← Джавами‘

Джавами‘ · id 4473

مجلة الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (23 804 стр.). Показаны 6791–6830 · переход к 6796.

стр. 6791

وقوله ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإسلام دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ آل عمران (٨٥) .. ثم علق ﵀ على قوله تعالى ﴿وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى..﴾ البقرة (١٣٦) فقال: ((لم يبين هنا ما أوتيه موسى وعيسى ولكنه بينه في مواضع أخرى، وذكر أن ما أوتيه موسى هو التوراة المعبر عنها بالصحف في قوله تعالى ﴿صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى﴾ الأعلى (١٩) ، وذلك لقوله ﴿ثُمَّ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَاب﴾ الأنعام (١٥) –وهو التوراة بالإجماع ((وذكر أن ما أوتيه عيسى هو الإنجيل كما في قوله ﴿وَقَفَّيْنَا بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَآتَيْنَاهُ الإنجيل..﴾ الحديد (٢٧) اهـ، إنها ليد بيضاء للقرآن على ((أهل الكتاب)) وهو يسمي كتبهم، ويعرِّف بها، ويشيد بخصائصها في زمانها، وشهادتها بما أنزل الله من بعد في الكتاب المهيمن والقرآن –ولله ولكتابه المثل الأعلى- هو الشمس التي تشرق بنور ربها، وتعطي الفرصة لغيرها من الأشياء التي تظهر مزاياها وجوانب الحسن فيها، فيكون للشمس ونورها في ذلك الظهور والوضوح أكبر الفضل. ولقد كان من حق عارفة القرآن، على ((أهل الكتاب)) أن لا يجحدوها طرفة عين.. لكن الطبائع غالية، فمن القوم إن لم نقل أكثرهم من يؤمنون ببعض الكتاب ويكفرون ببعض ويأخذون آيات الله هزوا، ويحرفون الكلم عن مواضعه، ويقولون ليس علينا في الأميين سبيل، قال تعالى: ﴿وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ البقرة (٨٩) . هذا إجمال يتبعه تفصيل، وعموم تلقاك على تخصيصه عما قليل، والله يقول الحق وهو يهدي السبيل.

стр. 6792

-------------------------------------------------------------------------------- [١] شرح الإمام النووي لصحيح مسلم ج ١ ص ١٩٩-٢٠٠.

стр. 6793

تأملات في كتاب (الله أو الدمار) لفضيلة الشيخ محمد مصطفى المجذوب بين يدي الساعة كتاب (الله.. أو الدمار) من تأليف الأستاذ سعد جمعه رئيس الوزارة الأردنية أيام النكبة، التي زلزلت العالم الإسلامي عام ١٣٨٧هـ (١٩٦٧م) وقد سبق أن قرأت من تصانيفه كتابيه (المؤامرة ومعركة الصبر) ثم (مجتمع الكراهية) فحفزني إعجابي بهما على تصفح هذا الثالث، الذي لم يفارق سبيلهما في تقصي الوقائع واستشفاف الحقائق بنور الله، الذي يفيضه على القلم النظيف، فيهز بما يكتب القلب المفتوح لأشعة الحق. لقد وفق المؤلف في هذا السفر إلى استجلاء كثير من الأسرار، التي لا يتوافر الحصول عليها إلا للصابرين على المطالعة والمتابعة والملاحظة، فهو حصيلة عشرات الكتب، وخلاصة لدراسات نفسية على الطبيعة، تغلغل بها إلى الأعماق من التيارات التي واجهها ويواجهها أثناء وجوده في الحكم، واستشرافه عن كثب للعوامل التي ألفت عناصر المأساة، ثم ما أعقبها من زعازع لا تزال تخض أعصاب الجيل فتبعثره بين مختلف المذاهب والجوانب، ولو شئت الإشارة إلى ل ما انطوى عليه هذا الجهد من الحسنات لاضطررت إلى الوقوف عند كل واحدة من صفحاته المائتين والسبعين، التي حفلت بالقبسات البارعة، والاستنباطات الرائعة، والتعابير المتألقة الماتعة، وما ذلك بالميسور في المحدود من السطور، فبحسبي إذن أن أوجه نظر القارئ منها إلى بعض النماذج الدالة على ما ورائها من الجمال، لينهض إلى استقصائها بنفسه فذلك أجدى عليه وأمتع له.

стр. 6794

في صدر الفصل الخاص بالتبشير والاستعمار مثلا يقف المؤلف على عمل المستشرقين في تمجيد ما يسمونه (التصوف الإسلامي) لقربه في زعمهم من المفهومات المسيحية (فهم لذلك يسوغون عقيدة الحلول والفناء عند الصوفية التي تدعوا إلى الرهبنة والانعزال والهروب من مشاكل الحياة، وصرف المسلمين عن فكرة الجهاد) [١] ومع أن المؤلف لم يطل وقفته هناك، فقد قدح بها رغبة القارئ في تتبع مجاري هذه المكيدة الاستشراقية، ليرى مدى نجاحها في استهواء العديد من طلابهم المسلمين، ودفعهم إلى التشبث بهذه الانحرافات، بعد أن تمكنوا من الاستحواذ على إعجابهم، فعادوا إلى مواطنهم يبثون في قلوب العامة وأشباههم هاتيك السموم، ويتعهدون تغذيتها بكل ما أوتوا من طاقة ونشاط.. ويتبع المؤلف آثار المستشرقين والمبشرين في أوساط البعثات التعليمية (التي عادت محملة بخمائر المذهبيات الأوربية..) وراحت تحقق أغراضهم في بث الخلافات الايديولوجية التي صدعت الشمل، ونشرت بذور التشكيك. وضرب على ذلك مثلا بطه حسين الذي حمل دعوة هؤلاء الشياطين للانفصال عن الإسلام، والاندماج في بناء الحضارة الغربية بعُجَرَها وبُجَرها.. ثم يخص بالذكر الشيخ علي عبد الرزاق، الذي يعرضه كعينة لما يمكن لعدوى الاستشراق والتبشير أن تعمله حتى في أفكار بعض علماء الدين. وينقل هنا رأي الدكتور محمد البهي في نقد كتاب هذا الشيخ (الإسلام وأصول الحكم) ومهاجمته فيما حواه حيث يلخص مضمونه بأنه دعوة صريحة لتهديم النظام الإسلامي بإبطال الجهاد، واعتبار الشخصية الجماعية في الإسلام قد انتهى أمرها بوفاة صاحب الرسالة ﴿كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ إِنْ يَقُولُونَ إِلاَّ كَذِباً﴾ .

стр. 6795

ولقد أحسن المؤلف صنعا حين نقل في أمثال هؤلاء، الذين خربهم المستشرقون والمبشرون، شهادة (جان بول سارتر) في مقدمته لكتاب (معذبو الأرض) المترجم إلى العربية وفيها يقول (شرعت الصفوة الأوربية تصطفي فتيانا مراهقين، ترسم على جباههم بالحديد الأحمر مبادئ الثقافة الأوربية، وتحشو أفواههم بشعرات رنانة، ثم تردهم إلى ديارهم وقد زيفوا، واستحالوا أكاذيب حية [٢] ..) وإنها لشهادة دامغة لهؤلاء الناعقين بأبواق الغرب يطوقهم بعارها واحد من أساطين الهدامين الذين أسهموا في إفسادهم.. ومثل ذلك تصويره لخصائص اليهودية التي جمعت أولئك الشذاذ على إقامة إسرائيل حتى ينتهي بالقارئ إلى ذلك المشهد الرهيب حيث أحاطت جماهير اليهود بحائط المبكى، يوم السابع من حزيران لتقيم صلاة النصر، وهي تهتف بأصواتها المدوية: ليسقط.. اليوم انتهى محمد.. محمد مات وخلف بنات يالثاَراتِ خيبر!!! ثم يردف ذلك العرض الفاجع بهذا التقريع الصادع: (لم يهتفوا ضد ناصر أو الأتاسي أو عارف أو الحسين، أو غيرهم من قادة العرب وزعمائهم لأن هدف المؤامرة هو محمد والإسلام) . وإنها والله لكذلك.. فوا محمداه.. ووا إسلاماه!!! وبعد.. فتلك لمحات عجلى من روائع ذلك السفر لا تغني عن قراءته في تدبر. وأن عنوانه (الله.. أو الدمار) لأدل على مضمونه من أي محاولة لتعريفه إذ هو حشد من البراهين الحاسمة، تلاقى على صياغتها التاريخ والعلم والأحداث، والدراسات النفسية والاعترافات الصارخة، على أننا نحن العرب والمسلمين، بل البشرية أجمعون مهددون –بعد الضياع- بالدمار الماحق، إلا أن نعود إلى الله، ونعتصم بحبله الذي لا ينفصم: الإسلام. ولكم كنا نود لو تمت له ميزة السداد، فسلم من بعض الهفوات التي رأينا التنبيه إليها في هذا التعقيب، خدمة للكتاب، وتعاونا على الخير الذي يهدف إليه الكتاب.

