذو شجون". والمفروض أن يذكر المرجع وصاحبه وتاريخ في هامش الصفحة كما هو المتبع لدى الباحثين. يقتضي منهج البحث الصحيح أن يقسّم الكتاب من الناحية الموضوعية تقسيما في غاية الدقة، بحيث يكون أشبه بالبناء الهندسي المتماسك، الذي يرتبط بعضه ببعض في قوة وإحكام، وذلك يقتضي ألا يكون فيه تكرار، ولا يحدث في مادته العلمية تداخل، ولكننا نجد المؤلف يكرر الكثير من العبارات في أجزاء مختلفة من الكتاب لأدنى ملابسة، وكان يكفي الإشارة إلى موضعها من الكتاب نفسه. وهذه أمثلة مكررة: - اتهام طه حسين للمتنبي بأنه لقيط صفحات ٢١٣، ٢١٥. - مبالغة طه حسين في حديثه عن ديكارت ٢١٦، ١٨٩، ٢٠٨. - إنكار الدكتور الوجود التاريخي لإبراهيم وإسماعيل ﵉ صفحات ٦، ٢٠٩، ٢٢٠، ٢٥٥. - تشكيكه في فضل النسب الشريف صفحات ١٧٥، ٢٢٠. - تقرير لجنة الأزهر المشكَّلة لدراسة كتاب الشعر الجاهلي صفحات ١٧٦، ٢٢١. - تقليد العقاد إمارة الشعر ثم نكران ذلك صفحات ١٨٩، ٢٥٢. - رأي العقاد في طريقة البحث عند طه حسين صفحات ١٨٥، ٢٠١.

стр. 6477

- رأي د. عمر فروخ في أسلوب الدكتور صفحات ٢٠١، ٢٠٧. - أقوال تكررت نسبتها إلى د. إسماعيل أدهم، وفتحي غانم، وعبد الحميد السحار، ومحمود مراد صفحات ١٩٨، ٢٥٨. _ ٥ _ من المعروف جيدا لدى الباحثين أن كل باحث مسئول عن الآراء والعبارات التي ينقلها عن غيره. كما أن سكوته عنها معناه أنه موافق على ما جاء فيها من ناحية الشكل ومن ناحية المضمون كذلك. وقد جرت العادة أن يعلق الباحث على ما ينقله من آراء لغيره، وقد يكون هذا التعليق في صورة تصحيح لبعض المعلومات الواردة، في النص المنقول، أو اعتراض مصحوب بالدليل على أجزاء منه، أو استكمال لنقص ورد فيه من الناحية العلمية أو الموضوعية البحتة، أو تصحيح لبعض الأخطاء المطبعية أو الإملائية أو النحوية بالفقرة موضع الاستشهاد. وقد نقل مؤلف الكتاب عددا من النصوص التي وجدت فيها بعض الأخطاء، وكانت الأمانة العلمية تقتضي تصويب هذه الأخطاء، أو التعليق عليها بما يفيد إدراك المؤلف لموضع الخطأ فيها. وهذه بعض الأمثلة التي أوردها مع الإشارة إلى موضعها من الكتاب، وصواب ما رأيته صوابا: - جاء بالكتاب ص ١٩٨ (منسوبا إلى فتحي غانم) : هل طه حسين ملحد أم مؤمن. وصوابها: ملحد أو مؤمن. - وجاء منسوبا إلى طه حسين نفسه ص ٢٠٠ أنا كمسلم أعلن أني. وصوابها: أنا باعتباري مسلم (لأن الإنسان لا يشبه بنفسه) . - ونقل عن الدكتور عبد الحميد سعد ص ٢٢٧: ومن يتبع حياته العلمية وجد. . والصواب: ومن يتتبع حياته العلمية يجد. . - ونقل عن اللواء شيت خطاب ص ١٧٣: إن الله يقول: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ...﴾ . وصوابها: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ سورة الحجر: آية رقم (٩) . - وكما نقل عن الأستاذ عبد المنعم مراد ص ٢١٧. على هؤلاء النقاد الفضوليون.

