← Джавами‘

Джавами‘ · id 4473

مجلة الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (23 804 стр.). Показаны 6546–6585 · переход к 6551.

стр. 6546

أحسن منه، ولا أمرا أعدل منه، فأسلمت وشهدت شهادة الحق، فلما رجعت إلى قومي أتاني أبي فقلت: إليك عني يا أبت فلست مني ولست منك، قال: ولم يا بنيّ؟ قلت: قد أسلمت وتابعت محمدا، قال: يا بني فديني دينك، فقلت: فاذهب فاغتسل وطهر ثيابك ثم تعال أعلمك ما علمت، ثم أتتني امرأتي فقلت لها: إليك عني فلست منك ولست مني، قالت: لم؟ قلت: فرَّق بيني وبينك الإسلام، فقد تابعت محمدا ﵊، قالت: فديني دينك، فقلت لها ما قلت لأبي، ثم دعوت قوم دوس إلى الإسلام فأسلم منهم ثمانون بيتا"، والقصة على روعتها لا نأخذ منها إلا قوله الطفيل: "واثكل أماه، والله إني لرجل لبيب شاعر ما يخفى على الحسن والقبيح، فما يمنعني أن أسمع من هذا الرجل ما يقول، فإن كان ما يقول حسنا قبلت، وإن كان قبيحا تركت"، فهو ﵁ استعمل حواس التعقل فيه فشاء لنفسه أن يزكيها، وقد أفلح من تزكى، فهل يبقى هذا السؤال من الزائغين: لماذا يعذب الله أصحاب الذنوب وقد شاء لهم أن يفعلوها؟ لقد أجبت بما استطعت، وسيبقى سؤالهم حتى يحيق بهم قول الله فيهم ﴿لا يُؤْمِنُونَ بِهِ حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الأَلِيمَ﴾ ، ذلك لأنها قصة الإنسان مع ربه، لما قابل الإحسان بالعصيان.

стр. 6547

قلنا فيما سبق إننا لا نفرِّق بين الكبائر الكافر وصغائره، فهو بكله أصبح جيفة نتنة، فلم يعد يصله بخالقه شيء حيث انقطع وانفصل، وليس لهذا النوع من الإنسان إلا أن ينالهم نصيبهم من الكتاب في هذه الدنيا، وعند لقاء ربهم يردُّون إلى أشدِّ العذاب بما ليس لهم منه فواق، أما المسلم وقد دخل مع الله في عهد يوم أسلم، فقد صار ملتزما بأوامر ونواهي محددة أخذ نفسه بها فيمسي منذ هذه اللحظة له صغائر وكبائر يعامل تلقاءها، أما الصغائر فقد سبق حديثنا عنها، وعن الكبائر الآن نتحدث، فنقول إنها نوعان، نوع يكفي فيه صحة التوبة وصدق الأوبة فتغفر برحمة من الله وفضل، كالغيبة والكذب وعقوق الوالدين وقطع الرحم وشبه ذلك، ونوع تتحتم فيه الحدود ولا يمحى أثره إلا بها، والنوعان موضحان في قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الإِثْمِ وَالْفَوَاحِش﴾ فكبائر الإثم عامة، والفواحش منها موجبات الحدود، والثاني هو ما أريده لأنهي به حديثي إن شاء الله، لأنه إذا لم يؤد ما في الآية من الاجتناب لكليهما فيتم في الأول حكم الله كما يريد ويقام في الثاني حدود الله كما أراد، ويكون ذلك في كل مجتمع ألزم نفسه بالإسلام، ورضي بالحد ليصلح به في أرض الإسلام ما اختل، ويطهر المجتمع الفاضل من كل منحل، فإذا ما اختل الأمن بقاتل أو سارق بانت الرأس وانفصلت اليد، فعاد الأمن إلى رؤوس الملايين ببضعة رؤوس قطعت، واطمأنت نفوس برزقها الذي في حرزها ببضعة أيد فصلت، وإذا ما خيف على العرض من فاسق لاط أو نال من إحصان، فيباد جرثوم الفسق ليبقى الارتباط الأخوي والاطمئنان الأسري نسبا وصهرا، ومن تدنأ بزنية أو قذفة أو خمرة فظهره والحبل اللادغ ليذوق حرقه ما فعل، فيمتنع من كان يريد أن يفعل، خاصة وقد شهده الناس عند إقامة الحد فأحس بأنه فضح بما هو أشد من الجلد، وهكذا كان لنا في الحدود وفي القصاص حياة نعيش فيها سالمين آمنين مِنَّة من الله لأهل دينه، فلا

стр. 6548

يقلقهم دعيّ إسلام يعكر عليهم صفوهم وينقل مرضه إلى صحتهم، وهكذا كانت العصا لمن عصا، وكثيرا ما كانت العصا ترياقا لمرضى كثيرين، فيصبح أمرهم كصاحب الداء يشكر بعد شقائه من سقاه الدواء المر، فيعيش مع مجتمعه الإسلامي ناعم البال ثم له عند الله حسن المآل، والآن تعطلت حدود الله في أمتنا الإسلامية فملأ المجرمون السجون، ثم يخرج منها القاتل ليقتل، وطلق سراح السارق ليسرق، لأن الرأس التي قتلت لم تقطع فبقيت لتقتل، ولأن اليد التي سرقت ما زال فيها أصابعها لتستأنف السلب من الجيب، وهكذا أمر المجرمين يتمنون أن يظلوا مساجين، ألم يهيأ لهم المأكل والمسكن والملبس فوجدوا في السجن كافة مقومات الحياة بلا مقابل، وسط أزمة اقتصادية خنقت من هم خارج السجن، فانتشر الإجرام وكثرت السرقات والاختلاسات حتى من أموال الحكومات التي تحكم بغير ما أنزل الله، وعم الانحلال من النساء والرجال، وأصبح أهل الفضيلة غرباء في حيرةأول حكم اللهله لللننن لا يدرون كيف يبقون على قيَّمهم، فليهنأ المجرمون بقوانين تدليل المجرمين والتي هدفها تحقير أهل الدين، ولقد رأيت في بعض البلاد يجمع في حي واحد المسجد والكنيسة والدعارة والخمارة، وتمتلئ الثلاثة الأخيرة بقصادها ويبقى المسجد يندر من يلجه، لو قدر لبنائه أن يتحرك لغادر مكان التحقير والإهانة، فلو نفذ حكم الله في تارك الصلاة لعظم المسجد وعادت إليه هيبته، ألم يجمع العلماء على أن يستتاب تارك الصلاة ثلاثا ثم يقتل حدا أو كفرا إن أصر على تركها ما دام قد دخل مع الله في عهد الإسلام، إنه لمن الصعب بما يدمي القلب أن نرى حتى في بلدي الحرمين المعظمين أثناء الصلاة بعض الناس يغدون ويروحون، وجموع السيارات والدراجات بأصواتها وأبواقها المزعجة تملأ الطرقات، وكأننا في مكان عادي ليس فيه كعبة ولا رسول، فلا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.

стр. 6549

والآن نسأل من يحكمون بغير حكم الله، هل بلغكم قول الله فيكم بثلاث آيات متعاقبات، ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ ، كفر وظلم وفسق، فماذا بقي؟ فهل هذا الكلام نسخ أم نسي؟ أم أنه الإنسان والعصيان. فيا أيها الإنسان، ما غرك بربك الكريم، ألأنه أكرمك، أم لأنه سواك فعدلك، حتى بعد أن أبيت ونأيت، لا زال يمهلك، ويدعوك عسى أن تفيق وتجيب، فعجل ولا تؤجل قبل أن تجتاحك الأيام. يروي البخاري عن أبي موسى الأشعري، عن رسول الله ﷺ أنه قال: "مثلي ومثل ما بعثني الله به، كمثل رجل أتى قوما فقال: رأيت الجيش بعيني، وإني أنا النذير العريان، فالنجاء النجاء، فأطاعه طائفة فأدلجوا على مهلهم فنجوا، وكذبته طائفة فصبَّحهم الجيش فاجتاحهم"، فهل قبل فوات الأوان نجيب للنذير العريان؟ أرجو لي ولكم ذلك، ومعيننا هو الله وحده، ونختم بأبيات معدودة مرتبطة بالموضوع تحكى قصة أحد العصاة، وهي: همس العليل وقال أكتب مابي فلقد أضعت العمر بعد سراب بدأت ذنوبي مذ بدأت شبابي لما نسيت نهايتي وحسابي وأقول للنصاح دعكم إنني ما زلت لم أقطف زهور شبابي فإذا بلغت الأربعين وعندها سأتوب من ذنبي بخير متاب. سأتوب عن ترك الصلاة وأصحَبْن أهل الهداية من ذوي المحراب وأتوب عن فحش الزنا وكذاك عن شرب الخمور فلن تكون شرابي وعن الوشاية حيث صارت بغيتي فبها أزاول فرقة الأحباب وكذاك عند الأربعين أكف عن ما كنت أسرق من وراء الباب فإذا شبعت من المجون فأرعوي وأكون توَّا من أولي الألباب وأعف عن فعل الفواحش كلها وأفوز بالفردوس دون حساب حتى إذا ما جاء ليل عابس فيه بداية شقوقي وعذابي مرض عضال عم كل جوارحي

стр. 6550

أعيا الأساة فلم يزيلوا ماب. فكما تراني هامدا في مضجعي والفقر ألصق راحتي بتراب كيف الركوع وأعظمي لا تنثني أو كيف رد الحق والأسلاب فالداء جاء ولم أزل في سكرتي فبما يكون العذر يوم مآبي أجَّلت يوم التوب حتى إنني من جرأتي حددت نوع ثوابي وأمنت مكر الله لما جرني عوج الشباب إلى افتقاد صوابي ما زال سن الأربعين بعيدة والقبر محفور وحان عقابي قل للذي سمع الرزية يستفد منها فهذي عبرة الأحقاب فرطت في جنب الإله وعزني إبليس ثم غواية الأصحاب. فأجبت يا حزني عليك فلم يعد نصح يفيد ولا حديث عتاب خلت الليالي أسلمتك زمامها فإذا الخيال خيال عقل مصاب منك الكثير دعته أصوات الهوى فإذا هوى فيقول من أغرى بي. فهل الإله هو الظلوم أم الذي فعل المظالم كلها متغابي أفلا يكون العدل سوء جزائه وجزاء أهل العقل حسن مآب. يا رب نرجو مطلبا هو غاية لجميعنا من شيبنا وشباب أن تحسن العقبى إذا لاقيتنا فإذا أجبت فذاك خير جواب