стр. 6796

١- في القسم الخاص بالحديث عن مفاسد المبشرين من مقدمة الكتاب يعرض المؤلف صورا باهرة عن تسامح الإسلام، وعن آثار المسلمين في ميادين العلم والحضارة ويستشهد لذلك بكلام من مؤلفات بعض المستشرقين. وهو منهج سليم ومفيد، إلا أن بعض نقوله تكاد تتجاوز الضروري بل تكاد تؤدي إلى غير ما يريد، ونمثل على ذلك بما نقله على المستشرق (اميل درمنجهايم) في ص ٨٥، ٥٩ عن موضوع الصلة بين الإسلام والنصرانية، ومحاولة هذا المستشرق تصوير الصلب الذي يزعمونه للسيد المسيح، على أنه متفق مع تفسير بعض مفكري المسلمين -كذا- إذ ينسب لهؤلاء القول بأن المسيح قد صلب ولكنه لم يمت على الصليب، بل أنزل عن صليبه قبل أن يلحق روحه بالرفيق الأعلى وهو زعم لا نعرف له قائل في تاريخ الإسلام. اللهم إلا أن يكون من المأخوذين بترهات هذا الأفاك..الغافلين عن حكم الله بأنهم ﴿وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ..﴾ وقد أجمع علماء القرآن على أن المراد بالتشبيه إلقاء شبه السيد المسيح (ع) على شخص الخائن يهوذا حتى أخذ مكانه، وهو ما أثبته برنابا في إنجيله المعروف. ومع ذلك فإن المؤلف سامحه الله يكتفي بعرض هذه المفتريات دون معارضة ولا مناقشة سوى قوله (ليس قصدي من إيراد هذه النصوص الخوض في مناقشات دينية أو التسليم بكل ما احتوته..) وإنما عمد إلى ذلك النقل ليثبت مدى رعاية الإسلام للنصارى، تألفا لهم وتطمينا لقلوبهم. وقد كثر هذا الضرب من المعاملة لهؤلاء المواطنين وبخاصة في هذه الأيام، حتى كدنا نهتم بالملق، دون أن يعود ذلك إلى قضايانا المصيرية بأي مردود مفيد. وأمامنا الأمثلة القاطعة على هذا الإخفاق في لبنان ومصر والفليبين واندنوسية، وعشرات الأقطار التي أطبقت عليها كوابيس التعصب الصليبي فلم تراع فيها إلا ولا ذمة.. وكان الأحرى بنا والأكرم أن نعاملهم بعدالة الإسلام وصراحته، فنخاطبهم بما خاطبهم الله ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا

стр. 6797

إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلا نَعْبُدَ إِلاَّ اللَّهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضاً أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾ (٣/٦٤) ونؤكد لهم في تصميم حاسم أننا ملتزمون معهم أبدا بالمبدأ الإلهي الخالد ﴿لا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ (٦٠/٨) فما داموا سَلَماً لنا، مخلصين في معاملتنا، فلهم ما لنا، وعليهم ما علينا، بل لهم فوق ذلك منا حق البر لهم الذي هو زائد على العدالة.. ولعمر الله إن لم يرضيهم منا هذا كله فلن يرضيهم إسرافنا في التزلف إليهم بالغا ما بلغ ذلك الإسراف. ٢- وفي القسم الأخير من الكتاب يتناول المؤلف الفاضل أوضاع المجتمع القائم في ديار الإسلام، فيعرض للتناقضات الماثلة بين طبقاته وحقائق الوحي، وفي أسف عميق يتساءل (أليس من عجائب دهرنا ومصائب زماننا أن يصبح علماء الإسلام في بعض البلاد العربية هيئة دينية كالاكليروس مهمتها اللهاث في مواكب الحاكمين والركض في ركابهم، والإفتاء لتشريعاتهم المخالفة للإسلام!..) . وهو في هذه الزفرة اللاذعة إنما يعبر عن ضمائر المؤمنين في كل مكان من عالم الإسلام.. غير أنه في صدد النقد لبعض هؤلاء العلماء يحدثنا عن واحد من أساتذة كلية الشريعة في بلد عربي سمعه يخطب في إحدى المناسبات الدينية فيقول (إن محمدا ﷺ لم يرسل إلى الإنس وحدهم، بل إلى الإنس والجن جميعا..) .

стр. 6798

يقول المؤلف: هذا التقرير القطعي الذي لا سند له من قرآن أو سنة.. ومن أجل ذلك عاد إلى كتاب الله يكرر قراءته، وإلى الحديث الصحيح يتلوه مجتهدا، فلم يجد دليلا على أن رسول الله قد اجتمع برهط من الجن ليبلغهم رسالته.. ثم يأخذ في سرد الآيات المتعلقة بذكر الجن وبرسالته ﷺ ليؤكد لنا ما ذهب إليه من نفي لدعوى ذلك الأستاذ!. وأنا مع تقديري الكبير لمجهود المؤلف وإخلاصه العميق للحق، أجدني مضطرا للوقوف بجانب ذلك الأستاذ، لأني من المؤمنين بشمول رسالة نبينا ﷺ للثقلين جميعا. وفي اعتقادي أن الأستاذ المؤلف أيضا لن يتردد طويلا حتى ينضم إلى صف المؤمنين بهذه الحقيقة، بعد الإطلاع على دلائلها القاطعة إن شاء الله. ولننظر إلى الموضوع من زواياه المختلفة، ففي كلام الأستاذ المؤلف حفظه الله أمور تقتضي التفصيل: ١- أنه ينفي اجتماع رسول الله ﷺ بأي رهط من الجن. ٢- ومن ثم فهو ينفي أن يكون ﷺ قد بلغ الجن. ٣- يفهم الأستاذ المؤلف من قوله تعالى ﴿يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالإِنْسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي﴾ .. أن لكل من الفريقين رسلا من جنسه، فللإنس رسلهم من الإنس، وللجن رسلهم من الجن. ٤- ويستشهد لذلك بقوله تعالى في خطاب محمد ﷺ ﴿وَأَرْسَلْنَاكَ لِلنَّاسِ رَسُولاً..﴾ إذ يفهم منه حصر رسالته ﷺ بالناس دون غيرهم. وعلى هذا فسنتناول كلاً من هذه النقاط على حدة حتى ننتهي إلى النتيجة المقنعة.

стр. 6799

ونبدأ بالأول فنقول ما قاله رواة السنة عن ابن عباس وغيره أن النفر الذين ورد ذكرهم في سورتي (الأحقاف) و (الجن) لم يجتمعوا برسول الله بل أوحي إليه خبرهم، وإنما أتاه داعي الجن بعد ذلك، فقرأ عليهم القرآن ودعاهم إلى الله ، كما رواه البيهقي عن ابن مسعود (رض) [٣] . وفي رواية البيهقي أيضا عن ابن هريرة (رض) أن رسول الله ﷺ . قال له: "أتاني وفد جن نصيبين فسألوني الزاد، فدعوت الله تعالى لهم ألاً يمروا بروثة ولا عظم إلا وجدوه طعاما" وقد أخرجه البخاري في صحيحه بإسناد قريب منه. وفي مسند الإمام أحمد عن علقمة عن ابن مسعود (رض) أن رسول الله ﷺ قال له: "أتاني داعي الجن فقرأت عليهم" وفيه أنهم سألوه الزاد فقال: "كل عظم ذكر اسم الله عليه يقع في أيديكم أوفر ما يكون لحما، وكل بعرة أو روثة علف لدوابكم.." وهكذا رواه مسلم في صحيحه عن علي بن حجر عن إسماعيل بن علية به نحوه. ومن أخبار ابن مسعود (رض) عن اجتماع رسول الله بالجن ما يرويه ابن جرير وغيره من أنه ﷺ انطلق به ذات ليلة "حتى إذا كنا بأعلى مكة خطً لي خطا ثم أمرني أن أجلس فيه ثم انطلق حتى قام، فافتتح القرآن فغشيته أسودة كثيرة حالت بيني وبينه حتى ما أسمع صوته..". والقارئ لتفسير ابن كثير لسورة الأحقاف يواجه العديد من الأحاديث التي ورد فيها هذا الخبر من طرق كثيرة العدد أيضا.. مما يقطع بأن اجتماعه ﷺ بالجن، وتبليغه إياهم الدعوة، قد حصل في مرحلة تالية لاستماعهم منه دون علمه. هذا إلى أن سورة (الرحمن) بأسرها توكيد لهذا الواقع، الذي يتجلى في خطاب الثقلين. وإقامة الحجة عليهم جميعا، بآلائه التي لا يسع أحداً من الفريقين إنكارها. ﴿فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَان!!﴾ .

стр. 6800

وقد روى البيهقي والترمذي عن جابر بن عبد الله (رض) قوله: قرأ رسول الله سورة الرحمن حتى ختمها ثم قال: "مالي أراكم سكوتا؟ لَلْجن كانوا أحسن منكم ردا. ما قرأت عليهم هذه الآية ﴿فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَان﴾ إلا قالوا: ولا بشيء من آلائك أو نعمك ربنا نكذب. فلك الحمد". أما قوله تعالى: ﴿أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ﴾ فهو كقوله سبحانه ﴿يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجَانُ﴾ . ومعلوم أنهما لا يخرجان إلا من أحد البحرين دون الآخر، وهي من طرائق العرب في إعطاء حكم الواحد للأكثر لعلاقة بينهما، وإنما الآية تقرير ملزم بإيصال الرسالة إلى الثقلين دون تحديد لجنسية الرسول من أي الفريقين. لأن هذه الهوية قد حددت في آيات أخرى كقوله عز اسمه: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلاَّ رِجَالاً نُوحِي إِلَيْهِمْ..﴾ ففي ذلك توكيد قاطع بأن الجن تابعون لرسل الإنس، وليس فيهم رسل من جنسهم وإنما فيهم منذرون يبلغون رسالات النبيين من بني آدم. ويستدل العلماء على ذلك من آية الأحقاف (٢٩-٣٢) حيث نرى المستمعين القرآن من الجن ينطلقون لفورهم إلى قومهم منذرين، فيربطون بين رسالة موسى ورسالة خاتم النبيين، ويعلنون ألاّ خلاص من عذاب الله إلا بإتباع هذا الداعي الجديد، المصدق لما سبقه من كتب الله، والهادي إلى الحق وإلى طريق مستقيم. وهو سياق لا يدع مجالا للريب بأن هؤلاء كانوا مؤمنين برسالة موسى ﵇ ثم أقبلوا يكملون إيمانهم بإتباع محمد ﷺ وبذلك يسقط كل جدل حول هذه القضية. إذ لا يبقى مناص عن الإقرار بشمول الرسالة الخاتمة للثقلين جميعا، وبذلك أيضا ينتفي الوهم بحصر رسالته ﷺ في الناس وحدهم كما فهم الأستاذ من قوله تعالى ﴿وَأَرْسَلْنَاكَ لِلنَّاسِ رَسُولاً﴾ لأن مساق هذا الجزء من الآية التاسعة والسبعين من سورة النساء صريح بأنه تفنيد لمغالطات المنافقين الذين لا

