← Джавами‘

Джавами‘ · id 4473

مجلة الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (23 804 стр.). Показаны 6826–6865 · переход к 6831.

стр. 6826

(فَعْلان) المذكر الذي مؤنثه على (فَعْلى) لا يجمع جمع التصحيح وإنما يجمع جمع التكسير وذلك لأنه وصف غير جار على فعله وذلك أن الصفات على ضربين أحدهما ما كان جاريا على الفعل كضارب وضاربة وثانيهما ما ليس جاريا على الفعل كأحمر وحمراء، وسكران وسكرى فما كان من الأول فإنه يجمع جمع السلامة أي بالواو والنون في جمع المذكر السالم وبالألف والتاء في جمع المؤنث السالم تقول: قائمون وقائمات وضاربون وضاربات وذلك لأنه لما جرى على الفعل شبه بلفظ الفعل الذي يتصل به ضمير الجمع للمذكر والمؤنث لأن الفعل يسلم ويتغير بما يتصل به فقولك ضاربون مثل يضربون وضاربات بمنزلة يضربن. وما كان [١٤] من الثاني وهو غير الجاري على الفعل فلا يجمع جمع السلامة مثل (فَعْلان ومؤنثه فعلى) (وأفعل ومؤنثه فعلاء) إلا في ضرورة الشعر مثل قول حكيم الأعور يهجو امرأة الكميت بن زيد باهل وكان مولعا بهجاء مضر؛ لأنه من بني كلاب. حَلاَئِلَ أحمْرِين وأَسْودَيِنا فما وَجَدتْ بناتُ بني نزارٍ ولا يجوز هذا إلا ابن كيسان فيقول لا أرى بأسا به ولكن مذهب الجمهور يمنعه ويجعله ضرورة لا يصح لنا ارتكابها ولذلك لا يجمع (فعلان: فعلى) جمع السلامة فإن سميت بشيء من ذلك جاز أن تجمعه جمع السلامة لأنه اسم ... وقال الرضي في شرح [١٥] الكافية مفصِّلا هذا الحكم:

стр. 6827

((وأما الخاص من شروط الجمع بالواو والنون فشيئان: العلمية وقبول تاء التأنيث أما العلمية فمختصة بالأسماء وأما قبول التاء فمختص بالصفات فلم يجمع هذا الجمع (أفعل فعلاء) (وفعلان فعلى) وما يستوي مذكره ومؤنثه كما ذكرنا في باب التذكير والتأنيث، وإنما اعتبر في الصفات قبول التاء لأن الغالب في الصفات أن يفرق بين مذكرها ومؤنثها بالتاء لتأديتها معنى الفعل، والفعل يفرق بينهما فيه بالتاء، نحو الرجل قام، والمرأة قامت وكذا في المضارع التاء وإن كان في الأول نحو: تقوم والغالب في الأسماء الجوامد أن يفرق بين مذكرها ومؤنثها بوضع صيغة مخصوصة لكل منها (كعير وأتان) وجمل وناقة (وحصان وحجر) [١٦] ويستوي مذكرها ومؤنثها كبشر وفرس هذا هو الغالب في الموضعين وقد جاء العكس أيضا في كليهما نحو أحمر وحمراء والأفضل والفضلى وسكران وسكرى في الصفات وكامرئ وامرأة ورجل ورجلة في الأسماء فكل صفة لا يلحقها التاء فكأنها من قبيل الأسماء، فلذا لم يجمع هذا الجمع (أفعل فعلاء) (وفعلان وفعلى) وأجاز ابن كيسان أحمرون وسكرانون واستل بقوله: حَلاَئِلَ وأحمْرِين وأَسْودَيِنا فما وَجَدتْ بناتُ بين نزارٍ وهو عند غيره شاذ وأيضا حمروات وسكريات بناء على تصحيح جمع المذكر والأصل ممنوع وكذا الفرع وأجاز سيبويه قياسا لا سماعا ندمانون في قولهم: ندمان لقبوله التاء كندمانة وكذا سيفانون لقولهم: سيفانة قال سيبويه: لا يقولون ذلك وذلك لأن الأغلب في (فَعْلان) الصفة أن لا يلحقه التاء فندمانة وسيفانة كأنهما من قبيل الشذوذ فالأولى أن لا يجمعا هذا الجمع حملا على الأعم الأغلب انتهى. ومن هذه النصوص يتبين أن (فَعْلان) الذي مؤنثه على فَعْلى لا يجمع جمع التصحيح وإنما يجمع جمع التكسير [١٧] وقد جمع (فعلان) تكسيرا على صيغ كثيرة منها: ١- (فِعّال) [١٨]

стр. 6828

شاع فِعَال (بكسر الفاء) في وصف على فَعْلان ومؤنثيه فَعْلى وفعلانة تقول: غضبان وغضاب، وغضبى وغضاب وندمان وندام، وغَرْثان [١٩] وغِراث. ٢- فعلىوجمع فَعْلان على (فَعْلى) تقول: وجياع جمع جوعان إلا أنه لا يطرد فيه وجعله ابن مالك في التسهيل مطردا فيه. رجل سكران ورجال سكرى [٢٠] ، ورجل روبان [٢١] وقوم روبى قال بشر: فألفاهم القوم روبى نياما فأما تميم تميم بن مر قال الرضي [٢٢] : (ولا يبعد أن يكون سكرى وروبى) في مثل هذا الموضع مفرداً مؤنثاً (لفعلان) وذلك لأن مؤنث فعلان الصفة من باب فعل يفعِل قيامه (فعلى) وصفة المفرد المؤنث تصلح للجمع المؤنث. ٣- (فَعَالَى) وجمع (فعلان) [٢٣] على فَعَالَى تقول: سكران وسكارى. وغضبان وغضابي ومثلهما سكرى وغضبى وتقول: شاة حرمى أي مشتهية للنكاح وشياه حرامى. وإنما جمع فعلان كسكران على فَعَالَى تشبيهاً للألف والنون بالألف الممدودة فسكران وسكارى كصحراء وصحارى. وجاء الضم في جمع بعض فعلان الذي مؤنثه فعلى خاصة وهو في كسالى وسكارى أرجح من الفتح، وإنما ضم في جمع فعلان خاصة لكون تكسيره على أقصى الجموع خلاف الأصل؛ وذلك لأنه إنما كسر عليه لمشابهة الألف والنون فيه لألف التأنيث فغير أول الجمع غير القياسي عما كان ينبغي أن يكون عليه لينبه من أول الأمر على أنه مخالف للقياس وأوجب الضم في قدامى جمع قادمة وأسارى جمع أسير وإلزام الضم فيهما دلالة على شدة مخالفتهما لما كان ينبغي أن يكسرا عليه. وفي المفصل أن بعض العرب يقول: كسالى وسكارى وعجالى، وغيارى كل هذا يضم أوله. جمع (عُريان) ومما تجدر ملاحظته أن بعض الناس يقعون في أخطاء شائعة فيشيع على الألسنة جمع عريان على عرايا وهذا الجمع للعريان غير صحيح وإنما للعرايا جمع (العرية) وهي النخلة يمنحها الغني للفقير لينتفع بثمرها.

стр. 6829

فأما عريان فيجمع في التصحيح إذا كان للعقلاء على عريانون وفي التكسير يجمع على عراة وقد جاء الخطأ في جمع عريان على عرايا من قبل شبهه بخزيان وندمان وهما يجمعان على خزايا وندامى. وإني أقدم إليك نصاً من سيبويه قال في الكتاب ج ٢ ص ٢١٢ (وإن شئت قلت في عريان عريانون فصار بمنزلة قولك: ظريفون وظريفات، لأن الهاء ألحقت بناء التذكير حين أردت بناء التأنيث فلم يغيروا ولم يقولوا في عريان: عراء، ولا عرايا، استغنوا بعراة لأنهم مما يستغنون بالشيء عن الشيء حتى لا يدخلوه في كلامهم) . وقوله (لم يقولوا: عراء) أي كما قالوا خمُصان وخِماص فكان هذا سائغا لهم في القياس أن يقولوا: (عراء) ولكنهم أطرحوه استغناء عنه بعراة، وقوله (ولا عرايا) أي كما قالوا: خزيان وخزايا وسكران وسكارى، لأن عريان ليس من باب خزيان) . وقد بان من كلام سيبويه أن عراة ليس في القياس جمعا لعريان وإنما هو قام مقام جمعه وهو عراء كخماص، وذلك أن عراة جمع لعار كقضاة جمع لقاض غير أنه لما كان عريان في معنى عار جعل عراة جمعا لعريان في الاستعمال واستغنى به عن عراء وهذا كما استغنوا بكماة في جمع كمي عن (اكمياء) لما كان (كمي) في معنى كام (وفي اللسان) والكمي الشجاع المتكمي في سلاحه لأنه كمى نفسه أي سترها بالدرع والبيضة، والجمع كماة كأنهم جمعوا كاميا مثل قاضيا وقضاة)) . جمع فعلان اسم الجنس والعلم: ٤- (فعالين) وقد جمع (فعلان) على فعالين بشرط أن يكون اسما تقول في شيطان شياطين لأنه من شاط يشيط إذا بطل وهلك قال الأعشى:- وقد يَشِط على أرماحنا البطلُ قد تخْضَبُ العيرُ من مَكْنون [٢٤] فَائِله فِعلان بكسر الفاء وضمها:

стр. 6830

ويشارك (فعلان بالفتح ما كان مكسورا الفاء أو مضمومها تقول: سِرحان وسراحين وسُلطان وسلاطين قال في المفصَّل [٢٥] : أعلم أن ما كان من الأسماء على وزن فَعُلان فإنه يكسر على فعالين ولا فرق في ذلك بين المفتوح الأول والمضمومة والمكسورة) . وقال الرضي [٢٦] : (كل اسم على فعلان مثلث الفاء ساكن العين كان أو متحركة كَوَرشَان والسَبعُان والظَرِبان بجمع على فعالين إلا أن يكون علما مرتجلا كسلمان، وعثمان وعفان، وحمدان وغطفان وذلك لأن التكسير في المرتجل مستغرب بخلافه في المنقول إذ له عهد بالتكسير ولا سيما إذا كان في المرتجل ما ينبغي أن يحافظ عليه من الألف والنون لشبهه بألف التأنيث) . (فعلان) الممنوع من الصرف ١- صيغة (فَعْلان) إذا كانت صفة فإنها تمنع من الصرف وذلك بشرطين أن تكون وصفيته أصلية (غير طارئة) وأن يكون تأنيثه بغير التاء وذلك صادق على نوعين أحدهما أن يكون تأنيثه الشائع عند العرب بألف التأنيث المقصورة، والثاني أن يكون خاصا بالمذكر فلا مؤنث له كلحيان، ورحمان ومثال الأول عطشان وغضبان وسكران، صديان فأشهر مؤنثاتها على (فعلى) فإن كان الغالب المسموع على مؤنثه وجود تاء التأنيث في آخره لم يمنع من الصرف تقول: نظرت إلى سيفان بالجر بالكسرة، وكذلك لا يمنع من الصرف إذا كانت الوصفية طارئة غير أصلية مثل كلمة صفوان والتي معناها الحجر قد تستعمل استعمال الصفان فتقول: لا حبذا رجل صفوان قلبه فكلمة صفوان هنا لا تمنع من الصرف، وإذا كان من الصفو فتقول يوم صاف وصفوان أي بارد وبلا غيم فحينئذ بمنع من الصرف فهي في الأول عارضة الوصفية فصرفت بخلافه في الثاني. ٢- وصيغة (فعلان) إذا كانت علما [٢٧] فإنها تمنع من الصرف كذلك للعلمية وزيادة الألف والنون سواء كان علما على الإنسان أم علما على غيره نحو بدران، قحطان، عدنان، شعبان.

стр. 6831

ويشارك (فعلان) بالفتح والسكون ما بغيره كرمضان، غطفان [٢٨] ، عِمْران وعُثمان. فإن كان الألف والنون صالحين للزيادة والأصالة جاز في الاسم الصرف وعدمه بهذين الاعتبارين نحو (حسان) علما على شخص فيجوز أن يكون مشتقا من الحسّ بمعنى الشعور فيمنع من الصرف لأن الحرفين زائدان، وإن كان مشتقا من الحُسنْ وهو الجمال فلا يمنع من الصرف لأن وزنه حينئذ فعّال لا (فعلان) ومثله (غسان) قد يكون من الغسّ بمعنى الدخول في البلاد فيمنع من الصرف وقد يكون من الغَسنْ بمعنى المضغ فلا يمنع لأن وزنه (فعال) وكذلك عفان من العفة وحيان من الحين وهو الهلاك ومن الحياة. وكذلك قبان من قبن في الأرض إذا ذهب فيها وعلى هذا يصرف لأن النون فيه أصلية ووزنه (فعال) ويجوز أن يكون من القب وهو شدة الخصومة، وقب بطنه أي قطع وحينئذ يمنع من الصرف لأن وزنه (فعلان) .

стр. 6832

يقول ابن يعيش [٢٩] وأما الألف والنون المضارعتان لألفي التأنيث [٣٠] فهي من الأسباب المانعة من الصرف من حيث كانتا زائدتين والزائد فرع على المزيد عليه وهما مع ذلك مضارعتان لألفي التأنيث نحو حمراء وصحراء، والألف في حمراء وصحراء يمنع الصرف فكذلك ما أشبه وذلك نحو عطشان وسكران وغرثان وغضبان واعتباره أن يكون (فعلان) ومؤنثه (فعلى) نحو قولك: في المذكر عطشان وفي المؤنث عطشى وسكران، وفي المؤنث سكرى وغرثان وفي المؤنث غرثى لا تقول: سكرانة ولا عطشانة ولا غرثانة في اللغة الفصحى، وإنما قلنا: (فعلان ومؤنثه فعلى) احتراز من فعلان آخر لا فعلى له في الصفات قالوا رجل سيفان للطويل الممشوق، وقالوا امرأة سيفانة ولم يقولوا (سيفى) ووجه المضارعة بين الألف والنون في سكران وبابه وبين ألفي التأنيث في حمراء وقصباء أنهما زيدتا معا كما أنهما في حمراء كذلك وأن الأول من الزائدتين في كل منهما ألف، وأن صيغة المذكر مخالفة لصيغة المؤنث وأن الآخر من كل واحد منهما يمتنع من إلحاق التاء للتأنيث، ثم يقول: أما الأعلام نحو: مروان وعدنان، وغيلان فهي أسماء لا تنصرف للتعريف وزيادة الألف والنون وأعلم أن هذه الألف والنون في هذه الأعلام وما كان نحوها محمولات على باب عطشان وسكران لقرب ما بينهما ألا ترى أنهما زائدتان كزيادتهما وأنه لا يدخل عليها تاء التأنيث لا نقول: مروانة ولا عدنانة لأن العلمية تحظر الزيادة كما تحظر النقص وليس المانع من الصرف كونه على فعلان بفتح وسكون ألا ترى أن عثمان وزبيان وشعبان حكمهما حكم عدنان وغيلان) انتهى. وقال الرضي [٣١] : (أعلم أن الألف والنون إنما تؤثران لمشابهتهما ألف التأنيث الممدودة من جهة امتناع دخول تاء التأنيث عليهما معا وبفوات هذه الجهة يسقط الألف والنون عن التأثير..)

стр. 6833

ثم إنهم بعد اتفاقهم على أن تأثير الألف والنون لأجل مشابهة ألف التأنيث اختلفوا، وقال الأكثرون تحتاج إلى سبب آخر ولا تقوم بنفسها مقام سببين كالألف لنقصان المشبه عن المشبه به وذلك الأخر إما العلمية (كعمران) وإما الصفة كما في (سكران) . وذهب بعضهم إلى أنها كالألف غير محتاجة إلى سبب آخر فالعلمية عندهم في نحو (عمران) ليست سببا بل شرط الألف والنون، إذ بها يمتنع عن زيادة التاء وهذا الانتفاء هو شرطها سواء كانت مع العلمية أو الوصف والوصف عندهم في نحو (سكران) لا سبب ولا شرط، والأول أولى لضعفها فلا تقوم مقام علتين. هل المؤثر انتفاء التاء أم وجود فعلى؟ الرأي السائد أن المزيد بالألف والنون إنما يمنع من الصرف بشرط ألا يكون مؤنثه بالتاء، فانتفاء التاء هو الشرط الضروري للمنع من الصرف. وقول بعضهم إن الشرط هو أن يكون مؤنثه على فعلى أي يكون مؤنثه على غير لفظه، قال ابن الحاجب في الكافية عارضا هذين الرأيين (أو صفة فانتفاء فعلانة وقيل وجود فعلى ومن ثم اختلف في رحمان دون سكران وندمان) قال الرضي معقبا عليه: وقوله: (وقيل وجود فعلى) والأول أولى لأن وجود (فعلى) ليس مقصوداً لذاته بل المطلوب منه انتفاء التاء، لأن كل ما يجئ منه (فعلى) لا يجئ منه فعلانة في لغتهم إلا عند بعض بني أسد فإنهم يقولون في كل فعلان جاء منه فعلى: (فعلانة) أيضا نحو: غضبان وسكران فيصرفون إذن (فعلان فعلى) وهذا دليل قوي على أن المعتبر في تأثير الألف والنون انتفاء التاء لا وجود فعلى، ثم يدلل على قوله ببعض الألفاظ التي لا يكون مؤنثها على (فعلى) ومع هذا فهي ممنوعة من الصرف.

стр. 6834

يقول الرضي: (فإذا كان المقصود من وجود (فعلى) انتفاء التاء وقد حصل هذا المقصود في (رحمان) لا بواسطة وجود (رحمى) بل لأنهم خصصوا هذه اللفظة بالبارئ تعالى فلم يطلقوه على غيره ولم يضعوا منه مؤنثا لا من لفظه أعني بالتاء ولا من غير لفظة أعني (فعلى) فيجب أن يكون غير منصرف) . فإن قلت لا نسلم أن وجود (فعلى) مطلوب ليطرق به إلى انتفاء فعلانة بل هو مقصود بذاته لأنه يحصله بوجودها مشابهة بين الألف والنون وبين ألف التأنيث لكون مؤنث هذا على غير لفظه كما أن مذكر ذاك على غير لفظه قلت هذا الوجه وإن كان يحصل به بينهما مشابهة إلا أنه ليس وجها للمشابهة ضروريا بحيث لا يؤثر الألف والنون بدونه بل الوجه الضروري كما ذكرنا في التأثير انتفاء فعلانة ألا ترى إلى عدم انصراف مروان وعثمان بمجرد انتفاء التاء من دون وجود (فعلى) انتهى كلام الرضي. ويقول الإمام بدر [٣٢] الدين محمد الزركشي في التنبيه الثالث في معرض الحديث عن لفظة (رحمان) : أنه لو جرد عن الألف واللام لم يصرف لزيادة الألف والنون في آخره مع العلمية أو الصفة. وأورد الزمخشري [٣٣] بأنه لا يمنع (فعلان) صفة من الصرف إلا إذا كان مؤنثه على (فعلى) كغضبان وغضبى وما لم يكن مؤنثه على (فعلى) ينصرف كندمان وندمانة وتبعه [٣٤] ابن عساكر بأن رحمن، وإن لم يكن له مؤنث على فعلى فليس له مؤنث على فعلانة لأنه اسم مختص بالله تعالى فلا مؤنث له من لفظه. فإذا عدم ذلك رجع فيه إلى القياس وكل ألف ونون زائدتين فهما محمولتان على منع الصرف.

