Полный текст (23 804 стр.). Показаны 7386–7425 · переход к 7391.
стр. 7386
وعلى غيرها أن يأخذ بذلك عند جمع كثير من أهل العلم لعموم قول النبي ﷺ : "الشهر تسع وعشرون فلا تصوموا حتى تروه فإن غم عليكم فأكملوا العدة ثلاثين" رواه البخاري في صحيحه من حديث ابن عمر ﵄, وأخرجه مسلم بلفظ: "صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته فإن غمي عليكم فاقدروا له ثلاثين". وأخرج البخاري من حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: "صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته فإن أغمى عليكم فأكملوا عدة شعبان ثلاثين" وأخرجه مسلم بهذا اللفظ لكن قال: "فإن أغمى عليكم الشهر فعدوا ثلاثين". فإن ظاهر هذه الأحاديث وما جاء في معناها يعم جميع الأمة, ونقل النووي ﵀ في شرح المهذب عن الإمام ابن المنذر ﵀ أن هذا هو قول الليث ابن سعد والإمام الشافعي والإمام أحمد رحمة الله عليهم قال - يعني ابن المنذر -: "ولا أعلمه إلا قول المدني والكوفي يعني مالكاً وأبا حنيفة ﵏"انتهى. فقال جمع من العلماء: إنما يعم حكم الرؤية إذا اتحدت المطالع, إما إذا اختلفت فلكل أهل مطلع رؤيتهم, وحكاه الإمام الترمذي ﵀ عن أهل العلم، واحتجوا على ذلك بما خرجه مسلم في صحيحه عن ابن عباس ﵄ أن كريباً قدم عليه في المدينة من الشام في آخر رمضان فأخبر أن الهلال رؤي في الشام ليلة الجمعة فإن معاوية والناس صاموا بذلك فقال ابن عباس: "لكنا رأيناه ليلة السبت فلا نزال نصوم حتى نراه أو تكمل العدة", فقلت: "أو لا تكتفي برؤية معاوية وصيامه؟ فقال: "لا، هكذا أمرنا رسول الله ﷺ ". قالوا: فهذا يدل على أن ابن عباس يرى أن الرؤية لا تعم, وأن لكل أهل بلد رؤيتهم إذا اختلفت المطالع، وقالوا: إن المطالع في منطقة المدينة غير متحدة مع المطالع في الشام، وقال آخرون: لعله لم يعمل برؤية الشام لأنه لم يشهد بها عنده إلا كريب وحده، والشاهد الواحد لا يعمل بشهادته في الخروج، وإنما يعمل
стр. 7387
بها في الدخول.
فقد عرضت هذه المسألة على هيئة كبار العلماء في المملكة العربية السعودية في الدورة الثانية المنعقدة في شعبان عام ١٣٩٢هـ فاتفق رأيهم أن الأرجح في هذه المسألة التوسعة في هذا الأمر وذلك بجواز الأخذ بأحد القولين على حسب ما يراه علماء البلاد.
قلت: هذا قول وسط, وفيه جمع بين الأدلة وأقوال أهل العلم إذا علم ذلك.
فإن الواجب على أهل العلم في كل بلاد أن يعنوا بهذه المسألة عند دخول الشهر وخروجه وأن يتفقوا على ما هو الأقرب إلى الحق في اجتهادهم ثم يعملوا بذلك ويبلغوه الناس وعلى ولاة الأمر لديهم وعامة المسلمين متابعتهم في ذلك ولا ينبغي أن يختلفوا في هذا الأمر لأن ذلك يسبب انقسام الناس وكثرة القيل والقال, إذا كانت الدولة غير إسلامية. أما الدولة الإسلامية فإن الواجب عليها اعتماد ما قاله أهل العلم، وإلزام الناس به من صوم أو فطر عملاً بالأحاديث المذكورة وأداء للواجب ومنعاً للرعية مما حرم الله عليها, ومعلوم أن الله يزع بالسلطان ما يزع بالقرآن، وأسأل الله أن يوفقنا وجميع المسلمين للفقه في الدين, والثبات عليه, والحكم به, والتحاكم إليه, والحذر مما خالفه, إنه جواد كريم، وصلى الله وسلم على عبده ورسوله نبينا محمد وآله وصحبه.
стр. 7388
أخبار الجامعة
المجلس الأعلى للجامعة الإسلامية في دورته السادسة:
أ – انعقد المجلس الأعلى للجامعة الإسلامية في دورته السادسة يوم الإثنين الموافق ٢١/٧/١٣٩٨هـ برئاسة سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز الرئيس العام لإدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد نيابة عن الرئيس الأعلى للجامعة الإسلامية صاحب السمو الملكي الأمير فهد بن عبد العزيز ولي العهد ونائب رئيس مجلس الوزراء. وبحث في العديد من الموضوعات التي تضمنها جدول أعمال المجلس. واتخذ فيها قرارات من أهمها ما يلي:
١ – الموافقة على أن توقع شهادات الماجستير والدكتوراه التي تمنحها الجامعة الإسلامية من صاحب السمو الملكي ولي العهد الأمير فهد بن عبد العزيز الرئيس الأعلى للجامعة الإسلامية.
٢ – الموافقة على أن يستمر صرف مكافأة طلاب الدراسات العليا بالجامعة الإسلامية طيلة مدة دراستهم.
٣ – الموافقة على تعديل اسم (كلية اللغة العربية والآداب) , بحيث يصبح اسمها (كلية اللغة العربية) .
٤ – الموافقة على اللوائح الجديدة للامتحانات بالجامعة الإسلامية.
ب – أناب الرئيس الأعلى للجامعة صاحب السمو الملكي ولي العهد الأمير فهد بن عبد العزيز سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز الرئيس العام لإدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد لرئاسة المجلس الأعلى للجامعة في الدورة السادسة وما بعدها من دورات تالية في الحالات التي لا يتمكن فيها سموه من الحضور، وفيما يلي نص خطاب الإنابة:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
المملكة العربية السعودية
ديوان رئاسة مجلس الوزراء
فضيلة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز سلمه الله:
الرئيس العام لإدارات البحوث العلمية
والإفتاء والدعوة والإرشاد
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:
стр. 7389
نظراًَ لأن الدورة السادسة للمجلس الأعلى للجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة ستعقد يوم الاثنين الموافق ٢١/٧/١٣٩٨هـ وبمناسبة سفرنا خارج البلاد قبل فترة انعقاد هذه الدورة وأثناء انعقادها، وعدم تمكننا من الحضور، فإننا نرغب أن تقدموا فضيلتكم نيابة عنا برئاسة جلسات المجلس في دورته المشار إليها والدورات القادمة التي لا نتمكن من حضورها، ونتمنى لكم/ والله يحفظكم.
نائب رئيس مجلس الوزراء
وفود للدعوة إلى الإسلام:
أوفدت الجامعة الإسلامية كعادتها - عدداً من الوفود إلى خارج البلاد ليقوموا بالدعوة إلى الله خلال العطلة الصيفية - ومن البلدان التي أرسلت إليها هذه الوفود:
١) الولايات المتحدة الأمريكية ٢) الفلبين ٣) غانا ٤) مالي ٥) نيجيريا.
- المعسكر الصيفي:
أقامت الجامعة الإسلامية معسكراً طلابياً في خلال هذه العطلة الصيفية في بلدة (نماص) . وقد ضم هذا المعسكر مجموعة من طلاب الجامعة وأساتذتها بتنظيم من إدارة الإشراف الاجتماعي بالجامعة.
والغرض من هذا المعسكر توجيه الطلاب وتثقيفهم وتدريبهم على أساليب الدعوة إلى الله عمليا.
- منح الجامعة لأبناء العالم الإسلامي:
ومن المعلوم أن الجامعة تقوم بترحيل كل طالب أعطته المنحة من بلده إلى المدينة المنورة حيث الجامعة الإسلامية، ثم تؤمن له السكن والتنقلات من وإلى الجامعة علاوة على المكافآت الشهرية التي تتراوح بين ٣٠٠ الثلاثمائة والسبعمائة ٧٠٠ تختلف باختلاف المراحل الدراسية وباختلاف الكليات، وهناك تسهيلات أخرى لطلاب الجامعة ومعاهدها ومن أهمها تأمين الكتب الدراسية.
مؤتمرات الجامعة:
ومنذ سنتين تقريباً عقدت الجامعة مؤتمراً إسلامياً واسعاً تحت عنوان (مؤتمر إعداد الدعاة وتوجيه الدعوة) .
стр. 7390
وهي تأخذ الآن في الإعداد لعقد مؤتمر هام تحت عنوان (مؤتمر مكافحة المسكرات والمخدرات) , وسوف يتم انعقاده في سنة ١٣٩٩هـ إن شاء الله، وفي الوقت ذاته أن الجامعة مزمعة لعقد المؤتمر الثاني (لإعداد الدعاة وتوجيه الدعوة) في عام ١٤٠٠هـ.. فنسأل الله لها التوفيق المطرد لتؤدي واجبها في خدمة الإسلام والمسلمين.
أخبار الرسائل الجامعية:
تمت مناقشة رسالتين لدرجة (ماجستير) في قاعة المحاضرات بالجامعة الإسلامية في نهاية العام الدراسي ٩٧- ١٣٩٨هـ.
الرسالة الأولى:
قدم الرسالة الأولى الطالب السعودي (نايف بن هاشم الدعيس) .. وموضوعها: تحقيق كتاب (بيان خطأ من أخطأ على الإمام الشافعي) للإمام البيهقي.
الإطار العام للرسالة:
قام الطالب بدراسة الكتاب وتحقيقه تحقيقاً علمياً، وتناولت الرسالة ترجمة للإمام البيهقي ترجمة مستفيضة، كما تضمنت ترجمة الإمام الشافعي ترجمة واسعة وهو الذي يدور مادة الكتاب حول مروياته، كما تناولت الرسالة تحليل بعض كتب علل الحديث مطبوعة ومخطوطة، وبيان مكانة كتاب البيهقي من بينها إلخ. هذا القسم الأول.