стр. 6801

يفقهون حقيقة الرسالة، ويردون كل سوء يصيبهم إلى إتباعهم -في الظاهر- لرسول الله، فجاءت الآية ردا على تقولاتهم، وبيانا لمهمته ﷺ بأنها التبليغ عن الله، مع تنزيهه عن كل ما ينسبه إليه أولئك الخراصون. والبحث مع مثل المؤلف لا يقتضي الإسهاب في موضوع الجن، وجودهم وكونهم مكلفين وملزمين بإتباع الرسالات الإلهية. فذلك أمر مفروغ منه بحكم إيمانه بالكتاب والسنة، وإنما يكفي لإقناعه بالحق تذكيره بالنصوص الشاهدة له عملا بقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ (٢٤/٥١) وحسب المؤمن في ذلك قول ربه: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْأِنْسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ﴾ (٥١/٥٦) ولا عبادة إلا بشرع، ولا شرع إلا بوحي، ولا وحي إلا برسول. وما أخال الأستاذ حفظه الله بعامد إلى الجدال في الأحاديث المتعلقة بالبحث لكونها من الآحاد، فذلك قول لا يقف أمام الحجة البينة من أعمال الصحابة في التبليغ عن رسول الله، وفي صحيح البخاري باب خاص في إجازة خبر الواحد لا يدع مجالا لمعترض يريد وجه الله. ٣- وقد بقيت ثمة هفوات صغيرة، ولكنها على ضآلتها مشوهة لجمال الكتاب رأينا أن نختم الكلام بالإشارة إليها رجاء أن يتداركها في الطبعات التالية فيكمل له الأجر من الله، والدعاء من عباده إن شاء الله. ففي ص ١٤ من المقدمة. وأثناء تحديده لمهمة المفكر الشريف في إطار الإصرار الصارم على قولة الحق، يفاجئنا بهذا الكلام: (أما الصخب والكذب و.. فهي ليست من صفات من يحمل قلمه كصليب يسوع!..) فلا نتمالك أن نتساءل في أسى: وما شأن الصليب ويسوع في هذا المقام!.. وكيف سمح لقلمه أن يلتقط مثل هذا التعبير الدخيل المنافي لمعتقده الإسلامي!..

стр. 6802

وفي ص ١٤٠ يقول (فكل من يدعو إلى القومية، وينكر وجود الله، هو حيوان في صورة إنسان!) وأنا أستميحه عذرا للدفاع عن حقوق الحيوان، الذي أفرط في إهانته عندما وضعه على مستوى الملحد المنكر لوجود خالقه.. فكيف؟.. وربنا يشهد للحيوان بارتفاعه عن مكانة أولئك المسوخ حين يقول: ﴿إِنْ هُمْ إِلاَّ كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلاً﴾ (٢٥/٤٤) ويستمر المؤلف في تسفيه هذا الضرب الحقير من شراذم الكفر حتى يقول: (فهو جاهل غبي مخلوق خطأ..) وأحسب الأستاذ يريد بذلك أنه مقلوب العقل مشوه الفطرة، إلا أن التعبير بكونه (مخلوقا خطأ) من الأشياء التي كنا نود أن يتنزه عنها مثل ذلك القلم المؤمن. لأن أقل ما يفهم منه نسبة الخطأ إلى الخالق في إيجاد هذا النوع من المخلوقات ومثله أبعد ما يكون عن قبول هذا المضمون، لأن خلقه تعالى هؤلاء الكفرة كخلقه الأفاعي والجردان، لا يخلو من حكمة تليق بجلاله سبحانه، فلو سلمت الحياة من هذه الآفات لقُتِلت حوافز البحث في الإنسان ولما كان ثمة ضرورة لإقامة المخابر والمصانع، والالآف من مظاهر المدنيات.. ولنختتم هذه الجولة بوقفة قصيرة حول كلمة صغيرة. ولكنها من حيث آثارها المجربة كبيرة. لقد عني الأستاذ بالعبارة المشهورة (اختلاف أمتي رحمة) فأقر نسبتها إلى الرسول وجعل يؤكد بها يسر الإسلام، وتقديره لحرية الفكر والعقل. وما إلى ذلك [٤] . ولو هو قد رجع إلى ما كتبه المحققون حولها لبحث عن نص آخر من الكتاب أو السنة يدعم بها فكرته. ذلك لأن العبارة موضع (اختلاف) كثير، ولم يثبت لها سند متصل عن رسول الله.

стр. 6803

يقول السخاوي في (المقاصد) عن بعض رواتها: جويبر هذا ضعيف جدا، والضحاك عن ابن عباس منقطع. ثم يقول: وعزاه الزركشي إلى كتاب الحجة لنصر المقدسي مرفوعا من غير بيان لسنده ولأصحابيه، وعزاه العراقي لآدم بن أبي إياس بدون بيان وبلفظ: (اختلاف أصحابي رحمة لأمتي) وهو مرسل ضعيف [٥] . وفي (الدرر المنتثرة في الأحاديث المشتهرة) يعقب السيوطي على العبارة بقوله: هذا يدل على أن المراد اختلافهم في الأحكام. وقيل المراد اختلافهم في الحرف والصنائع) . وهذا أقرب إلى المعقول من تسويغ الاختلاف في كل شيء. لأن ذلك كناف لروح الإسلام الذي يحذر المسلمين الاختلاف وحسبنا في ذلك قوله تعالى: ﴿وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ (٣/١٠٥) وأي خير يرجى من الاختلاف بعد أن جعله الله في مقابل الرحمة إذ يقول سبحانه ﴿وَلا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ إِلاَّ مَنْ رَحِمَ رَبُّك﴾ (٨١-١١٨ و١١٩) ولعمر الحق لو أن الأستاذ استحضر في ذهنه ما يعلمه من واقع المسلمين وما يعانونه من دواهي الاختلاف، وما أدى إليه من تفرقهم حتى في العقائد، لم يأذن ليراعه بإثبات هذه الكلمة، ولتذكر أن موقف الإسلام من تقدير الفكر والعقل لا يعود إلى الاختلاف بل إلى التعاون على البر والتقوى، وبذل الوسع في إصابة الحق وإلتزام القول السديد، حسب توجيهات الكتاب المجيد.. ولا بأس بعد ذلك في تباين الفهوم، وتفاوت القُدَر، ففي هذا متسع للمواهب غير محدود. وأخيرا.. لقد سبق أن ذيلت آخر صفحات (مجتمع الكراهية) بالكلمات التالية: ((.. في هذه النفثات حقائق ووثائق، ولكن أروع ما فيها هو صدقها وحرارتها.. فليجزك الله يا سعد عنا كل خير، وليغفر لك هفواتك التي لم ترد بها إلا الخير..)) . عالية- لبنان ١٩/٧/١٣٩١هـ.

стр. 6804

وأكرر في كتاب اليوم ما قلته في كتاب الأمس.. سائلا الله جل وعلا أن يهدينا لما اختلف فيه الناس من الحق بإذنه، فإنه الهادي من يشاء إلى صراط مستقيم. -------------------------------------------------------------------------------- [١] ص ٦٣ ق ٣. [٢] ص ١٢١. [٣] يراجع في ذلك تفسير ابن كثير لسورة الأحقاف. [٤] ص ١٥٦. [٥] (المقاصد الحسنة) للسخاوي ص ٢٦ و٢٧ ط العلبي والمغني ١٩٥٦.

стр. 6805

المقاومة في الشعر الأندلسي دراسة تحليلية نقدية لفضيلة الدكتور عبد الرحمن بله علي يرى بعض الكتاب أن أوربا هي أول من عرف أدب المقاومة، وذلك حين وقعت في قبضة النازية، فكان الأدب أحد العناصر القتالية التي قاومتها، وشنت عليها حرب شعواء، فقد بدأ الأدب يكشف مخازيها وإهدارها لكرامة الإنسان، فعبأ النفوس وأشعل جذوة الحماس، ودعا للقتال، ونادى لمقاومتها، حتى يتقلص ظلها وتذهب ريحها، فتسلم البشرية من بالغ ضررها وعظيم خطرها. هذه النظرة إن خلت من التعصب فهي قطعا لا تخلو من القصور، ذلك أن الأدب العربي قد سبق الأوربي إلى ميدان المقاومة، فهو حتى في جاهليته لم يكن بمعزل عن وجدان الأمة منصرفا عن احتياجاتها مقصراً في الذود عن قيمها. بل كان فكرها المدبر ولسانها المعبر يحدو مسيرتها، ويعبئ قواها، ويثر حماسها خاصة في الأوقات التي تتعرض فيها للهزائم العسكرية والهزات النفسية. ونحن نعرف أن القبيلة في الجاهلية كانت تقيم الحفلات وتدق الطبول ابتهاجا بنبوغ شاعر، لأنه سيكون الناشر لأمجادها الذائد عن حياضها. وكان الشاعر إذا مدح قبيلة رفعها مكانا عاليا رغم دنو منزلتها وحقارة شأنها، وإذا هجا أخرى حط من قدرها وإن كان ذاهباً في أجواء السماء. ومرجع هذا طبيعة الكلمة العربية ذات الخاصية المتفردة، فهي إذا ما صيغ منها شعر موزون أو نثر مسجوع فعلت في النفوس فعل السيف في الأبدان فلا غرو إن شبهوا اللسان بالسيف. قال سويد بن أبي كاهل اليشكري: كحسام السيف ما مس قطع [١] ولسانا صيرفيا صارما

стр. 6806

ولما جاء الإسلام بما خالف عليه العرب في حياتهم الدينية والاجتماعية، وجد الشعر نفسه أمام معركة لم يلبث أن حدد فيها دوره، وأخذ مكانه، وأعلن إلتزامه، فكان أحد الأدوات الحربية والوسائل النضالية، وكان رسول الله ﷺ يحض حسان بن ثابت على قول الشعر رداً على المشركين، وكان يخبره أن شعره أشد عليهم من وقع النبال، ويدعو له: "اللهم أيده بروح القدس" [٢] . وظل الشعر يواكب مسيرة الأمة في عصورها المختلفة، يتغنى بنصرها، ويستعرض مواقف المجد والبطولة في تاريخها، ويستنهض هممها، ويحرك مشاعرها وينعى عليها تخاذلها وقعودها عن جهاد العدو المتربص بها الطامع في أرضها.. وهكذا مضى هذا التيار الهادر حتى وصل مداه وبلغ زباه في الأندلس.

