← Джавами‘

Джавами‘ · id 4473

مجلة الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (23 804 стр.). Показаны 6476–6515 · переход к 6481.

стр. 6476

"ويتفق هذا مع ما قاله بعض المقربين إليه: لا أدري الزيات، أم أحمد أمين أم غيرهما.." إذا كنت لا تدري مصدر الخبر، فعلى أي أساس أوردته؟ ومثل ذلك قوله ص١٧١: "ويقول أحد الباحثين الأعلام.."أحد الباحثين الأعلام، ولا ندري من هو؟ لماذا؟ هل يخجل أن يصرح لنا باسمه؟؟ _ ٣ _ ومما يخدش منهج الباحث أن يذكر في صلب بحثه ما يجب أن يذكره في الحاشية. وهي مسألة يجب أن ينتبه إليها الباحثون أجمعهم، لأن ذلك يوقع الباحث في بلبلة وحيرة ويعطل الانتفاع المرجو من البحث بالطريقة العلمية المفيدة. فهو يقول في الصفحة الثانية بعد المائتين: _ ٤ _ "كتب الدكتور زكي مبارك في ١١ نوفمبر ١٩٣٢م في جريدة البلاغ تحت عنوان: الحديث ذو شجون". والمفروض أن يذكر المرجع وصاحبه وتاريخ في هامش الصفحة كما هو المتبع لدى الباحثين. يقتضي منهج البحث الصحيح أن يقسّم الكتاب من الناحية الموضوعية تقسيما في غاية الدقة، بحيث يكون أشبه بالبناء الهندسي المتماسك، الذي يرتبط بعضه ببعض في قوة وإحكام، وذلك يقتضي ألا يكون فيه تكرار، ولا يحدث في مادته العلمية تداخل، ولكننا نجد المؤلف يكرر الكثير من العبارات في أجزاء مختلفة من الكتاب لأدنى ملابسة، وكان يكفي الإشارة إلى موضعها من الكتاب نفسه. وهذه أمثلة مكررة: - اتهام طه حسين للمتنبي بأنه لقيط صفحات ٢١٣، ٢١٥. - مبالغة طه حسين في حديثه عن ديكارت ٢١٦، ١٨٩، ٢٠٨. - إنكار الدكتور الوجود التاريخي لإبراهيم وإسماعيل ﵉ صفحات ٦، ٢٠٩، ٢٢٠، ٢٥٥. - تشكيكه في فضل النسب الشريف صفحات ١٧٥، ٢٢٠. - تقرير لجنة الأزهر المشكَّلة لدراسة كتاب الشعر الجاهلي صفحات ١٧٦، ٢٢١. - تقليد العقاد إمارة الشعر ثم نكران ذلك صفحات ١٨٩، ٢٥٢. - رأي العقاد في طريقة البحث عند طه حسين صفحات ١٨٥، ٢٠١.

стр. 6477

- رأي د. عمر فروخ في أسلوب الدكتور صفحات ٢٠١، ٢٠٧. - أقوال تكررت نسبتها إلى د. إسماعيل أدهم، وفتحي غانم، وعبد الحميد السحار، ومحمود مراد صفحات ١٩٨، ٢٥٨. _ ٥ _ من المعروف جيدا لدى الباحثين أن كل باحث مسئول عن الآراء والعبارات التي ينقلها عن غيره. كما أن سكوته عنها معناه أنه موافق على ما جاء فيها من ناحية الشكل ومن ناحية المضمون كذلك. وقد جرت العادة أن يعلق الباحث على ما ينقله من آراء لغيره، وقد يكون هذا التعليق في صورة تصحيح لبعض المعلومات الواردة، في النص المنقول، أو اعتراض مصحوب بالدليل على أجزاء منه، أو استكمال لنقص ورد فيه من الناحية العلمية أو الموضوعية البحتة، أو تصحيح لبعض الأخطاء المطبعية أو الإملائية أو النحوية بالفقرة موضع الاستشهاد. وقد نقل مؤلف الكتاب عددا من النصوص التي وجدت فيها بعض الأخطاء، وكانت الأمانة العلمية تقتضي تصويب هذه الأخطاء، أو التعليق عليها بما يفيد إدراك المؤلف لموضع الخطأ فيها. وهذه بعض الأمثلة التي أوردها مع الإشارة إلى موضعها من الكتاب، وصواب ما رأيته صوابا: - جاء بالكتاب ص ١٩٨ (منسوبا إلى فتحي غانم) : هل طه حسين ملحد أم مؤمن. وصوابها: ملحد أو مؤمن. - وجاء منسوبا إلى طه حسين نفسه ص ٢٠٠ أنا كمسلم أعلن أني. وصوابها: أنا باعتباري مسلم (لأن الإنسان لا يشبه بنفسه) . - ونقل عن الدكتور عبد الحميد سعد ص ٢٢٧: ومن يتبع حياته العلمية وجد. . والصواب: ومن يتتبع حياته العلمية يجد. . - ونقل عن اللواء شيت خطاب ص ١٧٣: إن الله يقول: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ...﴾ . وصوابها: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ سورة الحجر: آية رقم (٩) . - وكما نقل عن الأستاذ عبد المنعم مراد ص ٢١٧. على هؤلاء النقاد الفضوليون.

стр. 6478

وصوابها: على هؤلاء النقاد الفضوليين. - وجاء منسوبا إلى طه حسين قوله ص ١١٦: كما يقول الفرنسيين. والصواب: كما يقول الفرنسيون. - وجاء منسوبا إلى ((جريدة الشعب)) ص ١٣٨: ليس حرب على الدين فقط. . والصواب: ليس حربا على الدين فقط. عبارات مضيئة من الطرق المهمة للاستفادة بما يقرأ: تركيز الانتباه على عبارات بعينها، وإعادة مطالعتها والتأمل كثيرا في مضمونها. ذلك لأن أمثال هذه العبارات يعد بمثابة ((مفاتيح الإنارة العلمية)) التي تكشف لك العديد من الاتجاهات، وتنير لك الكثير من دروب الفكر، وتكون في يدك بمثابة العلامات الهادية على طريق البحث العلمي. ولقد أعجبني من هذه العبارات ما يلي: إنه كما قال البعض: "أنكر كثيرا ولم يثبت شيئا". ونحن نعرف أن إثارة الشكوك، وتركها معلقة دون إجابات صحيحة هو لب المنهج التلمودي الذي يسيطر الآن على الفكر الغربي الحديث ص ٢٠١ وجاء بالكتاب، نسبة إلى د. زكي مبارك: "إن الأستاذية في الأدب عبء ثقيل لا ينهض به إلا الأقلون. وهي تفرض الاطلاع الشامل على خير ما أبدع العرب في خمسة عشر قرنا، وهي تفرض البصر الثاقب بأصول الأساليب وهي تفرض العناء المطلق في التعرف على فحول الكتاب والخطباء والشعراء". ص٨٤. ويقول المؤلف: "إن التجارب العديدة أثبتت أن الفنيين في التعليم لم يكونوا إلا قسسا أمثال دنلوب، أو مستشرقون متصلون [٢٤] بالكنائس أو الاستعمار الغربي، ولم يكن هناك الفنيون المتجردون من الهوى والغاية، الذين يفهمون كيف يكون التعليم في بلد مسلم، وليس عندهم إلا مناهج الإرساليات وهي موجودة والحمد لله!! في مصر، والعالم العربي بوفرة، وقد نقلت مناهجها إلى المدارس الوطنية منذ قدوم دنلوب عام ١٨٨٦م تقريبا" ص ١٠٤. وجاء بالكتاب أيضا قول المؤلف: "إن طه حسين قد تعلم فيما تعلم شيئا هاما [٢٥] جدا بعد التجارب المريرة:

стр. 6479

ألا يهاجم الدين - بل يهاجم - المؤسسات والأفراد. فهو حينما يهاجم الأزهر إنما يهاجم الإسلام من الداخل وذلك أسلوب كانت له آثار بعيدة في خلق جوّ من استهانة الناس بعلماء الإسلام، والنظر إليهم على أنهم ليسوا أهلا لأن يقدّموا التوجيه للمسلمين. . " ص ١٠٧. ونقول: هذا ما فعله طه حسين حين هاجم الأزهر وطالب المسئولين بإلغائه وإلغاء المعاهد الدينية العلمية، وتوحيد التعليم على أساس مدني بحت، وجعل الأزهر كلية لاهوتية فقط على النظام الأوربي، فهل أغناه ذلك شيئا في قدومه على ربه سبحانه؟ [٢٦] . وبعد. . فإن هذا كتاب جدير بالقراءة لأن هناك آخرين يحملون راية طه حسين ويرددون نفس أقواله، ﴿وَلا تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَى خَائِنَةٍ مِنْهُمْ إِلا قَلِيلاً مِنْهُمْ﴾ فلتكن أعينكم مفتوحة على الخطر مهما كان مصدره، ولتكن رؤوسكم مرفوعة في وجه المنحرفين والمشككين مهما كان حجمهم ووزنهم. ولتكن عقولكم مفتوحة على كل الثقافات لمعرفة الصحيح منها والفاسد، ﴿لِيَمِيزَ اللَّهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ﴾ . وطوبى لمن عرف الحق فاتبعه، وعرف الباطل فاقتلعه، فإنما ينتصر الإسلام بجنود يتحدون الضلال فيصرعونه ولا يتركونه حتى يصرعهم. -------------------------------------------------------------------------------- [١] سورة البقرة (٢٠٤_٢٠٥) . [٢] انظر ص١٧٨ من كتاب (طه حسين في ميزان الإسلام) دون تحديد المصدر الذي نقل عنه المؤلف. [٣] أنور الجندي: طه حسين في ميزان الإسلام ص١٧٨ دون ذكر المصدر. [٤] تعالى الله عما يقولون علوا كبيرا. [٥] لم يذكر المؤلف مصدر هذه العبارة مع الأسف. [٦] الصواب: باعتباره جزءا؛ لأن الشيء لا يشبه بنفسه هو خطأ نحوي فاضح لعميد الأدب. [٧] راجع الفكرة كلها في كتابه (مستقبل الثقافة في مصر) .