أما القسم الثاني: فتناول نص كتاب (بيان خطأ من أخطأ على الإمام الشافعي) حيث ضبط المحقق الأعلام الواردة فيه وعرف بها في الحاشية وخرج أحاديث الكتاب وعني بالتحقيق على الفوائد الحديثية والفقهية.. هذا وقد نال الطالب درجة (ممتاز)) فنرجو له دوام التوفيق.
لجنة المناقشة:
وتشكيل لجنة المناقشة كان على الوجه التالي:
١- الدكتور أكرم ضياء العمري رئيس قسم الدراسات العليا بالجامعة الإسلامية (رئيساً للجنة) .
٢- الدكتور أبو شهبة الأستاذ بجامعة الملك عبد العزيز (عضواً) .
٣- الدكتور السيد الحكيم الأستاذ بالجامعة الإسلامية (عضواً) .
الرسالة الثانية:
стр. 7391
قدمها الطالب اليمني (محمد عبد الرحمن الأهدل))
وموضوعها: (مرويات نكاح المتعة) دراسة وتحقيقاً.
الإطار العام للرسالة:
جمع الطالب الروايات المتعلقة بنكاح المتعة من كتب الحديث الشريف، ومن كتب التراجم لمعرفة آراء ومواقف الصحابة والتابعين، ومن كتب الفقه لبيان آراء المدارس الفقهية في نكاح المتعة، ثم تعرض للآثار السيئة لشيوع المتعة في بعض المجتمعات، وقد قام الطالب بنقد الروايات وفق أساليب المحدثين وأظهر استيعاباً للقواعد الأصولية في الترجيح بين الأدلة المتعارضة. وتعتبر دراسة الطالب من أوسع الدراسات الحديثية في الموضوع.
هذا وقد نال الطالب درجة (ممتاز) مع توصية اللجنة بطبع الرسالة على نفقة الجامعة الإسلامية.
وقد تشكلت لجنة المناقشة من كل من:
١- الدكتور أكرم ضياء العمري (رئيساً) .
٢- الدكتور محمد محمد أبوشهبة (عضواً) .
٣- الشيخ حماد الأنصاري (عضواً) .
عقد المجلس الأعلى للجامعة دورته السادسة بمقر الجامعة في الفترة من ٢١ إلى ٢٤ رجب سنة ١٣٩٨هـ برئاسة سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز نيابة عن صاحب السمو الملكي الأمير فهد بن عبد العزيز الرئيس الأعلى للجامعة. وقد اتخذ المجلس في هذه الدورة عدة قرارات منها:
١- إقرار لائحة الامتحانات في كليات الجامعة.
٢- تعيين الشيخ أبو بكر الجزائري عضو هيئة التدريس بكلية القرآن الكريم والدراسات الإسلامية عضواً في مجلس الجامعة لمدة سنتين.
٣- تعيين الشيخ عبد الرؤوف اللبدي عضو هيئة التدريس بكلية اللغة العربية عضواً في مجلس الجامعة لمدة سنتين.
٤- اعتماد الحساب الختامي للجامعة في العام الحالي ٩٧/١٣٩٨هـ وتعيين مراقب لحسابات الجامعة لعام ٩٨/١٣٩٩هـ.
стр. 7392
٥- تعديل كادر المتعاقدين من هيئة التدريس وللمحاضرات والمعيدين ولائحة توظيفهم.
صدرت الموافقة السامية على تعيين أعضاء بالمجلس الأعلى للجامعة لمدة ثلاث سنوات وهم:-
١- فضيلة الشيخ أبو بكر جومي رئيس قضاة شمال نيجيريا.
٢- فضيلة الشيخ أبو الحسن الندوي رئيس ندوة العلماء بلكنو في الهند.
٣- معالي الدكتور إسحاق الفرحان رئيس الجامعة الأردنية سابقاً.
٤- فضيلة الدكتور محمد أديب صالح رئيس قسم علوم القرآن والسنة في جامعة دمشق.
٥- فضيلة الدكتور عبد الكريم زيدان الأستاذ بجامعة بغداد سابقاً.
٦- فضيلة الأستاذ محمد قطب الأستاذ بقسم الدراسات العليا بكلية الشريعة - مكة المكرمة-.
٧- معالي الشيخ يوسف جاسم الحجي وزير الأوقاف والشؤون الإسلامية بدولة الكويت.
٨- سعادة الأستاذ مندور المهدي عميد كلية التربية بجامعة الخرطوم.
٩- فضيلة الشيخ كمال التارزي مدير الشعائر الدينية بتونس.
١٠- سعادة الدكتور عبد السلام الهراس الأستاذ بجامعة محمد بن عبد الله بفاس.
١١- معالي الشيخ صالح بن عبد الرحمن الحصين.
١٢- معالي الدكتور عبد الله بن عبد المحسن التركي مدير جامعة محمد بن سعود الإسلامية بالرياض.
١٣- معالي الدكتور بكر بن عبد الله بكر مدير جامعة البترول والمعادن بالظهران.
تقوم الجامعة بإعادة طباعة تفسير الشيخ عبد الرحمن بن ناصر السعدي لتوزيعه ضمن الكتب التي تطبعها الجامعة للتوزيع.
стр. 7393
قامت الجامعة بطباعة خمسمائة ألف نسخة من رسالة التحقيق والإيضاح لكثير من مسائل الحج والعمرة والزيارة على ضوء الكتاب والسنة لسماحة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز الرئيس العام لإدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد، وقد وزعت الجامعة هذه الكمية على سفارات جلالة الملك في البلاد العربية لتقوم بتوزيعها على الذين يتقدمون إليها بطلب تأشيرة الدخول للملكة للحج والعمرة.
стр. 7394
شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن
لفضيلة الشيخ أبي بكر الجزائري
﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدىً لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كَانَ مَرِيضاً أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللهُ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ) .
يقدم شرحها - بمناسبة شهر رمضان المبارك -: ... الجزائري.
بسم الله، والحمد لله، والصلاة على رسول الله..
وبعد فإن هذه الآية الكريمة من سورة البقرة من كتاب هذه الأمة القرآن الكريم لمن أعظم آي القرآن الكريم خيراً وبركة، وذلك لأنها أوجبت صوم شهر رمضان الذي هو شهر البركة والخير، ولأنها أشادت بفضل القرآن العظيم ونوّهت بما فيه من الهدى والفرقان، والقرآن كله بركة وخير، ولأنها قرّرت رخصة الإفطار للمريض والمسافر والرخصة يسر، واليسر بركة وخير، ولأنها أبانت عن مراد الله تعالى لأمة الإسلام، ذلك المراد الكريم وهو اليسر في كل أمور هذه الأمة وشؤونها, والبعد بها عن مواطن الحرج والعسر. وفي هذا المراد الإلهي الخير كله والبركة جميعها، ولأنها بشرت أمة القرآن بهداية الله تعالى لها وهيأتها لشكر نعم ربها عليها وفي ذلك من الخير والبركة ما لا يعلم مداه إلا الله.
ومن هنا كان شرح هذه الآية لقراء المجلة يتطلب بسطة في القول يضيق عنه نطاق المجلة المحدود.
стр. 7395
وانطلاقاً من مبدأ: (ما لا يُدرك كله، لا يترك جله) فإنا نشرح هذه الآية الكريمة العظيمة شرحاً سنراعي فيه مستويات القراءة الثقافية العلمية المختلفة, وذلك عذرنا لذوي المستوى العلمي العالي؛ إذ هبطنا بالتعبير ليقرب من متناول ذوي العلم الضحل القليل، كما هو عذرنا لقليلي العلم والمعرفة إذا رفعنا العبارة إلى مستوى ما فوق السقوط والهبوط رَبْأً بالكلمات والمعاني من الإهمال والابتذال.
وتيسيراً للفهم، وإمتاعاً للعقل فإنا ننهج في شرح هذه الآية الكريمة نهج التحليل التقسيمي فنشرح ألفاظها أولاًّ، ثم جملها وتراكيبها ثانياً، ثم نسترج أحكامها الشرعية الحاوية لها، ثم نبرز مظاهر هدايتها الكامنة فيها، وبذلك يتم تحليل هذه الآية وشرحها المطلوب لها، والله المستعان، وعليه وحده التكلان..
أ - ألفاظها ومفرداتها:
﴿شَهْرُ﴾ الشهر: الوقت المعين أو المدة المحدودة من الزمن وهو تسعة وعشرون يوماً، أو ثلاثون ببيان رسول الله ﷺ كما هو في السنن والصحاح.
وقيل في هذه الفترة من الزمن شهر، لشهرتها بين الناس، وذلك لتعلق مصالحهم الدينية والدنيوية بها، إذ العقول لا بد لها من آجال ترتبط بها، ولا تعرف إلا بها.
﴿رَمَضَانَ﴾ اختلف في هذا اللفظ (رمضان) هل هو اسم جامد مرتجل، أو هو اسم مشتق؟ وإن كان مشتقاً فهل هو من الرمض الذي هو مطر ينزل أول الخريف، سمي به هذا الشهر، لأنه يغسل ذنوب أهله الصائمين له القائمين فيه المعظمين لحرمته؟ أو هو من الرمضاء التي هي شدة الحر المحرق, سمي بها هذا الشهر لأنه محرق ذنوب التائبين فيه ويطهرهم منها كما يطهر الجلد الدباغ؟.
وإن كان اسماً جامداً غير مشتق فهل هو اسم من أسماء الله تعالى لإضافة الشهر إليه في أكثر التعابير الشرعية, ومن ذلك هذه الآية ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ﴾ .
стр. 7396
ولو صح في هذا خبر عن سيد البشر لما جاز القول بغيره، ولكن لما لم يصح كان للناس أن يقولوا. والله أعلم بما هو الحق في ذلك.
﴿القُرْآنُ﴾ القرآن اسم وضع وضع الأعلام على كتاب الله تعالى المنزل على خاتم الأنبياء محمد ﷺ , وهل هو اسم جامد كما ذهب إليه الشافعي رحمه الله تعالى؟ أو هو مشتق من قرأ يقرأ قراءة وقرآناً كما ذهب إليه جمهور العلماء والمفسرين؟ وكونه مشتقاً من قرأ إذا جمع يقال: قرأ الماء في الحوض إذا جمعه، ولما كان القارئ للكتاب الكريم يجمع كلماته وتراكيبه عند النطق بها قيل له قارئ, والمقروء قرآن, فهو مصدر بمعنى المفعول, وضع علماً على كتاب الله تعالى ليعرف به بين سائر كتبه تعالى.