стр. 6835

قال الجويني وهذا فيه ضعف في الظاهر وإن كان حسنا في الحقيقة لأنه إذا لم يشبه غضبان ولم يشبه ندمان من جهة التأنيث فلماذا ترك صرفه مع أن أصل الصرف كان ينبغي أن يقال ليس هو كغضبان فلا يكون غير منصرف ولا يصح أن يقال هو كندمان فلا يكون منصرفا لأن الصرف ليس بالشبه إنما هو بالأصل وعدم الصرف بالشبه ولم يوجد ولعل تقدير ابن عساكر السابق يؤيد إنكار ابن مالك على ابن الحاجب تمثيله ب ((رحمن)) . لزيادة الألف والنون مع منع الصرف وقال لم يمثل به غيره ولا ينبغي التمثيل به فإنه اسم علم بأغلبه لله مختص به وما كان كذلك لك يجرد من (أل) [٣٥] ولم يسمع مجردا من (أل) إلا في النداء قليلا مثل (يا رحمن الدنيا ورحيم الآخرة) . وقد أنكر الزمخشري [٣٦] على شاعر اليمامة قوله: وأنتَ غيثُ الوَرَى لازلتَ رَحْمانَا سموتَ بالمجدِ بابنِ الأكرمين أباَ وأجاب ابن مالك بأن الشاعر أراد (لازلت ذا رحمة) ولم يرد الاسم المستعمل بالغلبة وحينئذ يستعملونه مضافا ومنكرا وقد أنكر على الشاطبي قوله في أول أرجوزته المعروفة في القراءات والمسماة حرز الأماني ووجه التهاني. تبارك رحمانا رحيما وموئلا بدأت ببسم الله في النظم أولا لأنه أراد الاسم المستعمل بالغلبة وكان ينبغي عليه أن يعرفه بالألف واللام، ولما كان الرحمن علما لا صفة كما يقول: الأعلم وابن مالك وصف بقوله في البسملة (الرحمن الرحيم) وليس الرحيم مرادفا للرحمن [٣٧] فالرحمن كالعلم لا يوصف به إلا الله تعالى فلهذا قدم، لأن حكم الأعلام وغيرها من المعارف أن يبدأ بها ثم يتبع الأنكر أي الأقل في الصفة وما كان في التعريف أنقص.

стр. 6836

وهذا مذهب سيبويه وغيره من النحويين فجاء هذا على منهاج كلام العرب ومثل (رحمان) ، (لحيان) [٣٨] لكبير اللحية وفيه الخلاف المذكور والصحيح منع صرفه أيضا، لأنه وإن لم يكن له (فعلى) وجودا فله (فَعْلى) تقديرا لأنا لو فرضنا له مؤنثا لكان (فعلى) أولى به من (فَعْلانةُ) لأن باب فَعْلان فَعْلى أوسع من باب فعلان فعلانة فالأولى أن يحمل على أوسع البابين انتشارا عند العرب، والتقدير في حكم الوجود بدليل الإجماع على منع أكمر [٣٩] وآدر [٤٠] مع أنه لا مؤنث له ولو فرض له مؤنث لأمكن أن يكون كمؤنث أرمل وأن يكون كمؤنث أحمر لكن حمله على أحمر أولى لكثرة نظائره. ويقول أبو حيان الصحيح فيه الصرف لأنا جهلنا فيه النقل عن العرب والأصل في الاسم الصرف فوجب العمل به فهذه المسألة مما تعارض فيها الأصل والغالب. (وللحديث بقية) -------------------------------------------------------------------------------- [١] وزيادة الألف والنون آخر الاسم ودلالتها على النسب تعد من الظواهر التي تشارك فيها بعض اللغات الشرقية والغربية. [٢] شرح المفصل ج ٩ ص ١٥٤، ١٥٥. [٣] ومن الملحوظ أننا نشاهد استعمال هذا الوزن كثيرا في اللهجة الدارجة فقالوا فلان بخلان، بردان، بطران، بهتان، جربان، جحدان، حلمان، خدران، زعلان، زهقان، زوران، سرحان، طرشان، شرقان، صفقان، عميان، فجعان، كحيان، عمشان، مرضان، شقيان.. إلخ. [٤] انظر الشافية ج ١ص ١٥٩، وشرح المفصل ج ٦ ص ٤٥. [٥] تقول: لواه دينه، ولواه بدينه إذا مطله. [٦] انظر القاموس مادة (الزيد) . [٧] البيت لزيادة العنبري ونسبوه في كتاب سيبويه ج ١ ص ٩٧ إلى رؤبة بن العجاج.

стр. 6837

[٨] كثير من الأوصاف قد استعمله أسلافنا أعلاما ومنه ما يستعمل حتى الآن مثل حسان بن ثابت شاعر النبي وحمدان (بنو حمدان) ومنهم سيف الدولة الحمداني وحيان ومنهم أبو حيان التوحيدي البغدادي، وأبو حيان الأندلسي النحوي وسحبان الخطيب المشهور يضرب المثل بفصاحته، شعبان وشرهان، وعدنان عفان، غسان غيلان (اسم الشاعر ذو الرمة) قحطان وكهلان وهمدان (قبائل عربية) وردان (مولى عمرو بن العاص وحامل لوائه) يقظان (حي بن يقظان) ومن الكنايات عن مجهول النسب (هيان بن بيان) . * كذلك صفوان وصفا لمن ينفق ماله رياء في قوله تعالى ﴿كَمَثَلِ صَفْوَانٍ عَلَيْهِ تُرَابٌ﴾ . فصفوان في الأصل حجر وقد يستعمل علما مثل خالد بن صفوان. [٩] قال سيبويه ج ٢ ص ٢٢١: (وقالوا قدح نصفان وجمجمة نصفى، وقدح قربان وجمجمة قربى إذا قارب الامتلاء جعلوا ذلك بمنزلة الملآن، لأن ذلك معناه معنى الامتلاء لأن النصف قد امتلاء والقربان ممتلئ أيضا إلى حيث بلغ ولم نسمعهم قالوا: قرب ولا نصف اكتفوا بقارب وناصف ولكنهم جاءوا به كأنهم يقولون قرب ونصف كما قالوا مذاكير ولم يقولوا: مذكير ولا مذكار) انتهى كلام سيبويه. [١٠] انظر القاموس مادة (نعس) . [١١] انظر المحتسب ج ٢ ص ٧٢. [١٢] انظر المجلد الشامل للمحاضرات والبحوث ص ٨٣، ٩١ التي ألقيت في مؤتمر الدورة الثانية والثلاثين المنعقد ببغداد سنة ١٩٦٥. [١٣] المخصص لابن سيدة. * شرح المفصل لابن يعيش ج ١ص ٦٦. [١٤] انظر شرح المفصل لابن يعيش ج ٥ص ٦٠. [١٥] انظر شرح الكافية ج ١ص ١٨٢ طبعة بيروت. [١٦] هي بالأصل حجر بكسر الحاء. [١٧] انظر الشافية ج ٢ ص ١٧٤. [١٨] قال ابن مالك في الألفية حيث يتحدث عن الأسماء والصفات التي تجمع على فعال: وشاع في وصف على فعلانا وأنثيية أو على فعلانا وانظر شرح الأشموني ج ٤ ص ٩٨ والشافية ج ٣ ص ١٧٣. انظر سيبويه ج ٢ ص ٢١٢.

стр. 6838

[١٩] غراث جمع غرثان كعطشان وهو الجرعان وتقول غرث الرجل كفرح يفرح فهو غرث وغرثان وامرأة غرثى وغرثان والجمع غرثى كجرحى، وغراثى كسكارى، وغراث كعطشان. قال الشاعر: غراث الوشح صافية البرين أي دقيقة الخصر لا يملأ وشاحها فكأنه غرثان والبرين كل حلقة من سوار وقرط وهذا كناية عن كونها سمينة. [٢٠] وبه قرأ حمزة والكسائي ﴿وترى الناس سكرى وما هم بسكرى﴾ مع الأمالة. وانظر الأشموني جزء ٤ ص ٩٧. [٢١] قال في اللسان: راب الرجل روباً تحير وفترت نفسه من شبع أو نعاس، وقيل سكر من النوم وقيل إذا قام من النوم خائر البدن والنفس، ورجل رائب وأروب وروبان والأنثى رائبة عن اللحياني لم يزد على من قوم روبى إذا كانوا كذلك، وقال سيبويه: هم الذين أتخنهم السفر والوجع فاستلقوا نوماً وهو في الجمع شبيه بهلكى وسكرى، وأحدهم روبان، وقال الأصمعي: واحدهم رائب مثل مائق وموقى وهالك وهلكى. انظر سيبويه ج ٢ ص ٢١٤. [٢٢] انظر الشافية ج ٢ ص ١٤٠ والأشموني ج ٤ ص ٩٧. [٢٣] انظر سيبويه ج ٢ ص ٢١٢ والأشموني ج ٤ ص ١٠٥. والشافية ج ٢ ص ١٦٧، ١٧٤. [٢٤] مكنون فائله: الدم. [٢٥] انظر شرح المفصل لابن يعيش ج ٥ ص ٦٤. [٢٦] انظر شرح المفصل لشافية ج ٢ ص ١٧٢. [٢٧] قال ابن مالك: كغطفان وكاصبهانا كذلك حاوى زائدي فعلانا وفي أصبهان لغات كثيرة: منها كسر الهمزة، ومنها إبدال بائها فاء ولا تكون الألف والنون زائدتين إلا على اعتبار أن أصل الكلمة عربي أما على الرأي القائل إنها أعجمية وهو الصواب فلا تمنع للعلمية مع الزيادة وإنما تمنع للعلمية والعجمة. [٢٨] الغطف: اتساع النعة. [٢٩] انظر شرح المفصل ج ١ ص ٦٦، شرح الكافية ج ١ ص ٦٠.