стр. 6480

[٨] سورة الأنعام (١٦٢،١٦٣) [٩] الصواب: الذي. فالواو هنا لا ضرورة لها، لأن الشيء لا يعطف على نفسه. ومعذرة عن التطاول على مقام عميد الأدب بإصلاح أخطائه اللغوية. [١٠] صحيفة كوكب الشرق المصرية (١٢_ أغسطس ١٩٣٣م) [١١] انظر خاتمة الكتاب موضوع بحثنا. [١٢] أرجو أن يتنبه أبناء كلية القرآن الكريم في الجامعة الإسلامية بخاصة إلى هذه المطاعن والشُبَه وأن يتعقبوها في مظانها ليقضوا عليها، لأنها شُبَه ومطاعن لا تموت بموت صاحبها ولكنها تتجدد كلما استشرى نشاط المبشرين الهدام، أو كلما نعق ناعق من أرباب الفتنة في الصحافة المأجورة أو عبر الإذاعات السامة. [١٣] طه حسين: في الشعر الجاهلي ص٢٦. وقد أثار هذا الكتاب سخط جميع أفراد الأمة على مؤلفه، وطرد بسببه من الجامعة، وما أغنى عنه شيئا إن عاد فاعترف بأنه مؤمن بالله ورسوله وملائكته وكتبه واليوم الآخر، لأنه إيمان على طريقة فرعون، ولذا رد عليه الشيخ الأزهري عبد ربه مفتاح بمقال عنوانه: الآن وقد عصيت قبل؟؟ انظر صحيفة الأهرام القاهرية الصادرة في ١٢ مايو ١٩٢٦م. [١٤] صحيفة كوكب الشرق (٢٧-١١-١٩٢٨م) وقد نشر البحث المذكور في عدد هذه الصحيفة الصادرة بتاريخ (١٥ من أكتوبر عام ١٩٢٨م) ونشرته الأهرام القاهرية أيضا كما ستأتي الإشارة إلى ذلك. [١٥] يستخدم الدكتور كلمة (الهروب من المناقشة) ليبرهن على بعده عن التأدب مع كتاب الله تعالى. فيا حسرتنا على العباد الذين يتخذون من التخريف أمارة على جودة التأليف، ويسمونه - كذبا وبهتانا -: عميد الأدب.. [١٦] أنور الجندي: طه حسين ص٨٦. [١٧] المرجع ص١٨٥. [١٨] المرجع ص١٨٢. [١٩] ملأ طه حسين كتابه (حديث الأربعاء) _ الذي كتبه على غرار (أحاديث الاثنين) للناقد الفرنسي (سانت بيف) مع الفارق الكبير بين الرجلين _ بأخبار المجان وشعراء الغزل وأخبار المحبين وأفرط في ذلك إلى حد مقبول.

стр. 6481

[٢٠] طه حسين: في الشعر الجاهلي ص٧٢. [٢١] محمد أحمد الغمراوي: النقد التحليلي لكتاب الأدب الجاهلي ص١٣٢. [٢٢] أنور الجندي: طه حسين ص٢٠٩. [٢٣] يجب أن ينتبه الطلاب المشتغلون بإعداد البحوث في الكليات الجامعية إلى هذه الملاحظات لأنها ضرورية لهم في إعداد بحوثهم، وما من شك أن الطريقة المنهجية هي أهم ما ينبغي أن ينتبه إليه طلاب الجامعة بعامة، وطلاب الدراسات العليا بخاصة. [٢٤] كذا بالأصل، والصواب: مستشرقين متصلين.. [٢٥] الصواب: مهما، ومن الأفضل تغيير كلمة (خلق) الواردة في الفقرة نفسها. [٢٦] راجع مقالة (الخطوة الثانية) صحيفة الجمهورية المصرية ٢١_١٠_١٩٥٥م وكانت الخطوة الأولى التي هلل لها وفرح بها هي إلغاء المحاكم الشرعية.

стр. 6482

حكم التعقيم ... وقطع النسل لسماحة الشيخ عبد العزيز بن عبد بن باز ماذا يقول علماء الإسلام وفقهاء الدين في مسألة تحديد النسل والتعقيم البشري وقطع عروق التناسل والرجولية لذلك برضى أو إكراه. هل يجوز في دين الله؟ بينوا أثابكم الله الجواب الشافي على ضوء الكتاب والسنة؟ فإن علماء بلادنا الهند قد اختلفوا في هذه المسألة فالبعض أحل والبعض حرم والبعض سكت فنحن مسلمو الهند حيارى في هذه المسألة لا ندري تمس ديننا أم لا؟ وهل يعتبر هذا العمل أي عمل تحديد النسل التدخل في دين المسلمين وديانتهم أم لا؟ وهل يجوز لأي حكومة تنادي بحرية الديانات وعدم التدخل في الشؤون الدينية أن تقوم بتحديد النسل على قدم وساق وتجهد المسلمين في ذلك بإرضاء أو إكراه؟ بينوا ووضحوا أجزل الباري ثوابكم. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته. السائل: أنوار أحمد خان بن ميجر مهر محمد خان الرئيس العام للحزب المسلم بنجاب ملبركوئلة. (بنجاب) الهند الحمد الله وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده وعلى آله وصحبه:

стр. 6483

أما بعد: فمن المعلوم بالضرورة من دين الإسلام أن هذا العمل المذكور في السؤال منكر وظلم للشعوب بل ظلم للبشرية جمعاء ولا يجوز لأية دولة إسلامية أو غيرها أن تقوم بذلك لأن التعقيم للرجال والنساء ظلم عظيم يترتب عليه فساد كبير وعواقب وخيمة وهو مخالف للأدلة الشرعية من الكتاب والسنة ومخالف للفطرة التي فطر الله عليها العباد ومخالف لما تقتضيه العقول الصحيحة التي ينشد أربابها المصلحة العامة للبشرية وإذا كان ذلك مع المسلمين ففيه من المضار العظيمة تقليل عددهم ضد عدوهم ومخالفة للأحاديث الصحيحة الثابتة عن رسول الله ﷺ التي أرشد فيها إلى الأخذ بأسباب كثرة النسل وقال إنه مكاثر بأمته الأمم يوم القيامة وفي ذلك من الفساد أيضا تقليل من يعبد الله وحده ويدعو إلى شرعه ويعين على إقامة العدل في الأرض وبالجملة فالتعقيم المذكور من أقبح الظلم وقد قال الله في سورة الفرقان: ﴿وَمَنْ يَظْلِمْ مِنْكُمْ نُذِقْهُ عَذَاباً كَبِيراً﴾ وقال النبي ﷺ : "اتقوا الظلم فإن الظلم ظلمات يوم القيامة" والأدلة على تحريم هذا التعقيم وأنه من أنواع الظلم المحرم فعله من الكتاب والسنة كثيرة جدا، فنسأل الله أن يهدي من فعل هذا الفعل المنكر إلى الرجوع إلى الصواب. وأن يوفق المسلمين في كل مكان لما فيه عزهم وجمع كلمتهم على الحق ونصرهم على من خالف أمر ربهم إنه سميع قريب وصلى الله وسلم على عبده ورسوله نبينا محمد ﷺ . الرئيس العام لإدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد عبد العزيز بن عبد الله بن باز

стр. 6484

نظرات في كتاب الله الكريم لفضيلة الشيخ حسين محمد المصري كانت مهمة القرآن الكريم والتشريع السماوي الحكيم إبان توالي نزول الآيات البيِّنات_ تركيز العقيدة السليمة في نفوس الناس ثم بناء الأحكام والتشريعات على العقيدة الحقة. وهذا الأسلوب الحكيم نجده واضحا في سياق سورة الحج التي اختتمها سبحانه بقوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ. وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ وَفِي هَذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيداً عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ هُوَ مَوْلاكُمْ فَنِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ﴾ . وقد تضمنت سورة الحج أمرين هامين أحدهما يتعلق بالله ﷻ وثانيهما يتعلق بالرسل عليهم الصلاة والسلام، وهذان الأمران هما أساس العقيدة السليمة الصحيحة، وجاءت الآيتان الكريمتان اللتان اختتمت بهما هذه السورة بمثابة النتيجة الصحيحة لهذه المقدمات التي أثبتت العقائد بأسلوب حكيم يخاطب القلب والعقل. والأمر الأول الذي ركزت عليه السورة الكريمة هو إثبات وجود الله سبحانه وقدرته المطلقة التي لا تحدها حدود، فهو القادر على أن يعيد الناس يوم البعث ليحاسبهم على ما قدموا في هذه الدنيا من خير أو شر، ويسير في التدليل على ذلك بتوضيح وإطناب يتناسب مع حال المنكرين للألوهية والبعث.

стр. 6485

﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ..﴾ الآيات ثم تخلص الآيات الكريمة من ذلك إلى نتائج حتمية، وعقائد لا بد أن تستقر في القلب نتيجة الإقناع المنطقي السليم. ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّهُ يُحْيِي الْمَوْتَى وَأَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ..﴾ . ﴿وَأَنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ لا رَيْبَ فِيهَا وَأَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَنْ فِي الْقُبُورِ﴾ . ويسوق سبحانه أدلة أخرى لتركيز العقيدة ثم يتبعها بالنتائج الثابتة. ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾ . ثم يعدد تعالت أسماؤه آيات قدرته ومظاهر رحمته في ثنايا أدلة وحدانيته ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَتُصْبِحُ الأَرْضُ مُخْضَرَّةً..﴾ . ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي الأَرْضِ وَالْفُلْكَ تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ﴾ . ثم ينكر عليهم عبادة غيره مع وضوح هذه الأدلة وكثرتها فيقول سبحانه: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَاناً وَمَا لَيْسَ لَهُمْ بِهِ عِلْمٌ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ﴾ . ثم يبين أن هذا الغير الذي يتجه إليه الضالون بالعبادة والتقديس ضعيف غاية الضعف لا يقوى على خلق ذبابة بل وأكثر من ذلك ضعفا أنه إذا سلبه الذباب شيئا لا يستطيع استرداده فهو إذن أضعف من الذباب فكيف يعبد هذا الضعيف من دون الله القوي القادر.

