← Джавами‘

Джавами‘ · id 4473

مجلة الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (23 804 стр.). Показаны 7456–7495 · переход к 7461.

стр. 7456

وأما ما رواه الأزرقي عن جده قال حدثنا داود بن عبد الرحمن عن ابن جريج قال: سأل سليمان بن موسى الشامي عطاء بن أبي رباح وأنا أسمع: أدركت في البيت تمثال مريم وعيسى؟، قال: نعم, أدركت فيها تمثال مريم مزوقاً في حجرها عيسى ابنها قاعداً مزوقاً". قال: "وكانت في البيت أعمدة ست سواري وكان تمثال عيسى ومريم في العمود الذي يلي الباب"، قال ابن جريج: فقلت لعطاء متى هلك؟ قال: "في الحريق في عصر ابن الزبير". قلت: أعلى عهد النبي ﷺ كان؟ قال: "لا أدري, وإني لأظنه قد كان على عهد النبي ﷺ ". قال له سليمان: "أفرأيت تماثيل صور كانت في البيت من طمسها؟ "قال: "لا أدري, غير أني أدركت من تلك الصور اثنين درستا وأراهما والطمس عليهما". قال ابن جريج: "ثم عاودت عطاء بعد حين فخط لي ست سواري ثم قال: "تمثال عيسى وأمه ﵉ في الوسط من اللاتي تلين الباب الذي يلينا إذا دخلنا". ثم قال الأزرقي: حدثني جدي قال حدثنا داود بن عبد الرحمن عن عمرو بن دينار قال: "أدركت في بطن الكعبة قبل أن تهدم تمثال عيس بن مريم وأمه".

стр. 7457

فجوابه: أن يقال قد ثبت أن النبي ﷺ أمر عمر بن الخطاب ﵁ أن يأتي الكعبة فيمحو كل صورة فيها ولم يستثن شيئاً من الصور. وثبت أيضاً من حديث ابن عباس ﵄ قال: دخل النبي ﷺ البيت فوجد فيه صورة إبراهيم وصورة مريم فقال ﷺ : "أما لهم فقد سمعوا أن الملائكة لا تدخل بيتاً فيه صورة هذا إبراهيم مصور فما له يستقسم". وثبت أيضاً عن أسامة بن زيد ﵄ قال: دخلت على رسول الله ﷺ في الكعبة ورأى صوراً قال: فدعا بدلة من ماء فأتيته به فجعل يمحوها ويقول: "قاتل الله قوماً يصورون ما لا يخلقون". وقد تقدم ذكر هذه الأحاديث الثلاثة قريباً. وتقدم أيضاً ما ذكره الزرقاني على المواهب أنه وقع عند الواقدي في حديث جابر وكان عمر قد ترك صورة إبراهيم فلما دخل رسول الله ﷺ رآها فقال: "يا عمر ألم آمرك أن لا تدع بها صورة قاتلهم الله جعلوه شيخاً يستقسم بالأزلام"، ثم رأى صورة مريم فقال: "محوا ما فيها من الصور قاتل الله قوماً يصورون ما لا يخلقون".. وعلى هذا فيحتمل أن تكون صورة مريم وعيسى محفورة في عمود البيت بحيث لا يذهبهما الغسل بالماء، فلهذا بقيت إلى أن احترق البيت في عهد ابن الزبير، ويحتمل أن تكون مصبوغة بصبغ ثابت لا يذهبه الماء أو أنه قد ذهب بعض الصبغ حين محيت بالماء في زمن النبي ﷺ وبقي منه بقية تظهر منه الصورة. وقد تقدم عن عطاء أنه أدرك أيضاً صورتين من الصور التي كانت في الكعبة وأنهما قد درستا وأنه رأى الطمس عليهما. فلعل صورة مريم وعيسى كانت كذلك. ويحتمل أن يكون قد ألزق عليهم ما يمنع من رؤيتهما فخفيت على النبي ﷺ وعلى الخلفاء الراشدين وعلى غيرهم من الصحابة ورآها عطاء وعمرو بن دينار بعدما أزيل عنها ما يمنع من رؤيتها.

