← Джавами‘

Джавами‘ · id 4473

مجلة الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (23 804 стр.). Показаны 7071–7110 · переход к 7076.

стр. 7071

الفتاوى حُكم الإحداد على الملوك والرؤساء لسماحة الشيخ عبد العزيز بن باز الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وأصحابه ومن اهتدى بهداه أما بعد: فقد جرت عادة الكثير من الدول الإسلامية في هذا العصر بالأمر بالإحداد على من يموت من الملوك والزعماء لمدة ثلاثة أيام أو أقل أو أكثر مع تعطيل الدوائر الحكومية وتنكيس الإعلام ولا شك أن هذا العمل مخالف للشريعة المحمدية وفيه تشبه بأعداء الإسلام وقد جاءت الأحاديث الصحيحة عن رسول الله ﷺ تنهى عن الإحداد وتحذر منه إلا في حق الزوجة فإنها تحد على زوجها أربعة أشهر وعشرا كما جاءت الرخصة عنه ﷺ للمرأة خاصة أن تحد على قريبها ثلاثة أيام فأقل أما ما سوى ذلك من الإحداد فهو ممنوع شرعا وليس في الشريعة الكاملة ما يجيزه على ملك أو زعيم أو غيرهما وقد مات في حياة النبي ﷺ ابنه إبراهيم وبناته الثلاث وأعيان آخرون فلم يحد عليهم ﵊ وقتل في زمانه أمراء جيش مؤتة زيد بن حارثة وجعفر بن أبي طالب وعبد الله بن رواحة ﵃ فلم يحد عليهم ثم توفي النبي ﷺ وهو أشرف الخلق وأفضل الأنبياء وسيد ولد آدم والمصيبة بموته أعظم المصائب ولم يحد عليه الصحابة ﵃ ثم مات أبو بكر الصديق ﵁ وهو أفضل الصحابة وأشرف الخلق بعد الأنبياء فلم يحدوا عليه ثم قتل عمر وعثمان وعلي ﵃ وهم أفضل الخلق بعد الأنبياء وبعد أبي بكر الصديق فلم يحدوا عليهم وهكذا مات الصحابة جميعا فلم يحد عليهم التابعون وهكذا مات أئمة الإسلام وأئمة الهدى من علماء التابعين ومن بعدهم كسعيد بن المسيَّب وعلي ابن الحسين زين العابدين وابنه محمد بن علي وعمر بن عبد العزيز والزهري والإمام أبي حنيفة وصاحبيه والإمام مالك بن أنس والأوزاعي والثوري والإمام

стр. 7072

الشافعي والإمام أحمد ابن حنبل وإسحاق بن راهوية وغيرهم من أئمة العلم والهدى فلم يحد عليهم المسلمون ولو كان خيرا لكان السلف الصالح إليه أسبق والخير كله في إتباعهم والشر كله في مخالفتهم وقد دلت سنة رسول الله ﷺ التي أسلفنا ذكرها على أن ما فعله سلفنا الصالح من ترك الإحداد على غير الأزواج هو الحق والصواب وأن ما يفعله الناس اليوم من الإحداد على الملوك والزعماء أمر مخالف للشريعة المطهرة مع ما يترتب عليه من الأضرار الكثيرة وتعطيل المصالح والتشبه بأعداء الإسلام وبذلك يعلم أن الواجب على قادة المسلمين وأعيانهم ترك هذا الإحداد والسير على نهج سلفنا الصالح من الصحابة ومن سلك سبيلهم، والواجب على أهل العلم تنبيه الناس على ذلك وإعلامهم به أداء لواجب النصيحة وتعاونا على البر والتقوى ولما أوجب الله سبحانه من النصيحة لله ولكتابه ولرسوله ﷺ ولائمة المسلمين وعامتهم رأيت تحرير هذه الكلمة الموجزة. وأسأل الله أن يوفق قادة المسلمين وعامتهم لكل ما فيه رضاه والتمسك بشريعته والحذر مما خالفها وأن يصلح قلوبنا وأعمالنا جميعا إنه سميع الدعاء قريب الإجابة. وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وأصحابه.. حكم الاحتفال بالمولد الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهداه، أما بعد..

стр. 7073

فقد تكرر السؤال من كثير عن حكم الاحتفال بمولد النبي ﷺ والقيام له في أثناء ذلك، وإلقاء السلام عليه، وغير ذلك مما يفعل في الموالد.. والجواب أن يقال: لا يجوز الاحتفال بمولد الرسول ﷺ ولا غيره، لأن ذلك من البدع المحدثة في الدين، لأنه رسول الله ﷺ لم يفعله ولا خلفاؤه الراشدون ولا غيرهم من الصحابة رضوان الله على الجميع ولا التابعون لهم بإحسان في القرون المفضلة وهم أعلم الناس بالسنة وأكمل حبا لرسول الله ﷺ ومتابعة لشرعه ممن بعدهم، وقد ثبت عن النبي ﷺ أنه قال: "من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد"أي مردود عليه، وقال في حديث آخر: "عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ وإياكم ومحدثات الأمور فإن كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة"ففي هذين الحديثين تحذير شديد من إحداث البدع والعمل بها، وقد قال الله سبحانه في كتابه المبين ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُو﴾ وقال ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ وقال سبحانه ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً﴾ وقال تعالى ﴿وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ وقال تعالى ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإسلام دِيناً﴾ والآيات في هذا المعنى كثيرة،

стр. 7074

وإحداث مثل هذه الموالد يفهم منه أن الله سبحانه لم يكمل الدين لهذه الأمة وأن الرسول ﵊ لم يبلغ ما ينبغي للأمة أن تعمل به حتى جاء هؤلاء المتأخرون فأحدثوا في شرع الله ما لم يأذن به الله زاعمين أن ذلك مما يقربهم إلى الله، وهذا بلا شك فيه خطر عظيم واعتراض على الله سبحانه وعلى رسوله ﷺ ، والله سبحانه قد أكمل لعباده الدين وأتم عليهم النعمة، والرسول ﷺ قد بلغ البلاغ المبين ولم يترك طريقا يوصل إلى الجنة ويباعد من النار إلا بينه للأمة كما ثبت في الحديث الصحيح عن عبد الله بن عمرو ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : "ما بعث الله من نبي إلا كان حقا عليه أن يدل أمته على خير ما يعلمه لهم وينذرهم شر ما يعلمه لهم" (رواه مسلم في صحيحه) ومعلوم أن نبينا ﷺ هو أفضل الأنبياء وخاتمهم وأكملهم بلاغا ونصحا، فلو كان الاحتفال بالموالد من الدين الذي يرضاه الله سبحانه لَبيَّنهُ الرسول ﷺ للأمة أو فعله في حياته أو فعله أصحابه ﵃، فلما لم يقع شيء من ذلك علم أنه ليس من الإسلام في شيء بل هو من المحدثات التي حذر الرسول ﷺ منها أمته كما تقدم ذكر ذلك في الحديثين السابقين، وقد جاء في معناهما أحاديث أخر مثل قوله ﷺ في خطبة الجمعة: "أما بعد: فإن خير الحديث كتاب الله وخير الهدي هدي محمد ﷺ وشر الأمور محدثاتها وكل بدعة ضلالة" (رواه الإمام مسلم في صحيحه) والآيات والأحاديث في هذا الباب كثيرة، وقد صرح جماعة من العلماء بإنكار الاحتفال بالموالد والتحذير منه عملا بالأدلة المذكورة وغيرها، وخالف بعض المتأخرين فأجازه إذا لم يشتمل على شيء من المنكرات كالغلو في رسول الله ﷺ وكاختلاط النساء بالرجال واستعمال آلات الملاهي وغير ذلك مما ينكره الشرع المطهر، وظنوا

стр. 7075

أنه من البدع الحسنة، والقاعدة الشرعية رد ما تنازع فيه الناس إلى كتاب الله سبحانه وسنة رسوله ﷺ كما قال ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً﴾ وقال تعالى: ﴿وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ﴾ وقد رددنا هذه المسألة وهي الاحتفال بالموالد إلى كتاب الله سبحانه فوجدناه يأمرنا بإتباع الرسول ﷺ فيما جاء به ويحذرنا عما نهى عنه ويخبرنا بأن الله سبحانه قد أكمل لهذه الأمة دينها، وليس هذا الاحتفال مما جاء به الرسول ﷺ فيكون ليس من الدين الذي أكمله الله لنا وأمرنا بإتباع الرسول ﷺ فيه. وقد رددنا ذلك أيضا إلى سنة الرسول ﷺ فلم نجد فيها أنه فعله ولا أمر به ولا فعله أصحابه ﵃، فعلمنا بذلك أنه ليس من الدين بل هو من البدع المحدثة، فاتضح بذلك لكل من له أدني بصيرة ورغبة في الحق وإنصاف في طلبه أن الاحتفال بالموالد ليس من دين الإسلام بل هو من البدع المحدثات التي أمر الله سبحانه ورسوله ﷺ بتركها والحذر منها، ولا ينبغي للعاقل أن يغتر بكثرة من يفعله من الناس في سائر الأقطار فإن الحق لا يعرف بكثرة الفاعلين وإنما يعرف بالأدلة الشرعية كما قال تعالى عن اليهود والنصارى ﴿وَقَالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلا مَنْ كَانَ هُوداً أَوْ نَصَارَى تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ وقال تعالى ﴿وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ الآية، ثم إن غالب هذه الاحتفالات بالموالد مع