стр. 6486

﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَاباً وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئاً لا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ﴾ . أما الأمر الثاني، وهو مترتب على الأول، فهو إثبات نبوة، ورسالة الرسل عامة لتدخل فيها رسالة نبينا المصطفى ﵊ دخولا أوليّا فيقول سبحانه. ﴿اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلائِكَةِ رُسُلاً وَمِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾ . فقد أخذ سبحانه العهد على نفسه تفضلا ورحمة، أن يبين للناس طرق الخير من الشر، وأن يهديهم النجدين، وأن يبعث لهم الرسل مبشرين ومنذرين لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل كما أخذ العهد على نفسه ألا يعذب أحدا إلا بعد إقامة الحجة عليه بإرسال الرسل. ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً﴾ . فاصطفاء الرسل من الملائكة ومن الناس داخل في حدود قدرته، وهو تفضل ورحمة منه سبحانه حتى تسقط حجة الغاوين حين تصدمهم الحقيقة. والآن وقد ثبت بالحجة وحدانية الله سبحانه، وقدرته المطلقة على الإيجاد والإعدام والبعث والنشور والحساب والجزاء. وثبت أن الناس سيقسمون في الآخرة إلى قسمين يختصمان في ربهم، فالذين كفروا قطعت لهم ثياب من نار يصب من فوق رؤوسهم الحميم.. ﴿إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤاً وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ﴾ . وثبت بجوار ذلك أن الله سبحانه اصطفى من الملائكة ومن الناس رسلا يبشرون وينذرون.

стр. 6487

وجب نتيجة لهاتين العقيدتين المستقرتين في النفس المؤمنة أن تظهر آثارهما، وأن تترتب عليهما نتائجهما بأن تكون العبادة المطلقة والخضوع المطلق لهذا الإله القوي القادر الواحد الأحد، بالطريقة التي يرسمها عن طريق هؤلاء الرسل المصطفين فقال سبحانه. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ. وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِه﴾ . وقد تضمنت الآية الكريمة بعد ذلك أوامر أربعة، كل منها يعتبر أساسا ودعامة لهذا الدين المتين. وقد أحاطت الأوامر الأربعة بأنواع التكليف. منها أمران ينظمان العلاقة بين العبد وربه، وهي أساس الإيمان الصادق، والأمران الآخران يتعدى أثرهما ذلك إلى الناس، فينظمان العلاقة بين أفراد المجتمع لتتكون أمة فاضلة، تعمل لغاية، وتقصد لهدف، وهو تحقيق السعادة في هذه الحياة، وجعلها طريقا موصلا إلى الحياة، وجعلها طريقا موصلا إلى حياة أسعد، فيها الخلود الدائم، والنعيم المقيم. أما الأمران اللذان ينظمان العلاقة بين العبد وربه فأولهما قوله سبحانه ﴿ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا﴾ والمقصود بذلك صلوا وإنما عبر عن الصلاة بالركوع والسجود لأنهما أشرف أركانها، وليس هناك ركوع ولا سجود في غير الصلاة، والصلاة مناجاة بين العبد وربه، ترك للترابية المادية وتحليق بالنفس إلى عالم الروحانية المطلقة. ولذلك يقول ﵊: "أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد". ولقد تكرر الأمر بإقامة الصلاة والمحافظة عليها في غير ما آية من كتاب الله تنويها بشأنها، وتعريفا بفضلها. ﴿أَقِيمُوا الصَّلاةَ﴾ . ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطَى﴾ . ﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ﴾ .

стр. 6488

حتى جعلها رسول الله ﷺ فارقا بين المسلم والكافر، حيث يقول: "إن بين الرجل وبين الشرك والكفر ترك الصلاة". أخرجه مسلم. وفي قوله ﵊: "العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة فمن تركها فقد كفر". أخرجه الترمذي. وهذا التشديد من الرسول الكريم صلوات الله وسلامه عليه في أمر الصلاة ليس غريبا فهي عماد الدين، وهي أساس الصلة بين العبد وربه، فمن تركها جاحدا لها فقد كذّب الله ورسوله وخرج بذلك من نطاق المسلمين. أما من تركها كسلا وتهاونا فيخشى عليه من سوء الخاتمة، فقد جعل سبحانه الصلاة سببا في الاستقامة والبعد عن مواطن الزلل حيث يقول سبحانه: ﴿إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ﴾ والصلاة وإن كانت أهم مظاهر العبادة والخضوع المطلق للمعبود إلا أن هناك أنواعا أخرى من العبادة لا يجوز أن تهمل. فهناك الصدقة والحج والدعاء إلى غير ذلك من أنواع التقرب إلى الله سبحانه. ولذلك جعل هذا العموم في الأمر الثاني بقوله: ﴿وَاعْبُدُوا رَبَّكُم﴾ . وأصل العبودية الخضوع والذل، والتعبيد التذليل، ومنه طريق معبد أي مذلل، والخضوع المطلق والذلة الكاملة لا تكون لغير المنعم بأصل الحياة، وبجليل النعم ودقيقها فلتخضعوا له، ولتتقربوا إليه بكل ما يشرعه لكم من أوجه القرب، وأنواع العبادة، فهذا تعميم بعد تخصيص، فالصلاة المذكورة أولا داخلة في عموم الأمر بالعبادة، فكأن الأمر بها جاء مرتين. أما الأمران اللذان يتعدى أثرهما ذلك إلى الناس فأولهما قوله سبحانه: ﴿وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ .

стр. 6489

وفعل الخير دعامة من دعائم الحياة الراقية السعيدة، فالناس في هذه الحياة متفاوتون في قدراتهم، متفاوتون في مواهبهم، منهم القوي ومنهم الضعيف، منهم الغني ومنهم الفقير، منهم ذو الجاه والسلطان ومنهم الخِلْوُ منهما، الكل محتاج بعضهم إلى بعض، فكل فرد في الأمة يستطيع أن يضع لبنات في صرح مجدها سواء منهم القوي والضعيف والغني والفقير، ولذلك يدعو الإسلام الجميع إلى التسابق في الخيرات فيقول: ﴿فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ﴾ ويقول: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾ ثم يبين صفة هؤلاء المتقين الذين يستحقون هذه الجنة بأنهم خيِّرون بطبعهم ينفقون في السراء والضراء ويكظمون الغيظ ويعفون عن الناس. ويزيد ﵊ طرق الخير بيانا وتوضيحا ويضرب لذلك الأمثال فيقول: "من نفس عن مؤمن كربة من كرب الدنيا نفس الله عنه كربة من كرب يوم القيامة ومن يسر على معسر يسر الله عليه في الدنيا والآخرة، ومن ستر مسلما ستره الله في الدنيا والآخرة، والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه". ويقول: "اتقوا النار ولو بشق تمرة". فيدفع الناس إلى عمل الخير مهما كان ضئيلا، فالقليل إلى القليل كثير. بل ويجعل ﵊ واجبا على كل فرد في هذه الأمة المسلمة أن يبذل لغيره معروفا إن استطاع ليكون ذلك له بمثابة الجهاد. هذا أبو ذر جُندب بن جُنادة ﵁ يقول: "قلت يا رسول الله أي الأعمال أفضل، قال: "الإيمان بالله والجهاد في سبيله"، قلت: "أي الرقاب أفضل"، قال: "أنفسها عند أهلها وأكثرها ثمنا"، قلت: "فإن لم أفعل"، قال: "تعين صناعا أو تصنع لأخرق". قلت: "يا رسول الله أرأيت إن ضعفت عن بعض العمل". قال: "تكف شرك عن الناس فإنها صدقة منك على نفسك". ويعد الله العاملين، ووعده الحق، أن ثوابهم لن يضيع عنده.

стр. 6490

﴿إِنَّا لا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلاً﴾ وأن العمل مهما قلّ سيحفظ لصاحبه. ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ﴾ . وأنه سبحانه مطلع على جميع الأعمال ظاهرها وخفيها وسيجزي عليها ﴿وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ﴾ . ﴿وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ﴾ . والأمر الذي معنا يشمل كل خير يخطر على البال، ثم يبين سبحانه أن الحكمة في هذه الأوامر هي إرادة الخير والفلاح لمن يحافظ عليها فيقول: ﴿لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ . و ﴿لعّل﴾ في أصل وضعها تفيد الشك والرجاء والتوقع، وهذا يليق بحال المخاطبين وكأنه سبحانه يقول افعلوا الخير وأنتم ترجون وتتوقعون الفلاح. أو تكون ﴿لعل﴾ للتعليل فحسب مجردة عن الشك والرجاء، وهذا يليق بجانبه سبحانه وكأنه يقول: "افعلوا الخير لتنالوا الفلاح". والمقصود بالفلاح الفوز والبقاء والنجاة، النجاة من عذاب الله، والفوز برضاه والبقاء في رحمته وجنته، ومنه قوله سبحانه ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ﴾ . أي فازوا ونجوا، ومنه الدعوة في الأذان حيّ على الفلاح أي أقبلوا على ما فيه فلاحكم وفوزكم ونجاتكم. الأمر الثاني قوله سبحانه ﴿جَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ﴾ . أي جاهدوا في ذات الله من أجل مرضاته جهادا حقا. والجهاد مأخوذ من الجُهْد (ضم الجيم وفتحها) وهو الطاقة والوسع، أي ابذلوا جهدكم أي طاقتكم ووسعكم في الله من أجل مرضاته بذلا حقا وصدقا. والضمير في قوله: ﴿حَقَّ جِهَادِه﴾ راجع إليه سبحانه أي حق جهاد الله، وإضافة الجهاد إليه سبحانه لاختصاصه به، فالجهاد مختص بالله لأنه مفعول من أجله ولوجهه، ولذلك صحت الإضافة إليه.