стр. 7458

ويحتمل أن يكون بعض النصارى وضعها بعد زمان النبي ﷺ وبعد زمان الخلفاء الراشدين، ولا سيما في زمن الفتنة التي كانت في زمن يزيد بن معاوية فقد يتسمى بعض النصارى بالإسلام بحيث لا يرد عن دخول مكة ودخول الكعبة فيصور صورة مريم وعيسى ليفتن المسلمين بذلك ويوهمهم أن النبي ﷺ قد أقر صورتهما، ويحتمل أن يكون ذلك من عمل بعض من أسلم من النصارى بعد زمان النبي ﷺ وزمان الخلفاء الراشدين ﵃ والله أعلم. وليس في بقاء صورة مريم وعيسى في الكعبة بعد زمان النبي ﷺ ما يدل على أن النبي ﷺ قد أقر ذلك، فإنه ﷺ لا يقر المنكر ولا يرضى به وقد قال الله تعالى في صفته ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَر﴾ (الأعراف: ١٥٧) . والمقصود هنا أنه لا يجوز أن يظن بالنبي ﷺ أنه يقر شيئاً من الصور أو يأمر بإبقائها، ومن ظن ذلك فقد ظن بالنبي ﷺ ما لا يليق به. والله أعلم وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه. حمود بن عبد الله التويجري ١٥/٤/١٣٩٨هـ تعليق: ذكر فضيلة الكاتب بعد حديث عمر الذي هو أقوى دليل في الموضوع عدة أحاديث تعارضه وحاول التوفيق بينها وبين حديث عمر بذكر عدة احتمالات، ولكن الذي يبدو أن القارئ لا يقتنع بهذا الصنيع، فترى المجلة أن يعيد فضيلة الكاتب النظر في التوفيق بين تلك الأحاديث التي ظاهرها التعارض. وبالله التوفيق.

стр. 7459

مفهوم الربوبية بقلم سعد ندا المدرس بالجامعة الإسلامية (المعهد الثانوي) الحلقة الأولى الحمد لله نحمده، ونستعينه، ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئآت أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أنّ محمداً عبده ورسوله، صلى الله وبارك عليه وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد: فقد بدا لي أن موضوع (الربوبية) له أهميته من حيث تعلقه بنقطة البدء في حياة المسلم. والمدخل الوحيد للعقيدة الصحيحة - عقيدة التوحيد - التي يتحتم عليه اعتناقها وتنفيذ متضمناتها والتي لا يقبل الله تعالى منه أي عمل يؤسس على غيرها , وكذلك من حيث أنه لا يُعقل أن يوجه فردٌ ما أي عبادة إلى إله لا يؤمن بوجوده، بل إن العبادات توجه دائماً إلى إله يبدأ العابد بالإقرار به وبصفات كماله المطلقة التي لا تماثلها صفة واحد من خلقه. ومن ثم برزت عندي أهمية هذا الموضوع, وآثرت أن أدخل في شيء من معالجته بقد ما ييسر الله تعالى لي، خاصة وأن موجة الإلحاد وإنكار وجود الله قد اجتاحت معظم بلاد العالم، وزحفت على شطر ليس بالقليل من قلوب من ينتسبون إلى الإسلام، وخاصة القلوب الغضة التي يحملها بين جنبيه شباب الإسلام الذي تحير فتذبذب بدفعات عنيفة من تيارات الملحدين تارة، والمبتدعين تارة أخرى، حتى أصبح كريش تلعب به هبّات الرياح. وفي معالجتي لهذا الموضوع، أتناول إن شاء الله بحث: معنى الربوبية, وتوحيد الله تعالى في الربوبية إقراراً وإنكارا وأثر ذلك, وبيان نظرة المنكرين للخالق سبحانه والرد عليهم بالأدلة العقلية والنقلية، ثم علاقة توحيد الربوبية بأقسام التوحيد المختلفة. ومن الله أستمد العون والتوفيق. معنى الربوبية لغة [١] : الربوبية مصدر رَبَبَ، ومنه الربّ.

