← Джавами‘

Джавами‘ · id 4473

مجلة الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (23 804 стр.). Показаны 7421–7460 · переход к 7426.

стр. 7421

عند شرحه لقوله تعالى: ﴿وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَار..﴾ (البقرة: الآية ٢٥) ، ذكر علاقته بما سبقه فقال: "لما ذكر تعالى جزاء الكافرين عقبه بجزاء المؤمنين، ليجمع بين الترغيب والترهيب والوعد والوعيد، كما هي عادته سبحانه في كتابه العزيز، لما في ذلك من تنشيط عباده المؤمنين لطاعاته، وتثبيط عباده الكافرين عن معاصيه" [١٥] . إلى غير ذلك من المثل العديدة البارزة في تفسير الإمام الشوكاني والتي جعلتنا نفهم كلامه على النحو السابق، وإن كانت عبارته ظاهرة في إفادة عدم التناسب بين الآيات حيث يقول: ".. وإذا كانت أسباب النزول مختلفة هذا الاختلاف، ومتبانية هذا التباين الذي لا يتيسر معه الائتلاف، فالقرآن النازل فيها هو باعتباره نفسه مختلف كاختلافها، فكيف يطلب العاقل المناسبة بين الضب والنون، والماء والنار, والملاج والحادي، وهل هذا إلا من فتح أبواب الشك، وتوسيع دائرة الريب على من في قلبه مرض؟ " [١٦] . وفي ختام هذه الدراسة نحب أن نقف وقفة متأنية مع قصة ولدي آدم ﵇ التي قصها الله علينا في هذه السورة الكريمة لنقف على بعض ما فيها من عظات وعبر، وإليك البيان: ـ

стр. 7422

قال تعالى: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَاناً فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الآخَرِ قَالَ لأَقْتُلَنَّكَ قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ, لَئِنْ بَسَطْتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لأَقْتُلَكَ إِنِّي أَخَافُ اللهَ رَبَّ الْعَالَمِين, َ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بإِثْمِي وَإِثْمِكَ فَتَكُونَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ وَذَلِكَ جَزَاءُ الظَّالِمِينَ, فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ فَأَصْبَحَ مِنَ الْخَاسِرِينَ, فَبَعَثَ اللهُ غُرَاباً يَبْحَثُ فِي الأَرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوَارِي سَوْءَةَ أَخِيهِ قَالَ يَا وَيْلَتَى أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَذَا الْغُرَابِ فَأُوَارِيَ سَوْءَةَ أَخِي فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ﴾ [١٧] . معاني المفردات: ﴿اتْلُ﴾ الأصل في هذه المادة التبع، فالتلو - بالكسر - ولد الناقة والشاة، إذا فطم وصار يتبعها، وكل ما يتبع غيره في شيء يقال له تلوه، والتلاوة - بالكسر -: القراءة, ولا تكاد تستعمل إلا في قراءة كلام الله تعالى، وسميت قراءته تلاوة لأنه مثاني، كلما قرئ منه شيء أتبع بقراءة غيره أو بإعادته أو لأن شأنه أن يُقرأ ليتبع بالاهتداء والعمل به. ﴿نَبَأَ﴾ : النبأ هو الخبر العظيم الذي له شأنه. ﴿بِالحقِّ﴾ : أي تلاوة متلبسة بالحق والصحة، لأنها من عند الله. ﴿قُرْبَاناً﴾ : هو اسم لما تتقرب به إلى الله من ذبيحة أو صدقة أو غير ذلك. ﴿بَسَطْتَ إِلَيَّ يَدَكَ﴾ : مددتها لقتلي وإراقة دمي. ﴿تَبُوءَ بإِثْمِي وَإِثْمِكَ﴾ : أي ترجع بإثم قتلك لي، وإثمك الخاص بك، الذي كان من شؤمه عدم قبول قُربانك. ﴿فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ﴾ : أي زينته وسهلته، وشجعته عليه.

стр. 7423

﴿سَوْءَةَ أَخِيهِ﴾ : أي جسده، وقيل: عورته؛ لأنها تسوء ناظرها، وخصت بالذكر وإن كان المطلوب مواراة جميع الجسد لأن سترها آكد [١٨] . علاقة الآيات بما قبلها: بعد أن ذكر - عز اسمه - موقف اليهود من رسول الله ﷺ وإعراضهم عن دعوته على الرغم من وضوح البراهين الدالة على صدقه، حتى همّ قوم أن يبسطوا أيديهم لقتله، وقتل كبار أصحابه، مصداقاً لقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللهِ عَلَيْكُمْ إِذْ هَمَّ قَوْمٌ أَنْ يَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ فَكَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ﴾ . [١٩] وما ذاك إلا حسداً منهم لرسول الله ﵊, على ما آتاه الله من الدين الحق، وذكر كذلك تمردهم على نبيهم موسى ﵇, ونكوصهم عن قتال الجبارين, وذكر بعد ذلك قصة ولدي آدم ﵇ اللذين قتل أحدهما صاحبه، بياناً لكون الحسد الذي صرف هؤلاء عن الإيمان بمحمد ﷺ , وحملهم على عداوته عريقاً في الآدميين، فالداء قديم والشر أصيل، وإن كان هؤلاء اليهود قد ورثوا عن أسلافهم من هذا الداء الحظ الأوفر، والنصيب الأكبر مصداقاً لقوله تعالى فيهم: ﴿بِئْسَمَا اشْتَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ أَنْ يَكْفُرُوا بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ بَغْياً أَنْ يُنَزِّلَ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ﴾ [٢٠] . وقوله: ﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّاراً حَسَداً مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ﴾ [٢١] . قال القرطبي: "وجه اتصال هذه الآية بما قبلها، التنبيه من الله على أن ظلم اليهود ونقضهم المواثيق والعهود كظلم ابن آدم لأخيه" [٢٢] . في ظلال النص الكريم:

стр. 7424

يأمر الله - جلّ في علاه - رسوله محمداً ﷺ أن يتلو على الناس عامة وأهل الكتاب خاصة, ذلك النبأ العظيم، نبأ ابني آدم, تلاوة متلبسة بالحق, مظهرة له، لأنها من عند الله عالم الغيب والشهادة, مبينة لغرائز البشر وطبائعهم وأنهم جُبلوا على التباين والاختلاف, الذي يفضي إلى التحاسد والتقاتل، ليعلموا الحكمة فيما شرعه الله من عقوبات رادعة للبغاة الظالمين, الذين يحاربون الله ورسوله, ويسعون في الأرض فساداً، وليعلم أهل الكتاب صدق محمد ﷺ , وذلك لاشتمال كتبهم على هذه القصة، وهو لم يطلع على هذه الكتب، فتعين أن يكون علمها عن طريق الوحي، فتقوم بذلك الحجة عليهم ويعرف الجميع أنهم ضلوا على علم، وجحدوا عن بينة. وخلاصة نبأ ولدي آدم أن كلا منهما قرب لربه قرباناً، فتقبل من أحدهما, لتقواه وإخلاصه وطيب نفسه بما قدم، ورفض قربان الآخر لأنه كان على العكس من ذلك كله، عندئذ ثارت ثائرته ودب الحسد في قلبه، وحمله على البغي والعدوان فقال مهدداً ومتوعداً أخاه الذي تقبل الله قربانه: ﴿لأَقْتُلَنَّكَ﴾ فأجابه بقوله: ﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾ أي: إنما يتقبل الله الصدقات وغيرها من الأعمال, القبول الحسن المقترن بالرضا والمثوبة من عباده المتقين المخلصين. فهذا الجواب يتضمن بيان سبب قبول قربان أحدهما ورفض قربان الآخر، وكأن هذا الابن البار يقول لأخيه: إنني لم أرتكب ذنباً في حقك لتقتلني، فإن كان الله تعالى لم يتقبل منك، فارجع إلى نفسك فحاسبها على السبب، فإنما يتقبل الله من المتقين الذين يتقون الله ولا يقعون في المعاصي, فاحمل نفسك على تقوى الله, والإخلاص له في العمل، ثم تقرب إليه بصالح الأعمال فإنه عندئذٍ يتقبل أعمالك, ويرضى عنك، ويجزيك خيراً [٢٣] .

стр. 7425

ثم بين الابن البار لأخيه الحاقد حقيقة أخرى هي حرمة إراقة الدماء فقال: ﴿لَئِنْ بَسَطْتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لأَقْتُلَكَ إِنِّي أَخَافُ اللهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ﴾ أن يراني باسطاً يدي إلى الإجرام وسفك الدم بغير حق، فإن ذلك يسخطه ويوجب عقابه ونقمته؛ لأنه رب العالمين الذي يغذيهم بنعمه ويربيهم بفضله وإحسانه، فالاعتداء على أرواحهم أعظم مفسدة لهذه التربية. وهذا الجواب من الأخ البار التقي يتضمن أبلغ موعظة، وألطف استعطاف لأخيه الحاقد العازم على إراقة الدم بغير حق, ثم يواصل الابن البار نصح أخيه وإرشاده عله أن يرعوي ويعود إلى رشده، فكيف عن تهديده وتوعده له بالقتل، مذكراً إياه بعذاب الآخرة فيقول: ﴿إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بإِثْمِي وَإِثْمِكَ فَتَكُونَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ وَذَلِكَ جَزَاءُ الظَّالِمِينَ﴾ . قال الفخر الرازي: "كيف يعقل أن يبوء القاتل بإثم المقتول مع أنه تعالى قال: ﴿وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ (الأنعام: الآية: ١٦٤) . والجواب من وجهين: الأول: قال ابن عباس وابن مسعود والحسن وقتادة ﵃ معناه: "تحمل إثم قتلي، وإثمك الذي كان منك قبل قتلي". والثاني: قال الزجاج: "معناه ترجع إلى الله بإثم قتلي، وإثمك الذي من أجله لم يتقبل قربانك" [٢٤] . وهناك وجه آخر في الجواب, وهو أن القاتل يحمل في الآخرة إثم المقتول إن كانت له آثام، وذلك يعارض قوله تعالى: ﴿وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ ؛ لأن تحمل القاتل لآثام المقتول إنما هو بسبب قتله له، فالقاتل بهذا لا يحمل إلا أوزار نفسه. ونلاحظ من هذه المواقف أن الأخ التقي البار قد ترقى في نصح أخيه الحاقد وصرفه عن عزمه على النحو التالي: ١ – بين له أنه أُتيَ من قبل نفسه لعدم تقواه ﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾ .

стр. 7426

٢ – نزه نفسه عن مقابلة الجناية بمثلها: ﴿لَئِنْ بَسَطْتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لأَقْتُلَكَ﴾ . ٣ – ذكره بما يجب عليه من خوف ربه واتقاء عذبه: ﴿إِنِّي أَخَافُ اللهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ﴾ . ٤ – ذكره بأن المعتدي يحمل وزر نفسه وأوزار المعتدى عليه: ﴿إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بإِثْمِي وَإِثْمِكَ﴾ . ٥ – ذكره بعذاب النار وكونها مثوى للظالمين الفجار ﴿فَتَكُونَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ وَذَلِكَ جَزَاءُ الظَّالِمِينَ﴾ . ولكن هل أثرت هذه المواعظ وتلك النصائح الغالية في نفس ذلك الأخ الحاقد الباغي؟ ذلك ما بينه ربنا بقوله: ﴿فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ فَأَصْبَحَ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ لقد كان بفطرته البشرية يتخوف من قتل أخيه، ويتهيب هذا الأمر العظيم، ولكن نفسه الأمارة بالسوء ما زالت به تسهل له هذا المنكر, وتزينه وتشجعه عليه، حتى تجرأ وأقدم على هذه الجريمة النكراء، جريمة قتل أخيه ظلماً وعدواناً، بلا تفكر ولا تدبر، فأصبح بعمله هذا من الذي خسروا أنفسهم حيث عرضوها لعقاب الله ونقمته، وخسروا أقرب الناس إليهم, وأبرهم بهم، وخسروا نعيم الآخرة, إذ لم يعودوا أهلاً لدار المتقين، بل صاروا أهلاً لجهنم وبئس مثوى الظالمين. قال الشوكاني في تفسيره: "وقد ثبت في الصحيحين وغيرهما من حديث عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله ﷺ : "لا تقتل نفس ظلماً إلا كان على ابن آدم الأول كفل من دمها، لأنه أول من سن القتل" [٢٥] .

стр. 7427

ولما كانت هذه أول جريمة قتل ترتكب على ظهر الأرض، فإن هذا القاتل الأثيم لم يعرف كيف يتخلص من جثمان أخيه، فشاءت حكمة الله أن يكون تلميذاً للغراب، حيث يتعلم منه سنة الدفن ومواراة جسد الميت في التراب، فكان ما قصه الله بقوله: ﴿فَبَعَثَ اللهُ غُرَاباً يَبْحَثُ فِي الأَرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوَارِي سَوْءَةَ أَخِيهِ قَالَ يَا وَيْلَتَى أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَذَا الْغُرَابِ فَأُوَارِيَ سَوْءَةَ أَخِي فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ﴾ . وقول هذا الأخ القاتل: ﴿يَا وَيْلَتَى﴾ يدل على شدة تحسره وتألمه، لأن هذه الكلمة لا تقال إلا عند حلول الدواهي العظام، والمصائب الكبار، ولكن هذا التحسر لم يكن ندماً وتوبة وخوفاً من الله، ولكنه كان لإحساسه لأنه صار دون الغراب علماً وتصرفاً، ولو كان ندمه ندم توبة لقبل الله توبته، ولكن الله أخبر عنه أن صار بعمله هذا من جملة الخاسرين, وكذلك دلت السنة المطهرة على أنه سيحمل كفلاً من دم كل نفس تقتل ظلماً وعدواناً، لأنه أول من سن القتل، فدل ذلك كله على عدم توبته. وإذاً فتحسر هذا الأخ وندمه إنما كانا لعدم انتفاعه بقتل أخيه, وإحساسه بأنه صار دون الغراب علماً وتصرفاً كما أسلفنا. قال الفخر الرازي: "فلما كان من النادمين كان من التائبين فلم تقبل توبته؟ أجابوا عنه من وجوه: الوجه الأول: أنه لما لم يعلم الدفن إلا من الغراب صار من النادمين. الثاني: أنه صار من النادمين على قتل أخيه، لأنه لم ينتفع بقتله، فضلاً عن أن قتل الابن يثير غضب والديه وإخوته فكان ندمه لهذه الأسباب، لا لكونه معصية. الثالث: أن ندمه كان لأجل أنه تركه بالعراء استخفافاً به بعد قتله.. فكان ندمه لذلك، لا لأجل الخوف من الله تعالى، فلا جرم أن لم ينفعه ذل ك الندم" [٢٦] .

стр. 7428

وقد اختلف أهل العلم في ابني آدم المذكورين، هل كانا لصلبه أو لا؟ فذهب الجمهور إلى الأول، وذهب الحسن والضحاك إلى الثاني، وقالا: إنهما كانا من بني إسرائي، فضر ب بهما المثل في إبانة حسد اليهود، وكانت بينهما خصومة فتقربا بقربانين، ولم تكن القرابين إلا في بني إسرائيل، والحق أن هذا كلام بعيد عن الصواب. قال ابن عطية: "وهذا وهم، أي من الحسن والضحاك إذ كيف يجهل صورة الدفن أحد من بني إسرائيل حتى يقتدي بالغراب في ذلك" [٢٧] . ولكن ما هو سبب تقديم ولدي آدم ﵇ لهذين القربانين، وهو قربان كل منهما؟ وكيف علما أنه تقبل من أحدهما دون الآخر؟ وكيف تم تنفيذ هذه الجريمة وهي الأولى من نوعها على ظهر هذه الأرض؟ ومتى وأين وقعت؟ وما هو اسم كل من هذين الاثنين؟ أسئلة كثيرة لم يعطها القرآن أدنى اهتمام، لأنه لا تتعلق بها فائدة، وإنما ركز القرآن على مواطن العظة والاعتبار التي تفيد البشرية المعذبة لو أنها أرادت لنفسها الهداية والاستقامة على الطريق بتطبيق شريعة الله. ولكن المفسرين قد أثاروا بعض هذه الأسئلة، وذكروا الإجابة عليها أقوالاً عديدة، واستندوا إلى روايات لا تعلم صحتها وجلها منقول عن أهل الكتاب: فمثلاً يقول صاحب روح المعاني: "أخرج ابن جرير عن مجاهد وابن جريج أن قابيل لم يدر كيف يقتل هابيل، فتمثل له إبليس اللعين في هيئة طير فأخذ طيراً فوضع رأسه بين حجرين فشدخه فعلمه القتل، فقتله وهو مستسلم"، ويقول كذلك: "واختلف في موضع قتله، فعن عمرو الشيباني عن كعب الأحبار أنه قتل على جبل دير المران، وفي رواية عنه أنه قتل على جبل (قاسيون) وقيل: عند عقبة حراء, وقيل: بالبصرة، في موضع المسجد الأعظم" ( [٢٨] ) .

стр. 7429

وكذلك ذكر المفسرون روايات كثيرة كهذه يجيبون بها على الأسئلة التي تثار حول هذه القصة القرآنية المنزلة بالحق من عند الله رب العالمين، لبيان أن الحسد يجر على صاحبه خزي الدنيا وعذاب الآخرة، ويجر صاحبه على البغي وقتل النفس التي حرم الله قتلها إلا بالحق. قال صاحب المنار: "ولكن هذه الرواية من الأخبار الإسرائيلية، وقد اختلفت فيها روايات السلف، وبعضها يوافق ما عند اليهود، وبعضها يخالفه، وليس فيها شيء مرفوع إلى النبي ﷺ يعول عليه" [٢٩] . ما ترشد إليه القصة من عظات وعبر ١ - الناس جبلوا على التباين والاختلاف وذلك يفضي إلى البغي والحسد وإراقة الدم ظلماً وعدواناً. ٢ – أن الحسد مرتعه وخيم، ويجلب على صاحبه خزي الدنيا وعذاب الآخرة. ٣ – أن الله لا يتقبل الأعمال إلا من عباده المتقين المخلصين. ٤ – أن خوف الله تعالى يحجز الإنسان عن محارم الله ومقابلة الشر بمثله، ويضبط سلوكه وتصرفاته وفق ما شرع الله. ٥ – حرمة الدماء بغير حق، ووجوب الحفاظ عليها، وعدم الاعتداء على أحد، لأن حياة الإنسان لها حرمتها العظيمة في نظر الإسلام الحنيف. ٦ – وجوب مخالفة النفس الأمارة بالسوء؛ لأنها تزين لصاحبها الشرور، وتغريه بالنكرات, حتى تورده موارد الهلكة والبوار. ٧ – في اشتمال القرآن على هذه القصة دليل على صدق محمد ﷺ في دعوى الرسالة، فتكون هذه القصة حجة على أهل الكتاب الذي ضلوا على علم وجحدوا عن بينة مصداقاً لقول الله فيهم: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ وَإِنَّ فَرِيقاً مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ (البقرة:١٤٦) .