﴿هُدىً﴾ الهدى مصدر هدى يهدي هدىً وهدياً وهداية إذا أرشد إلى طريقة خير، أو سبيل سعادة. وجعل الله ﵎ القرآن هدى للناس؛ لأنه متى آمنوا به وأخذوا بما فيه من الشرائع والأحكام هداهم إلى سبل السعادة والسلام، ودلّهم على ما فيه صلاحهم وفلاحهم في الدنيا والأخرى، وأرشدهم إلى الخير الذي جبلوا على حبه والرغبة فيه ما استقامت فطرهم وسلمت أرواحهم من الخبث والشر.
﴿وَالْفُرْقَانِ﴾ هذا اللفظ مصدر فرق يفرق فرقاً وفرقاناً بين الشيئين والأشياء ميز بينها وفصل بعضها عن بعض.
أطلق على القرآن العظيم فصار علماً ثانياً له كالقران، لأنه يفرق بين الحق والباطل, والهدى والضلال, والكفر والإيمان، وبين كل الملتبسات والمتشابهات مما قد تضل فيه العقول ويلتبس عليها، وذلك لما فيه من أنواع الهدايات الإلهية العظيمة التي لا توجد في غيره من الكتب السماوية.
стр. 7397
﴿شَهِدَ﴾ شهد هنا هو بمعنى حضر الإعلان عن رؤية هلال رمضان سواء رآه بعينه مشاهداً له أو سمع الأخبار برؤيته، وهو حاضر غير مسافر, وصحيح غير مريض, فليصم على سبيل الوجوب إن كان بالغاً عاقلاً، وإن كانت امرأة اشترط في صومها أن تكون طاهرة من دَمَىِ الحيض والنفاس.
﴿فَلْيَصُمْهُ﴾ الفاء واقعة في جواب الشرط الذي هو (مَنْ) في قوله: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ﴾ , واللام للأمر الذي هو هنا للوجوب.
و (يَصُمْهُ) بمعنى يمسك عن المفطرات من طعام وشراب وغشيان النساء, والضمير عائد على شهر رمضان الذي تقدم في أول الآية، أي يمسك الشهر كله, فلا يفطر فيه إلا إذا مرض أو سافر, أو حاضت المرأة أو نفست.
﴿وَمَنْ كَانَ مَرِيضاً﴾ الواو للعطف أو الاستئناف، ومن كان مريضاً أي ومن قام به مرض, والمرض: هو انحراف الأمزجة المسبب لضعف القوة، وذهاب القدرة على تحمل مشقة التكليف الذي هو الصوم هنا.
﴿أَوْ عَلَى سَفَر﴾ أو حرف عطف، وعلى حرف جر واستعلاء, والسفر مشتق من سفر إذا ظهر, فمن ظهر من البلد الذي يسكنه بحيث خرج منه وتجاوز دياره ولو حكماً جاز له أن يفطر، ودلّ حرف (على) في الآية على أنه لا بد من السفر الفعلي فلا يكفي مجرد النية أو مباشرة بعض أسباب السفر بل لا بد من التمكن من السفر، وذلك لا يتم حقيقة إلا إذا خرج من البلد وتجاوز دياره، وبذلك يكون فد تمكن المسافر من السفر تمكن الراكب من ظهر دابته, أو ما يركبه، وهذا هو السر في حرف (على) في الآية.
والسفر الذي تذكره الآية السفر الشرعي لا اللغوي فليس لمؤمن أن يظهر خارج قريته ويفطر بحجة أنه مسافر، وإنما يفطر في السفر المباح الهادف إلى خير ديني أو دنيوي يتحقق للمسلم، وأن يكون مسافة تحصل معها المشقة الملائمة للرخصة.
стр. 7398
﴿فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ﴾ العدة بمعنى العدد، والأيام جمع يوم وهو هنا من طلوع الفجر إلى غروب الشمس، وأخر جمع آخر أب غير التي أفطرتم فيها من سائر أيام السنة.
والفاء داخلة على محذوف والتقدير: فمن كان منكم مريضاً أو على سفر فأفطر فعليه صيام عدة أيام أخر بقدر ما أفطر فيه، ومن هنا كان القضاء واجباً حتمياً. ومن فرط في القضاء بلا عذر حتى دخل عليه رمضان آخر فقضى بعده فإن عليه أن يطعم مسكيناً كل يوم يقضيه كفارة لتفريطه بلا عذر قام به.
﴿يُرِيدُ اللهُ بِكُمُ الْيُسْرَ﴾ إرادة الله تعالى هنا شرعية قدرية واليسر السهولة وهي ضد الشدة المسببة للمشقة, والجملة خبرية سيقت لتعليل حكم هذه الرخصة للمريض والمسافر, وهي مظهر من مظاهر الرحمة الإلهية.
﴿وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ العسر: الشدة والمشقة وهو خلاف اليسر والسهولة, والجملة معطوفة على الجملة قبلها ذكرت تقريراً لإرادة الله تعالى اليسر بهذه الأمة المرحومة أمة الإسلام.
﴿وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّة﴾ الواو للعطف والاستئناف، واللام للتعليل, والإكمال: الإتمام، والعدة: مجموعة أيام الشهر، أي رخص الله تعالى في الإفطار للمريض والمسافر وأوجب القضاء عليهما من أجل أن يكمل لهما صوم شهر رمضان فيثابون عليه كله، وفي ذلك من العناية بهذه الأمة وحسن التشريع لها والرأفة بها وإردة الخير لها ما لا يقدر قدره, فالحمد لله تعالى على نعمة الإسلام وكفى بها نعمة!!!
стр. 7399
﴿وَلِتُكَبِّرُوا اللهَ﴾ الواو للعطف أو للاستئناف, واللام للتعليل, وتكبروا بمعنى تعظموا الله تعالى بلفظ الله أكبر الله أكبر لا إله إلا الله، الله أكبر الله أكبر ولله الحمد, وذلك ليلة عيد الفطر وعند الخروج إلى المصلى، وعند انتظار الصلاة به بين هذا الرسول ﷺ ، أي شرع الله تعالى لنا الصوم والإفطار، فنصوم بأمره تعالى ونفطر بإذنه تعالى، وفي ذلك مظهر من مظاهر عظمة الرب تعالى وهنا يتعين التكبير لله والتعظيم، فتنطلق ألسنة المؤمنين لاهجة بأعظم لفظ: الله أكبر، الله أكبر, لا إله إلا الله الله أكبر، الله أكبر ولله الحمد..
﴿عَلَى مَا هَدَاكُم﴾ (على) هنا تعليلية بمعنى لأجل, أي تكبرون الله لأجل ما هداكم إليه من الصيام الذي هو من أعظم العبادات، والإفطار الذي هو من أكبر النعم على العباد حيث أباح لهم ربهم تعالى الأكل والشرب وما كان ممنوعاً بالصوم تعبداً لهم وتربية وتهذيباً، فله وحده الحمد والمنة.
﴿وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُون﴾ الواو للعطف.. (ولعل) هي الإعدادية كما قال بعض أهل الذوق القرآني أي تعد المؤمن للشكر.. و ﴿تَشْكُرُون﴾ بمعنى تظهرون نعمة الله عليكم بحمده تعالى المنعم بها، والثناء عليه مع طاعته بامتثال أمره واجتاب نهيه، فمن امتثل أمر الله فصام رمضان ثم أفطر يوم العيد ولبس صالح ثيابه وتصدق من طيب ماله، وخرج يلهج بذكر اسم ربه وصلى صلاة العيد فقد شكر الله، وأدّى بعض الواجب الذي خُلق لأجله الذي هو الذكر والشكر.
ب- جملها وتراكيبها:
قوله تعالى: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدىً لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ﴾ ..
стр. 7400
في هذا التركيب العظيم يخبر الله تعالى أنّ ما كتبه على عباده المؤمنين من صيام أيام معدودات بقوله أول السياق: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ أَيَّاماً مَعْدُودَاتٍ﴾ : هو أيام شهر رمضان المبارك الذي هو سيد الشهور وأفضلها بما خصه الله تعالى به من نزول القرآن سيد الكتب وأفضلها فيه ابتداءً، حيث نزل الروح الأمين بأول آية منه وهي: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ. خَلَقَ الإنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ. اقْرَأْ وَرَبُّكَ الأَكْرَمُ. الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ. عَلَّمَ الإنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾ ، في رمضان بلا خلاف، وانتهاء حيث نزل القرآن جملة واحدة من اللوح المحفوظ إلى بيت العزة من السماء الدنيا، وكان ذلك في ليلة القدر من رمضان لقوله تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾ ، وقوله: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ﴾ وهي ليلة القدر ويشهد لذلك الاحتفال بها من قبل الملائكة في السماء والمؤمنين من الناس في الأرض كل ليلة قدر من رمضان ﴿تَنَزَّلُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ سَلامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ﴾ . كما أن الله تعالى قد أنزل في شأن صيام رمضان قرآناً، به وجب صومه وتحتم على المؤمنين قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ ، وقال: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْه﴾ أي شهر رمضان.
فهذه المعاني الثلاثة أوردناها تندرج كلها تحت لفظ شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن.
стр. 7401
وأما قوله تعالى: ﴿هُدىً لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ﴾ فإن هذا الجزء من القول أو التركيب هو حال من القرآن أي أنزله تعالى حال كونه هدىً للناس عامة، فكل إنسان يؤمن به ويقدمه بين يديه, نور هداية اهتدى به فأرشده إلى ما يكمل آدميته ويسعده في الدنيا ويؤهله لسعادة الدار الآخرة وبينات من الهدى والفرقان، حيث حوى من التشريع العاصم من الضلال والمنجي من الردى والهلاك، والموضح لسبل السعادة وطرق الكمال ما لا يوجد في غيره مما سبقه من كتب الله تعالى التي أنزلها على رسله ﵈.