стр. 7460

والربّ هو الله ، هو ربُّ كل شيء أي مالكه، وله الربوبية على جميع الخلق لا شريك له، وهو رب الأرباب، ومالك الملوك والأملاك. ورب كل شيء مالكه ومستحقه، وقيل: صاحبه, ولا يقال الربّ في غير الله إلا بالإضافة: فيقال: فلان ربّ هذا الشيء أي ملكه له. وكل من ملك شيئاً فهو ربه. يقال: هو رب الدابة، ورب الدار، وفلان رب البيت، وهن ربات الحمال. ويقال: رب مشدد، ورب مخفف. وأنشد المفضل: وقد علم الأقوال أن ليس فوقه رب غير من يعطي الحظوظ ويرزق وفي حديث أشراط الساعة "وأن تلد الأمة ربها أو ربتها" قيل: الرب يطلق في اللغة على المالك، والسيد والمربي، والقيم، والمنعم، ولا يطلق غير مضاف إلى على الله . وقد أريد به في الحديث المولى أو السيد, يعني أن الأمة تلد لسيدها ولداً فيكون كالمولى لها، لأنه في الحسب كأبيه, أراد أن السبي يكثر، والنعمة تظهر في الناس، فتكثر السراري. وفي حديث إجابة المؤذن "اللهم رب هذه الدعوة التامة" أي صاحبها، وقيل المتمم لها، والزائد في أهلها والعمل بها والإجابه لها. وفي حديث أبي هريرة ﵁ "لا يقل المملوك لسيده: ربي" كره أن يجعل مالكه رباً له لمشاركة الله في الربوبية. أما في قوله تعالى: ﴿اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ﴾ (يوسف: ٤٢) فإنه خاطبهم على المتعارف عندهم وعلى ما كانوا يسمونهم به. فأما الحديث في ضالة الإبل "حتى يلقاها ربها"فإن البهائم غير متعدية ولا مخاطبة فهي بمنزلة الأموال التي تجوز إضافة مالكيها إليها، وجعلهم أرباباً لها. وقوله : ﴿إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ﴾ (يوسف: ٢٣) قال الزجاج: "إن العزيز صاحبي أحسن مثواي". قيل: ويجوز أن يكون: الله ربي أحسن مثواي. وربّه يرُبُّه ربّاً: مَلَكَه. ومربوب: أي مملوك، أي بيّن الربوبية. والعباد مربوبون لله ، أي مملوكين.

стр. 7461

وربَبْت القوم: سستهم، أي كنت فوقهم. والعرب تقول: لأن يَرُبَّني فلان أحب إلي من أن يربني فلان, يعني أن يكون رباً فوقي وسيداً يملكني. ويقول ابن الأنباري: "الرب بنفسه على ثلاثة أقسام: ١ – الربّ: المالك. ٢ – والرب: السيد المطاع. يقول تعالى: ﴿فَيَسْقِي رَبَّهُ خَمْراً﴾ (يوسف: ٤١) أي سيده. ٣ – والرب: المصلح. وربَّ الشيء: إذا أصلحه. وربَّ ولده والصبي يربه ربّاً وربَّبته تربيباً بمعنى ربَّاه. وفي الحديث "لك نعمة تربها" أي تحفظها وتراعيها وترببها كما يربي الرجل ولده. وتربّاه: أحسن القيام عليه، ووليَه حتى يفارق الطفولية، كان ابنَه أو لم يكن. والصبي مربوب وربيب، والمربوب هو المربَّى. معنى الربوبية اصطلاحاً: الربوبية من الربِّ. والربّ في الاصطلاح الشرعي: هو السيد، المنعم، الخالق، البارئ، المصور، المالك، الرازق، المعطي، المانع، النافع، الضار، المحي، المميت، المدبر لأمر هذا الكون كله. توحيد الله تعالى في ربوبيته إقراراً وإنكاراً وأثر ذلك: معنى توحيد الربوبية: يقصد بتوحيد الربوبية: أن يقر العبد ويشهد بقلبه ولسانه وجوارحه بأن الله تعالى تفرّد بالربوبية المطلقة وخصائصها من: سيادة وإنعام وإبراء وتصوير وملك ورزق ومنع وإعطاء ونفع وضر وإحياء وإماتة وتدبير محكم بديع لأمر هذا الكون كله أزلاً وأبداً, فلا يشركه أحد من خلقه مهما علا مركزه في هذه الحياة دينا ودنيا في أي من خصائص ربوبيته سبحانه ومن ثم فإن العبد ينبغي عليه أن يعتقد: ١ – بأن الله تعالى هو وحده السيد، فلا سيادة في هذا الكون على الخلق إلا له وحده، وإذا أطلق على الإنسان لفظ (السيد) فذلك من باب التجوز في التعبير، وحتى مع إقراره له، فإن سيادته مقيدة بحدود تناسب ذاته، أما سيادة الله جل وعلا فهي سيادة مطلقة لا حدود لها.

