Полный текст (23 804 стр.). Показаны 7316–7355 · переход к 7321.
стр. 7316
ما نفى الأصلُ أو نفته الأصول
فأجابوا , وناظروا وإذا العلم
لديهم هو اليسير القليل
هذا ولم يقصر الشيخ الأفريقي استفادته وتلقيه من دار الحديث فقط بل كان يتردد على الحلقات العلمية في المسجد النبوي، والمسجد النبوي جامعة من الجامعات وموضع إعداد القياديين من رجال العلم والفكر، وأرباب الشهامة والكرامات من عهد رسول الله ﷺ إلى يومنا هذا، وكان يومها يعج بالطلاب الذين ينهلون من المورد الصافي، ويتزودون من ميراث النبوة ما يحيي قلوبهم ويهذب أخلاقهم، وتقر به عيونهم ونفوسهم.
وقد ظل المسجد إلى عهد قريب هو المدرسة لكل العلوم، وكانت أسطواناته وسواريه مسنداً لظهور العلماء والفقهاء، والمحدثين والمفسرين يتحلق حولهم الطلاب، وينهلون من علمهم وفقههم العديد من الطبقات وعلى مختلف الأعمار والفئات.
يتجول المرء في المسجد ليستمع إلى تلك الدروس ومتى أصغى إلى شيخ وأعجب من أسلوبه، وتمكن من الفهم منه جلس مع الملتفين حول الشيخ وأخذ ما شاء الله له من الفوائد وانصرف.
وللصبية الصغار حلقات وكتاتيب عند مدخل المسجد النبوي أذكر منها كتاب الشيخ التابعي والشيخ الرحالي، والشيخ مولود، والعريف بن سالم والعريف مصطفى والعريف جعفر فقيه, وغيرهم. وكل كتاب منها يعتبر مدرسة تتكون من عدة مراحل دارسية لدراسة القرآن الكريم، وبعض المبادئ الدينية، والأذكار النبوية التي ينبغي أن يلم بها المسلم.
أما تدريس الصغار للعلوم الشرعية فإن على الآباء أن يختاروا لأبنائهم الفقيه الذي يختارونه لذلك سواء كان التعليم في البيت أو المسجد ما داموا صغاراً، فإذا بلغ السن التي تؤهله لحمل الكتاب، ومزاحمة الرجال انتقل الأبناء إلى حلقات المسجد، وبذلك تكون رابطة الفرد بالمسجد وعلاقته به من الصبا إلى ما شاء الله.
стр. 7317
وقد ورد في الحديث ما يدل على أن التعلم والتعليم في المساجد من أفضل القربات، من ذلك ما روى أحمد وأبو داود عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "من دخل مسجدنا هذا ليتعلم خيراً أو ليعلمه كان كالمجاهد في سبيل الله، ومن دخل لغير ذلك كان كالناظر إلى ما ليس له".
وأنت خبير بقصة الثلاثة الذين دخلوا المسجد ورسول الله ﷺ جالس فيه مع أصحابه فأقبل أحدهم، واستحى الثاني, وأعرض الثالث، فأعرض الله عنه, وقصة دخوله ﷺ المسجد مرة وإذا بحلقة علم وحلقة ذكر فجلس مع أهل العلم، وقال: "إنما بعثت معلماً", ناهيك عن خطب النبي ﷺ فيه للجُمع وبعض المناسبات.
ويذكر العلماء أن تميماً الداري استأذن عمر ﵄ أن يقص في المسجد فأذن له عمر، واستمع ابن عمر وابن عباس إلى عبيد بن عمير في المسجد، وكان معاذ يستند إلى سارية في مسجد دمشق، وتلتف الناس حوله ليقص عليهم.
أما الاشتغال بالتذكير والفتوى في المساجد والدور بالمناسبات فقد حصل من العديد من أصحاب رسول الله ﷺ وغيرهم من التابعين وتابعيهم تولى بيان ذلك العلماء الذين عنوا بأخبار القصاص والوعاظ والمذكرين.
أقول: لذا فإن الشيخ الأفريقي رحمة الله علينا وعليه قد وجد ميراث النبوة وافراً بالمسجد النبوي، ووجد أساطين العلماء، وكبار المربين منتشرين فيه, ووجد العلم ثرا في الروضة اليانعة به. وقد قال رسول الله ﷺ : "إذا مررتم برياض الجنة فارتعوا"قالوا: "يا رسول الله وما رياض الجنة؟ "قال: "حلق العلم".
فخاض الشيخ الأفريقي فيه ورتع، وأخذ من الثمار ما قدر له وكان للإخلاص والتقوى مفعولهما بعد توفيق الله وهو يقول: ﴿وَاتَّقُوا اللهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللهُ﴾ (البقرة: ٢٨٢) .
شيوخه وتلاميذه:
стр. 7318
لقد لازم الشيخ ﵀ علماء أفذاذاً في المسجد النبوي وبدار الحديث، أخص منهم بالذكر شيخه الأول سعيد بن صديق، والشيخ ألفا هاشم، والعلامة المصلح السلفي واللغوي محمد الطيب بن إسحاق الأنصاري، شيخ شيوخ المدينة وعلمائها وأدبائها في أوساط هذا القرن والمتوفى عام ١٣٦٣ هـ. قرأ عليه في المسجد النبوي التفسير والحديث، وعلوم الآلة, وكان الشيخ الأنصاري حفياً به ومقرباً له, معجباً من حرصه وإخلاصه وتحرر عقله في المناقشة والاستدلال، وخاصة في الحديث.
ولازم كلاًَ من الشيخ يونس بن نوح الأفريقي، والعلامة الجليل السلفي الورع الزاهد الشيخ صالح الزغيبي الذي كان إماماً للمسجد النبوي قرابة ربع قرن لم يتخلف طيلة هذه المدة عن الإمامة إلا مرتين أو ثلاث.
وتلقى على كل من الشيخ محمد سلطان المعصومي الأفغاني، والشيخ محمد سلطان المعصومي الأفغاني, وكان نادرة في معرفة الحديث وعلومه، وقرأ على زميله الشيخ محمد بن علي الحركان النحو والصرف، وعلى الشيخ محمد بن علي شويل الحديث وعلومه, وتردد على حلقات الشيخ إبراهيم بري، والشيخ محمد حميدة، والشيخ أحمد البساطي، والشيخ صالح الفيصل التونسي، والعلامة المحدث الشيخ محمد علي اللكنوى.
هذه بعض الدوحات التي استظل تحت ظلها، وجنى من ثمارها، وكرع من سلسبيل أنهارها، أما تلاميذه فكثيرون في الشرق والغرب وهنا وهناك, وفي العديد من القارات، فلقد نفع الله به نفعاً كبيراً في تدريسه بالمسجد النبوي، وفي مدرسة دار الحديث المدنية، وفي ينبع النخل حينما اختاره جلالة الملك عبد العزيز آل سعود ﵀ ليقوم بها داعية متجولاً في جميع قراها عام ١٣٦٤هـ.
стр. 7319
وفي الرياض عندما كان مدرساً بالمعهد العلمي، وفي مسجد سماحة الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ ﵀، وفي كلية الشريعة بالرياض، وفي منزله الذي كان مجمعاً للضيوف الذين لا يأخذ على قراهم أجراً، وإنما كانوا يقصدونه لأنه يجيد بعض لغاتهم الأفريقية, ويجيد اللغة الفرنسية.
ولأمر ما دعا النبي ﷺ زيداً أن يتعلم العبرية, وكان يقصده بالذات المثقفون لما يجدون فيه من قبول للمناقشة والبحث، والفهم والوعي، والعلم والحلم، والصبر على الإيرادات التي يوردونها عليه ولا يجدون منه ضجراً ولا مللاً أو سباباً أو شتماً, وإنما كان يأخذهم كما يأخذ المنقذ الغريق الذي إن لم يحتل عليه أهلك منجده.
وهنا ينبغي للداعية أن يعلم أن أسلوب الفظاظة والغلظة والجفاء والشدة لا يسعد على خدمة الدعوة، وإنما يؤدي إلى العكس, لذا قال الله تعالى لنبيه ﷺ : ﴿وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾ (آل عمران:١٥٩) ، وقال: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾ (الأعراف:١٩٩)
ولا أريد هنا أن أعدد أسماء طلابه المبرزين, أو أشيد بأعمالهم وآثارهم وأذكر مناصبهم ومكانتهم الاجتماعية فإن ذكر ذلك لا يغني فتيلاً ولا ينفع نقيراً، ولا يزيد من قدر الشيخ ﵀ شيئاً.
ولكني أسأل الله جل وعلا أن يبارك فيهم وفي علومهم، ويزيد من صلاحهم وتوفيقهم، وينفع الإسلام والمسلمين.
صفاته وأخلاقه:
стр. 7320
ولقد وعدت في مطلع حديثي أنني لا أبالغ في المدح والوصف والثناء كما يفعل عادة عندما يصف التلميذ شيخه, ولذا فإنني ههنا أذكر إلمامة صغيرة عن الجوانب التي أختار الكتابة عنها, وأعتقد أنني لست بالمبالغ أو المتزيد إذا سلكت الشيخ في عداد المصلحين في هذا القرن، فقد كان معلماً بارعاً، ومصلحاً وهب نفسه وفكره، وأذوى ناضر شبابه، وسلخ عمره في مجال الخير, وكان رحمة الله علينا وعليه قد أعطي بسطة في الجسم كما أعطيها في العلم، أسمر ممتلئ الوجه متلألأة, لا ترى العبوس في وجهه, لين العريكة, يحرص في جميع شؤونه أن يسير سير المصطفى ﷺ .
وكان في منتهى الذكاء واللباقة, شجاعاً في الحق صبوراً على الأذى في سبيل الله، حكيماً في أحاديثه أديباً في مجلسه، لطيفاً في أسلوبه، سهلاً في تعليمه ومعاملته، مشجعاً للمجدين من طلابه في ألفاظ يرسلها كأنها سهام تنفذ إلى القلوب، يؤدب في شفقة وبشاشة وإيناس، ضليعاً في علم الحديث ومصطلحه, داعية لطلابه إلى اعتناق منهج الانطلاق الفكري في البحوث المقيدة بميزان الشريعة.
