Полный текст (23 804 стр.). Показаны 6511–6550 · переход к 6516.
стр. 6511
"وإذا كان هذا واجبا بين نفسين لا يروم أحدهما من مباهاة صاحبه إلاّ ما يجري على الألسن من ذكره بالفضل فقط.. فكيف يجوز أن يظهر في صميم العرب، وفي مثل قريش ذوي الأنفس الأبيَّة، والهمم العليَّة، والأنفة والحميَّة، من يدَّعى النبوة، ويخبر أنه مبعوث من الله تعالى إلى الخلق كافة، وأنه بشير بالجنّة ونذير بالنار، وأنه قد نسخ به كل شريعة تقدمته، ودين دان به الناس شرقا وغربا، وأنه خاتم النبيين. وأنه لا نبي بعده.. إلى آخر ما صدع به ﷺ "، ثم يقول:
"وحُجتي أن الله قد أنزل عليّ كتابا عربيا مبينا، تعرفون ألفاظه وتفهمون معانيه، إلا أنكم لا تقدرون على أن تأتوا بمثل، ولا بعشر سور منه، ولا بسورة واحدة. ولو جهدتم جهدكم، واجتمع معكم الجن والأنس، ثم لا تدعوهم نفوسهم إلى أن يعارضوه ويبينوا سَرفه في دعواه، مع إمكان ذلك، ومع أنهم لم يسمعوا إلا ما عندهم مثله أو قريب منه".
"هذا وقد بلغ بهم الغيظ من مقالته، ومن الذي ادّعاه حَدّا تركوا معه أحلامهم الراجحة، وخرجوا له عن طاعة عقولهم الفاضلة، حتى واجهوه بكل قبيح، ولقوه بكل أذى ومكروه، ووقفوا له بكل طريق، وكادوه وكل من تبعه بضروب المكايدة، وأرادوهم بأنواع الشر..".
"وهل سُمع قط بذي عقل ومُسكة استطاع أن يخرس خصما له فقد اشتط في دعواه بكلمة يجيبه بها، فترك ذلك إلى أمور يسفّه فيها، وينسب معها إلى ضيق الذرع والعجز، وإلى أنه مغلوب قد أعوزته الحيلة، وعزّ عليه المخْلَص؟."
"أم هل عُرف في مجرى العادات، وفي دواعي النفوس ومبنى الطبائع أن يدع الرجل ذو اللُّب حجته على خصمه، فلا يذكرها، ولا يفصح عنها، ولا يجلي عن وجهها، ولا يريه الغلط فيما قال، والكذب فيما ادعى، ولا يدعي أن ذلك عنده وأنه مستطيع له، بل يجعل أول جوابه له ومعارضته إياه التسرع إليه، والسفه عليه والإقدام على قطع رحمه، وعلى الإفراط في أذاه؟."
стр. 6512
"أم هل يجوز أن يخرج خارج من الناس على قوم لهم رياسة، ولهم دين ونحلة فيؤلِّب عليهم الناس، ويدبِّر في إخراجهم من ديارهم وأموالهم، وفي قتل صناديدهم وكبارهم، وسبي ذراريهم وأولادهم، وعمدته التي يحد بها السبيل إلى تألف من يتألفه، ودعاء من يدعوه، دعوى له إذا هي أُبطلت بَطَل أمره كله، وانتفض عليه تدبيره، ثم لا يعرض له في تلك الدعوى، ولا يشتغل بإبطالها، مع إمكان ذلك، ومع أنه ليس بمعتذر ولا ممتنع؟ " [١٧] ..
هذا عن دلائل أحوال العرب عند بدء الدعوة _ أما أقوالهم التي استشهد بها الجرجاني فكثيرة _ منها ما حَدَّثَ به الوليد بن المغيرة، حين وقف متحيِّرا أمام روعة القرآن. لا يدري ماذا يقول فيه، وقد وفدت جموع العرب _ في الموسم _ من كل مكان، فذهب إلى قومه يشاورهم في الأمر، فلم يجدوا ما يقولونه في هذا القرآن. قاسوه على الشعر وهم أفذاذه، فلم يجدوا فيه ما يشبه شعرهم، وقرنوه بالسجع فلم يتفق معه، فلما أعيتهم الحيلة، قالوا: إنه سحر.. سحر يفرّق فيه بين المرء وزوجه، وبين الأخ وأخيه، الخ ما قالوه [١٨] .
стр. 6513
ومن هذه الأقوال أيضا – حديث عتبة بن ربيعة، وكان سيدا حليما _ حين أرسله قومه إلى الرسول ﷺ _ ليثنيه عن هدفه، ويعرض عليه أمورا لعله يقبل بعضا منها، فيعدل عن رأيه، فاستمع الرسول إلى قوله، حتى إذا فرغ من كلامه، تلا عليه الرسول، ﴿حم. . تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ قُرْآناً عَرَبِيّاً لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ بَشِيراً وَنَذِيراً فَأَعْرَضَ أَكْثَرُهُمْ فَهُمْ ل ايَسْمَعُونَ﴾ [١٩] فل ما سمعها عتبة أنصت له، وألقى يديه خلف ظهره معتمدا عليها، يستمع منه، حتى انتهى رسول الله _ ﷺ _ إلى السجدة منها فسجد ثم قال له: قد سمعت ما سمعت فأنت وذاك، فقام عتبة إلى أصحابه لينصحهم أن يكفوا عن محاربة محمد ﷺ [٢٠] .. ومنها حديث أبي ذر في سب ب إسلامه [٢١] .
ولكي يوضح الجرجاني مراده، ويوسّع دائرة بحثه، فيستطرد بالحديث عن ماذا على ألسنة الناس من وقوع المعجزات عند بعض الناس، دون بعضهم الآخر، وهو ما يقع في الحياة بين الحين والحين من ظهور العباقرة والنوابغ في فن القول من أمثال امرئ القيس وزهير والنابغة والأعشى وغيرهم، ممن أجمع عليهم القول بأنهم شعراء العرب. فهؤلاء الأعلام يكونون عند ظهورهم قمما شامخة بين أبناء عصرهم بل ربما كانوا كذلك بين أبناء العصور السابقة أو اللاحقة، فيأتون من الأعمال أو الأقوال ما يعجز عنهم أبناء جيلهم، أو أبناء أجيال كثيرة قبلهم أو بعدهم، ومع هذا فلم يكونوا من الأنبياء، ولم يدّعو هُمْ _ أو يدّعي لهم أحد أنهم من الأنبياء أصحاب المعجزات [٢٢] .
فما تأويل هذا عند من يؤمنون بالأنبياء، ويؤمنون بما حملوا من معجزات؟ وما الفرق بين ظهور النبي في عصره. واحتلاله بالمعجزة التي بين يديه قمة الحياة.. وبين العبقري أو النابغة حين يظهر فيحتل بعلمه أو عمله قمة أشبه بهذه القمة؟
стр. 6514
هذا هو محور المناقشة في الفصل الذي خصصه الجرجاني لتولي الرد على هذه التساؤلات وتفنيدها. يقول في مطلعه [٢٣] :
"واعلم أن هاهنا بابا من التلبيس أنت تجده يدور في أنفس قوم من الأشقياء وتراهم يومئون إليه، ويهمسون به، وستهوون الغر الغبي بذكره، وهو قولهم: قد جرت العادة بأن يبقى في الزمان من يفوت أهله حتى يسلموا له، وحتى لا يطمع أحد في مداناته، وحتى ليقع الإجماع فيه أنه الفرد الذي لا ينازع، ثم يذكرون امرأ القيس والشعراء الذين قُدموا على من كان معهم في أعصارهم، وربما ذكر الجاحظ وكل مذكور بأنه كلن أفضل من كان في عصره.. ولهم في هذا الباب خبط وتخليط لا إلى غاية، وهي نفثة نفثها الشيطان فيهم، وإنما أَتُوا من سوء تدبيرهم لما يسمعون وتسرعهم إلى الاعتراض قبل تمام العلم بالدليل ...
وذلك أن الشرط في المزية الناقضة للعادة، أن يبلغ الأمر فيها إلى حيث يبهر ويقهر، حتى تنقطع الأطماع عن المعارضة، وتخرس الألسن عن دعوى المداناة، وحتى لا تحدِّث نفس صاحبها بأن يتصدى، ولا يجول في خلد أن الإتيان بمثله يمكن، وحتى يكون بأسهم منه، وإحساسهم بالعجز عنه في بعضه مثل ذلك في كله [٢٤] . .".
هذا الذي يقرره الجرجاني.. هو مقطع القول في هذا الأمر.. إذ ليس الذي يأتي به العبقري، أو النابغة من قول أو عمل، الشيء الذي يقطع على الناس سبيل النظر فيه، أو المساماة له، أو الغلبة عليه، فلم تشهد الحياة أبدا لإنسان أنه انقطع بعمله أو قوله عن منازعة الناس له، والدخول معه فيما قال أو عمل، فيقصرون عنه في جانب، ويعملون عليه من جانب آخر، فيما خيّل إلى الناس أنه انفرد به..
ويقيم الجرجاني مقارنة أدبية نقدية يجعل محورها امرأ القيس، الذي عرف بأنه أشعر أهل زمانه، ليصل عن طريق ذلك إلى تضحيد أقوال الظّانين وردّها فيقول:
стр. 6515
"ليت شعري من هذا الذي سَلَّم لهم أنه كان في وقت من الأوقات من بلغ أمره في المزية وفي العلو على أهل زمانه هذا المبلغ، وانتهى إلى هذا الحد _ إن قيل امرؤ القيس فقد كان في وقته من يباريه، ويُمَاتنه، بل لا يتحاشى من أن يدعي الفضل عليه، فقد عرفنا حديث علقمة الفحل، وأنه لما قال امرؤ القيس وقد تناشدا أيٌّنا أشعر؟ قال: أنا: غير مكترث أو مبالٍ حتى قال امرؤ القيس: فقُل وأنعت فرسك وناقتك، وأقول وأنعت فرسي وناقتي، فقال علقمة: إني فاعل، والحكمُ بيني وبينك المرأة من ورائك، يعني أم جندب، امرأة امرؤ القيس، فقال امرؤ القيس:
خليلَيَّ مُرَّا بي على أمِّ جُنْدَبِ.
نُقَضِّ لُبَاناتِ الفُؤاَدِ المعذَّبِ.
وقال علقمة:
ذَهَبت من الهجراَنِ في كل مَذْهَبِ.
ولم يَكُ حَقًّا كلُّ هذا التجنُّبِ.
وتحاكما إلى المرأة ففضلت علقمة [٢٥] .