стр. 6839

[٣٠] فالسبب في منع (فعلان) من الصرف فيه خلاف إما لأنه ينتهي بزيادة تشبه ألف التأنيث وهذا عند سيبويه، والمبرد يقول امتنع فعلان من الصرف لكون النون بعد الألف مبدلة من ألف التأنيث، والكوفيون يقولون امتنع (فعلان) لكون النون بعد الألف زائدتين لا يقبلان الهاء. انظر شرح الأشموني ج ٣ مبحث الممنوع من الصرف للزيادة. [٣١] انظر شرح الكافية ج ١ ص ٦٠ وما ينصرف وما لا ينصرف للزجاج ص ٣٥، ٣٦. [٣٢] انظر البرهان في علوم القرآن ج ٢ ص ٥٠٩ التنبيه الثالث. [٣٣] انظر الكشاف للزمخرشي ج ١ ص ٦. [٣٤] انظر التكميل والإفهام لابن عساكر. [٣٥] والذي يدل على أن العرب كانت تعرف هذا الاسم قوله تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيّاً مَا تَدْعُوا فَلَهُ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ وقوله: ﴿الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ لِلرَّحْمَن﴾ . وقوله: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اسْجُدُوا لِلرَّحْمَنِ قَالُوا وَمَا الرَّحْمَنُ﴾ فجهلوا الصفة دون الموصوف ولذلك لم يقولوا ومن الرحمن. انظر البرهان ج ٢ ص ٥٠٣ ويقول أبو حيان في البحر المحيط ج ١ ص ١٧ الرحمن فعلان من الرحمة واصل بنائه من اللازم من المبالغة وشذ من المتعد (وال) فيه للغلبة كهي في الصعق فهو وصف لم يستعمل في غير الله كما لم يستعمل اسمه في غيره وسمعنا مناقبة قالوا: رحمن الدنيا والآخرة، ووصف غير الله من تعنت الملحدين، وإذا قلت الله رحمان ففي صرفه قولان يسند أحدهما إلى أصل عام وهو أن أصل الاسم الصرف، والآخر إلى خاص وهو أن أصل (فعلان) المنع لغلبته فيه. ومن غريب ما قيل فيه أنه أعجمي بالخاء المعجمة فعرب بالحاء قاله ثعلب وذهب إلا علم وابن الطراوة وغيرهم إلى أنه اسم علم مشتق من المتعدي كما اشتقوا الدبران من دبر صيغ للعلمية ويدل على علميته وروده غير تابع لاسم قبله في أكثر الكلام فعلى قول هؤلاء يكون الرحمن بدلا من اسم الله.

стр. 6840

[٣٦] مشاهد الإنصاف على شواهد الكشاف ج ١ ص ٥. [٣٧] قال الإمام محمد عبده في تفسيره لسورة الفاتحة وقد ميز بين صيغتي الرحمن الرحيم فعنده أن الرحمن من يكثر من الأفعال الرحيمة فهي صيغة مبالغة، والرحيم من طبيعته الرحمة فالرحيم كسائر ما نسميه في الصرف صفة مشبهة تدل على الطبيعة الملازمة لصاحبها. [٣٨] انظر شرح الأشموني ج ٣ ص ١٧٤، وما لا ينصرف للزجاج ص ٣٥، ٣٦. [٣٩] الأكمر وصف على أفعل لا مؤنث له يقال لكبير الحشقة. [٤٠] الآدر وصف على أفعل لا مؤنث له يقال لكبير الخصيتين. انظر البحر المحيط ج ١ ص ٧.

стр. 6841

تسعة أغلاط في خبر صغير قال مؤلفو المنجد في تعريف أبي سفيان بن حرب ﵁ أبو سفيان تاجر عادى النبي وحاربه في بدر واحد وقاد جناحاً من الجيش الكبير الذي زحف لحصار المدينة في وقعة مؤته سنة ٦٢٧ ثم اعتزل الحرب وصالح محمداً في معاهدة الحديبية وسلمه مكة. كان في وقعة اليرموك توفي نحو ٦٥٢. التعقيب ١- هو أبو سفيان صخر بن حرب الأموي القرشي. ٢- أبو سفيان لم يشهد بدراً بل مضى بالقافلة إلى مكة. ٣- خلط مؤتة بالمدينة وإنما قاد الجناح في معركة الخندق. ٤- لم يشهد مؤتة قط. ٥- وكانت وقعة مؤتة سنة ثمان للهجرة وتقابل سنة ٦٢٩م لا ٦٢٧م كما زعم المنجد. ٦- لم يحضر صلح الحديبية وكان سهيل بن عمرو هو مندوب قريش إليها. ٧- صلح الحديبية لم يسفر عن تسليم مكة وإنما تم فتحها بعد ذلك. ٨- لم يسلم أبو سفيان مكة بل منح بعض التكريم من قبل رسول الله تألفاً له. ٩- يحدد المنجد وفاته بعام ٦٥٢ وإنما هو عام ٦٥٥ الموافق لعام ٣٤ للهجرة.

стр. 6842

الإسراء وفلسطين ودولة اليهود لفضيلة الشيخ أسعد بيوض التميمي مدير مسجد الأقصى الإسراء وعلاقته بقضية المسلمين في الأرض المباركة. اشتد الصراع بين النبي ﷺ وبين الكفار من قريش حيث خافت قريش على ما يوفره الكفر لها من امتيازات طبقية ودينية، وامتيازات اقتصادية، وأخذ الصراع بين الحق والباطل يتصاعد بين الدين الجديد وما يمثله من خير للإنسان وما يعطيه للبشرية من حياة كريمة يعبد فيها الإنسان ربه الذي خلقه ويسجد لبارئه الذي أوجده فلا يسجد لبشر، ولا ينحني أمام حجر أو شجر. ولا يعبد فلكا ولا مظهرا من مظاهر الكون وإنما يستمد العزة لنفسه من عبادة الواحد الأحد الفرد الصمد الذي لم يلد ويولد ولم يكن له كفوا أحد. اشتد الصراع بينه وبين الشرك وما يمثله من انحطاط في الفكر الإنساني والسلوك البشري الذي يظهر في السجود لحاكم أو رجل دين أو حجر أو شجر أو فلك. ذلك الانحطاط الذي ينتج عنه أن الغرائز في الإنسان تتحكم في مسيرته لا مقياس عنده يقيس به الأمور ولا حلال ولا حرام، وإنما كل أمر مباح من قتل نفس أو ظلم إنسان أو أكل مال حرام، أو استعباد نفس وإذلال للخلق فلا عجب إن ظهرت الطبقية العرقية الممثلة في السادة والعبيد والأشراف والسوقة والطبقية الاقتصادية الممثلة في تجارة الربا وأكل أموال الناس بالباطل، واستغلال حاجة الآخرين للإثراء غير المشروع والطبقية الدينية بحيث يصبح الدين وفهمه احتكارا على طبقة معينة وناس مخصوصين يستغلون جهل الناس ويطلبون منهم أن يعبدوهم ويطلبون منهم تقديم النذور والقرابين لهم ولما يمثلون. وأخذ الكفر يقاتل عن مواقعه بشراسة حتى اضطر المسلمين إلى الهجرة مرتين فرارا بدينهم وحرصا على عقيدتهم، وحتى يأذن الله بالفرج.

стр. 6843

وكان النبي ﷺ في مكة يقارع قومه الحجة، يبين باطل ما هم فيه وما عليه حياتهم، ولكنهم أصابهم الكبر ولحق بهم العناد وكان الله قد هيأ له زوجة صالحة تعتني بأمره وتدعمه بمالها، وتخفف عنه قسوة عناد قومه، وجهل عشيرته، وهيأ له كذلك عمه أبا طالب يحميه، ويمنعهم من قتله واغتياله، وإن لم يمنع عنه ما دون القتل والاغتيال من الأذى وهم مع هذا يحسبون حساب عمه من حين إيذائه حتى أن بعضهم يطرح عليه سلا جزور وهو يصلي. ثم أن خديجة ﵂، وأبا طالب هلكا في عام واحد قبل هجرته بثلاث سنين فعظمت المصيبة على رسول الله ﷺ بهلاكهما وذلك أن قريشا وصلوا في أذاه بعد موت أبي طالب إلى ما لم يكونوا يصلون إليه في حياته منه حتى نثروا التراب على رأسه الشريف ﷺ فدخل الرسول بيته والتراب على رأسه فقامت إليه إحدى بناته تغسل عنه التراب وهي تبكي ورسول الله يقول لها يا بنية لا تبكي فإن الله مانع أباك. ولما استعصت قريش، وصمت آذانها، وأغلقت قلوبها وعقولها، اتجه النبي ﷺ إلى الطائف فلما وصلها عمد إلى نفر من ثقيف هم يومئذ سادة ثقيف وأشرافهم وهم ثلاثة إخوة: عبد ياليل بن عمرو بن عمير، ومسعود بن عمرو بن عمير، وحبيب بن عمرو بن عمير، فردوه ردا غير جميل فقال أحدهم هو يمرط ثياب الكعبة إن كان الله قد أرسلك، وقال الآخر أما وجد الله أحدا يرسله غيرك، وقال الثالث والله لا أكلمك كلمة أبدا لئن كنت رسولا من الله كما تقول لئن أنت أعظم خطرا من أن أرد عليك الكلام ولئن إن كنت تكذب على الله ما ينبغي أن أكلمك.