قوله تعالى: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كَانَ مَرِيضاً أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ .
في هذا التركيب الكريم يأمر الله تعالى المؤمنين الذي أعلمهم بأنه كتب عليهم صيام شهر رمضان المعظم يأمرهم بأن كل من حضر دخول شهر رمضان؛ عليه أن يصومه أمراً لازماً وقضاءً محتوماً، اللهم إلا من كان مريضاً أو على سفر، فإنّ له أن يفطر دفعاً للمشقة التي قد تلحقه بالصيام، وإذا هو أفطر فإنّ عليه قضاء أيام أخر بعدد الأيام التي أفطرها من رمضان لمرضه أو سفره.
وقوله تعالى: ﴿يُرِيدُ اللهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْر﴾ .
إن هذا الجزء من التركيب في الآية قد سيق لغرض التعليل لرخصة الإفطار في رمضان بسبب المرض أو السفر، كما فيه بشرى تثلج لها صدور المؤمنين وتقرّ بها أعين المسلمين، إذ أخبرهم ربهم أن شأنه معهم دائماً إرادة اليسر بهم، ونفى العسر عنهم في كل ما يشرع لهم, ويدعوهم إليه ويهديهم إلى فعله والقيام به من سائر العبادات والقرب والطاعات.
وقوله تعالى: ﴿وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ ..
تضمن هذا الجزء الأخير من الآية ثلاث تعليلات:
стр. 7402
الأول: التعليل لقضاء ما أفطر فيه المريض والمسافر من رمضان، فإن العلة في القضاء هي أن يكمل المؤمن عدة صوم رمضان, فيصوم تسعة وعشرين يوماً أو ثلاثين، فيثاب ثواب من صام كل رمضان ولم يفطر فيه، وهذا خير عظيم وفضل كبير حيث أيام القضاء وهي قطعاً من غير شهر رمضان بانضمامها إلى عدة أيام رمضان تصبح ذات فضل وأجر كأنما هي من شهر رمضان.
والثاني: التعليل لهداية الله تعالى لهذه الأمة إلى أكمل الشرائع وأحسنها، وأجلها وأعظمها مع التوفيق للأخذ بها والعمل بما فيها، مما يبعث على تكبير الله تعالى وتعظيمه، فالقلوب تستشعر عظمة الله تعالى من عظمة علمه وتشريعه، والألسن تلهج بذكره وتكبيره: الله أكبر الله أكبر لا إله إلا الله الله أكبر ولله الحمد.
والتعليل الثالث: فإنه مسوق لكل ما تقدم من الإنعامات الإلهية على هذه الأمة، فالله تعالى يَخْلُق ليذكر ويُنعِم ليُشكَر، وتلك الغاية التي من أجلها خلق الخلق، فإنه ما خلق ولا رزق ولا أكرم ولا أنعم إلا ليذكر بذلك ويشكر فيما أنعم تعالى على هذه الأمة المسلمة من جزيل النعم، وعظيم الامتنان أعدها لشكره, وهو الشكور الحليم.
ج- استخراج أحكامها:
إنّ هذه الآية الكريمة المباركة تعدّ من آيات الأحكام لاحتوائها على عدة أحكام شرعية منها:
١- وجوب صوم رمضان الدال عليه قوله تعالى: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ .
٢- وجوب ترائي هلال رمضان؛ إذ صيام رمضان يتوقف على رؤية هلاله، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب.
٣- الرخصة في الإفطار لمن لا يطيق الصيام لمرض أو لكبر سنّ، ولمن تلحقه مشقة السفر، أو حمل أو إرضاع الدال عليه قوله تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَر﴾ .
٤- وجوب قضاء ما أفطر فيه صاحب الرخصة لقوله تعالى: ﴿فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَر﴾ .
стр. 7403
٥- سقوط سائر التكاليف بالعجز الكامل الذي هو انعدام القدرة على أداء الواجب أو الانكفاف عن المحظور, دل على هذا الحكم قوله تعالى: ﴿يُرِيدُ اللهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ وهو قوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ .
٦- وجوب تعظيم الرب ﵎ الدال عليه قوله تعالى: ﴿وَلِتُكَبِّرُوا اللهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ .
٧- وجوب شكر النعم بحمد الله تعالى والثناء عليه وذكره وطاعته الدال عليه قوله تعالى: ﴿عَلَى مَا هَدَاكُمْ﴾ .
٨- مشروعية التكبير ليلة العيد ويومه عند الذهاب إلى المصلى, وهو مظهر من مظاهر تعظيم الرب وشكره وذكره وحسن عبادته، وفي الحديث: "يا معاذ إني أحبك فلا تدعنّ أن تقول دبر كلا صلاة: اللهم أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك". اللهم أعنا على ذلك إنك قوي قدير.
د – ما في الآية من هداية:
إنّ في كل آية من كتاب الله تعالى هداية خاصة تحملها للمؤمنين، وللناس أجمعين إذ كل آية تدل باللزوم على وجود الله وقدرته وعلمه ورحمته وسائر نعوت الكمال له، كما تدل على نبوة محمد ورسالته ﷺ ، وأعظم بهذه الهداية من هداية للعالمين, كما تدل بدلالة الخطاب على هداية خاصة وقد تتعدد وجوه الهداية في الآية الواحدة كما في آيتنا المباركة هذه فتبلغ العدد الكثير وهذا طرف مما حملته هذه الآية من هداية لأمة الإسلام:-
١ – جمع قلوب المسلمين على تعظيم ما عظم الله تعالى من شهر رمضان والقرآن العظيم وفي هذا من الهداية والبركة والخير ما لا يقدر قدره، ولا يعرف مداه ولا يُطاق حصره.
٢ – رفع قيمة أمة الإسلام، وإظهارها في مظاهر الوحدة والنظام مما يجعلها المثل الكامل بين شعوب العالم وأممه إذا التزمت ذلك.
стр. 7404
٣ – تحقيق مبدأ الإيجابية بين أفراد الأمة الإسلامية، والقضاء على مظاهر السلبية والتواكل, تلك المظاهر التي تزري بالأمم والشعوب، وتقودها إلى هاوية الهلاك والدمار.
٤ – المحافظة على ينابيع الخير والجمال والكمال في أمة الإسلام، وذلك بقيامها بشكر الله تعالى بذكره وطاعته، والشكر يقيد النعم الواردة ويجلب النعم الشاردة، كما قيل وصح.
٥ – تقرير مبدأ الخير والجمال وهما زينة حياة الأمم والشعوب وسرّ مجدها وعنصر بقائها حية قوية نامية صالحة تنفع وتضر، وتهدي الحيارى إلى سبل الخير والسلام.
وأخيراً نشير إلى مكامن هذه الهدايات الخمس من الآية الكريمة فنقول:
إنها في تعظيم رمضان والقرآن.
إنها في سرعة الامتثال والطاعة الصادقة.
إنها في جلال التشريع وجماله وسره وشموله.
إنها في الوفاء الكامل بالالتزام أي التزام كان مما هو شرع وطاعة لله ورسوله.
إنها في الذكر والشكر وهما علة الحياة وسر كل الوجود.
стр. 7405
أهل الكتاب في القرآن الكريم
لفضيلة الشيخ معوض عوض إبراهيم
لا يبعد عن الصواب من يرى "المنافقين"جرثومة يهود، وإن أفرد الله في صدر سورة البقرة الحديث عن المنافقين بعد حديثه عن الذين كفروا. والإمام القرطبي يقول في قوله تعالى:
﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا كَمَا آمَنَ النَّاسُ قَالُوا أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السُّفَهَاءُ﴾ الآية [١] . ..
"وروى الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس أنها نزلت في شأن اليهود، أي وإذا قيل لهم - يعني اليهود - آمنوا كما آمن الناس: عبد الله بن سلام وأصحابه، قالوا: أنؤمن كما آمن السفهاء يعني الجهال والخرقاء" [٢] . .
إن اليهود يجامعون المنافقين بما استوجبوه بكفرهم في عاجل أمرهم وآجله، ويذهبون بعد كل خسيسة ونقيضة تطالع القارئ لآيات سورة البقرة تحدثت عن بني إسرائيل باعتبارهم أصل اليهود والنصارى، وكأننا نرى تلكم الآيات تمسك بمخانقهم، وتكشف عن خبيئتهم وتدعهم تفسيراً حياً، وواقعاً بشرياً لما ترويه إلى أبد الدهر من صفاتهم وتصرفاتهم.
فإذا انتهينا من كلام الله عن المنافقين، دورنا بخشوع ويقين على مشاهد وجود الله، وشواهد نسبة القرآن إلى من أنزله معجزة خالدة تالدة على مصطفاه، وفي ذلك ما يسكت المتكلمين بالإنكار والمحاراة في هذه الحقائق المجلوة البينة، وإن كان الذي يعلم من خلق قد قضى فيهم قضاؤه بقوله: ﴿فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا..﴾ , قال الإمام القرطبي: "وهذا من الغيوب التي يضربها القرآن قبل وقوعها" [٣] .
стр. 7406
واجهنا معجزة القرآن في عرضه لأمور كثيرة تكون بين الغرض الواحد التفاتة عقلية وروحية هادية وتنقلاً يجم الخواطر، وينعش البصائر فتستقبل الكلام في السياق الأول أقدر ما تكون تفهماً واستيعاباً ﴿قُلْ أَنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ غَفُوراً رَحِيماً﴾ [٤] .
والمفسرون يرون في قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ لا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلاً مَا..﴾ الآية [٥]
أن اليهود هم المرادون بقوله تعالى: ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَيَقُولُونَ مَاذَا أَرَادَ اللهُ بِهَذَا مَثَلاً﴾ .
قال الحسن وقتادة: "لما ذكر الله الذباب والعنكبوت في كتابه, وضرب للمشركين به المثل, ضحكت اليهود، قالوا: "ما يشبه هذا كلام الله فنزلت الآية".