стр. 6551

الإجماع في الشريعة الإسلامية لفضيلة الدكتور رشدي عليان الأستاذ المشارك بكلية الدعوة وأصول الدين في الجامعة الإسلامية الإجماع من البحوث النافعة والهامة في علم أصول الفقه، استأثر بعناية خاصة من أعلام الأمة ومفكريها لأنه الدليل الذي يلي النصوص في القوة والاحتجاج. فإذا ما عرضت للمجتهد حادثة، وأراد معرفة رأي الشريعة فيها عرضها أولا على كتاب الله تعالى عمدة الشريعة وكليّها، فإذا لم يجد بغيته مال إلى سنة رسول الله ﵊ باعتبارها المصدر الثاني للشريعة، فإن أعياه البحث ولم يجد ضالته فيها نظر هل اتفق السابقون على حكم لها؟ فإن وجد عمل به وأفتى بموجبه وهو مطمئن البال، فالأمة لا تجتمع على الخطأ والضلالة كما أخبر بذلك الصادق الأمين عليه أفضل الصلاة والتسليم وإذا لم يسعفه الإجماع لجأ إلى أدلة أخرى معروفة في أصول الفقه كالقياس والاستصحاب والمصلحة.. حدث ميمون بن مهران فقال: "كان أبو بكر الصديق إذا ورد عليه خصم نظر في كتاب الله فإن وجد قضى به، وإلا نظر في سنة رسول الله فإن وجد فيها ما يقضي به قضى به، فإن أعياه ذلك سأل الناس وجمع رؤساءهم واستشارهم، فإن اجتمع رأيهم على شيء قضى به، وكان عمر يفعل ذلك، فإن أعياه أن يجد ذلك في الكتاب والسنة، سأل هل كان أبو بكر قضى فيه بقضاء؟ وإلا جمع الناس واستشارهم فإذا اجتمع رأيهم على شيء قضى به. وبعد فلمّا كان الإجماع يتكوّن من ركنين: (١) مجمع عليه. (٢) ومجمعين وهم أهل الإجماع فقد جاءت هذه الدراسة في مبحثين: الأول في المجمع عليه. وفحواه تعريف الإجماع، سنده، حجيته، أنواعه، مخالفة حكمه. والثاني في المجمعين ((أهل الإجماع)) [١] الصحابة، الخلفاء الأربعة، أهل البيت، أهل المدينة، أهل الكوفة والبصرة، جماعة المجتهدين في أي عصر.

стр. 6552

المبحث الأول: في المجمع عليه ١- تعريف الإجماع في اللغة وفي اصطلاح الأصوليين. أ- الإجماع في اللغة: الإجماع من الألفاظ المشتركة في وضع اللغة بين معنيين: - الأول: العزم. يقال: ((أجمع فلان على كذا)) إذا عزم عليه، وجاء في الحديث "لا صيام لمن لم يجمع الصيام من الليل" [٢] أي لم يعزم الصيام من الليل وورد في الكتاب الكريم ﴿فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ﴾ [٣] أي اعزموا. والإجماع بهذا المعنى يصدر عن الواحد كما في المثال الأول، وكما جاء في الحديث، ويصدر عن الجمع كما في الآية الكريمة. الثاني: الاتفاق، يقال: ((أجمع القوم على كذا)) إذا اتفقوا عليه. وهو بهذا المعنى لا يصدر إلا عن الجمع، ولا يتصور من الواحد. وقيل إن الإجماع في وضع اللغة هو الاتفاق والعزم راجع إليه، لأن من اتفق على شيء فقد عزم عليه [٤] . وقيل إن الإجماع حقيقة في معنى الاتفاق لتبادره إلى الذهن مجاز في معنى العزم لصحة سلب الإجماع عنه [٥] . ب- الإجماع في الاصطلاح: عرف كثير من الأصوليين الإجماع بأنه: "اتفاق المجتهدين من هذه الأمة في عصر بعد وفاة النبي ﷺ على أمر ديني ". شرح التعريف وبيان ما يفهم منه من أمور. ١- الاتفاق لفظ مشترك بين القول والفعل والاعتقاد، فلو اتفقوا على قول من الأقوال يكون إجماعا، وكذلك لو اتفقوا على فعل، كما إذا شرع أهل الاجتهاد جميعا في المزارعة أو الشركة، وكذلك لو اتفقوا على عقيدة كإجماعهم على نفي تعدد الآلهة وبطلان عقيدة التثليث. ٢-إن اتفاق المجتهدين هو المعتبر في الإجماع الذي هو دليل على الأحكام الشرعية، فلا عبرة في هذا المجال باتفاق غيرهم من المفكرين وعامة الناس ومن العلماء من يرى دخول عامة الناس في أهل الإجماع، وهو رأي باطل لأن أمثال هؤلاء لا يملكون دقة النظر في الأمور الشرعية.

стр. 6553

٣-أن يكون الاتفاق من جميع المجتهدين، فلو اتفق الأكثر على حكم شرعي وخالف الأقل فإنه لا يكون إجماعا وحجة عند جمهور العلماء [٦] . ومن العلماء من يرى تحقق الإجماع باتفاق الأكثر [٧] ومنهم من يرى أنه يكون حجة وليس بإجماع. وكلا الرأيين مرجوح، لأن الحق قد يكون في جانب الأقل، ولأن الإجماع لا يتحقق مع وجود مخالف لعدم تحقق الاتفاق، ولأن ذلك معارض بدلالة أحاديث عصمة الأمة ككل [٨] . ٤- أن يكون المجتهدون من الأمة الإسلامية، فلا اعتداد باتفاق المجتهدين من الأمم السابقة، وذلك لقيام الأدلة على اختصاص أمة محمد بالعصمة من الخطأ عند اتفاقهم. ٥- أن يكون الاتفاق في عصر واحد، إذ لا يتصور تحقق الإجماع أو العلم به في كل العصور. ٦- أن يكون الاتفاق بعد وفاة النبي ﷺ إذ لا عبرة باتفاقهم في زمنه ﵇ في إثبات الأحكام الشرعية، إذ لو حصل الإجماع على أمر فلا يخلو إما أن يوافقهم النبي ﷺ وحينئذ فالحكم ثابت بالسنة لا بالإجماع، وإما أن يخالفهم وحينئذ يطرح الإجماع لمخالفته النص. ٧- أن يكون ما اتفق عليه من الأمور الدينية سواء أكان شرعيا [٩] اجتهاديا أم غير شرعي مما يدرك بالحس أو بالعقل لأن الأحكام الحسية قد تكون ظنية فالإجماع عليها يكسبها صفة القطعية، وكذلك بعض المدركات العقلية. وقيّد بعض العلماء الأمر المتفق عليه بكونه شرعيا، ونفى حجية الإجماع في الأمور الدينية غير الشرعية مما يدرك بالحس أو بالعقل على اعتبار أن المدركات الحسية والعقلية تفيد اليقين فلا يكون الإجماع حجة فيها.

стр. 6554

ورُدّ بما ذكرت من أن من المدركات الحسية والعقلية ما تفيد الظن فقط فيصير بالإجماع قطعيا، وأطلق بعض العلماء كابن الحاجب [١٠] والجلال المحلى [١١] الأمر ولم يقيدوه بالديني، وعليه يكون الإجماع حجة في كل الأمور دينية كانت أو عادية أو عقلية أو لغوية، وقالوا أن الأدلة الدالة على حجية الإجماع لم تفرق بين الإجماع على أمر ديني أو دنيوي، فإذا ما اتفقوا على أي أمر من أمور التجارة أو الزراعة أو الحروب وغير ذلك، وجب أن يكون حجة. ونوقش هذا الرأي بما حاصله: ١- أن تحقق الإجماع في غير الأمور الدينية وعدم تحققه سواء لأنه غير ملزم للمسلم فلا يأثم بمخالفته. ٢- أن قول الرسول ﷺ لا يكون حجة في الأمور الدنيوية لقوله ﵊ في قصة تلقيح النخل: "أنتم أعلم بأمور دنياكم" [١٢] وكان ﵇ يرى الرأي في الحروب فيراجعه فيه أصحابه كما في غزوة بدر فيترك رأيه ويعمل برأيهم، فإذا كان قول الرسول في هذه الأمور ليس بحجة، فالإجماع فيها ليس بحجة من باب أولى لأن الإجماع في مرتبة أدنى من قول الرسول ﷺ [١٣] . وبهذا يتضح أرجحية الرأي الذي خص الإجماع بالأمور الدينية سواء أكانت شرعية أم غير شرعية، وعليه أكثر العلماء. قال الغزالي: "أما تفهيم لفظ الإجماع فإنما نعني به اتفاق أمة محمد ﵇ خاصة على أمر من الأمور الدينية" [١٤] . وقال ابن قدامة: "ومعنى الإجماع في الشرع اتفاق علماء العصر من أمة محمد ﷺ على أمر من أمور الدين" [١٥] . ٢- سند الإجماع: هل الإجماع مصدر مستقل بذاته في إثبات الأحكام الشرعية في مقابل المصادر الثلاثة الأخرى، الكتاب والسنة والقياس؟ أم أنه لا ينعقد ولا يصير حجة إلا بتوسط أحد هذه المصادر؟. ذهب بعض الأعلام إلى الأول وقالوا باستقلالية الإجماع وعدم حاجته إلى توسط دليل آخر يستند إليه [١٦] .