стр. 6844

فقام رسول الله من عندهم وقد يئس من خير ثقيف، وقد قال لهم فيما ذكره شيخ المؤرخين المسلمين الطبري وأنا أروي عنه: إذا فعلتم ما فعلتم فاكتموا عني وكره رسول الله ﷺ أن يبلغ قومه عنه فيزئرهم ذلك عليه فلم يفعلوا وأغروا به سفهاءهم وعبيدهم يسبونه ويصيحون به حتى اجتمع عليه الناس وألجاؤه إلى بستان لعتبة بن ربيعة وشيبة بن ربيعة، ورجع عنه من سفهاء ثقيف من كان يتبعه فلما اطمأن رسول الله ﷺ أخذ يناجي ربه مناجاة الصابر المحتسب يطلب منه المدد والعون حيث قومه لا يستجيبون للنور ولا يلتقون على الخير، والطائف كانت أسوأ من مكة، وأقسى من قريش، فأخذ يقول كما يروي الطبري ((اللهم إني أشكو إليك ضعف قوتي، وقلت حيلتي وهواني على الناس يا أرحم الراحمين، أنت رب المستضعفين وأنت ربي إلى من تكلني إلى بعيد يتجهمني أم إلى عدو ملكته أمري إن لم يكن بك علي غضب فلا أبالي ولكن عافيتك هي أوسع لي أعوذ بنور وجهك الذي أشرقت له الظلمات، وصلح عليه أمر الدنيا والآخرة، من أن تنزل بي غضبك، أو يحل علي سخطك لك العتبى حتى ترضى ولا حول ولا قوة إلا بك)) . في هذا الجو القاتم الشرس كان الله بنبيه رؤوفا رحيما، وكانت حادثة الإسراء من مكة إلى القدس، وكان المعراج من أرض المسجد الأقصى إلى السموات العلى إلى سدرة المنتهى عندها جنة المأوى، وكان في الإسراء أكثر من معنى، وآثره لا يزال على مر الأيام وكر السنين يفعل.

стр. 6845

يكرم الله نبيه على صبره ويجازيه الجزاء الأوفى على تحمله فيستدعيه إليه ويقربه منه، ويرفعه إلى درجة لم يصلها أحد من خلقه حتى ولا الملائكة المقربون. ويقدم له أرض الشام، أرض فلسطين أرض القدس، المسجد الأقصى هدية إيمان وجائزة رضوان فيفتح النبي أرض الشام، ومنها أرض فلسطين فتحاً مادياً بجسده الشريف، ويعلن الله للدنيا في ذلك الحين وللدنيا في هذا الحين وللدنيا في كل حين أن المسجد الأقصى أصبح مسجداً للمسلمين، فيصلي فيه النبي ﷺ الصلاة الإسلامية الأولى إماماً للأنبياء المرسلين حيث أحياهم الله له ويصلي الصلاة الثانية بعده عمر وأبو عبيدة، وكبار الصحابة والجنود المؤمنون يوم أن دخل عمر القدس، واستلمها من بطريركها صفرونيوس وأعطاه العهدة العمرية التي تنص فيما نصت عليه أن لا يسكن إيليا (القدس) أحد من اللصوص واليهود وذلك أن كبار أصحاب رسول الله كانوا على علم منه لا يعلمه بقية الناس، وهذا النص في الوثيقة يدل على مبلغ فهم عمر لخطر اليهود على هذه الأرض. ويذكر الله في كتابه القرآن الكريم هذا الخبر العظيم فيقول في سورة الإسراء ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ .

стр. 6846

وسورة الإسراء تتحدث عن المسجد الأقصى وإسراء النبي إليه وتقرر أن هذا المسجد الذي بني بعد البيت الحرام بأربعين سنة كما ثبت في صحيح مسلم عن أبي ذر قال: (سألت رسول الله ﷺ عن أول مسجد وضع في الأرض قال: "المسجد الحرام"قلت ثم أي قال: "المسجد الأقصى"قلت كم بينهما قال:"أربعون سنة ثم الأرض لك مسجد فحيثما أدركتك الصلاة فصل") فعاد للمسجد بالإسراء قدسيته وطهره حيث كان المسجد خراباً يباباً لا يصلي فيه أحد إلى أن جاء النبي ﷺ فتقررت مسجيديته في القرآن واستلمه عمر فكان ينظفه هو وأصحابه من الكناسة وطهوره وأصبح من يومها منارة علم ودار إيمان ومحجة زوار ومحراب صلاة. إذن سورة الإسراء تتحدث عن علاقة المسلمين بالمسجد الأقصى وأن المسجد للمسلمين حيث أسري بنبيهم إليه، وتقرر بركة أرض الشام أو أرض فلسطين، وتبدأ بعد ذلك في الحديث عن الفساد والعلو لليهود والتدمير الذي سيلحق بهم، وأنهم سينازعون المسلمين أرض الإسراء والمسجد الأقصى. وهنا لابد أن نقرر أن علماء التفسير اختلفوا اختلافا كبيرا في (العلوين) (والإفسادين) اللذين أشارت إليهما الآية وهي قوله تعالى ﴿وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إِسْرائيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوّاً كَبِيراً فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ أُولاهُمَا بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَاداً لَنَا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجَاسُوا خِلالَ الدِّيَارِ وَكَانَ وَعْداً مَفْعُولاً﴾ فقال قوم هم أهل بابل، وكان عليهم بختنصر قاله ابن العباس ﵄ وقال قتادة أرسل عليهم جالوت فقتلهم فهو وقومه أولوا بأس شديد، وقال مجاهد جاءهم جند من فارس يتجسسون أخبارهم ومعهم بختنصر، وقال محمد بن اسحق أن المهزوم سنحارب ملك بابل وقيل أنهم العمالقة إلى غير ذلك من الأقوال المتضاربة، ونحن حين ننظر إلى الآيات نظرة موضوعية نجد الأشياء التالية:-

стр. 6847

أولا: الآيات مكية وتتحدث عن علوين وإفسادين لليهود فهل مضى هذان العلوان قبل نزول الآية أم أنهما آتيان. مما لا شك فيه أن اليهود دمروا أكثر من مرة قبل الإسلام، وقبل نزول الآيات فقد سباهم البابليون، ودمرهم الرومان وذلك أنه منذ أن غضب الله عليهم نتيجة سوء تصرفهم وحقدهم على الله وأنبيائه غضب الله عليهم وجعلهم يتصرفون تصرفا يلجئ البشرية إلى إذلالهم وضربهم. يقول الله تعالى في سورة البقرة آية ٦١ ﴿وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ﴾ ثم تقرر آية أخرى في سورة أخرى أن العذاب سيستمر في اليهود والتدمير لهم إلى يوم القيامة: ﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكَ لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ يَسُومُهُمْ سُوءَ الْعَذَابِ﴾ الأعراف آية ١٦٧. إذن لا غرابة أن يكون إفساد اليهود وعلوهم ثم تدميرهم أكثر من مرة قبل الإسلام ولا غرابة أن يكون كذلك علو وفساد بعد الإسلام ثم تدميرهم. وليس هناك ما يمنع أن يكون الفساد والعلو ثم التدمير لمرتين بعد نزول الآيات والواقع أن المتعمق في الآيات يجد المرتين في علو اليهود وإفسادهم ثم تدميرهم هما بعد نزول آيات الإسراء. وذلك أن الله يقول ﴿وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إِسْرائيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوّاً كَبِيراً فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ أُولاهُمَا﴾ ، وإذا ظرف لما يستقبل من الزمان ولا علاقة لما بعدها بما قبلها فوجود كلمة إذا في الآية تدل على أن الفساد والعلو ثم التدمير الأول آت وأنه لم يمر كما أن استعمال إذا للمرة الثانية يدل على أنها آتية لم تمر كذلك.

стр. 6848

وقوله تعالى: ﴿بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَاداً لَنَا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجَاسُوا خِلالَ الدِّيَارِ﴾ . إن الذين سيتولون تدمير اليهود هم من المؤمنين إذ أن الله حين يضيف كلمة العباد لذاته تكون في موضع التشريف، ويخص بها المؤمنين يقول الله تعالى: ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الأَرْضِ هَوْناً﴾ ويقول: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِم﴾ ويقول: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِه﴾ ، وأعظم منزلة للنبي ﷺ أنه عبد الله ورسوله. وفي التحيات (السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين) . وهذا التشريف والتكريم الإيماني لا ينطبق على البابليين ولا على الرومان لأنهم جميعا من الوثنيين. إذن ينطبق هذا الوصف على رسول الله وأصحابه الذين جاءوا إلى المدينة ولليهود فيها نفوذ سياسي واقتصادي. وكان من أول أعماله في المدينة إبرام المعاهدة السياسية بينه وبين اليهود وأن اليهود جماعة مستقلة، وأن المسلمين جماعة مستقلة، فلما غدر اليهود ونقضوا العهد كعادتهم ودأبهم سلط الله عليهم المسلمين فجاسوا خلال الديار اليهودية وتغلغلوا فيه وأزالوهم عن المدينة وخيبر وتيماء، وزال سلطانهم وتدمر علوهم فكان ذلك من خلال معارك بني قريضة وبني النضير، ومعارك خيبر الشهيرة، وتأتي سورة الحشر لتأكد هذا المعنى في قوله تعالى في وصف معارك المسلمين مع اليهود في المدينة ﴿هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ دِيَارِهِمْ لأَوَّلِ الْحَشْرِ مَا ظَنَنْتُمْ أَنْ يَخْرُجُوا وَظَنُّوا أَنَّهُمْ مَانِعَتُهُمْ حُصُونُهُمْ مِنَ اللَّهِ فَأَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الأَبْصَارِ﴾ آية ٢.