стр. 7430

٨ – أن الحسد الذي صرف اليهود عن رسول الإسلام وحملهم على عداوته، عريق في الآدميين فالداء قديم والشر أصيل، وإن كان اليهود المعاصرون لرسول الله ﷺ قد ورثوا عن أسلافهم من هذا الداء أكبر حظ وأوفر نصيب والله أعلم. وصلى الله على نبينا محمد النبي الأمي، وعلى آله وصحبه ومن دعا بدعوته واهتدى بهديه إلى يوم الدين. -------------------------------------------------------------------------------- [١] راجع الآيات: ١١٢-١١٥ من سورة المائدة. [٢] يبحث عن درجة هذا الحديث. [٣] تفسير القرطبي: ٦/٣٠ وانظر الآلوسي: ٦/٤٧. [٤] فتح القدير للشوكاني: ٢/٣، والقرطبي: ٦/٣٠. [٥] أخرجه أحمد والنسائي وابن المنذر والحاكم وصححه، انظر فتح القدير: ٢/٣، وتفسير ابن كثير: ٢/٢ [٦] تفسير الآلوسي: ٦/٤٧، وفتح القدير: ٢/٣. [٧] راجع: مناهل العرفان للشيخ الزرقاني: ١/١٨٦-١٨٨. [٨] انظر: الإتقان للسيوطي: ١/٦٧، والبيان للشيخ غزلان: ٢٢٣، ومناهل العرفان للشيخ الزرقاني: ١/٣٣٧. [٩] الآلوسي: ٦/٤٨. [١٠] النساء: ٤٣. [١١] المائدة: ٩٠. الخمر كل ما يخمر العقل أي يغطيه ويستره. والميسر: القمار. والأنصاب: الأصنام المصنوعة للعبادة. والأزلام: قداح الميسر. [١٢] فصلت: ٤١-٤٢. [١٣] الإسراء: ٨٨. [١٤] انظر: فتح القدير للشوكاني: ١/٧٢-٧٣. [١٥] المرجع نفسه: ٣٨. [١٦] فتح القدير: ١/٧٢-٧٣. [١٧] المائدة: ٢٧-٣٠. [١٨] انظر: المنار: ٦/٣٤٠، والآلوسي: ٦/٣١٤. [١٩] المائدة: ١١. [٢٠] البقرة: ٩٠. [٢١] البقر: ١٠٩. [٢٢] تفسير القرطبي: ٦/١٣٣. [٢٣] انظر: تفسير المنار للشيخ رشيد رضا: ٦/٣٤٣. [٢٤] الفخر الرازي: ١٢/١٩٩. [٢٥] فتح القدير: ٢/٣٢، وانظر القرطبي: ٦/١٤٠. [٢٦] الفخر الرازي: ٦/٢٠٢.

стр. 7431

[٢٧] انظر: فتح القدير: ٢/٣٠. [٢٨] الآلوسي: ٦/١١٤-١١٥. [٢٩] تفسير المنار: ٦/٣٤٣.

стр. 7432

الصوم ومسلمو اليوم لفضيلة الشيخ عبد الفتاح عشماوي المدرس بالمعهد الثانوي التابع للجامعة الإسلامية وقبل الحديث عن الصوم مع مسلمي اليوم، نقدم عنه مع مسلمي الماضي كلمات في قليل الأسطر؛ ذلك لأن الصائب من الأمور لا يقال أو يكتب عنه كثير لوضوحه، خاصة لدى من يعقلون. فمسلمو الماضي أدركوا رهبة وهيبة نداء عُلْوي وجه مباشرة إلى أهل الإيمان، فلم يأمر نبيه صلوات الله عليه أن يقول لهم بنحو ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ ، كما ورد في مواضع عدة في القرآن الكريم، وما كان على الموحى إليه ﷺ إلا نقل هذا النداء المهيب إلى من عنُوا به ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ﴾ (البقرة: ١٨٣) , فأدركوا على الفور خطر الأمر، أدركوا أن هذا المنادي من أعلى لا جواب على ندائه إلا بلبيك يا اجل المنادين، وأدركوا أنه شرَّفهم بندائه المباشر، فأعدوا أنفسهم ليقابلوا هذا التشريف بأسرع ما تكون الطاعة، وأدركوا أنه وصفهم بالإيمان وهو يناديهم، فعزموا على أن يكونوا جديرين بهذا النعت العظيم الذي أضفاه عليهم، ومن هذه الإدراكات من أهل اللب الناهبين، قدروا جلل الأمر الذي كتب عليهم، وأنه لا بد سامق المكانة عند كاتبه سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ﴾ فعلموا من المنادي, أنه الآمر المطاع، وعلموا إلى من وُجّه النداء، إلى المؤمنين السبَّاقين إلى الطاعة، وأن المأمور به فرضٌ له عند الله خصوصية "إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به". .

стр. 7433

أدرك مسلمو الماضي هذه المعاني العجب، التي في أول آيات الصوم، فتتبعوا بعد ذلك متلهفين بقية آياته المنظمة لأدائه، حتى قوله تعالى: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللهِ فَلا تَقْرَبُوهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللهُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ (البقرة:١٨٧) ، فأصبح شهر رمضان عندهم أحب شهورهم، وربيع سنتهم، وخير ما يعيشون من أعمارهم، يتعجلون قدومه ليسعدوا بعز الذكر الذي نزل فيه، وليشمتوا بعدوهم الذي يكبل فيه وليزيدوا من سخاء أكفهم لستزيدوا من مثوبة ربهم وسعة فضله، ويستعيدوا بشهرهم أمجاد نصرهم لما سحقوا فيه عدوهم، فبقيادة نبيهم ﷺ وقعت فيه اثنتا عشرة ملحمة، اثنتان فاصلتان قادهما بنفسه، بدر والفتح، والباقي سرايا سيرها وحدد وجهتها وعين قادتها، ثلاث منها بقيادة علي، واثنتان بقيادة خالد، وقاد كلاً من الخمس الباقية، عبد الله بن عُتَيْك، وعبد الله بن رواحة، وأبو قتادة، وعمرو بن العاص، وسعد بن زيد ﵃ أجمعين، صوام الماضي كانوا يتعجلون شهر الصوم ليجعلوا منه لجام المتقين، فتصبح شهور الفرج لديهم ذليلة، ورغبة البطن معافة، والنظرة في دنياهم زهيدة، يتعجلون قدومه ليصوموه ليلاً ونهاراً، ففي النهار صاموه مادة معنى, لما صوّموا معهم آذانهم وأبصارهم وألسنتهم عن اللغو والتأثيم، وفي الليل جعلوا الصوم عن النوم، فتجافت جنوبهم عن مضاجعهم قياماً ودعاء وبكاء، وكان أكثر ما تفيض به أعينهم من الدمع عند وداعه في عشرته الأخيرة، يتحسرون لفراق شهرهم الحبيب، فهو موسم أرواحهم وواصلهم بربهم، لهذا منحو الفرحتين، وجنوا شهي الحسنيين، تلك فكرة ضئيلة عن رمضان مع مسلمي الماضي، وما رمضان مع مسلمي اليوم؟!!

стр. 7434

أولاً: قيل إن نسبة الذي لا يصومونه مطلقاً في المجموع العددي المنتسب إلى الإسلام بالاسم، تزيد بأكثر من النصف عن الذين يصومون [١] ، إذاً فإلى الأقل الذي نفترض أنه يصوم نوجه حديثنا هذا، لأن هذا الأكثر الذي لا يصوم لا حديث لنا مع بعد ذلك، لما حادّ الله الذي ناداه، فما كان الجواب إلا سمعنا وعصينا, ورفض أن يكون من المنادوْن بالإيمان، فانسلخ منه فأتبعه الشيطان، فلا أملك ولا أحدٌ اعتباره مؤمناً ألبتة، لهذا فلا موضوع له معنا، أما قسم الصوم من مسلمي اليوم، باستثناء القلة من المؤمنة التي لا ينعقد بها الحكم، فنمشي وإياهم مع كلمات القرآن عن رمضان، لنرى قربهم منها أو بعدهم عنها، حيث لا زال نداء الله للمؤمنين لهذه الآيات قائماً، يسمعهم النبأ العظيم عن الصوم، وبعد أربعة عشر قرناً، وسيظل يناديهم بها ما بقي القرآن المجيد يضيء دياجير هذه الدنيا.

стр. 7435

فهل فهمنا نحن صائمي اليوم، أن الصوم فريضة من القدم منذ وجدت الأمم، ﴿كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُم﴾ (البقرة: ١٨٣) إذاً فهو أزلي الكتابة، غائر الرسوخ لا يخضع للمنسوخ إلى أن تنسخ هذه الدنيا، ومن هنا كان علمنا بعلو قدره عند مشروعه، وعِلْمُنا بعظيم نفعه لخلقه لما جعله ماكثاً في الأرض بطول مكثها، ﴿وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الأَرْضِ﴾ (الرعد: ١٧) , ولو لم نعرف كل النفع ولا تفاصيله؛ لأن شرط الإيمان الذي إذا اختل ينحل معه الإيمان كله، هو أن المؤمن يطيع أمر ربه ولا يقول لماذا هذا ولأي شيء تلك، يقينا منه بأن الله لا سميّ له فلا يأمر ولا ينهى إلا لحكمة عليا ثابتة لديه، بدت لنا أو خفيت عنا ﴿وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا﴾ (البقرة:٢٨٥) , ولا يجوز السؤال عما هو الخير الناتج عن السمع والطاعة، بل قد يؤدي هذا السؤال إلى بال ﴿قَدْ سَأَلَهَا قَوْمٌ مِنْ قَبْلِكُمْ ثُمَّ أَصْبَحُوا بِهَا كَافِرِينَ﴾ (المائدة:١٠٢) ، وواضح استثناء السؤال للتعلم والتفقه ليعبد الله على علم، ولكن المنهي عنه هو ما لم يظهره الله وأبقاه في غيبه، إذاً فالصوم لما شرع منذ القدم ويبقى إلى أن تصبح الدنيا في العدم له عند الله حكمة بالغة، بعضها بلغنا ومعظمها أو أعظمها يكشف لنا في فرحة اللقاء "وفرحة عند لقاء ربه", فهل صائمو اليوم فهموا ذلك من آيات الصوم ليصوموا بهذه المعرفة رجاء قبول صومهم؟؟ !!.