ويمضي الجرجاني، فيروي ما جرى بين امرؤ القيس وغيره من شعراء عصره من المساجلات والمباريات، التي احتفلت بها كتب النقد والأدب، ليصل في النهاية إلى ما يريد فيقول لقارئه:
"فاعلم أنهم إذا ذكروا في تعلقهم بالتوابع ومحاولتهم أن يمنعوا من الاستدلال مع تسليم عجز العرب عن معارضة القرآن، مَنْ تراخى زمانه عن زمان النبي ﷺ ، كالجاحظ وأشباهه كانوا في ذلك أجهل، وكان النقض عليهم أسهل، وذلك أن الشرط في نقض العادة أن يعم الأزمان كلها، وأن يظهر على مدّعي النبوة ما لم يستطعه مملوك قط..".
стр. 6516
"وأما تقدم واحد من أهل العصر سائرهم، ففي معنى تقدم واحد من أهل مصر من الأمصار غيره ممن يضمه وإياه ذلك المصر، لا فضل في ذلك بين الأمصار والأعصار، إذا حققت النظر، إذ ليس بأكثر من أنَّ واحدا زاد على جماعة معدودين في نوع من الأنواع، فكان أعلمهم أو أكتبهم أو أشعرهم أو أحذقهم في صنعة، وأبرهم في عمل من الأعمال، وليس ذلك من الإعجاز في شيء..
إنما المعجز ما علم أنه فوق قوى البشر وقدرهم، إن كان من جنس ما يقع التفاضل فيه من جهة القدر، أو في علومهم إن كان من قبيل ما يتفاضل الناس فيه بالعلم والفهم".
ويدعم الجرجاني هذا الرأي بتقديم مثال ملموس من واقع الحياة الأدبية، وهو ما بلغه الجاحظ وأمثاله من مكانة علمية وأدبية، نتيجة لما استقوه من كلام بلغاء العرب الذين تقدموا في الأزمنة.. فيقول:
"وإذا كنا نعلم أن استمداد الجاحظ وأشباه الجاحظ من كلام العرب والبلغاء الذين تقدموا في الأزمنة، وأنهم فجَّروا لهم ينابيع القول فاستقوا، ومثلوا لهم مثلا في البلاغة، فاحتذوا، إذن لم يبلغوا شأو ما بلغوا، ولم يدُرّ لهم من ضروع القول ما درّ، ولو أن طباعا لم تشرب من مائهم، ولم تُغَذ بجناهم، ولم يكن حالهم في الاكتساب منهم، والاستمداد من ثمار قرائحهم، وتشمم الذي فاح من روائحهم. حال النحل التي تغتذي بأريج الأنوار، وطيب الأزهار، وتملأ أجوافها من تلك اللطائف، ثم تمجها أريا وتقذفها مذيا [٢٦]- إذن لكان الجاحظ وغير الجاحظ في عداد عامة زمانهم الذين لم يرووا، ولم يحفظوا، ولم يتتبعوا كلام الأولين من لدن ظَهَر الشعر، وكانت الخطابة إلى وقتهم الذي هم فيه، ولم يعرفوا إلا ما يتكلم به آباؤهم وإخوانهم ومساكنوهم في الدار والمحلة، أو كانوا لا يزيدون عليهم إن زادوا إلا بمقدار معلوم".
"فمن أعظم الجهل وأشد الغباوة أن يجعل تقدم أحدهم لأهل زمانه من باب نقض العادة وأن يُعدّ معدّ المعجز".
стр. 6517
وهنا تتضح الفكرة التي تبناها الجرجاني وقدّم لها، وسعى إليها من كل هذا العرض والسَّرْدِ والتحليل، لقد فرق بين النبي ومعجزته، وبين العبقري وما تجود به قريحته من آثار أدبية يتميز بها عن عصره، ويفوق بها أنداده ومعاصريه، فيبدو وكأنه في القمة.. هذه القمة التي حَبَتْ بها القدرة الإلهية الأنبياء والرسل وأيدتهم بها دون سائر الخلق.
وعلى الرغم مما توصل إليه الجرجاني حتى الآن من نتائج.. وما وضح من أفكار إلا أنه يبدو غير مقتنع.. فنراه يفرد فصلا جديدا يلحقه بما فات، يذكر فيه ما دار على ألسنة الناس، وكأنه يعير هذا الموضوع اهتماما كبيرا، ويجعل منه منطلقا لتفنيد مَزَاعِمِهم، وردّ ادعاءاتهم.. فيقول:
"إنا قد علمنا من عادات الناس وطبائعهم أن الواحد منهم تواتيه العبارة، ويطيعه اللفظ في صنف من المعاني، يمتنع عليه مثل تلك العبارة وذا اللفظ في صنف آخر فقد يكون الرجل - كما لا يخفى - في المديح أشعر منه في المراثي.. وأنفذ منه في الحِكَم والآداب، ونراه يستطيع في الأوصاف والتشبيهات ما لا يستطيع مثله في سائر المعاني.. وإذا كان كذلك، فلعل العجز الذي ظهر فيهم عن معارضته القرآن لم يظهر لأنهم لا يستطيعون مثل ذلك النظم، ولكن لأنهم لا يستطيعونه في مثل معاني القرآن".
ويورد الجرجاني شواهد كثيرة من الشعر والنثر تؤيد وجهة نظره، وتوضح هدفه. بعد ذلك يرد ردا حاسما يبطل كل ادعاء، ويضحد كل زعم، فيقول: "وإذا كان الأمر كذلك لم يمتنع أن يكون سبيل لفظ القرآن، ونظمه هذا السبيل، وأن يكون عجزهم عن أن يأتوا بمثله عن طريق العجز".
"واعلم أنهم في هذا كَراَمٍ قد أضل الهدف، وبانٍ قد زال عن القاعدة، وذاك أنه سؤال لا يتجه حتى يقدّر أن التحدي كان إلى أن يعبروا عن معاني القرآن أنفسها وبأعيانها بلفظ يشبه لفظه، ونظم يوازي نظمه، وهذا تقرير باطل.
стр. 6518
فإن التحدي كان إلى أن يجيئوا في أي معنى شاءوا من المعاني بنظم يبلغ نظم القرآن في الشرف أو يقرب منه، يدل على ذلك قوله تعالى:
﴿قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ﴾ [٢٧] أي مثله في النظم، وإذا كان كذلك كان بيّنا أنه بناء على غير أساس، ورمي من غير مرمى، لأنه قياس ما امتنعت فيه المعارض من جهة، وفي شيء مخصوص على ما امتنعت معارضته من الجهات كلها، وفي الأشياء جميعها [٢٨] .
وهكذا وضحت فكرة الجرجاني.. العالم الأديب، وهكذا أيضا وضح مفهومه للإعجاز.. لقد جعل الجرجاني نظم القرآن وجها يعلو على كل الوجوه، وبنى عليه كل آرائه، بل لقد جعله محور تآليفه وتصانيفه التي خصصها لدراسة البلاغة العربية عامة، والبلاغة القرآنية خاصة.
ومن الحق أن نقول إن الجرجاني وقد توفي في القرن الخامس (٤٧١هـ) قد أفاد إفادة كبيرة من كل الآراء التي طرحت على مائدة البحث، خاصة آراء الجاحظ والرماني والباقلاني، درسها واستوعبها، ولكنه تأثر أكثر ما تأثر بالرماني (المتوفى سنة ٣٨٨هـ) في آرائه البلاغية، وإرجاعه أسرار الإعجاز القرآني إلى الوجوه البلاغية.
ومن الحق أيضا أن نقول - إن الجرجاني قد التقى مع الرماني فهما وتحليلا، كما التقيا في المنهج إذ أن منهج كل منهما كان يعتمد على الذوق الفني، والتذوق الأدبي، وكلاهما نظر إلى أسلوب القرآن ووقفا على مواطن الحسن والجمال فيه، ويتضح هذا الأمر من تساؤل الجرجاني.. ماذا أعجز العرب؟ وعن ماذا عجزوا؟ أعن معان من دقة معانيه وحسنها وصحتها في العقول؟ أم عن ألفاظ مثل ألفاظه؟ ثم يجيب على هذا التساؤل بقوله: "أعجزتهم مزايا ظهرت لهم في نظمه، وخصائص صادفوها في سياق لفظه، وبدائع راعتهم من مبادئ آيه ومقاطعها، ومجاري ألفاظه ومواقعها، وفي مضرب كل مثل ومساق كل خبر وصورة، كل عظة وتنبيه وإعلام وترغيب في كل حجة وبرهان وصفة وبيان [٢٩] ".
стр. 6519
ولكن الجرجاني أخذ هذا المنهج الذي وضع أسسه الرماني، فتوسع فيه، وربط بين المعاني والألفاظ، مؤكدا على وجوب تلاؤم الألفاظ مع بعضها من حيث جرسها وموسيقاها [٣٠] .
كما أننا لا نستطيع أن ننكر جهد الباقلاني (المتوفى سنة ٤٣١هـ) ومدى تأثر الجرجاني به، فالباقلاني أول من أشار إلى النظم بوصفه أحد وجوه ثلاثة حددها الرجل للإعجاز القرآني، بيد أن هذا الوجه عند الباقلاني لم يكن محدد المعالم، واضح القسمات، إنما الذي وضّحه وأبرز قسماته ومعالمه، وألقى عليها مزيدا من الضوء: الجرجاني.
فلنستمع إلى قوله وهو يوضح مفهومه - بعد أن ردّ على القائلين والزاعمين وفنّد مزاعمهم -: "وإذا امتنع ذلك فيها فلم يبق إلا أن يكون (يقصد الإعجاز) في النظم والتأليف. وكنا قد علمنا أن ليس النظم شيئا غير توخي معاني النحو وأحكامه فيما بين الكلم، وأناّ إن بقينا الدهر نجهد أفكارنا حتى نعلم للكلم المفردة سلكا ينظمها، وجامعا يجمع شملها ويؤلفها، ويجعل بعضها بسبب من بعض، غير توخي معاني النحو وإحكامه فيه، طلبنا ما كل محال دونه [٣١] ".
"فإن قيل: قولك (إلا النظم) يقتضي إخراج ما في القرآن من الاستعارة وضروب المجاز من جملة ما هو به معجز، وذلك ما لا مساغ له..
قيل: ليس الأمر كما ظننت، بل ذلك يقتضي دخول الاستعارة ونظائرها فيما هو به معجز، وذلك لأن هذه المعاني _ التي هي الاستعارة والكناية والتمثيل وسائر ضروب المجاز من بعدها _ من مقتضيات النظم، وعنها يحدث وبها يكون".
وهكذا عمّق الجرجاني مفهومه للنظم، ولم يقف عند حد ما وقف عنده الباقلاني لذلك وضح بين أفكاره هذا الوجه الإعجازي وضوحا جليا، واستحق أن ينسب إليه دون غيره.