والآيات - بعد - وإن ذكر الله فيها صفات "الفاسقين"الخارجين عن طاعة الله تعالى كفراً أو عصياناً قلا يمتنع أن تكون في يهود [٦] فهم - لا ريب - ناقضوا العهود، وما أقطعهم لمن كان ينبغي أن يصلوه وقد عرفوه كما عرفوا أبناءهم، مما تحدثت به كتبهم وأنبياؤهم، وتأمل مثل قوله تعالى: ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُم﴾ [٧] ، ﴿وَآمِنُوا بِمَا أَنْزَلْتُ مُصَدِّقاً لِمَا مَعَكُمْ وَلا تَكُونُوا أَوَّلَ كَافِرٍ بِه﴾ [٨] . حلقات في سلسلة تأخذ من القوم بالنواصي والأقدام..
وكم هي لمحة ذكية أن يقول الإمام القرطبي في قوله تعالى: ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتاً فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ..﴾ [٩] .
" فإن قيل: كيف يجوز أن يكون هذا الخطاب لأهل الكتاب وهم لم يكفروا به؟!
"فالجواب ما سبق من أنهم لما لم يثبتوا أمر محمد ﵊ ولم يصدقوه فيما جاء به فقد أشركوا؛ لأنهم لم يقروا بأن القرآن من عند الله, ومن زعم بأن القرآن كلام البشر فقد أشرك، وصار ناقضاً للعهد.." [١٠] .
стр. 7407
وتتصل الآيات في بيان مقاصد عليا وغايات رفيعة، ثم ترانا من الآية ٤٠ حتى نهاية كلام الله تعالى عن تحويل القبلة أمام صور إحسان الله إلى بني إسرائيل، وأنعمه عليهم إلى مدى لم يكن من قبل لغيرهم، وإن لم يثن منهم إلى الله عنانا، ورحم الله ابن قيم الجوزية فقد قال: "فالأمة الغضبية هم اليهود، أهل الكذب والبهت والغدر والمكر والحيل، قتلة الأنبياء وأكلة السحت - وهو الربا والرشا -، أخبث الأمم طوية، وأردأهم سجية، وأبعدهم من الرحمة، وأقربهم من النقمة، عادتهم البغضاء، ودينهم العداوة والشحناء، بيت السحر والكذب والحيل، لا يرون من لمن خالفهم - في كفرهم وتكذيبهم الأنبياء - حرمة، ولا يرقبون في مؤمن إلاًّ ولا ذمة، ولا لمن وافقهم عندهم حق ولا شفقة، ولا لمن شاركهم عندهم عدل ولا نصَفة، بل أخبثهم أعقلهم، وأحذقهم أغشهم، وسليم الناصية - وحاشاه أن يوجد بينهم – ليس بيهودي على الحقيقة، أضيق الخلق صدوراً، وأظلمهم بيوتاً، وأنتنهم أفنية، وأوحشهم سجية، تحيتهم لعنة، ولقاؤهم طيرة، وشعارهم الغضب، ووثارهم المقت" [١١] .
إن ابن القيم ﵀ يقدم بهذه العجالة دراسة فاحصة مستوعبة عن يهود، مبدؤها ومستمدها كتاب الله، ابتداءً من قوله تعالى: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ﴾ من سورة الفاتحة، فقد سماهم النبي صلوات الله عليه، وما لعاقل مَعْدِل عما سمى رسول الله ﷺ في حديث عدي بن حاتم، كما أخرجه الإمام أحمد وغيره بإسناد حسن، وقال الإمام القرطبي: "ويشهد لهذا التفسير قوله سبحانه في اليهود: ﴿وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللهِ﴾ [١٢] , وقال: ﴿وَغَضِبَ اللهُ عَلَيْهِمْ﴾ [١٣] ا. هـ وقال: ﴿مَنْ لَعَنَهُ اللهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِير﴾ [١٤] .
стр. 7408
إنّ القوم محجوبون بقبائحهم عن رضوان الله، فكم حرفوا كلامه، وعصوا رسله وقتلوا أنبياءه والذين يأمرون بالقسط من الناس، وكانوا من خلال كل جريمة خلقية, وكأنما قدت قلوبهم من الحجر، وإن تراءوا في صور البشر, فلا عجب أن يضرب الله فيهم الأمثال في غير مجال وما يزال قيد الخاطر قول الله في المنافقين: ﴿مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَاراً ... ﴾ وما وراءه فهي ليهود أشبه، وهم في قصة البقرة التي أمرهم موسى أن يذبحوها فجادلوا أول الأمر فيها حتى ذبحوها، وما كادوا يفعلون حتى انجلى حكم الله وحكمته.. على طبيعتهم في التعنت وسوء الأدب واللجاج مع نبيهم، ألا تراهم يقولون غير مرة لموسى ﵇: ﴿ادْعُ لَنَا رَبَّكَ﴾ وهو تعالى، ربه وربهم ورب كل شيء، بعد أن جهلوا أمر نبيهم عن ربهم "لو أن يذبحوا بقرة"ونسبوا إليه الاستهزاء بهم؟! إنها طبيعة القوم مذ كانوا إلى اليوم وما بقي منهم واحد, وشديد عادة منتزعة. وليس عجباً أن ينتهي ذلك السياق بقوله تعالى فيهم:
﴿ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الأَنْهَارُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَاءُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللهِ وَمَا اللهِ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ [١٥] .
ومهما تعددت أقوال المفسرين في الذين قست قلوبهم ههنا, فإن قوم موسى هم المرادون أولاً وأخيرا وعلى كل حال، فما كان أهل القتيل إلا نفراً من بني إسرائيل، قال ابن عباس: "المراد: قلوب ورثة القتيل لأنهم حين حَيِيَ وأخبر بقاتله وعاد إلى موته أنكروا قتله، وقالوا: كذب بعد ما رأوا هذه الآية العظمى.. أن يضرب القتيل ببعض البقرة بعد ذبحها فيتكلم.. لم يكونوا قط أعمى قلوباً ولا أشد تكذيباً لنبيهم منهم عند ذلك. ." [١٦]
стр. 7409
والقوم يتجاهلون حقائق وحقوقاً بغياً وعدواً، ويصور لهم ضلالهم، ووهمهم وباطل فهمهم أن الوجود كلّه لهم، وليس لسواهم حق في شيء، فيفضح الله دخيلتهم، ويهتك أستارهم, ويقلل أسرارهم، ويقيض للبشرية من يتابع ذلك من رجال السياسة وزعماء الإصلاح في عصر بعد عصر ليكون الناس من هؤلاء القوم أيقاظاً حذرين من شرور ومكايد تختفي وتبين بحسب الظروف والأحوال.
وإذ اكان الحديث عن أهل الكتاب يهود ونصارى، وهم وكل مبطل اليوم كما كانوا في كل يوم مضى على قلب رجل واحد في العداوة للإسلام والكيد للمسلمين, فلا بأس في أن أورد ههنا كلاماً لمارتن لوثر الذي يذكر على رأس الثورة التي يسمونها ثورة الإصلاح المسيحي في القرن السادس عشر الميلادي فهو يقول: "وأين عقول النصارى - إن كانت لهم عقول؟ ".. مما يقول؟!
"هؤلاء هم الكذابون الحقيقيون, مصاصوا الدماء, الذين لم يكتفوا بتحريف الكتاب المقدس وإفساده, من الدنة إلى الدفة، بل إنهم ما فتئوا يفسرون محتوياته حسب أهوائهم وشهواتهم، وما كل هذه الآهات - والتنهدات والحسرات المتصاعدة من أعماق قلوبهم إلا تعبيراً عن انتظار اليوم الذي يستطيعون فيه معاملتنا، كما سبق أن عاملوا الوثنيين وعبَّاد النار خلال العهود الغابرة أيام الملكة استير في بلاد فارس.
"أواه لكم هم مغرمون بقصة استير لانسجامها مع أمزجة المشغوفة بالدماء، ونفسياتهم المغرمة بالانتقام، ومع تعطشهم لجشع الإجرام.. إن التاريخ لم يعرف بعد شعباً مصاصاً للدماء، ولهاً بالانتقام الدموي كالشعب اليهودي.. أقول وهي اليوم ترمي غيرها بدائها وتذرف دموع التماسيح ودماء غيرهم تتقاطر من بين الأصابع متناسية أن للناس عقولاً وأبصاراً وأفئدة"ويتابع مارتن لوثر قائلاً: "الشعب اليهودي الذي يعتبر نفسه الشعب المصطفى المختار، كذريعة يتخذها مبرراً ليبيح لنفسه قتل الآمنين وسحقهم وشنقهم..".
стр. 7410
"إن أول ما ينتظره اليهود من "مسيحهم المرتقب"، مبادرته إل ذبح جميع شعوب العالم وإبادتها، مستخدماً سيف الانتقام الدموي "اليهودي"كما حاولوا أن يفعلوا بنا، نحن المسيحيين، وكما يودون لو استطاعوا تكرار المحاولة بنجاح".
وكم هي صيحة تبددت في فضاء الغفلات قول لوثر يومئذٍ "ولن يعرف التاريخ كذلك شعباً بمستوى الجشع الذي يتميز به اليهود، فهكذا كانوا، وهكذا هم اليوم، وهكذا سيبقون إلى الأبد، وهم يمنون النفس الآن.. والرجل كان يتكلم في القرن السادس عشر - بأنه حال ظهور "مسيحهم المرتقب"فسيبادر أيضاً إلى جمع ذهب العالم وفضته ليوزعها بالتساوي عليهم".
ويردف لوثر قائلاً: "وبينما يعفوا الأمراء وأصحاب السلطة والمسئولون في العالم، غافلين عما يدبر حولهم وبين ظهرانيهم يتابع اليهود سرقة وسلب ما يريدون من خزائن هؤلاء وصناديقهم المفتوحة. والمسئولون بذلك إنما يخاطرون بأنفسهم وبرعاياهم حينما يتركون اليهود يمتصون دماءهم ويسلخون جلودهم برباهم الأسطوري الفاحش وأساليبهم الاحتيالية الخادعة.. وهكذا يتحول الأمراء والمسؤلون.. وهم أصحاب المال الشرعيون أصلاً - إلى شحاذين فقراء في بلادهم".