стр. 6491

وقد اختلف في المقصود بالجهاد هل هو جهاد الكفار وقتالهم ونشر الدعوة بينهم؟ أو هو جهاد الظلمة والفساق بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؟ أو هو جهاد النفس والهوى وحملها على الخير والسداد؟ أو هو جهاد الشيطان برد وسوسته، والظلمة برد ظلمهم، والكافرين برد كفرهم؟. إلى غير ذلك من أنواع المجاهدة في الله. والجهاد بهذا المعنى العام أساس استقرار الحكم الصالح، يقول سبحانه: ﴿وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيراً﴾ . ولذلك ورد الحث على الجهاد وفروعه المختلفة في كثير من آي الكتاب العزيز وسنة المصطفى ﵊ ومن ذلك قوله سبحانه: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا﴾ . وهذا يفيد الجهاد العام كالآية التي معنا. وجاء في قتال المشركين قوله سبحانه: ﴿وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً﴾ . قوله سبحانه: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْداً عَلَيْهِ حَقّاً..﴾ . وقد سئل ﵊:"أي العمل أفضل؟ ". قال: "إيمان بالله ورسوله". قيل: "ثم ماذا؟ "قال: "الجهاد في سبيل الله". قيل: "ثم ماذا؟ ". قال: "حج مبرور". وروى البخاري أن رجلا قال: "يا رسول الله دلني عن عمل يعدل الجهاد". قال: "لا أجد". ثم قال: "هل تستطيع إذا خرج المجاهد أن تدخل مسجدك فتقوم ولا تفتر، وتصوم ولا تفطر؟ ". قال: "ومن يستطيع ذلك؟ ". وجهاد الظلمة من أعظم أنواع الجهاد. سئل ﵊: "أي الجهاد أفضل؟ ". فقال: "كلمة عدل عند سلطان جائر".

стр. 6492

هذه هي الأوامر الأربعة التي فصلَّها سبحانه هذا التفصيل البين، ولو نظرنا فيها نظرة تمعن لوجدنا أن هذه الأوامر تتدرج نحو العموم المطلق. فالصلاة التي أمر بها أولا تدخل في الأمر الثاني وهو الأمر بالعبادة، فالعبادة تشمل الصلاة وغيرها من أوجه العبادة، ثم تندرج العبادة في الأمر الثالث وهو الأمر بفعل الخير، فالعبادة بجميع مظاهرها نوع من أنواع الخير الذي أمرنا بفعله، وحمل النفس على فعل الخير نوع من أنواع الجهاد العام، ففعل الخير مندرج كذلك في الأمر الرابع وهو الأمر بالجهاد في الله حق جهاده. ثم بين سبحانه السبب الذي من أجله وجب على الأمة المحمدية أن تتقبل هذه الأوامر التكليفية بقلوب راضية مطمئنة، فهناك أمور ثلاثة كل منها كاف وحده ليكون سببا في وجوب هذا التقبل ففيه رضا للنفس واطمئنان للقلب. أولها قوله سبحانه: ﴿هُوَ اجْتَبَاكُم﴾ أي اختاركم واصطفاكم وجعلكم خير أمة أخرجت للناس، وأنت إذا اصطفيت لك صديقا تفاني في حبك وتنفيذ أمرك وتحمل المشقة في سبيل مرضاتك، فما بالك بمن اختارهم ربُّ العزة واجتباهم وفضلهم على العالمين وجعلهم أمة وسطا ليكونوا شهداء على الناس. أفلا يجدر بهم أن يكونوا عند هذا التقدير فيتقبلوا التكاليف راضين؟ ثم أنه مع ذلك لم يكلفكم شططا. ولو يحملكم ما لا تطيقون ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ والحرج الضيق والمشقة، وقد نفاهما سبحانه، وجعل لكل عسرٍ يسرا، ولكل فريضة رخصة وذكر النبي ﵊ أن الله يحب أن تؤتي رخصه كما يحب أن تؤتى عزائمه، ولم يخيَّر عليه الصلاة السلام بين أمرين إلا اختار أيسرهما ما لم يكن إثما. فإن كان إثما كان أبعد الناس عنه.

стр. 6493

وهناك موجب آخر لقبول هذه الأوامر والتكاليف، وهي كونها في عمومها ملّة أبيكم إبراهيم الذي تحبونه وتنتسبون إليه فكيف يدعي عبدة الأوثان أنهم على دين إبراهيم وهو الذي حطم الأصنام. وأقام صرح التوحيد، ثم إنكم بعد ذلك سميتم بالمسلمين، والإسلام من السلامة فإنكم حملة مشاعل السلام في الأرض تنشرونه في ربوعها، وتركزونه في دولها، وتدافعون المعتدين عليه، هو سماكم المسلمين من قبل وفي هذا. والذي سماكم المسلمين من قبل هو أبوكم إبراهيم فأنتم إجابة دعوة الخليل ﵇ حينما قال: ﴿رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ﴾ . والأولى أن يكون الذي سماكم المسلمين من قبل هو الذي اجتباكم واختاركم، وهو الذي سماكم بهذا الاسم ليكون الرسول شهيدا عليكم ولتكونوا شهداء على الناس فأي تشريف يبلغ مبلغ هذا التشريف، وأي تكريم يصل إلى هذا الحد من التكريم؟. هذه أمور ثلاثة كل منها يوجب _ منفردا _ الطاعة المطلقة للأوامر وهي أنه سبحانه اجتباكم واختاركم، وأن هذه الشريعة امتداد لملة أبيكم إبراهيم الذي تنسبون إليه، وأنه سبحانه سماكم المسلمين في الكتب السابقة وفي القرآن الكريم ليكون الرسول شهيدا عليكم وتكونوا شهداء على الناس. وشهادة الرسول علينا أنه بلغنا الرسالة ولم يكتمنا أمرا ولا نهيا.

стр. 6494

وشهادة الأمة على الناس تحتمل معنيين: أولهما أن المقصود بالناس الأمم السابقة على أمة محمد ﵊ فأنتم تشهدون للأنبياء على أممهم يوم القيامة بأنهم بلَّغوا الرسالة، وأدَّوا الأمانة، يشهد لهذا المعنى ما أخرجه البخاري ﵁ عن أبي سعيد الخدري أنه قال: "قال رسول الله ﷺ : "يدعى نوح يوم القيامة فيقول لبيك وسعديك يا رب فيقول: هل بلَّغت؟ فيقول نعم. فيقال لأمته: هل بلغكم؟ فيقولون: ما جاءنا من نذير. فيقول: من يشهد لك؟. فيقول محمد وأمته. فيشهدون أنه قد بلَّغ". وقد ذكر هذا الحديث مطولا في غير البخاري وفيه ردود على الاعتراضات التي تخطر بالذهن عند سماعه ففيه. فتقول تلك الأمم: "كيف يشهد علينا من لم يدركنا؟. فيقول لهم الرب سبحانه: كيف تشهدون على من لم تدركوا؟. فيقولون: ربنا بعثت إلينا رسولا. وأنزلت إلينا عهدك وكتابك، وقصصت علينا أنهم قد بلغوا، فشهدنا بما عهدت إلينا فيقول الرب: صدقوا". والمعنى الثاني أن المقصود بالناس أفراد الأمة المحمدية، أي أن بعضهم يشهد على بعض بعد الموت. يؤيد هذا المعنى ما أخرجه مسلم عن أنس ﵁ أنه مرت جنازة فأثني عليها خير، فقال ﵊: "وجبت وجبت وجبت". ثم مُرّ عليه بأخرى فأُثني عليها شر. فقال: "وجبت وجبت وجبت". فسأله عمر ﵁ في ذلك. فقال: "أنتم شهداء الله في الأرض، أنتم شهداء الله في الأرض، أنتم شهداء الله في الأرض".

стр. 6495

ثم يؤكد تلك الأوامر التي شملت أنواع التكاليف فيقول: ﴿فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ هُوَ مَوْلاكُمْ فَنِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ﴾ فقوله سبحانه: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ﴾ تأكيد لقوله في صدر الآية ﴿ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا﴾ . وقوله: ﴿وَآتُوا الزَّكَاة﴾ تأكيد لقوله: ﴿وَافْعَلُوا الْخَيْر﴾ لأن الزكاة أظهر معاني الخير، والعصمة معناها المنعة. فقوله سبحانه: ﴿وَاعْتَصَمُوا بِاللَّهِ﴾ أي امتنعوا بالله وبحبله وهو قرآنه: امتنعوا من أن تقعوا فيما يغضبه. أو اعتصموا بدلائله العقلية والسمعية التي ساقها لكم في تلك السورة حتى لا يجد الزيغ والشك والضلال إلى قلوبكم سبيلا. يقول القفال: "اجعلوا الله عصمة لكم مما تحذرون". ويقول ابن عباس: "سلوا الله العصمة من كل المحرمات". وإنما تلجئون إليه ليعصمكم لأنه مولاكم وسيدكم والمتصرف فيكم. والذي يتولاه ربه وينصره فلن يذل ولن يشقى. وفي الدعاء المأثور: "إنه لا يذل من واليت، ولا يعز من عاديت، تباركت ربنا وتعاليت". والحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على خاتم المرسلين.

стр. 6496

أخبار الجامعة - يعقد المجلس الأعلى للجامعة دورته الرابعة برئاسة صاحب السمو الملكي الأمير فهد بن عبد العزيز ولي العهد ونائب رئيس مجلس الوزراء والرئيس الأعلى للجامعة وذلك يوم السبت السادس عشر من شهر رجب المقبل بمشيئة الله وسيدرس المجلس موضوعات مهمة منها اللائحة التنفيذية للجامعة. - تبدأ امتحانات الدور الأول في قسم الدراسات العليا وفي الكليات والمعاهد التابعة للجامعة يوم السبت ٢٤/٦/١٣٩٧هـ. - ستقيم الجامعة حفلا لتوزيع الشاهادات على خريجي الدفعة الثالثة عشرة في السادس عشر من شهر رجب ويشرف على الحفل صاحب السمو الملكي الأمير فهد بن عبد العزيز ولي العهد ونائب رئيس مجلس الوزراء والرئيس الأعلى للجامعة. - ألف منحة دراسية توزعها الجامعة لعام ٩٧/١٣٩٨هـ. خصصت الجامعة لأبناء العالم ألف منحة دراسية في الجامعة لعام ٩٧/١٣٩٨هـ موزعة على أكثر من مائة قطر.