стр. 7436

والتقوى وهي خوف ما عند الله من عقاب, ورجاء ما عنده من ثواب، شيء محتم أن يلازم المؤمن طول مقامه في الدنيا، والتجرد منها مهلكة مؤكدة، لهذا قالت الآية بعد ذلك: ﴿لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ, أَيَّاماً مَعْدُودَاتٍ﴾ (البقرة: ١٨٤) , ذلك لأن التقوى تقاوم على الدوام، وبأشياء عدة تقوم على ركيزتين، شهوة الإنسان ونزعة الشيطان، وهما مع العبد طول السنة في مدافعة مستمرة، فمرة تغلبها التقوى ومرة يغلبانها؛ لأن البطن يطلب الطعام في أي وقت من ليل أو نهار، فتجده حاضراً من حلال أو من حرام لتمتلئ به معدته، والفرج يظل يطلب الشهوة لأن البطن غذاه وأمده، والشيطان طليق يزين الأمرين فوق ما يغمز وينزع، والتقوى مع هذا كله ترتفع مرة وتنخفض مرات في أغلب أمرها، أما في رمضان فجاءت (لعل) برجائها مصاحبة لكلمة التقوى، حيث المرجو أن تكون التقوى في أقوى أيامها وأعز مواسمها، لما وهنت مقاومة الشهوة بقلة المدد من الطعام والشراب، ووهنت مقاومة الشيطان لما صُفّد نوعه المريد، فخلا الجو للتقوى يعلو بها الصائم على رغائبه السفلى، والتي طالما أخضعته لها، فقد زكته تقواه وأدنته من الله ويستمر يهنأ بحاله الرباني هذا أياماً معدودات هي أيام رمضان، فتمناه العام كله حيث انتقل من ذل المعصية إلى عز الطاعة، فهل فهم صائمو اليوم ذلك لعلهم يتقون أياماً معدودات يحصلون بها ما يزيد عن عديد السنوات؟

стр. 7437

وبعدئذ تأتي الرأفة والحنان من لدنه، حيث انفرد بصفات هو بها واحد، ليعطي العبد الذي قهره أمر دنيوي عذر التخلي عن الصوم ما بقي في قهره، فإذا ما زال كان فيه من حال، فليس عليه إلا صيام عدد ما غلب على تركه، ولحق في الأجر بمن لم يمنعوا أثناء الشهر وأدركوا معهم مقام الصائمين ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ بل وزادت رأفة الرؤوف بالذين يصومونه فعلاً يصاحب صومهم نوع من النصب والعنت، سواء كان ذلك جسدياً ككبر أو مرض خفيف ملازم، أو نفسياً كمجرد خوف الأم على رضيعها أو جنينها، وهو ما قالت عنه الآية ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ﴾ ؛ لأن معنى الإطاقة إتيان الشيء بجهد، فهذا النوع وما يشبهه أبيح له الإفطار مقابل شيء زهيد، مدٌّ من أغلب ما يأكله ناس بلده، ﴿فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ ولكن حسن التعامل مع المحسن سبحانه، يقتضي أن يكون المؤمن معه الله ذا وُدٍّ أكثر من المد، فدعته الآية إلى أن يزيد تطوعاً بأكثر من هذه الحفنة ما دام ذا ميسرة ﴿فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْراً فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ﴾ فلن يكون الخير من المخلوق مقابلاً إلا بما يليق بالذي خلق ﴿فَهُوَ خَيْرٌ لَه﴾ ، بل ودعته الآية إلى خير هو أكثر من خير الزيادة على الحفنة، وهو القيام بذات الصوم ولو ببعض المشقة، ما لم تغلبه مشقته على أمره كما أسلفنا ﴿وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ﴾ أي ولو بتعب يتحمل، ويحبب سبحانه في الأخير ويرغب فيه قائلاً: ﴿إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ ، إن كنتم تعلمون حقيقة هذا العمل وإثبات المثوبة لعامله فالحرص منكم على إدراكه أقرب وأوجب، فالصوم هو المختار على الفدية يا ذا الأعذار الخفيفة [٢] .

стр. 7438

اختار ذلك صوام الماضي، وصائمو اليوم جعلوا الصداع مرضاً فأفطروا، وجعلوا السفر في مكيف السيارة وبأجنحة الطائرة لساعة أو أقل أمراً شاقاً جداً يفطرون له، والوالدات يرضعن أولادهن من المعلبات ويفطرن على أنهن مرضعات، خوفاً على جمالهن من أن يذبل، وأولات الأحمال في بداية حملهن ولو لأيام كذلك، فقد سمع هؤلاء بأن المرض والسفر والرضاعة والحمل وكبر السن يبيح الفطر، دون تفريق بين الإطلاق والتقييد، لأن القصد اتخاذ الذرائع والتحايل على أحكام الإسلام، وحتى بعد هذا التحليل لا افتداء ولا عطاء.

стр. 7439

ثم تترى الآيات لتحدد الأيام المعدودات داخل شهر اسمه "رمضان"، قلّ أن تكمل أيامه ثلاثين، وتقدمه الآية بأنه شُرّف بما هو أعظم من الصوم الذي يقع فيه، فقد اختير دون أشهر السنة لينزل فيه كتاب الله، فكتاب الله كل، والصوم فيه جزء، والصوم أمره ينتهي في الدنيا، والقرآن عابر لحدودها فهو الذي نظم أمرها، ومن هنا عظم شأن رمضان بالقرآن ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ﴾ ، وما أمر هذا القرآن الذي رفع به ذكر رمضان، لقد عرفت الآية أمره بأوجز بيان وأوسع معان ﴿هُدىً لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ﴾ , هدى للناس لما علموا منه بديع هذا الملكوت الهائل بسمائه وأرضه وما بينهما وهم ضمنه، فاهتدوا لما انتهوا بنهيه وائتمروا بأمره، وكرموا بذلك آدميتهم تمييزاً لها عمن هم من الأنعام أضل، رجاء أن يؤمنهم ربهم من خوف الدنيا وفزع الآخرة، وبينات من الهدى التشريعي والحكم التنظيمي، والحد الذي يقف كلٌ عنده، فاستقام أمرهم وطاب زمانهم وتآخى جمعهم، وكما هو بينات من الهدى التشريعي بينات من الفرقان لما وضع لهم الفوارق الواضحة والضوابط الفاصلة بين ما هو صدق وما هو كذب، فأشرقت جوانحهم وأنست أفئدتهم للصدق الذي وضحه، ونفرت من الكذب الذي فضحه ذلك هو القرآن الذي نزل في رمضان، فشمخت به مكانة الشهر وبوركت أيامه، فأفاض الله على صائميه من خزائن رحمته بما شاء.

стр. 7440

إذاً فمن سمع ما ذكر فهفت نفسه إلى جنى الجنتين، فأتت عليه وهو حي هذه الأيام المعدودات العزيزات، فليصمها على الصورة المشروحة آنفاً ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ فليصمه، أمر قاطع بالعمل بعد تفهيم بالقول، محتم تنفيذه لا يجرؤ رسول ولا مرسل إليه أن يبدئ فيه أو يعيد، ﴿مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَة﴾ (القصص:٦٨) , ولما كانت الكلمة الإلهية ﴿فَمَنْ شَهِدَ﴾ يخشى معها الظن بأن الله تعالى سلب ما خفف حين رخص لذوي الأعذار الإفطار، ثم القضاء أو الافتداء، أعادها سبحانه ثانية هنا ليعلم عباده بأنه القائل الذي لا ينقض، والمتفضل الذي لا يرجع، والممد الذي لا يسترد، فأكد منحته ﴿وَمَنْ كَانَ مَرِيضاً أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ , فليصمه من شهده معافى مقيماً، ومن كان غير ذلك فرخصتنا له قد أحكمناها وما نسخناها، ولأي شيء؟ ﴿يُرِيدُ اللهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ وبدهي أن إثبات اليسر هنا ونفي العسر ليس قاصراً على ما يتصل بالصوم وحده، وإنما هي إرادة مطلقة، وأرادها المتصف بالتيسير والمنزه عن التعسير في كل ما شرع، وإلا فنبئوني، ما هو العسر في صلاة صورتها أن تؤدى وهو واقف مكانه، ولا عليه إلا أن ينحني وينزل ويجلس، تتم جميعها على هذا النحو المريح في دقائق، عددها خمس في أربع وعشرين ساعة، مجموع زمان الإتيان بهذه الخمس ساعة أو تقل، وقلّ أن تزيد, وما هو العسر في زكاة يخرج بها المزكي اثنين ونصف، ويبقى لنفسه خمسة وسبعين، وقد انتفخت الجيوب الآن بالمال مما لا يدع الحاضر والباد، ونفس التيسير أو أيسر في بقية أنواع الزكاة، وما هو العسر في حج يؤدى مرة واحدة في العمر كله، وهكذا كل دين الله أمراً ونهياً، وعفا الله عن الذين قالوا عن معنى ﴿وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا﴾ (الأحزاب:٧٢) , أي لصعوبة أدائها، والتأويل الصحيح هو أن الإشفاق من رهبة العهد خشية عدم الوفاء، وليس