стр. 6478

وصوابها: على هؤلاء النقاد الفضوليين. - وجاء منسوبا إلى طه حسين قوله ص ١١٦: كما يقول الفرنسيين. والصواب: كما يقول الفرنسيون. - وجاء منسوبا إلى ((جريدة الشعب)) ص ١٣٨: ليس حرب على الدين فقط. . والصواب: ليس حربا على الدين فقط. عبارات مضيئة من الطرق المهمة للاستفادة بما يقرأ: تركيز الانتباه على عبارات بعينها، وإعادة مطالعتها والتأمل كثيرا في مضمونها. ذلك لأن أمثال هذه العبارات يعد بمثابة ((مفاتيح الإنارة العلمية)) التي تكشف لك العديد من الاتجاهات، وتنير لك الكثير من دروب الفكر، وتكون في يدك بمثابة العلامات الهادية على طريق البحث العلمي. ولقد أعجبني من هذه العبارات ما يلي: إنه كما قال البعض: "أنكر كثيرا ولم يثبت شيئا". ونحن نعرف أن إثارة الشكوك، وتركها معلقة دون إجابات صحيحة هو لب المنهج التلمودي الذي يسيطر الآن على الفكر الغربي الحديث ص ٢٠١ وجاء بالكتاب، نسبة إلى د. زكي مبارك: "إن الأستاذية في الأدب عبء ثقيل لا ينهض به إلا الأقلون. وهي تفرض الاطلاع الشامل على خير ما أبدع العرب في خمسة عشر قرنا، وهي تفرض البصر الثاقب بأصول الأساليب وهي تفرض العناء المطلق في التعرف على فحول الكتاب والخطباء والشعراء". ص٨٤. ويقول المؤلف: "إن التجارب العديدة أثبتت أن الفنيين في التعليم لم يكونوا إلا قسسا أمثال دنلوب، أو مستشرقون متصلون [٢٤] بالكنائس أو الاستعمار الغربي، ولم يكن هناك الفنيون المتجردون من الهوى والغاية، الذين يفهمون كيف يكون التعليم في بلد مسلم، وليس عندهم إلا مناهج الإرساليات وهي موجودة والحمد لله!! في مصر، والعالم العربي بوفرة، وقد نقلت مناهجها إلى المدارس الوطنية منذ قدوم دنلوب عام ١٨٨٦م تقريبا" ص ١٠٤. وجاء بالكتاب أيضا قول المؤلف: "إن طه حسين قد تعلم فيما تعلم شيئا هاما [٢٥] جدا بعد التجارب المريرة:

стр. 6479

ألا يهاجم الدين - بل يهاجم - المؤسسات والأفراد. فهو حينما يهاجم الأزهر إنما يهاجم الإسلام من الداخل وذلك أسلوب كانت له آثار بعيدة في خلق جوّ من استهانة الناس بعلماء الإسلام، والنظر إليهم على أنهم ليسوا أهلا لأن يقدّموا التوجيه للمسلمين. . " ص ١٠٧. ونقول: هذا ما فعله طه حسين حين هاجم الأزهر وطالب المسئولين بإلغائه وإلغاء المعاهد الدينية العلمية، وتوحيد التعليم على أساس مدني بحت، وجعل الأزهر كلية لاهوتية فقط على النظام الأوربي، فهل أغناه ذلك شيئا في قدومه على ربه سبحانه؟ [٢٦] . وبعد. . فإن هذا كتاب جدير بالقراءة لأن هناك آخرين يحملون راية طه حسين ويرددون نفس أقواله، ﴿وَلا تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَى خَائِنَةٍ مِنْهُمْ إِلا قَلِيلاً مِنْهُمْ﴾ فلتكن أعينكم مفتوحة على الخطر مهما كان مصدره، ولتكن رؤوسكم مرفوعة في وجه المنحرفين والمشككين مهما كان حجمهم ووزنهم. ولتكن عقولكم مفتوحة على كل الثقافات لمعرفة الصحيح منها والفاسد، ﴿لِيَمِيزَ اللَّهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ﴾ . وطوبى لمن عرف الحق فاتبعه، وعرف الباطل فاقتلعه، فإنما ينتصر الإسلام بجنود يتحدون الضلال فيصرعونه ولا يتركونه حتى يصرعهم. -------------------------------------------------------------------------------- [١] سورة البقرة (٢٠٤_٢٠٥) . [٢] انظر ص١٧٨ من كتاب (طه حسين في ميزان الإسلام) دون تحديد المصدر الذي نقل عنه المؤلف. [٣] أنور الجندي: طه حسين في ميزان الإسلام ص١٧٨ دون ذكر المصدر. [٤] تعالى الله عما يقولون علوا كبيرا. [٥] لم يذكر المؤلف مصدر هذه العبارة مع الأسف. [٦] الصواب: باعتباره جزءا؛ لأن الشيء لا يشبه بنفسه هو خطأ نحوي فاضح لعميد الأدب. [٧] راجع الفكرة كلها في كتابه (مستقبل الثقافة في مصر) .