стр. 6807

ونعني به هنا الشعر الذي أنشئ أيام الحرب الإسلامية المسيحية التي دارت رحاها في جزيرة الأندلس، وكما عرفنا آنفا بأن الأدب العربي حتى في جاهليته لم يخل من شعر المقاومة إلاً أنه لم يكن بالتوسع والعمق اللذين نجدهما في الأدب الأندلسي، ولعله مما أكسبه ذلك طبيعة الأحداث التي جرت في منطقته، إذ أن الأمة الإسلامية لم تعرف في تاريخها الطويل نكبة كتلك التي وقعت في أندلسها، ورغم ما وقع في مشرقها من حروب التتر والمغول والصليبيين إلاً أنها استطاعت أن تنتصر على هؤلاء جميعا، وأن تخرج من تلك النكبات وهي أقوى عوداً وأمضى عزما وأشد مراساً بينما لم تستطع ذلك في الأندلس، فقد تقلص هناك ظلها، وطويت رايتها، وأفلت شمس وجودها، فلا عجب إن كان الشعر الأندلسي أكثر بكاء وأحر ندبا وأشد حرقة وأعلى صوتا وأعمق أثرا في استنهاض الهمم وتحريك المشاعر حتى شعرهم الرثائي لم يكن خلواً من المضامين النضالية والصرخات الإنذارية والإشراقات الوطنية، فقد كانوا طوال فترة الحرب يعبئون الجهود، ويشحذون العزائم، وهم يرْثون المدن الضائعة ويبكون جمالها الذاهب، وقد فطن بعض الكتاب لهذا الملحظ فقال: ((.. ولم تسقط مدينة في يد مسيحي الشمال إلا بكوها، وتفجعوا عليها تفجعا حاراً، وهو تفجع كانوا يضمنونه استصراخاً للمسلمين في مغارب الأرض ومشارقها لعلهم يستنقذون تلك المدن من براثن الأسبان، ويستعيدونها إلى حضيرة الإسلام قبل أن تدك هناك كل صروحه، وتسقط كل رايته وأعلامه)) [٣] .

стр. 6808

وقد توسع مدلول المقاومة عندهم فشمل الدعوة إلى الثورة على الملوك الذين خضعوا لملوك النصارى، واستعانوا بهم على إخوانهم في العقيدة والوطن، كما شمل محاربة المنكرات الفاشية والمفاسد البادية بحسبانها سبب الضعف والهلاك، وشمل كذلك الدعوة إلى الجهاد في سبيل الله ومقاومة العدو المغير، كما شمل أيضاً البحث عن قيادة رشيدة تجمع شمل الأمة، وتمضي بها في عزم وثبات، ولا ننسى القصيدة المادحة التي مجدت الأبطال، وتغنت بانتصاراتهم وقد استعانت في نقل التجربة وتكثيف العاطفة بالمعنى الحي والكلمة المؤثرة والصورة المعبرة التي تستلفت النظر، وتستوقف العجل، وتستنفر القاعد، وتجعل المرء يخوض غمار الحرب بصدر رحب وجنان جريء وعزم قوي. هذا، وقد ارتفع صوت هذا الشعر حتى جاوز حدود الأندلس الجغرافية فشّرق وغرّب مستنجدا مستنهضاً. ونحب أن تقف عند بعض ضروب المقاومة التي ألمحنا إليها آنفاً، وذلك على سبيل المثال لا الحصر، إذ أن تتبع جزئياتها والإلمام بها يحتاج إلى جهد متصل وبحث منفصل قد لا تتسع له مجلة تعالج أكثر من موضوع. من ذلك ما قاله خلف بن فرج الألبيري في حكام غرناطة: ماذا الذي أحدثتمو ناد الملوك وقل لهم أسر العدا وقعدتمو أسلمتم الإسلام في إذ بالنصارى قمتمو وجب القيام عليكمو فعصا النبي شققتمو [٤] لا تنكروا شق العصا

стр. 6809

فالشاعر هنا يعلنها ثورة على هؤلاء الحكام الذين فرطوا في الدفاع عن الإسلام وخذلوه حين أسلموه للأعداء برضوخهم لهم، فتخلوا عن قيمه، وقعدوا عن حمايته، وقد مضوا في هذا الطريق الخطر إلى غاية ما بعدها إلا العثور وذلك حين استعانوا بالنصارى بعضهم على بعض في عراكهم الذي هو غير معترك، ومن أجل ذلك وجب مقاومتهم وشق العصا عليهم، لأن طاعتهم والتسليم لهم سيقود حتما إلى نهاية أليمة وعاقبة مخزية وخيمة. والشاعر هنا يبرر الخروج على الملوك بأنهم أحدثوا في الإسلام حدثاً، وأنهم سلموه للأعداء، وقعدوا عن نصرته، وأنهم ما لأو الكفار وواطؤهم على النيل منه، وأنهم عصوا رسول الله ﵊، وهذه كلها براهين يسوقها لتأييد قضيته وتدعيم دعوته ووجاهة فكرته. وقد تناول الشعر المنكرات، فشدد النكير على مرتكبيها مبينا مضارها وخطورة انتشارها، فقال أحد الشعراء عند سقوط طليطلة، في يد الأسبان عام ٤٧٨هـ: وجاءهم من الله النكير فإن قلنا العقوبة أدركتهم نجور وكيف يسلم من يجور فإنا مثلهم وأشد منهم وفينا الفسق أجمع والفجور أنأمن أن يحل بنا انتقام إليه فيسهل الأمر العسير وأكل للحرام ولا اضطرار كذلك يفعل الكلب العقور ولكن جرأة في عقر دار على العصيان أرخيت الستور [٥] يزول الستر عن قوم إذا ما

стр. 6810

إن نكبة طليطلة لم تأتي ضربة لازب، وإنما تقدمتها أسباب مهدت لها، وساقت إليها، من تلك الأسباب ما ذكره الشاعر في أبياته المتقدمة، وكما هو واضح فإنا ما ذكره لم يكن قاصراً على طليطلة منتشرا بين أهلها وحدهم وإنما هو عام في كثير من الأقاليم والمدن، ولو أن المسلمين هناك وعوا الدرس لعادت نكبة طليطلة ربحاً لبقية مدن الأندلس، ولكنهم استمرأوا ارتكاب المنكرات من فسق وفجور وأكل للحرام من غير اضطرار، ومن تجرؤ على حدود الله وارتكاب للمعاصي في السر والعلن، فلا عجب إن عمت مصيبتهم ونزلت من سماء الأندلس رايتهم. ولا شك أن مقاومة هذه الأمراض الاجتماعية التي تفتك بالأمة أمر تحتمه المحافظة على جسم الأمة صحيحا وروحها قويا وعزمها صلبا حديداً، فذلك أدعى لصمودها أمام من عاداها وردٍ سهام من رماها. وكان الشعر يدعو إلى الجهاد، ويرغب فيه ذاكراً ما أعد للمجاهدين من أجر عظيم ومثيراً الحفائظ بأبلغ ما تستثار به من حماية الدين وتدعيم لأركانه، وتمهيد لنشره بين الناس. من ذلك ما قاله إبراهيم بن خلف المتوفى سنة ٦٤٩هـ. هي عزة الدنيا وفوز المحشر ورداً فمضمون نجاح المصدر شيم الحمية كابراً عن كابر يا معشر العرب الذين تواراثوا بيعوا ويهنيكم وفاء المشترى إن الإله قد اشترى أرواحكم وبكم تمهد في قديم الأعصر أنتم أحق بنصر دين نبيكم ذاك البناء بكل لدن أسمر أنتم بنيتم ركنه فلتدعموا أغنتكم عن كل طرف مضمر ولكم عزائم لو ركبتم بعضها مستمسك بذناب عيش أغبر الكفر ممتد المطامع والهدى ألاً تجوس حريم رهط أصفر والخيل تضمر في المرابط غيرة من معشر كم غيروا من معشر كم نكروا من معلم كم دمروا من حلية التوحيد صهوة منبر كم أبطلوا سنن النبي وعطلوا أين العزائم مالها لا تنبري أين الحفائظ مالها لم تنبعث سيفاً ودين محمد لم ينصر [٦]

стр. 6811

أيهزٌ منكم فارس في كفه فالشاعر هنا يأمرهم بورود حوض المنايا جهاداً في سبيل الله ضامنا لهم نجاح المصدر فهو: إما نصر وسيادة وإما قتل وشهادة، ثم يذكرهم بأنهم أهل الحمية الإسلامية والنخوة العربية التي هي إرث موروث لهم أبا عن جد مستنهضا بذلك ما همد من عزائمهم ومشعلاً ما خمد من رجولتهم، مذكراً لهم بأنهم قد باعوا أنفسهم وأموالهم لله تعالى مشيراً بذلك إلى قوله تعالى ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْداً عَلَيْهِ حَقّاً فِي التَّوْرَاةِ والإنجيل وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ..﴾ الآية [٧] .

стр. 6812

وهو هنا يشتار من رياض القرآن، ويعتصر رحيق الآيات، ليأخذ من جماله زينة لأسلوبه ومن قوته دعماً لمعانيه، فما دام الأمر كذلك فليس هناك أحد أحق بدعم هذا الدين منكم أنتم الذين بعتم أنفسكم وأموالكم في سبيله لقاء الجنة، ثم أنتم الذين شيدتم أركانه، وأعليتم بنيانه، ومهدتم طريق نشره بين العالمين، ومما يعينكم على ذلك عزائمكم الماضية التي لو ركبتم بعضها لأغنتكم عن الخيول الضامرة، فلم هذا التقاعس والكفر مرفوع الراية ممتد الرواق مسنود الجانب طمعاً في القضاء على الإسلام بينما ((الهدى مستمسك بذناب عيش أغبر)) وهذا التعبير كناية عما يعانيه الإسلام الذي هو دين الهدى من اضطهاد وخذلان وانكسار جناح، ثم يبالغ في استثارتهم فيقول إن هذا الأمر قد استفز حتى العجماوات، فها هي الخيل تتحرق شوقا وتتحرك ضجراً في مرابطها ألا تجد سبيلا إلى ميدان الوغى لمقاتلة الرهط الكفار الذين أبطلوا سنن النبي محمد ﷺ ، وعطلوا المنابر من دعوة التوحيد ونكروا المعالم وغيروا المشاعر، وقتلوا المسلمين، لعله بذلك يبعث عزائمهم، ويثير حفائظهم، ويدفع إلى الجهاد كتائبهم، ثم يخاطبهم في لهجة استنكارية ونغمة توبيخية فيقول: سيفاً ودين محمد لم ينصر أيهزٌ منكم فارس في كفه ولئن سلكت هذه الكلمة مسلك الشدة في الخطاب والعنف في العتاب فإن الكلمة الآتية قد نهجت نهجا تميز بالهدوء والرقة إلا أن قسوتها في رقتها، وعنفها في هدوئها، وأعني بهذا تلك القصيدة التي أرسلها لسان الدين بن الخطيب المتوفى سنة ٧٧٦هـ إلى أهل المغرب في الاستنفار للجهاد وإغاثة الأندلس والتي يقول فيها: فقد كاد نور الله بالكفر أن يطفأ إخواننا لا تنسوا الفضل والعطفا فقد بسط الدين الحنيف لكم كفا وإذا بلغ الماء الزبا فتداركوا فلهفا على الإسلام ما بينهم لهفا تحكم في سكان أندلس العدا فإن ظمئت لارى ألا الردى صرفا