стр. 7076

كونها بدعة لا تخلو من اشتمالها على منكرات أخرى كاختلاط النساء بالرجال واستعمال الأغاني والمعازف وشرب المسكرات والمخدرات وغير ذلك من الشرور وقد يقع فيها ما هو أعظم من ذلك وهو الشرك الأكبر وذلك بالغلو في رسول الله ﷺ أو غيره من الأولياء ودعائه والاستغاثة به وطلبه المدد واعتقاد أنه يعلم الغيب ونحو ذلك من الأمور الكفرية التي يتعاطاها الكثير من الناس حين احتفالهم بمولد النبي ﷺ وغيره ممن يسمونهم بالأولياء، وقد صح عن رسول الله ﷺ أنه قال: "إياكم والغلو في الدين فإنما أهلك من كان قبلكم الغلو في الدين" وقال ﵊: "لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم، إنما أنا عبد فقولوا عبد الله ورسوله"أخرجه البخاري في صحيحه من حديث عمر ﵁، ومن العجائب والغرائب أن الكثير من الناس ينشط ويجتهد في حضور هذه الاحتفالات المبتدعة ويدافع عنها ويتخلف عما أوجب عليه من حضور الجمع والجماعات ولا يرفع بذلك رأسا ولا يرى أنه أتي منكرا عظيما، ولا شك أن ذلك من ضعف الإيمان وقلة البصيرة وكثرة ما ران على القلوب من صنوف الذنوب والمعاصي، نسأل الله العافية لنا ولكم ولسائر المسلمين، ومن ذلك أن بعضهم يظن أن رسول الله ﷺ يحضر المولد ولهذا يقومون له محيين ومرحبين وهذا من أعظم الباطل وأقبح الجهل، فإن رسول ﷺ لا يخرج من قبره قبل يوم القيامة ولا يتصل بأحد من الناس ولا يحضر اجتماعاتهم، بل هو مقيم في قبره إلى يوم القيامة وروحه في أعلى عليين عند ربه في دار الكرامة كما قال الله تعالى في سورة المؤمنون: ﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذَلِكَ لَمَيِّتُونَ ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ تُبْعَثُونَ﴾ . وقال النبي ﷺ : "أنا أول من ينشق عنه القبر يوم القيامة وأنا أول شافع وأول مشفع"، عليه من ربه أفضل الصلاة والسلام، فهذه

стр. 7077

الآية الكريمة والحديث الشريف وما جاء في معناهما من الآيات والأحاديث كلها تدل على أن النبي ﷺ وغيره من الأموات إنما يخرجون من قبورهم يوم القيامة، وهذا أمر مجمع عليه بين علماء المسلمين ليس فيه نزاع بينهم، فينبغي لكل مسلم التنبه لهذه الأمور والحذر مما أحدثه الجهال وأشباههم من البدع والخرافات التي ما أنزل الله بها سلطان والله المستعان وعليه التكلان ولا حول ولا قوة إلا به. أما الصلاة والسلام على رسول الله ﷺ فهي من أفضل القربات ومن الأعمال الصالحات كما قال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ وقال النبي ﷺ : "من صلى علي واحدة صلى الله عليه بها عشرا"وهي مشروعة في جميع الأوقات ومتأكدة في آخر كل صلاة، بل واجبة عند جمع من أهل العلم في التشهد الأخير من كل صلاة وسنة مؤكدة في مواضع كثيرة، منها ما بعد الأذان، وعند ذكره ﵊، وفي يوم الجمعة وليلتها كما دلت على ذلك أحاديث كثيرة، والله المسئول أن يوفقنا وسائر المسلمين للفقه في دينه والثبات عليه وأن يمن على الجميع بلزوم السنة والحذر من البدعة إنه جواد كريم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه ...

стр. 7078

تعقيب لا تثريب أتفسير هذا أم تغرير؟! لفضيلة الشيخ محمد المجذوب ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداًً. يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً﴾ . في هذه الكلمات الإلهية تخطيط شامل لكل مقومات الحياة السعيدة، يحدد بها بارئ الكون سبحانه لأحبائه الطريق الأقْوم الذي يوصلهم إلى الفوز الأعظم في الدنيا والآخرة. إنها التقوى، وهي الصورة المثلى لصلاح الباطن، ثم القول السديد، الذي هو حصيلة الصدق، الذي يتلاقى عليه القلب السليم والعقل الحكيم.. فلا جرم أن يكون التزامهما في كل موقف، وفي كل أمر، مؤديا لصلاح العمل، وموجبا لمغفرة الذنوب لأنه مظهر الطاعة الصميمة لله ورسوله.. وأي فوز من شأنه أن يداني هذا الفوز العظيم؟. ولكن ذلك من العزائم التي لا تتيسر إلا لمن أعانه الله فزينه في قلبه، فهو يحاسب نفسه على النسبة والهمسة خشية أن تشذ عن التقوى، وتفارق منهج القول السديد. وأنه لمن الآفات المفسدة للعمل أن يستنيم الباحث إلى الكسل، أو يستسلم إلى الهوى فيرسل القول على عواهنه دون تحقيق ولا تدقيق، فيسئ إلى نفسه بحرمانها أجر المجتهد المسدد، ويسئ إلى قارئه بإلقائه في عماية لا يتبين فيها السبيل إلى الحق. هذه المعاني كثيراً ما تراودني وأنا أستمع إلى مفكر يريد أن يدعو الناس إلى الخير ولكن العجلة تصرفه عن التمحيص، فهو يخلط خبراً صحيحاً في أثر مضطرب. وأكثر من ذلك ما أقع عليه خلال البحوث أو المؤلفات من هنات ما كان لها أن تتسلل إليها فتشوهها لو أخذ أصحابها أنفسهم بالصبر، فسألوا أهل الذكر، أو استفسروا المرجع الموثوق لتجنب هاتيك الفتوق.

стр. 7079

هذه الأسطر أقدم بها لأكثر من تعقيب، وكان من حقها أن تسبق الحلقة الماضية كما تتقدم حلقة اليوم، والحلقة التي تليها، لأن الإطار الذي يضمهن جميعا واحد، يعرض لضروب متشابهة من التهاون بحق التدقيق. حسنات وهفوات: في الخامس والعشرين من جمادى الأولى لعام ثلاثة وثمانين، وعقيب فراغي من مطالعة كتاب (الفكر الإسلامي الحديث وصلته بالاستعمار الغربي) من عمل الدكتور محمد البهي، أثبت في آخر صفحة منه تعقيباً مفصلاً ختمته بهذه الكلمة (إن لي هذا الكتاب لعلما غزيرا، وتحقيقا خطيرا، ومادة غنية بالخير، من شأنها أن تساعد على إنشاء الجيل الذي يعي مشكلات أمته ودينه وعالمه، بشرط أن يصل إلى السواد الأعظم من القراء المسلمين في كل مكان..) فالدكتور البهي أذن من الكتاب الذين أعجب بهم فأنا أتتبع ما يكتبون، وأحث طلابي وإخواني على مطالعة نتاجهم، سواء في الكتب أو المجلات، ومن هنا كان أسفى لما أجده في بعض آثاره المكتوبة أو المسموعة من مفارقات لا تتفق مع ما عهدته من أناته وعمقه ووفرة سداده في مثل كتابه الآنف ذكره.. لقد فوجئت ببعض هفواته الغريبة ذات يوم، وأنا أستمع إلى حديث له حول قصة نبي الله لوط في القرآن الكريم، فسجلتها في مفكرتي على نية أن أكتب إليه بشأنها مستفسراً، ولكن حالت المشاغل دون ذلك، ثم عثرت له على مثلها في محاولته تفسير بعض الآي من كتاب الله في مجلة الوعي الإسلامي، فاستيقظ في نفسي ما كدت أنساه من هفواته الأولى، على أن أعباء العمل عادت فحالت دون ذلك، حتى وقفت اليوم من آثاره على كتيبّه المسمى (تفسير سورة الجن) فلم أجد بدا من التفرغ لتسطير هذا التعقيب خدمة لكتاب الله، وغيرة على قلم الدكتور العزيز أن يندفع أكثر في هذا التيار المعرض للأخطار. أفكار غريبة:

стр. 7080

ولنقف تعقيبنا اليوم على تفسيره (الجني) فهو يقع في ما دون الخمسين من الصفحات مقسما إلى مقدمة وتمهيد ثم التفسير، ففي المقدمة يعرض منهجه في ما سيليها من البحث ويكاد يلخص في صفحاتها الأربع أفكاره القائمة على إنكار ما أجمع عليه الثقاة من مفسري الكتاب الكريم في موضوع الجن، وما ورد من إخبارهم في سورتي الأحقاف والجن، ليؤكد ما يعتقده من أن الإسلام، وهو دين الإنسان وحده على الأرض، لا علاقة به للجن البتة، ويختم مقدمته بجملة مشكورة على أولئك المضللين من (رسميين) و (رجال دين) الذين أخذوا على عاتقهم تنفيذ مخططات أعداء الإسلام بإخضاع المفهومات الدينية لموحياتهم الشيطانية. ومن ثم ينتقل إلى القسم الثاني حيث ينطلق في تفصيل ما أجملته المقدمة. فيقف صفحاته العشرين على محاولة إقناع القارئ بـ (اكتشافاته) التي يحسبها تحريرا للعقل المسلم من دوامة الخرافة المفسدة للتصور الصحيح. ومن ثم يخلص إلى تفسير السورة الكريمة فلا يخرج عن مضمون المقدمة والتمهيد. ويمكن تلخيص أفكاره بالخطوط التالية: ١- أن إبليس واحد من أفراد الملائكة في الجنس، فهو مثلهم لا نسل له، ومن ثم لا تكليف عليه، وإنما كان تكليفه يوم صدر الأمر الأعلى بالسجود لآدم، فجاء تمرده عليه إعلاناً لسقوطه في الامتحان. ٢- أن الملائكة مخلوقون من النار، وما ثبت في القرآن عن خلق إبليس من النار شامل لهم بوحدة الجنس.