وكأني بالرجل وبيننا وبينه هذه القرون يرى بعض الواقع في ديارنا بخاصة وفي العالم عامة!! "وفي كل واد أثر من ثعلبة"! ..
ثم يقول الرجل بمرارة وأسىً تعتلج بهما أنفس كثيرين وإن كان الداعي اليوم أمعن وأوجع.. "لقد استولى اليهود على أموالنا وأرزاقنا، فأصبحوا أرباب نعمتنا على أرضنا وفي وطننا، وهم المنبوذون "..
أقول: لقد صنع منبوذوا الأمس لأنفسهم وطناً، واتخذوا القدس له عاصمة، وهم يعملون جهرة للانسياب والتسلل إلى مقدسات أخرى وديار، وما كان شيء من ذلك يكون لولا غيبة الدين وما يستتبعه من أنانيات وغفلات يقول في مثلها علي بن أبي طالب ﵁: "لا قيام للباطل إلا في غفلة الحق"..
стр. 7411
ومارتن لوثر يذكر يقظة القوم وتناجيهم بصوالحهم الخاصة، ويبرز بعض مبادئهم وأفكارهم التي يتواصون بها باغين فيقول:
"وهم يتهامسون في مجالسهم الخاصة لترسيخ إيمانهم بأنفسهم وكراهيتهم العميقة لنا":
"استمروا في تنفيذ خططنا، وسترون أن الله لن يتخلى عن شعبه المنبوذ المضطهد، إننا لا نبذل جهداً ولا نعمل، بل نحن استمرأنا البطالة والكسل، فمن ليس يهودياً هو الذي يجب أن يعمل ويعرق من أجلنا، ونحن من تجب أن تجنى ثمار كده وأرباح تعبه وعرقه كي نصبح تدريجياً أسياد العالم، وتتحول شعوب الأرض بدورها إلى عبيد لنا وخدَّام.. امضوا في ثبات - هكذا يقول اليهود - يا أبناء إسرائيل الأعزاء، في السير على هذا الطريق فاليوم الذي سنكون فيه أفضل مما نحن عليه الآن، آت لا ريب فيه، إن مسيحنا المنتظر سيظهر إذا واصلنا السير على هذا المنوال، فنكون دائماً من الغانمين الرابحين، بربانا الفاحش، وتظفر أيدينا في النهاية بكل أملاك وأموال الوثنيين والملحدين"ويتحدث لوثر بعد أن أورد من تهامس القوم ما أورد.. فيقول:
"لقد لقنهم آباؤهم وحاخاماتهم منذ نعومة الأظفار الكراهية السامة لكل غريب عن ملتهم، لا يدين باليهودية، وما برحوا حتى يومنا هذا يمضون - دون كلل - تلك الكراهية المجسدة في كل فرد منهم، حتى إن الكراهية تغلغلت - كما جاء في الزمور ١٠٩ - في أجسادهم ودمائهم، فسيطرت عليهم، وغلفت عظامهم وأدمغتهم فغدت منهم وفيهم كما هي حياتهم وكيانهم، وكما أنه يستحيل عليهم تغيير أجسادهم ودمائهم وعظامهم وأدمغتهم، كذلك يستحيل عليهم أن يتخلوا عن طباعهم المتأصلة فيهم، كالتكبر والغرور والجشع والحسد، لذلك لا مفر لهم من بقائهم على ما هم عليه: طماعون, حاسدون, مرابون, إلى أن تحل الساعة التي يبيدون فيها أنفسهم أو تقع المعجزة" [١٧] .
وينتهي الرجل وهو لوثر مصلح نصراني فيقول:
стр. 7412
"فلتكن أيها المسيحي، على ثقة من أنه ليس هناك من عدو لك مبين، بعد الشيطان سوى اليهودي السامّ ببغضائه، القاسي بحقده، الطافح الناضح بالجشع والطمع والكراهية، الذي يسعى بكل جهده، ويتمنى بكل قلبه ليكون "يهودياً" حقيقياً بكل ما في الكلمة من معنى.
وكل ذ لك يبرهن على أن حكم المسيح فيهم كان عادلاً من وصفهم بالسامّين المنتقمين، الحيات, الأفاعي الضارة، القتلة المأجورين، وأبناء الشياطن, الذين يقتلون ويلحقون الأذى بالآخرين غيلة وكيداً وغدراً؛ لأنهم أضعف وأعجز من أن يفعلوا ذلك علناً وبصورة مكشوفة"ا. هـ[١٨] .
إن كلام المصلحين النصارى والحكام عبر القرون في "يهود"يطول ويكثر، وكلامهم وكلام اليهود "النصارى"كذلك، وجل الله الذي يقول:
﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصَارَى عَلَى شَيْءٍ وَقَالَتِ النَّصَارَى لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلَى شَيْءٍ وَهُمْ يَتْلُونَ الْكِتَابَ كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ مِثْلَ قَوْلِهِمْ فاللهُ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ [١٩] .
--------------------------------------------------------------------------------
[١] البقرة: ١٣.
[٢] تفسير القرطبي ج ١ ص ٢٠٥ طبعة دار القلم.
[٣] الكتاب السابق ج ١ ص ٢٣٤.
[٤] الفرقان: ٦.
[٥] البقرة: ٢٦.
[٦] قال ابن الجوزي في تفسيره للآية: "وفي المراد بالفاسقين هنا ثلاثة أقوال: أحدهما أنهم اليهود كما قال ابن عباس"اهـ ج ١ ص ٥٦ وهم راحلون في القولين الآخرين.
[٧] البقرة.
[٨] البقرة.
[٩] البقرة.
[١٠] تفسير القرطبي ج١ ص ٢٤٨-٢٤٩.
[١١] كتابه هداية الحيارى ص ٨ توزيع الجامعة الإسلامية.
[١٢] البقرة: ٦١.
[١٣] الفتح/ ٦, تفسير القرطبي: ١٤٩-١٥٠.
[١٤] المائدة: ٦٣.
[١٥] البقرة: ٧٤.
стр. 7413
[١٦] القرطبي ص ٤٦٣.
[١٧] لقد انتهى زمن المعجزات وعلى المؤمنين وهم يودون التفسير أن يذكروا قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ وَلَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لانْتَصَرَ مِنْهُمْ وَلَكِنْ لِيَبْلُوَ بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ﴾ سورة محمد: ٤.
[١٨] بتصرف من كتاب "اليهود" للأستاذ زهدي الفاتح.
[١٩] البقرة: ١١٣.
стр. 7414
في رحاب سورة المائدة
د. إبراهيم عبد الحميد سلامه
أسماؤها:
لهذه السورة الكريمة ثلاثة أسماء: ـ
١ – المائدة، وذلك لأن الله - جل في علاه - قص علينا فيها قول الحواريين لعيسى ﵇: ﴿هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ..﴾ ؟ وما جرى بين عيسى وبينهم، حيث نصحهم بتقوى الله، وأرشدهم إلى ترك اقتراح الآيات المادية على ربهم، وأنهم بينوا له الغرض من طلبهم هذا فقالوا: ﴿نُرِيدُ أَنْ نَأْكُلَ مِنْهَا وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنَا وَنَعْلَمَ أَنْ قَدْ صَدَقْتَنَا وَنَكُونَ عَلَيْهَا مِنَ الشَّاهِدِينَ﴾ (المائدة: من الآية١١٣) , وهنا رفع عيسى أكف الضراعة إلى ربه قائلاً: ﴿اللَّهُمَّ رَبَّنَا أَنْزِلْ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ تَكُونُ لَنَا عِيداً لأَوَّلِنَا وَآخِرِنَا وَآيَةً مِنْكَ وَارْزُقْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ﴾ [١] .
٢ - سورة العقود، وذلك لقول الله في مطلعها: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الأَنْعَامِ إِلاَّ مَا يُتْلَى عَلَيْكُم..﴾ الآية. (المائدة: الآية:١)
٣ – المنقذة؛ لأنها تنقذ صاحبها من أيدي ملائكة العذاب، يقول القرطبي في تفسيره: "روى عنه ﷺ أنه قال: "سورة المائدة تدعى [٢] في ملكوت الله المنقذة، تنقذ صاحبها من أيدي ملائكة العذاب" [٣] .
نزولها:
هي مدنية بالإجماع، فقد أخرج ابن المنذر وابن جرير عن قتادة قال: "المائدة مدنية" [٤] .
стр. 7415
بل إنّ سورة المائدة من أواخر سور القرآن نزولاً فقد أخرج أحمد والنسائي والمنذر والحاكم وصححه وابن مردوي ة والبيهقي في سننه عن جبير بن نفير قال: "حججت فدخلت على عائشة فقالت لي: يا جبير، تقرأ المائدة؟ فقلت: نعم فقالت: أما إنها آخر سورة نزلت، فما وجدتم فيها من حلال فاستحلوه, وما وجدتم من حرام فحرموه" [٥] .
وأخرج أبو عبيد عن محمد بن كعب القرظي قال: "نزلت سورة المائدة على رسول الله ﷺ في حجة الوداع فيما بين مكة والمدينة وهو على ناقته، فتصدعت كتفها، فنزل عنها رسول الله ﷺ وذلك من ثقل الوحي" [٦] .
وإذاً فمدنية هذه السورة بناء على أرجح مذاهب العلماء وأشهرها من أن المدني ما نزل بعد الهجرة، ولو كان نزوله بمكة أو في الطريق بين مكة والمدينة، فالحد الفاصل بين المكي والمدني هو وصول رسول الله ﷺ إلى المدينة، فكل ما نزل قبله من القرآن فهو مكي، وكل ما نزل بعده فهو مدني ولو كان نزوله بمكة [٧] .
عدد آياتها:
هي مائة وعشرون آية عند الكوفيين، ومائة وثلاث وعشرون آية عند البصريين، ومائة وثنتان وعشرون آية عند غيرهم.
وسبب هذا الاختلاف أن النبي ﷺ كان إذا قرأ على أصحابه السورة لأول مرة - بعد أن يكتمل نزولها - يقف على رأس كل آية للتوقيف وإعلامهم برؤوس الآيات والفواصل، فإذا قرأ السورة نفسها مرة أخرى فإنه قد يصل بين آيتين منها؛ لأن الثانية تتم معنى الأولى، فيظن من لم يسمع القراءة الأولى لهذه السورة أن هاتين الآيتين آية واحدة، فيترتب على هذا الاختلاف في عدد الآيات.