стр. 6849

إذن هو إخراجهم لأول الحشر، فخرج قسم منهم إلى اذرعات من أرض الشام حتى تبدأ المرة الثانية من علوهم وفسادهم. ويقول الله ﴿وَكَانَ وَعْداً مَفْعُولاً﴾ يعني في عهد النبي والوحي ينزل وأتمه أصحابه من بعده. وتبدأ الآيات بعد ذلك تتحدث عن المرة الثانية من العلو والفساد، فتخبر الآيات أن الله سيجعل لليهود الكرة عليهم على من؟ على الذين جاسوا خلال الديار أول مرة، والكرة الدولة والسلطة. وحين أراد الله لليهود أن يكروا استعمال كلمة (ثم) وثم كما هو معروف معناها العطف مع التراخي أو المهلة فهل كر اليهود في التاريخ على البابليين وكانت لهم دولة وسلطة عليهم؟ لم يحدث ذلك في التاريخ، ولن يحدث الآن ولا في المستقبل حيث أن البابليين قد انصرفوا من الدنيا كافة وليس لهم مكان يعرفون فيه أو دولة يعيشون فيها وحاشا لله أن لا يصدق القرآن أو يكون خبره غير محقق. إذن لابد أن تكون الكرة على أبناء الذين جاسوا خلال الديار وهم المسلمون أو العرب المسلمون فقد كر اليهود على ديار الشام وفلسطين منها وهذا هو الذي قد حدث ونعيشه الآن، ويعاني منه المسلمون كل المسلمين، وانظروا معي إلى بقية الآيات تمضي فتصف الواقع الذي نعيشه وتعيشه دولة اليهود إذ بعد أن جعل الله الكرة لليهود علينا يقول الله لليهود ﴿وَأَمْدَدْنَاكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَجَعَلْنَاكُمْ أَكْثَرَ نَفِيراً﴾ وهنا نسأل مرة أخرى هل مد الله اليهود في التاريخ بأموال وبنين غير هذه المرة. لم نعرف أن ذلك قد حدث، واليهود منذ أن غضب الله عليهم وهم في بلاء متصل وعذاب مستمر فقبل الإسلام كان عذاب البابليين لهم والرومان، وبعد الإسلام أخرجهم المسلمون من الجزيرة ثم بدأت أوربا تعذبهم في أسبانيا حتى جاء المسلمون فأنقذوهم من الأسبان واستمر العذاب.

стр. 6850

واليهودي في كل الأرض يعتبر إنسانا شريرا متآمرا يستحق التعذيب والقتل، وآخر من عذبهم في حياتنا المعاصرة هو أدولف هتلر ومعه النازيون وحتى نرى مبلغ صدق الآية، ونرى إعجازها بأعيننا نجد دولة اليهود اليوم تعيش على البنين الذين يأتونها من أطراف الأرض ليمدوها بالجند، وفي هذه الفترة من روسيا بالذات، وترى الأموال من دول الغرب تأتيها بمساعدات مذهلة حتى تستمر في عدوانها وطغيانها وجبروتها، ثم يقول الله ﴿وَجَعَلْنَاكُمْ أَكْثَرَ نَفِيراً﴾ ولذلك فإن أكبر قوة في الأرض أو أكبر دول الأرض تساند دولة اليهود في حال نفرتها وحربها. إذن هذه هي المرة الثانية من العلو فما بال الفساد؟ وحتى يتحقق الفساد فنرى اليهود في دولتهم يرتكبون أفظع الجرائم بحيث فاقوا كل أنواع العذاب التي عانوا منها في زعمهم أو عاناه غيرهم ولذلك يحذرهم الله فيقول لهم ﴿إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لأَنْفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا﴾ وهم قد أساءوا فقتلوا النفس الإنسانية وعذبوها ويتموا الأطفال وسجنوا النساء وهدموا البيوت واغتصبوا الأرض وأقاموا المستعمرات وحرقوا الأقصى في ٢١/٨/١٩٦٩ والأقصى عند الله عظيم، ودنسوا مسجد الخليل ﵇، والخليل عند الله هو الخليل، وارتكبوا جريمة الجرائم في مسجد الخليل يوم أن عمدوا إلى كتاب الله القرآن العظيم فمزقوه وداسوه.

стр. 6851

وهنا تأتي عقوبة الله على ما اقترفوا من الإثم والجرائم بتفسير من الآيات أن دولتكم لن يطول فسادها ولا علوها فيقول الله ﴿فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الآخِرَةِ لِيَسُوءُوا وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُوا مَا عَلَوْا تَتْبِيراً﴾ وهنا حين يخبر الله عن زوال دولتهم استعمل كلمة الفاء للعطف ولم يستعمل ثم والفاء للعطف مع التعقيب والتعقيب كل شيء بحسبه وما يناسبه وهو يدل على السرعة المناسبة في حصول المقصود ﴿فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الآخِرَةِ﴾ أي لذهاب علوهم الثاني تصبح وجوه بني إسرائيل سيئة ويبشرنا ربنا جلت قدرته أننا سندخل المسجد الأقصى كما دخلناه أول مرة، وفي هذه الآية إشارة لطيفة إلى دخولنا المسجد مرتين. والمرتان حدثتا بعد نزول الآية المرة الأولى الفتح العمري للمسجد حين دخله باسم الله والإسلام، والمرة الثانية هذه التي نحن على أبوابها حيث سيدخل المسلمون المسجد فاتحين للمرة الثانية، ثم يقرر الله أننا سنتبر أي ندمر، ونهلك علو اليهود المادي والمعنوي. ومما تجدر الإشارة إليه هنا أن فلسطين لم تعرف العمارات ذات الطوابق التي تزيد عن أربعة أو خمسة طوابق إلا في ظل اغتصاب اليهود لها. ولذلك فإن هذه العمارات الشاهقة التي يقيمونها على الأرض المباركة سيلحقها التدمير والخراب ثم تمضي الآيات فنحذر اليهود من محاولة العودة للفساد والتعالي فيقول الله لهم ﴿وَإِنْ عُدْتُمْ عُدْنَا وَجَعَلْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ حَصِيراً﴾ ، وتأتينا البشرى من الله بعد أن يفهمنا ربنا أن القرآن يهدي إلى الطريق السوي والحياة الصحيحة تأتينا البشرى بالنصر فيقول: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْراً كَبِيراً﴾ . وفي آخر السورة سورة الإسراء آية أخرى تتعلق بهذا الأمر، وهي قوله تعالى

стр. 6852

في آخر السورة ﴿وَقُلْنَا مِنْ بَعْدِهِ لِبَنِي إِسْرائيلَ اسْكُنُوا الأَرْضَ فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الآخِرَةِ جِئْنَا بِكُمْ لَفِيفاً﴾ ولفيفا جماعات ملتفة وفي بقية الآية إنذار لليهود وبشرى لنا، فيقول الله ﴿وَبِالْحَقِّ أَنْزَلْنَاهُ وَبِالْحَقِّ نَزَلَ وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ مُبَشِّراً وَنَذِيراً﴾ بشرى لنا وإنذار لهم فإذا ربطنا هذه الآيات وتفسيرها بالحديث الذي يدلنا على صدق النبوة، ومعجزة الرسول ﷺ حين أخبرنا عن قتال اليهود فيما رواه الشيخان البخاري ومسلم وهو قول الرسول ﷺ : "لا تقوم الساعة حتى يقاتل المسلمون اليهود فيقتلهم المسلمون حتى يقول الحجر أو الشجر يا مسلم يا عبد الله هذا يهودي خلفي فتعال فاقتله إلا الغرقد فإنه من شجر اليهود".

стр. 6853

أيقنا بعد ذلك لماذا لم ينجح المحاولات لتثبيت دولة اليهود وذلك أنه منذ سنة ١٩٤٨، وكل محاولة للصلح وتثبيت دولة اليهود يفشلها اليهود أنفسهم وذلك لأن الله يلهمهم الخطأ فيرفضون كل الحلول لأن اليهود لا يعالجون أي أمر إلا بالحقد والتآمر والخديعة، ويقرر الله أن لا عقل عندهم فيقول ﴿لا يُقَاتِلُونَكُمْ جَمِيعاً إِلاَّ فِي قُرىً مُحَصَّنَةٍ أَوْ مِنْ وَرَاءِ جُدُرٍ بَأْسُهُمْ بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ تَحْسَبُهُمْ جَمِيعاً وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَعْقِلُونَ﴾ ، وذلك كله يجري حتى يأتي اليوم الموعود يوم تتخلص المعركة أو ديار المسلمين من الإيديولوجيات المنافية للإسلام وذلك أن الرسول ﷺ قد أخبر في حديث قتال اليهود أن الجحر والشجر سينطق ويقول "يا مسلم يا عبد الله هذا يهودي خلفي فتعال فاقتله" إذن لن يكون قتال النصر في فلسطين قتالا يمينيا رجعيا ولا يساريا تقدميا، وإنما يكون قتالا إسلاميا في سبيل الله كما كان دائما قتال النصر للمسلمين ﴿وَيَقُولُونَ مَتَى هُوَ قُلْ عَسَى أَنْ يَكُونَ قَرِيباً﴾ .

стр. 6854

وبعد فإن الآية الأولى في سورة الإسراء نصت على بركة الأرض التي تحيط بالمسجد الأقصى وكذلك آيات أخرى نصت على هذه البركة مثل قوله تعالى في حق الخليل إبراهيم ﴿وَنَجَّيْنَاهُ وَلُوطاً إِلَى الأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا لِلْعَالَمِينَ﴾ وقوله ﴿وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْقُرَى الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا قُرىً ظَاهِرَةً وَقَدَّرْنَا فِيهَا السَّيْرَ سِيرُوا فِيهَا لَيَالِيَ وَأَيَّاماً آمِنِينَ﴾ ، والبركة الزيادة في كل شيء، وليست بركة هذه الأرض مادية وإنما بركتها بالإضافة إلى الأشياء المادية بركات معنوية تتمثل في أنها عش الأنبياء ولذلك فكر أصحاب رسول الله ﷺ في دفنه في بيت المقدس عند وفاته باعتبارها عش الأنبياء، وكانت لم تفتح بعد، وهي مهبط الوحي وهي مسرى النبي ومعراجه منها ﷺ وهي القبلة الأولى فقد صلى المسلمون إلى مسجدها ستة عشر شهرا ومسجدها تشد إليه الرحال كما ورد في الحديث الذي رواه البخاري ومسلم عن النبي ﷺ "لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد مسجدي هذا والمسجد الحرام والمسجد الأقصى".