стр. 7081

٣- أن تقريره ملائكية إبليس وما يستتبعها من استحالة تناسله قد حداه إلى القطع بأن الجن الوارد ذكرهم في السورتين لا يخرجون عن كونهم بشرا من أبناء آدم، ويركز على معنى الخفاء الذي يميز اسمهم، فيعتبر كل ساع بالخفاء في أمر ما جاناً، بل إنه ليرجح (أن هذا الفريق الذي تخفى _ عند سماعه القرآن بمكة دون علم رسول الله بهم _ هو من يثرب ومن المتأثرين بأفكار يهود بحكم مجاورتهم إياهم. ومن ثم يأتي إصراره على حصر رسالة محمد ﷺ بالبشر وحدهم. ٤_ من هذا التوسع في التأويل الشخصي يمضي إلى تفسير اعترافات الجن في قولهم ﴿وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْهَا مَقَاعِدَ لِلسَّمْعِ فَمَنْ يَسْتَمِعِ الآنَ يَجِدْ لَهُ شِهَاباً رَصَداً﴾ بالإتكاء على الكناية التي يراد بها لازم اللفظ دون حقيقته، فلا حرس ولا شهب، وإنما هو (الفصل النهائي بين الخرافة وممارستها من جانب، والحق والواقع من جانب آخر) ! تشويش محير:

стр. 7082

وقبل البد بمناقشة هذه الأفكار أحب أن أذكر القارئ بأن في بعض تعابير المؤلف عند الكلام عن شخصية الجن، تشويشا يبعث على الحيرة، إذ يخيل لمطالعه بادئ الأمر أنه مقر بوجود ذلك العالم الخاص المستقل عن عالمي الملائكة والبشر، وذلك كقوله ص٨ من التمهيد (والجن موجود قطعا، وهم قوى مخلوقة من نار صافية.. وعالم الجن قائم إلى يوم البعث، لا مرية في ذلك.) إلا أنه لا يلبث أن يعقب هذا الإقرار بقوله في الصفحة نفسها: (فإبليس ملك عصى ربه، وإبليس جان من عالم المرئيات. والملائكة من الجن كما هم من النار الصافية.. ويدخل في عالم الجن من يتخفى من عالم الإنسان في إيمانه وكفره وفي خيره وشره.. كشياطين الجن فإنهم من الإنسان..) ويستمد العون على ذلك من قوله تعالى -في وصف الشيطان وقومه ﴿إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لا تَرَوْنَهُمْ﴾ ويعلل ذلك بقوله (لأن إبليس بحكم طبيعته من عالم الجن. وأعوانه بحكم تخفيهم في الشر الحقوا بهذا العالم وأصبحوا شياطين الجن..) . وفي ظني أن مرد هذا التشويش إلى غموض الفكرة في نفس المؤلف. فهو لا يستطيع تخليصها من الاضطراب الذي نبع عن شعوره هو باهتزازها. على أن المبدأ الذي يريد القطع به على الرغم من كل شيء هو نفي المفهوم المتواتر عن استقلالية الجن، ولهذا يلح على كون (شياطين الجن هم من الإنسان) ، وأن إضافتهم إلى الجن لا تخرج عن كونهم ملحقين بهم بعامل التسلط أو الملك، كما تقول: هؤلاء حزب فلان وجماعته، ولا يعني أبدا أنهم من جنسه وهويته.. على حين يظل متشبثا بما ذهب إليه من أن الوحدة الجنسية إنما تشمل إبليس والملائكة بحكم وحدة العنصر الناري، الذي خلقوا منه جميعا، وعلى هذا فلن يكون هناك سوى عالمين أحدهما من النار وهو فريق الملائكة وفيهم إبليس، والآخر من التراب وهو فريق الآدميين. إبليس والملائكة:

стр. 7083

وننتقل الآن إلى مناقشة المؤلف في أساس أحكامه. وطبيعي أن تكون مناقشته على ضوء الوحي الذي يلزم المؤمن بالخضوع له. وإخضاع رأيه لِحكمه ولو صدم ذلك هواه وخيَّب مناه. إن منطلق الدكتور في أفكاره عن استقلالية عالم الجن عائد إلى تقديره لمبدأ الخلق، ونوعية العنصر الذي استُحدِث منه عالم المَلَك والجن. لقد وقف المؤلف عند قوله تعالى من سورة الكهف: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلا إِبْلِيسَ ... ﴾ فلم يستطع أن يتجاوز بالاستثناء حدود الاتصال بين فريقي الملائكة وإبليس. كما هو الحال في مثل قول أحدنا: جاء الأصدقاء إلا سعيداً، على اعتبار أن سعيدا واحد من جنس الأصدقاء. ونسي المدلول الآخر للاستثناء حين يكون منقطعا في مثل قول القائل جاء القوم إلا أمتعتهم.. وبخاصة عند وجود القرينة المانعة من وحدة الجنس كما هو الشأن في الآية الكريمة، إذ جاءت القرينة لفظية صريحة في قوله سبحانه ﴿كَانَ مِنَ الْجِنِّ﴾ وهي ضرب من الإطناب الذي يفسره البلاغيون بقصد الاحتراس، لئلا يلتبس المستثنى منه بالمستثنى.. ثم تأتي القرينة الأخرى التي لا تدع مجالا لإدخال إبليس في زمرة الملائكة، وذلك في التوبيخ المخجل الذي يوجهه الحق تبارك اسمه إلى المغفلين من أبناء آدم الذين رضوا لأنفسهم بمشايعة إبليس على الرغم من رفضه المشاركة في تكريم أبيهم الأول، وإعلانه الحرب على نسله إلى يوم الدين ﴿أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ؟!﴾ ففي نسبة الذرية لإبليس مقنع كاف لاعتباره جنسا آخر لا يمت إلى عالم الملائكة بأي صلة.. إذ لا خلاف على أن التناسل موقوف على غيرهم من عوالم الأحياء الأخرى. ولكن المؤلف هداه الله بدلا من الأخذ بالمدلول العفوي للقرينتين، عمد إلى تكلف التأويل، فراح يبذل المستحيل لإقناع قرائه بأن المراد بذرية إبليس هم أعوانه من أبناء آدم. ناسيا أن إضافة

стр. 7084

الذرية إلى مخلوق ما لم ترد في الكتاب الحكيم ولا في كلام العرب على ما نعلم إلا على وجه الحقيقة. وإنما يقع المجاز في ما عداها من الألفاظ، كالابن والأخ والأب وما إليها، وبذلك وبدافع من إصراره على أساس نظريته في ملائكية إبليس يتخذ من لفظ الذرية دعامة لرأيه، فيعتبرها من البراهين القواطع على صحة ما ذهب إليه من بشرية الجن؛ لأنّ إبليس ملاك، والملاك لا ينسل، فلم يبق من مفهوم لتلك الذرية إذن سوى القرار الذي اتخذه في شأنها. وهو أنهم جنوده العاملون في الخفاء من نسل عدوه الذي كرمه الله عليه!. متاهات إسرائيلية:

стр. 7085

والقارئ الذي يفاجأ بمثل هذه التأويلات المتعسفة لا بد سائل نفسه عما إذا كان ثمة من سابقة لها في عالم التفسير. أم أنها من مكتشفات المؤلف التي لم يسبق إليها؟.. فإذا ما راح يستقصى الخبر عثر على تلك الروايات المنسوبة إلى ابن عباس ﵁ وخلاصتها: أن إبليس من قبيلة من الملائكة اسمها الجن. عصى الله فمسخه الله شيطانا. وفي رواية أخرى عنه أنه كان من الجنانين. وكأنه في هذه الرواية ينفى عنه هوية الملائكة يجعله من العاملين في خدمة الجنة. ولئن خدع بظاهر هذه الروايات من أراح نفسه من تحقيقها فمضى يشيد عليها قصور الوهم. أن هناك من تنبه لما فيها من الدخن فلم تفته ملاحظة لونها الإسرائيلي، وهو ما عقب به عليها الحافظ بن كثير حين أردفها بقوله "وغالبها من الإسرائيليات التي تنقل لينظر فيها.. ومنها ما قد يقطع بكذبة لمخالفته الحق الذي بأيدينا. وفي القرآن غنية عن كل ما عداه من الأخبار المتقدمة؛ لأنها لا تكاد تخلو من تبديل وزيادة ونقصان، ولم يتيسر لها من ينفي عنها تحريف الغالين. وانتحال المبطلين كما قيض لهذه الأمة" [١] وهكذا يردنا هذا الحافظ المحقق إلى منطق القرآن الذي لا يأتيه الباطل، بدلا من الضرب في متاهات المخرفين المحرفين الذين لا يؤمنون على علم ولا دين، والذين فتحنا لهم عقولنا حتى استعمروها بكاذب الأخبار كما استعمروا مقدساتنا بالحديد والنار. ولا جرم أن مجرد الوقوف عند حدود الوحي من قرآن وسنة صحيحة عاصم من كل تشويش واضطراب وقائد إلى الحق الذي لا مرية فيه ولا مراء.. وهو في موضوع إبليس وذريته بارز الخطوط لا معدي عنه لناشد الحقيقة فإبليس -كما قال الحسن البصري- "ما كان من الملائكة طرفة عين قط"وأنه لأَصل الجن كما أن آدم ﵇ أصل البشر" [٢] وليست ذريته سوى الشياطين -كما يقول مجاهد-[٣] . بحث لغوي:

стр. 7086

ولعل من الخير التذكير بما بين لفظي (الجن) و (الشيطان) من فروق لغوية دقيقة؛ ذلك أن الأول يدل على الجنس المخلوق من النار، في مقابل البشر المخلوقين من التراب، كما ورد في سورة الرحمن ﴿فَيَوْمَئِذٍ لا يُسْأَلُ عَنْ ذَنْبِهِ إِنْسٌ وَلا جَانٌّ﴾ وفي سورة الناس عند ذكر ﴿الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ﴾ فهناك مُوَسْوِسون نزاعون للفساد أمارون به بعضهم من الجنة، وبعضهم من الناس فلا وحدة بينهما، ولا صلة خارج نطاق التعاون على الشر، على حين تتسع كلمة (الشيطان) حتى تشمل كل شرير من الجنسين وغيرهما. ومن ذلك قوله تعالى في سورة الأنعام ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوّاً شَيَاطِينَ الْأِنْسِ وَالْجِنِّ﴾ . وفي الحديث "الكلب الأسود شيطان" [٤] بمعنى أنه مؤذ شرير، ووصف الإبل بأنها (من الشياطين) [٥] لكبر خطرها عند الهياج.. ويقول جرير في وصف طفولته: وكنَّ يدعونني الشيطان في صغري وكن يهوينني إذ كنت شيطانا ولا يزال الناس يسمون الصغير الكثير النشاط والمزعج شيطانا. وعند التأمل في مورد التعبير القرآني ﴿شَيَاطِينَ الأِنْسِ وَالْجِن﴾ . نلاحظ هذه الخاصة اللغوية في دلالة (الشيطنة) على طبيعة الإفساد. كما نلاحظ اشتراك الوصف بين جنسين مختلفين من حيث الهوية عن طريق العطف المتغاير، الذي يقطع باستقلال كل من الجنسين في عنصره وهويته.. وقد أحسن المؤلف عندما جعل من شياطين الإنس (الكبراء أو الزعماء الذين يصدون عن سبيل الله علنا وفي غير خجل..) وألحق بهم رجال الدين الذين يحترفون بدينهم خدمة للشيطان) .. وحين جعل من ذرائعهم لهذه الخدمة (وسائل الإعلام المختلفة، وضروب القوة المتنوعة في الإرهاب والتخويف) [٦] . أحكام عَجْلى:

стр. 7087

إلا أنه لا يرضى إلا أن يعمم حكمه فيشمل شياطين الجن، إذ يكرر ويلح على كونهم (من البشر تخفوا ويتخفون في مباشرة الشر للناس) فكلا الفريقين عنده من ذرية آدم إلا أن أحدهما ينشر فساده علانية وبالقوة ويعمد الثاني إلى الدهاليز المظلمة، يدس من خلالها سمومه المظلة. وانسياقا مع هذا الاتجاه يضطر إلى تأويل ما أورده الله على لسان الجن في قوله عز من قائل ﴿وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّمَاءَ فَوَجَدْنَاهَا مُلِئَتْ حَرَساً شَدِيداً وَشُهُباً﴾ بأنه -كما أسلفنا- كناية عن إنهاء عهد الخرافة بعد نزول القرآن (إذ بعد نزوله لا يمكن أن يكون للخرافة وضع في البشرية، كما لا يمكن أن تكون هناك طبقة كطبقة الكهان تحترف بالعقيدة وتملي على الناس بدعوى علم الغيب) [٧] .

стр. 7088

وعلى رأيه هذا فلا مقاعد للسمع، ولا تَسمَع لأنباء السماء، بل هي الكناية التي تتسع لكل تأويل، ما دام الموضوع متعلقا بهذا المخلوق الذي سُمِيّ بالجن من ذرية آدم، فراح يزعم للمخدوعين به أنه ينقل إليهم أخبار السماء كذبا وزورا.. وأذن فلا سبيل أيضا لقبول فكرة (القرين) الموسوس في الصدور، لأنها تجعل الناس يعيشون في ظلام الأوهام وترقّب ما لا يقع في الحياة أبدا [٨] وفي ظني أن قليلا من التأمل في واقع الحياة البشرية كان كافيا لإقناع الدكتور بالإقلاع عن هذه الأحكام العجلى، فليس ثمة مكان من هذه الأرض خاليا من أولئك الدجاجلة الذين يبشرنا بانتهاء عهدهم. والقرآن العظيم في عرضه لأخبار ذلك النفر من الجن، وحوارهم حول التغيرات الفلكية التي واجهتهم بعد البعثة النبوية، لا يتنبأ بزوال تلك المحاولات الشيطانية، بل يعلمنا فقط بأنه تعالى قد حجز الشياطين عن استراق السمع، الذي يمكنهم من تلقف بعض الآي من القرآن لئلا ينقلوها إلى وسطائهم فيختلط الأمر على الخلق حتى لا يفرقوا بين أخبار الكهنة وبلاغات النبوة [٩] وأي دلالة على هذه الحقيقة أوضح من الذي يتحدث عن محاولات هؤلاء الشياطين حتى يقول: "فما جاءوا به على وجهه فهو حق، ولكنهم يقذفون فيه ويزيدون [١٠] وذلك هو الإفك الذي يشير إليه قوله تعالى في سورة الشعراء: ﴿هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلَى مَنْ تَنَزَّلُ الشَّيَاطِينُ. تَنَزَّلُ عَلَى كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ. يُلْقُونَ السَّمْعَ وَأَكْثَرُهُمْ كَاذِبُونَ﴾ وكذلك وصفه عزَّ شأنه لآكل الربا ﴿كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ﴾ ٢/٢٧٥ هذا الوصف الذي حاول بعض المُحدثين صرفَه عن حقيقته، فأبي الله إلا أن يؤكده بما يلمسه الناس اليوم في (مناجاة الأرواح) وبما شهد ويشهده المتتبعون من تلبس الشياطين بعض الناس، حتى ليسمعون أصوات الجانّ من خلال أفواه ضحاياهم. ثم لا ينزعون عن هؤلاء المساكين إلا تحت ضغط

стр. 7089

العزائم المشروعة، التي كثيرا ما تنتهي بإحراق الشيطان وتصاعد دخانه رأي العين [١١] . أما موضوع القرين فإن إنكاره إنكار لصريح القرآن الذي يقول: ﴿وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَاناً فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ﴾ ٤٣/٣٦ ولصحيح الحديث الذي فصَّلَ مجملَ الآية بقوله صلوات الله وسلامه عليه: "ما منكم من أحدٍ إلا وقد وُكل به قرينُه من الجن قالوا: وإياك يا رسول الله؟.. قال وإياي إلا أن الله قد أعانني عليه فأسلم فلا يأمرني إلا بخير" [١٢] . ثم أي ذي حافظة سليمة يتذكر تجاربه الخاصة مع قرينه الخبيث وهو يوسوس إليه بزخرف القول تزييناً لمقبحةٍ أو إغراء بمفسدة، ثم لا يردد في خشوع قول رسول الله ﷺ "إن الشيطان يجري في ابن آدم مجرى الدم" [١٣] الإيمان بالغيب: ويتساءل الدكتور أصلحنا الله وإياه: عن الفائدة من إيمان الجن برسول الله ﷺ ما دام ذلك لا يشكل حجة على مشركي مكة.. وبالتالي لا يتصل بموضوع الإعجاز القرآني [١٤] وبقليل من التفكير أيضا يتبين المتأمل في سياق الآي النازلة في هذا الأمر أنها ليست في معرض الحجاج ولا الإعجاز، وإنما هي تعزية لقلب رسول ﷺ الذي يؤلمه إعراض قومه عن هدايته، فيأتي الوحي ليسري عنه بنبأ تصديق الجن به. هذا إلى أن في هذا الإيمان فائدة كبيرة لنا، إذ أن انضمام أي مخلوق إلى صف المؤمنين إنما هو قوة لهم، وإضعاف لأعدائهم، ثم يبقى ما في قبول الخير الإلهي عن ذلك من تحقيق لصفة التصديق بأنباء الوحي عن الغيب، الذي هو أحد معالم الفارقة بين الكفر والإيمان..

стр. 7090

ويحق لنا أن نقابل تساؤله بمثله فنقول: أي فائدة للمسلمين وغيرهم في رفضك ما أجمع عليه أهل العلم بالقرآن، منذ الصدر الأول إلى يوم الناس هذا، عن إيمان بوجود عالم الجن مستقلا بعنصره وخَلقه ومميزاته؟ وهل بلغتَ من العلم حد الإحاطة بكل مغيَّب حتى يسوغ لك إنكار ما لم تره.. ودعوة القراء إلى مشاركتك في هذا الإنكار؟ لقد تلقت أمة محمد ﷺ خبر الجن بالتصديق المطلق، إيمانا بشهادة الله الذي يقول أنه خلق الإنسان من صلصال كالفخار، وخلق الجان من مارج من نار، وإيماناً بشهادة رسوله الذي يقول: "خلقت الملائكة من نور، وخلق آدم مما وصف لكم" [١٥] أفتريدنا على أن ندع هذه الوثائق الإلهية لنأخذ بدعوى لا يسندها إلا الظن وما تهوى الأنفس!. بين الوهم واليقين: وإذا نحن مضينا معك في متاهات التأويل على هذا النحو فما الذي يعصمنا من ألاعيب الباطنية، التي تخلق لكل حقيقة قرآنية تفسيراً يدعم أخيلتها، ومن أضاليل الطرقيين الذين يفصلون بين الحقيقة والشريعة، ومن مخارق القاديانية والبهائية اللتين تسفهان فهم السلف لكل حقائق الوحي،. بل ما الذي يحول حينئذ بيننا وبين التسليم لأضاليل المهداوي الذي زعم في محكمته التاريخية أن الشيطان ليس شيئاً سوى نزغات النفس الناشئة في ظل الإقطاع؟. أو لمهازل ذلك الحاكم الذي ساقه الغرور أخيرا إلى رفض الخبر الإلهي عن نومة أهل الكهف، وراح يزعم أن رسول الله يدعو الناس إلى عبادته لأنه يبلغهم أمر الله بالصلاة عليه! وقد فات هذا المسكين أنه بدعواه هذه يكشف عن جهله بلغة العرب، وبالتالي يفضح عجزه العقلي والبصري عن التطلع إلى أنوار القرآن.