стр. 7441

بالنسبة للمطلوب صعوبة الأداء، وإلا فهل يمكن التوفيق بين تأويل ذلك بالمشقة وقوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَج﴾ (الحج: ٧٨) وقوله في سورة القمر مرات ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾ (القمر: ١٧) , أي للعمل به، وقوله سبحانه لمبلغ هذا الدين - صلوات الله عليه - ﴿وَنُيَسِّرُكَ لِلْيُسْرَى﴾ (الأعلى: ٨) أي الشريعة السهلة، هكذا بحرفيّة ما في أشهر التفاسير. وحتى يا من أعذرتم وما قصرتم، لن نتركم أعمالكم بعد أن تقضوا ,أو تفدوا سنُسَوِيكُم في الأجر بمن أتموا الشهر صائمين، ونعتبركم مكملين لعدته مثلهم ﴿وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ﴾ (البقرة: ١٨٥) , فالجملة القرآنية هنا أعطت المثوبة كاملة للحريصين الذين قهرهم العذر، فإكمال العدة إكمال للأجر، وحيث تمت العدة عدداً أو اعتباراً، ووعدتم بمثل الأجر المعد للصائمين، وإنه لأجر كبير، إذاً فجدير بكم أن تكبروا الله شكراً له على هباته ﴿وَلِتُكَبِّرُوا اللهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ﴾ (البقرة: ١٨٥) , هداكم لعمل لما أدّيتموه كبّر لكم له به الأجر، كذلك قال العلماء إنه بذلك أصبح من عزم الأمور أن يكثر العبد الصائم من التكبير لعون ربه له على صيام شهره، هكذا صمتم رمضان في الماضي معرفة به وأداء له. أما صائمو اليوم، فرمضان عندهم موسم البطون، تملأ فتتخم فتمرض، وموسم السهرات في (السينمات) ، وأمام (التلفزيونات) , والجلوس على المقاهي للتلهي بلعب الورق (والدمنة) وما إلى ذلك حتى السحور، وتتحول مباريات لعب الكرة و (التنس) وغير هذا من أنواع الرياضة المختلفة إلى الليل بدل النهار بقرارات حكومية، أما السهر مع صلاة التراويح، أو مع بعض ركعات التهجد، أو مع قراءة القرآن في شهر القرآن، فهذا غير وارد في الأذهان عند صائمي اليوم إلا ما شاء الله.

стр. 7442

وآية الدعاء توسطت آيات الصوم لأنها وإن لم تكن من صميمه فهي جداً على صلة به وثيقة، لأن الذي صام كما ينبغي بسره وعلنه لا ترد إن شاء الله دعوته بنص أحاديث مشهورة، فإذا كان العبد في صلاته أثناء سجوده إلى ربه أقرب, والدعاء ساعتئذ للإجابة أيضاً أقرب، لما وضع أشرف أعضائه لربه في حذاء قدامه، فيلي حال الساجد حال الصائم, لما قهر شهواته ومقومات حياته طاعة لربه، فكان أن يُعطى ما يطلب، وجاءت لهذه آية الدعاء هذه بين آيات الصوم، ولهذا أيضاً انتهت بقوله عز من قائل: ﴿فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ﴾ (البقرة: ١٨٦) ، فالصائم استجاب مؤمناً بإخلاص لربه، فأعطي الرجاء من الله بالرشد, ورجاء الله محقق، فلما دعا فتحت لدعوته مسالك السماء، وتحقق له بإذن الله الرجاء.

стр. 7443

ولما كان أشد ما يحرم منه الصائم مجافاة الحليلة، ويتحمل من ذلك العنت الكثير، فهي معه بالمواجهة طول اليوم أو أكثره، ونداء الشهوة المتصلة بالفرج قد يعشى العين ويوقر الأذن، خاصة لدى الإنسان، فالحيوان عندما تحمل أنثاه لأول يوم لا يقربها حتى تضع حملها، والإنسان يظل يباشر أنثاه حتى قبل الولادة بساعة، فشهوة الجنس عنده هي الغالبة على كل شهوة، ولو نودي للشهوة وهو شديد الجوع شديد العطش لأجاب الأولى وترك الأخيريين، وقد طلب من الصوام ألا يقربوا نساءهم بعد العشاء، لكن بعضهم ومنهم مؤمنون أكابر, غلبهم الأمر عند عدوتهم ليلاً إلى نسائهم، فلم يسخط عليهم سبحانه، ولم يحبط لهم عملاً ولم يضيع لهم إيماناً، فنسخ المنع ومنح الإباحة, مكتفياً سبحانه من عبده بعدم طاعة الشيطان الذي من أسهل إغرائه تحريك النصف البهيمي في الإنسان، وهو أقرب ما يلبى ويجاب سحابة نهار الصوم، فنقل إليهم رسولهم عليه الصلوات قول ربهم: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُم﴾ (البقرة: ١٨٧) , فهو سبحانه وإن كان قد أحله متجاوز عما سبق، لكن اعتبره رفثاً كان يجمل أن يعافى إبان المنع، ﴿هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنّ﴾ (البقرة: ١٨٧) . وهذا التصوير باللباس هو ما قوي الدافع إليه وضعف الصبر عنه، حيث أبيحت الملاصقة أصلاً كما يلصق اللباس الجسد، فلم يرض بعد ذلك سبحانه أن يباعد أو يشدد، ﴿يُرِيدُ اللهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ ﴿عَلِمَ اللهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنْكُمْ﴾ (البقرة: ١٨٧) , ومع وجود معنى الذم واضحاً في الآية، وهو أن خيانة وقعت منهم خانوا بها أنفسهم وليس سواهم، لما باشر هؤلاء البعض نساءهم حين المنع الليلي، نقول مع ما فهم من ذم في كلمة (تختانون) , فإن وعد الله باليسر هو الذي كان، فتاب عليكم بل ولم يجعل المنع إلزاماً

стр. 7444

مستمراً، وعفا عما وقع منكم، والعفو معناه إلغاء العقاب المترتب على الإثم ﴿فَالآنَ بَاشِرُوهُنَّ﴾ (البقرة: ١٨٧) بعد علمنا بما كنتم تختانون، فباشروهن ولا حرج، حتى لا يقع بكم كبت أو عنت، وسداً لأسهل مداخل الشيطان فلا يفسد ما تجنون من بركات الشهر، ﴿وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللهُ لَكُمْ﴾ (البقرة:١٨٧) ، أطلبوه يقيناً وعملاً تجدوه عند الله خيراً وأعظم أجراً. ولكي تتم لكم صورة الصوم الكاملة لطريقة العمل في رمضان ليلاً ونهاراً، فكما أبحنا لكم ملامسة نسائكم يكون نفس الأمر مع الأكل والشرب، فلا تفعلوا شيئاً من ذلك بين الفجر والمغرب، وبين المغرب والفجر افعلوه ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْر. ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْل﴾ (البقرة: ١٨٧) أي بدايته وهو المغرب، لأن (إلى) هنا بدائية [٣] وليست نهائية, وتم لكم بذلك كيف يكون الصوم، فإذا قصرتم بعد ذلك فعلى أنفسكم وحدها اللوم.

стр. 7445

ولما كان الاعتكاف من أحلاف الصوم المشابهة له، لأن المعتكف صائم نهاره قائم ليله، إضافة إلى أنه صام عن كل الدنيا التي هي خارج المسجد، وأنه زهد فيها لما حبس نفسه فيه، وضمن هذه الدنيا التي تركها خلفه زوجته، ولأن الصيام يبيح المباشرة في الليل دون النهار، وحتى لا يظن ذلك أيضاً في الاعتكاف وهو أقرب العبادات إلى الصوم كما قلنا، فأفرد له توضيح خاص به غير ما أبيح في رمضان، وهو منع مباشرة النساء البتة في الاعتكاف ليلاً ونهاراً طول المدة المنْوية ﴿وَلا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾ (البقرة: ١٨٧) حيث كان المعتكف يغادر المسجد إلى بيته ليتغشى أهله ثم يعود ليعتكف، فينافي ذلك تبتل الاعتكاف والتفرغ لعبادة الله وقد ذهب إليه في بيته يستجديه رحماته، فإن كان ذلك قد وقع منكم قبل فلا يقع منكم بعد ﴿وَلا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾ . فبعد هذه الأحكام المحددة والتشريعات الميسرة، نحذركم من أن تتركوها, أو بزيادة أو نقص تقربوها ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللهِ فَلا تَقْرَبُوهَا﴾ (البقرة: ١٨٧) ، وكلمة (تقربوها) مرهبة حقاً، أي الويل لمن يضيف أو يحيف بأي شيء مهما قل، متعللاً بأن المعنى قريب، أو القصد متقارب، وهكذا مما نسمع الآن من قول ابتدع بعد أن أُتي بالبدع، وتأتي كلمة التقوى في النهاية كما أتت في البداية، ذلك لأن قصة الصوم كلها تقوى، لا يتجمل بها إلا من خشي الرحمن بالغيب، حيث كل العبادات ترى من الله والناس إلا الصوم، فقد تُرى الشفاه مطبقة ولكن الله رآها تتحرك بالمضغ متوارية، فلا يرجى من الصائم غير التقوى ﴿كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللهُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ (البقرة: ١٨٧) ، هكذا كان صوام الماضي، اتقوا حتى أذلوا دنياهم ليعزوا أخراهم، فكان لهم من الكريم ما تمنوا.