стр. 6855

ومن بركة هذه الأرض استقراء أنه حينما يبتعد المسلمون عن محور عزهم ومركز قوتهم وهو الإسلام يضعفون ويتمزقون وتكثر دولهم ودويلاتهم فيسهل على العدو أن يتسرب من خلالهم فيأخذ الأرض المباركة ويأخذ المسجد الأقصى وعندها يتحرك المسلمين حركة حياة من جديد وينفضون غبار الهزيمة فيعملون لاستخلاص هذه الأرض فعن طريق استخلاصها يتم توحيد المسلمين من جديد. ألا ترون أنه بسبب حريق المسجد الأقصى كان مؤتمر القمة الإسلامي الأول في المغرب الذب انبثق عنه مؤتمر وزراء الخارجية المسلمين الذين كونوا الأمانة العامة الإسلامية في جده، وهذا من بركة هذه الأرض التي باركها الله. ولذلك لن يصل أحد مع اليهود وأعوانهم إلى حل حتى يأتي أمر الله ويتوحد المسلمون، ويعود الإسلام محركا للحياة في ديار الإسلام وفي العالم كله. وقد ظهرت بركتها في الحروب الصليبية إذ بعد أن أخذها الصليبيون وظنوا أن الأمر قد استقر لهم كانت حروبهم سببا في توحيد المسلمين من جديد فكان نور الدين زنكي الذي وحد الأجزاء المبعثرة وأخذ الراية منه صلاح الدين، فكانت حطين النصر المبين وكانت معركة القدس فيما بعد ودخلها ﵀ فأعاد الأمن والأمان إليها وعاد مسجده إلى قدسيته وطهره. وقدر أهل الشام وفلسطين منها أنهم مرابطون إلى يوم القيامة حيث الكفار لا يتركون الأرض المباركة يستقر أهلها وهم يريدون مسجدها ليقيموا عليه الهيكل.

стр. 6856

روى الطبراني عن النبي ﷺ أن أهل الشام وأزواجهم وذراريهم وعبيدهم وإماءهم إلى منتهى الجزيرة مرابطون ممن نزل مدينة وقرية من المدائن فهو في رباط أو ثغر من الثغور فهو في جهاد، وقدر أهل الشام كذلك أن ينتقم الله بهم من أعدائه فعن خريم بن فاتك "أهل الشام سوط الله في أرضه ينتقم بهم ممن يشاء من عباده وحرام على منافقيهم أن يظهروا على مؤمنيهم وأن يموتوا إلا هما وغما وغيظا وحزنا"رواه الطبراني مرفوعا وأحمد موقوفا ورجاله ثقات، وعن أبي الدرداء عن النبي ﷺ أنه سمعه يقول "الملحمة الكبرى بأرض يقال لها الغوطة فيها مدينة يقال لها دمشق خير منازل المسلمين يومئذ" رواه الحاكم وقال صحيح الإسناد وقد روى أبو بكر بن شيبة عن أبي الزاهرية قال قال رسول الله ﷺ : "معقل المسلمين من الملاحم دمشق ومعقلهم من الدجال بيت المقدس ومعقلهم من يأجوج ومأجوج الطور".

стр. 6857

وعلى هذا فالأرض المباركة بركتها بالإضافة إلى الأشياء المادية التي ذكرها المفسرون من الثمار والأشجار والأنهار والأرض المعطاء والسهل الخصيب والجبال العالية والأرض المنخفضة التي تجعلك تنتقل في ساعة من زمن أو أقل من مستوى سطح البحر إلى العلو الشاهق إلى الغور المنخفض فهناك البركة المعنوية والبركة المادية تتصاغر أمام البركة المعنوية والتي باركها الله فجعلها القبلة الأولى يصلي إليها المسلمين وأسرى بنبيه إليها وعرج به من مسجدها الأقصى تشد إليه الرحال وهي عش الأنبياء وهذا مما جعل عمر بن الخطاب ﵁ يأتي بنفسه لتسلم القدس ولذلك فحينما يتحدث اليهود وأعوانهم عن الوطن البديل للفلسطينيين يظنون أن أي أرض يمكن أن تستبدل بها الأرض المباركة ويظنون أن الأمر أمر إسكان ٍلاجئين أو استقرار مشردين وما علموا أو هم يتجاهلون أن هذه الأرض لا تدانيها أرض أخرى ولا يمكن أن يقوم مقامها وطن بديل في أي بقعة من بقع الكرة الأرضية إذ أن هذه الأرض مرتبطة بعقيدة المسلمين سجلت في كتاب الله بوصفها القبلة الأولى وبوصفها مسرى النبي وبوصفها معراج الرسول وبوصفها الأرض المباركة ولذلك فهي لا تخص الفلسطينيين وحدهم ولا تخص العرب وحدهم بل تخص المسلمين أينما كانوا وحيثما وجدوا وما دام كتاب الله القرآن موجودا على الأرض يتلى وفي الأرض مؤمنين فليس هناك استقرار لدولة اليهود وهي في طريقها لأن تصبح من مخلفات التاريخ كما أصبحت دولة الصليبيين من قبلها من مخلفات التاريخ تؤلف الكتب عن أسباب زوالها ويكتب الباحثون أبحاثهم ويعطى العلماء آراءهم في ذلك وكلهم أو جلهم ينسى أو يتناسى الحقيقة الأزلية وهي استحالة أن يملك هذه الأرض غير المسلمين ملكا مستقرا وأن تبقى في حوزة أعدائهم لأن هذه إرادة الله بينها في ليلة الإسراء.

стр. 6858

والواقع أن العالم كله لا يفقه القضية الفلسطينية أو القضية اليهودية وإنما كل فئة تنظر إلى القضية من زاوية معينة تتفق مع مصلحتها وهذه النظرة بالنسبة لمصالحها صحيحة، فالغرب ينظر إلى القضية على أنها امتداد للحروب الصليبية، وأن اليهود أداة في يديه لتمزيق الوطن الإسلامي والسيطرة على بلاد المسلمين وتهديدهم حتى لا يفيقوا مرة أخرى فيتعرضوا لقيادة الدنيا وإنقاذها مما تعانيه. وروسيا تنظر إلى القضية على أن بقاء دولة اليهود في بلاد المسلمين أمر ضروري لإيجاد التناقض حسب الفكر المادي ولذلك هي مع بقاء دولة اليهود، وتحارب الطبقة الحاكمة في إسرائيل حربا طبقية باعتبارها عملية للغرب، ويهمها أن يبقى التناقض في المنطقة، وعدم الاستقرار لأن ذلك حسب وجهة نظرها يغذي الحركة الشيوعية وينميها. والحكام في المنطقة أو أكثرهم يرون في دولة إسرائيل ضمانا لبقائهم فهم يريدون لها أن تبقى حتى يبقوا ولكن يريدون منها أن تتنازل عن بعض ما أخذته حتى يكون ذلك (انتصارا) ظاهريا يخدع به الشعب العربي والمسلمون من ورائهم. وأهل البلاد الذين أخرجوا من ديارهم (الفلسطينيون) ينظرون إلى القضية من زاوية أنهم شعب ظلم وشرد واضطهد فهم يريدون حياة الاستقرار في الأرض التي ولدوا فيها أو نبت أباؤهم فيها أو دفن أجدادهم في ترابها فهم يحنون بفطرتهم إليها ولا يرون في الدنيا أرضا تكون بديلا لها وهذا صحيح ولكن هذه النظرات المختلفة للقضية من زواياها المختلفة ليست هي القضية وإنما القضية تتعلق باليهود أو بغضب الله على اليهود والمستمر عبر التاريخ بالعذاب الواقع بهم نتيجة سوء تصرفهم وحقدهم على الإنسانية حلقة من حلقات الغضب والسخط عليهم من الله. إن الله أخبر في القرآن في آيات الإسراء كما أسلفت في أول البحث وفي حديث البخاري ومسلم أنه قبل قيام الساعة ستقوم لليهود دولة ثم يتولى المسلمون تصفيتها حتى يقول الحجر والشجر يا مسلم يا عبد الله خلفي يهودي

стр. 6859

فتعال فاقتله إلا الغرقد فإنه من شجر اليهود. ولقد حاول العالم منذ ١٩٤٨ أو القرى الكبرى في العالم أو الغرب على وجه التخصيص أن يثبت إسرائيل دولة فوضع الحلول وحاك المؤامرات وخلق قيادات وأوجد زعامات لتتعاون معه على تثبيت إسرائيل دولة، ولكن المؤامرات تفشل والطبخات تحترق وذلك بفضل الله ثم معاونة اليهود أنفسهم حيث يرفضون كل ما يعرض عليهم حتى يأتي يومهم الموعود وقدرهم المرصود فتزول دولتهم بآثامها وشرورها وأن الغرب اليوم يحاول جاهدا لإنقاذ دولة اليهود من مصيرها المحتوم وقدرها المرسوم رغم أنفها، ولكن اليهود يتمردون على من أوجدهم ذلك بأنهم قوم لا يعقلون وصدق الله إذ يقول في حقهم ﴿لا يُقَاتِلُونَكُمْ جَمِيعاً إِلاَّ فِي قُرىً مُحَصَّنَةٍ أَوْ مِنْ وَرَاءِ جُدُرٍ بَأْسُهُمْ بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ تَحْسَبُهُمْ جَمِيعاً وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَعْقِلُونَ﴾ .