стр. 7091

أجل.. أيها الدكتور الفاضل.. إننا لن نؤثر (أوهامك) على ما جاءنا من العلم، وسنظل على أتم اليقين بأن عدونا الأكبر هو ذلك الذي حسد أبانا الأول على تكريم ربه إياه، ثم أعلن تصميمه على ملاحقته ونسله بالمضللات إلى آخر الحياة. وفي ذلك خير لنا كبير لأنه يجعلنا على وعي دائم لما يريده بنا وذريته من الشر والضر، فلا نفتأ نصارعهم حتى نردهم بقوة الله خاسئين مدحورين. أما بدعتك الأخرى في إنكار شمول الرسالة الخاتمة للثقلين جميعا، انسهم وجِنّهم، فلا حاجة لإعادة القول فيها كرة ثانية، بعد الذي كتبناه حولها في تعقيب سابق على كتاب الأستاذ سعد جمعة (الله.. أو الدمار) وسنبعث إليك بالعددين معا لتقرأ فيهما الموضوع كاملاً إذا شئت، فإما أن تقتنع بالحق الذي أجمع عليه أئمة الهدى فتعود لتدارك ما أَسلفتَه بالتصحيح المنشود، كالمأمول بمثلك من أهل الخير، وإما أن تستمر على وجهتك فيكون الحَكَمْ بيننا وبينك أُولو العلم بعدَ الله، وهو حسبنا ونعم الوكيل. ويبقى ما وقعنا عليه من شططك في بعض الصحف ومن وراء المذياع، فنرجئه إلى التعقيب القادم الذي سيتناول بتوفيق الله، إلى جانب هفواتك، أغاليط آخرين سواك. والله الهادي إلى سواء السبيل. -------------------------------------------------------------------------------- [١] انظر ابن كثير _ ج١ تفسير ٣٤ من سورة البقرة وج١٤ تفسير الآية ٥٠ من سورة الكهف. [٢] المرجع نفسه ص٣٩٦ط (دار الفكر) بيروت. [٣] انظر تفسير مجاهد ص٣٧٧ ط قطر. [٤] أخرجه مسلم عن أبي ذر. [٥] لأبي داود. [٦] الكتيب ص١٧و ١٨. [٧] الكتيب ٢١و ٢٢. [٨] الكتيب ص٢٢. [٩] انظر تفسير ابن كثير لسورة الجن. [١٠] مسلم والترمذي. [١١] سنعرض لبعض هذه الوقائع مدعومة بشهادات النقاب في مقال تأتي إن شاء الله. [١٢] أخرجه مسلم.

стр. 7092

[١٣] متفق عليه. [١٤] الكتيب ص٢٥. [١٥] صحيح مسلم عن عائشة ﵂.

стр. 7093

مع كتاب الله لفضيلة الشيخ أحمد عبد الرحيم السايح من الأصول الأساسية التي تجمع المسلمين، وتعمل على حمايتهم.. أن مصدر التشريع عندهم واحد.. ومصدر التشريع الواحد هذا ليس مستورداً من الشرق، ولا من الغرب.. ولا هو من الأفكار التي دبجها البشر.. ولا يقبل الخلط بينه وبين المذاهب التي روج لها سماسرة القوانين الوضعية.. ولا يقبل أن يؤخذ بعضه ويترك بعضه. إن مصدر التشريع الواحد هذا.. هو القرآن الكريم، وسنة الرسول الأمين محمد ﵊.. والقرآن الكريم هو الكتاب المجيد الذي أنزله الخالق لإصلاح الخلق، وإنقاذ الإنسانية من التيه والأوهام والتصورات الباطلة، والفلسفات المدمرة. والقرآن الكريم لا يختلف في سوره، ولا في آياته، ولا في ألفاظه، ولا في حروفه.. فهو واحد عند المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها، وإلى أن يرث الله الأرض وما عليها.. ولا يضر تفاوت العلماء في فهم مدلول ألفاظه.. فقد اقتضت حكمة الله ، أن تتفاوت العقول والأفهام من إنسان إلى إنسان، ومن جيل إلى جيل، ومن مكان إلى مكان.. لكن هذا التفاوت لم يصرف المسلمين أبداً عن الإقرار بأن القرآن الكريم، الذي أنزله الله على محمد ﷺ ، واحد في سورة وآياته وألفاظه وحروفه. قال تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [١] .

стр. 7094

وهذه الحقائق لم تفت بعض الدارسين من عقلاء علماء أوربا. فهذا العالم الإنجليزي: يورك يقول: (والقرآن الكريم بالإضافة إلى كونه من أجمل الروائع الأدبية في العالم كله.. دستور كامل من القوانين الأخلاقية والمدنية والعسكرية والاجتماعية.. وهو دستور يضبط سلوك المسلمين الذين يجب أن تكون جميع أفعالهم بمقتضى تعاليم القرآن الكريم.. أما كون المسلمين يعتبرون أن قوانين القرآن ثابتة ومعصومة عن الخطأ. فيتضح من الحقيقة القائلة بأنه بالرغم من انقضاء ثلاثة عشر قرنا ((أربعة عشر قرنا)) على نزول القرآن الكريم فإنه لم يتعرض لأقل تغيير أو تبديل، وبأن كل كلمة من كلماته وكل حركة من حركاته قد بقيت كما خرجت من بين شفتي رسول الله، وسيبقى هكذا دون أي تبديل أو تحريف. القرآن الكريم خالص من التدخل الإنساني. وهذه حقيقة لا يمكن أن تقال لا كليا ولا جزئيا عن سائر الكتب المقدسة للأديان الأخرى" [٢] والمسلمون جميعا على تباين أقطارهم، وتباعد ديارهم، يرجعون إلى القرآن الكريم، لأنه المنهاج الأمثل، الذي ارتضاه الله للإنسانية، وقد اشتمل القرآن والسنة، على العقائد، والعبادات والمعاملات، والحقوق الشخصية.. وثروة القرآن لا تقف عند حد الاعتقاد الصحيح وتوحيد الخالق، بل تزيد عليه تهذيب السلوك، وتربية العقل والوجدان وتصحيح المعاملات وتطبيق قواعد العدل.. وقد احتوى القرآن الكريم، على أنواع من الأعمال التي كلف بها المسلمون كالعبادات المحضة، والمالية والبدنية، والاجتماعية وهي: الصلاة، والزكاة، والصوم, والحج.. وقد اعتبرت هذه العبادات بعد الإيمان بالله أساس الإسلام. عن عبد الله بن عمر ﵄، قال: قال رسول الله ﷺ : "بني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة، والحج وصوم رمضان" [٣] .

стр. 7095

ومن الأعمال التشريعية التي أتى بها القرآن الكريم: تشريعات تأمين الدعوة، وتنظيم الجهاد في سبيل الله، وما يتعلق بأسرى الحرب، وتشريعات الأسرى، وما يتعلق بالزواج والطلاق والأنساب والمواريث، وسائر الأحوال الشخصية، وتشريعات العهود والمواثيق، والعلاقات الاقتصادية والمادية.. بين أفراد المجتمع من بيع وإجارة ورهن، وغير ذلك مما يندرج تحت باب المعاملات المباحة والمحرمة، ثم التشريعات الخاصة بتوقيع الجزاءات والعقوبات على الجرائم كالقصاص في القتل، وحد الزاني، وحد القاذف، وحد السارق، وحد قاطع الطريق [٤] . وما دام الأمر كذلك.. فإن الله ، يدعو المسلمين إلى الأخذ بما في القرآن الكريم. فهو إلى جانب ما له من فوائد تجل عن الحصر، من أكبر عوامل توحيد المسلمين، وجمع كلمتهم، ولم شملهم.. قال تعالى: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا..﴾ [٥] وحبل الله كما جاء في الحديث عن ابن مسعود، أن رسول الله ﷺ ، قال: "حبل الله هو القرآن". وروى ابن أبي شيبة وابن جرير عن أبي سعيد الخدري مرفوعا: "كتاب الله هو حبل الله الممدود من السماء إلى الأرض". وجاء في تفسير المنار:"أن العبارة تمثيلية شبهت فيها حالة المسلمين في اهتدائهم بكتاب الله، أو في اجتماعهم وتعاضدهم وتكاتفهم، بحالة استمساك المتدلي من مكان عال بحبل متين، يأمن معه السقوط.. والمختار. هو ما ورد في الحديث المرفوع من تفسير حبل الله بكتابه. ومن اعتصم به كان أخذاً بالإسلام". ولا يظهر تفسيره بالجماعة والاجتماع وإنما الاجتماع هو نفس الاعتصام فهو يوجب علينا أن نجعل اجتماعنا ووحدتنا بكتابه. عليه نجتمع، وبه نتحد. لا بجنسيات نتبعها، ولا بمذاهب نبتدعها، ولا بمواضعات نضعها، ولا بسياسات نخترعها [٦] .