رجاعاً إلى الحق، مثيراً طلابه على ملازمة الطاعة والعبادة، عزيزاً في نفسه، ويغرس بذور العزة والكرامة في نفوسهم.
وأذكر أنه كان يسألهم تارة بمناسبة أيام الخميس والاثنين عمن صامهما تطوعاً، وعمن قام شيئاً من الليل غير الفريضة, فإذا أجابوا بالنفي ندب حال طلاب العلم في هذا الزمان.
أما جوده وكرمه وطيبته وحسن طويته، وحبه إسداء الخير للمحتاج فحدث عن ذلك ولا حرج.
وقبل أن أنهي الكلام على ما يتعلق بصفاته وأخلاقه أقرأ على مسامعكم هذه النماذج باختصار:
стр. 7321
١ – وافق أنني تخلفت عن حج عام ١٣٦٧ هـ ولما كان يوم عيد الأضحى رأيت أن أتناول طعام الغداء في منزل الشيخ، ووافق أنّ كثيراً من الطلاب ذهبوا للحج، فدخلت عليه والطعام بين يديه, ومعه أولاده, وعندما ألقيت السلام رفع رأسه وقال من غير تأمل أو تفكير: "الحمد لله الذي لم يُرني اليوم الذي آكل فيه وحدي ومع أولادي فقط"..
٢ – جاء في نظام أعمال دار الحديث التي وضعها دليلاً لدار الحديث بعد أن آل أمر نظارة مكتبتها وإدارة مدرستها إليه، وفي الفقرة (خ) وقع في خارطة البناء شقة للناظر أعلن من يومي هذا وأنا الناظر حالياً أنني متنازل عن سكناها لتسكنها أسرة الشيخ أحمد الدهلوي المؤسس، وأطلب ممن تولى النظارة بعدي من أبنائي وأحبابي أن يدعوا سكناها للمذكورين ما دام شرط النظارة لا ينطبق عليهم.
٣ – شج رجل فقير معاند مخالف للشيخ في العقيدة رأس ابن الشيخ انتقاما من أبيه, وقامت السلطات بسجن الجاني, فحاول الشيخ أن يشفع في فك سراحه فلم يفلح، ولما كان آل الرجل محتاجين إلى من يعولهم أمرني ﵀ بالإنفاق عليهم إلى أن يطلق سراح عائلهم، ولما علم الرجل ذلك رجع إلى نفسه، وثاب إلى رشده وكان سبباً لقبوله الحق.
أردت أن أضع هذه النماذج الثلاثة أمام السامع من غير تعليق عليها خشية أن أطيل فيكون الملل.
ولقد اشتغل منذ عام ١٣٦٠هـ بالتدريس في المسجد النبوي وبمدرسة دار الحديث المدنية إلى عام ١٣٦٤هـ حيث انتدب للوعظ والإرشاد بمدينة ينبع النخل، وعاد منها في عامه بعد أن أمضى فيها ثمانية شهور أسس خلالها قواعد متينة، وأشاد بنياناً راسخاً في العقيدة هناك. وأزال كثيراً من البدع والمنكرات، باللطف والحكمة والموعظة الحسنة. وربض في دار الحديث ليثبت أركانها، ويدعم بنيانها، ويعمر جوانبها بالعلم النبوي.
стр. 7322
وأشهد بالله تعالى أنه كان يجلس للتدريس من الساعة الثانية صباحاً على وجه التقريب، إلى أذان الظهر جلسة واحدة لا يتخللها كلل ولا ملل, ثم يعود بعد صلاة الظهر ليعقد درساً لبعض الطلاب الذين يشغلهم الضرب في الأسواق صباحاً، وبعد صلاة العصر يرتاد بيته طلاب آخرون للتحصيل والتعلم، وبعد صلاة المغرب وصلاة العشاء يقوم بالدرس العام بالمسجد النبوي, وكانت حلقته تجمع الخليط من الطبقات الصغار والكبار، والمتفرغين لطلب العلم، والراغبين في الانتفاع من العوام وكان الجميع يكرعون وينهلون ويردون ويصدرون، لأن الله حبى الشيخ شفافية النفس، وعظيم الإخلاص، والخلق وسهولة الأسلوب، مع قوة الاقناع فاستفاد منه الكثيرون من المقيمين والحجاج.
أما دار الحديث فقد أخصبت وأفرغت وأربعت ثم ازهرت وأينعت إبان قيامه بإدارتها والتدريس فيها. وصدق عليها ما قال القائل عن دار الحديث النووية بالشام:
وفي دار الحديث لطيف معنى..
وتخرج منها طلاب انتشروا في العديد من البلاد، وأصبحوا قادة في الفكر والعلم ودعاة إلى الحق, وهداة إلى سبيل الله.
وفي أواخر عام ١٣٧٠هـ اختاره جلالة الملك عبد العزيز ليكون ضمن المدرسين في المعهد العلمي بالرياض، ثم بكلية الشريعة فكان يمكث بالرياض مدة الدراسة ويقضي عطلة الصيف بالمدينة المنورة ليشرف على أعمال دار الحديث، ويواصل تدريسه بالمسجد النبوي الذي كان يتمنى أن يكون بجوار معظم سواريه طلاب يعقلون عن الله، وعن رسول الله ﷺ ويقومون بتبليغ رسالة الله.
هذه صورة مبسطة من حياة رجل عالم جليل أدى ما عليه. وهكذا تصنع الرجال الأمجاد وكأنما يريدون أن يعالجوا الزمن بنفوسها الكبيرة، وهممها العالية والله من وراء القصد.
مؤلفاته:
стр. 7323
هذا ولما كان التأليف صنوا للتدريس والتبليغ في مجالات الإصلاح فقد قام الشيخ ﵀ بتأليف بعض من الكتب النافعة, أرى أن أوجز ما تضمنته فيما يلي:
١ - من اتصاله بالكثير من الحجاج الأفارقة تأكد أن الطريقة التيجانية المنسوبة إلى الشيخ أحمد التيجاني قد انتشرت في تلك البلاد، وتضاربت أقوال الناس فيها، وعمت بلاد أفريقيا موجة من الاختلاف في شأن هذه الطريقة، وفشا بين العامة منهم أن من لم يعتنق الطريقة التيجانية فليس من الإسلام في شيء.
وكان منزل الشيح ﵀ منتدى يجتمع فيه الحجاج من غالب البلاد التي يحتلها الفرنسيون قبل أن يقسم إلى جمهوريات متعددة، ويقصده المثقفون منهم بالذات، لأنه يجيد اللغة الفرنسية، ويشرح لهم بواسطتها ما يحتاجون إليه من أمور دينهم. وكثيراً ما كان يدور النقاش والاستفسار عنها. فعكف ﵀ على دراسة كتبها، والوقوف على حقيقة ما فيها من مراجعها وأصولها. وخلص من ذلك إلى تأليف رسالته التي بارك الله فيها - كانت سبباً لوعي الكثير من الناس لسهولة أسلوبها وخلوص نية صاحبها، والتركيز على نقاط حساسة هامة جعلت العامة تقف على بعض المعتقدات التي لا يعرفها إلا الخاصة من أهل الطريقة - أسماها (الأنوار الرحمانية لهداية الفرقة النجاتية) .
وقبل أن أوجز الكلام عن فصول الرسالة يناسب التعريف بالشيخ أحمد التيجاني الذي نسبت إليه هذه الطريقة، وببعض مصادرها. فهو أحمد بن محمد بن المختار بن أحمد بن سالم الشريف التيجاني, ولد عام خمسين ومائة ألف من الهجرة. بعين ماضي, ونشأ بها، وارتحل لفاس علم إحدى وسبعين ومائة وألف وتوفي بها عام ١٢٣٠هـ.
قال الشيخ محمد الحافظ التجاني المصري المعاصر في ترجمة له للشيخ:
стр. 7324
"وما زال ﵁ منذ تولى رسول الله تربيته بالروح يسمو ويرقى حتى بلغ مقام القطبانية العظمى، ثم وصل إلى مقام الولاية المعروف عند الأولياء بالخيمة عام أربعة عشر في القرن الثالث عشر"اهـ.
ومن أشهر ما ألف من الكتب في هذه الطرقة هو كتاب جواهر المعاني للشيخ علي حرازم، وكتاب الرماح للشيخ عمر الفوني، وكتاب الإفادة الأحمدية لمريد السعادة الأبدية، للشيخ محمد الطيب الشهير بالسفياني والمتوفى عام ١٢٥٩هـ وهو من خاصة الخاصة من أصحاب الشيخ أحمد التجاني.
وبمناسبة ذكر كتاب الإفادة وهو كتاب لا تزيد صفحاته عن ٨٤ صفحة أورد لك نبذة مما جاء فيه: قال الشيخ السفياني في مقدمة الكتاب.. وبعد.
فأول ما يعتني به بعد كلام مولانا رسول الله ﷺ كلام المشايخ ﵃ إذ هم خلفاؤه المغترفون من فيض بحره، ونوابه المقتطفون من أزهار حدائق سره، وأولى ذلك عندي جمع كلام شيخ الشيوخ، ومعدن الثبات والرسوخ، قطب الأمة المحمدية، وخليفته عن الرحمة الربانية أبي العباس مولانا أحمد بن محمد التجاني إلى أن قال:
"ولقد تلقيت جله مشافهة منه، والباقي ممن أثق به، وأروي عنه، وحملني على تقييده، خوف الدرس والضياع لينفع الله به من أراد"ا. هـ.
وإليك بعض النماذج مما في الإفادة الأحمدية المطبوعة بالمطبعة الخيرية عام ١٣٥٠ هـ بتعليق الشيخ محمد الحافظ التجاني الذي سبقت الإشارة إليه لتحكم على ذلك بما أراك الله فإن في صفحة (٧) :
"أقول لهم كما قيل في علي بن أبي طالب ﵁ هو قسم ( [٢] ) النار من أحبنا يقال له أدخله الجنة، ومن أبغضنا ومات دخل النار"..