وهناك سب آخر لاختلاف الكوفيين والبصريين وغيرهم في عدد الآيات القرآنية، هو الاختلاف في البسملة وهل هي آية من كل سورة أو لا؟ فمن عدّها آية تكون السورة عنده أزيد آية واحدة بالنسبة لغيره الذي لا يعتبرها كذلك [٨] .
стр. 7416
وعلى كل فالخطب في مثل هذا الاختلاف يسير هين، لأنه لا يترتب عليه زيادة ولا نقص في القرآن الكريم، فمن قال: إن سورة المائدة مائة وعشرون آية، لا ينكر ثلاث آيات منها بناء على الرأي الآخر الذي يقول: إنها مائة وثلاث وعشرون آية, وصاحب هذا القول الأخير لا يضيف إلى السورة ثلاث آيات، لا يقول بها صاحب الرأي الأول - وإذاً فلا ضرر في هذا الاختلاف؛ لأنه لا يترتب عليه زيادة ولا نقص في النص القرآني، وإنما هو خلاف في عدد الآيات فقط وإن كان الكل مجمعين على آيات كل سورة بلا خلاف.
علاقتها بسورة النساء:
إن المتأمل في هاتين السورتين ليرى أن الثانية تناسب الأولى وترتبط بها من وجوه عديدة:
الأول: أن سورة النساء قد اشتملت على عدة عقود، صراحة أو ضمناً, فالصريح: عقد النكاح والصداق والحلف والمعاهدة، والضمني: عقد الوصية والوديعة والوكالة والعارية، وغير ذلك مما هو داخل في عموم قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا..﴾ (النساء: الآية: ٥٨) , فناسب ذلك أن تتبع هذه السورة بما يناسب ذلك وهو الأمر بإيفاء العقود والحفاظ عليها والالتزام بموجبها وذلكم في قوله تعالى في مطلع سورة المائدة: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ..﴾ (المائدة: الآية:١) , فكأنه قيل: يا أيها الناس أوفوا بالعقود التي فرغ من ذكرها في السورة السابقة وإن كان في هذه أيضاً عقود، ذكر هذا الوجه الآلوسي نقلاً عن الجلال السيوطي [٩] .
الثاني: أنه سبحانه لما ختم سورة النساء آمراً بالتوحيد والعدل وإعطاء كل ذي حق حقه، حيث بيّن أنصبة الورثة وحذّر من تجاوز ما شرعه وبينه حيث قال: ﴿يُبَيِّنُ اللهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا﴾ (النساء: الآية:١٧٦) ناسب ذلك أن تفتتح هذه السورة بالأمر بالإيفاء بالعقود والمواثيق والحفاظ عليها، وعدم التحلل منها بحال.
стр. 7417
الثالث: أن سورة النساء مهدت السبيل لتحريم الخمر، حيث جاء فيها قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُون..﴾ الآية [١٠] , وسورة المائدة حرمتها ألبتة، فكانت متممة لشيء فيما قبلها، وذلكم في قوله تعالى في المائدة: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [١١] .
الرابع: أن معظم سورة المائدة في محاجة اليهود والنصارى، مع ذكر شيء من أمر المنافقين والمشركين، وذلك ما تكرر في سورة النساء، ولا سيما في آخرها، فذلك من أقوى المناسبات وأظهر وجوه الاتصال بين السورتين، كأن ما جاء منه في المائدة مكمل ومتمم لما جاء في النساء.
هذا وفي كل من السورتين - فوق ما تقدم - طائفة من الأحكام العملية في العبادات، والحلال والحرام، كآيتي التيمم والوضوء، وحكم حل المحصنات من المؤمنات، والأمر بالقيام بالقسط، والشهادة بالعدل, من غير محاباة لأحد، والوصية بتقوى الله تعالى.
وهنا سؤال يفرض نفسه وهو: لماذا يحرص كثير من المفسرين على ذكر العلاقات والمناسبات التي تربط بين سور القرآن الكريم بعضها ببعض؟ وهل يلزم وجود مثل هذه العلاقات والمناسبات بين آيات القرآن بعضها مع بعض؟ على معنى أن تكون هناك مناسبة بين كل آية وسابقتها ولاحقتها ومناسبة وصلة بين كل سورة وسابقتها ولاحقتها كذلك؟
стр. 7418
والجواب على ذلك: أن المفسرين يحرصون على ذكر هذه المناسبات، ليظهروا للناس كلهم وخاصة من عنوا بالدراسات القرآنية ما في هذا الكتاب العزيز من أحكام وترابط وانسجام وتآلف فهو: ﴿الر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ﴾ (هود:١) . أي أنه منظم رصين، متقن متين، لا يتطرق إليه خلل لفظي ولا معنوي, كأنه بناء مشيد محكم، يتحدى الزمن, ولا ينتابه تصدع ولا وهن، مصداقاً لقول الله فيه: ﴿وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ, لا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ [١٢] .
وإذا كان الأمر على ما ذكر فإنه يلزم أن تكون هناك مناسبات وعلاقات بين الآي والسور القرآنية، ويتحتم أن يكون هناك ترابط وانسجام وتآلف بين كل آية وسابقتها ولاحقتها، وكل سورة وسابقتها ولاحقتها كذلك، لأنه كلام الله المعجز للبشر الذي أعجز الفصحاء والبلغاء بأسلوبه الفذ، وأعياهم عن الإتيان بمثل أقصر سورة منه: ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً﴾ [١٣] .
стр. 7419
ومن العجيب أن الإمام الشوكاني وهو علَمٌ في التفسير، يعيب على المفسرين هذا المسلك، ويقلل من قيمة هذا العمل، وهو بيان التزام الربط بين الآيات القرآنية وسورها، بل إنه يصرّح بعدم وجود العلاقة والمناسبة بين آيات نزلت في مناسبات مختلفة وظروف متباينة، ويستدل على قوله هذا بأن ترتيب السور القرآنية في المصحف مغاير لترتيب نزولها، وإذا كان الأمر كذلك: "فأيّ معنى لطلب المناسبة بين آيات نعلم قطعاً أنه قد تقدم في ترتيب المصحف ما أنزله الله متأخراً، وتأخر ما أنزله الله متقدماً، فإن هذا عمل لا يرجع إلى ترتيب نزول القرآن، بل إلى ما وقع الترتيب عند جمعه ممن تصدى لذلك من الصحابة، وما أقل نفع مثل هذا وأنزر ثمرته وأحقر فائدته. ." [١٤] .
والناظر في كلام الإمام الشوكاني يجد أنه مبني على أمرين اثنين:
هما نزول القرآن مفرقا ومنجماً حسب الحوادث والأسئلة والقضايا التي كانت تثار على رسول الله ﷺ , وأن ترتيب المصحف مغاير لترتيب النزول, وهو من عمل الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين.
والحق أن ذلك كله لا يمنع من وجود الترابط والانسجام والتآلف بين الآيات والسور القرآنية، التي بلغت أعلى درجة في البلاغة والفصاحة والإحكام.
ذلك أن القرآن الكريم، وإن نزل منجماً ومفرقاً حسب الحوادث والوقائع إلا أن جبريل ﵇ كان يوقف رسول الله ﷺ على موضع الآية من السورة، وكان ﷺ يرشد أصحابه وخاصة كتّاب الوحي إلى ذلك، فيقول: "ضعوا هذه الآية هذا الموضع من هذه السورة"، أو بين آيتي كذا وكذا من سورة كذا, وذلك لأن ترتيب آيات القرآن من النظم المعجز، ولذلك لم يقل أحد بأنه من صنع البشر.
وإذا كان ترتيب الآيات في سورها توقيفاً - فإنه من غير شك - يكون على أعلى درجات الإحكام والترابط والانساج والتآلف.
стр. 7420
وأما ترتيب السور القرآنية في المصحف وكونه من عمل الصحابة, فإن ذلك أيضاً لا يمنع من وجود المناسبات والعلاقات بين السور القرآنية؛ لأن الصحابة - رضوان الله عليهم أجمعين - كانوا في عملهم ملتزمين الترتيب الذي علموه من رسول الله ﷺ ، فقد كان يتلو القرآن أمامهم في الصلاة وخارجها.
وخلاصة ما تقدم أن الآيات القرآنية قد رتبت في عهد رسول الله وبتوقيت منه عن جبريل ﵇، حفظاً في الصدور وكتابةً في السطور، وأما السور فقد رتبت في عهده حفظاً فقط، ولم ترتب كتابة لعدم جمع القرآن كله في مصحف واحد في عهده ﷺ ، فقام أصحابه رضوان الله عليهم بهذا العمل على النحو الذي كانوا يسمعونه من رسول الله ﷺ .
ولعل الإمام الشوكاني يريد أن يقول إن المناسبة بين بعض الآيات قد لا تكون واضحة، أو أن العقول البشرية قد تقصر أو تعجز عن إدراكها, وفي مثل هذه الحالات فإنه يحسن عدم التكلف والتعسف في إظهارها تنزيهاً لكلام الله تعالى عن محض الرأي المنهي عنه.
والذي يدفعني إلى هذا الفهم من كلام الشوكاني أمران:
الأول: أنه إمام من أئمة التفسير وعلم من أعلامه المبرزين فيبعد على مثله أن ينكر المناسبات بين آيات القرآن الكريم وسوره فيما يظهر لي ولو أن كلامه يبدو منه الإنكار.
الثاني: أن الدارس لتفسير الشوكاني يجد أنه كثيراً ما يذكر المناسبات والعلاقات التي تربط آيات القرآن الكريم بعضها ببعض في عبارة واضحة لا لبس فيها ولا خفاء وأكتفي بذكر مثال واحد يؤكد هذه الحقيقة:
стр. 7421
عند شرحه لقوله تعالى: ﴿وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَار..﴾ (البقرة: الآية ٢٥) ، ذكر علاقته بما سبقه فقال: "لما ذكر تعالى جزاء الكافرين عقبه بجزاء المؤمنين، ليجمع بين الترغيب والترهيب والوعد والوعيد، كما هي عادته سبحانه في كتابه العزيز، لما في ذلك من تنشيط عباده المؤمنين لطاعاته، وتثبيط عباده الكافرين عن معاصيه" [١٥] .