стр. 6497

أهل الكتاب في القرآن الكريم لفضيلة الشيخ معوض عوض إبراهيم أهل الكتاب حيث كانوا في القرآن الكريم، هم أتباع موسى وعيسى ﵉ في عصورهم - ومنذ تحدث إليهم نبينا محمد صلوات الله عليه بآيات الله الصادعة بالحق، الهادية إلى توحيد الله بعد أن اتخذ القوم أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله والمسيح بن مريم أشركوا مع الله غيره من خلقه ومخلوقاته في العبادة والقصد، وجعلوا له صاحبة وولدا - حاشاه - ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ. اللَّهُ الصَّمَدُ. لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ. وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ﴾ (الإخلاص) . ﴿وَأَنَّهُ تَعَالَى جَدُّ رَبِّنَا مَا اتَّخَذَ صَاحِبَةً وَلا وَلَداً﴾ (الجن٣) . ﴿فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصاً لَهُ الدِّينَ. أَلا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِص﴾ (الزمر ٢_٣) . والقرآن الكريم يولي أهل الكتاب عنايته، بحفاوته بخطابهم، ودعوتهم إلى الإذعان للحق، الذي جاء به البشرية كلها عربها وعجمها أبيضها وأحمرها الرسول الخاتم، سيدنا محمد ﷺ ، انطلاقا من أنهم من أمة الدعوة أولا ثم أنهم أوتوا شيئا من العلم ثانيا وهم يزعمون - ثالثا - اتباعهم لأنبيائهم صلوات الله عليهم، ويستمسكون بما أدوه في أزمنتهم من توجيه إلهي مرحلي لم تدع عصورهم لأكثر منه.

стр. 6498

ولو أن القوم في عصر الرسالة الخاتمة أنصفوا ما تابع عليه موسى الأنبياء من قبلهم من الدعوة إلى توحيد الله، وما قفَّى على آثارهم فيه نبينا محمد صلوات الله عليه كما يظهر في قوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ الأنبياء ٢٥. أجل لو أنصف القوم أنبياءهم لآمن اليهود بعيسى ومحمد ولآمن النصارى من بعد بخاتم المرسلين وبالدين والكتاب الذي تعظم منة الله به على هؤلاء، فهو ينصفهم ويذكر أوائلهم من آمن منهم ومن كفر، ومن بَرَّ ومن غدر، ليكون لهم فيهم أسوة حسنة.. ولأَخَذَ هؤلاء وأولئك أنفسهم بدعوة التوحيد، وهي نداء الفطرة بين أعطاف الناس، وُلِدوُا عليها وشبوا ودرجوا كما قال النبي ﷺ : "كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهودانه أو يمجسانه أو ينصرانه". ولاسْتَجَابوا إلى توجيه الله تعالى في كتابه الخالد لمصطفاه: ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلا نَعْبُدَ إِلا اللَّهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضاً أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾ آل عمران ٦٤. إن أولى الناس - لا ريب - بالإيمان بالله، ومؤازرة مصطفاه، هم الذين اتبعوا رسله وانتسبوا إلى أنبيائه، وكان لهم ذكرٌ سائر في كتاب الله يوم كانوا يقارعون كفر أصحاب الأخدود، وضلال الشرك بصوره وألوانه المتمثلة في عبادة الكواكب وغيرها من المعبودات الباطلة. إن حجة القرآن الكريم قائمة على كل ذي مسكة من عقل منذ جاء البشرية به نبينا محمد ﷺ ، قوي الحجّة، جامعا لكل ما تفرق في التَّوراة والإنجيل وما تقدمها قبل أن تنالها الأهواء، وتصرفات الأحياء.

стр. 6499

والنظرة في الآيات التي لا نحصيها هنا توقفنا على نماذج من أهل الكتاب نوه بهم القرآن الكريم وباهى بإيمانهم وأمانتهم وصدق تقريرهم للقرآن الكريم، وجميل إنصاتهم لتلاوته على الوجه الذي يقول فيه رب العالمين: ﴿لَيْسُوا سَوَاءً مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ، يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ. وَأُولَئِكَ مِنَ الصَّالِحِينَ وَمَا يَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَلَنْ يُكْفَرُوهُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ﴾ آل عمران ١١٣/١١٥. ويقول: ﴿وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ وَمَا لَنَا لا نُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا جَاءَنَا مِنَ الْحَقِّ وَنَطْمَعُ أَنْ يُدْخِلَنَا رَبُّنَا مَعَ الْقَوْمِ الصَّالِحِينَ﴾ المائدة ٨٤_٨٥. ﴿إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلأَذْقَانِ سُجَّداً وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنْ كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولاً وَيَخِرُّونَ لِلأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعاً﴾ الإسراء ١٠٧_ ١٠٩.

стр. 6500

إن حفاوة القرآن بأهل الكتاب على هذا النحو الذي جلونا بعضه ونجلوه - إن شاء الله - شهادة بصدق نسبة القرآن إلى الله تعالى، وبأن الإسلام هو دين الله المهيمن وكلمته التي لا يُعْبد الله بحقّ بغيرها، ولا يستمسك أحدٌ بشيء بعده بغير قبض الريح وهو بحث نحرص على استكماله بما يُعين الله من جهد وتوفيق، فقد ينفع تتبع ما يحدث به القرآن عن أهل الكتاب في أن نجتمع على نداء محمد صلوات الله عليه عن ربه تباركت آلاؤه: ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ..﴾ . فذلك هو السبيل القاصد، لا تلك الخديعة التي يتولى كبرها الدعاة إلى فكرة التقريب بين الأديان، ولا إحدى الكبر التي أطلت برأسها من أيام متمثلة في دار كبرى من ديار الإسلام يدعو بعض طوائفها إلى تأليف كتب دينية مشتركة تكون بأيدي الطلاب المسلمين وهم أهل التوحيد، والطلاب الآخرين الذين ليس لعقيدتهم بالتوحيد أدنى صلة ولا أدري كيف يلتقي الحق والباطل ويتناجى الخطأ والصواب؟ ويأتلف النور والظلام؟ ألا أن يذهب خيرها بشرها فيدمغها ويصفوا الجو للنور والحق والصواب والإسلام دين الله الخاتم هو جماع ذلك كله.. إن دعوة التقريب بين الأديان، ودعوة التقريب بين السنّة وغيرها، ودعوة الكتب الدينية الواحدة للإسلام وغيره من أديان القوم من أساليب المكر الموروث، والكيد الذي لم يفتر للإسلام، الذي هو الدين لا ريب فيه، وهل يتعدد الحقّ، ويكون ما عندنا وما عند غيرنا سواء في حتمية الأخذ به والتزامه؟!. إن الحق أحق أن يتبع ﴿فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلا الضَّلالُ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ﴾ يونس ٣٢. ((البحث موصول)) . معوض عوض إبراهيم المدرس بكلية الدعوة وأصول الدين _ الجامعة الإسلامية _

стр. 6501

مفهوم الجرجاني للإعجاز القرآني لفضيلة الدكتور أحمد جمال العمري الأستاذ المساعد بكلية الدعوة يُعد عبد القاهر الجرجاني [١] المتوفى سنة ٤٧١هـ حد العلماء القلائل الذين فهموا الإعجاز القرآني فهما خاصا، وتناولوا إبراز وجوهه تناولا دقيقا. استنادا إلى بلاغته، ودقة نظمه، وتآليف كلامه.. لذلك فإن بحوثه حول هذا الإعجاز، وإثارة القضايا المنطقية، ومناقشتها مناقشة تحليلية استدلالية لتبيين تفاوت النتاج الأدبي للعرب، بين الغث والسمين، بخلاف ما عليه القرآن الكريم، الذي يخلو من كل ما يعيبه. ألفّ الجرجاني في إعجاز القرآن مؤلفَيْن.. كتابا ورسالة.. أما الكتاب فهو "دلائل الإعجاز [٢] " وأما الرسالة فقد سماها "الرسالة الشافية"ختم بها بحثه الأصيل.. العميق. ومن الطبيعي أن يكون تأليف هذه الرسالة في مرحلة تالية. يدفعنا إلى القول بهذا الرأي عدة أمور: أولها: التسلسل الفكري والموضوعي للبحث في إعجاز القرآن كما وضح من المؤلَّفَيْن. وثانيها: أنه في مصنفه دلائل الإعجاز أبرز وجوه الإعجاز القرآني فقط. ثم كان عليه أن يؤكد وقوع الإعجاز ذاته، وإثباته بالبراهين والأدلة، فألف هذه الرسالة العلمية، لتكون شافية كافية بتوضيح ما قصد إليه، لذلك اشتق اسمها من مضمونها ومقصودها، وجاءت الرسالة مكملة لما بدأه في كتابه [٣] . وثالثها: ما تمتاز به هذه الرسالة من التركيز والتكثيف لبعض الموضوعات التي طرقها وتحدث عنها مسبقا في كتابه، فهي عمل علمي متمم "لدلائل الإعجاز" حتى ليمكن القول: أن الرسالة الشافية وحدها لا تعكس مفهومه للإعجاز القرآني مباشرة إلاّ بعد الإطلاع على كتابه.. وإن الكتاب لا يمكن الاستغناء به - في فهم الإعجاز القرآني - عن الرسالة، فكلاهما عمل علمي يكمّل بعضه بعضا.