стр. 6860

وإن من بركة الأرض المباركة أن المسلمين يتوحدون دائما عن طريق استخلاصها من أيدي أعدائهم وذلك أن الأمة الإسلامية حينما تبتعد عن محور قوتها وهو الإسلام يلحقها الضعف والتشتت فتقام فيها دول ودويلات حتى تصل في صغرها إلى مستوى الأحياء والحارات فيأتي العدو ليتسلل عبر هذا الضعف فيأخذ الأرض المباركة وتسقط القدس، ويسقط الأقصى في يديه عند ذلك تبدأ الأمة في التحرك حركة الحياة من جديد حتى إذا وقفت على قدميها كرت على عدوها لتخلص الأرض المباركة منه فتتوحد من أجل ذلك أو بسبب ذلك. كان ذلك في الحروب الصليبية وكان ذلك في حروب التتر وهو الآن. ولذلك بسبب حريق الأقصى في ٢١/٨/٦٩ انعقد مؤتمر القمة الإسلامي الأول وخرجت من ذلك المؤتمر منظمة الدول الإسلامية الممثلة في الأمانة العامة الإسلامية في جده والتي يعقد مؤتمر وزراء خارجية الدول الإسلامية مؤتمرهم السنوي في أحد العواصم الإسلامية وسيستمر اللقاء والتقارب حتى يصل إلى حد التمازج والتلاحم فيشترك المسلمون كل المسلمين في تحرير الأرض المباركة التي تكون سبب وحدتهم.

стр. 6861

وبمناسبة انعقاد مؤتمر السيرة النبوية في إستنبول، عاصمة المسلمين لعدة قرون ومركز الخلافة الإسلامية لمئات السنين لابد من الإشارة إلى الدور الذي لعبته الدولة العثمانية في حماية المقدسات الإسلامية وخصوصا في فلسطين، ولابد من الإشارة هنا إلى الخليفة العثماني السلطان عبد الحميد ﵀ حيث رفض أن يعطي اليهود امتيازات في الأرض المباركة مما جعلهم يحنقون عليه ويشوهون سمعته ويعملون على عزله متعاونين مع قوى الشر المختلفة من صليبية وماسونية، ونعرات قومية مما هيأ الظروف من بعده إلى التآمر على دولة الخلافة، ومن ثم ذهابها وقيام دولة اليهود في الأرض المباركة ولكن هذه الدولة لا تدوم كما أسلفت وكل الدلائل تشير إلى سرعة زوالها وذلك حتى تتحقق الآيات والأحاديث في حقها ﴿وَيَقُولُونَ مَتَى هُوَ قُلْ عَسَى أَنْ يَكُونَ قَرِيباً﴾ . والله أعلم وصلى الله على عبده ورسوله نبينا محمد وعلى آله وصحبه ومن سار على نهجه إلى يوم الدين.

стр. 6862

من أعماق الكتب يقول ابن المقفع في (رسالة الصحابة) : وقَدْ عَلِمْنَا علماً لا يُخالِطه شَكٌّ أن عامَّة قط لم تَصلُحْ من قِبَل أنفُسها، وأنها لم يَأتها الصَّلاحُ إلا من قبل إمامها؛ وذلك لأن عَدَدَ الناس من ضَعفتِهم وجُهّالهم الَّذِين لا يَستغنون برأي أنفُسهم، ولا يحملِون العِلْمَ، ولا يتقدمُون في الأمور. فإذا جَعَل الله فيهم خواص من أهل الدين والعُقُول، ينظُرون إليهم ويسمعُون منهُم، واهتمت خواصُّهم بأمور عوامهم وأقبلوا عليها بجدٍ ونصح وَمُثَابَرة وقوة، جَعَل الله ذلك صلاحاً لجماعتهم، وسبباً لأهل الصلاح من خواصهم، وزيادة فيما أنعم الله به عليهم، وبلاغاً في الخير كُله. وحاجَةُ الخواص إلى الإمام الذي يُصْلحهم الله به كحاجة العامة إلى خواصهم وأعظم من ذلك. فبالإمام يُصْلح اللهُ أمرهم، ويكبِتُ أهل الطعن عليهم ويجمع رأيهم وكلمتهم، ويبين لهم عند العامة منزلتهم. ويجعل لهم الحُجة والأيْدَ في المقال على مَن نكب عن سبيل حقهم. موعظة عمرية زار يوماً حفص بن أبي العاص أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ وكان جالسا إلى طعامه فدعا إليه حفصاً، ولكن هذا رأى القديد اليابس الذي يأكل منه عمر، فاعتذر إليه. فسأله عمر ﵁: ما يمنعك من طعامنا؟. فأجاب حفص: إنه طعام جَشِب غليظ، وإني راجع إلى بيتي فأصيب طعاماً لينا قد صنع لي. فقال عمر (رضي) أتراني عاجزاً عن أن آمر بصغار المعزى. فيلقى عنها شعارها، وآمر برقاق البرُ فيخبز خبزاً رقاقاً، وآمر بصاع من زبيب فيلقى في سمن، حتى إذا صار مثل عين الحجل صُبَّ عليه الماء فيصبح كأنه دم غزال. فآكل هذا وأشرب هذا؟ .. قال إنك بطيب الطعام لخبير..

стр. 6863

قال عمر ﵁: والذي نفسي بيده لولا أن تنقص حسناتي لشاركتكم في لين عيشكم.. ولو شئت لكنت أطيبكم طعاماً، وأرفهكم عيشاً، ولنحن أعلم بطيب الطعام من كثير من آكليه, ولكننا ندعه ليوم تذهل فيه كل مرضعة عما أرضعت. وتضع كل ذات حمل حملها.. وإني لأستبقي طيباتي لأني سمعت الله تعالى يقول عن أقوام: ﴿أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا وَاسْتَمْتَعْتُمْ بِهَا﴾ . من كتاب (بين يدي عمر) .

стр. 6864

محمد أمين المصري بقلم الشيخ محمد الصباغ جامعة الإمام محمد بن سعود إنا لله وإنا إليه راجعون، ولا حول ولا قوة إلا بالله. أخذ الموت - في الشهر الماضي - من بيننا علما من أعلام الإسلام، ورجلا من رجالاته، ظل في الساحة حتى آخر لحظة من حياته: إنه الدكتور محمد أمين المصري ﵀ رحمة واسعة. ووفاء ببعض حقه أكتب هذه الكلمة المتواضعة التي تعرف بهذا الرجل الكبير وتعبر عن عميق مشاعر الحب له، وتبكي حظ المسلمين الذي يفقدون الخلف حتى أصبحنا نخشى أن تخلو الساحة. ولد محمد أمين في دمشق، وفي ربوعها الخيرة نشأ، وفي كريم أجوائها المتدينة المحافظة درج وشب، وكان الناس يومذاك بين عالم ديني منقطع عن الحياة المعاصرة، ويتبعه العامة، وشاب متفرنج تلقى عليه علوم الغرب بروح مجافية للدين فأضحى لا يبالي بالدين ولا يهتم به. ونشأت ناشئة فاضلة من فتيان دمشق المسلمة تلقت من علوم العصر ما يتلقى أولئك المتفرنجون ولكن لم تنس دينها ولم تنحرف عن الصراط السوي، وبقيت وفية للإسلام وتعاليمه، مقيمة لحدوده وأحكامه، معلنة باعتزاز وإباء استمساكها به وتبنيها له. كان أولئك الفتية يلتهبون حماسة، ويمتلئون غيرة، فتنادوا للتعاون على الخير والبر والتقوى، واتخذوا لهم من ربى جبل قاسيون مقراً يأوون إليه، فيتداولون الرأي في الذي يجب عليهم أن يعملوا، ويقرأون بعض كتب التراث كإحياء علوم الدين ليتزودوا، ويلتفون حول مجلة الرسالة يطالعون بنشوة وسرور مقالات الرافعي.. وكان فقيدنا محمد أمين المصري واحداً من هؤلاء الشباب. وانتهت اجتماعاتهم المباركة إلى العمل على إنشاء أول حركة إسلامية حديثة في بلاد الشام. هكذا بدأت حياة الطالب محمد أمين المصري في مكتب عنبر عملا للإسلام ومواجهة للانحراف، واستعداداً للمضي في المعركة إلى الرمق الأخير.

стр. 6865

ويبدو -كما يقرر ذلك أخونا الكبير الأستاذ عبد الرحمن الباني- أن هذه القراءة في كتب الغزالي تركت أثراً كبيراً في حياة الدكتور أمين ظل حتى آخر حياته عليه رحمة الله ورضوانه. والشيء الذي يذكره عنه الأستاذ الباني أن الدكتور أمين كان يتميز عن زملائه بإرادة صلبة جعلته يطبق كثيراً مما يمر معه في الإحياء مهما كان هذا الذي يطبقه صعباً. وكان -غفر الله له- يمتاز بالابتسامة المضيئة العذبة، والحنان الدافئ، والرفق الوفير، والوفاء الجم لصاحب المعروف، فكان يشكره ويذكره بكل خير. وكان يتمتع برنة صوت محببة تزيدها الابتسامة الدائمة حلاوة وسحراً، أما بشاشته واهتمامه بمن يلقى ومحاولة خدمته فشيء منقطع النظير. سار أمين في مكتب عنبر حتى حمل شهادة البكالوريا (قسم الرياضيات) ثم تابع دراسته في دار المعلمين حتى نال شهادة أهلية التعليم، وانتظم مدرساً في قرية (داعل) ، إحدى قرى محافظة حوران، ثم انتقل إلى دمشق مدرساً في مدرسة طارق بن زياد فعاد إلى أولئك الفتية يواصل عمله معهم لرفعة الإسلام، وكانت لديهم اهتمامات روحية وعلمية واجتماعية. فمن مظاهر الاهتمامات الروحية في فقيدنا أنه التحق ببعض مشايخ الصوفية يلتمس تصفية نفسه وتزكية روحه، والتزم بتكاليفها وظل كذلك إلى أن تبين له ما تنطوي عليه من فساد وانحراف فتركها محذراً منها مبينا ما رآه فيها من المساوئ. ومن مظاهر الاهتمام العلمي تلك الندوات العلمية التي كان يسهم فقيدنا فيها إسهاماً جيداً، وحضور دروس عالم الشام الشيخ محمد بدر الدين الحسني ودروس الشيخ أبي الخير الميداني. وغيرهم. ومن مظاهر الاهتمام الاجتماعي اشتراكه مع زملائه في إنشائه الحركة الإسلامية الواعية التي أشرت إليها آنفاً.
следующие страницы →