د. أحمد جمال العمري.
--------------------------------------------------------------------------------
стр. 6520
[١] هو أبو بكر عبد القادر بن عبد الرحمن الجرجاني، أحد علماء السنة الموهوبين، كان عالما واسع الثقافة، كما كان متكلما على مذهب الأشعري، وفقيها على مذهب الشافعي، أخذ النحو عن أبي الحسن محمد بن الحسن ابن أخت أبي علي الفارسي المشهور كما أخذ الأدب والنقد عن القاضي علي بن عبد العزيز الجرجاني.
من مؤلفاته: العوامل المائة في النحو، ودلائل الإعجاز، وأسرار البلاغة، والرسالة الشافية.
أنظر في ترجمته: دمية القصر للباخرزي ١٠٨، طبقات الشافعية للسبكي ٣/٢٦٢ النجوم الزاهرة لابن تغري بردي ٥/١٠٨، بغية الوعاة للسيوطي ٣١٠، شذرات الذهب لابن العماد ٣/٣٤٠، وبروكلمان ١/٢٨٦.
[٢] طبع كتاب دلائل الإعجاز في القاهرة عدة طبعات وبتحقيقات متعددة.
[٣] طبعت هذه الرسالة ضمن ثلاث رسائل في إعجاز القران بتحقيق الأستاذين محمد خلف الله ومحمد زغلول سلام _ في دار المعارف بمصر.
[٤] دلائل الإعجاز - المقدمة الصفحة ز.
[٥] الشقاشق: جمع شقشقة بكسر الشين: لهاة البعير وما يخرج من فمه إذا هاج.
[٦] دلائل الإعجاز الصفحة ف. والراء: الرأي.
[٧] رازوا أنفسهم: أي اختبروا قوتهم.
[٨] دلائل الإعجاز ص٢٩.
[٩] دلائل الإعجاز ص٢٩ والبيت منسوب لأنس بن أنيس انظر الكامل للمبرد ١/٣١٦ طبع مصر.
[١٠] دلائل الإعجاز ص٣٨.
[١١] الرسالة الشافية ص١٠٧.
[١٢] دلائل الإعجاز ص٥٥ انظر أيضا ص٢٨٤ من المصدر نفسه.
[١٣] الرسالة الشافية ١٠٨.
[١٤] الرسالة الشافية ١٠٨.
[١٥] المصدر السابق نفسه.
[١٦] يبأى: أي يفخر.
[١٧] الرسالة الشافية ص١٠٩ _ ١١٠.
[١٨] انظر الحديث كاملا في الرسالة الشافية ص١١١.
[١٩] سورة فصلت الآيتان ١_٢.
[٢٠] انظر نص الحديث كاملا في الرسالة الشافية ص١١٣ وما بعدها.
[٢١] انظر نص الحديث كاملا في الرسالة الشافية ص١١٤ وما عبدها.
стр. 6521
[٢٢] عبد الكريم الخطيب، إعجاز القرآن ص٦٧.
[٢٣] الرسالة الشافية ص١١٧.
[٢٤] الرسالة الشافية ١١٧.
[٢٥] الرسالة الشافية ص١١٨.
[٢٦] الأري والمذي من أسماء عسل النحل.
[٢٧] سورة هود الآية ١٣.
[٢٨] الرسالة الشافية ص١٢٩.
[٢٩] دلائل الإعجاز ص٢٨.
[٣٠] انظر دلائل الإعجاز ص٣١_٣٢.
[٣١] دلائل الإعجاز ٢٩٦.
стр. 6522
ملامح المجتمع الإسلامي
لفضيلة الشيخ محمد السيد الوكيل
تمهيد: لقد بعث النبي ﷺ _ والناس فوضى متفرقون، لا تكاد تجد شخصين يلتقيان على كلمة سواء، ولا زوجين يسيران في اتجاه واحد، قبائل متناحرة، وبيوت ممزقة وأسر متفرقة.
مجتمع مهلهل في عقيدته، مشتت في أوضاعه ووجهته، واصدق تعبير عن هذا التمزق قول شوقي:
أتيت والناس فوضى لا تمر بهم.
إلا على صنم قد هام في صنم.
بعث النبي _ ﷺ _ وهذه حال العرب، بل حال الدنيا كلها، فكانت مهمته _ ﷺ _ جمع الشتاة، ولَمِ الشمل، ولهذا جاء _ ﷺ _ بالتوحيد، توحيد العقيدة وتوحيد الوسائل وتوحيد الغاية.
هذا التوحيد الشامل لكل نواحي الحياة المختلفة، هو الغاية العظمى التي من أجلها بعث رسول الله، فقامت أمته على التوحيد، حتى كان التوحيد أساس عقيدتها، وواضع نظمها وثقافتها وروح منهاجها وطريقتها ومنطلق وسائلها وغايتها.
لم يكن هناك شيء يجمع هذه الأشلاء الممزقة إلا التوحيد، حيث عجزت هذه الأمة أن تلتقي على شيء فشلت عروبتها في جمعها، كما عجزت آلهتها عن لَمِ شملها، وبالتالي عجزت صرخات الحنفاء من أبنائها الذين نادوا بالتحذير وحاولوا تبصيرها بعاقبة أمرها.
لقد عجزت كل الوسائل، ولم يبق إلا التوحيد بمعناه الشامل الواسع الذي ذكرته سابقا. ولقد شاء الله _ سبحانه لهذه الأمة أن تكون خاتمة الأمم، كما شاء لرسالتها أن تكون للناس كافة، فهي ليست دعوة إقليمية، ولا هي دعوة شعوبية، بل هي للأمم عامة وللناس كافة ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيراً وَنَذِيراً﴾ [١] .
стр. 6523
فكان لا بد لهذه الأمة المصطفاة، التي كتب لها أن تبقى لتشهد مصرع الحياة، كان لا بد لهذه الأمة من ملامح تميزها عن غيرها من الأمم التي ستعاصرها في تلك الحقبة من الزمان، فكانت تلك الملامح مجتمعة في التوحيد: وحدة العقيدة، وحدة الوسائل، ووحدة الغاية.
١_ وحدة العقيدة:
العقيدة أهم الوسائل توحيد الأمة، لأن الأمة إذا كانت موزعة العقيدة متفرقة الدين تتخطفها آلهة شتى، ويتنازعها أرباب متفرقون، كانت أمة مبعثرة الاتجاه، ممزقة الشريعة ضالة الغاية.
فتوحيد العقيدة يتجه أولا إلى توحيد الله _ _ إذ يقتضي التوحيد أن يكون إلها واحدا، وأن يكون هو ربها الذي تدين له بالربوبية، وهو سبحانه معبودها الذي تعنو له جباهها.
وتوحيد العقيدة يقتضي صرف العبادة بأنواعها المختلفة إلى ذلك الإله الواحد، فيكون توكلها عليه، ورجاؤها فيه، وخوفها منه، ومحبتها له، كما يكون نذرها وذبحها، واستغاثتها واستعانتها، ودعاؤها وأملها، كل ذلك يكون لذلك الإله الواحد _ جل وعلا _.
وإن أول تفرق الأمة وتمزقها، يأتيها من تفرق عقيدتها، فدعاء الناس مخلوقا لا يملك لنفسه ضرا ولا نفعا هو أول أبواب الشر الكثيرة التي تفتح عليهم وخوفهم من المخلوقين وتوقع الضر والنفع منهم هو أعظم البلاء الذي ينزل بهم، وتوكلهم على ذوي الجاه والمناصب واعتقادهم بأنهم هم الذين يسيِّرون الأمور، ويدفعون الشرور، هو أكبر المخاطر التي تحيق بهم.
стр. 6524
فإذا تحقق التوحيد _ بهذا المعنى _ في القلوب، وسيطر على النفوس، غير مجرى الحياة كلها، فترى الناس يستمدون قوتهم من الله الواحد، ويستلهمون خطتهم من الإله الواحد، تطمئن قلوبهم إلى نصره، وتطمع نفوسهم في تأييده، وتمتد إليه سبحانه أيديهم بالسؤال، لأنه وحده الذي يملك الإجابة وتعنو جباههم له بالعبادة، لأنه الواحد الذي يستحق العبادة، وتطأطئ رؤوسهم لعظمته، لأنه الواحد المتفرد بالعظمة، وتنحني هاماتهم خضوعا لجلاله، لأنه وحده ذو الجلال والإكرام وتنقطع آمالهم إلا من كرمه لأن خزائنه سحاء الليل والنهار، وتخضع أعناقهم لحكمه، لأنه _ جل شأنه _ لا راد لقضائه ولا معقب لحكمه.
فهو _ ﷻ _ الواحد الأحد، الفرد الصمد، الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد.
إن عقيدة التوحيد تجمع القلوب المتفرقة، وتمد الضعفاء بقوة فوق قوة البشر وتجعل الأمة المبعثرة الممزقة وحدة ترهب الأعداء، وتحقق الآمال، وتنشر العزة بين الصفوف فيواجهون الشدائد بعزة المؤمنين، ويتغلبون على الصعوبات بقوة اليقين بنصر الله.
تلك هي اللمحة الأولى من ملامح المجتمع الإسلامي وهي اللمحة الأهم التي ركز عليها الرسول _ ﷺ _ منذ بعثته حتى انتقل إلى جوار ربه.
٢_ وحدة الوسيلة:
إذا كانت وحدة العقيدة هي اللمحة الأولى للمجتمع فإن وحدة الوسيلة من أهم أسباب وحدة الأمة لأن الوسائل هي الطرق المؤديَّة إلى الغاية.
والغاية في الإسلام هي إرضاء الله _ _ بطاعته فيما أمر ونهى وإخلاص العبادة له وحده دون سواه ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنْسَ إِلا لِيَعْبُدُونِ﴾ [٢] .
стр. 6525
ولقد شرع الإسلام الوسائل التي تتضمن توجيه الناس إلى الغاية التي خلقوا لها حيث شرع العبادات، وكلَّف بها الجميع على السواء، وهي علاوة على كونها عبادة لله _ _ فإنها وسائل تجمع الأمة، وتخط لها طريقا سويا، تسير فيه على هدى وبصيرة حتى تصل إلى غايتها.
والوسائل في الإسلام يجب أن تكون شريفة كشرف الغاية التي تريد الوصول إليها، والإسلام يرفض القاعدة التي اختطها بعض الناس، ورسموا على أساسها منهج حياتهم، وهي (الغاية تبرر الوسيلة) يرفض الإسلام تلك القاعدة، لأن الغاية التي يعمل لها نظيفة وشريفة ولا يمكن الوصول إليها إلا بالوسائل النظيفة الشريفة.