стр. 7446

وصائمو اليوم عاديون وليسوا عباديين مع قلتهم، يشاركون الكثرة المفطرة في كثير مما يحبط صومهم، ألسنتهم طول النهار عن ذكر الله صامتة، وفي الغيبة والنميمة ونهش العرض صامدة، عيونهم عن النظر في القرآن والتأمل في عظمة هذه الأكوان غضوها، وفي النظر إلى المحرمات وتتبع العورات أطلقوها، خالطوا المفطرين طوال الليل في مجالس لهوهم ونوادي شياطينهم، فالصوم عندهم ساعات محدودة لا تبتلع فيها لقمة ولا تحتسى فيها جرعة، وبعد ذلك انطلاق مع الهوى بغير حدود، بل وعندما يأمرهم حكامهم الذين يحكمونهم بقوانين الكافرين بأن يفطروا - حتى لا يحول الصوم دون القيام بالعمل - كما حدث من حاكم تونس لقومه، أطاعوه مسارعين إلى الإفطار طاعة للمخلوق في معصية الخالق، بل ومن صائمي اليوم من إذا عُزم عليه من صديق السوء بسيجارة قبلها وضيع صومه أو نفسه من أجلها، بل قد يصل الأمر إلى أن يقبل كأس الخمر بعد أن تسحر ونوى وأصبح صائماً، ذلك لأن بلده الإسلامي غارق في نتن مستنقع من الخمر، بل وتنتجها مصانعها وتصدره لدول إسلامية أخرى، إي نعم، ويصوم صائمو اليوم وهم وهُنّ (بالمايوهات) عراة على شواطئ البحار، تتلاصق أثناء ذلك الأجسام فوق وتحت الماء، بل وتراهم في بلادهم الإسلامية صائمين وألسنتهم لا تكف عن سب الله ودينه ورسوله، إي والله، وليسوا بالقلة ولا بالندرة، وإنما هم بالكثرة التي لا يغيب فحشها عن أذنك طويلاً، أما الزواج في شهر رمضان فسرعان ما يتحول من شهر الصوم إلى (شهر العسل٩، وهو إصطلاح مشهور عندهم يبيح للعريس أن يظل في ضيافة الشيطان طول النهار، فلا صوم مع العسل، وغير هذا كثير حيث كان ولا بد من تطوير الصوم بما يتناسب والمدنية والتقدمية، وهم وتاركوا الصوم نهائياً في مرتبة واحدة جهنمية، بل قد يكون صائمو اليوم بالصورة الآنفة عقابهم أشد، لتلاعبهم هكذا بأمر ربهم، أما الفئة التي لا تكاد أن تعرف ممن يصومون على طريقة الماضين من السلف، وهم

стр. 7447

الآن في عصر فيه الفتن، فهم الغرباء وهنيئاً لهم غربتهم، لأنهم غداً سيكونون أهل الدار. -------------------------------------------------------------------------------- [١] وهذا إن صح يكون بالنسبة لبعض أقطار معينة، وليس حكماً شاملاً لجميع المسلمين في كل قطر. التحرير [٢] منهم من قال إن هذا إشارة إلى بداية تشريع الصوم ثم نسخ، ومنهم من قال إن الحكم كما أوضحنا ولم ينسخ. [٣] والذي يظهر- كما هي القاعدة - أن (إلى) غائبة للإتمام؛ لأن الاتمام ينتهي إلى الليل أي إلى أوله وهو أمر ظاهر.. والله أعلم. (التحرير) .

стр. 7448

التنبيه على خبر باطل في أخبار مكة لفضيلة الشيخ حمود بن عبد الله التويجري الحمد لله رب العالمين. وصلى الله وسلّم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.. وبعد فقد ذكر الأزرقي في أخبار مكة في باب ما جاء في ذكر بناء قريش الكعبة في الجاهلية أن النبي ﷺ أمر بمحو الصور التي في الكعبة سوى صورة مريم وعيسى ﵉. وروى الأزرقي ذلك بأربعة أسانيد كلها ضعيفة فلا يغتر بها ولا يعتمد على شيء منها.. الإسناد الأول: قال: حدثني جدي قال حدثنا مسلم بن خالد الزنجي عن ابن أبي نجيح عن أبيه قال: "جلس رجال من قريش - في المسجد الحرام-.."فذكر خبراً طويلاً في بناء الكعبة, وقال في آخره: "وجعلوا في دعائمها صور الأنبياء وصور الشجر وصور الملائكة، فكان فيها صورة إبراهيم خليل الرحمن شيخ يستقسم بالأزلام، وصورة لعيسى بن مريم وأمه وصور الملائكة ﵈ أجمعين, فلما كان يوم فتح مكة دخل رسول الله ﷺ البيت فأرسل الفضل بن العباس بن عبد المطلب فجاء بزمزم ثم أمر بثوب فبل بالماء وأمر بطمس تلك الصور فطمست، قال: ووضع كفيه على صورة عيسى بن مريم وأمه ﵉ وقال: "أمحوا جميع الصور إلا ما كان تحت يدي" فرفع يديه عن عيسى بن مريم وأمه. الإسناد الثاني: قال: وحدثني جدي قال حدثنا داود بن عبد الرحمن قال أخبرني بعض الحجبة عن مسافع بن شيبة بن عثمان أن النبي ﷺ قال: "يا شيبة امح كل صورة فيه إلا ما تحت يدي" قال فرفع يده عن عيسى بن مريم وأمه.

стр. 7449

الإسناد الثالث: قال: حدثني جدي عن سعيد بن سالم قال حدثنا يزيد بن عياض بن جُعدُبة عن ابن شهاب أن النبي ﷺ دخل الكعبة يوم الفتح وفيها صور الملائكة وغيرها فرأى صورة إبراهيم فقال: "قاتلهم الله جعلوه شيخاً يستقسم الأزلام" ثم رأى صورة مريم فوضع يده عليها وقال: "امحوا ما فيها من الصور إلا صورة مريم". الإسناد الرابع: قال أخبرني محمد بن يحيى عن الثقة عنده عن ابن إسحاق عن حكيم بن عباد بن حنيف وغيره من أهل العلم أن قريشاً كانت قد جعلت في الكعبة صوراً فيها عيسى بن مريم ومريم ﵉، قال ابن شهاب: قالت أسماء بنت شقران امرأة من غسان حجت في حاج العرب فلما رأت صورة مريم في الكعبة قالت: "بأبي وأمي إنك لعربية"، فأمر رسول الله ﷺ أن يمحو تلك الصور إلا ما كان من صورة عيسى ومريم. وهذه الأخبار مردودة من وجوه: الوجه الأول: ضعف أسانيدها: أما الخبر الأول فإنه منقطع لأن أبا نجيح لم يدرك زمن الجاهلية ولا زمن النبي ﷺ ، وإنما أدرك آخر زمان الصحابة ﵃. والمنقطع لا يثبت به شيء، وأيضاً ففي إسناده مسلم بن خالد الزنجي وقد وثقه ابن معين وضعفه أبو داود وقال أبو حاتم: "إمام في الفقه تعرف وتنكر ليس بذاك القوي يكتب حديثه ولا يحتج بهط، وقال النسائي: "ليس بالقوي"، وهذا مما يزيد الخبر وهناً على وهنه. وأما الخبر الثاني: فإنه أضعف مما قبله لأمرين: أحدهما: أنه مرسل والمرسل ليس بحجة، والثاني: أن في إسناده رجلاً لم يسم، ومثل هذا لا يثبت به شيء، وقد ذكره البخاري في التاريخ الكبير بدون ذكر الزيادة الباطلة فقال: في ترجمة مسافع بن عبد الله عن شيبة بن عثمان قال: قال رسول الله ﷺ : "يا شيبة امح كل صورة في البيت".

стр. 7450

وأما الخبر الثالث: فإنه أضعف مما قبله لأمرين: أحدهما أنه مرسل, والثاني: أن في إسناده يزيد بن عياض بن جُعْدُبة - بضم الجيم والدال بينهما مهملة ساكنة -. قال الذهبي في الميزان: قال البخاري وغيره: "منكر الحديث"ووقال يحيى: "ليس بثقة", وقال علي: "ضعيف", ورماه مالك بالكذب, وقال النسائي وغيره: "متروك", وقال الدارقطني: "ضعيف", وروى عباس عن يحيى: "ليس بثقة ضعيف"، وروى يزيد بن الهيثم عن ابن معين:"كان يكذب"، وروى أحمد بن أبي مريم عن ابن معين: "ليس بشيء لا يكتب حديثه". وأما الخبر الرابع: فإنه ضعيف جداً؛ لأمرين: أحدهما: أنه منقطع، والثاني: أن فيه رجلاً لم يسم، ومثل هذا لا يثبت به شيء. الوجه الثاني: أنه ثبت عن النبي ﷺ أنه أمر عمر بن الخطاب ﵁ أن يمحو الصور التي في الكعبة وأنه ﷺ دخلها وما فيها شيء من الصور، قال الإمام أحمد حدثنا روح - وهو ابن عبادة القبسي - حدثنا ابن جريج أخبرني أبو الزبير أنه سمع جابر بن عبد الله ﵄ يقول إن النبي ﷺ أمر عمر بن الخطاب يوم الفتح وهو بالبطحاء أن يأتي الكعبة فيمحو كل صورة فيها، ولم يدخل البيت حتى محيت كل صورة فيه"إسناده صحيح على شرط الشيخين.