стр. 6813

وقد مزجت أفواهها بدمائها وما نام طرف في حماها ولا أغفا أنوماً وإغفاء على سنة الكرى فلا وزراً عنهم وحداً ولا لهفا أحاط بنا الأعداء من كل جانب أقام عليها الكفر يرشفها رشفا [٨] ثغور غدت مثل الثغور ضواحكا فهو يبدأ قصيدته بكلمة ((إخواننا)) لإثارة الحمية والعطف في نفوس المخاطبين إدراكا للإسلام الذي كاد الكفر يطفئ نوره وقد بلغ الأمر مبلغه من الشدة والحرج ولم يعد ممكن الاحتمال، وها هو الدين يبسط لكم كفه مستنجدا بعد أن مد الأعداء أياديهم إلى راياته، وبسطوا سطوته على أهله، وعاثوا في الأندلس فسادا، وأذاقوا أهلها ذلا واضطهادا، فمن ظمئ منهم لا يجد إلاً كأس المنية مشربا، فلم النوم والإغفاء وبلاد الإسلام لم ينم لها طرف ولا غفا لها جفن وها هم الأعداء قد أحاطوا من كل جانب ولا معين ولا نصير. وفي البيت الأخير يشير إلى ما عليه ثغور الإسلام من رونق وجمال، وكأنها بذلك تطمع الأعداء فيها، وتغريهم بالهجوم عليها، ولما شبهها بالثغور رشح ذلك أن يقول: ثم بين الصلة التي تجمعهم والحبل الذي يربطهم والعروة التي يعتصمون بها فقال: من الملأ الأعلى تقربنا زلفى وسيلتنا الإسلام وهو أخوة وذلاً وقد عذنا بعز من استعفى أخوفاً وقد لذنا بجاه من ارتضى يجير من استعدى ويكفي من استكفى فهل ناصر مستبصر في يقينه فلا مشتر أولى من الله أو أوفى وهل بائع فينا من الله نفسه وكيف لضوء الصبح في الأفق أن يخفى أفي الله شك بعد ما وضح الهدى قبائل منكم تعجز الحصر والوصفا وكيف يعيش الكفر فينا ودوننا ليوث نزال كلما حضروا الزحفا غيوث نوال كلما سئلوا الندى وهبوا لنصر الدين فينا فقد أشفى [٩] فقوموا برسم الحق فينا فقد عفى

стр. 6814

فالإسلام هو الدين الذي يجمع بين المسلمين على اختلاف أجناسهم وتباعد أقطارهم ويجعل منهم إخوة يأسى يعضهم لجراح بعض، ويسمو بأرواحهم إلى الملأ الأعلى، ويكوّن. منهم وبهم قوة تهوي على رأس العدو وتحطمه، فهم على الله متوكلون وبنصره واثقون، فلم الخوف وهو أقوياء، ولم الذل وهم أعزاء، ولم التهيب وركنهم شديد. ثم يلتفت فيسأل في لهفة وشوق عن رجل قوي اليقين واثق من نصر ربه ليكون غياثا لهؤلاء الضعفاء، فيرد الطمأنينة إلى قلوبهم وسهام الأعداء إلى نحورهم ثم يعتب عليهم بأنهم قبائل لا يحصيها العدد، ولا يعوزها المدد والكفر ممتد رواقه ظاهر في الأرض عيثه وإفساده، فليهبوا للجهاد بأموالهم فهم غيوث هاطلة، وبأنفسهم فهم ليوث ضارية، فقد أظلهم زمانه، وحل بينهم إبانه. ومما يدخل في شعر المقاومة المديح الذي مجد البطولة، وأثنى على الأبطال، وألهب المشاعر الوطنية، وأضرم القلوب والصدور غيرة وحماسا، ونظر بعين الأمل والرجاء لعله يرى تباشير النصر تلوح من قريب. من ذلك ما قاله أبو جعفر المرقشي من قصيدة يمدح بها أمير المؤمنين يوسف بن عبد الله المؤمن بن علي صاحب مراكش عندما دخل الأندلس، وأخذ يسترجع كثيرا مما أخذه النصارى من المدن مطلعها: وهامت به عذب الحمام ورودا أبت غير ماء للنخيل ورودا يقول: فأبصر شمل المشركين طريدا ألا ليت شعري هل يمد لي المدى تغادرهم للمرهقات حصيدا وهل بعد يقضي النصارى بنصرة يعيد عميد الكافرين عميدا ويغزو أبو يعقوب في شنث يافث فيتركهم فوق الصعيد هجودا ويلقي على إفرنجهم عبء ككل ركوعا على وجه الفلا وسجودا [١٠] يغادرهم جرحى وقتلى مبرحا

стр. 6815

فهو هنا يتطلع مستشرقا إلى اليوم الذي يرى فيه شمل الكفار مبددا، وقد انتصر عليهم المسلمون بعد أن ألحموهم سيوف الحق، وجرعوهم كئوس الموت، ومضى أبو يعقوب فغزاهم في عقر دارهم ومكان عبادتهم.... في شنث يافث وهي كنيسة عظيمة في ثغور ماردة لها عند النصارى قداسة دينية عظيمة لأسباب ذكرها الحميري في كتابه: صفحة جزيرة الأندلس صفحة ١١٥، وهناك ألقى عليهم بثقله، ورماهم بجنده، وأسر عميدهم فغادرهم ما بين قتيل وجريح وساجد على وجه الأرض. وهذا تعبير رائع يعج بالحركة، ويرسم صورة حية لما يتمنى أن تنتهي إليه هزيمة الكفار، فهو أشبه ما يكون بمهندس بارع يرسم خريطة منزل على صفحة الورق ثم يطلب من العمال تنفيذها على صفحة الأرض. وينعى شعر المقاومة على الناس تركهم أوطانهم ونزوحهم إلى غيرها هروباً من المدافعة والتماسا للنجاة، فيقول أبو المطرف بن عميرة المتوفى سنة ٦٥٨هـ: بكل طريق قد نفرنا وننفر كفى حزناً أنا كأهل محصب بنار اغتراب في حشاه تسعر وإن كلينا من مشوق وشائق وقول ألا ليت شعري تحير ألا ليت شعري والأماني ضلة عهدنا وهل حصباؤه وهي جوهر هل النهر عقد للجزيرة مثلما فيزور عنه موجه المتكسر وهل للصبا ذيل عليه يجره بما راق منها أو بما راق تسحر وتلك المغاني هل عليها طلاوة نروح إليها تارة ونبكر ملاعب أفراس الصبابة والصبا بها العيش مطلول الخميلة اخضر وقبل ذاك النهر كانت معاهد في هذه الأبيات نجد نهجا جديدا في المقاومة.. نهجا يعتمد على الإقناع المنطقي والروح الإنساني، ويعدل عن اللهجة الحادة التي نجدها في قصيدة المرقشي السابقة والتي دعا فيها إلى حصد الأعداء وسحقهم واتخاذ بساط من أشلائهم إلى غير ذلك.

стр. 6816

أما أبو المطرف فقد عدل عن كل ذلك إلى القول الهادي والأسلوب المقنع حين ذكر أن هذه الأرض ذات الأنهار الجارية الخمائل المخضرة والمغاني الساحرة والهواء النقي هي ملاعب صبانا ومراتع لهونا ومنابت رزقنا، وهي من أجل ذلك واجب علينا البقاء فيها والدفاع عنها، وبهذه الجمل الهادئات الهامسات ينجح الشاعر في إقناع هؤلاء الفارين النازحين بالبقاء في ديارهم والعيش على أرضهم ودفع العدو المغير حتى لا تثبت أقدامه فيها، وتمتد يده إلى ما سواها. ونحن نعلم أنه عندما سقطت طليطلة في يد الأسبان ظهرت دعوة تنادي إلى شد الرحال والهجرة إلى خارج الأندلس من ذلك ما قاله ابن العسال: فما المقام بها إلا من الغلط حثوا رحالكم يا أهل أندلس سلك الجزيرة منثورا من الوسط السلك ينثر من أطرافه وأرى كيف الحياة مع الحيات في سفط [١١] من جاور الشر لا يأمن بوائقه وقد تصدى الشعر لهذه الدعوة فحاربها، وبين سوء عاقبتها وعظيم مخاطرها من ذلك هذه الأبيات الرائية التي استغل الشاعر فيها العاطفة الوطنية ومازال يبدئ فيها ويعيد، ويعزف على هذا الوتر الحساس تكثيفاً للعاطفة وإثارة للحمية حتى يقنع هؤلاء النازحين بالرجوع إلى ديارهم والبقاء فيها، فذلك أحفظ لكرامتهم، وأحمى لحوزتهم. ومن شعر المقاومة الشعر الذي تطلع إلى قائد ينهض بالأمة من كبوتها، ويخلصها من محنتها، ويدفع عنها وبها كيد عدوها. يقول بعضهم: به مما نحاذر نستجير ألا رجل له رأي أصيل وأين بنا إذا ولت كرور يكر إذا السيوف تناولته يقول الرمح ما هذا الخطير ويطعن بالقنا الخطار حتى بأندلس قتيل أو أسير عظيم أن يكون الناس طراً على أن يقرع البيض الذكور أذكر بالقراع الليث حرصاً لخطب منه تنخسف البدور يبادر خرقها قبل اتساع إذا ضاقت بما تلقى الصدور [١٢]