فمهما كانت عظمة الغاية، ومهما كانت حاجة الإنسان إليها، فإن ذلك لا يبرر مطلقا الوصول إليها بوسائل غير مشروعة، لأن الوسائل غير المشروعة، لا توصل إلا إلى غايات غير مشروعة.
فإذا كنت تريد جمع المال الحلال، فإنه لا يمكنك الوصول إليه بطريق الربا، أو الاحتكار أو الرشوة أو القمار.
وإذا كانت غايتك أن تعف نفسك، فلا يمكنك ذلك عن طريق الزنا أو اللواط. وإذا أردت أن تكون شجاعا، فلا يتأتى ذلك بالاعتداء على الناس، وظلم الضعفاء. وفرق واضح بين أولئك الذين يتحرون الحلال في المكسب والمطعم والمشرب، وبين أولئك الذين يريدون جمع المال، ولا يهمهم كيفية الحصول عليه، وبين أولئك الذين يريدون إعفاف أنفسهم، وبين الذين لا هم لهم إلا إشباع رغباتهم، وبين الشجاع الأبي وبين المعتدي الأثيم.
الفرق واضح بلا شك، لأن الغاية الشريفة تأبى أن تٌنال بوسائل خسيسة لهذا فإننا نرفض تلك القاعدة، ونرفض أن تكون منهاج حياتنا، ولهذا أيضا كانت وسائل سامية، تدعو إلى مثل وفضائل عالية، وهي تجتمع كلها في العبادات.
كيف تحقق الوسائل أهدافها؟
سنرى فيما يأتي كيف تحقق هذه الوسائل أهدافها ولنبدأ بالصلاة:
стр. 6526
الصلاة: فالصلاة تجمع المسلمين في الحي كل يوم خمس مرات، وفي كل أسبوع مرة على صعيد القرية أو المدينة في صلاة الجمعة، ثم في كل عام مرتين في صلاة العيدين على صعيد المدينة.
ولا يجوز لمسلم يسمع النداء، وهو غير معذور، ثم يصلي في بيته، وهذه الصلاة تكون في جماعة ليجتمع المسلمون فتزيد قوتهم، وتقوى روابط المحبة والمودة بينهم.
الصيام: وهو فريضة جماعية من حيث زمانه، فلا يجوز لمسلم أن يصوم شهر شعبان بدلا من شهر رمضان، وفترة الصيام محدودة من طلوع الفجر إلى غروب الشمس، وذلك هو عين المعنى الجماعي الذي ينشد الإسلام.
الزكاة: تجمعها الدولة من كافة الموسرين المسلمين الأغنياء يحسون بحاجة إخوانهم الفقراء، فيبذلون من أموالهم، فتتوطد علاقات المحبة، والمودة بين أفراد الشعب، فيعيشون كالجسد الواحد.
ثم الحج: وهو فريضة يظهر فيها الجانب الجماعي واضحا، فالمسلمون يلتقون في يوم واحد، وليس لمسلم إن يتقدمه أو يتأخر عنه، ثم هم يلبسون زيا واحدا، ويؤدون أعمالا جماعية، واجتماع المسلمين في يوم واحد، ومكان واحد، وقيامهم بأعمال واحدة كل ذلك ينمي فيهم الروح الجماعية التي جاء من أجلها الإسلام.
ومن هذا العرض السريع نتبين أن العبادات التي فرضها الله _ تعالى _ على المسلمين، كلها وسائل تجميع للأمة تربي فيهم حب الجماعة، وتنمي فيهم الروح الجماعية.
فالإسلام إذن هو دين التوحيد الخالص، دعا إليه في العقيدة، ورسمه في الوسائل وفرضه على المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها، وتلك هي اللمحة الثانية من ملامح المجتمع الإسلامي فالمجتمع الإسلامي هو المجتمع الذي يعيش بعقيدة التوحيد، ويتوصل إلى غايته بوسائل واحدة.
وهناك لمحة ثالثة موعدنا معها العدد القادم.
--------------------------------------------------------------------------------
стр. 6527
[١] سورة سبأ الآية (٢٨) .
[٢] الذاريات: ٥٦.
стр. 6528
الإنسان.. والعصيان..!
لفضيلة الشيخ عبد الفتاح عشماوي
لقد هممت أن أقلب العنوان فأجعله (العصيان والإنسان) فتصبح كلمة (العصيان) سابقة لكلمة (الإنسان) ، لولا خشيتي من أن أقلب معها ترتيب الخلق الإلهي، حيث كان الإنسان ثم العصيان، وسبب تفكيري في أن أجعل المعصية أولا، هو أن الإنسان من شدة حرصه على أن يذنب، يكاد يجعل عمره بحثا عن الذنب أين يكون ليقترفه، فالإنسان هو اللاحق التابع، وذنبه هو السابق المتبوع، ودليلي فيما ذهبت إليه من هذا التصوير، هو كلام خالق الإنسان سبحانه، حيث يقول: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ﴾ ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ﴾ ..
стр. 6529
فالآيتان الكريمتان تخبران بأن الأهواء هي المتبعة، وأصحابها هم التابعون لها، وقوله أيضا عز من قائل: ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاه﴾ ، فالآية هنا لم تجعل الذنب متبوعا من الإنسان فقط كما في الآيتين السابقتين، وإنما زادت بأنه قد اتخذه إلها، فالمعروف بأن الإله هو المطاع، والعابد هو المطيع، فهل يكون في الأمر غرابة إذا عكسنا العنوان وقلنا: (العصيان والإنسان) ، بعد أن سمعنا قول العليم بما نخفي وما نعلن، وبما أكد أن الإنسان هو المنقاد لذنبه، بغض النظر عن الدافع لارتكاب الذنب شيطانا كان أو نفسا أمارة، وبغض النظر أيضا عن النسبة القليلة المطيعة في المجموعة البشرية، الذين غلب خيرُهم شرَّهم، ولم يسمحوا للنفس ولا للشيطان عليهم بمطلق السلطان، لأن الشيطان نفسه بادئ أمره في السماء قد أعلن ذله أمام هذه القلة العاقلة من الذرية الآدمية، حين قال لربه: ﴿لَئِنْ أَخَّرْتَنِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلا قَلِيلاً﴾ ، فقد أدرك أن هؤلاء المطيعين سيكونون مستعدين للمقاومة الدائمة لكل نوازع السوء، فيصبح حديثي عنهم تحصيل حاصل، ولأنهم قليل ما هم حيث أحبوا العمل وكرهوا القول، وأنفوا التحدث عنهم، فلم يعطونا من أنفسهم مادة لنكتب عنهم أو نخطب، أما عكسهم فهم الأكثر والأشهر، فقد قدموا المدد العريض من شرهم ليقول عنهم من شاء بما يشاء، إذا لما جعلت الإنسان والعصيان شيئين لا يفترقان، وعبرت عن الفريق الذي فسق عن أمر ربه لكثرته كأنه الكل، ما غلوت في ذلك، خاصة بعدما سمعنا عن اللعين أبي الشيطان ﴿لأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ﴾ أي لأستأصلن الخير من كل ذرية آدم ولم يستثن إلا القليل الذي ذكرته الآية، واستثناؤه لهذا القليل هو الدليل على عجزه عن بلوغ قصده، وإلا لأحتنك كل الذرية ولم يستثن أحدا، فقد قيل إنه سئل عن أي شيء أحب إليه فقال: "لو عرض عليّ ملك الدنيا وأن أضل واحدا من ذرية آدم
стр. 6530
لاخترت الثانية"، إذا فقد أطيع ممن أطاعوه بسهولة منهم ورضا، وهو بنفسه سيقول هذا يومها ﴿وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ وعليه فلا يجوز للعصاة قولهم غلبنا الشيطان، والصحيح أن يقولوا دعانا فاستجبنا، حيث لم نستعمل مجرد العقل لندرك به النجاة من الهلكة، وحيث تقرر في الآخرة الحقيقة التي كان يكفي فيها تحكيم العقل قبل النقل، عندما يقال لهم عن حصاد الشيطان معهم: ﴿وَلَقَدْ أَضَلَّ مِنْكُمْ جِبِلاً كَثِيراً أَفَلَمْ تَكُونُوا تَعْقِلُونَ﴾ ؟ فهو هنا سبحانه اكتفى بذكر العقل الذي هو أساس فهم الأمر ضارّا كان أو نافعا، وما الرسل مع العقل إلا مبشرين لمن عقل، ومنذرين لمن جهل، والعجب في الإنسان أنه ما نقم وكان لربه خصيما، إلا وهو موقن من أنه أكثر المخلوقات استئثارا بما في دنيا الله من نعم، وغمره بما في سمائه وأرضه من خير ﴿وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً مِنْهُ﴾ ولأني مصر على أن الإنسان أذل نفسه للمعصية وجعلها سيدته المتحكمة في أمره، ولم يكرم آدميته المكرّمة من الله، ولا ما أشهده على نفسه يوم أن أخذ من بني آدم من ظهورهم ذريتهم، أقدم دليلا من قصة أمر رسولنا ﷺ أن يقصها علينا، ﴿فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ ، ليعْلِّمنا بها سبحانه أن أول عمل عمله الإنسان على الأرض بعد الإشهاد والتكريم، هو مقابلة الإحسان بإغضاب المحسن تعالى، وبأفحش ما يستجلب به سخطه، فكانت أول معصية وقف أمامها الإنسان أحقر ما يكون، لمَّا فتك بإنسان مثله، وجعل بداية ما تستقبل الأرض هو الدم الأحمر القاني يختلط بثراها، يتفجر من جسد المظلوم هابيل، بيد قابيل أخيه ابن أمه وأبيه، من هنا، كان الشر في الدنيا هو السائد، والذَنب للإنسان هو القائد، واستحق أن يكون ظلوما جهولا، لماّ