стр. 6502

لقد وضح لنا من تتبع الجرجاني بين ثنايا مُؤَلَّفَيْه أنه أحد العلماء النابهين الذين فهموا الإعجاز القرآني فهما خاصا، وكرسوا حياتهم لدراسته، حيث صوّر هذا الإعجاز تصويرا دقيقا، ينمّ عن ملكة حساسة، وعقلية نفاذة، فأوضح معالمه، وأبرز دقائقه، بأسلوب تحليلي أدبي، يتسم بالعمق والدقة والموضوعية معا. ومن هنا اعترف الباحثون المُحْدَثُون بأن بحوثه حول الإعجاز القرآني تُعدّ انتقالا كبيرا في التفكير والبحث، وكشفا دقيقا لأسرار هذا الإعجاز. لقد ركز الجرجاني في بحوثه على موضوع "النظم"وجعله المحور الأساسي الذي يدور حوله كل موضوع، وينتهي إليه كل طريق، لذلك كان النظم - من وجهة نظره - هو الوجه الوحيد المشرق للإعجاز القرآني.. أما بقية الأوجه التي توصل إليها الباحثون والعلماء السابقون، وسجّلوها في مصنفاتهم ورسائلهم فلم يعرها التفاتا، ولم يعطها اهتماما. مهَّد الجرجاني لإثبات وجهة نظره هذه بمقدمة هامة، جعلها فاتحة كتابه "دلائل الإعجاز"بيّن فيها أولا ماهية النظم وحقيقته، ثم كيف يحصل، وما هي أسبابه وروابطه.. فيقول: "معلوم أن ليس النظم إلاّ تعليق الكلم بعضها ببعض، وجعل بعضها بسبب بعض". ثم يفصح عن مضمون معنى الكلم بقوله: "والكلم ما هو إلا اسم وفعل وحرف. وللارتباط بين هذه الأقسام الثلاثة طرق معلومة لا تعدو ثلاثة أحوال.. تعلق اسم باسم، واسم بفعل، وتعلق حر ف بهما" [٤] . ثم ينتقل الجرجاني بعد ذلك إلى توضيح هذه الأحوال الثلاثة، فيقدم لنا مجموعة من الشواهد لكل منها، ويستعرض بعض الآثار الأدبية التي توضح مقصوده، وتبيّن مفهومه لمعنى الكلم.. وهو يرمي من وراء هذا كله إلى توضيح الفكرة التي توصل إليها وهي ((أن تأليف الكلام ونظمه لا يتعدى هذه الأحوال الثلاثة، سواء كان هذا الكلام وحيا أو كلام بشر)) .

стр. 6503

إن الجرجاني يهدف من هذا التقرير أن يثير انتباه القارئين.. إنه يضع أمام الأذهان قضية، يحيط بها مجموعة من التساؤلات، ليشرع بعد ذلك في الإجابة عليها.. لذلك نسمعه يقول: "وإذا كان ذلك كذلك، فما جوابنا لخصم يقول: إذا كانت هذه الأمور وهذه الوجوه من التعلق التي هي محصول النظم موجودة على حقائقها وعلى الصحة، وكما ينبغي في منثور كلام العرب ومنظومه، ورأيناهم قد استعملوها وتصرفوا فيها، وكملوا بمعرفتها، وكانت حقائق لا تتبدل ولا يختلف بها الحال، إذ لا يكون للاسم بكونه خبرا لمبتدأ أو صفة لموصوف أو حالا لذي حال، أو فاعلا أو مفعولا لفعل في كلام حقيقة هي خلاف حقيقته في كلام آخر.. فما هذا الذي تجدد بالقرآن من عظيم المزية، وباهر الفضل، والعجيب من الوصف حتى أعجز الخلق قاطبة، وحتى قهر من البلغاء والفصحاء القوى والقدر، وقيد الخواطر، والفكر حتى خرست الشقاشق [٥] ، وعدم نطق الناطق، وحتى لم يجر لسان، ولم يبِنْ بيان، ولم يساعد إمكان، ولم ينقدح لأحد منهم زند، ولم يمض له حد، وحتى أسال الوادي عليهم عجزا، وأخذ منافذ القول عليهم أخذا أيلزمنا أن نجيب هذا الخصم من سؤاله، نرده عن ضلاله وأن نطلب لدائه ونزيل الفساد عن رائه [٦] . وهنا يتصدى الجرجاني للرد على هذه التساؤلات جميعها، مستخدما الأسلوب المنطقي التحليلي، مستعرضا الكثير من الموضوعات اللغوية والبلاغية والمقارنات الأدبية، ليصل من وراء ذلك جميعه إلى غايته.. فنراه يتحدث عن المقصود من النظم، وأنه ليس تأليف الألفاظ، أو تنظيم مخارج الحروف.. وإنما النظم – في مفهومه – يخضع لقواعد وأصول يجب أن يراعها الناظم في نظمه، ليصل إلى قمة الجمال والروعة.

стр. 6504

وبعد أن يؤكد الجرجاني على هذا الجانب في أكثر من موضع من "دلائل الإعجاز" يصل بقارئه إلى هدفه الأساسي وهو: إثبات حقيقة عجز العرب عن معارضة القرآن الكريم، وانقطاعهم دونه بعد أن تحداهم على أن يأتوا بمثله، أو بعشر سور من مثله، أو بسورة واحدة من سوره..فعجزوا عن ذلك كله..يقول: "إنا إذا سقنا دليل الإعجاز فقلنا: لولا أنهم حين سمعوا القرآن، وحين تحدوا إلى معارضته، سمعوا كلاما لم يسمعوا قط مثله، وأنهم قد رازوا [٧] أنفسهم، فأحسوا بالعجز عن أن يأتوا بما يوازيه، أو يدانيه، أو يقع قريبا منه، لكان مجالا أن يدعوا معارضته وقد تحدوا وقرعوا فيه، وطولبوا فيه، وأن يتعرضوا لشبا الأسنة، ويقتحموا موارد الموت، فقيل لنا: قد سمعنا ما قلتم، فخبرونا عنهم عماذا عجزوا؟ .. أعن معاني من دقة معانيه وحسنها وصحتها في العقول؟ .. أم عن ألفاظ مثل ألفاظه؟ فإذا قلتم عن الألفاظ.. فماذا أعجزهم من اللفظ؟ أم ما بهرهم منه؟ فقلنا: أعجزتهم مزايا ظهرت لهم في نظمه، وخصائص صادفوها في سياق لفظه، وبدائع راعتهم من مبادئ آيه، ومقاطعها ومجاري ألفاظها ومواقعها.. وفي مضرب كل مثل، ومساق كل خبر، وصورة كل عظة، وتنبيه وإعلام وتذكير، وترغيب وترهيب، ومع كل حجة، وبرهان، وصفة وتبيان، وبهرهم أنهم تأملوه سورة سورة، وعشرا عشرا، وآية آية، فلم يجدوا في الجميع كلمة يَنْبُوا بها مكانها، ولفظة ينكر شأنها، أو يرى أن غيرها أصلح مكانا أو أشبه، أو أحْرى وأخلق.. بل وجدوا اتساقا بهر العقول، وأعجز الجمهور نظاما والتئاما وإتقانا وإحكاما، لم يدع في نفس بليغ منهم، ولو حكّ بيافوخة السماء موضع طمع، حتى خرست الألسن عن أن تدعى وتقول، وخلدت القروم فلم تملك أن تصول [٨] .

стр. 6505

وهنا يتضح لنا مفهوم الجرجاني لفكرة الإعجاز، وأن مردّها جميعا هو "النظم"لذلك فهو يطلب من الباحث عن حقيقة وكنه هذا الإعجاز أن يُعمل عقله، وأن يكد فكره، ليصل عن طريق ذلك إلى المزايا والخصائص التي امتاز بها نظم القرآن ليقف عليها بنفسه، ونتيجة لإحساسه وذوقه، لا أن يقلد غيره، ويسير مع السائرين وفي هذا المعنى يقول: "فإذا كان هذا هو الذي يذكر في جواب السائل، فبنا أن ننظر: أي أشبه بالفتى في عقله ودينه، وأزبد له في علمه ويقينه.. أن يقلّد في ذلك، ويحفظ متن الدليل وظاهر لفظه، ولا يبحث عن تفسير المزايا والخصائص ما هي؟.. ومن أين كثرت الكثرة العظيمة، واتسعت الاتساع المجاوز لوسع الخلق وطاقة البشر؟. وكيف يكون أن تظهر في ألفاظ محصورة، وكلم معدودة معلومة؟ بأن يؤتي ببعضها، في أثر بعض لطائف لا يحصرها العدد، ولا ينتهي بها الأمد، أم أن يبحث عن ذلك كله، ويستقصي النظر في جميعه، ويتتبعه شيئا فشيئا، ويستقصيه بابا فبابا، حتى يعرف كلا منها بشاهده ودليله، ويعلمه بتفسيره وتأويله ويوفق بتصويره وتمثله، لا كمن قيل فيه: يقولون أقوالا ولا يعلمونها. ولو قيل هاتوا حققوا لم يحققوا" [٩] .

стр. 6506

بعد كل هذا التمهيد والاسترسال، والتنقل من موضوع إلى موضوع لإبراز الوجه الحقيقي للإعجاز وهو النظم _ يعقد الجراجاني فصلا خاصا للحديث عن ماهية النظم، يتحدث فيه عن الفرق بين نظم الحروف الذي يأتي بحسب تواليها في النطق، وبين النظم الذي يأتي اقتضاء لمعنى وفي ذلك يقرر أن نظم الألفاظ يجب أن يقترن بترتيب المعاني، لأن المعاني هي الأساس الذي يجب أن يراعى عند نظم الكلام، ثم تأتي الألفاظ لتستوعب هذه المعاني، لأنك إذا فرغت من ترتيب المعاني في نفسك لم تحتج إلى أن تستأنف فكرا في ترتيب الألفاظ، بل تجدها تترتب لك بحكم أنها خدم للمعاني وتابعة لها، ولاصقة بها، وأن العلم بمواقع المعاني في النفس، علم بمواقع الألفاظ الدالة عليها من النطق، وأعلم أنك إذا نفسك علمت علما لا يعترضه الشك إلا نظم في الكلم، ولا ترتيب حتى يعلق بعضها ببعض، ويبين بعضها على بعض، ولا تجعل هذه بسبب تلك [١٠] . ويؤكد الجرجاني هذا المضمون في موضع آخر فيقول: "وأعلم أن ليس النظم إلا أن تضع كلامك الوضع الذي يقتضيه علم النحو، وتعمل على قوانينه وأصوله، وتعرف مناهجه التي نهجت فلا تزيغ عنها، وتحفظ الرسوم التي رسمت، فلا تخل بشيء منها ... الخ" [١١] . هذا هو محور بحث الجرجاني في إبراز وجه الإعجاز القرآني، كما وضح في كتابه دلائل الإعجاز. وهو نفس المحور الذي دار حوله لتأكيد وقوع هذا الإعجاز وإثباته في رسالته الشافية.. فلننظر كيف أثبت وقوع الإعجاز القرآني.. وكيف توصّل إلى ذلك في رسالته..