стр. 6817

يوسع للذي يلقاه صدراً فهو هنا يستشرف إلى رجل عبقري في تفكيره حازم في رأيه وتدبيره قوية عزيمته مشدودة شكيمته، لا يرام ما وراء ظهره، صبور في ميدان القتال، لا يستسلم مهما عظمت الخطوب وكثرت العقبات وأظلمت الدروب بل يقتحمها بفكر نير وعزم قوي وسيف مسلول ذوداً عن حرمات الأمة وحماية لظهرها، وأنه إذا رأى خرقاً بادر بسده وإذا أبصر خطراً أسرع برده توحيداً للكلمة وصوناً لها من الفرقة والانقسام، ويزين كل هذه الخلال سعة صدر يلقى بها الأمور الخطيرة إذا ضاقت بها الصدور. إن الناظر في واقع الحكام المسلمين يوم ذاك يجدهم قد انشغلوا بملذاتهم عن الدفاع عن الإسلام وأهله ودياره، كما أن المعارك فيما بينهم قد استوعبت جهدهم واستقطبت طاقتهم، ومن ثم فإن الشاعر قد يئس منهم، وانصرف عنهم، وأصبح كأنه يصيح في عالم المجهول بحثا عن قائد ذكي التفكير حكيم التدبير تجد فيه الأمة ضالتها المفقودة وأمنيتها المنشودة، يوحد صفها، ويجمع كلمتها، ويتجه بها إلى ميدان المعركة، ويواجه بها أعداءها صابراً محتسبا، لا يجد اليأس إلى نفسه سبيلاً، ولا ترى في أعماله من الرياء فتيلا. ومما يدخل في هذا الباب الشعر الذي تحدث عما حل بالمساجد من تحويلها إلى الكنائس وارتفاع صوت النواقيس بداخلها بدل الأذان وتعطيل الصلوات فيها وتلويثها بعقيدة الشرك وأكل الخنزير وشرب الخمر وما أصاب السكان من تقتيل وتشريد للرجال وسبي النساء وامتهان لعفتهن، وفي هذا يقول عمرو بن المرابط: فأهلك عليه أسى فلا تتجلد كم من جامع فيها أعيد كنيسة والخمر والخنزير وسط المسجد القس والناقوس فوق مناره من قانتين وراكعين وسجد أسفي عليها أقفرت صلواتها مستكبر مذ كان لم يتشهد وتعوضت منهم بكل معاند فكلاهما يبغي الفداء فما فدى كم من أسير عندهم وأسيرة فيهم تود لو أنها في ملحد

стр. 6818

كم من عقيلة معشر معقولة ولداه وداً أنه لم يولد كم من وليد بينهم قد ودً من يبكي لآخر في الكبول مقيد كم من تقيٍ في السلاسل موثق ما بين حد ذابل ومهند وشهيد معترك توزعه الردى ورقً لهم من قلبه كالجلمد ضجت ملائكة السماء لحالهم ثم يقول: وسيوفكم للثأر لم تتقلد أكذا يعيث الروم في إخوانكم خمدت وكانت قبل ذات توقد يا حسرة لحمية الإسلام قد فشعر كهذا مثير للحفائظ محرك للمشاعر، فقد استعمل فيه الشاعر القلم والريشة فجاءت صورة واضحة المعالم تستلفت النظر، وتستوقف العجل ثم يبالغ في استثارة المشاعر الدينية والعواطف الإنسانية، فيذكر ما حل بالمساجد التي حولت إلى كنائس والمآذن التي تعطل الأذان فيها، وارتفع من فوقها صوت الناقوس والمحاريب التي خلت من الركع السجود، وعمرت بكل معاند متكبر لا ينطق بشهادة التوحيد. وقد كان للنصارى تقاليد معينة في تحويل المساجد إلى كنائس، فما إن يفتحوا بلداً، وتتم لهم السيطرة عليه حتى ينتظموا في موكب فخم يتقدمه الكهنة وفرسان الجماعات الدينية، ويتجهوا صوب المسجد وهم ينشدون أناشيد الحمد والثناء ثم يتم تحويله إلى كنيسة، ويرفع فوق ساريتها علم النصر [١٣] .

стр. 6819

ومن أبشع ما ارتكبه النصارى انتهاك الحرمات وامتهان الكرامة الإنسانية والاعتداء على عفة النساء، فكم من أسير وأسيرة امتهنت كرامتها، ولم يجدا إلى الفداء سبيلاً، وكم من امرأة مصونة اعتدي على عفتها حتى تمنت لو أنها في قبر، وكم من طفل حيل بينه وبين والديه حتى تمنيا أنه لم يولد، وكم من تقي عابد كبل بالسلاسل، وكم من شهيد قطعته السيوف إرباً إرباً.. إنها حال بلغت من القسوة النهاية، وتجاوزت في سوءها الغاية حتى لقد ضج أهل الملأ الأعلى وانفطر منها قلب الجليد، واهتز لها وقار الحليم، ولا شك أن ذلك من أبلغ ما يستثار به غيور أو تستنهض به همة، أو يدعى به إلى نجدة. وقد استعان الشاعر في تعبيره للوصول إلى هدفه بإثارة العواطف الدينية والأسرية وبالإلحاح على صور المأساة وأوضاعها مما كثف آثارها فجعلها تسيطر على نفوسنا، وتهيمن على حسنا، وتنفخ في جمرة الحمية. وقد استغل الشاعر ما وصلت إليه النفوس من حماس وغليان فقال: وسيوفكم للثأر لم تتقلد أكذا يعيث الروم في إخوانكم خمدت وكانت قبل ذات توقد يا حسرة لحمية الإسلام قد ولكن هذه الصيحات ذهبت جميعاً أدراج الرياح، ونفذ أمر الله، وخرج المسلمون من الأندلس بعد ثمانية القرون التي كانت حجر الزاوية في بناء الحضارة الأوروبية الحديثة.. خرجوا وقد تركوا تراثاً ثقافياً ضخماً على صفحات الكتب وآثاراً عمرانية رائعة على صفحة الأرض تشاهد الآن وكأنها نوادب تبكي قوماً رحلوا، وتتطلع في لهفة إلى عودتهم. -------------------------------------------------------------------------------- [١] المفضليات، ط ٣ القاهرة، ٢٠١. [٢] عمدة القارئ شرح صحيح البخاري للبدر العيني ط بيروت، ٤/٢١٧. [٣] شوقي ضيف، الفن ومذاهبه في الشعر العربي، ط ٦ القاهرة، ٤٣٤.

стр. 6820

[٤] أنظر، تاريخ الفكر الأندلسي، ترجمة حسين مؤنس، القاهرة ١٩٥٥م، ١١٣. [٥] أحمد المقري، نفح الطيب، القاهرة ١٣٠٢هـ، ٢/٥٩٢. [٦] الرسالة، مجلة، ١٠٥ ٨ يوليو ١٩٣٥م، السنة الثالثة. [٧] التوبة ١١١. [٨] نهاية الأندلس، محمد عبد الله عنان، القاهرة ١٩٦٦م، ١٩٠. [٩] نفسه. [١٠] نفح الطيب ٢/٥٨٨. [١١] نفح الطيب، ٢/٥٢٣. [١٢] نفسه ٢/٥٩٤. [١٣] يوسف أشباخ، تاريخ الأندلس ترجمة محمد عبد الله عنان، القاهرة ١٩٥٨م، ٤٣٣.

стр. 6821

متى يفيق الغافلون شعر فضيلة الشيخ: محمد المجذوب فغدت بفضل الجهل جمر كانت هدايا الحج تمره على التوافه والمضَرَّه تلفاً لمال المسلمين رج مالئاتٍ كل ثغره أنَّى التفتَّ ترَا لبها حَ وكلَّ زاويةٍ وحُفره الدرب والأرض والبرا تِ وخُذْ وكمْ) عن كل فكره والكلُ مشغولٌ بـ (هَا تِ عن العبادة والمبرَّه فُتنوا بتلك المغريا ن من الزخارفِ كل صُرَّه وتدافعوا يتأبَّطو أَحداثِ في حُرَقٍ وحسره وأولوا النهى من هَذه الـ رِّ الخفيِّ الضَّخْم سِتره كشفوا بحكمتِهم عن السـ ن تُصبُّ في سَرفٍ وشِرَّه فإذا كنوز المسلميـ لكي يُحَققَ ما أسرَّه تُشرى بها سلع العدو جَارِ من جدواه قِشره كلُّ اللباب له واللتُّـ ع وما لهم لهواه سُخْرَه فجهود هاتيك الجمو من عُسرِهم للغربِ يُسره وعليهمو أن يَصْنَعوا من كلّ ذَاكَ ببعض قطره وبحسبِهم أن يظفروا ن سوّى الذي هو قد أقرَّه فكأنهم لا يحسنو يوماً جرائِمه وكُفرَه وكأنهم لم يعرفوا بيديه أَسلِحةً وقُدره ولْتَسْتَحِلْ أموالُهم وبها يُعدُّ لكل غَدرَه فيها يدُكُّ وجدهم أمنوا على الأيام مكره ولوَنَّهم فطنوا لَما حتى يُطأطئَ وهو مُكره ولَقاطعُوا أسواقه دتِهم بمغفرة وعبره وإذن لعادوا من وفا ل: ليهنِكم حجٌّ وعُمر ولَحُقَّ فيهم أن يقا حمن لا زهوٌ وشهره والحجُّ زاد من تُقى الر ن ويَنْفُضُ المخمور سُكْره فمتى يُفيق الغافلو وأخو الغباوة ألف مرَّه فلقد يلام الخِبُّ مرَّه