стр. 6531
لم يكن مع عهد الله من الأوفياء، ولا على أمانته من الأمناء، والقصة هي: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَاناً فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الآخَرِ قَالَ لأَقْتُلَنَّكَ قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ. لَئِنْ بَسَطْتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لأَقْتُلَكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ. إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بإِثْمِي وَإِثْمِكَ فَتَكُونَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ وَذَلِكَ جَزَاءُ الظَّالِمِينَ. فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ فَأَصْبَحَ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ ، فالأخ القتيل ذكَّر أخاه القاتل بربه وخوفه منه، لما ذكر له أنه لن يرد سوء العمل بمثله لأنه يخاف الله ﴿لَئِنْ بَسَطْتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لأَقْتُلَك﴾ السبب ﴿إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ﴾ لكن لما كان جانب الشر في الإنسان أقوى وأسبق، وأنه عندما يسيطر عليه شره، يصبح الأسير المطيع لخبث نفسه، وعلى هذه الصورة قدمت إلينا الآية قابيل القاتل بأنه وقد ذكَّره أخوه بربه، ورهبه من ناره التي أعدها لكل أثيم، عندما قال له: ﴿فَتَكُونَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ وَذَلِكَ جَزَاءُ الظَّالِمِينَ﴾ . أقول بعد هذا كله، لم تتحرك شعرة في قابيل نحو أخيه من حنو أو رحمة، ولم يحاول التخلص من طاعة نفسه المتوحشة، وإنما انقاد لها ذليلا بأسرع ما تكون الطاعة ﴿فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ﴾ ، وقتل من؟ تقول الآية ﴿قَتْلَ أَخِيهِ﴾ وبهذا قضى عليه بالخسران ﴿فَأَصْبَحَ مِنَ الْخَاسِرِين﴾ ، ووضع قابيل بإثمه بداية الخُسْرِ على الأرض لما أصبح أول خاسر، فكانت الكثرة والهيمنة فيها من نوع أول ما عمل على ظهورها، وهو الكفر بالله والاقتران بمعصيته، وهكذا انطلق
стр. 6532
الإنسان في أحقاب الدنيا متقلبا في درْك المنكر ينوعه ويفرعه، لا يرده حياء ولا يخجله فحش، حتى أتي نوعا من الذنب بعد القتل تكاد السماء منه تنهال وتندك له الجبال، ما فعلها كائن من خلق الله ولا عالَما من عالمَِينه، لقد رأى الكثير منا أحط الحيوانات تتناكح، كالقرد والخنزير والكلب، ورأينا كيف تترفع هذه الحيوانات وتتعفف من أن يعتلي الذكر ذكرا مثله، ويرفض أن يقذر نفسه بمفرز الغائط، يحدث هذا من أحط الكائنات التي يسميها العلماء حيوانات غير محترمة، ولكنها أثبتت أنها محترمة عن الإنسان لما تعالت عن هذه الفعلة الوسخة، وراح هو يفعلها ليكون في ذلك أحط من الكلب والقرد والخنزير، وليكون له فضيحة البدء وعار السبق بعمل لم يكن له من قبل وجود في دنيا الله، عندما اعتلى الإنسان الإنسان تاركا أنثاه التي كمَّل الله بها إنسانيته وذرأ بها نوعه، وذلك بما حكى القرآن على لسان نبي كريم ﴿وَلُوطاً إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعَالَمِينَ، إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ شَهْوَةً مِنْ دُونِ النِّسَاءِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ﴾ ، فالآية هنا لم تقل: أتأتون الكبيرة، لأنها قد تدخل مع أنواع الكبائر على عمومها، وإنما وصفت بأغلظ وصف وضع لكبائر معينة لا يؤجل أمرها إلى لقاء الآخرة، كذلك أثبتت الآية دليلا إلى ما تقدم من أدلة على أن الإنسان أسلم قياده للمعصية، حتى جعلها تسبق وهو يلحق، لما قال لوط ﵇ لقومه المنصوحين: ﴿مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعَالَمِينَ﴾ ، والتفسير هنا واضح من أن كلمة ﴿أَحَدٍ﴾ مقصود بها كل كائن حي وليست مقصورة على جنس الإنسان، أي لم يسبقكم إليها كائن ما والدليل قوله: ﴿مِنَ الْعَالَمِينَ﴾ ، فلو كان القصد عالم الإنسان فقط ما جمعت الكلمة على الإطلاق، وحتى كلمة ﴿مَا سَبَقَكُمْ﴾ ، ليس الغرض منها _ والله أعلم _
стр. 6533
السبق الزمني وحده، وإنما السبق الزمني والفعلي قبل لوط وبعده، فإنه وإن كان الإنسان لم يفعلها قبل إنسان لوط لكنه لا زال يرتكبها نوع من الإنسان حتى الآن، أما الحيوان فلم يفعلها لا قبل لوط ولا بعده، ومن هنا يكون معنى قوله ﴿مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعَالَمِينَ﴾ لم يفعلها غيركم من كل العالمين، ولذلك كان عقاب الله فريدا في نوعه لم يقع لقوم أي رسول ﴿فَجَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ﴾ أي محمية في النار، لأن عملهم بلغ قمة الإسراف بوصف نبيهم لهم ﴿بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ﴾ ، واليوم نسأل، هل هذا العمل الذي سمعنا عنه الآن ما يرعب، قد قطع دابره اليوم من أمتنا الإسلامية على أساس أننا أمة محمد ﷺ ، ولسنا أمة لوط ﵇؟ سؤال معلوم جوابه في قصة الإنسان والعصيان.
стр. 6534
إن المعصية في ذاتها شيء لابد أن يكون، فالعصمة لرسل الله وأنبيائه صلوات الله وسلامه عليهم، ولكن الذي لا يجوز أن يكون، هو أن تستمر المعصية حتى تشقي صاحبها، وأنواعها شتى لا يحيطها حصر، لكنها جميعها تقع بين دفتي معصيتين، إحداها كبراها وهي التي تلبس صاحبها الكفر عندما يأبى الاعتراف بموجده سبحانه، والثانية صغراها وهي مقترفة اللمم، وهذه سنفصل أمرها بعد إن شاء الله، حيث هي للمسلم الذي تقع منه صغائر وكبائر، أما الكافر فلا صغائر له ولا كبائر، فقد انضوى كل قبحه تحت ذروة ظلمه ﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَذَّبَ بِآياتِ اللَّهِ وَصَدَفَ عَنْهَا﴾ ، أي لا أحد أظلم منه، فكل ما يصدر منه كفر صغر أو كبر، لكنه وهو في قمة أو قمامة كفره إذا فطن إلى سوء نفسه، وزكاها بعد أن دساها، وفهم بأنه وُجد من موجد واحد يتحتم أن يوجد، فمرحبا به في سعة ربه يكرمه ويفرح به ويقبل عليه وكأنه لم يكفر به يوما، مهما طال كفره وفحشت معصيته، وإليكم من نوع تصحيح الإنسان لإنسانيته عندما يميل عنها، قصتان من وقائع عصر النبوة، أولاهما وقعت من عبد الله بن الزِبَعْرَى لما هرب يوم الفتح إلى نجران، وكان شاعرا حتى قيل إنه أشعر شعراء قريش، وسخر شعره في هجاء المسلمين، فبلغه ما قاله عنه حسان بن ثابت ﵁ في هذين البيتين: _
لا تعد من رجلا أحلك بغضه.
نجران في عيش أخس لئيم.
غضب الإله على الزِبَعْرى وابنه.
وعذاب سوء في الحياة مقيم.
стр. 6535
فلما بلغه شعر حسان رجع حتى جاء رسول الله ﷺ وهو جالس في أصحابه، فلما نظر الرسول إليه قال لهم: "هذا ابن الزبعرى ومعه وجه فيه نور الإسلام"، فلما وقف على رسول الله ﷺ قال: السلام عليك يا رسول الله، شهدت أن لا إله إلا الله وأنك عبده ورسوله، والحمد لله الذي هداني للإسلام، لقد عاديتك وأجلبت عليك، وركبت البعير والفرس ومشيت على قدمي في عداوتك، ثم هربت منك إلى نجران وأنا أريد أن لا أقرب الإسلام أبدا، ثم أردني الله منه بخير وألقاه في قلبي وحببه إلي، وذكرت ما كنت فيه من الضلالة واتباع ما لا ينفع ذا عقل من حجر يعبد ويذبح له لا يدري من يعبده ومن لا يعبده فقال له الرسول ﷺ : "الحمد لله الذي هداك للإسلام، إن الإسلام يجب ما كان قبله"، ثم قال بعد ذلك هذه الأبيات:_
منع الرقاد بلابل وهموم
والليل معتلج الرواق بهي.
مما أتاني أن أحمد لا مني
فيه فبت كأنني محموم
إني لمعتذر إليك من الذي
أسديت إذ أنا في الضلال أهيم
فاليوم آمن بالنبي محمد
قلبي ومخطئ هذه محروم.