стр. 7096

فالله أوجب علينا التمسك بكتابه وسنة نبيه، والرجوع إليهما عند الاختلاف. وأمرنا بالاجتماع على الاعتصام بالكتاب والسنة، اعتقاداً وعملاً. وذلك سبب اتفاق الكلمة، وانتظام الشتات، الذي تتم به مصالح الدين والدنيا، والسلامة من الاختلاف. وأمر بالاجتماع، ونهى عن الافتراق الذي حصل لأهل الكتابين.. [٧] . وهناك آيات كثيرة.. تبين أن القرآن. هدى.. ونور.. وبرهان.. وشفاء.. ومن هذا قوله تعالى: ﴿قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [٨] . والمراد بالنور هنا ثلاثة أقوال: أحدها: أنه النبي ﷺ .. ثانيها: إنه الإسلام.. ثالثها: إنه القرآن. والمراد بالكتاب المبين. القرآن.. ولولا عطفه على النور. لما فسروا النور إلا به. فإن الأصل في العطف أن يكون المعطوف غير المعطوف عليه، ولكن العطف قد يرد للتفسير.. وهو الذي اختاره هنا لتوافق هذه الآية وما بعدها ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمْ بُرْهَانٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُوراً مُبِيناً﴾ [٩] . والقرآن هو القاعدة الروحية التي تنطلق منها الإمدادات الإلهية والومضات السماوية.. ولهذا صار قوة فاعلة ومؤثرة، بل إن فاعليته شملت حياة الأفراد والجماعات من جميع الجوانب. وإذا كان الإنسان ذلك الكائن الحي المكلف لا وجود له، ولا حياة، بغير الروح والقلب والعقل.. فإن المسلمين لا كيان لهم، ولا حياة، ولا شخصية.. يغير القرآن فهو لهم الروح والعقل والقلب، وهو لهم الضياء والغذاء والشفاء. تنشده الأمة فتجد فيه مبتغاها من التشريعات الفردية والعلائق الأسرية، والمعاملات الاقتصادية والقوانين المدنية والأنظمة الدولية.

стр. 7097

وبعبارة أدق وأوجز.. تجد فيه الأمة كل ما تحتاج إليه في حياتها العامة والخاصة والدين والدنيا. ولقد اشتمل القرآن الكريم على ستة ألاف ومائتين وستة وثلاثين آية.. احتوت جملة وتفصيلا على العبادات والعقائد والتكاليف والأصول والأحكام والأصول، والحكام والمعاملات وعلاقات الأمم والشعوب، في السلم والحرب، وسياسة الحكم، وإقامة العدل، والعدالة الاجتماعية، والتضامن الاجتماعي، وكل ما يتصل ببناء المجتمع، ورسم شخصية المسلم الكامل خلقا وأدبا وعلما. ومن الآيات سبعمائة وخمسون آية كونية وعلمية، احتوت أصولا وحقائق تتصل بعلوم الفلك والطبيعة، وما وراء الطبيعة والأحياء والنبات، والحيوان، وطبقات الأرض، والجنحة، والوراثة والصحة والصحة الوقائية، والتعدبن، والصناعة، والمال، والاقتصاد، وغير ذلك من المواعظ والأمثال والقصص، وشتى أمور الدين والدنيا.. ومما كان محلاً للدراسة والاستنتاج والتأصيل والبحث والتنقيب، وكان أساساً لعلوم الفقه والتفسير، والحديث والأصول، والأخلاق، والاجتماع والبلاغة والأدب، والطب واللغة، والنحو، والهندسة، والرياضيات، والطبيعة والكيمياء، وسائر أنواع الفنون التي ازدهرت في ظل الحضارة الإسلامية. وفي القرآن الكريم كثير من الحقائق العلمية الكونية، والنواميس الطبيعية. جاءت في معرض الاستدلال على قدرة الله ووحدانيته ومن هذا قوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْء..﴾ [١٠] . وكذلك يخبر القرآن عن وقائع ماضية طمست الدهور معالمها، وليس لأحد علم بها.. قال تعالى: ﴿تِلْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهَا إِلَيْكَ مَا كُنْتَ تَعْلَمُهَا أَنْتَ وَلا قَوْمُكَ مِنْ قَبْلِ هَذَا﴾ [١١] .

стр. 7098

ويخبر أيضا عن وقائع مستقبلة لم تكن وقعت حين نزوله، ومن هذا قوله تعالى: ﴿غُلِبَتِ الرُّومُ فِي أَدْنَى الأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ فِي بِضْعِ سِنِينَ لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ﴾ [١٢] وأن الباحث في القرآن بصدق، وإمعان نظر.. يلاحظ أن آيات القرآن الكريم، قد اتسقت على كثرتها، واتفقت المبادئ والأصول، في كل الموضوعات على تعددها وتنوعها. قال تعالى: ﴿أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً﴾ [١٣] . والتناسق المطلق الشامل الكامل، هو الظاهرة التي لا يخطئها من يتدبر هذا القرآن أبداً، ومستوياتها ومجالاتها، مما تختلف العقول والأجيال في إدراك مداها. ولكن كل عقل وكل جيل يجد منها بحسب قدرته وثقافته وتجربته وتقواه، ما يملك إدراكه، في محيط يتكيف بمدى القدرة والثقافة والتجربة والتقوى. ومن ثم فإن كل أحد، وكل جيل، مخاطب بهذه الآية. ومستطيع عند التدبر وفق منهج مستقيم. أن يدرك من هذه الظاهرة، ظاهرة عدم الاختلاف أو ظاهرة التناسق ما تهيئه له قدرته وثقافته وتجربته وتقواه. تتجلى هذه الظاهرة. ظاهرة عدم الاختلاف. أو ظاهرة التناسق. ابتداء في التعبير القرآني، من ناحية الأداء وطرائقه الفتية.. ففي كلام البشر، تبدو القمم والسفوح، التوفيق والتعثر. القوة والضعف. التحليق والهبوط. الرفرفة والثقلة. الإشراق والانطفاء.. إلى آخر الظواهر التي تتجلى معها سمات البشر. واخصها سمات التغير، والاختلاف المستمر الدائم من حال إلى حال.

стр. 7099

يبدو ذلك في كلام البشر واضحا، عندما تستعرض أعمال الأديب الواحد، أو المفكر الواحد، أو الفنان الواحد، أو السياسي الواحد، أو القائد العسكري الواحد. أو أي فرد كان في صناعته، التي يبدو فيها الوسم البشري واضحاً، وهو التغير والاختلاف.. هذه الظاهرة واضحة كل الوضوح، أن عكسها وهو: الثبات والتناسق. هو الظاهرة الملحوظة في القرآن ونحن نتحدث فقط عن ناحية التعبير اللفظي، والأداء الأسلوبي فهناك مستوى واحد في هذا الكتاب المعجز، تختلف ألوانه باختلاف الموضوعات التي يتناولها، ولكن يتحد مستواه وأفقه، والكمال في الأداء بلا تغير ولا اختلاف، من مستوى إلى مستوى.. كما هو الحال في كل ما يصنع الإنسان.. ويدل على الصانع. يدل على الموجود الذي لا يتغير من حال إلى حال، ولا تتوالى عليه الأحوال. وتتجلى ظاهرة عدم الاختلاف.. والتناسق المطلق الشامل الكامل بعد ذلك في ذات المنهج الذي تحمله العبارات ويؤديه الأداء، منهج التربية للنفس البشرية، والمجتمعات البشرية، ومحتويات هذا المنهج وجوانبه كثيرة. ومنهج التنظيم للنشاط الإنساني للأفراد وللمجتمع الذي يضم الأفراد. وشتى الجوانب والملابسات التي تطرأ في حياة المجتمعات البشرية على توالي الأجيال.. ومنهج التقويم للإدراك البشري ذاته، وتناول شتى قواه وطاقاته وإعمالها معا في عملية الإدراك. ومنهج التنسيق بين الكائن الإنساني بجملته، في جميع مجتمعاته وأجياله ومستوياته. وبين هذا الكون الذي يعيش فيه. ثم بين دنياه وأخرته. وما يشجر في العلاقة بينهما من ملابسات لا تحصى في عالم كل فرد، وفي عالم الإنسان، وهو يعيش في هذا الكون بشكل عام.

стр. 7100

وإذا كان الفارق بين صنعة الله وصنعة الإنسان، واضحاً كل الوضوح، في جانب التعبير اللفظي، والأداء الفني. فإنه أوضح من ذلك في جانب التفكير، والتنظيم، والتشريع.. فما من نظرية بشرية، وما من مذهب بشري. إلا وهو يحمل الطابع البشري جزئية النظر والرؤية، والتأثر الوقتي بالمشكلات الوقتية.. وعدم رؤية المتناقضات في النظرية أو المذهب أو الخطة، التي تؤدي إلى الاصطدام بين مكوناتها _ إن عاجلاً وإن آجلاً _ كما تؤدي إلى إيذاء بعض الخصائص في الشخصية البشرية الواحدة التي لم يحسب بعضها، أو في مجموعة الشخصيات الذين لم يحسب حساب كل واحدة منها.. إلى عشرات ومئات من النقائض والاختلاف. الناشئة من طبيعة الإدراك البشري المحدود، ومن الجهل البشري بما وراء اللحظة الحاضرة في أية لحظة حاضرة.. وعكس ذلك كله هو ما يتسم به المنهج القرآني الشامل المتكامل، الثابت الأصول، ثابت النواميس الكونية، الذي يسمح بالحركة الدائمة مع ثباته، كما تسمح بها النواميس الكونية [١٤] . والإسلام في القرآن الكريم.. منهج وهو منهج ذو خصائص متميزة: من ناحية التصور الاعتقادي، ومن ناحية الشريعة المنظمة لارتباطات الحياة كلها. ومن ناحية القواعد الأخلاقية التي تقوم عليها هذه الارتباطات، ولا تفارقها. سواء كانت سياسية أو اقتصادية أو اجتماعية. وهو منهج جاء لقيادة البشرية كلها [١٥] . والقرآن الكريم جاء بتشريعات عادلة، وقد ألفت من مواد تتضمن أحكاما كلية، ومبادئ عامة، في كل فروع التشريع.. وصدق الله العظيم في قوله: ﴿وَكُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْنَاهُ تَفْصِيلاً﴾ [١٦] . وقوله تعالى: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَاناً لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ [١٧] .