стр. 6555

ودليل هؤلاء: ١- أن الإجماع في نفسه حجة ودليل في إثبات الأحكام فلو توقف على سند لكان هذا السند هو الحجة، وحينئذ لا يكون للإجماع فائدة. ٢- لو توقف الإجماع على سند لما وقع بدونه، لكنه وقع فلا يكون السند شرطا في انعقاده، ومثلوا لذلك ببيع المعاطاة فإن العلماء اجمعوا على جوازه بلا دليل. ٣- إن العقل لا يمنع من انعقاد الإجماع عن توفيق وذلك بأن ويوفق الله تعالى أهل الإجماع في الأمة لاختيار ما هو الصواب عنده. وذهب الأكثرون من علماء الأمة إلى الثاني. أي أن الإجماع لا ينعقد إلا عن مستند، لأن حق إنشاء الأحكام الشرعية لله ولرسوله، وليس لأهل الإجماع وقالوا: إن عدم الدليل يستلزم الخطأ في الأحكام لأن الدليل هو الطريق الموصل إلى الصواب. قال الشيخ الخضري: "لا ينعقد الإجماع إلا عن مستند لأن الفتوى بدون المستند خطأ لكونه قولا في الدين بغير علم، والأمة معصومة عن الخطأ" [١٧] . وقال الشيخ أبو زهرة: "لا بد للإجماع من سند لأن أهل الإجماع لا ينشئون الأحكام" [١٨] . وأجابوا عن أدلة البعض القائل بعدم حاجة الإجماع إلى سند ودليل بما يأتي. ١- لا نسلم عدم فائدة الإجماع مع الدليل. إذ الفائدة موجودة معه وهي سقوط البحث عن ذلك الدليل، والاكتفاء بالإجماع، وحرمة المخالفة الجائزة فيه قبل الإجماع. ٢- لا نسلم أن العلماء اجمعوا على صحة بيع المعاطاة بدون دليل وكل ما في الأمر أنهم لم ينقلوه اكتفاء بالإجماع إذ هو أقوى دلالة.. والذي أراه أن علماء الأمة إن اتفقوا على أمر من الأمور الدينية لا بد أن يكون حقا وصوابا لأن العادة تمنع اتفاقهم على شيء بدون دليل. وليس من الضروري لنا أن نعرف سند الإجماع عند المجمعين بل الواجب أن نأخذ بإجماعهم اعتمادا على ورعهم وعلمهم، لاعتقادنا بأنهم لا يجمعون إلا عن دليل. قطعية السند

стр. 6556

اختلف القائلون بلزوم السند للإجماع في قطعية السند وظنيته. فقال أهل الظاهر: إن مستند الإجماع لا بد أن يكون قطعيا كنصوص الكتاب ومتواتر السنة، ولا يجوز أن يكون ظنيا كخبر الواحد والقياس، لأن الإجماع قطعي الدلالة فلا ينعقد إلا عن دليل قطعي إذ غير القطعي لا يفيد القطع. وقال الأكثرون: إن مستند الإجماع يكون قطعيا، ويكون ظنيا كخبر الواحد والقياس. وقد وضح الشيخ الخضري في كتابه أصول الفقه والشيخ فايد في محاضراته في الإجماع وجهة نظر الأكثرين بما حاصله [١٩] . ١- إن النصوص الدالة على حجية الإجماع نصوص عامة تفيد انعقاد الإجماع سواء أكان سنده قطعيا أم ظنيا، فاشتراط القطعية تخصيص للنصوص من غير دليل وذلك باطل. ٢- وقع إجماع من المجتهدين مستندا إلى خبر الواحد كإجماعهم على حرمة بيع الطعام قبل قبضه لدلالة حديث ابن عمر ﵄ "من ابتاع طعاما فلا يبعه حتى يستوفيه" [٢٠] وكذلك انعقد إجماعهم مستندا إلى القياس كإجماعهم على تحريم شحم الخنزير قياسا على لحمه، وعلى إراقة السيرج ونحوه إذا ماتت فيه فأرة قياسا على السمن [٢١] وردوا على الظاهرية القائلين بأن الإجماع قطعي فلا يكون إلا عن قطعي بأن قطعية الإجماع لم تثبت من جهة السند، وإلا لكان الإجماع لغوا لأن المثبت للحكم حينئذ هو الدليل القطعي وليس الإجماع. قال الغزالي: "يجوز انعقاد الإجماع عن اجتهاد وقياس" [٢٢] . وقال ابن قدامة المقدسي: "يجوز أن ينعقد الإجماع عن اجتهاد وقياس ويكون حجة" [٢٣] . والذي أراه أنّ الاتفاق إن وجد من علماء العصر فهو دليل وحجة سواء أكان هذا الاتفاق عن دليل قطعي أو ظني، لأن الحجة تنتقل من ذلك الدليل إلى الإجماع، فإن كان في الأصل قطعيا فالإجماع يفيد التأكيد والتعضيد لأنه يكون من قبيل تضافر الأدلة على الحكم الواحد.

стр. 6557

ومما يدعم هذا الرأي قول جعفر الصادق ﵀: "فإن المجمع عليه لا ريب فيه" [٢٤] فقد نفى الريب عن الرأي المجمع عليه مطلقا ولم يقيده بما إذا كان مجمعا عليه بموجب سند قطعي أو ظني خاص أو عام. ٣- حجية الإجماع. ذهب المتكلمون بأجمعهم والفقهاء بأسرهم على اختلاف مذاهبهم إلى أن الإجماع حجة، وحكى عن النظام وجعفر بن حرب وجعفر بن مبشر أنهم قالوا: الإجماع ليس بحجة. واختلف من قال إنه حجة، فمنهم من قال من جهة العقل وهم الشواذ، وذهب الجمهور الأعظم والسواد الأكثر إلى أن طريق كونه حجة السمع دون العقل [٢٥] وسأعرض أهم أدلة جمهور العلماء على حجيته ثم أذكر وجهة نظر القائلين بعدم حجيته. أ- أدلتهم من الكتاب الكريم. استدل أئمة المذاهب وجمهور العلماء بآيات عدة من الكتاب الكريم، منها بل أهمها قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيراً﴾ [٢٦] . وجه الاستدلال بهذه الآية:-

стр. 6558

"إن الله سبحانه جمع بين مشاقة الرسول واتباع غير سبيل المؤمنين في الوعيد، فلو كان اتباع غير سبيل المؤمنين مباحا لما جمع بينه وبين المحظور فثبت أن متابعة غير سبيل المؤمنين عبارة عن متابعة قول أو فتوى يخالف قولهم أو فتواهم، وإذا كانت تلك محظورة وجب أن تكون متابعة قولهم وفتواهم واجبة [٢٧] بدون شرط اتفاق الجميع فمن باب أولى تكون متابعة ما اتفقوا عليه واجبة فثبت أن الإجماع حجة. وتعتبر هذه الآية أوضح الآيات وأقواها دلالة على حجية الإجماع، فقد روي أن الإمام الشافعي ﵀ عندما سئل عن آية في كتاب الله تدل على أن الإجماع حجة لزم داره ثلاثة أيام مفكرا وقرأ القرآن عدة مرات حتى وجد هذه الآية، ومع ذلك فقد قرر كثير من الأعلام أن الآية ليست نصا في الدلالة على حجية الإجماع [٢٨] . ومنها قوله تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَر﴾ [٢٩] . الاستدلال بالآية: - ١- أن الله تعالى قد وصف هذه الأمة بالخيرية، وهذا الوصف يقتضي أن ما اتفقوا عليه يكون حقا واجب الإتباع، لأنه إذا لم يكن حقا كان ضلالا ﴿فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلا الضَّلالُ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ﴾ [٣٠] . قال الشوكاني في وجه الاستدلال بهذه الآية: "هذه الخيرية توجب الحقيقة لما اجمعوا عليه، وإلا كان ضلالا" [٣١] . ٢- إن الله تعالى وصفهم بأنهم يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، وهذا الوصف يقتضي أنهم إذا ما اتفقوا على الأمر بشيء كان معروفا يجب العمل به، وإذا ما نهوا عن شيء كان منكرا يجب الامتناع عنه، وهذا يقتضي أن يكون إجماعهم حجة [٣٢] . ومنها قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاس﴾ [٣٣] . ومعنى جعلناكم أمة وسطا: أي صيرناكم عدولا، لأن الوسط هو العدل في اللغة. قال الشاعر:

стр. 6559

هم وسط يرضى الأنام بحمكهم إذ نزلت إحدى الليالي بمعظم. أي عدول. وجاء بهذا المعنى في الكتاب الكريم: ﴿قَالَ أَوْسَطُهُمْ أَلَمْ أَقُلْ لَكُم﴾ [٣٤] أي أعدلهم. وجه الاستدلال بهذه الآية: إن الله تعالى وصف هذه الأمة بالعدالة، وجعلهم حجة على الناس في قبول أقوالهم، وهذه الصفة تنافي الكذب والميل إلى جانب الباطل وهذا يقتضي أن يكون ما اتفقوا عليه عدلا وحقا يجب اتباعه والعمل به فيكون إجماعهم حجة. ومنها قوله تعالى: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا﴾ [٣٥] . وجه الاستدلال: "إن الله تعالى نهى عن التفرق، ومخالفة الإجماع تفرق، فكان منهيا عنه، ولا معنى لكون الإجماع حجة سوى النهي عن مخالفته" [٣٦] . ثانيا أدلة الجمهور من السنة الكريمة: استدل جمهور العلماء وأئمة المذاهب بجملة أحاديث مروية عن عدد من كبار الصحابة رضوان الله عليهم منها: ١- "لا تجتمع أمتي على الخطأ". ٢- "لا تجتمع أمتي على الضلالة". ٣- "ولم يكن الله ليجمع أمتي على الضلالة". ٤- "لم يكن الله ليجمع أمتي على الخطأ". ٥- "سألت الله أن لا يجمع أمتي على الضلالة، فأعطانيه " [٣٧] . ٦- "من سره أن يسكن بحبوحة الجنة فليلزم الجماعة". ٧- "يد الله مع الجماعة، ولا يبالي الله بشذوذ من شذ". ٨- "من خرج عن الجماعة أو فارق الجماعة قيد شبر فقد خلع ربقة الإسلام من عنقه". ٩- "من فارق الجماعة ومات فميتة الجاهلية" [٣٨] . وقد بين الغزالي وجه الاستدلال بهذه الأحاديث على أن الإجماع حجة قاطعة بعد أن فرغ من تقرير الدليل من آي الكتاب الحكيم.

стр. 6560

فقال: "المسلك الثاني: وهو الأقوى التمسك بقوله ﷺ "لا تجتمع أمتي على الخطأ" وهذا من حيث اللفظ أقوى وأدل على المقصود ولكن ليس بالمتواتر كالكتاب. والكتاب متواتر وليس بنص، فتقرير الدليل أن نقول: تظافرت الرواية عن رسول الله ﷺ بألفاظ مختلفة مع اتفاق المعنى في عصمة هذه الأمة من الخطأ واشتهر على لسان المرموقين والثقاة من الصحابة كعمر، وابن مسعود وأبي سعيد الخدري، وأنس بن ملك، وابن عمر، وأبي هريرة، وحذيفة بن اليمان، وغيرهم ممن يطول ذكرهم" وبعد أن ذكر تلكم الأحاديث قال: "وهذه الأخبار لم تزل ظاهرة في الصحابة والتابعين إلى زماننا هذا لم يدفعها أحد من أهل النقل من سلف الأمة وخلفها، بل هي مقبولة من موافقي الأمة ومخالفيها، ولم تزل الأمة تحتج بها في أصول الدين وفروعه" [٣٩] . وقرر الشيخ الآمدي في كتابه الإحكام [٤٠] أن أقرب الطرق لإثبات كون الإجماع حجة قاطعة هو تلك المرويات عن كبار الصحابة بألفاظ مختلفة مع اتفاق المعنى في عصمة هذه الأمة عن الخطأ والضلالة. وقال ابن قدامة بعد ذكره لتلكم الأحاديث: "هذه الأخبار لم تزل ظاهرة مشهورة في الصحابة والتابعين لم يدفعها أحد من السلف والخلف، وهي وإن لم تتواتر آحادها حصل لنا بمجموعها العلم الضروري أن النبي ﷺ عظم شأن هذه الأمة وبين عصمتها عن الخطأ" [٤١] . وقد ختم الشيخ الخضري بحثه في حجية الإجماع بعد أن فرغ من تقرير الدليل من الكتاب الكريم، فالسنة النبوية المشرفة بقوله:

стр. 6561

"إن الأمة الإسلامية في عصور مختلفة قررت أن الإجماع حجة قاطعة حتى كان فقهاء كل عصر ينكرون أشد الإنكار على من خالف رأي مجتهدي السلف، والعادة تقضي أن مثل هذا الاتفاق لا يكون عن مجرد الظنون. بل لابد أن يكون عندهم دليل مقطوعا به، وهذا يدل على أن الأخبار النبوية التي سقناها كانت عندهم مقطوعا بها حتى لم تكن في نظرهم مجالا للظن والاختلاف" [٤٢] . ب- وجهة نظر القائلين بعدم حجية الإجماع. عرفنا أن النظّّام وآخرين ذهبوا إلى أن الإجماع ليس حجة شرعية، وأدلتهم تتلخص في الآتي: - ١- أن تحقق الإجماع وثبوته يتوقف على معرفة كل واحد من أهل الإجماع ثم على وصول الواقعة إليهم، ومعرفة رأي كل منهم، وهذا أمر غير ممكن عادة نظرا لانتشارهم في البلدان الإسلامية وبعد المسافة بينهم [٤٣] . ورُدّ ذلك: بأن معرفة أهل الإجماع والتحقق من شخصياتهم ممكن وذلك بأن يحصي كل حاكم إقليم ما لديه منهم، ويكتب بذلك إلى الحاكم العام سيما وأن من يبلغ درجة الاجتهاد يكون معروفا جدا في كل إقليم بل قد يطير صيته وآراؤه إلى سائر أقاليم الدولة والدول الإسلامية كافة، ثم إن انتشارهم وتفرقهم وبعد المسافة بينهم لا يمنع من وصول الواقعة إليهم، والإطلاع على آرائهم جميعا، وذلك بأن يجمعهم الحاكم في بلدة واحدة كلما دعا الأمر ويسألهم عما يريد أو يكتب إليهم فيستطلع رأي كل منهم.

стр. 6562

٢- أن معاذا ﵁ لم يذكر الإجماع من المصادر التي يصح الاعتماد عليها في تشريع الأحكام، بل اقتصر على الكتاب والسنة والاجتهاد، وذلك عندما وجهه رسول الله ﷺ قاضيا إلى اليمن وسأله بماذا تقضي.. [٤٤] وأن النبي ﷺ أقره على ذلك ودعا له، وحمد الله على توفيقه. فلو كان الإجماع من مصادر الأحكام لذكره معاذ ولما ساغ له تركه مع حاجته إليه، ولما أقره النبي ﵇ على تركه ورُدّ ذلك: بأن م عاذا ﵁ إنما ذكر المصادر التي يمكن الاعتماد عليها في تشريع الأحكام في زمن النبي ﵇ ومعروف أن الإجماع ليس حجة في حياته. وأن تقرير النبي ﵊ مطابق للواقع في حياته وليس فيه دلالة على عدم حجية الإجماع بعد وفاته ﷺ [٤٥] . ٣- قالوا: إن الإجماع لا يخلو إما أن يكون عن دليل قطعي أو عن دليل ظني، فإن كان عن دليل قطعي، أحالت العادة عدم الإطلاع عليه، وعلى تقدير الإطلاع عليه يكون هو مستند الحكم وليس الإجماع، وإن كان عن دليل ظني فإن العادة تمنع اتفاقهم لاختلاف القرائح والأنظار [٤٦] . ورُدّ ذلك: بأن العادة لا تمنع من أن يكون الإجماع بموجب دليل قطعي، ولا يجب نقله بعد انعقاد الإجماع الذي هو دليل أقوى لأن به يرتفع الخلاف الداعي إلى نقل الدليل. كما أنه لا مانع من وقوعه بموجب دليل ظني كخبر الواحد. واختلاف القرائح والأنظار لا يمنع من الاتفاق وغايته أنه قد يقلل من عدد الإجماعات. وبهذا يتضح لنا تهافت ما أثاره القائلون بعدم حجية الإجماع من شبهات وأنها لا تقوى بحال على معارضة الأدلة الكثيرة التي احتج بها القائلون بحجيته وهم جمهور العلماء من جميع المذاهب الإسلامية. ٤- أنواع الإجماع: أولا: الإجماع البياني والإجماع السكوتي. أ- الإجماع البياني أو الصريح، وهو يتنوع إلى نوعين إجماع قولي، وإجماع عملي.

стр. 6563

الإجماع القولي: هو أن يصرح كل واحد من جماعة المجتهدين بما يفيد قبوله للرأي المعلن للاتفاق عليه. فمثلا لو أفتى بعض المجتهدين المعاصرين بحل عقود التأمين، وصرح كل مجتهد معاصر بما يفيد موافقته على ذلك لأصبح إجماعا قوليا وحجة شرعية. الإجماع العملي: وهو أن يقع العمل من كل واحد من جماعة المجتهدين كعملهم جميعا في المضاربة والاستصناع فإذا وقع منهم ذلك كان إجماعا عمليا وحجة شرعية. والإجماع البياني بنوعيه القولي والعملي هو الأصل في الإجماع وهو الذي يتبادر إلى الذهن عند إطلاق كلمة الإجماع، وهو ما فرغنا من الاستدلال على حجيته. ب- الإجماع السكوتي: وهو أن يصرح بعض المجتهدين برأيه في مسألة اجتهادية أو يقوم بعمل كالتأمين على حياته أو أخذ ((خلو رجل)) سرقفلية ويشتهر ذلك بين المجتهدين من أهل عصره ويسكتون بعد علمهم بذلك من غير نكير. وهذا النوع من الإجماع اختلف أعلام الأمة في تسميته إجماعا كما اختلفوا في حجيته، ولهم في ذلك عدة آراء، أهمها ثلاثة. الرأي الأول: أنه إجماع وحجة، وهو لأكثر الأحناف، وأحمد بن حنبل وأبي إسحاق الإسفراييني من الشافعية [٤٧] . الرأي الثاني: أنه ليس إجماعا ولا حجة، وهو للإمام الشافعي وأكثر أتباعه، وأكثر المعتزلة، والمالكية [٤٨] . الرأي الثالث: أنه حجة وليس إجماعا وهو لبعض المعتزلة [٤٩] . أ- وجهة نظر أصحاب الرأي الأول تتلخص في الآتي: - ١- لو اشترط لانعقاد الإجماع البيان قولا وعملا من كل المجتهدين لتعذر انعقاد الإجماع أصلا لتوقفه على شرط متعذر عادة، إذ المعتاد أن يتولى كبار المجتهدين الفتيا والقضاء ويسكت سائرهم موافقة لهم، لأنه لو كان الحكم مخالفا عند الساكت لأعلن النكير وأظهر الخلاف لأن الساكت عن الحق شيطان أخرس، وجماعة المجتهدين لا يتهمون بذلك [٥٠] .

стр. 6564

٢- انعقد الإجماع على أن الإجماع السكوتي حجة قطعية في الأمور الاعتقادية فيكون حجة في الفروع العملية من باب أولى. وقد منع الشيخ الخضري وغيره دعوى الإجماع هذه، لأنه إن كان إجماعا بيانيا فقد بنوا دليلهم الأول على تعذره، وإن كان إجماعا س كوتيا فهو محل النزاع. كما منعوا دعوى انتفاء الإجماع مع شرط البيان من الكل، لأنهم رفضوا هذه الدعوى عند مناقشة النظام في إحالته انعقاد الإجماع [٥١] . وقالوا إن انتشار العلماء وتفرقهم في الأمصار لا يمنع من التساوي في العلم، ووصول الخبر إليهم. ب- وجهة نظر أصحاب الرأي الثاني قالوا إن السكوت يحتمل أن يكون للتأمل والنظر، ويحتمل أن يكون خوفا وهيبة من القائل أو المقول، كقول ابن عباس. وقد أظهر مخالفة عمر ﵁ بعد وفاته كان رجلا مهيبا فهبته، ويحتمل أن الساكت لا يرى الإنكار في المسائل الاجتهادية بناء على القول بأن كل مجتهد مصيب، وإذا كان السكوت محتملا لهذه المعاني، فلا يكون دليلا على الموافقة فلا ينعقد الإجماع ولا يكون حجة [٥٢] . ج- وجهة نظر أصحاب الرأي الثالث قالوا: إن غاية ما يدل عليه السكوت مع الاحتمالات التي تقدمت هو الموافقة في الظاهر فيكون حجة ظنية كخبر الواحد لكنه لا يكون إجماعا. والذي ترجح عندي أن ما سمي بالإجماع السكوتي ليس إجماعا، لأن السكوت ليس صريحا في الموافقة فلا يكون إجماعا لافتقاره إلى عنصر الموافقة الذي هو قيد رئيس في تحقق الإجماع، وليس حجة لأنه اتفاق بعض الأمة، والعصمة من الخطأ إنما ثبتت للأمة كافة وليس لبعضها فلا يكون حجة والله أعلم. ثانيا: الإجماع البسيط والمركب. يتنوع الإجماع إلى نوعين: بسيط ومركب، لأن الأمر لا يخلو: أما أن يتفق أهل الإجماع في عصر على حكم واحد لحادثة ما، أو تتعدد الأحكام وينعقد الإجماع على كل حكم منها وهذا ما يسمى بالإجماع البسيط.