فاغفر فدى لك والديّ كلاهما
زللي فإنك راحم مرحوم
وعليك من علم المليك علامة
نور أعز وخاتم مختوم
أعطاك بعد محبة برهانه
شرفا وبرهان الإله عظيم
ولقد شهدت بأن دينك صادق
حق وأنك في العباد جسيم
والله يشهد أن أحمد مصطفى
متقلب في الصالحات كريم
стр. 6536
والثانية من صحابي منسي قل الحديث عنه، مع أنه ابن عم شقيق الرسول ﷺ ، وشبيهه في الخلقة والخلق، وهو أبو سفيان بن الحارث، غير أبي سفيان بن أمية حتى لا يشتبه الأمر على بعضنا لقلة معرفة صاحب القصة كما ذكرت إلا بكلمات في كتيبات، يقول أهل السِّيَر: كان أبو سفيان بن الحارث بن عم رسول الله ﷺ وأخوه من الرضاعة، أرضعته حليمة بنت سعد، وكان يألف رسول الله قبل البعثة، فلما بُعث عاداه أبو سفيان عداوة لم يعاد بمثلها أحد قط، فمكث عشرين سنة عدوا لرسول الله ﷺ ويهجو المسلمين بشعره ويهجونه، ولا يتخلف عن موضع تسير فيه قريش لقتال رسول الله ﷺ ، حتى نصر الله رسوله وتهيأ لفتح مكة، قال أبو سفيان بن الحارث: فقلت: من أصحب ومع من أكون؟ . قد ضرب الإسلام بجرانه، فجئت زوجتي وولديّ فقلت: تهيؤوا للخروج من مكة فقد أظل قدوم محمد، قالوا قد آن لك أن تبصر أن العرب والعجم قد تبعت محمدا وأنت موضع في عداوته كنت أولى الناس بنصرته، فأصاب قولهم موضعا في نفسي، فخرجت متوجها نحوه على قدمي نحوا من ميل، وكان قد نذر دمي، فتنحيت خوفا من أصحابه، فلما طلع في موكبه تصديت له تلقاء وجهه، فلما ملأ عينيه مني أعرض عني بوجهه إلى الناحية الأخرى، فتحولت إلى ناحية وجهه فأعرض عني مرارا، فأخذني ما قرب وما بعد، وقلت: أنا مقتول قبل أن أصل إليه، وأتذكر بره ورحمه فيمسك ذلك عني الخوف، وقد كنت أظن أن رسول الله ﷺ وأصحابه سيفرحون بإسلامي فرحا شديدا لقرابتي برسول الله. فلما رأى المسلمون إعراضه عني أعرضوا عني جميعا، فلقيني أبو بكر معرضا عني، ونظرت إلى عمر فقال لي: يا عدو الله، أنت الذي كنت تؤذي رسول الله وتؤذي أصحابه، قد بلغت مشارق الأرض ومغاربها في عداوته، ورفع صوته واستطال عليّ، فدخل عليَّ عمي العباس فقلت يا عم قد كنت أرجو أن يفرح بي رسول الله بإسلامي لقرابتي وشرفي
стр. 6537
وقد كان منه ما رأيت فكلمه فيّ ليرضى عني، قال: لا والله لا أكلمه كلمة بعد الذي رأيت إلا أن أرى وجها، إني أجل رسول الله ﷺ وأهابه، فقلت يا عم، إلى من تكلني؟ قال: هو ذاك، فلقيت عليًّا فكلمته فقال لي مثل ذلك، فخرجت فجلست على باب منزل رسول الله حتى راح إلى الجحفة، وهو لا يكلمني ولا أحد من المسلمين، وجعلت لا ينزل منزلا إلا وأنا على بابه ومعي ابني جعفر قائم، فلا يراني إلا أعرض عني، فخرجت على هذه الحال حتى شهدت معه فتح مكة، وأنا في خيله التي تلازمه حتى نزل الأبطح، فدنوت من باب قبته فنظر إليّ نظرا هو ألين من ذلك النظر الأول ورجوت أن يتبسم، ودخل عليه نساء بني عبد المطلب ودخلت معهن زوجتي فرقَّقَته عليّ، وخرج إلى المسجد وأنا بين يديه لا أفارقه على حال، حتى خرج إلى هوازن في حنين فخرجت معه، وقد جمعت هوازن جمعا لم تجمع العرب مثله قط، فلما لقيتهم قلت: اليوم يرى أثرى إن شاء الله، فلما لقيناهم حملوا الحملة التي ذكر الله ﴿ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ﴾ وثبت رسول الله ﷺ على بغلته الشهباء وجرَّد سيفه، فاقتحمت عن فرسي وبيدي السيف صلتا قد كسرت جفنه، والله يعلم أني أريد الموت دونه، وهو ينظر إليَّ لا يعرفني حيث لم يبد إلا عيناي، وأخذ العباس بلجام البغلة وأخذت بالجانب الآخر، فقال: "من هذا؟ "فقال العباس: أخوك وابن عمك أبو سفيان بن الحارث، فارض عنه أي رسول الله. قال:"قد فعلت، فاغفر الله له كل عداوة عادانيها"، ثم التفت إليَّ فقال: "أخي لعمري"، ثم أمر العباس فقال: "ناد يا أصحاب السمرة " (أي شجرة الرضوان) يا للمهاجرين، يا للأنصار، فأجابوا، لبيك داعي الله، وكروا كرة رجل واحد، قد حطموا الجفون وشرعوا الرماح وخفضوا عوالي الأسنة وأرقلوا إرقال الفحول، يؤمون الصوت صائحين، يا لبيك يا لبيك، حتى أحدقوا برسول الله ﷺ ، وتقدم رسول الله في نحور القوم ما يألوا ما تقدم،
стр. 6538
فما قامت لهم قائمة وتفرقوا في كل وجه"، وذكر ابن عبد البر، بإسناده عن عائشة ﵂ قالت: مر علينا أبو سفيان بن الحارث فقال لي رسول الله ﷺ :"هلمي يا عائشة حتى أريك ابن عمي الشاعر الذي كان يهجوني، أول من يدخل المسجد وآخر من يخرج منه، لا يجاوز طرفه شراك نعله"، فقد روي أنه ﵁ ظل لا يرفع رأسه إلى النبي ﷺ حياء منه حتى مات، ولما لحق النبي ﷺ بالرفيق الأعلى بكى عليه كثيرا ورثاه بقصيدة مؤثرة موضحة في كتب السيرة، ولما حضرته ﵁ منيته، بكى عليه أهله فقال لهم: لا تبكوا عليّ، فما تنطفت بخطيئة منذ أسلمت، انتهت القصة أو أكثرها، فابن الحارث إبان كفره لم يكن سلبي الكفر، بمعنى أنه لم يقف عند تكذيب ابن عمه صلوات الله عليه كما فعل كفار غيره، اكتفوا بإعطاء ظهورهم للرسول واتجهوا منكبين على أصنامهم، أما هو فقد جسَّم كفره بلسانه وسيفه يظلمان معه على امتداد عشرين عاما قضاها خصيما لمن هو عند الله أكرم الخليقة حتى نذر دمه، ومع هذا كله وَجد عند الله الترحاب في أوسع رحاب لما فرَّ إليه من كفره ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ﴾ ، فما عذر الكافر إذا بقي بعد ذلك على كفره والعاصي إذا بقي على معصيته، وثاني ما في قصة ابن الحارث أن الرسول ﷺ وضع إسلام ابن عمه في بوتقة امتحان الإيمان، ابتداء من الإعراض عنه أول ما لقيه إلى أن احمر جمر يوم حنين، فأثبت ﵁ أن الإسلام ألبسه حلة العزة لما قال يومها عن الرسول: والله يعلم أني أريد الموت دونه، وعندئذ فاز بأعلى وسام يوضع على صدور الأعزة على الكافرين، ساعة أن قال له القائد صلوات الله عليه: "أخي لعمري"، فما بال أمتنا اليوم رغبت عن التزين بهذا الوسام، ولماذا نكس علم الجهاد وبقاعنا الغوالي في كل مكان تنادي منقذيها؟ سؤال معلوم جوابه،
стр. 6539
في قصة الإنسان والعصيان.
ومن المؤسف أن بعض من يتصدرون المجالس والمجامع ليبلغوا عظة الله إلى عباده أن يقدموا إليهم قول الله تعالى: ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُم﴾ ، بصورة تفتح للشيطان بابا واسعا ليلج منه إلى نفوس من يسمعونهم، فهذا البعض المتحدث عن هذه الآية يكتفي بتقديم بشرى لسامعيه بأن الصغائر يمحوها ترك الكبائر، فهذا التفسير من حيث السطحية صحيح، ومن حيث فهم الكثير من مستمعيه فهو جد شنيع، حيث يظن أنه لا عليه إذا فعل الصغيرة لأنها تغفر تلقائيا ما دام اجتنب الكبيرة، فيندفع في معاصيه غير مميز بين الصغائر والكبائر مادام قد استثنى السبع الموبقات وما عداها مباح لا إثم عليه في نظره، لكنه لو فهم بأن الآية الكريمة تقرر المغفرة لما سبق من كلا الذنبين إلى يوم التوبة، وأن تحريم الصغيرة قائم ولو بعد التوبة من الكبيرة، وأن عليه وزرها ما لم تقع منه خطأ أو جهلا أو نسيانا وهو حريص على تركها، فيَجُبُّها ترك الكبائر وتغفر إن شاء الله، هنا يعلم أن ما حرّم حرام بأصله وفرعه، أما إن فهم المعنى بغير ذلك أو عملت الصغيرة ولكن فاعليها تقالُّوها غير مبالين، وحسبوها هينة، وأمرها عند الله عظيم فما أظنهم إلا سيزاملون صاحب الكفر الصريح في الآخرة، فيصبح الكافر وقد تأكدت له النار يرافقه المسلم إذا ارتكب الصغيرة باستهتار، ولدينا الوفير من أدلة قرآنية ونبوية يكفي عنها بعضها نقدمها إليكم، ونبدأ المثال بآية تثبت الحرمة في شيء يتصور الناس أنه لا عقاب مطلقا على فاعلها، فهي عندهم في قائمة الحلال أصغر من أن تذكرن وتلك هي الأكلة الشهية يستلذها فيرسل منها الكثير إلى جوفه حتى يَتْخَم، يقول عز من قائل: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾ ، فما ذكرته الآية من أكل وشرب واضح أنه من مصدر حلال بدليل قوله تعالى: ﴿وكلوا﴾ ، فالله
стр. 6540
لا يأمر بالفحشاء، ومع أنه حلال طيِّب فقد يتحول الآكل إلى مرتكب حرمة توقع العقاب إذا أفرط في الشبع، بنص نهاية الآية، ﴿إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾ . فنفي الحب عن العبد من الله يؤدي إلى عقابه، وشبيه بهذا التعبير قوله: ﴿إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ﴾ ﴿وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ﴾ ، فأهل العلم يقولون بأن نفي الحب يثبت البغض، ولا بغض دون أن ينال المبغض وبال أمره، مع التفاوت في مراتب العقاب حسب الذنب وبما يقضي به الله، فمَلء البطن وهو شر وعاء يُملأ كما ذكر ﷺ صغيرة ليس لها مقياس عند الكثير من الناس، وقصة القطة التي يستوي في نظرنا أن تموت أو تعيش، هل كان دخول المرأة النار بسببها كما أخبر صلوات الله عليه إلا باستصغار حبسها، وهل كان عذاب صاحبي القبرين إلا باستصغار أحدهما لقطرة بول تنزل في سرواله أو لا يستتر منها، والثاني باستصغار كلمة وشاية يحرك بها لسانه بسهولة ابتلاع ريقه، وهل الذي أنبأ عنه المنبأ صلوات الله عليه بأنه حرم من عافية الله إلا لأنه استصغر المجاهرة والمجانة حيث لم تكونا من الكبائر عنده، ففي الحديث المروي عن البخاري ومسلم: "كل أمتي معافى إلا المجاهرين وإن من المجانة أن يعمل الرجل بالليل عملا، ثم يصبح وقد ستره الله فيقول: يا فلان، عملت البارحة كذا وكذا، وقد بات يستره به، ويصبح يكشف ستر الله عنه"، والعجب أن الرسول ﷺ ذكر أنهم من أمته، ومع ذلك أخبر بأن الله أبعدهم وحرمهم من عافيته ﴿قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَالَ لا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ﴾ والآن أصبح أمر المجاهرة والمجون شيئا لا يفعل فقط على أنه صغير ليس بخطير، وإنما أصبح يباهى به ويفاخر، لقد حدث في صدر الإسلام أن البعض ظن عدم المانع من مقارفة بعض الذنوب ما دامت دعائم الإيمان راسخة عنده، فنزلت الآية تصحح خطأ الفهم وضرر ما ظنُّوه ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا
стр. 6541
أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَلا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ﴾ ، فالنداء الإلهي أضفى عليهم صفة الإيمان فعلا، ولكنه حذرهم من عدم الطاعة في الصغيرة أو الكبيرة، وإلا بطلت أعمالهم وسلبت صفة الإيمان منهم، لقد كان مجرد رفع الصوت على صوت النبي ﷺ ولو بقليل، وهو ليس في قائمة الكبائر ﴿لا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيّ﴾ أيَّ رفع، بل والتحدث إليه بالمستوى الذي يتحدث به الناس إلى بعضهم ﴿وَلا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْض﴾ ، إذا وقع الأمران أو أحدهما يقع معه إحباط العمل كله، حيث لم تستثن الآية منه شيئا لما قال سبحانه: ﴿أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ﴾ أي وأنتم لا تشعرون بأن أعمالكم الصالحة قد حبطت وبذنب ظننتموه صغيرا، فيا للداهية، التي تقع اليوم أمام صاحب الحجرة المهاب صلوات الله عليه من صياح وصراخ يسمع من أقاصي المدينة يقود هذا الصراخ نعيق (المزورين) بكلام طويل لا ندري من أين أتوا به من كتبوه، يردده وراءهم المئات من الجهلة الأغرار أمام قبر سيد الأبرار ﷺ ، وقد التصقت جسوم الرجال بلحوم النساء في غير أدب ولا حياء، لا من الله ولا من رسوله الثاوي في حجرته المطهرة، إذا أقول بلا تحرج ولست أهلا للفتوى: إن هؤلاء الذين (زوَّروا وزُوِّروا) قد حبطت أعمالهم وهم لا يشعرون أو يشعرون، وما أظن الذين يسكتون عنهم بمنجى من سؤال الله يوما، لهذا كله كان على مستصغر الصغيرة أن يخشى على نفسه التردي من حيث لا يدري، فالحريق الكبير من شرر صغير كما يقولون، ويقابل مستصغر السيئة مستصغر الحسنة، فكما أهلكت الأولى فاعلها أنجت الثانية مؤديها، فلعقات ماء بلسان كلب رد بها ظمأه رد الله بها ساقيه أو ساقيته عن الإدراك في الهاوية، ونصف التمرة التي تستصغر حجمها وقدرها وإذا أكلت لا تشبع ولا تقنع، هي في حساب الصدقة عند
стр. 6542
الله تتضخم حتى تسد جميع الأبواب السبعة لجهنم، وما قدم الرسول ﷺ هذين المثالين إلا لننسج على المنوال ونتشح بنفس السربال، فلا نستصغر شرا ولا تستقل خيرا، فهو القائل سبحانه: ﴿وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدَارٍ﴾ .