стр. 7462

٢ – وبأن الله تعالى هو وحده الخالق، أي المقدر للأشياء على مقتضى مشيئته، فلا يملك مخلوق ما أن يخلق ذرة ولا حبة ولا شعيرة، لذا يقول تعالى: ﴿هَذَا خَلْقُ اللهِ فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِنْ دُونِه﴾ ِ [٢] فهذا استفهام إنكاري يؤكد عجز المخلوق عجزاً كاملاً عن خلق أي شيء, وقد ثبت عن أبي هريرة ﵁ أنه قال: قال رسول الله ﷺ : "قال الله تعالى: ومن أظلم ممن ذهب يخلق كخلقي، فليخلقوا ذرة، أو ليخلقوا حبة أو ليخلقوا شعيرة"أخرجاه, فهذا الحديث يقرر أنّ من يحاول مضاهاة خلق الله بالتصوير شديد الظلم له, شديد العقوبة، إذ أنه يعجز أن يخلق ذرة أو حبة أو شعيرة. ٣ – وبأن الله تعالى هو وحده البارئ أي المنشئ للمخلوقات، والموجد لها من العدم - فمن من الخلق هذا الذي يزعم أنه يستطيع أن يبرئ من العدم شيئاً؟ - إنه يستحيل عليه ذلك، بل إنه كثيراً ما يعجز عن أن يصنع أشياء من مواد متجمعة لديه, لكن رب العالمين سبحانه يخلق دون حاجة إلى سبق مواد يخلق منها، ونجد إشارة إلى ذلك في قوله تعالى: ﴿أَوَلا يَذْكُرُ الإنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ يَكُ شَيْئاً﴾ ؟ [٣] . ٤ – وبأن الله تعالى هو وحده المصور لصور خلقه على كثرتهم الكاثرة واختلاف أنواعهم وأشكالهم - وهو وحده - بعد خلقه وتصويره يجعل في مخلوقاته الأرواح التي تحصل بها الحياة. ٥ – وبأن الله تعالى هو وحده الرازق، وضمن رزق كل مخلوق لديه، فقال تعالى: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الأَرْضِ إِلاّ عَلَى اللهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ [٤] , وقال جل وعلا: ﴿وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ, فَوَرَبِّ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ﴾ [٥] .

стр. 7463

وقال تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ﴾ [٦]ـ فلا يملك مخلوق أن يجري لغيره رزقاً لم يقدره الله تعالى له، ولا أن يمنع عنه رزقاً قدر الله تعالى أن يجريه له. وبأن الله تعالى هو وحده الذي يعطي خلقه من نعمه ما يشاء، وهو وحده الذي يمنعهم إياها كما يشاء، ولا يملك أيّ مخلوق أن يمنع عطاء الله الذي أراد ولا أن يجري ما أراد سبحانه أن يمسك، يقول تعالى: ﴿مَا يَفْتَحِ اللهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [٧] . ٦ – وبأن الله تعالى هو وحده النافع لعباده بما يشاء، والضار لمن يستحق منهم الضر بما يشاء سبحانه. وقد ذكر رسول الله ﷺ ذلك في الحديث القدسي الذي رواه عن ربه عن ابن عباس ﵄: "واعلم أن الأمة لو اجتمعوا على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، واعلم أن الأمة لو اجتمعوا على أن يضروك لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك, جفت الأقلام وطويت الصحف". ٧ – وبأن الله تعالى هو وحده المحبى الذي يقدر أن يمنح الحياة لمن يشاء من خلقه، ويحدد مدة هذه الحياة ونهايتها في أجل معلوم لديه، ولا يملك أي مخلوق أن يمنح حياة لغيره - لم يشأها له الله تعالى - ولو للحظات يسيرة. ٨ – وبأن الله تعالى هو وحده المميت، الذي يقدر أن ينهي حياة من يشاء من خلقه فيقضي عليه بالموت, ولا يملك مخلوق ما أن ينهي حياة غيره الذي يُقدر الله له بقيةً من حياة.