стр. 6565

وإما أن تعدد الأحكام ولا ينعقد الإجماع على كل منها بل يتحزب كل فريق لرأي يخالف الآخر، وهذا سمي بالإجماع المركب. مخالفة الإجماع البسيط: إن الحكم المجمع عليه من علماء عصر يكتسب صفة القطعية، ويكون ملزما لجميع أفراد الأمة يجب عليهم جميعا اتباعه والعمل به، ولا يجوز لأحدهم مهما كان مركزه الديني العمل بخلافه. وكذلك يكون هذا الحكم ملزما لأهل العصور التالية مجتهدين وغير مجتهدين، فلا يحق لأحدهم ولا لهم مجتمعين نقض إجماع من سبقهم أو العمل بخلافه، وإلا كانوا تاركين للحق، متبعين للضلال، ﴿فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلا الضَّلال﴾ قولا واحدا عند جميع المذاهب الإسلامية، لأن الأمة لا تجتمع عل خطأ. وعلماء عصر كل الأمة بالنسبة على ذلك الحكم. قال الآمدي: "إذا اتفق إجماع أمة عصر من الأعصار على حكم حادثة، فهم كل الأمة بالنسبة إلى تلك المسألة وتجب عصمتهم في ذلك عن الخطأ" [٥٣] . وكذلك يكون الإجماع ملزما لمجمعي العصر أنفسهم، فلا يجوز لأحدهم الرجوع عن رأيه وموافقته، واشترط بعض الأعلام [٥٤] انقراض عصر المجمعين، فيما إذا كان مستند الإجماع دليلا ظنيا، لا دليلا قطعيا، حتى يكون الإجماع ملزما للجميع. وهو رأي مرجوح لأن الإجماع يُكسِب الحكم القطعية سواء أكان مستنده قبل انعقاد الإجماع دليلا ظنيا أم قطعيا. قال الغزالي: "إذا اتفقت كلمة الأمة ولو في لحظة انعقد الإجماع، ووجبت عصمتهم عن الخطأ، وقال قوم: لا بد من انقراض العصر وموت الجميع وهذا فاسد، لأن الحجة في اتفاقهم لا في موتهم" [٥٥] . مخالفة الإجماع المركب:- إذا انعقد إجماع مجتهدي عصر على حكمين مختلفين أو أكثر لحادثة. فهل يكون ذلك إجماعا منهم على نفي ما عداها، فلا يجوز لمن بعدهم إحداث حكم سواها، أو لا يكون إجماعا على نفي ما عداها فيجوز إحداث حكم آخر؟.

стр. 6566

اختلفت أنظار أعلام الأمة في ذلك، فذهب جمهور العلماء إلى المنع مطلقا [٥٦] وذهب بعض إلى الجواز مطلقا [٥٧] واختار الآمدي [٥٨] وابن الحاجب [٥٩] التفصيل، فقالوا: إن كان الحكم الآخر يرفع ما اتفق عليه السابقون امتنع وإلا جاز. وقبل بيان وجهة نظر كل فريق لا بد من ذكر طائفة من المسائل التي توضح الإجماع المركب. ١- توريث الجد مع الإخوة: اختلف فيه فقهاء العصر الأول فقال أبو بكر وعمر وابن الزبير وابن عباس ﵃ يرث الجد ويحجب الإخوة. وقال علي وزيد بن ثابت ﵄: يرث الجد مع الإخوة. وحينئذ فالقول بتوريث الإخوة وحرمان الجد قول ثالث يرفع ما اتفق عليه من توريث الجد. ٢- النية في الطهارات الثلاث: اختلف الفقهاء في حكمها، فقال قوم بلزومها في جميع الطهارات من وضوء، وغسل وتيمم، وقال آخرون: بلزومها في التيمم فقط. وحينئذ فالقول بعدم لزومها في الجميع قول ثالث يرفع ما اتفق عليه من لزومها في التيمم. ٣-فسخ النكاح بالعيوب، وهي الجذام، والبرص، والجب، والعنة، والرتق، والقرن: اختلف الفقهاء في ذلك فمنهم من قال: يفسخ النكاح في أي منها. وحينئذ فالقول بالفسخ بالبعض دون البعض قول ثالث ولكنه لا يرفع ما اتفق عليه، لأنه لم ينعقد الإجماع على أحد هذه العيوب. ٤- أم وأب وأحد الزوجين: اختلف العلماء في ميراث الأم: فقال فريق: ترث الأم ثلث المال كله، وقال فريق آخر: ترث ثلث الباقي وحينئذ فالقول بأنها ترث ثلث المال كله مع أحد الزوجين وثلث المال كله مع أحد الزوجين وثلث الباقي مع الآخر قول ثالث، ولكنه لا يرفع ما اتفق عليه لأنه يوافق كل فريق من وجه. وجهة نظر القائلين بالمنع مطلقا: قالوا: إنه لو جاز إحداث القول الآخر لكان مخالفا للإجماع المنعقد على عدم القول به ومستلزما تخطئة كل الأمة، وهذا لا يجوز لمخالفته لعموم أدلة الإجماع.

стр. 6567

ولنا أن نقول: إن القول بالمنع لا ينافي القول بالتفصيل لأن الممنوع هو مخالفة الكل فيما اتفقوا عليه كما في مسألة الجد مع الأخوة، أما أن يخالف كل فريق من وجه ويوافقه من وجه فلا يتجه عليه المنع كما في مسألة فسخ النكاح بالعيوب. وجهة نظر القائلين بالجواز مطلقا: قالوا: إن وقوع الاختلاف في حكم حادثة دليل على أنها من المسائل الاجتهادية التي يصح الاجتهاد فيها، وحينئذ لا مانع يمنع من الاجتهاد فيها بالنسبة لمجتهدي العصور التالية [٦٠] . وأجيب عن ذلك بأن الاختلاف يكون دليلا على صحة الاجتهاد فيما إذا لم يمنع مانع من الاجتهاد، وهنا المانع موجود، وهو إجماع الفريقين على نفي القول الآخر. وجهة نظر القائلين بالتفصيل: قالوا: إن كان القول الآخر يرفع ما اتفق عليه القولان كما في مسألة الجد مع الإخوة، ومسألة النية في الطهارات، فهو ممتنع لما فيه من مخالفة الإجماع. وإن كان القول الآخر لا يرفع ما اتفق عليه بل يوافق كل فريق من وجه ويخالفه من وجه كما في مسألة الأم والأب واحد الزوجين فهو جائز لأنه لم يخالف إجماعا [٦١] وأشكل عليهم بأن في ذلك تخطئة كل فريق في بعض ما ذهب إليه وتخطئتهم تخطئة للأمة وذلك محال. فأجاب ابن الحاجب عن ذلك بقوله: "المحال تخطئة الأمة فيما اتفقوا عليه وأما تخطئة كل فريق فيما لم يتفقوا عليه فجائز" [٦٢] وبنفس الفكرة وبلفظ مشابه أجاب الآمدي: "المحال إنما هو تخطئة الأمة فيما اتفقوا عليه، وأما تخطئة كل بعض فيما لم يتفقوا عليه لا يكون محالا" [٦٣] . وبهذا يتبين لنا رجحان ما ذهب إليه المتأخرون والمعاصرون وهو التفصيل وذلك ((لأنه إذا رفع مجمعا عليه فقد خالف الإجماع فلم يجز كمسألة الجد والنية، وإذا لم يرفع مجمعا عليه فلا داعي للمنع لأنه لم يخالف إجماعا ولا مانع سواه [٦٤] . ثالثا: الإجماع المحصل والمنقول. يتنوع الإجماع إلى نوعين أيضا: محصل، ومنقول.

стр. 6568

أ - الإجماع المحصل: هو الذي يحصله الفقيه بنفسه، وذلك بأن يتتبع رأي كل فرد من مجتهدي عصر في الحادثة التي يريد معرفة حكمها فيجدها متفقة في الحكم. والمحصل هو الذي تقدم البحث عنه، وخلصنا إلى أنه حجة عند جميع المذاهب الإسلامية. ب- الإجماع المنقول: وهو الذي لم يحصله الفقيه بنفسه، وإنما وصل إليه عن طريق النقل، سواء أكان هذا النقل بواسطة أو أكثر، والنقل تارة يكون بالتواتر وحكم المتواتر في الحجية حكم الإجماع المحصل عند الجميع [٦٥] وتارة أخرى يكون بالآحاد، وهو المراد من الإجماع المنقول عند الإطلاق في عرف الأصوليين. حجية الإجماع المنقول بخبر الواحد اختلف الأصوليون في حجية الإجماع المنقول على قولين: ١- إنه حجة. ٢- إنه ليس بحجة. وقد ذهب إلى الرأي الأول جمهور العلماء قال ابن الحاجب: "يصح التمسك بالإجماع المنقول بخبر الواحد، وأنكره الغزالي وبعض الحنفية" [٦٦] وقال البناني: "الإجماع المنقول بالآحاد حجة لصدق التعريف به وهو الصحيح في الكل" [٦٧] . وقال ابن قدامة المقدسي: "الإجماع المنقول بطريق الآحاد يغلب على الظن فيكون ذلك دليلا كالنص المنقول بطريق الآحاد" [٦٨] . وقال الشوكاني: "الإجماع المنقول بطريق الآحاد حجة وبه قال الماوردي وإمام الحرمين، والآمدي " [٦٩] . وقال الآمدي: "اختلفوا في ثبوت الإجماع بخبر الواحد فأجازه جماعة من أصحابنا وأصحاب أبي حنيفة ﵏ والحنابلة، وأنكره جماعة من أصحاب أبي حنيفة وبعض أصحابنا كالغزالي مع اتفاق الكل قطعا في متنه" [٧٠] . وهكذا يلحظ المتتبع أن أكثر العلماء قائلون بحجية الإجماع المنقول بالآحاد [٧١] . وخلاصة نظر القائلين بالحجية هي: ١- إن الإجماع المنقول بالآحاد مفيد للظن فكان حجة كالمنقول بالآحاد عن رسول الله ﵊.

стр. 6569

٢- المطلوب من المجتهد أن يحكم بالظاهر، عملا بقول الرسول الكريم ﵇ "نحن نحكم بالظاهر" والإجماع المنقول ظاهر ظني فيكون حجة. وإلى الثاني أعني عدم حجية الإجماع المنقول ذهب فريق من العلماء. قال الغزالي: "الإجماع لا يثبت بخبر الواحد خلافا لبعض الفقهاء، والسر فيه أن الإجماع دليل قاطع يحكم به على الكتاب والسنة المتواترة، وخبر الواحد لا يقطع به فكيف يثبت به قاطع وليس يستحيل التعبد به عقلا لو ورد كما ذكرنا في نسخ القرآن بخبر الواحد لكن لم يرد" [٧٢] ولكنه لم يقطع ببطلان العمل به حيث قال: "ولسنا نقطع ببطلان مذهب من يتمسك به في حق العمل خاصة" [٧٣] . ويمكن تلخيص وجهة نظر القائلين بعدم الحجية بالآتي: إن الإجماع المنقول بخبر الواحد لا يفيد العلم القاطع فلا يكون حجة. والقائلين بحجية يسلمون بعدم إفادته القطع بل الظن، ويقولون إن الظن يكفي في الأحكام الشرعية كالنصوص المنقولة بخبر الواحد فيكون حجة، ومنهم من يقول إن العمل بالظن الحاصل من الإجماع المنقول خارج عن أصالة حرمة العمل بالظن. قال ابن قدامة: "ذهب قوم إلى أن الإجماع لا يثبت بخبر الواحد لأن الإجماع دليل قاطع يحكم به على الكاتب والسنة، وخبر الواحد لا يقطع به فكيف يثبت به المقطوع. وليس ذلك بصحيح فإن الظن متبع في الشرعيات والإجماع المنقول بطريق الآحاد يغلب على الظن فيكون ذلك دليلا كالنص المنقول بطريق الآحاد، وقولهم هو دليل قاطع، قلنا قول النبي ﵇ أيضا دليل قاطع في حق من شافهه أو بلغه بالتواتر وإذا نقله الآحاد كان مظنونا وهو حجة فالإجماع كذلك بل هو أولى" [٧٤] . خاتمة المبحث الأول تنشر بين حين وآخر بعض الآراء التي يدعى فيها أصحابها إن الإجماع لم يعد ممكنا وأنه قد فقد قيمته التشريعية بعد عصر الصحابة رضوان الله عليهم ويبنون آراءهم هذه على أمرين:

стр. 6570

١- تفرق أولى الرأي وأهل الحل والعقد في مشارق الأرض ومغاربها، وعدم إمكان معرفتهم، ومعرفة ما اتفقوا عليه من أحكام وفتاوى وأقضية. ٢- اختلاف منازعهم الفكرية والسياسية والشخصية فأنى يتفقون على رأي واحد في مسألة واحدة!! وأرى أن دعوى تعذر الإجماع لانتشار أهله في البلدان ظاهرة الفساد للأتي: - ١- أن التفرق المكاني والبعد الزماني لم يحل دون الإطلاع على عدم اختلافهم في مسائل كثيرة، ونقلها إلينا جيلا بعد جيل أدلّ دليل على وقوع الإجماع وعلى أنه لم يفقد قيمته التشريعية من ذلك: جمع القرآن وكتابته، وصحة عقود الاستصناع، وبيع المعاط اة، وبطلان زواج المسلمة بغير المسلم، وتحريم الجمع بين المحارم في النكاح، وقيام الإخوة والأخوات لأب مقام الأخوة الأشقاء عند عدمهم.. إلى غير ذلك. قال الآمدي: "إن جميع ما ذكروه منتقض بما وجد من اتفاق جميع المسلمين فضلا عن اتفاق أهل الحل والعقد، مع خروج عددهم عن الحصر على وجوب الصلوات الخمس، وصوم رمضان، ووجوب الزكاة والحج، وغير ذلك من الأحكام التي لم يكن طريق العلم بها الضرورة" [٧٥] .

стр. 6571

٢- إن كانت تلك الدعوى قد تكون مستساغة في العصور الغابرة فلا مجال لها في عصرنا والعصور التالية، لما حققه الإنسان من تقدم في مجال الاتصالات والمواصلات وأجهزة الإعلام. فبفضل المواصلات الحديثة أصبح من السهل جدا أن يعقد قادة الفكر في الأمة ممن بلغوا درجة الإجتهاد ((أهل الإجماع)) مؤتمرا عاما كلما دعت الحاجة وأن يتبادلو وجهات النظر فيما يجد من أحداث وما يطرأ من مشكلات وما اتفقوا عليه كان إجماعا واجب الإتباع من جميع أفراد الأمة. وبفضل أجهزة الإعلام المتنوعة والمتطورة يمكن الإطلاع على الفتاوى التي تصدرها دور الفتوى في كل قطر إسلامي وعلى آراء المجتهدين أينما كانوا، وما اتفقوا عليه كان إجماعا، وهكذا نضمن حلولا وتشريعات جديدة لكل جديد من المحن والتصرفات وتبقى الشريعة في ظل أحد مصادرها الإجماع حية يجد إنسان العصر فيها الحل المناسب لما يصادفه من وقائع ومشكلات. وأما بالنسبة لدعوى تعذر الإجماع لاختلاف منازع أهله الفكرية والسياسية فهي كذلك ظاهرة الفساد للآتي: إن أقصى ما يؤدي إليه اختلافهم هو الحد من الإجماعات ولا يؤدي ذلك إلى استحالة الاتفاق على بعض الأحكام والفتاوى والأقضية بدليل ما نقل إلينا من إجماعات لا زال العمل عليها عند جميع المذاهب الإسلامية حتى عصرنا هذا. والله أسأل أن يلهمنا الصواب ويوفقنا لخدمة شريعتنا الغراء. الدكتور رشدي عليان كلية الدعوة وأصول الدين الجامعة الإسلامية. -------------------------------------------------------------------------------- [١] سينشر المبحث الثاني من هذه الدراسة في العدد التالي إن شاء الله.

стр. 6572

[٢] روي الحديث بهذا اللفظ تارة وبلفظ لا صيام لمن لم يبيت الصوم.. الحديث. انظر: باب الصوم من سنن النسائي والترمذي والدارمي وأبي داود والبيهقي والدارقطني وابن ماجه ومسند أحمد، وموطأ مالك. [٣] يونس/٧١. [٤] الشوكانيإرشاد الفحول ص٧١. [٥] الآمدي/ الإحكام ج١ ص١٠١ والفتوحي/ شرح الكوكب المنير ص٢٢٥. [٦] الغزالي/ المستصفى ص١١٧. [٧] وهم محمد بن جرير وأبو بكر الرازي وأبو الحسين الخياط، راجع / ابن قدامة روضة الناضر ص٧١ والآمدي – الإحكام ج١ ص١٢١. [٨] سيأتي بيان ذلك. [٩] الحكم الشرعي هو الذي لا يدرك إلا من خطاب الشارع، وغير الشرعي مما يدرك بالحس أو بالعقل. [١٠] انظر منتهى الأصول ص٣٧. [١١] انظر شرحه على متن جمع الجوامع ج٢ ص١٧٦. [١٢] أخرجه البخاري في باب البيوع ومسلم في باب المساقاة. [١٣] انظر محاضرات الشيخ محمد حسن فايد في كلية الشريعة والقانون ((مطبوعة علي الرونيو)) .أخرجه البخاري في باب البيوع ومسلم في باب المساقاة. [١٤] المستصفى ج ص١١٠. [١٥] روضة الناظر ص٦٧. [١٦] الآمدي/ الإحكام ج١ ص١٣٣ والشوكاني/ إرشاد الفحول ص٧٩. [١٧] أصول الفقه ص٣١٠ وأمير بادشاه/ تيسير التحرير ج٣ ص٢٥٤. [١٨] أصول الفقه ص١١٩. [١٩] راجع أصول الفقه ص٣١١ و٢٩ من بحث الشيخ فايد والإحكام للآمدي ج١ ص١٣٥. [٢٠] وردت عدة أحاديث من طرق مختلفة وبألفاظ متفاوتة في هذا المعنى فراجعها في باب البيوع من صحيح البخاري ومسلم ومسند أبي داود والترمذي والنسائي والدارمي وموطأ مالك ومسند أحمد. [٢١] الفتوحي/ شرح الكوكب المنير ص٢٣٧. [٢٢] المستصفى ج١ ص١٢٣. [٢٣] روضة الناظر ص٧٧. [٢٤] الصدر/الإجماع في التشريع الإسلامي ص٣٦. [٢٥] الطوسي/ عدة الأصول ج٢ ص٦٤ والشوكاني، إرشاد الفحول ص٧٣. [٢٦] النساء/١١٤.

стр. 6573

[٢٧] الشوكاني/ إرشاد الفحول ص٧٧. [٢٨] الغزالي/ المستصفى ج١ ص١١. [٢٩] آل عمران /١١٠. [٣٠] يونس/٣٢. [٣١] الشوكاني/ إرشاد الفحول ص٧٧. [٣٢] الشيخ فايد/ محاضرات في الإجماع ص١٢. [٣٣] البقرة/١٤٢. [٣٤] القلم/٢٨. [٣٥] آل عمران/ ١٠٣. [٣٦] الآمدي/ الإحكام ج١ ص١١١. [٣٧] الأخبار عن رسول الله ﵇ بأن هذه الأمة لا تجتمع على الخطأ والضلالة كثيرة وقد رويت بألفاظ مختلفة وصيغ وأسانيد متعددة انظر: مسند أحمد ٥/١٤٥ وباب الفتن من سنن الترمذي وابن ماجه والدارقطني وباب التحريم من سنن النسائي. [٣٨] الأحاديث التي تحث على لزوم الجماعة وتذم الخروج عليها كثيرة وقد رويت بألفاظ مختلفة وصيغ متعددة انظر: باب الفتن والتحريم من سن الترمذي والنسائي والبخاري ومسند أحمد والدارمي وأبي داود. [٣٩] المستصفى ج١ ص١١١. [٤٠] ج١ ص١١٢. [٤١] روضة الناظر ص٦٨. [٤٢] أصول الفقه ص٣١٦. [٤٣] الآمدي/ الإحكام ج١ص١٠٢. [٤٤] رواه الترمذي ١/٢٤٩، وأبو داود ٣/٣٠٣، والدارمي ١/٦٠ وانظر مسند أحمد ٥/٢٣٠. [٤٥] الآمدي/ الإحكام ج١ص١٠٧. [٤٦] الخضري/ أصول الفقه ص٣١٢. [٤٧] انظر: تيسير التحرير ج٣ ص٢٤٦ وروضة الناظر ص٧٦ والإحكام للآمدي ج١ ص () . [٤٨] نفسه وأصول الفقه للخضري. [٤٩] انظر: روضة الناظر ص٧٦. [٥٠] تيسير التحرير ج٣ ص٢٤٧ ومنتهى الأصول لابن الحاجب ص٤٢ والخضري ص٣٠١. [٥١] نفسه. [٥٢] نفسه والإحكام للآمدي ج١ ص١٢٩ والمستصفى ج١ ص ١٢١. [٥٣] الإحكام ج١ ص١٣١. [٥٤] وهما أحمد بن حنبل وأبو بكر بن فورك، انظر الإحكام للآمدي ج١ ص١٣٠ وروضة الناظر ص٧٣. [٥٥] المستصفى ج١ ص١٢٢. [٥٦] الشوكاني/ إرشاد الفحول ص٨٦. [٥٧] روضة الناظر ص٧٥. [٥٨] الإحكام ج١ ص١٣٧. [٥٩] منتهى الأصول ص٤٤.

стр. 6574

[٦٠] ابن حزم/ الإحكام ج٤ ص٥١٥. [٦١] الآمدي/ الإحكام ج١ ص١٣٧ وابن الحاجب/ منتهى الأصول ص٤٤. [٦٢] نفسهما. [٦٣] نفسهما. [٦٤] الخضري/ أصول الفقه ص٣٠٠. [٦٥] المظفر/ أصول الفقه ص١١٦. [٦٦] ابن الحاجب/ منتهى الأصول ص٤٦. [٦٧] حاشية البناني على شرح جمع الجوامع ج١ ص١٧٩. [٦٨] روضة الناظر ص٧٨. [٦٩] إرشاد الفحول ص٨٩. [٧٠] الإحكام ج١ ص١٤٣. [٧١] انظر بالإضافة إلى المصادر السابقة شرح المنار لابن مالك ص٢٥٨ وكشف الأسرار على أصول البزدوي ج٣ ص٢٦٥ وفتح الغفار بشرح المنار لابن نجيم ج٣ ص٦. [٧٢] المستصفى ج١ ص١٢٧. [٧٣] نفسه. [٧٤] روضة الناظر ص٧٨. [٧٥] الإحكام ج١ ص١٠٢.