"أكابر أقطاب هذه الأمة لا يدركون مراتب أصحابي، أعطانا ذلك رغماً عن أنوفكم"صفحة (١٠) .
"أصحابي ليسوا مع الناس في الموقف بل هم مكتنفون في ظل العرش"صفحة (١٥) .
стр. 7325
"أمرني ﷺ بجمع كتاب جواهر المعاني وقال لي كتابي هو وأنا ألفته"صفحة (١٩) .
"ثلاثة تقطع التلميذ عنا أخذ ورد عن وردنا، وزيارة الأولياء، وترك الورد"صفحة (٣١) .
"ذكر ليلة الجمعة مائة من صلاة الفاتح لما أغلق.. الخ بعد نوم الناس يكفر أربعمائة سنة"صفحة (٣٥) .
"طريقنا طريق محض الفضل أعطاها لي ﷺ منه إليّ من غير واسطة"صفحة (٣٦) .
"طائفة من أصحابنا لو اجتمع أكابر أقطاب هذه الأمة ما وزنوا شعرة من بحر أحدهم"صفحة (٤٠) .
"كل الشيوخ أخذوا عنا من عصر الصحابة إلى النفخ في الصور"صفحة (٤٠) .
"كل من عمل عملاً وتقبل منه فرضاً كان أو نفلاً يعطينا الله ﵎ ولأصحابنا على ذلك العمل أكثر من مائة ألف ضعف مما يعطى صاحبه"صفحة (٤٣) .
"من حلف بالطلاق أنه جالس مع المصطفى ﷺ في الوظيفة فهو بار في يمينه، ولا يلزمه طلاق"صفحة (٥٤) .
"نهاني ﷺ عن التوجه بالأسماء وأمرني بالتوجه بصلاة الفاتح لما أغلق"صفحة (٥٧) .
"قدماي هاتان على رقبة كل ولي لله تعالى من أول نشأة العالم إلى النفخ في الصور"صفحة (٦٢) .
"يوضع لي منبر من نور يوم القيامة، وينادي منادى حتى يسمعه كل من بالموقف يا أهل الموقف، هذا إمامكم الذي كنتم تستمدون منه في دار الدنيا من غير شعور منكم"صفحة (٧٤) .
هذا الكلام وأمثاله هو ما حفز الشيخ ﵀ بتأليف رسالته (الأنوار الرحمانية) نصحاً للأمة الإسلامية، وقمعاً للبدعة، وإعلاماً بأن ما لم يكن ديناً في الصدور الأول لا يكون اليوم ديناً. وقد حرص رحمة الله علينا وعليه على أن تكون الرسالة سهلة الأسلوب، صغيرة، واضحة الهدف، مبيناً فيها ما ينكره أهل السنة على أهل هذه الطريقة مشيراً إلى رقم الصفحة من كتب القوم ليبين كل مسلم غيور تلك المعتقدات. وأكتفي بذكر عشر عقائد منها:
стр. 7326
الأولى: أن هذا الورد ادخره رسول الله ﷺ للشيخ أحمد ولم يعلمه أحداً من الصحابة.
الثانية: أن المرة الواحدة من صلاة الفاتح تعدل كل تسبيح وقع في الكون، وكل ذكر، وكل دعاء, كبيراً كان أو صغيراً، وتعدل قراءة القرآن ستة آلاف مرة.
الثالثة: من لم يعتقد أن صلاة الفاتح من القرآن لم يصب الثواب فيها.
الرابعة: وضع لي منبر من نور يوم القيامة ... الخ.
الخامسة: لا تقرأ جوهرة الكمال إلا بالطهارة المائية.
السادسة: نهاني رسول الله ﷺ عن التوجه بالأسماء الحسنى.
السابعة: أن ولياً وذكر اسمه كان كثيراً ما يلقى النبي ﷺ ويعلمه الشعر.
الثامنة: من حصل له النظر فينا يوم الجمعة والاثنين يدخل الجنة بغير حساب.
التاسعة: أنهم يأخذون عن الله ورسوله الأحكام.
العاشرة: أن الشرط في طريقتهم أن لا يلقن لمن له ورد من أوراد المشايخ إلا إن تركه، وانسلخ عنه لا يعود إليه أبداً.
وقد أجاب على كل مسألة من هذه المسائل بما أغنى وأشفى, وقد طبعت هذه الرسالة عدة مرات آخرها الطبعة الرابعة التي تولت الجامعة الإسلامية نشرها عام ١٣٩٤ هـ جزاها الله أفضل الجزاء.
كما أنه قد قام بالرد على هذه الطائفة جماعة من أهل العلم أذكر منهم العالم الجليل مفتي المالكية بالمدينة سابقاً الشيخ محمد الخضر بن سيدي عبد الله بن ما يابي الشنقيطي في كتابه (مشتهى الخارف الجاني في رد زلعات التجاني الجاني) بلغت صفحاته أربعمائة صفحة.
وفضيلة الدكتور ممد تقي الدين الهلالي في رسالته الهدية الهادية، والتي بلغت صفحاتها ٨٠ صفحة تقريباً، وقد ألف جماعة من علماء أفريقيا الغربية رسائل تضمنت الرد على معتقدات هذه الطائفة منها ما جرى الاطلاع عليه، والبعض لم أطلع عليه حتى الآن.
стр. 7327
أما رسالة الشيخ ﵀ الثانية فهي (جواب الأفريقي) ، وهي رسالة لطيفة بلغت صفحاتها ستين صفحة، أجاب فيها على سبع عشرة مسألة, وردت إليه من بلاد مليبار عام ١٣٦٦هـ وهي:
إذا مات الميت ماذا يفعل له أهله، وما يقولون حين يمشون بالجنازة، وإذا مات الأب ماذا يفعل الأولاد من الخير والصدقات، وقراءة القرآن وهل ينفعه ويصل إليه أم لا؟ إذا صلوا الفرض هل لهم أن يجلسوا في مصلاهم للدعاء؟ والإمام يدعو وهم يؤمنون, وعن القنوت في صلاة الصبح, وعن صلاة التراويح كم ركعة هي, وعن مجالس الوعظ والإرشاد في المساجد وعن قراءة المولد للنبي ﷺ , وهل يتصدق ويجعل ثوابه للنبي وما هي محبته ﵊. وهل لعيسى ﵇ أب أم لا وهل هو حي الآن أم لا؟
ولما عرج بالنبي ﷺ إلى السماء هل كان بجسده أو روحه، وهل يجوز التداوي بالحرام، وهل يجوز للمسلم أن يكون مذهبياً أم لا. وما هي السنة في صيام التطوع.
وهي مسائل كما سمعت هامة وجليلة تولى الإجابة عليها بما وفقه الله مستدلاً بالكتاب والسنة وذكر بعض أقوال العلماء.
أما كتابه الثالث فهو: توضيح الحج والعمرة، كما جاء بالكتاب والسنة. وقد بلغت صفحاته ١٢٠ صفحة فرغ من تأليفه ليلة الثلاثاء من شهر صفر عام ١٣٦٧هـ.
وأكتفى في تلخيصه بما ذكره مصححه والمشرف على طبعه: فضيلة الشيخ محمد علي عبد الرحيم رئيس جماعة أنصار السنة المحمدية حالياً عند تصدير الكتاب حيث قال:
"مصدر يشرح قواعد الإسلام الخمس، وما يهم كل مسلم معرفته من الأوامر والنواهي، مع تفصيل محبة الرسول ﷺ والاقتداء به".
وقال: "قرأت الكتاب فألفيته مع صغر حجمه جامعاً لكل ما يهم المسلم معرفته من عقيدة سليمة وعادة صحيحة".
стр. 7328
وقال: "أما عبارات الكتاب فهي في متناول الجميع لا لبس فيها ولا إيهام يتفهمها العام قبل الخاص، ويعقلها المتعلم قبل العالم فجاء جزيل النفع كثير الفائدة".
ولفضيلته ﵀ مجموعة من الفتاوى لم تطبع ومسودات لبعض المذكرات في الحديث والمصطلح ألقاها على طلابه في المعهد العلمي وفي كلية الشريعة بالرياض.
وفاته:
توفي رحمه الله تعالى في ليلة الثلاثاء الموافق ٢٨/٣/١٣٧٧هـ بعد أن انتابته أمراض كثيرة لم تكن سبباً لتوقفه عن الدعوة والجهاد في سبيل الله، بعد خدمة جليلة للسنة شهد له بها القاصي والداني.
وخلف أربعة أبناء، وأربع بنات, لم يكن ﵀ حريصاً على ترك دنيا لهم حرصه على إحياء دار الحديث بالمدينة المنورة، وجعلها شغله الشاغل والتي كان ينوي جعلها كلية للحديث النبوي الشريف في مدينة رسول الله ﷺ ، لكن أدركه الأجل قبل أن تتحقق أمنيته.
وقد حقق الله تعالى إنشاء كلية الحديث في هذه المدينة الطيبة تابعة للجامعة الإسلامية في عام ١٣٩٦هـ نفع الله بها وبقية كليات الجامعة والمعاهد الإسلامية جمعاء, وجعلها معاقل خير لخدمة الإسلام والمسلمين فرحمه الله رحمة واسعة، وأغدق عليه رضوانه، وجعلنا وإياه مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا.
وبعد:.. فإن الله تعالى يقول: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ (آل عمران: ١٨٥) الآية, ويقول: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ﴾ (آل عمران: ١٤٤) .
стр. 7329
ورسول الله ﷺ يقول: "من أحب لقاء الله أحب الله لقاءه، ومن كره لقاء الله كره الله لقاءه", فقالت عائشة ﵂: "إنا نكره الموت", فقال: "ليس ذلك ولكن المؤمن إذا حضره الموت بشّر برضوان الله وكرامته فليس شيء أحب إليه مما أمامه، فأحب لقاء الله وأحب الله لقاءه، وإن الكافر إذا حضره الموت بشّر بعذاب الله وعقوبته فليس شيء أمره إليه مما أمامه وكره لقاء الله، وكره الله لقاءه". متفق عليه.