стр. 6507

افتتح الجرجاني رسالته - كعادته في بحوثه - بمقدمة استعرض فيها علاقة الألفاظ بالمعاني - أو كما يقول البلاغيون: الشكل بالمضمون، وعلى طريقة المدرسين قال: "اعلم أن لكل نوع من المعنى نوعا من اللفظ هو به أخص وأولى، وضروبا من العبارة هو بتأديته أقوم وهو فيه أجلى. ومأخذا إذا أخذ منه كان إلى الفهم أقرب، وبالقبول أخلق، وكان السمع له أوعى، والنفس إليه أميل، وإذا كان الشيء متعلقا بغيره، ومقيسا على ما سواه، كان من خير ما يستعان به على تقريبه من الأفهام وتقريره في النفوس أن يوضع له مثال يكشف عن وجهه، ويؤنس به ويكون زماما عليه يمسكه على المتفهم له، والطالب علمه [١٢] . إن المتأمل لهذه المقدمة، يستطيع أن يضع يده بسهولة على ما يرمي إليه الجرجاني خاصة بعد أن درسنا مفهومه.. إنه يودّ أن يقول: إن القرآن الكريم بنظمه وتآليفه، قد حاز هذه الفضيلة، وإن هذا النظم كان مدعاة لأن يعترف العرب الذين تحدوا إلى معارضته، أن الذي سمعوه تقصر دون محاكاته قوي البشر، ويضيق به ذرع المخلوقين لأنه كلام رب العالمين. وتأكيدا لهذا الأمر يقدم لنا جُملا من القول في بيان عجز العرب حين تُحّدُوا إلى معارضة القرآن، وإذعانهم وعلمهم أن الذي سمعوه فائت للقوى البشرية، ومتجاوز للذي يتسع له ذرع المخلوقين، وفيما يتصل بذلك مما له اختصاص بعلم أحوال الشعراء والبلغاء ومراتبهم، وبعلم الأدب جملة. ثم يتحدث الجرجاني عن بلاغة العرب، وتملكهم لزمام القول.. ولما كان القرآن معجزة الرسول الأميّ، لذا كانت بلاغته فوق بلاغة العرب أنفسهم، الذين دانت لهم الأساليب، وتملكوا كل شيء فيها شعرا ونثرا وخطبا..

стр. 6508

من هنا سمعنا صوت الجرجاني وهو يتحدث طويلا عن البلاغة العربية، وعن التفاوت والتفاضل بين أساليب العرب من كلام الشعراء والأدباء، وأن لهذا التفاضل غايات ينأى بعضها عن بعض، ومنازل يعلو بعضها فوق بعض، ليصل إلى حقيقة يعرفها وهي: أن العرب (زمن الرسول الكريم) كانوا القدوة في ذلك. ومن عداهم تبع لهم وقاصر فيه عنهم.. يقول: ((ومعلوم أن سبيل الكلام سبيل ما يدخله التفاضل، وأن للتفاضل فيه غايات ينأى بعضها عن بعض، ومنازل يعلو بعضها بعضا، وأن علم ذلك علم يخص أهله، وأن الأصل والقدوة فيه العرب، ومن عداهم تبع لهم، وقاصر فيه عنهم وأنه لا يجوز أن يدّعى للمتأخرين من الخطباء والبلغاء عن زمان النبي ﷺ _ الذي نزل فيه الوحي، وكان فيه التحدي، أنهم زادوا على أولئك الأولين، أو كملوا في علم البلاغة أو تعاطيها لما لم يكملوا إليه [١٣] . ويقدم الجراجاني شواهد على ذلك من واقع المجتمع العربي يومئذ.. فهذا خالد بن صفوان يعترف بسبقهم، وأنه وأمثاله لا يستطيعون مجاراتهم.. ويقول: "كيف نجاريهم وإنما نحاكيهم، أم كيف نسابقهم، وإنما نجري على ما سبق إلينا من أعراقهم؟ " [١٤] . أما الجاحظ فإنه ينسب إلى العرب الفضل على الأمم كلها في الخطابة والبلاغة ويناظر في ذلك الشعوبية، ويجهلهم ويسفّه أحلامهم في إنكار ذلك، ثم يقول: "ونحن أبقاك الله إذا ادعينا للعرب الفضل على الأمم كلها في أصناف البلاغة، من القصيدة والأرجاز، والمنثور والأسجاع، ومن المزدوج ومما لا يزدوج.. فمعنا على أن ذلك لهم شاهد صادق من الديباجة الكريمة، والرونق العجيب، والسبك والنحت الذي لا يستطيع أشعار الناس اليوم، ولا أرفعهم في البيان أن يقول مثل ذلك إلا في اليسير والشيء القليل [١٥] ..

стр. 6509

إن الجرجاني يريد أن يقول.. إنه إذا كان العرب الذي نزل فيهم القرآن قد تحدوا به فعجزوا عن الإتيان به – مع ما كان في جعبتهم من أدوات الفصاحة وألوان البيان.. فمن الطبيعي أن يكون ما بعدهم من الأجيال أعجز منهم، وما سوى العرب في ذلك منهم تبع لهم.. وفي الحقيقة فإن هذا الرأي قد سبق إليه الباقلاني ولكن الجرجاني لم يشر إليه.. بعد هذا التمهيد ينتقل الجرجاني غلي توكيد عجز العرب عن معارضة القرآن ولقد اتخذ إلى ذلك سبيلا ملموسا من واقع أحوالهم، ودلائل أقوالهم. فيقول: "وإذا ثبت أنهم الأصل والقدوة فإن علمهم العالم، فبنا أن ننظر في دلائل أحوالهم وأقوالهم حين تلي عليهم القرآن وتحدوا إليه، وملئت مسامعهم من المطالبة بأن يأتوا بمثله، ومن التقريع بالعجز عنه، وبتّ الحكم بأنهم لا يستطيعون ولا يقدرون عليه.. وإذا نظرنا وجدناها تفصح بأنهم لم يشكّوا في عجزهم عن معارضته والإتيان بمثله، ولم تحدثهم أنفسهم بأن لهم إلى ذلك سبيلا على وجه من الوجوه".. ثم يتناول بالتحليل دلائل الأحوال فيقول: "أما الأحوال فدلّت من حيث كان المتعارف من عادات الناس التي لا تختلف وطبائعهم التي لا تتبدل أن لا يسلموا لخصومهم الفضيلة، وهم يجدون سبيلا إلى دفعها، ولا ينتحلون العجز وهم يستطيعون قهرهم والظهور عليهم.

стр. 6510

كيف؟ وأن الشاعر أو الخطيب يبلغه أن بأقصى الأقاليم الذي هو في هـ من يبأى [١٦] بنفسه ويدل بشعر يقوله أو خطبة يقوم بها أو رسالة يعملها، فيدخله من الأنفة والحميَّة ما يدعوه إلى معارضته، وإلى أن يظهر ما عنده من الفضل، ويبذل ما لديه من المنَّة، حتى إنه ليتوصل إلى أن يكتب إليه، وأن يعرض كلامه عليه ببعض العلل وبنوع من التمحُّل، هذا ولم ير ذلك الإنسان قط، ولم يكن منه إليه ما يهز ويحرك ويهيِّج على تلك المعارضة، ويدعو إلى ذلك التعرض، وإن كان المدعي ذلك بمرأى منه ومسمع، كان ذلك أدعى له إلى مباراته، وإلى إظهار ما عنده، وإلى أن يعرف الناس أنه لا يَقْصُر عنه، أو أنه منه أفضل، فإن تضاف إلى ذلك أن يدعوه الرجل إلى مُمَاتَنَتِه، ويحركه لمقاولته، فذلك الذي يسهر ليله ويسلبه القرار، حتى يستفرغ مجهوده في جوابه، ويبلغ أقصى الحد في مناقضته. يضرب الجرجاني لذلك مثلا بما حدث في العهد الأموي بين الشعراء عامة، وما حدث بين جرير والفرزدق خاصة، وقد اجتمعا في عصر واحد فيقول: "كيف جَدَّ كل واحد منهما في مغالبة الآخر، وكيف جعل ذلك همه وكده وقصر عليه دهره، وليس به ولا يخشى إلا أن يُقضى لصاحبه بأنه أشعر منه، وأنّ خاطره أحَدّ، وقوافيه أشرد، لا ينازعه مُلكا، ولا يفتات عليه بغلبته له حقا، ولا يلزمه به أتاوة، ولا يضرب عليه ضريبة..". وبعد أن يكشف الجرجاني عن هذه الغريزة المتأصلة في النفس البشرية، وكيف أن الناس فُطروا على منافسة بعضهم البعض، وتحدي بعضهم بعضا.. يطبِّق هذه الفكرة على ما حدث في الأمة العربية منذ فجر تاريخهم الأدبي، وكيف استبدت بهم هذه الغريزة يوم سمعوا القرآن، ليصل من وراء ذلك إلى مَرامه وهو: إظهار موقف العرب من القرآن الكريم الذي جاء يتحدى هذه الغريزة في موطنها وعقر دارها فيقول:

стр. 6511

"وإذا كان هذا واجبا بين نفسين لا يروم أحدهما من مباهاة صاحبه إلاّ ما يجري على الألسن من ذكره بالفضل فقط.. فكيف يجوز أن يظهر في صميم العرب، وفي مثل قريش ذوي الأنفس الأبيَّة، والهمم العليَّة، والأنفة والحميَّة، من يدَّعى النبوة، ويخبر أنه مبعوث من الله تعالى إلى الخلق كافة، وأنه بشير بالجنّة ونذير بالنار، وأنه قد نسخ به كل شريعة تقدمته، ودين دان به الناس شرقا وغربا، وأنه خاتم النبيين. وأنه لا نبي بعده.. إلى آخر ما صدع به ﷺ "، ثم يقول: "وحُجتي أن الله قد أنزل عليّ كتابا عربيا مبينا، تعرفون ألفاظه وتفهمون معانيه، إلا أنكم لا تقدرون على أن تأتوا بمثل، ولا بعشر سور منه، ولا بسورة واحدة. ولو جهدتم جهدكم، واجتمع معكم الجن والأنس، ثم لا تدعوهم نفوسهم إلى أن يعارضوه ويبينوا سَرفه في دعواه، مع إمكان ذلك، ومع أنهم لم يسمعوا إلا ما عندهم مثله أو قريب منه". "هذا وقد بلغ بهم الغيظ من مقالته، ومن الذي ادّعاه حَدّا تركوا معه أحلامهم الراجحة، وخرجوا له عن طاعة عقولهم الفاضلة، حتى واجهوه بكل قبيح، ولقوه بكل أذى ومكروه، ووقفوا له بكل طريق، وكادوه وكل من تبعه بضروب المكايدة، وأرادوهم بأنواع الشر..". "وهل سُمع قط بذي عقل ومُسكة استطاع أن يخرس خصما له فقد اشتط في دعواه بكلمة يجيبه بها، فترك ذلك إلى أمور يسفّه فيها، وينسب معها إلى ضيق الذرع والعجز، وإلى أنه مغلوب قد أعوزته الحيلة، وعزّ عليه المخْلَص؟." "أم هل عُرف في مجرى العادات، وفي دواعي النفوس ومبنى الطبائع أن يدع الرجل ذو اللُّب حجته على خصمه، فلا يذكرها، ولا يفصح عنها، ولا يجلي عن وجهها، ولا يريه الغلط فيما قال، والكذب فيما ادعى، ولا يدعي أن ذلك عنده وأنه مستطيع له، بل يجعل أول جوابه له ومعارضته إياه التسرع إليه، والسفه عليه والإقدام على قطع رحمه، وعلى الإفراط في أذاه؟."

стр. 6512

"أم هل يجوز أن يخرج خارج من الناس على قوم لهم رياسة، ولهم دين ونحلة فيؤلِّب عليهم الناس، ويدبِّر في إخراجهم من ديارهم وأموالهم، وفي قتل صناديدهم وكبارهم، وسبي ذراريهم وأولادهم، وعمدته التي يحد بها السبيل إلى تألف من يتألفه، ودعاء من يدعوه، دعوى له إذا هي أُبطلت بَطَل أمره كله، وانتفض عليه تدبيره، ثم لا يعرض له في تلك الدعوى، ولا يشتغل بإبطالها، مع إمكان ذلك، ومع أنه ليس بمعتذر ولا ممتنع؟ " [١٧] .. هذا عن دلائل أحوال العرب عند بدء الدعوة _ أما أقوالهم التي استشهد بها الجرجاني فكثيرة _ منها ما حَدَّثَ به الوليد بن المغيرة، حين وقف متحيِّرا أمام روعة القرآن. لا يدري ماذا يقول فيه، وقد وفدت جموع العرب _ في الموسم _ من كل مكان، فذهب إلى قومه يشاورهم في الأمر، فلم يجدوا ما يقولونه في هذا القرآن. قاسوه على الشعر وهم أفذاذه، فلم يجدوا فيه ما يشبه شعرهم، وقرنوه بالسجع فلم يتفق معه، فلما أعيتهم الحيلة، قالوا: إنه سحر.. سحر يفرّق فيه بين المرء وزوجه، وبين الأخ وأخيه، الخ ما قالوه [١٨] .

стр. 6513

ومن هذه الأقوال أيضا – حديث عتبة بن ربيعة، وكان سيدا حليما _ حين أرسله قومه إلى الرسول ﷺ _ ليثنيه عن هدفه، ويعرض عليه أمورا لعله يقبل بعضا منها، فيعدل عن رأيه، فاستمع الرسول إلى قوله، حتى إذا فرغ من كلامه، تلا عليه الرسول، ﴿حم. . تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ قُرْآناً عَرَبِيّاً لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ بَشِيراً وَنَذِيراً فَأَعْرَضَ أَكْثَرُهُمْ فَهُمْ ل ايَسْمَعُونَ﴾ [١٩] فل ما سمعها عتبة أنصت له، وألقى يديه خلف ظهره معتمدا عليها، يستمع منه، حتى انتهى رسول الله _ ﷺ _ إلى السجدة منها فسجد ثم قال له: قد سمعت ما سمعت فأنت وذاك، فقام عتبة إلى أصحابه لينصحهم أن يكفوا عن محاربة محمد ﷺ [٢٠] .. ومنها حديث أبي ذر في سب ب إسلامه [٢١] . ولكي يوضح الجرجاني مراده، ويوسّع دائرة بحثه، فيستطرد بالحديث عن ماذا على ألسنة الناس من وقوع المعجزات عند بعض الناس، دون بعضهم الآخر، وهو ما يقع في الحياة بين الحين والحين من ظهور العباقرة والنوابغ في فن القول من أمثال امرئ القيس وزهير والنابغة والأعشى وغيرهم، ممن أجمع عليهم القول بأنهم شعراء العرب. فهؤلاء الأعلام يكونون عند ظهورهم قمما شامخة بين أبناء عصرهم بل ربما كانوا كذلك بين أبناء العصور السابقة أو اللاحقة، فيأتون من الأعمال أو الأقوال ما يعجز عنهم أبناء جيلهم، أو أبناء أجيال كثيرة قبلهم أو بعدهم، ومع هذا فلم يكونوا من الأنبياء، ولم يدّعو هُمْ _ أو يدّعي لهم أحد أنهم من الأنبياء أصحاب المعجزات [٢٢] . فما تأويل هذا عند من يؤمنون بالأنبياء، ويؤمنون بما حملوا من معجزات؟ وما الفرق بين ظهور النبي في عصره. واحتلاله بالمعجزة التي بين يديه قمة الحياة.. وبين العبقري أو النابغة حين يظهر فيحتل بعلمه أو عمله قمة أشبه بهذه القمة؟

стр. 6514

هذا هو محور المناقشة في الفصل الذي خصصه الجرجاني لتولي الرد على هذه التساؤلات وتفنيدها. يقول في مطلعه [٢٣] : "واعلم أن هاهنا بابا من التلبيس أنت تجده يدور في أنفس قوم من الأشقياء وتراهم يومئون إليه، ويهمسون به، وستهوون الغر الغبي بذكره، وهو قولهم: قد جرت العادة بأن يبقى في الزمان من يفوت أهله حتى يسلموا له، وحتى لا يطمع أحد في مداناته، وحتى ليقع الإجماع فيه أنه الفرد الذي لا ينازع، ثم يذكرون امرأ القيس والشعراء الذين قُدموا على من كان معهم في أعصارهم، وربما ذكر الجاحظ وكل مذكور بأنه كلن أفضل من كان في عصره.. ولهم في هذا الباب خبط وتخليط لا إلى غاية، وهي نفثة نفثها الشيطان فيهم، وإنما أَتُوا من سوء تدبيرهم لما يسمعون وتسرعهم إلى الاعتراض قبل تمام العلم بالدليل ... وذلك أن الشرط في المزية الناقضة للعادة، أن يبلغ الأمر فيها إلى حيث يبهر ويقهر، حتى تنقطع الأطماع عن المعارضة، وتخرس الألسن عن دعوى المداناة، وحتى لا تحدِّث نفس صاحبها بأن يتصدى، ولا يجول في خلد أن الإتيان بمثله يمكن، وحتى يكون بأسهم منه، وإحساسهم بالعجز عنه في بعضه مثل ذلك في كله [٢٤] . .". هذا الذي يقرره الجرجاني.. هو مقطع القول في هذا الأمر.. إذ ليس الذي يأتي به العبقري، أو النابغة من قول أو عمل، الشيء الذي يقطع على الناس سبيل النظر فيه، أو المساماة له، أو الغلبة عليه، فلم تشهد الحياة أبدا لإنسان أنه انقطع بعمله أو قوله عن منازعة الناس له، والدخول معه فيما قال أو عمل، فيقصرون عنه في جانب، ويعملون عليه من جانب آخر، فيما خيّل إلى الناس أنه انفرد به.. ويقيم الجرجاني مقارنة أدبية نقدية يجعل محورها امرأ القيس، الذي عرف بأنه أشعر أهل زمانه، ليصل عن طريق ذلك إلى تضحيد أقوال الظّانين وردّها فيقول:

стр. 6515

"ليت شعري من هذا الذي سَلَّم لهم أنه كان في وقت من الأوقات من بلغ أمره في المزية وفي العلو على أهل زمانه هذا المبلغ، وانتهى إلى هذا الحد _ إن قيل امرؤ القيس فقد كان في وقته من يباريه، ويُمَاتنه، بل لا يتحاشى من أن يدعي الفضل عليه، فقد عرفنا حديث علقمة الفحل، وأنه لما قال امرؤ القيس وقد تناشدا أيٌّنا أشعر؟ قال: أنا: غير مكترث أو مبالٍ حتى قال امرؤ القيس: فقُل وأنعت فرسك وناقتك، وأقول وأنعت فرسي وناقتي، فقال علقمة: إني فاعل، والحكمُ بيني وبينك المرأة من ورائك، يعني أم جندب، امرأة امرؤ القيس، فقال امرؤ القيس: خليلَيَّ مُرَّا بي على أمِّ جُنْدَبِ. نُقَضِّ لُبَاناتِ الفُؤاَدِ المعذَّبِ. وقال علقمة: ذَهَبت من الهجراَنِ في كل مَذْهَبِ. ولم يَكُ حَقًّا كلُّ هذا التجنُّبِ. وتحاكما إلى المرأة ففضلت علقمة [٢٥] . ويمضي الجرجاني، فيروي ما جرى بين امرؤ القيس وغيره من شعراء عصره من المساجلات والمباريات، التي احتفلت بها كتب النقد والأدب، ليصل في النهاية إلى ما يريد فيقول لقارئه: "فاعلم أنهم إذا ذكروا في تعلقهم بالتوابع ومحاولتهم أن يمنعوا من الاستدلال مع تسليم عجز العرب عن معارضة القرآن، مَنْ تراخى زمانه عن زمان النبي ﷺ ، كالجاحظ وأشباهه كانوا في ذلك أجهل، وكان النقض عليهم أسهل، وذلك أن الشرط في نقض العادة أن يعم الأزمان كلها، وأن يظهر على مدّعي النبوة ما لم يستطعه مملوك قط..".
следующие страницы →