стр. 6575

العبادات في الإسلام وأثرها في إصلاح المجتمع [١] لفضيلة الدكتور محمود السيد شيخون الحمد لله. نحمده ونستعينه ونستغفره ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهد الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه ومن اتبع سنته واهتدى بهداه إلى يوم الدين. أما بعد.. فإن الحديث عن العبادات في الإسلام لا بد أن يسبقه الحديث عن التوحيد فمنزلته من العبادات كمنزلة الأساس من البناء فكما أن البناء لا يثبت ولا يستقر ولا ينتفع به إلا إذا أقيم على أساس متين فكذلك العبادات لا تؤتي ثمارها ولا ينتفع بها إلا إذا بنيت على التوحيد فهو قوامها وعمادها وأصلها وأساسها. التوحيد معناه: التوحيد المطلق هو العلم والاعتراف [٢] بتفرد الرب بصفات الكمال والإقرار بتوحيده بصفات العظمة والجلال وإفراده وحده بالعبادة. أقسامه: وقد قسمه العلماء الموحدون إلى ثلاثة أقسام: القسم الأول: توحيد الربوبية: وهو أن يعتقد العبد أن الله هو الرب المتفرد بالخلق والرزق والتدبير الذي ربى جميع الخلق بنعمه [٣] . وهذا القسم لا ينكره المشركون ولا يجعلون لله فيه شريكا بل هم مقرون به. فهم يقرون بأن الله خالقهم ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ .

стр. 6576

ويقرون بأن الله خالق السموات والأرض ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ﴾ ويقرون بأن الله هو الرازق وهو الذي يخرج الحي من الميت ويخرج الميت من الحي وأنه الذي يدبر الأمر من السماء إلى الأرض وأنه الذي يملك السمع والأبصار والأفئدة ﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلا تَتَّقُونَ﴾ ﴿قُلْ لِمَنِ الأَرْضُ وَمَنْ فِيهَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلا تَذَكَّرُونَ﴾ ﴿قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلا تَتَّقُونَ. قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلا يُجَارُ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ فَأَنَّى تُسْحَرُونَ﴾ . وهذا فرعون مع غلوه في كفره ودعواه أقبح دعوة ونطقه بالكلمة الشنعاء يقول الله في حقه حاكيا عن موسى ﵇: ﴿قَالَ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنْزَلَ هَؤُلاءِ إِلا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ بَصَائِر﴾ . وقال إبليس: ﴿إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ﴾ وقال: ﴿رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي﴾ وقال: ﴿فَأَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ . فكل مشرك مقر بأن الله خالقه وخالق السموات والأرض وربهن ورب ما فيهما ورازقهم.

стр. 6577

القسم الثاني: توحيد الأسماء والصفات وهو اعتقاد انفراد [٤] الرب ﷻ بالكمال المطلق من جميع الوجوه بنعوت العظمة والجلال والجمال التي لا يشاركه فيها مشارك بوجه من الوجوه وذلك بإثبات ما أثبته لنفسه أو أثبته له رسوله ﷺ من جميع الأسماء والصفات ومعانيها وأحكامها الواردة في الكتاب والسنة على الوجه اللائق بعظمته وجلاله من غير نفي لشيء منها ولا تعطيل ولا تحريف ولا تمثيل ولا تكييف ونفي ما نفاه عن نفسه أو نفاه عنه رسوله ﷺ من النقائص والعيوب وعن كل ما ينافي كماله. القسم الثالث: توحيد الألوهية ويقال له توحيد العبادة وهو العلم [٥] والاعتراف بأن الله ذو الألوهية والعبودية وإفراده وحده بالعبادة كلها وإخلاص الدين لله وحده. وهذا القسم يستلزم القسمين الأولين ويتضمنهما لأن الألوهية التي هي صفة تعم أوصاف الكمال وجميع أوصاف الربوبية والعظمة فإنه المألوه المعبود لما له من أوصاف العظمة والجلال ولما أسداه إلى خلقه من الفواضل والإفضال. فتوحده تعالى بصفات الكمال وتفرده بالربوبية يلزم منه ألا يستحق العبادة أحد سواه [٦] . وهذا القسم هو الذي من أجله أنزل الله الكتب وأرسل الرسل فجميع رسل الله عليهم الصلاة والسلام من أولهم إلى آخرهم إنما بعثوا لدعوة العباد إلى إفراد الله بالعبادة ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ . ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحاً وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ﴾ .

стр. 6578

وقال الله تعالى حكاية عن يوسف ﵇: ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلا لِلَّهِ أَمَرَ أَلا تَعْبُدُوا إِلا إِيَّاه﴾ وقال تعالى لنبيه محمد ﷺ : ﴿قُلْ إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ وَلا أُشْرِكَ بِهِ إِلَيْهِ أَدْعُو وَإِلَيْهِ مَآب﴾ . ومن أجل ذلك كان كل رسول يفتتح دعوته بقوله لقومه: ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ . ومن هنا يعلم أن الإقرار بالربوبية لا يكفي في التوحيد لأن المشركين لم ينفعهم هذا الإقرار مع إشراكهم الأنداد لله في العبادة ولا أغنى عنهم من الله شيئا، وأن عبادتهم هي اعتقادهم فيهم أنهم ينفعون ويضرون وأنهم يقربونهم إلى الله زلفى ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ وأنهم يشفعون لهم عند الله ﴿هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ﴾ فنحروا لهم النحائر وطافوا بهم ونذروا النذور عليهم وقاموا متذللين متواضعين في خدمتهم وسجدوا لهم ومع هذا كله فهم مقرون لله بالربوبية وأنه الخالق ولكنهم لما أشركوا في عبادته جعلهم مشركين ولم يعتد بإقرارهم هذا لأنه نافاه فعلهم فلم ينفعهم الإقرار بتوحيد الربوبية فمن شأن من أقر لله وحده بتوحيد الربوبية أن يفرده بتوحيد العبادة فإن لم يفعل ذلك فالإقرار الأول باطل وقد عرف المشركون ذلك وهم في طبقات النار فقالوا: ﴿تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ مع أنهم لم يسووهم به من كل وجه ولا يجعلوهم خالقين ولا رازقين لكنهم علموا وهم في قعر جهنم أن خلطهم الإقرار بذرة من ذرات الإشراك في توحيد العبادة صيرهم كمن سوى بين الأصنام وبين رب الأنام.

стр. 6579

وبناء عليه فالتوحيد المنجي من النار إنما يكون بالإقرار لله بالربوبية والعبودية والتفرد بصفات الكمال والعظمة والجلال وهذا يقتضي من العبد أن ينسب إليه جميع النعم ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ﴾ وأن يخصه بالعبادة والاستعانة والخوف والرجاء والمحبة والتوكل والإنابة فمن فعل شيئا من ذلك لمخلوق حي أو ميت أو جماد أو غيره فقد أشرك وصار من تفعل له هذه الأمور إلها لعابديه سواء أكان ملكا أم نبيا أم وليا أم شجرا أم قبرا أم جنا أم حيا أم ميتا وصار العابد بهذه العبادة عابد لذلك المخلوق مشركا بالله. وخلاصة القول في التوحيد أن يحقق العبد كلمة "لا إله إلا الله"وتحقيق هذه الكلمة ألا يعبد بجميع أنواع العبادة إلا الله فلا يخاف سواه، ولا يرجى سواه ولا يتوكل إلا عليه ولا يرغب إلا إليه ولا يرهب إلا منه، ولا يحلف إلا به ولا ينذر إلا له ولا يناب إلا إليه، ولا يطاع إلا أمره ولا يحتسب إلا به، ولا يستعان في الشدائد إلا به ولا يلتجأ إلا إليه، ولا يسجد إلا له، ولا يذبح إلا له وباسمه. فضائل التوحيد ١- إن التوحيد يحرر العبد من رق المخلوقين والتعلق بهم وخوفهم ورجائهم والعمل لأجلهم وهذا هو العز الحقيقي والشرف العالي. ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ﴾ . ٢- إن التوحيد إذا تم وكمل في القلب وتحقق تحققا كاملا بالإخلاص التام فإنه يصيِّر القليل من عمل العبد كثيرا ويضاعف أعماله وأقواله بغير حصر ولا حساب فعن أبي سعيد الخدري عن رسول الله ﷺ قال: "قال موسى يا رب علمني شيئا أذكرك وأدعوك به. قال: قل يا موسى: لا إله إلا الله. قال: يا رب كل عبادك يقولون هذا. قال: يا موسى لو أن السموات السبع وعامرهم غيري والأرضين السبع في كفة ولا إله إلا الله في كفة مالت بهن لا إله الله" رواه ابن حبان والحاكم.

стр. 6580

٣- إن التوحيد سبب في تكفير الذنوب ومحو الخطايا فعن أنس ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "قال الله تعالى: يا ابن آدم لو أتيتني بقراب الأرض خطايا ثم لقيتني لا تشركْ بي شيئا لأتيتك بقرابها مغفرة". ٤- إن التوحيد يحصل لصاحبه الهدى الكامل والأمن التام في الدنيا والآخرة ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ . ٥- إن التوحيد يمنع الخلود في النار إذا كان في القلب منه أدنى مثقال حبة من خردل وأنه إذا اكتمل في القلب يمنع دخول النار بالكلية. فعن عبادة بن الصامت ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "من شهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمدا عبده ورسوله وأن عيسى عبد الله ورسوله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه وأن الجنة حق والنار حق أدخله الله الجنة على ما كان من العمل" أخرجه البخاري ومسلم. وفي حديث عتبان "فإن الله حرم على النار من قال لا إله إلا الله يبتغي بذلك وجه الله" ولمسلم عن جابر ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "من لقي الله لا يشرك به شيئا دخل الجنة ومن لقيه يشرك به شيئا دخل النار". ٦- إن الله يدفع عن الموحدين أهل الإيمان شرور الدنيا والآخرة ومن عليهم بالحياة الطيبة والطمأنينة إليه والطمأنينة بذكره ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ . ويقول تعالى حكاية عن يوسف ﵇ ﴿كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ﴾ .