стр. 7101

ولهذا كله، كان للقرآن تأثيره وفاعليته في نفوس المؤمنين المتدبرين العاقلين. قال تعالى: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَاباً مُتَشَابِهاً مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ ... ﴾ [١٨] والقرآن الكريم منهاج كامل وشامل جاء بكليات الشريعة والأصول، في العبادات والمعاملات، والأسرة والميراث، والجنايات والحدود، وأنظمة الحكم. قال تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِناً عَلَيْهِ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجاً وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ وَإِنَّ كَثِيراً مِنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ﴾ [١٩] . ومن آيات الاقتصاد والمعاملات المدنية قوله تعالى: ﴿وَلا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَاماً وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا وَاكْسُوهُمْ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلاً مَعْرُوفاً﴾ [٢٠] .

стр. 7102

ومن آيات الأحوال الشخصية والميراث والجنايات والحدود. قوله تعالى: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ لا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلَّا وُسْعَهَا لا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا وَلا مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ فَإِنْ أَرَادَا فِصَالاً عَنْ تَرَاضٍ مِنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا وَإِنْ أَرَدْتُمْ أَنْ تَسْتَرْضِعُوا أَوْلادَكُمْ فَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِذَا سَلَّمْتُمْ مَا آتَيْتُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِير﴾ [٢١] . وقال تعالى: ﴿لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالأَقْرَبُونَ وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالأَقْرَبُونَ مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ نَصِيباً مَفْرُوضاً﴾ [٢٢] . وقال تعالى: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالأَنْفَ بِالأَنْفِ وَالأُذُنَ بِالأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [٢٣] . وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَداً وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [٢٤] . ومن آيات المعاهدات قوله تعالى: ﴿وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [٢٥] .

стр. 7103

وقال تعالى: ﴿وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيَانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ﴾ [٢٦] . ومن آيات الدفاع العام قوله تعالى: ﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ [٢٧] . وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفاً فَلا تُوَلُّوهُمُ الأَدْبَارَ وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلا مُتَحَرِّفاً لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزاً إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ [٢٨] . ومن آيات الحكم والقضاء، قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعاً بَصِيراً. يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً﴾ [٢٩] . أما آيات الخلاق والأدب والسلوك.. فهي تملأ القرآن الكريم، وتستطيع أن تحس بها في كل آية من آيات القرآن. وعلى الجملة فهذا القرآن به كل ما يهم المسلمين من قضايا سياسية واقتصادية واجتماعية وغيرها. ومن هذا المنطلق.. كان هو القادر على حل مشاكل الناس وتنظيم العلاقات الإنسانية كلها. وكان هو وحده مناط الثقة وموضع اليقين. لأنه من عند الله. وما كان من عند الله كان أتم.

стр. 7104

وهو وحده القادر على تحديد علاقة المسلم بالوجود كله، وبالكون وبما يغص به هذا الكون من ناس وأشياء. ففي باب العقيدة.. دعا إلى توحيد الله، وإفراده بالعبادة والتعظيم والتمسك بما شرع الله من أداب العبادة والفرائض. وفي السياسة.. دعا إلى الشورى، واحترام حقوق الإنسان، والتزود بكل أسباب القوة. وفي النظام الأخلاقي.. دعا إلى خلوص النية، ونقاء الضمير والتمسك بقيم الخير، والحق، والتزام الأداب الفردية والاجتماعية التي تسير بالإنسانية إلى الكمال والتقدم. وفي النظام الاجتماعي.. دعا إلى الأسرة المتماسكة القائمة على ركائز المودة والرحمة، والإخلاص، والاحترام، والتعاون، والتعارف، وقيام كل راع بمسئوليته. وفي النظام الاقتصادي.. دعا إلى تبادل المنافع، واتخاذ المال وسيلة لا غاية، واحترام الملكية الفردية. وفي النظام التشريعي.. قام على أصول رئيسية واسعة. وقد تمثلت هذه الناحية في ثروة من الفقه الإسلامي. وفي النظام الثقافي.. دعا إلى طلب المعرفة أيّاً كانت، واستخدام العقل في كسب المعارف. وفي النظام الفكري.. دعا إلى استقلال الإرادة، وحرية الفكر.. ولم يقف عند هذا الحد. بل وضع القواعد الأساسية لوزن المعلومات، وتمييز صحيحها من زائفها.. فقرر أن المسائل لا تأخذ طابعاً علميا، ولا ترتقي إلى درجة حقائق إلا إذا قامت عليها بينة. قال تعالى: ﴿وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً﴾ [٣٠] . ولعل كل هذا يجعلنا ندرك.. أننا في أشد الحاجة إلى القرآن الكريم. لا لنقرأه في المناسبات والاحتفالات وعندما يموت كبير قوم.. ولا لنردده بين حين وآخر لكسب رضى عواطف بعض الناس.. وإنما نحن في حاجة إلى القرآن لنطبق ما جاء به، ونعمل بتعاليمه وتوجيهاته.. كليا وجزئيا. في جميع الشئون.

стр. 7105

والنظام السياسي في القرآن الكريم، نظام مستقل متميز. لا تنطبق عليه المصطلحات التي تتردد في قواميس السياسة المعاصرة، فهو ليس ديمقراطيا ولا دكتاتوريا، ولا إمبراطوريا، ولا اشتراكيا، ولا رأسماليا. "وليس مما يرفع شان الإسلام أن نطلق عليه مثل هذه الأسماء والمصطلحات لأن الإسلام نظام متميز مستقل له من مبادئه ونظمه في السياسة والحكم ما يستطيع أن يفاخر به سائر الأنظمة التي عرفها الإنسان" [٣١] . والواقع أننا لسنا في حاجة إلى الدخول في تجارب أنظمة البشر لأن هذه المذاهب عجزت عن حل مشاكل الناس.. وعلينا أن نجرب الحكم بالقرآن، ونمشي بنظام سياسة الإسلام.. وفي ذلك النجاح. كل النجاح، والفلاح كل الفلاح.. ولعلنا نبدأ في التجربة بدلا من التخبط في المنطق الجدلي ((الديالكتيك)) والتحليل المادي للتاريخ. وحتمية الصراع الطبقي. إن النظام الإسلامي يقوم على أساس الإيمان بالله، ويستمد نظرته إلى الكون والإنسان والحياة كلها من هذا الإيمان. -------------------------------------------------------------------------------- [١] الحجر: الآية رقم ٩. [٢] انظر: الثقافة الإسلامية من بعض زواياها ص٦٩ طبع كراتشي ((مجموعة بحوث نشرتها الأمانة العامة لمؤتمر العالم الإسلامي)) . [٣] انظر: التاج الجامع للأصول. الجزء الأول ص١٤. رواه البخاري ومسلم. [٤] انظر: أطوار الثقافة والفكر. للأستاذ علي الجندي وآخرين. ص٣٣٧ طبع الأنجلو مصرية. [٥] سورة آل عمران: الآية رقم ١٠٣. [٦] انظر: تفسير المنار. الجزء الرابع. ص٢٠ الطبعة الأولى. [٧] راجع: تفسير القرآن. للقرطبي. الجزء الرابع ص١٥٩. [٨] سورة المائدة. الآيتان ١٥، ١٦. [٩] انظر: تفسير المنار للشيخ رشيد رضا. الجزء السادس ﷺ ٤٠٣. [١٠] سورة الأنبياء: الآية رقم ٣٠.

стр. 7106

[١١] سورة هود: الآية رقم ٤٩. [١٢] سورة الروم: الآيات ٢، ٣، ٤. [١٣] سورة النساء: الآية رقم ٨٢. [١٤] انظر: في ظلال القرآن. للشهيد سيد قطب. الجزء الخامس ص١٦٧ إلى ١٦٩. [١٥] انظر: في ظلال القرآن. للشهيد سيد قطب. الجزء الرابع ص١٩ الطبعة الخامسة. [١٦] سورة الإسراء: الآية رقم ١٢. [١٧] سورة النحل: الآية رقم ٨٩. [١٨] سورة الزمر: الآية رقم ٢٣. [١٩] سورة المائدة: الآيتان رقم ٤٨، ٤٩. [٢٠] سورة النساء: الآية رقم ٥. [٢١] سورة البقرة: الآية رقم ٢٣٣. [٢٢] سورة النساء: الآية رقم ٧. [٢٣] سورة المائدة: الآية رقم ٤٥. [٢٤] سورة النور: الآية رقم٤ [٢٥] سورة الأنفال: الآية رقم ٦١. [٢٦] سورة الأنفال: الآية رقم ٥٨. [٢٧] سورة البقرة: الآية رقم ١٩٠. [٢٨] سورة الأنفال: الآيتان رقم ١٥، ١٦. [٢٩] سورة النساء: الآيتان رقم ٥٨، ٥٩. [٣٠] سورة الإسراء: الآية رقم ٣٦. [٣١]_ معالم الثقافة الإسلامية: للدكتور عبد الكريم عثمان الطبعة الثالثة ص١٧٣.