وروى البخاري ومسلم والنسائي والترمذي وأحمد عن عبد الله بن عمرو ﵄ قال سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إن الله لا يقبض العلم انتزاعاً ينتزعه من الناس، ولكن يقبض العلم بقبض العلماء حتى إذا لم يترك عالماً اتخذ الناس رؤساء جهالاً فأفتوا الناس بغير علم فضلوا وأضلوا".
هذا وليحسن العلماء، وليخلص الطلاب, وبالله التوفيق، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
كتبه: عمر محمد فلاته
--------------------------------------------------------------------------------
[١] ألقيت هذه المحاضرة بقاعة المحاضرات بالجامعة الإسلامية في الموسم الثقافي لعام ٩٧-٩٨هـ.
[٢] المعنى غير واضح وظاهر الكلام غير مستقيم.
стр. 7330
خطر مشاركة المرأة للرجل في ميدان عمله
لسماحة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز
الرئيس العام لإدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسوله الأمين، وعلى آله وصحبه أجمعين أما بعد:
فإن الدعوة إلى نزول المرأة للعمل في ميدان الرجال المؤدي إلى الاختلاط سواء كان ذلك على جهة التصريح أو التلويح بحجة أن ذلك من مقتضيات العصر ومتطلبات الحضارة أمر خطير جداً له تبعاته الخطيرة وثمراته المرة وعواقبه الوخيمة. رغم مصادمته للنصوص الشرعية التي تأمر المرأة بالقرار في بيتها والقيام بالأعمال التي تخصها في بيتها ونحوه.
ومن أراد أن يعرف عن كثب ما جناه الاختلاط من المفاسد التي لا تحصى فلينظر إلى تلك المجتمعات التي وقعت في هذا البلاء العظيم اختياراً أو اضطراراً بإنصاف من نفسه وتجرد للحق عما عداه يجد التذمر على المستوى الفردي والجماعي والتحسر على انفلات المرأة من بيتها وتفكك الأسر، ونجد ذلك واضحاً على لسان الكثير من الكتاب بل في جميع وسائل الإعلام وما ذلك إلا لأن هذا هدم للمجتمع وتقويض لبنائه.
والأدلة الصحيحةالصريحة الدالة على تحريم الخلوة بالأجنبية وتحريم النظر إليها وتحريم الوسائل الموصلة إلى الوقوع فيما حرم الله أدلة كثيرة قاضية بتحريم الاختلاط لأنه يؤدي إلى ما لا تحمد عقباه.
وإخراج المرأة من بيتها الذي هو مملكتها ومنطلقها الحيوي في هذه الحياة إخراج لها عما تقتضيه فطرتها وطبيعتها التي جبلها الله عليها.
فالدعوة إلى نزول المرأة في الميادين التي تخص الرجال أمر خطير على المجتمع الإسلامي ومن أعظم آثاره الاختلاط الذي يعتبر من أعظم وسائل الزنا الذي يفتك بالمجتمع ويهدم قيمه وأخلاقه.
стр. 7331
ومعلوم أن الله ﵎ جعل للمرأة تركيباً يختلف تماماً عن تركيب الرجل هيأها به للقيام بالأعمال التي في داخل بيتها والأعمال التي بين بنات جنسها.
ومعنى هذا: أن اقتحام المرأة لميدان الرجال الخاص بهم يعتبر إخراجاً لها عن تركيبها وطبيعتها. وفي هذا جناية كبيرة على المرأة وقضاء على معنويتها وتحطيم لشخصيتها ويتعدى ذلك إلى أولاد الجيل من ذكور وإناث لأنهم يفقدون التربية والحنان والعطف. فالذي يقوم بهذا الدور وهو الأم قد فصلت منه وعزلت تماماً عن مملكتها التي لا يمكن أن تجد الراحة والاستقرار والطمأنينة إلا فيها وواقع المجتمعات التي تورطت في هذا أصدق شاهد على ما نقول.
والإسلام جعل لكل من الزوجين واجبات خاصة على كل واحد منهما أن يقوم بدوره ليكتمل بذلك بناء المجتمع في داخل البيت وفي خارجه.
فالرجل يقوم بالنفقة والاكتساب والمرأة تقوم بتربية الأولاد والعطف والحنان والرضاعة والحضانة والأعمال التي تناسبها لتعليم الصغار وإدارة مدارسهن والتطبيب والتمريض لهن ونحو ذلك من الأعمال المختصة بالنساء. فترك واجبات البيت من قبل المرأة يعتبر ضياعاً للبيت بمن فيه. ويترتب عليه تفكك الأسرة حسياً ومعنوياً وعند ذلك يصبح المجتمع شكلاً وصورة لا حقيقة ومعنى.
стр. 7332
قال الله جلّ وعلا: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ﴾ (النساء: ٣٤) , فسنة الله في خلقه أن القوامة للرجل على المرأة وللرجل فضل عليها كما دلت الآية الكريمة على ذلك. وأمر الله سبحانه للمرأة بقرارها في بيتها, ونهيها عن التبرج معناه: النهي عن الاختلاط, وهو: اجتماع الرجال بالنساء الأجنبيات في مكان واحد بحكم العمل أو البيع أو الشراء أو النزهة أو السفر أو نحو ذلك، لأن اقتحام المرأة في هذا الميدان يؤدي بها إلى الوقوع في المنهي عنه، وفي ذلك مخالفة لأمر الله وتضييع لحقوقه المطلوب شرعاً من المسلمة أن تقوم بها.
стр. 7333
والكتاب والسنة دلا على تحريم الاختلاط وتحريم جميع الوسائل المؤدية إليه قال الله جلا وعلا: ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللهَ وَرَسُولَهُ إِنَّمَا يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً، وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللهِ وَالْحِكْمَةِ, إِنَّ للهَ كَانَ لَطِيفاً خَبِيراً﴾ (الأحزاب: ٣٤) , فأمر الله أمهات المؤمنين, وجميعُ المسلمات والمؤمنات داخلاتٌ في ذلك، بالقرار في البيوت لما في ذلك من صيانتهن وإبعادهن عن وسائل الفساد لأن الخروج لغير حاجة قد يفضي إلى التبرج كما يفضي إلى شرور أخرى، ثم أمرهن بالأعمال الصالحة التي تنهاهن عن الفحشاء والمنكر، وذلك بإقامتهن الصلاة وإيتائهن الزكاة وطاعتهن لله ولرسوله ﷺ ، ثم وجههن إلى ما يعود عليهن بالنفع في الدنيا والآخرة وذلك بأن يكن على اتصال دائم بالقرآن الكريم وبالسنة النبوية المطهرة اللذين فيهما ما يجلو صدأ القلوب ويطهرها من الأرجاس والأنجاس ويرشد إلى الحق والصواب. وقال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لأزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلا يُؤْذَيْنَ وَكَانَ اللهُ غَفُوراً رَحِيماً﴾ (الأحزاب:٥٩) . فأمر الله نبيه ﵊ -وهو المبلغ عن ربه - أن يقول لأزواجه وبناته وعامة نساء المؤمنين يدنين عليهن من جلابيبهن وذلك يتضمن ستر باقي أجسامهن بالجلابيب وذلك إذا أردن الخروج لحاجة مثلاً لئلا تحصل لهن الأذية من مرضى القلوب, فإذا كان الأمر بهذا المثابة فما بالك بنزولها إلى ميدان الرجال واختلاطها معهم وإبداء حاجتها إليهم بحكم الوظيفة والتنازل عن كثير من أنوثتها
стр. 7334
لتنزل في مستواهم وذهاب كثير من حيائها ليحصل بذلك الانسجام بين الجنسين المختلفين معنى وصورة.
قال الله جلا وعلا: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ, وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلاّ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنّ..﴾ الآية. (النور:٣١) .
يأمر الله نبيه ﵊ أن يبلغ المؤمنين والمؤمنات أن يلتزموا بغض النظر وحفظ الفرج عن الزنا ثم أوضح سبحانه أن هذا الأمر أزكى لهم. ومعلوم أن حفظ الفرج من الفاحشة إنما يكون باجتناب وسائلها ولا شك أن إطلاق البصر واختلاط النساء بالرجال والرجال بالنساء في ميادين العمل وغيرها من أعظم وسائل وقوع الفاحشة. وهذان الأمران المطلوبان من المؤمن يستحيل تحققهما منه وهو يعمل مع المرأة الأجنبية كزميلة أو مشاركة في العمل له. فاقتحامها هذا الميدان معه واقتحامه معها لا شك أنه من الأمور التي يستحيل معها غض البصر وإحصان الفرج والحصول على زكاة النفس وطهارتها.
وهكذا أمر الله المؤمنات بغض البصر وحفظ الفرج وعدم إبداء الزينة إلا ما ظهر منها، وأمرهن الله بإسدال الخمار على الجيوب المتضمن ستر رأسها ووجهها لأن الجيب محل الرأس والوجه، فكيف يحصل غض البصر وحفظ الفرج وعدم إبداء الزينة عند نزول المرأة إلى ميدان الرجال واختلاطها معهم في الأعمال. والاختلاط كفيل بالوقوع في هذه المحاذير. كيف يحصل للمرأة المسلمة أن تغض بصرها وهي تسير مع الرجل الأجنبي جنباً إلى جنب بحجة أنها تشاركه في الأعمال أو تساويه في جميع ما تقوم به.
стр. 7335
والإسلام حرم جميع الوسائل والذرائع الموصلة إلى الأمور المحرمة. وكذلك حرم الإسلام على النساء خضوعهن بالقول للرجال لكونه يفضي إلى الطمع فيهن كما في قوله : ﴿يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ﴾ (الأحزاب: ٣٢) , يعني مرض الشهوة, فكيف يمكن التحفظ من ذلك مع الاختلاط.