стр. 6581

٧- إن التوحيد هو السبب الوحيد لنيل رضا الله وثوابه والفوز بشفاعة الرسول ﷺ يقول الله تعالى مثنيا على المهاجرين والأنصار ومن اتبعهم بإحسان ﴿وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ . ٨- إن الله تكفل لأهل التوحيد بالفتح والنصر والعز والشرف وحصول الهداية والتيسير لليسرى وإصلاح الأحوال والتسديد في الأقوال والأفعال. ٩- إن جميع الأعمال والأقوال الظاهرة والباطنة متوقفة في قبولها وفي كمالها وفي ترتب الثواب عليها على التوحيد فكلما قوي التوحيد والإخلاص لله كملت هذه الأمور وتمت. ١٠- إن التوحيد يسهل على العبد فعل الخير وترك المنكرات ويسليه عن المصيبات فالمخلص لله في إيمانه وتوحيده تخف عليه الطاعات لما يرجو من ثواب ربه ورضوانه ويهون عليه ترك ما تهواه النفس من المعاصي لما يخشى من سخطه وعقابه. ١١- إن التوحيد إذا كمل في القلب حبب الله إلى صاحبه الإيمان وزينه في قلبه وكره إليه الكفر والفسوق والعصيان وجعله من الراشدين. ١٢- إن التوحيد هو السبب الأعظم لتفريج كربات الدنيا والآخرة ودفع عقوباتهما. ١٣- إن التوحيد هو الطريق إلى الفوز بمحبة الله ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدّاً﴾ . ١٤- إن التوحيد يخفف عن العبد المكاره ويهون عليه الآلام فبحسب تكميل العبد للتوحيد والإيمان يتلقى المكاره بقلب منشرح وصدر رحب ونفس مطمئنة وتسليم ورضا بأقدار الله المؤلمة.

стр. 6582

١٥- إن الله تكفل لأهل التوحيد بالأمن والطمأنينة والولاية ودخول الجنان ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ أَلا تَخَافُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ نُزُلاً مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ﴾ . هذه هي فضائل التوحيد ولا ينالها ولا يحظى بها إلا من حققه وتحقيقه ليس بالتمني ولا بالدعاوى الخالية من الحقائق ولا بالحلي العاطلة وإنما ذلك بما وقر في القلوب من عقائد الإيمان وحقائق الإحسان وصدقته الأخلاق الجميلة والأعمال الصالحة الجليلة. يقول ابن القيم ﵀ في فضل كلمة التوحيد: "هي الكلمة [٧] التي قامت بها الأرض والسموات وفطر الله عليها جميع المخلوقات وعليها أسست الملة ونصبت القلة وجردت سيوف الجهاد وهي محض حق الله على جميع العباد وهي الكلمة العاصمة للدم والمال والذرية في هذه الدار والمنجية من عذاب القبر وعذاب النار وهي المنشور الذي لا يدخل أحد الجنة إلا به والحبل الذي لا يصل إلى الله إلا من يتعلق بسببه وهي كلمة الإسلام ومفتاح دار السلام وبها انقسم الناس إلى شقي وسعيد ومقبول وطريد وبها انفصلت دار الكفر من دار الإسلام وتميزت دار النعيم من دار الشقاء والهوان وهي العمود الحامل للفرض والسنة "من كان آخر كلامه لا إله إلا الله دخل الجنة" [٨] . العبادات وأثرها في إصلاح القلوب وتهذيب النفوس إن الإسلام قد فرض على الناس عبادات لها أثر حسن في إصلاح القلوب وتهذيب النفوس وسنشير في هذه العجالة إلى ما تشتمل عليه هذه العبادات من المثل العالية والمبادئ السامية التي تحقق السعادة في الدنيا والآخرة. الصلاة وفضائلها: إن من يدرس هذه الفضيلة دراسة واعية مستفيضة يدرك أنها تشتمل على كثير من الفضائل التي تسهم في سعادة الفرد والمجتمع ومن هذه الفضائل ما يأتي:

стр. 6583

١- إنها تسهم في حماية العبد من الأمراض التي تفتك به وتعوقه عن العمل لدنياه وأخراه لما فيها من الحث على النظافة فقد جعل الإسلام مفتاحها طهارة البدن والثوب والمكان. ٢- إنها تعوِّد المؤمن مراقبة الله وخشيته، إذ يقف العبد فيها فارغا من الشواغل موجها قلبه إلى مولاه يناجيه ويثني عليه بما هو أهله خائفا عقابه طامعا في رحمته طالبا منه العون والهداية فيؤثر ذلك في نفسه ويعوده مراقبة الله وخشيته فيجتنب ما يغضب مولاه عما حرم الله. ﴿اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ وَأَقِمِ الصَّلاةَ إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ﴾ . ٣- الصلاة تمد المؤمن بقوة روحية تعينه على مواجهة المشقات والمكاره في الحياة الدنيا ﴿اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِين﴾ . وكان النبي ﷺ إذا حزبه [٩] أمر فزع إلى الصلاة [١٠] . ٤- إن في الصلاة غذاء روحيا للمؤمن يعينه على مقاومة الجزع عند الشر والمنع عند الخير والتغلب على جوانب الضعف الإنساني ﴿إِنَّ الإنسان خُلِقَ هَلُوعاً إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعاً وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعاً إِلا الْمُصَلِّينَ الَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلاتِهِمْ دَائِمُونَ﴾ . ٥- إن الصلاة سبب لمحو الخطايا وغفران الذنوب فقد ثبت عن رسول الله ﷺ أنه قال: "أرأيت لو أن نهرا على باب أحدكم يغتسل فيه كل يوم خمس مرات فهل يبقى على بدنه من درنه شيء قالوا: لا قال فذلك مثَل الصلوات الخمس يمحو الله بهن الخطايا" أخرجه البخاري ومسلم. ٦- إن الصلاة تعلم العبد بما فيها من الركوع والسجود والثناء والتعظيم كيف يتواضع لله، وكيف يشكر من أحسن إليه ويكافئ من أسدى إليه معروفا.

стр. 6584

٧- إن الصلاة بما فيها من الخشوع ترقق قلب المؤمن وتملأه رحمة وقناعة فيرحم الضعفاء، ويواسي البؤساء، ويرضى عن الله في الشدة والرخاء. ٨- إن في الصلاة غذاء للروح لا يغني عنه علم ولا أدب فالصلوات الخمس هي وجبات الغذاء اليومي للروح كما أن للمعدة وجباتها اليومية يناجي المصلي فيها ربه فتكاد تشف روحه وتصفو نفسه فتسمع كلام الله الذي يقول: "قسمت الصلاة بيني وبين عبدي قسمين ولعبدي ما سأل. فإذا قال العبد الحمد لله رب العالمين قال الله : حمدني عبدي، فإذا قال الرحمن الرحيم قال الله: أثنى عليّ عبدي، فإذا قال: مالك يوم الدين قال: مجدني عبدي، فإذا قال: إياك نعبد وإياك نستعين، قال: قال: هذا بيني وبين عبدي ولعبدي ما سأل، فإذا قال: اهدنا الصراط المستقيم صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين قال هذا لعبدي ولعبدي ما سأل" رواه مسلم. ٩- في الصلاة تدريب للمسلم على النظام وتعويد له على الطاعة ويظهر هذا واضحا في صلاة الجماعة إذ يقف المسلمون في صفوف مستقيمة متلاصقة فلا عوج ولا فرج المنكب إلى المنكب والقدم إلى القدم فإذا كبر الإمام كبروا وإذا قرأ أنصتوا، وإذا ركع ركعوا، وإذا سجد سجدوا، وإذا سلم سلموا، من خرج على هذا النظام فكأنما خرج على الإنسانية وانحط إلى مستوى الحيوانية [١١] ففي الحديث الشريف: "ألا يخشى الذي يركع أو يسجد قبل الإمام أن يمسخ الله رأسه رأس حمار" رواه البخاري ومسلم. ١٠- في صلاة الجماعة مظهر من مظاهر المساواة الرائعة إذ يقف الأمير إلى جانب الفقير والغني في جوار المسكين، والسيد في محاذاة الخادم، فليس في المسجد لائحة تخصص الصف الأول للوزراء والصف الثاني للنواب، والصف الثالث للمدير وإنما الجميع سواسية كأسنان المشط فمن بكَّر في الذهاب إلى المسجد احتل مكانه في مقدمته أيّاً كانت منزلته وأيّاً كان عمله في الناس [١٢] .

стр. 6585

١١- في صلاة الجماعة دعم لعاطفة الأخوة وتقوية لروابط المحبة وإظهار للقوة فبالاجتماع تذهب الضغائن وتزول الأحقاد، وتتآلف القلوب وتتحد الكلمة. ١٢- في صلاة الجماعة تظهر عظمة ملك الملوك ورب الأرباب ويعم الخير وتنتشر الرحمة لأن المسلمين إذا اجتمعوا في صعيد واحد وراء إمام واحد إلى قبلة واحدة يعبدون ربّاً واحدا خاشعين خاضعين خائفين عذابه طامعين في فضله غشيتهم رحمته وعمهم إحسانه ﴿وَادْعُوهُ خَوْفاً وَطَمَعاً إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ . ١٣- الصلاة تعود على البدن بنفع عظيم فهي تقوى العضلات وتسبب اليقظة المبكرة والنشاط لجميع الجوارح فالجسم في الصلاة يعمل قائما وقاعدا وراكعا واللسان يعمل قارئا مكبرا مسبحا مهللا [١٣] والعقل يعمل متدبرا متفكرا فيما يتلى عليه من القرآن والقلب يعمل مستحضرا رقابة الله تعالى وحشيته والشوق إليه. عناية الإسلام بالصلاة لقد عني الإسلام بالصلاة لما فيها من الفضائل ولما تشتمل عليه من الخير والنفع فشدد كل التشديد في طلبها وحذر كل التحذير من تركها أو تأخيرها عن أوقاتها فهي عمود الدين ومفتاح الجنة وخير الأعمال وأول ما يحاسب عليه المرء المؤمن [١٤] يوم القيامة يذكرها القرآن الكريم في دعاء الخليل إبراهيم. ﵊ ﴿رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلاةِ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي رَبَّنَا وَتَقَبَّلْ دُعَاءِ﴾ . ويمدح بها إسماعيل ﵊ ﴿وَكَانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِالصَّلاةِ وَالزَّكَاةِ وَكَانَ عِنْدَ رَبِّهِ مَرْضِيّاً﴾ . ويأمر الله تعالى كليمه موسى ﵊ بإقامتها أول ما يأمره به في ساعات الوحي الإلهي ﴿وَأَنَا اخْتَرْتُكَ فَاسْتَمِعْ لِمَا يُوحَى إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لا إِلَهَ إِلا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي﴾ .
следующие страницы →