стр. 7107

ثمار من غرس النبوة القائد الشاب لفضيلة الشيخ محمد الشال وتأهب الحجيج القضاعي للسفر إلى مكة فأعدوا الرواحل وتزودوا للرحلة. وحانت ساعات الوداع وشخصت الأبصار إلى حارثة بن شراحيل وأخيه كعب، وفيها دمعات حبسها الإشفاق على الوالد الحزين الذي لا يزال في هم موصول ينفث حزنه المكبوت في قوله: بكيت على زيد ولم أدر ما فعل أحيٌّ فيرجى أم أتى دونه الأجل ويا ليت شعري هل لك الدهر أوبة فحسبي من الدنيا رجوعك لي بجل سأعمل نص العيس في الأرض ولا أسأم التطواف أو تسأم الإبل ويطرق الركب المودع بالرءوس حتى لا تقع عين حارثة على الدموع المنهمرة فيزداد به الحزن ويبرح به الألم. ويتهامسون بالتحية تعلوها الزفرات ويأخذون طريقهم إلى مكة ينصون عيسهم في الدروب والوهاد. وهم يرددون نشيد الوالد الحزين لعل الريح تحمل صداه إلى مكان زيد. ولكنه يضيع في جوانب الصحراء. ويستمر الركب في إنشاده حتى يصل إلى مكة ويطوف بالبيت ويلتقي بزيد ويسمعه نفثات أبيه ويجيب الغريب النائي بقوله: أحن إلى أهلي وإن كنت نائيا بأني قعيد البيت عند المشاعر فكفوا من الوجد الذي قد شجاكم ولا تعملوا في الأرض نص الأباعر فإني بحمد الله في خير أسرة كرام معد كابرا بعد كابر ويسأله رهطه عن أمره ويقفون منه على أنه عند محمد ﷺ ويحدثهم زيد عن مكانته عنده ومنزلته في نفسه ... ويؤوب الركب وهو يطوي الصحراء خفافا تستخفه البشرى وتدفعه إلى الجد في السير. ولعل الوالد الحزين كان يستشرف أخبار الركب على أبواب الدروب ومنافذ الطرق.. ويلتقي الآيب بالمقيم ويخبرونه برؤية زيد وينشدونه حنينه. ولعل حارثة لم يطل به المقام حتى ينتهي الركب من حديثه فيمتطي راحلته ويستأنس بأخيه كعب ويسير إلى غايته يستروح رائحة زيد كلما علا نجدا أو هبط واديا.

стр. 7108

ثم يصل إلى مكة ويسأل عن محمد فيدله الناس عليه فيضرع إليه في إشفاق أن يرد عليه ابنه ويأخذ ما شاء من فداء. ولكن محمدا ﷺ يرى سحابة من الحزن الطويل على سمات حارثة وأخيه فيرق له رقة الوالد ويطمئنه على أنه لن يطلب منه مالا ولكنه سيخير زيدا بين المقام والظعن فإن اختاركما فذاك، وإن اختارني فو الله ما أنا بالذي أختار على من اختارني أحدا. فيزيد الرسول ﷺ بذلك على النَّصَف كما قال حارثة وأخوه. ويأتي زيد ويسمع خيار رسول الله ﷺ له، ولشد ما يقع في نفس الوالد وأخيه حينما يسمعان من زيد أنه اختار البقاء على الرحيل ويقولان له أتختار العبودية على أبيك وأمك وبلدك وقومك ولكن الرسول ﷺ يقطع عليهم الحديث العاتب بمكافأة زيد بالإنعام عليه بالحرية والبنوة على عادة قومه إذَّاك. وتهدأ نفس الوالد ويزداد الابن تعلقا بأبيه الجديد. ويشيع في الناس أن محمدا قد تبنى زيدا ويناديه القوم بالبنوة لمحمد. وكان يقيم في بيت الرسول ﷺ حاضنته أم أيمن التي شهدت مولده وهي على سمرتها الحبشية قد أبيض قلبها البياض كله في إخلاص الحب للرسول ﷺ فكانت له أما بعد أمة تحنو عليه حنين الغريب على الغريب فقد اجتمعت لها وله غربة الدار وغربة اليتم. ويدرج الرسول في مدارج الطفولة وقد حرمه القدر من رحمة الأبوة وحنان الأمومة. فتعوضه أم أيمن ما استطاعت بحنانها وحبها ويخلص لها الرسول ﷺ الحب ويناديها يا أمي، ثم يزوجها من متبناه زيد فيجمع بهذا الزواج بين قلبين قد أخلصا له الحب ومحضا له الوفاء.

стр. 7109

وتنجب أم أيمن أسامة وقد ندبه عرق لأمه ففيه سمرتها وفيه شبهها ويشب الوليد بين يدي رسول الله ﷺ فيسبغ عليه حبا غامرا يزيد على حب والديه ويحمله بين يديه ويداعبه مداعبة الأبوة الرحيمة على الطفولة المرموقة ويرضى فيه رغبة الأبوة بعد أن فقد أبناءه أطفالا ويعثر أسامة يوما بين يدي رسول الله ﷺ ويسيل دمه فيمسحه الرسول ويضمد جراحه ثم يكفكف دمعه ولا يزال يمازحه حتى ينسيه ألمه.. ثم لا يزال أسامة في رعاية الرسول ورعاية والديه حتى يهاجر الرسول ﷺ ويهاجروا معه إلى أن يؤمر أباه على جيش ذاهب إلى تخوم الشام ليدفع بوادر الشر التي ظهرت من ولاة الرومان. ويستشهد زيد في مؤته ويرجع الجيش ولا يرجع زيد. وينظر الرسول ﷺ إلى أسامة وقد أصابه اليتم فيزداد عليه حدبا وله محبة. ويعرف أسامة وقد أصبح أهلا للمعرفة أن أباه قد قتله الرومان في البلاد النائية. ويغدو أسامة ويروح لا يسمع لأبيه صوتا ولا يرى له شخصا وتتوق نفسه إلى أن يذهب إلى تخوم الشام لعله يلتقي بمن قتلوا أباه ولعله إن التقى بهم وأظهره الله عليهم يقتص لأبيه القصاص العادل وينتصف للإسلام انتصاف المظلوم ولعله أظهر هذه الرغبة للرسول ﷺ ولكن الرسول يشفق عليه لحداثة سنه فلم يكن قد أتم العقد الثاني من عمره.. ولعل أسامة استمر ينشد بغيته. ويرى الرسول ﷺ من أمره الجد ويعلم أنه أصبح أهلا للإمارة كما أن أباه كان أهلا لها وينادي الرسول ﷺ عام وفاته بتأهب المهاجرين والأنصار للحرب. وقد استمر بغي الرومان على رسل المسلمين ولم يكف شرهم جيش زيد ولا جيش الرسول من بعده. ولو تركوا لساورتهم أنفسهم بغزو المسلمين في المدينة.

стр. 7110

ويستجيب كبار المهاجرين والأنصار لدعوة الرسول ﷺ ويعدون عدتهم ثم يتطلعون للقيادة. ويتقدم الرسول ويقلد أسامة على حداثة سنه الإمارة ويسمع همسا خافتا أن غيره أولى منه بأمارة الجيش وأحق منه بقيادته. وينادي الرسول ﷺ نداء يحبس هذه الهمسات في الصدور فيقول "وأيم الله إنه لخليق بالأمارة وأن كان أبوه لخليقا بها.." ويتولى أسامة إمرة الجيش وينزل المسلمون على أمر الرسول ﷺ ولكن الجيش لا يكاد يبدأ السير حتى يمرض الرسول وينتظر الجيش وأميره ليقفوا على الأنباء ولا يطول الانتظار فيلقى الرسول ربه.. ويؤول الأمر لأبي بكر. وتظهر الهمسات المكبوتة وتصل إلى أبي بكر في رجاء من عمر أن يعزل أسامة ويولي غيره.. ولكن أبا بكر لا يعزل قائدا ولاه الرسول ويأمر الجيش بالمسير ويأمر أميره الشاب بالركوب ويأخذ أبو بكر بلجام فرس أسامة ويسير ماشيا ليغبر قدميه ساعة في سبيل الله حتى لا يبقى لمعترض إثارة من خوف وحتى يخرج الجيش إلى غايته وهو راض عن قائده.. وتضيع الهمسات على الشفاه فلا يسمع لها صوت ولا يتردد لها صدى. ولقد عرف الرسول ﷺ وكذلك أبو بكر ﵁ أن لأسامة غاية وثأرا، أما غايته فهي نشر راية الإسلام على ربوع الشام ورد كيد أعدائه.. وأما ثأره ففي مؤته حيث تخضب ثراها بدماء أبيه. ولذلك أمره الرسول أن يصل إليها ويقف على الثرى الذي روي بالدماء الزكية من أبيه ورفاقه في القيادة يستروح رائحتهم وهي عابقة بالمجد معطرة بالإيمان. ولقد وقف أسامة موقف أبيه وجاء إلى البلد الذي استشهد فيها فأخذ له بثأره وردع من وقفوا في سبيل الدعوة الناشئة.. وانقلب بنصر حقق أمل الرسول فيه وأرضى أصحاب الهمسات وغيرهم ورسم لهم منهج الاعتماد على الشباب ووضعهم في مصاف القيادة إذا ما آنسنا منهم نضجا أو كانت لهم ثارات.
следующие страницы →