стр. 7451

وقال الإمام أحمد أيضاً حدثنا عبد الله بن الحارث - وهو ابن عبد الملك المخزومي - عن ابن جريج أخبرني أبو اليزيد أنه سمع جابر بن عبد الله ﵄ يزعم أن النبي ﷺ "نهى عن الصور التي في البيت، ونهى الرجل الذي يصنع ذلك", وأن النبي ﷺ "أمر عمر بن الخطاب ﵁ زمن الفتح وهو بالبطحاء أن يأتي الكعبة فيمحو كل صورة فيها ولم يدخل البيت حتى محيت كل صورة فيه" إسناده صحيح على شرط مسلم. وقد رواه الإمام أحمد أيضاً بإسنادين أحدهما صحيح والآخر حسن. ورواه أبو داود في سننه والبيهقي من طريقه وإسناده حسن. وفي هذا الحديث رد لما جاء في الأخبار الأربعة لأن النبي ﷺ أمر بمحو الصور التي في الكعبة ولم يستثن شيئاً منها، وفي هذا أبلغ رد على من زعم أنه ﷺ وضع كفيه على صورة مريم وعيسى وأمر بإبقائها ومحو ما سواها. وأيضاً فإن النبي ﷺ أمر عمر بن الخطاب ﵁ وهو بالبطحاء أن يأتي الكعبة فيمحو كل صورة فيها وفي هذا رد على ما جاء في خبر أبي نجيح أنه ﷺ أرسل الفضل بن العباس فجاء بماء زمزم. الوجه الثالث: ما ذكره الزرقاني على المواهب أنه وقع عند الواقدي في حديث جابر وكان عمر قد ترك صورة إبراهيم فلما دخل رسول الله ﷺ رآها فقال: "يا عمر ألم آمرك أن لا تدع فيها صورة، قاتلهم الله جعلوه شيخاً يستقسم بالأزلام". ثم رأى صورة مريم فقال: "امحوا ما فيها من الصور، قاتل الله قوماً يصورون ما لا يخلقون". وهذا ظاهر في شدة إنكاره ﷺ للصور التي رآها في الكعبة ومنها صورة مريم. ويدل على تشديده في الإنكار ثلاثة أمور: أحدها: إنكاره ﷺ على عمر ﵁ حير ترك بعض الصور فلم يمحها، والثاني: أمره بمحو الصور بدون استثناء. والثالث: دعاؤه على المصورين.

стр. 7452

وفي معنى قوله: "قاتلهم اللهُ" أقوال: أحدها: لعنهم الله قاله ابن عباس ﵄ واختاره البخاري. الثاني: قتلهم الله قال ابن جريج. الثالث: أنه ليس على تحقيق المقاتلة ولكنه بمعنى التعجب حكاه البغوي في تفسيره. قال الراغب الأصفهاني: "والصحيح أن ذلك هو المفاعلة, والمعنى صار يحيث يتصدى لمحاربة الله فإن من قاتل الله فمقتول, ومن غالبه فهو مغلوب"انتهى. الوجه الرابع: أن تصوير الصور واتخاذها من أعظم المنكرات, وتغيير المنكر واجب بحسب القدرة كما قال النبي ﷺ : "من رأى منكم منكراً فليغيره بيده فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان"رواه الإمام أحمد وأبو داود الطيالسي ومسلم وأهل السنن من حديث أبي سعيد الخدري ﵁، وقال الترمذي: "هذا حديث حسن صحيح"، وفي رواية النسائي: "من رأى منكراً فغيره بيده فقد برئ, ومن لم يستطع أن يغيره بيده فغيره بلسانه فقد برئ، ومن لم يستطع أن يغيره بلسانه فغيره بقلبه فقد برئ وذلك أضعف الإيمان". وقد كان النبي ﷺ أشد الناس غيرة على انتهاك المحرمات وأشدهم في إنكار المنكرات وتغييرها, ومن المحال أن يرى المنكر وهو قادر على تغييره فلا يغيره، فضلاً عن أن يأمر بإبقائه, ومن ظن أن النبي ﷺ أمر ببقاء شيء من الصور التي في الكعبة ونهى أن يمحى فقد ظن به ظن السوء. الوجه الخامس: أن النبي ﷺ : نهى عن التصوير كما في المسند وجامع الترمذي عن جابر ﵁ قال: "نهى رسول الله ﷺ عن الصور في البيت ونهى الرجل أن يصنع ذلك"قال الترمذي: "حديث حسن صحيح".

стр. 7453

وروى الإمام أحمد أيضاً والبخاري في تاريخه بأسانيد جيدة عن معاوية ﵁ أن رسول الله ﷺ "نهى عن التصاوير". وما كان النبي ﷺ لينهى عن التصوير ثم يقر بعضه ويأمر بإبقائه، هذا من أبطل الباطل. الوجه السادس: أن النبي ﷺ لما دخل على عائشة ﵂ ورأى القرام الذي فيه التصاوير هتكه وتلون وجهه, قالت عائشة ﵂: دخل علي رسول الله ﷺ وقد سترت سهوة لي بقرام فيه تماثيل فلما رآه هتكه وتلون وجهه وقال: "يا عائشة أشد الناس عذاباً عند الله يوم القيامة الذي يضاهون بخلق الله" رواه الإمام أحمد والبخاري ومسلم والنسائي وابن ماجه، وهذا لفظ مسلم. وفي رواية النسائي: "بقرام فيه تصاوير", وفي رواية ابن ماجه: "بستر فيه تصاوير", وفي رواية لمسلم قالت: "دخل النبي ﷺ عليّ وقد سترت غطاء فيه تصاوير فنحاه فاتخذت عنه وسادتين". وإذا كان التبي ﷺ قد هتك الستر الذي في بيت عائشة ﵂ من أجل التصاوير، فكيف يظن به أنه يقر التصاوير في بيت الله تعالى ويأمر بإبقائها. الوجه السابع: أن النبي ﷺ لعن المصورين وأخبر أنهم أشد الناس عذاباً يوم القيامة كما في حديث أبي جحيفة ﵁ أن النبي ﷺ "لعن المصورين" رواه الإمام أحمد وأبو داود الطيالسي. وعن عائشة ﵂ أن رسول الله ﷺ قال: "أشد الناس عذاباً عند الله يوم القيامة الذي يضاهون بخلق الله"متفق عليه. وعن ابن عباس ﵄ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "كل مصور في النار يجعل له بكل صورة صورها نفس فتعذبه في جهنم"رواه مسلم. والأحاديث في الوعيد الشديد للمصورين كثيرة جداً، وقد ذكرتها في (إعلان النكير على المفتونين بالتصوير) فلتراجع هناك.

стр. 7454

وإذا تأمل طالب العلم ما ثبت عن النبي ﷺ من لعن المصورين وما ثبت عنه أيضاً من الوعيد الشديد لهم لم يشك في كذب ما جاء في الأخبار الأربعة التي ذكرها الأزرقي في تاريخه وتقدم ذكرها، فإن النبي ﷺ لا يخالف قوله بفعله، ولا يقر المنكر الذي هو من أظلم الظلم ومن كبائر الإثم الوجه الثامن: أن النبي ﷺ أخبر في عدة أحاديث صحيحة أن الملائكة لا تدخل بيتاً فيه صورة. وروى الإمام أحمد والبخاري والنسائي عن ابن عباس ﵄ قال: "دخل النبي ﷺ البيت فوجد فيه صورة إبراهيم وصورة مريم فقال: ﷺ : "أما لهم فقد سمعوا أن الملائكة لا تدخل بيتاً فيه صورة هذا إبراهيم مصور فما له يستقسم" وهذا الحديث ظاهر في إنكاره ﷺ لصورة إبراهيم ومريم حين رآهما في الكعبة. وهذا يرد قول من زعم أنه ﷺ وضع كفيه على صورة مريم وعيس وأمر بإبقائها ومحو ما سواها، وإذا كانت الملائكة لا تدخل البيت الذي فيه صورة فكيف يظن بالنبي ﷺ أنه يقر صورة مريم وعيسى في بيت الله الذي هو أشرف البيوت وأعظمها حرمة ويأمر بإبقائها ومحو ما سواها. هذا من أسوأ الظن وأبطل الباطل. الوجه التاسع: ما رواه أبو داود الطيالسي في مسنده بإسناد جيد عن أسامة بن زيد ﵄ قال: دخلت على رسول الله ﷺ في الكعبة ورأى صوراً, قال: فدعا بدلو من ماء فأتيته به فجعل يمحو ويقول: "قاتل الله قوماً يصورن ما لا يخلقون". وهذا الحديث ظاهر في إنكاره ﷺ لما رآه من الصور في الكعبة وأنه لم يستثن شيئاً منها. وفي هذا رد على من زعم أنه ﷺ رضع كفيه على صورة مريم وعيسى وأمر بإبقائها ومحو ما سواها.

стр. 7455

الوجه العاشر: ما رواه ابن ماجه بإسناد صحيح عن علي ﵁ قال: "صنعت طعاماً فدعوت رسول الله ﷺ فجاء فرأى في البيت تصاوير فرجع"، ورواه النسائي ولفظه: قال: "صنعت طعاماً فدعوت النبي ﷺ فجاء فدخل فرأى ستراً فيه تصاوير فخرج وقال: "إن الملائكة لا تدخل بيتاً في تصاوير"، وإذا كان النبي ﷺ قد خرج من بيت علي وفاطمة ﵄ وامتنع من أكل طعامهما من أجل الستر الذي فيه التصاويرفكيف يظن به أن يقر صورة مريم وعيسى في الكعبة. لا شك أن هذا مكذوب على النبي ﷺ . الوجه الحادي عشر: ما رواه الإمام أحمد ومسلم وأهل السنن إلا ابن ماجه عن أبي هياج الأسدي قال: قال لي علي بن أبي طالب ﵁: "ألا أبعثك على ما بعثني عليه رسول الله ﷺ "أن لا تدع صورة إلا طمستها ولا قبراً مشرفاً إلا سويته" هذا لفظ إحدى روايات مسلم. وهذا الحديث الصحيح يدل على أنه يجب طمس الصور أينما وجدت وفي أي شيء كانت. وفيه أبلغ الرد على من زعم أن النبي ﷺ وضع كفيه على صورة مريم وعيسى وأمر بإبقائها ومحو ما سواها.