كنت في بلد ما، ووجه إليّ أحد الضالين سؤالا فقال: لِمَ يعذب الله الناس بذنوبهم وهو الذي شاء لهم أن يفعلوها، وكنت أعلم أن هذا السؤال هو الذي اختاروه ليجروا به البسطاء إلى الشك في عدل الله، وبالتالي يسلبونهم ما لديهم من إيمان، وكنت أعلم أيضا أنه ما سأل ليعلم، وإنما في اعتقاده ليماري ويفحم، ومع ذلك رجوت أن أشده من حفرته، ويكون هو الصيد من حيث أراد أن يصيد، لكنه ما لبث أن سمع بداية الجواب تحمل بعض الأدلة حتى رأيته يتلفت حوله كمن خاف شيئا، ثم يستأذن حتى لا يسمع بقية الجواب وأسرع مختفيا في زحام الشارع، واليوم رأيت من الضروري أن أكمل الجواب بعد أن تردد هذا السؤال على ألسنة البعض، ونعيد سؤال الذي هرب حتى لا يؤمن، لم يعذب الله الناس بذنوبهم وهو الذي شاء لهم أن يفعلوها؟، ونقول إن هذا ومن على شاكلته ممن تاه في عماه يظن أنه أتي بجديد من نضح ضلاله، فقد جهل بأننا علمنا من الله ما لم يعمل، وأن من نوعه من سيظل يتخرص بذلك على طول الدنيا، فليسمع إذا هذه الآية: ﴿سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلا آبَاؤُنَا وَلا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ حَتَّى ذَاقُوا بَأْسَنَا قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلا الظَّنَّ وَإِنْ أَنْتُمْ إِلا تَخْرُصُونَ﴾ ، وليسمع الثانية: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا عَبَدْنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ نَحْنُ وَلا آبَاؤُنَا وَلا حَرَّمْنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ كَذَلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾
стр. 6543
وليسمع الثالثة ﴿وَقَالُوا لَوْ شَاءَ الرَّحْمَنُ مَا عَبَدْنَاهُمْ مَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلا يَخْرُصُونَ﴾ ، فالآيات في مجموعها هوت بقبضة الحجة البالغة على رؤوس هؤلاء الفسقة فأجهزت على إفكهم، فهم في الآيات الثلاث أرادوا التنصل من عاقبة إجرامهم وظنوا أن كلمة المشيئة درع وقاية لبغيهم، ذلك لأهم لم يعرفوا عنها إلا أنهم يخرصون بغير علم كما سمعنا الآن من القرآن، فحقيقة المشيئة جهلوها لما لم يعلموا أنهم أيضا لهم مشيئة وضعت فيهم يسألون عنها، يأخذون بها من الأمر ما يشاءون ويتجهون بها نحو الطيب أو نحو الرديء كما يريدون فلا قهر ولا جبر ﴿لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾ ﴿أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ فهو سبحانه وضع من مشيئته العظمى في الإنسان جزءا من المشيئة تكفيه، يفصل بها بين المحبوب الذي يفيد والمكروه الذي يؤذي، بعد أن جعله أعرف خلقه على الأرض لما يُحب ولما يُكره، وأظهر له بالحس واللمس الغي من الرشد، ثم ذكره بهذه المشيئة التي وضعها فيه وقدمها بلفظها في القرآن ليستعملها طائعا غير مكره، فقط له أو عليه عاقبة ما شاء ﴿وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُر﴾ ، فإن شاء الإيمان فله نعمه، وإن شاء الكفر فعليه خسرُه، ثم أعاد ذكرها مرات، وكررها ليقررها، حتى لا يقول الفاسق إنه سيق أو أرغم فكيف يعاقب على شيء إليه ﴿إِنَّ هَذِهِ تَذْكِرَةٌ فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلاً﴾ ﴿إِنَّهَا لإِحْدَى الْكُبَرِ نَذِيراً لِلْبَشَرِ
стр. 6544
، لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَتَقَدَّمَ أَوْ يَتَأَخَّرَ﴾ ، فإن كانت مشيئته التقدم سلِم، وإن كانت التأخر ندِم، ولهذا جاء بعد ذكر المشيئة قوله سبحانه: ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ﴾ ، ما دام الذي شاءوه كان اختيارا منهم وطواعية، لكن لكيلا يظن الإنسان وهو الكفور الغرور، أن مشيئته انفصلت عن المُشِيء الأعلى سبحانه، وليعلمه أنه المهيمن على ملكوته بالغيب والشهادة، ردّ الإنسان بمشيئته الصغيرة التي أعطاها له ليسأل بها عن عمله إلى مشيئته العليا العادلة المنظَّمة، فقال تعالى: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيماً حَكِيماً﴾ ، عليما بأعمالكم تجاهها، حكيما فيما يقضي بنتائجها، فإذا ذهب الإنسان ولم يستعمل حرية التصرف التي أعطيت له وكان هو البادئ بطلب الشر راضيا، أفلا يكون له من نوع ما طلب ورضي؟، إن الواحد منهم يقبل عقاب حاكمه الدنيوي إذا خالف أمرا ظالما له، ولا يرضى بحكم المنزه عن الظلم إذا خالف أمره، فلا مصلحة له سبحانه في أن يظلم، وإنما جعل عاقبة الذي أساء السوأى بما سبق أن قدم واختار، فهو الذي اختار ولاية الشيطان وهو يعلم عداوته ﴿أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلاً﴾ ، وهو الذي اختار صحبة من أضله ﴿لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلاناً خَلِيلاً، لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي﴾ ، وهو الذي اختار لنفسه أن تضر نفسه ﴿وَكَذَلِكَ سَوَّلَتْ لِي نَفْسِي﴾ ، وهو الذي اختار لها أن تزيغ ﴿فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾ ، فهؤلاء إذا أبسلوا بما كسبوا، وعوقبوا بما بدأوا به ورضوا فلم يضطروا ولم يقهروا، أفيكونون قد ظُلموا من أحكم الحاكمين؟، أم أن أمرهم كما قال سبحانه عنهم: ﴿وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا هُمُ الظَّالِمِينَ﴾ ، فظلمهم الذي سبق بالمضي
стр. 6545
بالفعل (كان) ، والمؤكد بالضمير وقوعه ومضيه معا، نفى بالقطع ظلم الله لهم لما جزاهم بسوء ما قدموا ﴿وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا هُمُ الظَّالِمِينَ﴾ ، فلم يستعملوا مشيئة الخير الكامنة في أماكن التعقل الثلاثة، القلب والعين والأذن، فأبطلوا استعمالها بما قال عنهم ربهم: ﴿لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لا يَسْمَعُونَ بِهَا﴾ ، لقد استعملها ابن الزبعرى السابق الذكر فاهتدى، ﴿وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدىً﴾ ، لما قال بين يدي الرسول ﷺ : "وذكرت ما كنت فيه من الضلالة، واتباع ما لا ينفع ذا عقل من حجر يعبد ويذبح له لا يدري من يعبده ومن لا يعبده"، واستعمل حواس التعقل هذه ضال آخر فاهتدى أيضا، نحكي من أمره بقدر الناسبة، يقول الطفيل بن عمرو الدوسي، قدمت مكة قبل أن يصدع الرسول ﷺ بأمر ربه، فمشى إليّ رجال من قريش فقالوا لي: إنك قدمت بلادنا وهذا الرجل الذي بين أظهرنا فرق جماعتنا وشتت أمرنا، وإنا نخشى عليك وعلى قومك ما قد دخل علينا، قال: فوالله مازالوا بي حتى أجمعت ألا أسمع منه شيئا، حتى حشوت في أذني كرسفا _ أي قطنا _ فغدوت فإذا رسول الله ﷺ قائم يصلي عند الكعبة، فأبى الله إلا أن يسمعني بعض قوله فسمعت كلاما حسنا، فقلت: واثُكل أماه، والله إني لرجل لبيب شاعر ما يخفى عليّ الحسن من القبيح، فما يمنعني أن أسمع من هذا الرجل ما يقول، فإن كان ما يقول حسنا قبلت وإن كان قبيحا تركت، فمكثت حتى أتى ﵊ بيته فتبعته، فقلت: يا محمد، إن قومك قد قالوا لي كذا وكذا، فوالله ما برحوا يخوفوني أمرك حتى سددت أذني بكرسف، حتى لا أسمع قولك، فأبى الله إلا أن يسمعنيه فسمعت قولا حسنا، فاعرض عليّ أمرك، فعرض عليّ رسول الله ﷺ الإسلام وتلا عليّ القرآن، فلا والله ما سمعت قولا قط
стр. 6546
أحسن منه، ولا أمرا أعدل منه، فأسلمت وشهدت شهادة الحق، فلما رجعت إلى قومي أتاني أبي فقلت: إليك عني يا أبت فلست مني ولست منك، قال: ولم يا بنيّ؟ قلت: قد أسلمت وتابعت محمدا، قال: يا بني فديني دينك، فقلت: فاذهب فاغتسل وطهر ثيابك ثم تعال أعلمك ما علمت، ثم أتتني امرأتي فقلت لها: إليك عني فلست منك ولست مني، قالت: لم؟ قلت: فرَّق بيني وبينك الإسلام، فقد تابعت محمدا ﵊، قالت: فديني دينك، فقلت لها ما قلت لأبي، ثم دعوت قوم دوس إلى الإسلام فأسلم منهم ثمانون بيتا"، والقصة على روعتها لا نأخذ منها إلا قوله الطفيل: "واثكل أماه، والله إني لرجل لبيب شاعر ما يخفى على الحسن والقبيح، فما يمنعني أن أسمع من هذا الرجل ما يقول، فإن كان ما يقول حسنا قبلت، وإن كان قبيحا تركت"، فهو ﵁ استعمل حواس التعقل فيه فشاء لنفسه أن يزكيها، وقد أفلح من تزكى، فهل يبقى هذا السؤال من الزائغين: لماذا يعذب الله أصحاب الذنوب وقد شاء لهم أن يفعلوها؟ لقد أجبت بما استطعت، وسيبقى سؤالهم حتى يحيق بهم قول الله فيهم ﴿لا يُؤْمِنُونَ بِهِ حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الأَلِيمَ﴾ ، ذلك لأنها قصة الإنسان مع ربه، لما قابل الإحسان بالعصيان.