إلى غير ذلك من المثل العديدة البارزة في تفسير الإمام الشوكاني والتي جعلتنا نفهم كلامه على النحو السابق، وإن كانت عبارته ظاهرة في إفادة عدم التناسب بين الآيات حيث يقول: ".. وإذا كانت أسباب النزول مختلفة هذا الاختلاف، ومتبانية هذا التباين الذي لا يتيسر معه الائتلاف، فالقرآن النازل فيها هو باعتباره نفسه مختلف كاختلافها، فكيف يطلب العاقل المناسبة بين الضب والنون، والماء والنار, والملاج والحادي، وهل هذا إلا من فتح أبواب الشك، وتوسيع دائرة الريب على من في قلبه مرض؟ " [١٦] .
وفي ختام هذه الدراسة نحب أن نقف وقفة متأنية مع قصة ولدي آدم ﵇ التي قصها الله علينا في هذه السورة الكريمة لنقف على بعض ما فيها من عظات وعبر، وإليك البيان: ـ
стр. 7422
قال تعالى: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَاناً فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الآخَرِ قَالَ لأَقْتُلَنَّكَ قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ, لَئِنْ بَسَطْتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لأَقْتُلَكَ إِنِّي أَخَافُ اللهَ رَبَّ الْعَالَمِين, َ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بإِثْمِي وَإِثْمِكَ فَتَكُونَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ وَذَلِكَ جَزَاءُ الظَّالِمِينَ, فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ فَأَصْبَحَ مِنَ الْخَاسِرِينَ, فَبَعَثَ اللهُ غُرَاباً يَبْحَثُ فِي الأَرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوَارِي سَوْءَةَ أَخِيهِ قَالَ يَا وَيْلَتَى أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَذَا الْغُرَابِ فَأُوَارِيَ سَوْءَةَ أَخِي فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ﴾ [١٧] .
معاني المفردات:
﴿اتْلُ﴾ الأصل في هذه المادة التبع، فالتلو - بالكسر - ولد الناقة والشاة، إذا فطم وصار يتبعها، وكل ما يتبع غيره في شيء يقال له تلوه، والتلاوة - بالكسر -: القراءة, ولا تكاد تستعمل إلا في قراءة كلام الله تعالى، وسميت قراءته تلاوة لأنه مثاني، كلما قرئ منه شيء أتبع بقراءة غيره أو بإعادته أو لأن شأنه أن يُقرأ ليتبع بالاهتداء والعمل به.
﴿نَبَأَ﴾ : النبأ هو الخبر العظيم الذي له شأنه.
﴿بِالحقِّ﴾ : أي تلاوة متلبسة بالحق والصحة، لأنها من عند الله.
﴿قُرْبَاناً﴾ : هو اسم لما تتقرب به إلى الله من ذبيحة أو صدقة أو غير ذلك.
﴿بَسَطْتَ إِلَيَّ يَدَكَ﴾ : مددتها لقتلي وإراقة دمي.
﴿تَبُوءَ بإِثْمِي وَإِثْمِكَ﴾ : أي ترجع بإثم قتلك لي، وإثمك الخاص بك، الذي كان من شؤمه عدم قبول قُربانك.
﴿فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ﴾ : أي زينته وسهلته، وشجعته عليه.
стр. 7423
﴿سَوْءَةَ أَخِيهِ﴾ : أي جسده، وقيل: عورته؛ لأنها تسوء ناظرها، وخصت بالذكر وإن كان المطلوب مواراة جميع الجسد لأن سترها آكد [١٨] .
علاقة الآيات بما قبلها:
بعد أن ذكر - عز اسمه - موقف اليهود من رسول الله ﷺ وإعراضهم عن دعوته على الرغم من وضوح البراهين الدالة على صدقه، حتى همّ قوم أن يبسطوا أيديهم لقتله، وقتل كبار أصحابه، مصداقاً لقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللهِ عَلَيْكُمْ إِذْ هَمَّ قَوْمٌ أَنْ يَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ فَكَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ﴾ . [١٩] وما ذاك إلا حسداً منهم لرسول الله ﵊, على ما آتاه الله من الدين الحق، وذكر كذلك تمردهم على نبيهم موسى ﵇, ونكوصهم عن قتال الجبارين, وذكر بعد ذلك قصة ولدي آدم ﵇ اللذين قتل أحدهما صاحبه، بياناً لكون الحسد الذي صرف هؤلاء عن الإيمان بمحمد ﷺ , وحملهم على عداوته عريقاً في الآدميين، فالداء قديم والشر أصيل، وإن كان هؤلاء اليهود قد ورثوا عن أسلافهم من هذا الداء الحظ الأوفر، والنصيب الأكبر مصداقاً لقوله تعالى فيهم: ﴿بِئْسَمَا اشْتَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ أَنْ يَكْفُرُوا بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ بَغْياً أَنْ يُنَزِّلَ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ﴾ [٢٠] . وقوله: ﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّاراً حَسَداً مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ﴾ [٢١] .
قال القرطبي: "وجه اتصال هذه الآية بما قبلها، التنبيه من الله على أن ظلم اليهود ونقضهم المواثيق والعهود كظلم ابن آدم لأخيه" [٢٢] .
في ظلال النص الكريم:
стр. 7424
يأمر الله - جلّ في علاه - رسوله محمداً ﷺ أن يتلو على الناس عامة وأهل الكتاب خاصة, ذلك النبأ العظيم، نبأ ابني آدم, تلاوة متلبسة بالحق, مظهرة له، لأنها من عند الله عالم الغيب والشهادة, مبينة لغرائز البشر وطبائعهم وأنهم جُبلوا على التباين والاختلاف, الذي يفضي إلى التحاسد والتقاتل، ليعلموا الحكمة فيما شرعه الله من عقوبات رادعة للبغاة الظالمين, الذين يحاربون الله ورسوله, ويسعون في الأرض فساداً، وليعلم أهل الكتاب صدق محمد ﷺ , وذلك لاشتمال كتبهم على هذه القصة، وهو لم يطلع على هذه الكتب، فتعين أن يكون علمها عن طريق الوحي، فتقوم بذلك الحجة عليهم ويعرف الجميع أنهم ضلوا على علم، وجحدوا عن بينة.
وخلاصة نبأ ولدي آدم أن كلا منهما قرب لربه قرباناً، فتقبل من أحدهما, لتقواه وإخلاصه وطيب نفسه بما قدم، ورفض قربان الآخر لأنه كان على العكس من ذلك كله، عندئذ ثارت ثائرته ودب الحسد في قلبه، وحمله على البغي والعدوان فقال مهدداً ومتوعداً أخاه الذي تقبل الله قربانه: ﴿لأَقْتُلَنَّكَ﴾ فأجابه بقوله: ﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾ أي: إنما يتقبل الله الصدقات وغيرها من الأعمال, القبول الحسن المقترن بالرضا والمثوبة من عباده المتقين المخلصين.
فهذا الجواب يتضمن بيان سبب قبول قربان أحدهما ورفض قربان الآخر، وكأن هذا الابن البار يقول لأخيه: إنني لم أرتكب ذنباً في حقك لتقتلني، فإن كان الله تعالى لم يتقبل منك، فارجع إلى نفسك فحاسبها على السبب، فإنما يتقبل الله من المتقين الذين يتقون الله ولا يقعون في المعاصي, فاحمل نفسك على تقوى الله, والإخلاص له في العمل، ثم تقرب إليه بصالح الأعمال فإنه عندئذٍ يتقبل أعمالك, ويرضى عنك، ويجزيك خيراً [٢٣] .
стр. 7425
ثم بين الابن البار لأخيه الحاقد حقيقة أخرى هي حرمة إراقة الدماء فقال: ﴿لَئِنْ بَسَطْتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لأَقْتُلَكَ إِنِّي أَخَافُ اللهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ﴾ أن يراني باسطاً يدي إلى الإجرام وسفك الدم بغير حق، فإن ذلك يسخطه ويوجب عقابه ونقمته؛ لأنه رب العالمين الذي يغذيهم بنعمه ويربيهم بفضله وإحسانه، فالاعتداء على أرواحهم أعظم مفسدة لهذه التربية.
وهذا الجواب من الأخ البار التقي يتضمن أبلغ موعظة، وألطف استعطاف لأخيه الحاقد العازم على إراقة الدم بغير حق, ثم يواصل الابن البار نصح أخيه وإرشاده عله أن يرعوي ويعود إلى رشده، فكيف عن تهديده وتوعده له بالقتل، مذكراً إياه بعذاب الآخرة فيقول: ﴿إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بإِثْمِي وَإِثْمِكَ فَتَكُونَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ وَذَلِكَ جَزَاءُ الظَّالِمِينَ﴾ .
قال الفخر الرازي: "كيف يعقل أن يبوء القاتل بإثم المقتول مع أنه تعالى قال: ﴿وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ (الأنعام: الآية: ١٦٤) .
والجواب من وجهين:
الأول: قال ابن عباس وابن مسعود والحسن وقتادة ﵃ معناه: "تحمل إثم قتلي، وإثمك الذي كان منك قبل قتلي".
والثاني: قال الزجاج: "معناه ترجع إلى الله بإثم قتلي، وإثمك الذي من أجله لم يتقبل قربانك" [٢٤] .
وهناك وجه آخر في الجواب, وهو أن القاتل يحمل في الآخرة إثم المقتول إن كانت له آثام، وذلك يعارض قوله تعالى: ﴿وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ ؛ لأن تحمل القاتل لآثام المقتول إنما هو بسبب قتله له، فالقاتل بهذا لا يحمل إلا أوزار نفسه.
ونلاحظ من هذه المواقف أن الأخ التقي البار قد ترقى في نصح أخيه الحاقد وصرفه عن عزمه على النحو التالي:
١ – بين له أنه أُتيَ من قبل نفسه لعدم تقواه ﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾ .
следующие страницы →