ومن البدهي أنها إذا نزلت إلى ميدان الرجال لا بد أن تكلمهم وأن يكلموها ولا بد أن ترفق لهم الكلام وأن يرفقوا لها الكلام والشيطان من وراء ذلك يزين ويحسن ويدعو إلى الفاحشة حتى يقعوا فريسة له. والله حكيم عليم حيث أمر المرأة بالحجاب وما ذاك إلا لأن للناس فيهم البر والفاجر والطاهر والعاهر. فالحجاب يمنع - بإذن الله - من الفتنة ويحجز دواعيها وتحصل به طهارة قلوب الرجال والنساء والبعد عن مظان التهمة, قال الله : ﴿وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعاً فَاسْأَلوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنّ﴾ الآية (الأحزاب: ٥٣) . وخبر حجاب المرأة بعد حجاب وجهها وجسمها باللباس هو بيتها. وحرم عليها الإسلام مخالطة الرجال الأجانب لئلا تعرض نفسها للفتنة بطريق مباشر أو غير مباشر. وأمرها بالقرار في البيت وعدم الخروج منه إلا لحاجة مباحة مع لزوم الأدب الشرعي, وقد سمى الله مكث المرأة في بيتها قراراً، وهذا المعنى من أسمى المعاني الرفيعة ففيه استقرار لنفسها وراحة لقلبها وانشراح لصدرها. فخروجها عن هذا القرار يفضي إلى اضطراب نفسها وقلق قلبها وضيق صدرها وتعريضها لما لا تحمد عقباه. ونهى الإسلام عن الخلوة بالمرأة الأجنبية على الإطلاق إلا مع ذي محرم, وعن السفر إلا مع ذي محرم سداً لذريعة الفساد وإغلاقاً لباب الإثم وحسماً لأسباب الشر وحماية للنوعين من مكايد الشيطان ولهذا صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
стр. 7336
أنه قال: "ما تركت بعدي فتنة أضر على الرجال من النساء". وصح عنه ﷺ أنه قال:"اتقوا الدنيا واتقوا النساء فإن أول فتنة بني إسرائيل كانت من النساء".
وقد يتعلق بعض دعاة الاختلاط ببعض ظواهر النصوص الشرعية التي لا يدرك مغزاها ومرماها إلا من نور الله قلبه وتفقه في دين الله وضم الأدلة الشرعية بعضها إلى بعض وكانت في تصوره وحدة لا يتجزأ بعضها عن بعض. ومن ذلك خروج بعض النساء مع الرسول ﷺ في بعض الغزوات. والجواب عن ذلك أن خروجهن كان مع محارمهن لمصالح كثيرة لا يترتب عليه ما يخشى عليهن منه من الفساد لإيمانهن وتقواهن وإشراف محارمهن عليهن وعنايتهن بالحجاب بعد نزول آيته بخلاف حال الكثير من نساء العصر ومعلوم أن خروج المرأة من بيتها إلى العمل يختلف تماماً عن الحالة التي خرجن بها مع رسول الله ﷺ في الغزو فقياس هذه على تلك يعتبر قياساً مع الفارق. وأيضاً فما الذي فهمه السلف الصالح حول هذا، وهم لا شك أدرى بمعاني النصوص من غيرهم وأقرب إلى التطبيق العملي بكتاب الله وسنة رسوله ﷺ فما هو الذي نقل عنهم على مدار الزمن, هل وسعوا الدائرة كما ينادي دعاة الاختلاط فنقلوا ما ورد في ذلك إلى أن تعمل المرأة في كل ميادين الحياة مع الرجال تزاحمهم ويزاحمونها وتختلط معهم ويختلطون معها. أم أنهم فهموا أن تلك قضايا معنية لا تتعداها إلى غيرها.
стр. 7337
وإذا استعرضنا الفتوحات الإسلامية والغزوات على مدار التاريخ لم نجد هذه الظاهرة، أما ما يدعى في هذا العصر من إدخالها كجندي يحمل السلاح ويقاتل كالرجل فهو لا يتعدى أن يكون وسيلة لإفساد وتذويب أخلاق الجيوش باسم الترفيه عن الجنود لأن طبيعة الرجل إذا التقت مع طبيعة المرأة كان منهما عند الخلوة ما يكون بين كل رجل وامرأة من الميل والأنس والاستراحة إلى الحديث والكلام وبعض الشيء يجر إلى بعض وإغلاق باب الفتنة أحكم وأحزم وأبعد من الندامة في المستقبل.
стр. 7338
فالإسلام حريص جداً على جلب المصالح ودرء المفاسد وغلق الأبواب المؤدية إليها ولاختلاط المرأة مع الرجال في ميدان العمل تأثير كبير في انحطاط الأمة وفساد مجتمعها كما سبق، لأن المعروف تاريخياً عن الحضارات القديمة الرومانية واليونانية ونحوهما أن من أعظم أسباب الانحطاط والانهيار الواقع بها هو خروج المرأة من ميدانها الخاص إلى ميدان الرجال ومزاحمتهم مما أدى إلى فساد أخلاق الرجال وتركهم لما يدفع بأمتهم إلى الرقي المادي والمعنوي.. وانشغال المرأة خارج البيت يؤدي إلى بطالة الرجل وخسران الأمة انسجام الأسرة وانهيار صرحها وفساد أخلاق الأولاد يؤدي إلى الوقوع في مخالفة ما أخبر الله به في كتابه من قوامة الرجل على المرأة. وقد حرص الإسلام أن يبعد المرأة عن جميع ما يخالف طبيعتها فمنعها من تولي الولاية العامة كرئاسة الدولة والقضاء وجميع ما فيه مسئوليات عامة لقوله ﷺ : "لن يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة" رواه البخاري في صحيحه. ففتح الباب لها بأن تنزل إلى ميدان الرجال يعتبر مخالفاً لما يريده الإسلام من سعادتها واستقرارها. فالإسلام يمنع تجنيد المرأة في غير ميدانها الأصيل. وقد ثبت من التجارب المختلفة - وخاصة في المجتمع المختلط - أن الرجل والمرأة لا يتساويان فطرياً ولا طبيعياً فضلاً عما ورد في الكتاب والسنة واضحاً جلياً في اختلاف الطبيعتين والواجبين. والذين ينادون بمساواة الجنس اللطيف المنشئ في الحلية وهو في الخصام غير مبين بالرجل يجهلون أو يتجاهلون الفوارق الأساسية بينهما.
стр. 7339
لقد ذكرنا من الأدلة الشرعية والواقع الملموس ما يدل على تحريم الاختلاط واشتراك المرأة في أعمال الرجال مما فيه كفاية ومقنع لطالب الحق ولكن نظراً إلى أن بعض الناس قد يستفيدون من كلمات رجال الغرب والشرق أكثر مما يستفيدون من كلام الله وكلام رسوله ﷺ وكلام علماء المسلمين رأينا أن ننقل لهم ما يتضمن اعتراف رجال الغرب والشرق بمضار الاختلاط ومفاسده لعلهم يقنعون بذلك. ويعلمون ما جاء به دينهم العظيم من منع الاختلاط هو عين الكرامة والصيانة للمرأة وحمايتهن من وسائل الأضرار بهن والانتهاك لأعراضهن.
قالت الكاتبة الإنجليزية اللادي كوك: "إن الاختلاط يألفه الرجال ولهذا طمعت المرأة بما يخالف فطرتها وعلى قدر كثرة الاختلاط تكون كثرة أولاد الزنا وههنا البلاء العظيم على المرأة", إلى أن قالت: "علموهن الابتعاد عن الرجال أخبروهن بعاقبة الكيد الكامن لهن بالمرصاد".
وقال شوينهور الألماني: "قل هو الخلل العظيم في ترتيب أحوالنا الذي دعا المرأة لمشاركة الرجل في علو مجده وباذخ وفعته وسهل عليها التعالي في مطامعها الدنيئة حتى أفسدت المدنية الحديثة بقوى سلطانها ودنيء آرائها".
وقال اللورد بيرون: "لو تفكرت أيها المطالع فيما كانت عليه المرأة في عهد قدماء اليونان لوجدتها في حالة مصطنعة مخالفة للطبيعة ولرأيت معي وجوب إشغال المرأة بالأعمال المنزلية مع تحسن غذائها وملبسها فيه وضرورة حجبها عن الاختلاط بالغير" اهـ.
стр. 7340
وقال سامويل سمايلس الإنجليزي: "إن النظام الذي يقتضي بتشغيل المرأة في المعامل مهما نشأ عنه من الثروة للبلاد فإن نتيجته كانت هادمة لبناء الحياة المنزلية لأنه هاجم هيكل المنزل وقوض أركان الأسرة ومزق الروابط الاجتماعية فإنه يسلب الزوجة من زوجها والأولاد من أقاربهم صار بنوع خاص لا نتيجة له إلا تسفيل أخلاق المرأة. إذ وظيفة المرأة الحقيقية هي القيام بالواجبات المنزلية مثل ترتيب مسكنها وتربية أولادها والاقتصاد في وسائل معيشتها مع القيام بالاحتياجات البيتية ولكن المعامل تسلخها من كل هذه الواجبات بحيث أصبحت المنازل غير منازل وأضحت الأولاد تشُب على عدم التربية وتلقى في زوايا الإهمال وطفئت المحبة الزوجية وخرجت المرأة عن كونها الزوجة الظريفة والقرينة المحبة للرجل وصارت زميلته في العمل والمشاق وباتت معرضة للتأثيرات التي تمحو غالباً التواضع الفكري والأخلاقي الذي عليه مدار حفظ الفضيلة".
وقالت الدكتورة ايدايلين: "إن سبب الأزمات العائلية في أمريكا وسر كثرة الجرائم في المجتمع هو أن الزوجة تركت بيتها لتضاعف دخل الأسرة فزاد الدخل وانخفض مستوى الأخلاق"ثم قالت: "إن التجارب أثبتت أن عودة المرأة إلى الحريم هو الطريقة الوحيدة لإنقاذ الجيل الجديد من التدهور الذي يسير فيه".