стр. 6547
قلنا فيما سبق إننا لا نفرِّق بين الكبائر الكافر وصغائره، فهو بكله أصبح جيفة نتنة، فلم يعد يصله بخالقه شيء حيث انقطع وانفصل، وليس لهذا النوع من الإنسان إلا أن ينالهم نصيبهم من الكتاب في هذه الدنيا، وعند لقاء ربهم يردُّون إلى أشدِّ العذاب بما ليس لهم منه فواق، أما المسلم وقد دخل مع الله في عهد يوم أسلم، فقد صار ملتزما بأوامر ونواهي محددة أخذ نفسه بها فيمسي منذ هذه اللحظة له صغائر وكبائر يعامل تلقاءها، أما الصغائر فقد سبق حديثنا عنها، وعن الكبائر الآن نتحدث، فنقول إنها نوعان، نوع يكفي فيه صحة التوبة وصدق الأوبة فتغفر برحمة من الله وفضل، كالغيبة والكذب وعقوق الوالدين وقطع الرحم وشبه ذلك، ونوع تتحتم فيه الحدود ولا يمحى أثره إلا بها، والنوعان موضحان في قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الإِثْمِ وَالْفَوَاحِش﴾ فكبائر الإثم عامة، والفواحش منها موجبات الحدود، والثاني هو ما أريده لأنهي به حديثي إن شاء الله، لأنه إذا لم يؤد ما في الآية من الاجتناب لكليهما فيتم في الأول حكم الله كما يريد ويقام في الثاني حدود الله كما أراد، ويكون ذلك في كل مجتمع ألزم نفسه بالإسلام، ورضي بالحد ليصلح به في أرض الإسلام ما اختل، ويطهر المجتمع الفاضل من كل منحل، فإذا ما اختل الأمن بقاتل أو سارق بانت الرأس وانفصلت اليد، فعاد الأمن إلى رؤوس الملايين ببضعة رؤوس قطعت، واطمأنت نفوس برزقها الذي في حرزها ببضعة أيد فصلت، وإذا ما خيف على العرض من فاسق لاط أو نال من إحصان، فيباد جرثوم الفسق ليبقى الارتباط الأخوي والاطمئنان الأسري نسبا وصهرا، ومن تدنأ بزنية أو قذفة أو خمرة فظهره والحبل اللادغ ليذوق حرقه ما فعل، فيمتنع من كان يريد أن يفعل، خاصة وقد شهده الناس عند إقامة الحد فأحس بأنه فضح بما هو أشد من الجلد، وهكذا كان لنا في الحدود وفي القصاص حياة نعيش فيها سالمين آمنين مِنَّة من الله لأهل دينه، فلا
стр. 6548
يقلقهم دعيّ إسلام يعكر عليهم صفوهم وينقل مرضه إلى صحتهم، وهكذا كانت العصا لمن عصا، وكثيرا ما كانت العصا ترياقا لمرضى كثيرين، فيصبح أمرهم كصاحب الداء يشكر بعد شقائه من سقاه الدواء المر، فيعيش مع مجتمعه الإسلامي ناعم البال ثم له عند الله حسن المآل، والآن تعطلت حدود الله في أمتنا الإسلامية فملأ المجرمون السجون، ثم يخرج منها القاتل ليقتل، وطلق سراح السارق ليسرق، لأن الرأس التي قتلت لم تقطع فبقيت لتقتل، ولأن اليد التي سرقت ما زال فيها أصابعها لتستأنف السلب من الجيب، وهكذا أمر المجرمين يتمنون أن يظلوا مساجين، ألم يهيأ لهم المأكل والمسكن والملبس فوجدوا في السجن كافة مقومات الحياة بلا مقابل، وسط أزمة اقتصادية خنقت من هم خارج السجن، فانتشر الإجرام وكثرت السرقات والاختلاسات حتى من أموال الحكومات التي تحكم بغير ما أنزل الله، وعم الانحلال من النساء والرجال، وأصبح أهل الفضيلة غرباء في حيرةأول حكم اللهله لللننن لا يدرون كيف يبقون على قيَّمهم، فليهنأ المجرمون بقوانين تدليل المجرمين والتي هدفها تحقير أهل الدين، ولقد رأيت في بعض البلاد يجمع في حي واحد المسجد والكنيسة والدعارة والخمارة، وتمتلئ الثلاثة الأخيرة بقصادها ويبقى المسجد يندر من يلجه، لو قدر لبنائه أن يتحرك لغادر مكان التحقير والإهانة، فلو نفذ حكم الله في تارك الصلاة لعظم المسجد وعادت إليه هيبته، ألم يجمع العلماء على أن يستتاب تارك الصلاة ثلاثا ثم يقتل حدا أو كفرا إن أصر على تركها ما دام قد دخل مع الله في عهد الإسلام، إنه لمن الصعب بما يدمي القلب أن نرى حتى في بلدي الحرمين المعظمين أثناء الصلاة بعض الناس يغدون ويروحون، وجموع السيارات والدراجات بأصواتها وأبواقها المزعجة تملأ الطرقات، وكأننا في مكان عادي ليس فيه كعبة ولا رسول، فلا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
стр. 6549
والآن نسأل من يحكمون بغير حكم الله، هل بلغكم قول الله فيكم بثلاث آيات متعاقبات، ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ ، كفر وظلم وفسق، فماذا بقي؟ فهل هذا الكلام نسخ أم نسي؟ أم أنه الإنسان والعصيان.
فيا أيها الإنسان، ما غرك بربك الكريم، ألأنه أكرمك، أم لأنه سواك فعدلك، حتى بعد أن أبيت ونأيت، لا زال يمهلك، ويدعوك عسى أن تفيق وتجيب، فعجل ولا تؤجل قبل أن تجتاحك الأيام.
يروي البخاري عن أبي موسى الأشعري، عن رسول الله ﷺ أنه قال: "مثلي ومثل ما بعثني الله به، كمثل رجل أتى قوما فقال: رأيت الجيش بعيني، وإني أنا النذير العريان، فالنجاء النجاء، فأطاعه طائفة فأدلجوا على مهلهم فنجوا، وكذبته طائفة فصبَّحهم الجيش فاجتاحهم"، فهل قبل فوات الأوان نجيب للنذير العريان؟ أرجو لي ولكم ذلك، ومعيننا هو الله وحده، ونختم بأبيات معدودة مرتبطة بالموضوع تحكى قصة أحد العصاة، وهي:
همس العليل وقال أكتب مابي
فلقد أضعت العمر بعد سراب
بدأت ذنوبي مذ بدأت شبابي
لما نسيت نهايتي وحسابي
وأقول للنصاح دعكم إنني
ما زلت لم أقطف زهور شبابي
فإذا بلغت الأربعين وعندها
سأتوب من ذنبي بخير متاب.
سأتوب عن ترك الصلاة وأصحَبْن
أهل الهداية من ذوي المحراب
وأتوب عن فحش الزنا وكذاك عن
شرب الخمور فلن تكون شرابي
وعن الوشاية حيث صارت بغيتي
فبها أزاول فرقة الأحباب
وكذاك عند الأربعين أكف عن
ما كنت أسرق من وراء الباب
فإذا شبعت من المجون فأرعوي
وأكون توَّا من أولي الألباب
وأعف عن فعل الفواحش كلها
وأفوز بالفردوس دون حساب
حتى إذا ما جاء ليل عابس
فيه بداية شقوقي وعذابي
مرض عضال عم كل جوارحي
стр. 6550
أعيا الأساة فلم يزيلوا ماب.
فكما تراني هامدا في مضجعي
والفقر ألصق راحتي بتراب
كيف الركوع وأعظمي لا تنثني
أو كيف رد الحق والأسلاب
فالداء جاء ولم أزل في سكرتي
فبما يكون العذر يوم مآبي
أجَّلت يوم التوب حتى إنني
من جرأتي حددت نوع ثوابي
وأمنت مكر الله لما جرني
عوج الشباب إلى افتقاد صوابي
ما زال سن الأربعين بعيدة
والقبر محفور وحان عقابي
قل للذي سمع الرزية يستفد
منها فهذي عبرة الأحقاب
فرطت في جنب الإله وعزني
إبليس ثم غواية الأصحاب.
فأجبت يا حزني عليك فلم يعد
نصح يفيد ولا حديث عتاب
خلت الليالي أسلمتك زمامها
فإذا الخيال خيال عقل مصاب
منك الكثير دعته أصوات الهوى
فإذا هوى فيقول من أغرى بي.
فهل الإله هو الظلوم أم الذي
فعل المظالم كلها متغابي
أفلا يكون العدل سوء جزائه
وجزاء أهل العقل حسن مآب.
يا رب نرجو مطلبا هو غاية
لجميعنا من شيبنا وشباب
أن تحسن العقبى إذا لاقيتنا
فإذا أجبت فذاك خير جواب
следующие страницы →