стр. 7456

وأما ما رواه الأزرقي عن جده قال حدثنا داود بن عبد الرحمن عن ابن جريج قال: سأل سليمان بن موسى الشامي عطاء بن أبي رباح وأنا أسمع: أدركت في البيت تمثال مريم وعيسى؟، قال: نعم, أدركت فيها تمثال مريم مزوقاً في حجرها عيسى ابنها قاعداً مزوقاً". قال: "وكانت في البيت أعمدة ست سواري وكان تمثال عيسى ومريم في العمود الذي يلي الباب"، قال ابن جريج: فقلت لعطاء متى هلك؟ قال: "في الحريق في عصر ابن الزبير". قلت: أعلى عهد النبي ﷺ كان؟ قال: "لا أدري, وإني لأظنه قد كان على عهد النبي ﷺ ". قال له سليمان: "أفرأيت تماثيل صور كانت في البيت من طمسها؟ "قال: "لا أدري, غير أني أدركت من تلك الصور اثنين درستا وأراهما والطمس عليهما". قال ابن جريج: "ثم عاودت عطاء بعد حين فخط لي ست سواري ثم قال: "تمثال عيسى وأمه ﵉ في الوسط من اللاتي تلين الباب الذي يلينا إذا دخلنا". ثم قال الأزرقي: حدثني جدي قال حدثنا داود بن عبد الرحمن عن عمرو بن دينار قال: "أدركت في بطن الكعبة قبل أن تهدم تمثال عيس بن مريم وأمه".

стр. 7457

فجوابه: أن يقال قد ثبت أن النبي ﷺ أمر عمر بن الخطاب ﵁ أن يأتي الكعبة فيمحو كل صورة فيها ولم يستثن شيئاً من الصور. وثبت أيضاً من حديث ابن عباس ﵄ قال: دخل النبي ﷺ البيت فوجد فيه صورة إبراهيم وصورة مريم فقال ﷺ : "أما لهم فقد سمعوا أن الملائكة لا تدخل بيتاً فيه صورة هذا إبراهيم مصور فما له يستقسم". وثبت أيضاً عن أسامة بن زيد ﵄ قال: دخلت على رسول الله ﷺ في الكعبة ورأى صوراً قال: فدعا بدلة من ماء فأتيته به فجعل يمحوها ويقول: "قاتل الله قوماً يصورون ما لا يخلقون". وقد تقدم ذكر هذه الأحاديث الثلاثة قريباً. وتقدم أيضاً ما ذكره الزرقاني على المواهب أنه وقع عند الواقدي في حديث جابر وكان عمر قد ترك صورة إبراهيم فلما دخل رسول الله ﷺ رآها فقال: "يا عمر ألم آمرك أن لا تدع بها صورة قاتلهم الله جعلوه شيخاً يستقسم بالأزلام"، ثم رأى صورة مريم فقال: "محوا ما فيها من الصور قاتل الله قوماً يصورون ما لا يخلقون".. وعلى هذا فيحتمل أن تكون صورة مريم وعيسى محفورة في عمود البيت بحيث لا يذهبهما الغسل بالماء، فلهذا بقيت إلى أن احترق البيت في عهد ابن الزبير، ويحتمل أن تكون مصبوغة بصبغ ثابت لا يذهبه الماء أو أنه قد ذهب بعض الصبغ حين محيت بالماء في زمن النبي ﷺ وبقي منه بقية تظهر منه الصورة. وقد تقدم عن عطاء أنه أدرك أيضاً صورتين من الصور التي كانت في الكعبة وأنهما قد درستا وأنه رأى الطمس عليهما. فلعل صورة مريم وعيسى كانت كذلك. ويحتمل أن يكون قد ألزق عليهم ما يمنع من رؤيتهما فخفيت على النبي ﷺ وعلى الخلفاء الراشدين وعلى غيرهم من الصحابة ورآها عطاء وعمرو بن دينار بعدما أزيل عنها ما يمنع من رؤيتها.

стр. 7458

ويحتمل أن يكون بعض النصارى وضعها بعد زمان النبي ﷺ وبعد زمان الخلفاء الراشدين، ولا سيما في زمن الفتنة التي كانت في زمن يزيد بن معاوية فقد يتسمى بعض النصارى بالإسلام بحيث لا يرد عن دخول مكة ودخول الكعبة فيصور صورة مريم وعيسى ليفتن المسلمين بذلك ويوهمهم أن النبي ﷺ قد أقر صورتهما، ويحتمل أن يكون ذلك من عمل بعض من أسلم من النصارى بعد زمان النبي ﷺ وزمان الخلفاء الراشدين ﵃ والله أعلم. وليس في بقاء صورة مريم وعيسى في الكعبة بعد زمان النبي ﷺ ما يدل على أن النبي ﷺ قد أقر ذلك، فإنه ﷺ لا يقر المنكر ولا يرضى به وقد قال الله تعالى في صفته ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَر﴾ (الأعراف: ١٥٧) . والمقصود هنا أنه لا يجوز أن يظن بالنبي ﷺ أنه يقر شيئاً من الصور أو يأمر بإبقائها، ومن ظن ذلك فقد ظن بالنبي ﷺ ما لا يليق به. والله أعلم وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه. حمود بن عبد الله التويجري ١٥/٤/١٣٩٨هـ تعليق: ذكر فضيلة الكاتب بعد حديث عمر الذي هو أقوى دليل في الموضوع عدة أحاديث تعارضه وحاول التوفيق بينها وبين حديث عمر بذكر عدة احتمالات، ولكن الذي يبدو أن القارئ لا يقتنع بهذا الصنيع، فترى المجلة أن يعيد فضيلة الكاتب النظر في التوفيق بين تلك الأحاديث التي ظاهرها التعارض. وبالله التوفيق.

стр. 7459

مفهوم الربوبية بقلم سعد ندا المدرس بالجامعة الإسلامية (المعهد الثانوي) الحلقة الأولى الحمد لله نحمده، ونستعينه، ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئآت أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أنّ محمداً عبده ورسوله، صلى الله وبارك عليه وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد: فقد بدا لي أن موضوع (الربوبية) له أهميته من حيث تعلقه بنقطة البدء في حياة المسلم. والمدخل الوحيد للعقيدة الصحيحة - عقيدة التوحيد - التي يتحتم عليه اعتناقها وتنفيذ متضمناتها والتي لا يقبل الله تعالى منه أي عمل يؤسس على غيرها , وكذلك من حيث أنه لا يُعقل أن يوجه فردٌ ما أي عبادة إلى إله لا يؤمن بوجوده، بل إن العبادات توجه دائماً إلى إله يبدأ العابد بالإقرار به وبصفات كماله المطلقة التي لا تماثلها صفة واحد من خلقه. ومن ثم برزت عندي أهمية هذا الموضوع, وآثرت أن أدخل في شيء من معالجته بقد ما ييسر الله تعالى لي، خاصة وأن موجة الإلحاد وإنكار وجود الله قد اجتاحت معظم بلاد العالم، وزحفت على شطر ليس بالقليل من قلوب من ينتسبون إلى الإسلام، وخاصة القلوب الغضة التي يحملها بين جنبيه شباب الإسلام الذي تحير فتذبذب بدفعات عنيفة من تيارات الملحدين تارة، والمبتدعين تارة أخرى، حتى أصبح كريش تلعب به هبّات الرياح. وفي معالجتي لهذا الموضوع، أتناول إن شاء الله بحث: معنى الربوبية, وتوحيد الله تعالى في الربوبية إقراراً وإنكارا وأثر ذلك, وبيان نظرة المنكرين للخالق سبحانه والرد عليهم بالأدلة العقلية والنقلية، ثم علاقة توحيد الربوبية بأقسام التوحيد المختلفة. ومن الله أستمد العون والتوفيق. معنى الربوبية لغة [١] : الربوبية مصدر رَبَبَ، ومنه الربّ.

стр. 7460

والربّ هو الله ، هو ربُّ كل شيء أي مالكه، وله الربوبية على جميع الخلق لا شريك له، وهو رب الأرباب، ومالك الملوك والأملاك. ورب كل شيء مالكه ومستحقه، وقيل: صاحبه, ولا يقال الربّ في غير الله إلا بالإضافة: فيقال: فلان ربّ هذا الشيء أي ملكه له. وكل من ملك شيئاً فهو ربه. يقال: هو رب الدابة، ورب الدار، وفلان رب البيت، وهن ربات الحمال. ويقال: رب مشدد، ورب مخفف. وأنشد المفضل: وقد علم الأقوال أن ليس فوقه رب غير من يعطي الحظوظ ويرزق وفي حديث أشراط الساعة "وأن تلد الأمة ربها أو ربتها" قيل: الرب يطلق في اللغة على المالك، والسيد والمربي، والقيم، والمنعم، ولا يطلق غير مضاف إلى على الله . وقد أريد به في الحديث المولى أو السيد, يعني أن الأمة تلد لسيدها ولداً فيكون كالمولى لها، لأنه في الحسب كأبيه, أراد أن السبي يكثر، والنعمة تظهر في الناس، فتكثر السراري. وفي حديث إجابة المؤذن "اللهم رب هذه الدعوة التامة" أي صاحبها، وقيل المتمم لها، والزائد في أهلها والعمل بها والإجابه لها. وفي حديث أبي هريرة ﵁ "لا يقل المملوك لسيده: ربي" كره أن يجعل مالكه رباً له لمشاركة الله في الربوبية. أما في قوله تعالى: ﴿اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ﴾ (يوسف: ٤٢) فإنه خاطبهم على المتعارف عندهم وعلى ما كانوا يسمونهم به. فأما الحديث في ضالة الإبل "حتى يلقاها ربها"فإن البهائم غير متعدية ولا مخاطبة فهي بمنزلة الأموال التي تجوز إضافة مالكيها إليها، وجعلهم أرباباً لها. وقوله : ﴿إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ﴾ (يوسف: ٢٣) قال الزجاج: "إن العزيز صاحبي أحسن مثواي". قيل: ويجوز أن يكون: الله ربي أحسن مثواي. وربّه يرُبُّه ربّاً: مَلَكَه. ومربوب: أي مملوك، أي بيّن الربوبية. والعباد مربوبون لله ، أي مملوكين.
следующие страницы →