وقال أحد أعضاء الكونجرس الأمريكي: "إن المرأة تستطيع أن تخدم الدولة حقاً إذا بقيت في البيت الذي هو كيان الأسرة".
وقال عضو آخر: "إن الله عندما منح المرأة ميزة إنجاب الأولاد لم يطلب منها أن تتركهم لتعمل في الخارج بل جعل مهمتها البقاء في المنزل لرعاية هؤلاء الأطفال".
وقال سوبنهور الألماني أيضاً: "اتركوا للمرأة حريتها المطلقة كاملة بدون رقيب ثم قابلوني بعد عام لتروا النتيجة ولا تنسوا أنكم سترثون معي للفضيلة والعفة والأدب وإذا مت فقولوا أخطأ أو أصاب كبد الحقيقة".
стр. 7341
ذكر هذه النقول كلها الدكتور مصطفى حسني السباعي ﵀ في كتابه المرأة بين الفقه والقانون.
ولو أردنا أن نستقصي ما قاله منصفوا الغرب في مضمار الاختلاط الذي هو نتيجة نزول المرأة إلى ميدان أعمال الرجال لطال بنا المقال ولكن الإشارة المفيدة تكفي عن طول العبارة.
والخلاصة أن استقرار المرأة في بيتها والقيام بما يجب عليها من تدبيره بعد القيام بأمور دينها هو الأمر الذي يناسب طبيعتها وفطرتها وكيانها وفيه صلاحها وصلاح المجتمع وصلاح الناشئة فإن كان عندها فضل ففي الإمكان تشغيلها في الميادين النسائية كالتعليم للنساء والتطبيب والتمريض لهن ونحو ذلك مما يكون من الأعمال النسائية في ميدان النساء كما سبقت الإشارة إلى ذلك. وفيها شغل لهن شاغل وتعاون مع الرجال في أعمال المجتمع وأسباب رقيه كل في جهة اختصاصه ولا ننسى هنا دور أمهات المؤمنين ﵅ ومن سار في سبيلهن وما قمن به من تعليم للأمة وتوجيه وإرشاد وتبليغ عن الله سبحانه وعن رسوله ﷺ ، فجزاهن الله عن ذلك خيراً وأكثر في المسلمين اليوم أمثالهن مع الحجاب والصيانة والبعد عن مخالطة الرجال في ميدان أعمالهم.
والله المسؤول أن يبصر الجميع بواجبهم وأن يعينهم على أدائه على الوجه الذي يرضيه وأن يقي الجميع وسائل الفتنة وعوامل الفساد ومكايد الشيطان إنه جواد كريم وصلى الله وسلم على عبده ورسوله نبينا محمد وآله وصحبه.
الرئيس العام
لإدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد
عبد العزيز بن عبد الله بن باز
من ع تشغيل النساء في الشركات والمؤسسات الخاصة
هذا ويسر المجلة أن تنشر بهذه المناسبة الخطاب الذي وجهه صاحب السمو الملكي الأمير نايف بن عبد العزيز وزير الداخلية إلى معالي وزير العمل والشئون الاجتماعية المتضمن منع تشغيل النساء في الشركات والمؤسسات الخاصة.
حفظ الله سموه وزاده توفيقاً.
стр. 7342
وجه صاحب السمو الملكي الأمير نايف بن عبد العزيز وزير الداخلية خطاباً إلى معالي الشيخ إبراهيم العنقري وزير العمل والشؤون الاجتماعية طالب فيه سموه بتكليف مكاتب العمل في عموم مناطق المملكة بالقيام بجولات تفتيشية فورية على عموم الشركات والمؤسسات الخاصة وكل من يوجد لديه امرأة تعمل يحقق معها على كيفية استقدامها وهل لديها رخصة عمل ومن ثم ترحيلها من البلد وتطبيق النظام بحق من قام بتشغيلها وإذا وجد ولي أمرها فيؤخذ عليه تعهد بعدم عملها وإذا عادت مرة أخرى ترحل في الحال.
هذا ومن جهة أخرى علمت (الندوة) أن سمو الأمير نايف قد طالب معالي الوزير العمل بمنع السعوديات من العمل.. في مثل تلك الأعمال ويطبق النظام بحق من شغلها بدون رخصة ويؤخذ عليه تعهد وعلى ولي أمرها بعدم تشغيلها إلا في المجالات المسموح بها لها بالعمل فيها. كما علم مندوب (الندوة) أن الجهات التي حددها سمو وزير الداخلية هي المستشفيات ومدارس تعليم البنات والكليات والدوائر الحكومية المسموح بها عمل الفتيات السعوديات كسجون النساء والجمعيات الخيرية والشؤون الاجتماعية. وقد طالب سمو وزير الداخلية معالي الوزير العمل بضرورة تنسيق مع الجوازات في إجراءات الإبعاد وتطبيق ما يخص الجوازات من أنظمة تطبيق العقوبات في هذه المخالفات بحدها الأقصى. كما يؤخذ تعهد على أصحاب المؤسسات والشركات ومالكيها الأصليين بعدم تشغيل أي امرأة لديهم وفد حدد سمو وزير الداخلية في خطابه أن المسؤولية ستكون على مالكي المؤسسات والشركات أمام الدولة وليس من جانب مديري أعمالهم حتى لا تكون حجة أمام المالكين الأصليين بالتنصل من أي مخالفة وتحميلها لهؤلاء المديريين.
كما علمت الندوة أنه قد تم تبليغ أصحاب السمو والمعالي الوزراء بهذه الإجراءات الجهات المسموح للمرأة بالعمل فيها.
الندوة ٢٥ جمادى الثانية سنة ١٣٩٨هـ - العدد ٥٨٥٨
стр. 7343
المفهوم الصحيح للسلفية
أسرة التحرير
السلفية مسلك منسوب إلى الرعيل الأول من سلف هذه الأمة الذين سبقوا بالإيمان والفضل والعمل الجاد لنشر الإسلام والدعوة إليه. وصدقوا الله في إيمانهم وعملهم.
فهي تعني تجريد العبادة لله وحده بجميع أنواعها بحيث لا تركع الظهور ولا تسجد الجباه ولا تعنو الوجوه إلا للحي القيوم إذ لا تذلل إلا لله, ولا خوف إلا من الله ولا فقر إلا إلى الله الغني الحميد.
فيصبح العبد المؤمن شجاعاً صريحاً واثقاً بالله فتقضي هذه الثقة على العناصر الذميمة التي تحول بين العبد وبين ربه, من الخوف والخور والذل والتملق والنفاق والتزلف للمخلوق حياً أو ميتاً جنياً أو إنسياً, مع عدم الخوض في صفات الله تعالى بغير علم بالتحريف أو التشبيه, بل تمر كما جاءت في كتابه وسنة نبيه ﵊ وعدم الإلحاد في أسمائه الحسنى.
ثم تعنى بعد ذلك تجريد متابعة رسول الهدى محمد ﵊, والاكتفاء به إماماً وقدوة, والعمل بسنته والدعوة إليها, وتحذير الناس من الابتداع في دين الله الذي بعث به رسوله محمداً ﵊.
ومن ثمرات هذا التجريد وتلك المتابعة الصادقة أن يحب المرء لا يحبه إلا لله ويحب له ما يحب لنفسه من خير, ويكره له ما يكره لنفسه من شر.
فالسلفيُّ صادق في توحيده وعبادة ربه ومحبة نبيه محمد ﵊ وأتباعه, وهو حسن المعاملة مع الناس جميعاً متواضعاً, حزين حين يفرح الناس, باك حين يضحك الناسو يحاسب نفسه عل كل صغيرة وكبيرة.
خائف وجل, راج طامع, عفيف اللسان, رحيم القلب, حريص على نفع عباد الله بكل ما يستطيع، بعلمه وماله وجاهه وشفاعته, "اشفعوا تؤجروا.." الحديث..
دؤوب على الجهاد في سبيل الله بالنوع الذي يدخل تحت استطاعته، بنفسه، أو بماله، أو بلسانه، أو بقلمه، أو بكل ذلك حيث أمكن.
стр. 7344
هذه هي السلفية بإيجاز.. وإياكم والمتسلفين المتكلفين السلفية ليستخدموها كوسيلة مؤقتة لغاية معينة.. والله المستعان.
أسرة التحرير
стр. 7345
الدين والحضارة
لفضيلة الدكتور عبد المنعم حسنين
الأستاذ بالدراسات العليا
يظن كثير من الناس أن الدين شيء وأن الحضارة شيء آخر وأن المتدينين قوم، وأن المتحضرين قوم آخرون، وهذا ظن خاطئ، تسرب إلى أقطار العالم الإسلامي في العصر الحديث نتيجة لانتشار مظاهر الحضارة المادية الوافدة من الغرب العلماني الذي فصلت دوله عن العلم عن الدين، وحسبت الدين داخل جدران الكنائس، فلم يعد له أثر فعال في سلوك الناس، لذلك ينبغي بيان صلة الحضارة بالدين، حتى لا يخدع شباب المسلمين، بما يروجه أعداء الإسلام أياً كان لونهم من ضرورة الفصل بين الدين والحضارة، مجاراة للعلمانيين.
ولكي تتضح الصلة بين الدين والحضارة، ينبغي أن نتبين المقصود بالدين ثم نتبين المقصود بالحضارة لتظهر الصلة بينهما، وبالله التوفيق.
أولاً: المقصود بالدين:
يطلق الدين على كل معتقد يدين الإنسان به نفسه، ويلزمها إياه، وما يقتضي به هذا المعتقد من عبادات وأحكام وأخلاق ونحوها، وهو بهذا يشمل كل معتقد يعتقده الإنسان، سواء أكان هذا المعتقد حقاً أم باطلاً، صالحاً أم فاسداً، هدى أم ضلالا.