стр. 6480

[٨] سورة الأنعام (١٦٢،١٦٣) [٩] الصواب: الذي. فالواو هنا لا ضرورة لها، لأن الشيء لا يعطف على نفسه. ومعذرة عن التطاول على مقام عميد الأدب بإصلاح أخطائه اللغوية. [١٠] صحيفة كوكب الشرق المصرية (١٢_ أغسطس ١٩٣٣م) [١١] انظر خاتمة الكتاب موضوع بحثنا. [١٢] أرجو أن يتنبه أبناء كلية القرآن الكريم في الجامعة الإسلامية بخاصة إلى هذه المطاعن والشُبَه وأن يتعقبوها في مظانها ليقضوا عليها، لأنها شُبَه ومطاعن لا تموت بموت صاحبها ولكنها تتجدد كلما استشرى نشاط المبشرين الهدام، أو كلما نعق ناعق من أرباب الفتنة في الصحافة المأجورة أو عبر الإذاعات السامة. [١٣] طه حسين: في الشعر الجاهلي ص٢٦. وقد أثار هذا الكتاب سخط جميع أفراد الأمة على مؤلفه، وطرد بسببه من الجامعة، وما أغنى عنه شيئا إن عاد فاعترف بأنه مؤمن بالله ورسوله وملائكته وكتبه واليوم الآخر، لأنه إيمان على طريقة فرعون، ولذا رد عليه الشيخ الأزهري عبد ربه مفتاح بمقال عنوانه: الآن وقد عصيت قبل؟؟ انظر صحيفة الأهرام القاهرية الصادرة في ١٢ مايو ١٩٢٦م. [١٤] صحيفة كوكب الشرق (٢٧-١١-١٩٢٨م) وقد نشر البحث المذكور في عدد هذه الصحيفة الصادرة بتاريخ (١٥ من أكتوبر عام ١٩٢٨م) ونشرته الأهرام القاهرية أيضا كما ستأتي الإشارة إلى ذلك. [١٥] يستخدم الدكتور كلمة (الهروب من المناقشة) ليبرهن على بعده عن التأدب مع كتاب الله تعالى. فيا حسرتنا على العباد الذين يتخذون من التخريف أمارة على جودة التأليف، ويسمونه - كذبا وبهتانا -: عميد الأدب.. [١٦] أنور الجندي: طه حسين ص٨٦. [١٧] المرجع ص١٨٥. [١٨] المرجع ص١٨٢. [١٩] ملأ طه حسين كتابه (حديث الأربعاء) _ الذي كتبه على غرار (أحاديث الاثنين) للناقد الفرنسي (سانت بيف) مع الفارق الكبير بين الرجلين _ بأخبار المجان وشعراء الغزل وأخبار المحبين وأفرط في ذلك إلى حد مقبول.
следующие страницы →