стр. 6822

صيغة فعلان واستعمالاتها في اللغة العربية لفضيلة الدكتور مصطفى أحمد النماس الأستاذ المساعد بكلية الدعوة وأصول الدين المتتبع لصيغة (فعلان) بفتح الأول وسكون الثاني، أو بضم الأول أو كسره في اللغة العربية يجد أنها من الصيغ العملية التي يدور استعمالها في كثير من أبواب النحو والصرف وقد أثرت البحث في هذه الصيغة كي أجمع حبات العقد المنفرط هنا وهناك وما يستتبع الأحكام الخاصة بما ورد على هذا الوزن تبعا لنوعية استعماله عند العرب فأقول وبالله التوفيق. صيغة (فَعْلان) [١] الملحوظ فيها أنها ختمت بألف ونون زائدتين، وهذه الزيادة مطردة في كل صفة مؤثنها على وزن (فَعْلَى) لأن الصفات تشبه الأفعال والفعل أقعد في باب الزيادة وإذا وجدنا بعض الأعلام وأسماء الأجناس على صيغة (فَعْلان) فهي بالحمل على الصفات فابن يعيش يقول في شرح المفصل [٢] (فالأول وقوعها (أي النون) آخرا بعد ألف زائدة نحو سكران وعطشان ومروان وقحطان وأصل هذه النون أن تلحق الصفات مما مؤنثه (فعلى) لأن الصفات بالزيادة أولى لشبهها بالأفعال والأفعال أقعد في باب الزيادة من الأسماء لتصرفها، والأعلام من نحو: مروان وقحطان محمولة عليها في ذلك وقد كثرت الزيادة آخرا على هذا الحد ولا يحمل شيء منه على الأصل إلا بدليل) [٣] . صيغة فعلان ومعانيها: وردت صيغة (فَعْلان) متعددة المعاني والدلالة وهاك أنواعها: ١- فعلان المصدر: قال في اللسان قال أبو الهيثم لم يجئ من المصادر على (فعلان) (بفتح فسكون) إلا (ليَّان) وقال ابن الحاجب [٤] : وأما فعلان فنادر نحو لوى ليَّاناً [٥] وقد ذكره أبو زيد بكسر اللام، وجاء شنآن وقرئ في التنزيل بهما. وجاء في القاموس [٦] الزيدان بمعنى الزيادة فتكون فعلان جاءت مصدرا نادرا في ثلاثة معان ... قال ذو الرمة: وأُحْسنُ يا ذات الوشاحِ التقاضيا

стр. 6823

تُطيلَن ليًّاني وأنتِ مليئة وقال زيادة العنبري [٧] : مخافة الإفلاس والليَّانا قد كنت داينت بها حسَّانا وأصل ليَّان لَوْيان اجتمعت الواو والياء وسبقت إحداهما بالسكون فقلبت الواو ياء الخ فهو قليل في المصادر وكثير في الصفات. ٢ - فَعْلان العلم [٨] وردت صيغة فَعْلان علما للإنسان وغيره نحو: بدران، سعدان، ومروان، ورغدان (اسم قصر بالأردن) وشعبان علم على الشهر المعروف كما وردت اسماً للجنس مثل سعدان نبت من أفضل المراعي كما يقول القاموس ومنهم قولهم في المثل: (مرعى ولا كالسَّعدان) وقد اتفق العلم واسم الجنس. ٣- فعلان الصفة: تستعمل صيغة فعلان صفة مشبهة من الفعل اللازم المكسور العين قياسا بشرط أن يدل على الامتلاء كسكران وريان [٩] والشبع كشبعان والخلو مثل غرثان (للجائع) وصديان وحرارة البطن كغضبان وثكلان وحران قال عروة بن حزام: إلَّى حبيبا إنَّها لحبيبُ لَئن كان برد الماء حَرّان صاديا والمؤنث لفَعْلان يكون صفة ممتنعة من التاء بأن يكون المؤنث على (فَعْلى) مثل جوعان، وسكران وهذا هو المطرد الغالب وقد يخرج عن هذا الأصل وعده علماء اللغة شاذا كقولهم نعس [١٠] بالفتح فهو نعسان ومثله جوعان من جاع وقد يكون صفة لا تمتنع من التاء مثل سفيان للطويل ومؤنثه سفيانة وقد حصر ابن مالك الألفاظ التي مؤنثها بالتاء ومذكرها على صيغة فَعْلان وهي كما نظمها في كتابه الفرائد في قوله:- كل ما جاء على (فَعْلان) فمؤنثه على (فَعْلى) غير اثني عشر اسما فإنها جاءت على (فعلانة) ثم نظمها فقال:- إذا استثنيت حَبْلانا أجز فَعْلَى لفَعْلانا وسَفْيانا وضَحْيانا ودَخْنانا وسَخْنانا وقَشْوانا ومَصَّانا وصَوْجانا وعَلاّنا وأتبعهن نصرانا ومَوْتانا ونَدْمانا انظر المزهر للسيوطي ج ٢ ص ١١٣.

стр. 6824

١- (الحبلان) الرجل الكبير البطن قال في القاموس حبل من الشراب والماء فهو حبلان وهي حبلى ومن الغضب وهو حبلان وهي حبلانة. ٢- (الدخان) يوم دخنان كثير الدخان. ٣- (يوم سخنان) كثير السخونة. ٤- (سفيان) الرجل الطويل الممشوق الضامر انظر القاموس. ٥- (ضحيان) يوم ضحيان ضاحي قال في القاموس رجل ضحيان يأكل في الضحى، يوم ضحيان: لاغيم فيه. ٦- (الصوجان) من الإبل والدواب الشديد الصلب. قال في القاموس: الصوجان كل يابس وصلب من الداوب والناس ونخلة صوجانة يابسة كزة السعف، وأي صوجان؟ هو أي الناس. ٧- (غلان) الرجل الكثير النسيان وقال في القاموس: الغَلَل محركه وكأمير العطش أو شدة حرارة الجوف وقد غُل بالضم فهو غليل ومغلول ومغتل ومعبر غل (وغلان) (وغَل يَغَل) بفتحهما الحقد كالغلِ بالكسر، وقد غَلَّ صدري يَغِلّ (من باب ضرب يضرب) من حرارة الحب والحزن، والعلاَّن (بالعين) الصغير الحقير كما في المرجع ج ١ ص ٩٦. ٨- (القشوان) القليل اللحم وقي القاموس: القشوان الدقيق الضعيف وهي بهاء. ٩- (المصان) اللئيم. ١٠- (الموتان) الضعيف الفؤاد قال في القاموس: رجل موتان الفؤاد بليد. ١١- (ندمان) النديم: ندم فهو ندمان أي نادم، ونادمني فلان على الشراب فهو نديمي وندماني وجمع النديم ندام وجمع الندمان ندامى والمرأة ندمانه والنسوة ندامى أيضا. ١٢- (نصران) نصراني والجمع نصارى والنصرانة واحدة النصارى قد استدرك عليه لفظان وهما خَمْصان لغة في خُمْصان بضم الخاء وأليان في كبش أليان أي كبير الالية فذيل الشارح المرادي أبياته بقول: على لغة وأليانا وزد فيهن خمصانا

стр. 6825

ومما يجدر ملاحظته أن النحاة يمثلون (لفَعْلان) الذي مؤنثه على (فعلى) بعطشان وغضبان وسكران مع أن كتب اللغة كالقاموس تذكر للثلاثة مؤنثا مختوما بالتاء ومؤنثا آخر ليس مختوما بها وَمَرَدُّ ذلك أن كتب اللغة تذكر ذلك تبعا للغة بني أسد التي تلحق التاء في مؤنث فَعْلان اطراد مثل سكران ونظائرها قال ابن جني في المحتسب [١١] : (يقال رجل سكران وامرأة سكرى كغضبان وغضبى، وقد قال بعضهم (يعنى لغة بني أسد) سكرانة كما قال بعضهم غضبانة (والأول أقوى وأفصح) انتهى. ونظرا لكثرة ما ورد في ذلك أخذ المجمع اللغوي القاهري بلغة بني أسد في جواز إلحاق تاء التأنيث بكلمة سكرانة ونظائرها وفيما يلي نص القرار كما قدمته اللجنة المختصة [١٢] ووافق عليه المجمع وأخذ به نهائيا (أن تأنيث (فعلان) بالتاء لغة كما في بني أسد (كما في الصحاح) – أو لغة بني أسد (كما في المخصص) [١٣] وقياس هذه اللغة صرفها في النكره (كما في المفصل*)) . والناطق على قياس لغة من لغات العرب مصيب غير مخطئ وإن كان غير ما جاء خيرا (كما في قول ابن حني) لذا يجوز أن يقال: عطشانة وغضبانة وأشباهها ومن ثم يصرف (فعلان) وصفا ويجمع (فعلان) ومؤنثه (فعلانة) جمع تصحيح ولعلك تدرك الآن أن الجمهور من النحاة يأخذ بما أطرد عن جمهور العرب وهو أن فَعْلان مؤنثه الغالب المطرد على (فَعْلى) وورد من غير الغالب الأسماء التي ذكرتها تبعا لابن مالك في منظومته. فعلان وصف لمذكر ولا مؤنث له: وقد تكون صيغة (فعلان) دالة على المذكر الذي لا مؤنث له في الواقع لا على (فَعْلى) ولا على (فَعْلانة) مثل: (رحمان) علم على الله جل شأنه، و (لحيان) لكثير اللحية. جمع فعلان

стр. 6826

(فَعْلان) المذكر الذي مؤنثه على (فَعْلى) لا يجمع جمع التصحيح وإنما يجمع جمع التكسير وذلك لأنه وصف غير جار على فعله وذلك أن الصفات على ضربين أحدهما ما كان جاريا على الفعل كضارب وضاربة وثانيهما ما ليس جاريا على الفعل كأحمر وحمراء، وسكران وسكرى فما كان من الأول فإنه يجمع جمع السلامة أي بالواو والنون في جمع المذكر السالم وبالألف والتاء في جمع المؤنث السالم تقول: قائمون وقائمات وضاربون وضاربات وذلك لأنه لما جرى على الفعل شبه بلفظ الفعل الذي يتصل به ضمير الجمع للمذكر والمؤنث لأن الفعل يسلم ويتغير بما يتصل به فقولك ضاربون مثل يضربون وضاربات بمنزلة يضربن. وما كان [١٤] من الثاني وهو غير الجاري على الفعل فلا يجمع جمع السلامة مثل (فَعْلان ومؤنثه فعلى) (وأفعل ومؤنثه فعلاء) إلا في ضرورة الشعر مثل قول حكيم الأعور يهجو امرأة الكميت بن زيد باهل وكان مولعا بهجاء مضر؛ لأنه من بني كلاب. حَلاَئِلَ أحمْرِين وأَسْودَيِنا فما وَجَدتْ بناتُ بني نزارٍ ولا يجوز هذا إلا ابن كيسان فيقول لا أرى بأسا به ولكن مذهب الجمهور يمنعه ويجعله ضرورة لا يصح لنا ارتكابها ولذلك لا يجمع (فعلان: فعلى) جمع السلامة فإن سميت بشيء من ذلك جاز أن تجمعه جمع السلامة لأنه اسم ... وقال الرضي في شرح [١٥] الكافية مفصِّلا هذا الحكم:

стр. 6827

((وأما الخاص من شروط الجمع بالواو والنون فشيئان: العلمية وقبول تاء التأنيث أما العلمية فمختصة بالأسماء وأما قبول التاء فمختص بالصفات فلم يجمع هذا الجمع (أفعل فعلاء) (وفعلان فعلى) وما يستوي مذكره ومؤنثه كما ذكرنا في باب التذكير والتأنيث، وإنما اعتبر في الصفات قبول التاء لأن الغالب في الصفات أن يفرق بين مذكرها ومؤنثها بالتاء لتأديتها معنى الفعل، والفعل يفرق بينهما فيه بالتاء، نحو الرجل قام، والمرأة قامت وكذا في المضارع التاء وإن كان في الأول نحو: تقوم والغالب في الأسماء الجوامد أن يفرق بين مذكرها ومؤنثها بوضع صيغة مخصوصة لكل منها (كعير وأتان) وجمل وناقة (وحصان وحجر) [١٦] ويستوي مذكرها ومؤنثها كبشر وفرس هذا هو الغالب في الموضعين وقد جاء العكس أيضا في كليهما نحو أحمر وحمراء والأفضل والفضلى وسكران وسكرى في الصفات وكامرئ وامرأة ورجل ورجلة في الأسماء فكل صفة لا يلحقها التاء فكأنها من قبيل الأسماء، فلذا لم يجمع هذا الجمع (أفعل فعلاء) (وفعلان وفعلى) وأجاز ابن كيسان أحمرون وسكرانون واستل بقوله: حَلاَئِلَ وأحمْرِين وأَسْودَيِنا فما وَجَدتْ بناتُ بين نزارٍ وهو عند غيره شاذ وأيضا حمروات وسكريات بناء على تصحيح جمع المذكر والأصل ممنوع وكذا الفرع وأجاز سيبويه قياسا لا سماعا ندمانون في قولهم: ندمان لقبوله التاء كندمانة وكذا سيفانون لقولهم: سيفانة قال سيبويه: لا يقولون ذلك وذلك لأن الأغلب في (فَعْلان) الصفة أن لا يلحقه التاء فندمانة وسيفانة كأنهما من قبيل الشذوذ فالأولى أن لا يجمعا هذا الجمع حملا على الأعم الأغلب انتهى. ومن هذه النصوص يتبين أن (فَعْلان) الذي مؤنثه على فَعْلى لا يجمع جمع التصحيح وإنما يجمع جمع التكسير [١٧] وقد جمع (فعلان) تكسيرا على صيغ كثيرة منها: ١- (فِعّال) [١٨]

стр. 6828

شاع فِعَال (بكسر الفاء) في وصف على فَعْلان ومؤنثيه فَعْلى وفعلانة تقول: غضبان وغضاب، وغضبى وغضاب وندمان وندام، وغَرْثان [١٩] وغِراث. ٢- فعلىوجمع فَعْلان على (فَعْلى) تقول: وجياع جمع جوعان إلا أنه لا يطرد فيه وجعله ابن مالك في التسهيل مطردا فيه. رجل سكران ورجال سكرى [٢٠] ، ورجل روبان [٢١] وقوم روبى قال بشر: فألفاهم القوم روبى نياما فأما تميم تميم بن مر قال الرضي [٢٢] : (ولا يبعد أن يكون سكرى وروبى) في مثل هذا الموضع مفرداً مؤنثاً (لفعلان) وذلك لأن مؤنث فعلان الصفة من باب فعل يفعِل قيامه (فعلى) وصفة المفرد المؤنث تصلح للجمع المؤنث. ٣- (فَعَالَى) وجمع (فعلان) [٢٣] على فَعَالَى تقول: سكران وسكارى. وغضبان وغضابي ومثلهما سكرى وغضبى وتقول: شاة حرمى أي مشتهية للنكاح وشياه حرامى. وإنما جمع فعلان كسكران على فَعَالَى تشبيهاً للألف والنون بالألف الممدودة فسكران وسكارى كصحراء وصحارى. وجاء الضم في جمع بعض فعلان الذي مؤنثه فعلى خاصة وهو في كسالى وسكارى أرجح من الفتح، وإنما ضم في جمع فعلان خاصة لكون تكسيره على أقصى الجموع خلاف الأصل؛ وذلك لأنه إنما كسر عليه لمشابهة الألف والنون فيه لألف التأنيث فغير أول الجمع غير القياسي عما كان ينبغي أن يكون عليه لينبه من أول الأمر على أنه مخالف للقياس وأوجب الضم في قدامى جمع قادمة وأسارى جمع أسير وإلزام الضم فيهما دلالة على شدة مخالفتهما لما كان ينبغي أن يكسرا عليه. وفي المفصل أن بعض العرب يقول: كسالى وسكارى وعجالى، وغيارى كل هذا يضم أوله. جمع (عُريان) ومما تجدر ملاحظته أن بعض الناس يقعون في أخطاء شائعة فيشيع على الألسنة جمع عريان على عرايا وهذا الجمع للعريان غير صحيح وإنما للعرايا جمع (العرية) وهي النخلة يمنحها الغني للفقير لينتفع بثمرها.

стр. 6829

فأما عريان فيجمع في التصحيح إذا كان للعقلاء على عريانون وفي التكسير يجمع على عراة وقد جاء الخطأ في جمع عريان على عرايا من قبل شبهه بخزيان وندمان وهما يجمعان على خزايا وندامى. وإني أقدم إليك نصاً من سيبويه قال في الكتاب ج ٢ ص ٢١٢ (وإن شئت قلت في عريان عريانون فصار بمنزلة قولك: ظريفون وظريفات، لأن الهاء ألحقت بناء التذكير حين أردت بناء التأنيث فلم يغيروا ولم يقولوا في عريان: عراء، ولا عرايا، استغنوا بعراة لأنهم مما يستغنون بالشيء عن الشيء حتى لا يدخلوه في كلامهم) . وقوله (لم يقولوا: عراء) أي كما قالوا خمُصان وخِماص فكان هذا سائغا لهم في القياس أن يقولوا: (عراء) ولكنهم أطرحوه استغناء عنه بعراة، وقوله (ولا عرايا) أي كما قالوا: خزيان وخزايا وسكران وسكارى، لأن عريان ليس من باب خزيان) . وقد بان من كلام سيبويه أن عراة ليس في القياس جمعا لعريان وإنما هو قام مقام جمعه وهو عراء كخماص، وذلك أن عراة جمع لعار كقضاة جمع لقاض غير أنه لما كان عريان في معنى عار جعل عراة جمعا لعريان في الاستعمال واستغنى به عن عراء وهذا كما استغنوا بكماة في جمع كمي عن (اكمياء) لما كان (كمي) في معنى كام (وفي اللسان) والكمي الشجاع المتكمي في سلاحه لأنه كمى نفسه أي سترها بالدرع والبيضة، والجمع كماة كأنهم جمعوا كاميا مثل قاضيا وقضاة)) . جمع فعلان اسم الجنس والعلم: ٤- (فعالين) وقد جمع (فعلان) على فعالين بشرط أن يكون اسما تقول في شيطان شياطين لأنه من شاط يشيط إذا بطل وهلك قال الأعشى:- وقد يَشِط على أرماحنا البطلُ قد تخْضَبُ العيرُ من مَكْنون [٢٤] فَائِله فِعلان بكسر الفاء وضمها:

стр. 6830

ويشارك (فعلان بالفتح ما كان مكسورا الفاء أو مضمومها تقول: سِرحان وسراحين وسُلطان وسلاطين قال في المفصَّل [٢٥] : أعلم أن ما كان من الأسماء على وزن فَعُلان فإنه يكسر على فعالين ولا فرق في ذلك بين المفتوح الأول والمضمومة والمكسورة) . وقال الرضي [٢٦] : (كل اسم على فعلان مثلث الفاء ساكن العين كان أو متحركة كَوَرشَان والسَبعُان والظَرِبان بجمع على فعالين إلا أن يكون علما مرتجلا كسلمان، وعثمان وعفان، وحمدان وغطفان وذلك لأن التكسير في المرتجل مستغرب بخلافه في المنقول إذ له عهد بالتكسير ولا سيما إذا كان في المرتجل ما ينبغي أن يحافظ عليه من الألف والنون لشبهه بألف التأنيث) . (فعلان) الممنوع من الصرف ١- صيغة (فَعْلان) إذا كانت صفة فإنها تمنع من الصرف وذلك بشرطين أن تكون وصفيته أصلية (غير طارئة) وأن يكون تأنيثه بغير التاء وذلك صادق على نوعين أحدهما أن يكون تأنيثه الشائع عند العرب بألف التأنيث المقصورة، والثاني أن يكون خاصا بالمذكر فلا مؤنث له كلحيان، ورحمان ومثال الأول عطشان وغضبان وسكران، صديان فأشهر مؤنثاتها على (فعلى) فإن كان الغالب المسموع على مؤنثه وجود تاء التأنيث في آخره لم يمنع من الصرف تقول: نظرت إلى سيفان بالجر بالكسرة، وكذلك لا يمنع من الصرف إذا كانت الوصفية طارئة غير أصلية مثل كلمة صفوان والتي معناها الحجر قد تستعمل استعمال الصفان فتقول: لا حبذا رجل صفوان قلبه فكلمة صفوان هنا لا تمنع من الصرف، وإذا كان من الصفو فتقول يوم صاف وصفوان أي بارد وبلا غيم فحينئذ بمنع من الصرف فهي في الأول عارضة الوصفية فصرفت بخلافه في الثاني. ٢- وصيغة (فعلان) إذا كانت علما [٢٧] فإنها تمنع من الصرف كذلك للعلمية وزيادة الألف والنون سواء كان علما على الإنسان أم علما على غيره نحو بدران، قحطان، عدنان، شعبان.
следующие страницы →