فدين رسل الله هو دين الحق, ودين رسل الله هو الإسلام, فيه بعث الله رسله، وأنزل كتبه، وأساسه الإيمان بالله واحداً لا شريك له, وإخلاص العبادة له, بحيث يكون الله وحده هو المعبود وهو المطلوب وهو المقصود، وبحيث يراقب الإنسان الله في كل عمل يعمله، سواء أكان هذا العمل من أعمال الدنيا أم كان من أعمال الآخرة، إذ لا فضل بين الدنيا والآخرة في دين الإسلام.
أما دين الكفر وأصحاب المذاهب الضالة المضلة قديمها وحديثها فدين فاسد لأنه يقوم على شرك وزيغ وضلال.
стр. 7346
ويتضح الفرق بين دين الحق، ودين الباطل من قول الله : ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ, لا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ, وَلا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ, وَلا أَنَا عَابِدٌ مَا عَبَدْتُمْ, وَلا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ, لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ﴾ سورة الكافرون.
فدين الإسلام هو دين الحق الذي ارتضاه الله لعباده يقول الله : ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللهِ الإِسْلامُ﴾ (آل عمران:١٩) . ويقول سبحانه: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلامِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ (آل عمران: ١٥) .
وقد أكمل الله دينه, وأتم نعمته، قبل أن يلحق بالرفيق الأعلى رسوله محمد بن عبد الله صلوات الله وسلامه عليه فقال ﵎: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِيناً﴾ (المائدة:٣) .
والإنسان العاقل هو المكلف بهذا الدين, وهو الذي ينبغي أن يأتمر بما فيه من أوامر, وينتهى عما فيه من نواه, حتى يستقيم طريقه في الحياة, ويتحقق له الفلاح والسعادة في دنياه وأخراه.
وقد خلق الله الإنسان، وجعله خليفة في الأرض، ليمشي في مناكبها ويأكل من رزق الله فيه ويعمرها، ويقيم الحضارة فيها على أساس عبادة الله وحده، ومراقبته في جميع الأعمال.
ولهذا فضل الله الإنسان على كثير ممن خلق تفضيلاً، فقال جلت حكمته: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً﴾ (الإسراء:٧١) .
стр. 7347
والإنسان يولد على الفطرة نقيا صافيا، والإسلام دين الله الحق, دين يتفق مع الفطرة السليمة. ولهذا يقول الله تعالى: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطْرَتَ اللهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ (الروم:٣٠) .
وكل مولود يولد على هذه الفطرة السليمة، كما يقول الرسول الكريم ﷺ : "كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه".
والإسلام يخاطب الإنسان بوجوده كله، جسداً وروحاً، فهو المخلوق العاقل المؤهل للتكليف والحساب والجزاء، فإذا استقام الإنسان كما أمره الله تحققت له السعادة في الدنيا والآخرة، وكان له في الدنيا مكان العزة والقيادة، ومن الآخرة جزاء المتقين المحسنين الفائزين برضوان الله، كما يقول الله : ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (النحل: ٩٧) .
ثانياً: المقصود بالحضارة:
الحضارة في أحدث تعريف لها هي كل إنتاج مصدره العقل، فهي تشمل كل ألوان النشاط البشري، أي أن الإنسان العاقل هو الذي ينتج الحضارة، فهي ثمرات أعماله التي يوجهها الدين الحق توجيهاً صحيحاً ويزكيها.
وقد عرف علماء الاجتماع الإنسان بأنه حيوان عاقل، وبأنه حيوان ذو دين، وبأنه حيوان ذو حضارة، أي أن الإنسان العاقل هو الكلف دينياً، والنتج حضارياً، والعقل هو أكبر نعمة أنعم الله بها على الإنسان؛ لأنه يستطيع به التمييز بين الحق والباطل، وبين الهدى والضلال وبين الخير والشر، وبين النافع والضار، وبين الصالح والفاسد، فيستطيع به أن يعرف الدين الحق ويدين به، وأن ينتج الحضارة الصالحة المفيدة في الدنيا والآخرة.
стр. 7348
والحضارة السليمة هي التي تتفق مع الفطرة السليمة، فيجب على الإنسان أن يحتفظ بفطرته، ويتسامى بإنسانيته ليكون أهلاً للخلافة في الأرض, فينبغي عليه أن يكون ذا دين حق، حتى يكون ذا حضارة صحيحة تحقق السعادة للإنسان فرداً ومجتمعاً في الدنيا والآخرة.
أما إذا كان الإنسان يدين نفسه بدين باطل فاسد ومعتقدات ضالة مضلة، فإنه ينتج حضارة فاسدة؛ لأن كل إناء بما فيه ينضح، فالإنسان بفطرته ذو دين وهو الذي ينتج الحضارة، وفقاً لمعتقداته الصحيحة أو الزائفة، فتكون حضارة كريمة أو سقيمة.
والتاريخ خير شاهد على ارتباط الحضارة بالدين، وأنها ثمرة له، وأن الدين الحق هو الذي يثمر الحضارة الراقية معنويا وماديا، لأن الإنسان منتج الحضارة محتاج إلى الدين الحق، ليستقيم طريقه في الحياة, وتستقيم أعماله في جميع الميادين، فتتحق له السعادة في الدنيا والآخرة.
وحين سار المسلمون الأولون على هدى دينهم الحق استطاعوا أن يبنوا حضارة راقية، وأن يدخلوا الحياة من أوسع أبوابها وأكرمها, وأن يقيموا دولة ملكت أطراف العالم، وزخرت بألوان المجد والعزة، وزهت بألوان العلم والمعرفة، وأرست قواعد الحياة بين الأمم على أكرم المبادئ، وأسمى الفضائل.
ثالثاً: ارتباط الحضارة بالدين:
يتضح مما ذكرنا أن الدين أساس الحضارة, وأن ارتباط الحضارة بالدين كارتباط البناء بالأساس، فإذا كان الأساس صحيحاً قوياً استقام البناء، وترابطت أجزاؤه، وإذا كان الأساس فاسداً، صار البناء هشاً ضعيفاً مهم كان براقاً.
والدين الحق هو الذي يعدّ الإنسان الصالح ليبني به المجتمع الصالح؛ لأن الإنسان هو لبنة البناء للمجتمع، وهو الذي يستطيع أن ينتج حضارة على أسس سليمة قائمة على المبادئ الدينية القويمة.
стр. 7349
ولن يكون الإنسان صالحاً إلا إذا توازنت قواه المادية والمعنوية جميعاً، وتلاقى بعضها مع بعض على دواعي الخير، ومواقع الإحسان وإلا إذا كان ذا دين حق، ليكون ذا سلوك حميد, وسيرة طيبة, وعمل نافع في ماديات الحياة ومعنوياتها.
فالدين الحق يعد الإنسان منتج الحضارة إعداداً طيباً, ليدخل في المجتمع معها صالحاً عاملا فيه, ويجعل الناس جميعاً ينتظمون في وحدة شعورية عامة, بأنهم على سواء في التكاليف الشرعية، وأنهم مطالبون كأفراد وكجماعة أن يقوموا بما كلفوا به، وأن يأمروا فيما بينهم بالمعروف، وأن ينهوا عن المنكر.
كما أن الدين الحق يضع المؤمنين به جميعاً وضعاً واحداً من أوامر الشريعة ونواهيها، وعلى قدم المساواة بينهم لا فرق بين حاكم ومحكوم، أو بين خاصة وعامة، أو بين أغنياء وفقراء، أو بين علماء وغير علماء، ثم تبدأ المفاضلة بينهم على حسب إحسان كل منهم أو تقصيره، فيكون أتقاهم هو أكرمهم عند الله، كما يقول الله : ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللهِ أَتْقَاكُمْ﴾ (الحجرات:١٣) .
وفي هذا المجال يكون التنافس في فعل الخير، والتقرب إلى الله بصالح الأعمال، الذي يؤدي إلى سعادة الإنسان في الدنيا وإقامة حضارة راقية على أساس سليم، والظفر بالثواب الجزيل في الآخرة.
والدين يقيم المجتمع الإنساني كله على أساس من المساواة ورفع الحواجز المصطنعة بين الجماعات على مدعيات باطلة من الاعتزاز بالدم أو اللون أو المال أو الجاه أو السلطان ويرد الناس إلى معدنهم الأصلي الذي خلقهم فيه من نفس واحدة ﴿وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً﴾ (النساء:١) .
стр. 7350
ويقول الرسول صلوات الله وسلامه عليه: "كلكم لآدم وآدم من تراب، لا فضل لعربي على أعجمي ولا لأحمر على أسود إلا بالتقوى".
وإنّ أيّ مجتمع لا يتحقق له الأمن والاستقرار والطمأنينة إلا إذا ارتبطت مشاعر أفراده جميعاً بروح المودة والإخاء، تؤلف بين قلوب الجماعة، وتجعل منهم جسداً واحداً إذا مسه ضر وجد كل عضو من أعضائه مس هذا الضر كما قال الرسول الكريم ﷺ : "مثل المؤمنين في توادهم وتعاطفهم وتراحمهم كمثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الأعضاء بالسهر والحمى".
والإسلام دين الحق يربي الفرد والمجتمع على أساس الإيمان بالله الواحد الأحد، الذي لا شريك له والذي له ما في السموات وما في الأرض، ثم الإيمان بملائكة الله وكتبه ورسله وباليوم الآخر والبعث والحساب والجزاء والجنة والنار, ثم بإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان وحج البيت من استطاع إليه سبيلا، ثم بفعل الخير وإتقان العمل.
وبقدر تمسك الإنسان بهذا الإيمان والاستقامة على شريعته يكون حظ المجتمع من الخير الذي يجنيه من ثمرات هذا الإيمان، ويكون حظ الحضارة التي ينتجها من ثمرات هذا الإيمان في رقي وسمو, فتكون حضارة فاضلة يطيب فيها العيش، وتهنأ في ظلالها الحياة لكل أهلها.
وقد تكفلت شريعة الإسلام بوضع الأسس السليمة التي يقوم عليها المجتمع الآمن، والحضارة القويمة الصالحة الملائمة لكل زمان ومكان، التي تؤلف تأليفاً حكيماً بين الفرد والجماعة، وتقيم لأفراد البشرية حضارة سليمة، على هذه الأسس القويمة.
فلا تنافر إذاً بين الدين والحضارة، لأن الحضارة ثمرة الدين, والدين الحق يتفق مع الفطرة السليمة، التي فطر الله الناس عليها، ولا تبديل لخلق الله.
ودين الإسلام الحق يربي الفرد تربية صحيحة يقيم بها حضارة راقية تسعد بها البشرية في الدنيا، ويثقل بها ميزان الإنسان يوم يقوم الناس لرب العالمين.
стр. 7351
والحضارة الفاسدة هي التي تقوم على معتقدات باطلة، لا تتفق مع الفطرة السليمة، ولا ترضى جميع جوانب الإنسان المادية والروحية.
والله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم والله يقول الحق. وهو يهدي السبيل.
وسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين.
стр. 7352
البحث الأمين في حديث الأربعين
لفضيلة الشيخ عبد العزيز بن عمر الربيعان
مدير المعهد المتوسط بالجامعة الإسلامية
صدر الجزء الثامن من كتاب أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن، وهو الجزء الأول من التكملة والذي قام بتأليفه فضيلة الشيخ عطية محمد سالم تلميذ مؤلف الكتاب أصلاً، وهو العلامة بحر العلوم الزاخر محمد الأمين الشنقيطي ﵀ الذي اخترمته المنية قبل إتمام ذلك الكتاب النفيس والسفر العظيم الذي في اعتقادي لا يماثله كتاب في هذا الفن - تفسير القرآن الكريم - مما سبقه من كتب التفسير. وقد وصل فيه مؤلفه إلى آخر سورة الحديد فانتدب لإكماله فضيلة الشيخ عطية القاضي بمحكمة المدينة، وقد حرص أثابه الله على محاكاة خطة المؤلف والنسج على منواله بقدر الإمكان، فلما صدر الجزء الأول من التكملة وهو من أول سورة المجادلة حتى آخر سورة المرسلات تردد على ألسنة طلبة العلم وشاع بينهم أن فضيلة المؤلف قد وقع في بعض الأخطاء التقليدية التي في اعتقادي أنه لو تجرد أمامها من المؤثرات الخارجية واتجه في بحثها إلى علمه وعقله فقط لما وقع فيها، ونظراً لكوني لم أقرأ كل الكتاب وإنما قرأت بعضه فإني سوف أناقش فضيلة المؤلف في مسألتين هما فيما قرأت أولاهما مسألة تصحيحه لحديث "من صلى بمسجدي أربعين صلاة.. الخ"، وثانيهما مسألة شد الرحال لزيارة قبر النبي ﷺ .
وأبدأ بالأولى من المسألتين فأقول:
إن فضيلته صحّح هذا الحديث وقد ضعفه بعض اهل العلم ممن هم أعلم منه بهذا الشأن, وقد صححه الشيخ عطية دون أن يقدم أي حجة يرد بها دليل من ضعّفه سوى كلمة بسيطة نقلها عن الشيخ حماد الأنصاري لا تغني في الموضوع شيئاً، لذلك سوف نناقش فضيلة الشيخ حماد مع فضيلة الشيخ عطية إذ هو شيخه في ذلك التصحيح، فنقول:
стр. 7353
أيها الشيخان الكريمان أنظرا معنا أولا في متن الحديث وتأملا في أسلوبه بتجرد وإخلاص فربما وافقتمانا على أن أسلوبه ليس نبوياً ولا عربياً بليغاً وهذا نصه: "من صلى في مسجدي أربعين صلاة لا تفوته صلاة كتب له براءة من النار ونجا من العذاب وبرئ من النفاق"أليس النار هي العذاب؟.. أليس العذاب عند الاطلاق ينصرف إلى عذاب الآخرة؟.. مقتضى التعبير البليغ أن يكتفي بواحد من هذين إما النار أو العذاب، وبعد ذلك "وبرئ من النفاق" بعد أن ضمن له النجاة من النار والعذاب أخبر ببراءته من النفاق ومعلوم أن من ضمنت له النجاة من النار لا يكون منافقاً لا في الحاضر ولا في المستقبل.
ثم إن مقتضى هذا الحديث أن من صلى في المسجد النبوي الشريف ثمانية أيام تحقق له ما تحقق لأهل بدر حيث أخبر المصطفى ﵇ أن الله قال لهم: "اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم" ولو كان ذلك صحيحاً لعرفه السلف الصالح وبادروا إليه وتناقلوه فيما بينهم وبلّغوه إلى من بعدهم إذ هذا أمر ليس بالهيّن فكيف لم يرد إلا بخبر واحد عن صحابي واحد من طريق تابعي واحد غير معروف عند علماء الإسلام ولم يرد اسمه في حديث واحد غير هذا الحديث ولا في كتاب واحد من كتب الترجمة سوى كتاب ابن حبان، وهذا الذي قلناه عن متن الحديث مجرد وجهة نظر خاصة لا نلزم أحداً بقبولها ولا نلوم من خالفنا فيها.
стр. 7354
والآن إلى سند الحديث لنرى غير متعصبين لأحد ولا ضد أحد، إنما نريد الحق فقط رغبة منا بأن لا تبنى أعمال المسلمين على الظنون والأوهام ولا على مجاراة العواطف, يقول فضيلة الشيخ حماد الأنصاري وتبعه الشيخ عطية بأن هذا الحديث صحيح وانتقد من ضعفه بجهالة نبيط بن عمرو من أهل الاختصاص بهذا الفن، أما الشيخ عطية فقد اكتفى بنقل عبارة مختصرة عن الشيخ حماد ولم يكلف نفسه أي عناء في سبيل البحث ليقدم لقرائه من طلبة العلم خلاصة دراسة وافية وبحث عميق مقنع. وظن وفقه الله أن طلبة العلم يكتفون بهذا الجهد الخفيف وإن لم يكتف بذلك بعض منهم ففي البعض الآخر بركة - هذا ظني والعلم عند الله وإذا كان بعض الظن إثماً فبعضه حق - ونقول لفضيلته: إننا من البعض الذي لا يكتفي بمثل هذا البحث الخفيف في المسائل المختلف فيها في سبيل الوصول إلى الحق والقول على الله ورسوله، أما فضيلة الشيخ حماد فقد احتج لتصحيحه هذا الحديث بما يلي:
١ – نبيط بن عمرو ذكره ابن حبان في الثقات.
٢ – ابن حجر نقل ذلك عن ابن حبان ولم يعارضه.
٣ – الهيثمي أورد هذا الحديث في الزوائد وقال بعد سياقه: "رواته ثقات".
٤ – المنذري أورد هذا الحديث في الترغيب والترهيب وقال بعد سياقه: "رواته رواة الصحيح".
وبهذا اعتبر الشيخ حماد هؤلاء العلماء الأربعة كلهم موثقين لنبيط بن عمرو الذي قرر غيره بأنه مجهول العين والحال.
وهذه عبارة فضيلة الشيخ حماد بنصها حسبما نقل فضيلة الشيخ عطية:
قال ابن حجر في تعجيل المنفعة في زوائد الأربعة: "نبيط بن عمرو ذكره ابن حبان في الثقات"انتهى المنقول عن ابن حجر. قال الشيخ حماد: "فاجتمع على توثيق نبيط كل من ابن حبان وابن حجر والمنذري والهيثمي ولم يجرحه أحد من أئمة هذا الشأن فمن ثم لا يجوز لأحد أن يطعن في من وثقه أربعة من أئمة هذا الشأن".
стр. 7355
ثم قال: "ولو فرض وقدر جدلاً أن في السند مقالاً فإن أئمة الحديث لا يمنعون إذا لم يكن في الحديث حلال أو حرام أو عقيدة بل كان في باب فضائل الأعمال لا يمنعون العمل به لأن باب الفضائل لا يشدد فيه هذا التشديد نقل السيوطي مثل ذلك عن أحمد وابن المبارك", ومن هنا نبدأ النقاش مع فضيلة الشيخ حماد فنقول:
أما ذكر ابن حبان لنبيط في الثقات فأنت نفسك قد ذكرت وكررت أن توثيق ابن حبان لا يعتد به قبلك جماهير علماء المسلمين الذين لهم عناية بهذا الشأن وذلك لأمرين: الأول: تساهل ابن حبان في التوثيق فإنه يوثق المجروحين، والثاني: قاعدته الشاذة وهي توثيق المجاهيل من الرواة، وعلة هذا الحديث جهالة أحد رواته وهو نبيط الذي انفرد بذكره ابن حبان دون جميع من ألفوا تراجم رواة الحديث، والذي لم يرد له اسم في أي حديث صحيح ولا ضعيف ولا موضوع سوى هذا الحديث الذي نحن بصدد الكلام فيه، فذكر ابن حبان له في كتاب الثقات ما هو إلا جري على قاعدته في توثيق المجهولين، وإن قلت يا فضيلة الشيخ: إنني قد ذكرت عدم الاعتداد بتوثيق ابن حبان إذا عورض دون ما إذا لم يعارض.
نقول جواباً على هذا: إنه لا فرق بين أن يعارض وبين أن ينفرد لأن العلة حاصلة في الحالين ألا وهي التساهل في التوثيق وفي توثيق المجاهيل، أما لو أن عدم المعارضة حاصل بجانب رجل معروف العين مشهور بين أهل العلم وحصل توثيقه من ابن حبان ولم يعارضه معارض بتضعيف ذلك الرجل فحينئذ يكون الاشتراط وجيهاً ومقبولاً.
أما والرجل مجهول لم تذكره كتب التراجم لا إجمالاً ولا تفصيلاً سوى ابن حبان، فلا ينبغي أن يقال أن ابن حبان لم يعارض في توثيقه لذلك الرجل، ونحن لا نشك في أنّ ابن حبان وجد اسم ذلك الرجل في سند ذلك الحديث ولم يجد له أي خبر ولا أثر فيما سواه فدوّن اسمه في كتاب الثقات جرياً على قاعدته المعروفة.
следующие страницы →