стр. 7464

٩ – وبأن الله تعالى هو وحده المدبر لأمر هذا الكون كله، فيصرف شؤونه على وجه حكيم فيه صلاح خلقه، بحيث لا يوجد في هذا التدبير تناقضٌ ولا تنافرٌ، ولا يملك أي مخلوق مهما كان مركزه دنيا ودينا أن يدبر من أمر هذا الكون شيئاً, ويشير إلى هذا قوله تعالى: ﴿يُدَبِّرُ الأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ﴾ (السجدة: ٥) [٨] . أهمية هذا الإقرار: تظهر أهمية الإقرار بتوحيد الربوبية في أنه مقدمة لنتيجة، فإذا أقر العبد أن الله سبحانه تعالى هو الرب المتفرد بالربوبية وخصائصها، استلزم ذلك حتماً أن ينتج عن إقراره هذا إقرار آخر بتفرد الرب جل وعلا في ألوهيته، فيُجَرّد له العبادات جميعاً، ولا يصرف شيئاً منها لسواه، إذ أنه لا يصلح أن يُعْبَد إلا من كان رباً، سيداً, خالقاً, بارئاً, مصوراً, مالكاً, رازقاً, معطياً, مانعاً, محيياً, مميتاً, مدبراً لأمر الكون كله، وما دام أن ذلك جميعه لا يثبت إلا له وحده سبحانه، فوجب أن يكون هو وحده المعبود، الذي لا يصح أن يكون لأحد من خلقه شركة معه في أي شيء من العبادات على اختلاف صورها.

стр. 7465

ولهذا جرت سنة القرآن الكريم على سوق آيات الربوبية، ثم الخلوص منها إلى الدعوة إلى توحيد الألوهية، فيجعل توحيد الربوبية مدخلاً لتوحيد العبادة للإله الذي لا يستحقها بأنواعها جميعاً سواه, كما قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ, الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ فِرَاشاً وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقاً لَكُمْ فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَاداً وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [٩] , وكما قال تعالى: ﴿أَمَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنْبَتْنَا بِهِ حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ مَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَهَا أَإِلَهٌ مَعَ اللهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ..﴾ [١٠] . وأما توحيد الإلهية فهو متضمن لتوحيد الربوبية, بمعنى أن توحيد الربوبية داخل في ضمن توحيد الإلهية, فإن من عبد الله وحده ولم يشرك به شيئاً، لا بد أن يكون قد اعتقد أن الله هو ربه ومالكه الذي لا رب له غيره ولا مالك له سواه, فهو يعبده لاعتقاده أن أمره كله بيده، وأنه هو الذي يملك ضره ونفعه, وأن كل ما يُدْعى من دونه فهو لا يملك لعابديه ضراً ولا نفعاً ولا موتاً ولا حياة ولا نشورا. ولا ينفع توحيد الربوبية بدون توحيد الألوهية، كما لا ينفع توحيد الألوهية بدون توحيد الربوبية، فإن من عبد الله وحده ولم يشرك به شيئاً في عبادته، ولكنه اعتقد مع ذلك أن لغير الله تعالى تأثيراً في شيء, أو قدرة على ما لا يقدر عليه إلا الله، أو أنه يملك ضر العباد أو نفعهم ونحو ذلك، فهذا لا تصح عبادته؛ لأن أساسها يجب أن يكون الإيمان بالله ربّاً متفرداً بخصائص الربوبية جميعاً. الإقرار بتوحيد الربوبية:

стр. 7466

إن الإقرار بهذا النوع من التوحيد وحده لا يكفي لجعل صاحبه موحداً ينجو بتوحيده من عذاب الله تعالى يوم القيامة الذي أعده لغير الموحدين، وإنما هو مدخل لأنواع التوحيد الأخرى التي بها جميعاً يتحقق النجاة من عذاب الله. وقد أقر المشركون في عهد رسول الله ﷺ بتوحيد الربوبية، وكذلك أقر به الكفار، إذ كانوا يقرون بأن الله تعالى هو المالك، الخالق, الرازق، النافع، الضار، المحي، المميت، المدبر لأمر هذا الكون, ولكن هذا الإقرار وحده لم يجدهم شيئاً ولم ينقذهم من عذاب الله. وقد أثبت الله جل وعلا إقرارهم هذا في كتابه، فقال تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾ [١١] ، وقال: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ﴾ [١٢] . وقال: ﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللهُ فَقُلْ أَفَلا تَتَّقُونَ﴾ [١٣] . وقال: ﴿قُلْ لِمَنِ الأَرْضُ وَمَنْ فِيهَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ؟ سَيَقُولُونَ للهِ, قُلْ أَفَلا تَذَكَّرُونَ, قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ؟ سَيَقُولُونَ للهِ، قُلْ أَفَلا تَتَّقُونَ, قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلا يُجَارُ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ؟ سَيَقُولُونَ للهِ، قُلْ فَأَنَّى تُسْحَرُونَ﴾ [١٤] .

стр. 7467

وهذا فرعون مع كفره، وادعائه الربوبية العليا، بل والألوهية المتفردة يقر بربوبية الله تعالى، فيقول سبحانه في حق فرعون حاكياً عن موسى ﵇ ﴿قَالَ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنْزَلَ هَؤُلاءِ إِلاّ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ بَصَائِرَ﴾ [١٥] . وهذا إبليس اللعين يعترف بربوبية الله تعالى فيقول: ﴿رَبِّ فَأَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ [١٦] ، ويقول: ﴿رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي لأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الأَرْضِ وَلأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [١٧] ، ويقول: ﴿إِنِّي أَخَافُ اللهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ﴾ [١٨] . فالكفار والمشركون أقرّوا بأن الله خالقهم، وخالق السموات والأرض وربهن ورب ما فيهما ورازقهم, لهذا احتج عليهم الرسل بقولهم: ﴿أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لا يَخْلُقُ أَفَلا تَذَكَّرُونَ﴾ [١٩] . أثر إقرارهم: ورغم أن الكفرة والمشركين قد أقروا بتوحيد الربوبية لله تعالى، فإن هذا الإقرار لم ينفعهم شيئاً، ولم يخرجهم من كفرهم وشركهم، ولم يصبحوا بهذا الإقرار موحدين لله جل وعلا. لقد كانوا يوحدون الله تعالى في ربوبيته، وملكه, وقهره، وكانوا يعبدونه ويخضعون له أنواعاً من العبادات وقت الاضطرار، كما يقول تعالى: ﴿وَإِذَا غَشِيَهُمْ مَوْجٌ كَالظُّلَلِ دَعَوُا اللهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ فَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمَا يَجْحَدُ بِآياتِنَا إِلاّ كُلُّ خَتَّارٍ كَفُورٍ﴾ [٢٠] . وكانوا يدّعون أنهم على ملة إبراهيم ﵇، فأنزل الله تعالى: ﴿مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيّاً وَلا نَصْرَانِيّاً وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفاً مُسْلِماً وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [٢١] . بل كان بعضهم يؤمن بالبعث والحساب، وبعضهم يؤمن بالقدر, كما قال زهير: يؤخر فيوضع في كتاب فيدخر ليوم حساب أو يعجل فينتقم وكما قال عنترة:

стр. 7468

يا عبل أين من المنية مهرب إن كان ربي في السماء قضاها ومع هذا الإيمان، فإن دماءهم وأموالهم فد أبيحت، لإشراكهم في توحيد العبادة الذي هو معنى لا إله إلا الله، ولم ينفعهم إقرارهم بتوحيد الربوبية وحده دون توحيد الله تعالى في عبادته. ولذلك ما اعترضوا على توحيد الربوبية حين ذكرهم به رسول الله ﷺ ، وإنما كان اعتراضهم وإنكارهم وتعجبهم على دعوته لهم إفراد الله تعالى بالعبادة, وذلك فيما حكاه الله جل وعلا عنهم في قوله: ﴿وَعَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ وَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا سَاحِرٌ كَذَّابٌ, أَجَعَلَ الآلِهَةَ إِلَهاً وَاحِداً؟ إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ! وَانْطَلَقَ الْمَلأُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلَى آلِهَتِكُمْ إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ يُرَادُ, مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي الْمِلَّةِ الآخِرَةِ إِنْ هَذَا إِلاّ اخْتِلاقٌ﴾ [٢٢] . فكانت النتيجة لاقتصارهم على هذا لإقرار بالربوبية أنه أبيح قتالهم وعدم رفع السيف عنهم حتى يقروا بشهادة أن لا إله إلا الله تلفظاً، وفهم معنىً, وتنفيذ مقتضى, والكفر بما يعبد من دون الله، إذ يقول رسول الله ﷺ فيما جاء في صحيح مسلم عن أبي هريرة مرفوعاً: "أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، ويؤمنوا بي، وبما جئت به، فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على الله"، وفيما ثبت في الصحيحين عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : "أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة، فإن فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على الله", وقد أجمع العلماء على أن من قال (لا إله إلا الله) ، ولم يعتقد معناها، ولم يعمل بمقتضاها، يقاتل حتى يعمل بما دلت عليه من النفي والإثبات.

стр. 7469

ولما توفي رسول الله ﷺ وكفر من كفر من العرب، قال عمر بن الخطاب لأبي بكر ﵄ لما قاتل مانعي الزكاة: "كيف تقاتل الناس وقد قال رسول الله ﷺ : "أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله، فمن قال: لا إله إلا الله فقد عصم مني ماله ونفسه إلا بحقه وحسابه على الله", فقال أبو بكر ﵁: "والله لأقاتلنّ من فرّق بين الصلاة والزكاة، فإن الزكاة حق المال، والله لو منعوني عقالاً كانوا يؤدونه إلى رسول الله ﷺ لقاتلتهم على منعه". فقال عمر ﵁: "فوالله ما هو إلا أن رأيت الله قد شرح صدر أبي بكر للقتال، فعرفت أنه الحق". لفظ مسلم.

стр. 7470

فأبو بكر ﵁ فهم أن النبي ﷺ لم يرد مجرد اللفظ بقول (لا إله إلا الله) باللسان فحسب دون التزام بمعناها وأحكامها. وقد سئل شيخ الإسلام أحمد بن تيمية ﵀ عن قتال التتار مع التمسك بالشهادتين، ولما زعموا من اتباع أصل الإسلام فقال [٢٣] : "كل طائفة ممتنعة من التزام شرائع الإسلام الظاهرة المتواترة من هؤلاء القوم أو غيرهم، فإنه يجب قتالهم حتى يلتزموا شرائعه، وإن كانوا ناطقين بالشهادتين وملتزمين بعض شرائعه، كما قاتل أبو بكر والصحابة ﵃ مانعي الزكاة وعلى ذلك اتفق العلماء بعدهم. فأيما طائفة ممتنعة عن بعض الصلوات المفروضات أو الصيام, أو الحج، أو عن التزام تحريم الدماء، أو الأموال أو الخمر, وأو الميسر أو نكاح ذوات المحارم، أو عن التزام جهاد الكفار أو ضرب الجزية على أهل الكتاب، أو غير ذلك من التزام واجبات الدين أو محرماته التي لا عذر لأحد في جحودها أو تركها، التي يكفر الواحد بجحودها فإن الطائفة الممتنعة تقاتل عليها وإن كانت مقرة بها. وهذا مما لا أعلم فيه خلافاً بين العلماء، وهؤلاء عند المحققين من العلماء ليسوا بمنزلة البغاة، بل هو خارجون على الإسلام بمنزلة مانعي الزكاة". أما ما ورد في حديث "أمرت أن أقاتل الناس ... "من قوله: "وحسابهم على الله " [٢٤] أي أن ﵎ هو الذي يتولى حساب هذا الذي يشهد بلسانه بهذه الشهادة، فإن كان صادقاً جازاه بجنات النعيم، وإن كان منافقاً عذبه العذاب الأليم. وأما في الدنيا فالحكم على الظاهر، فمن أتي بالتوحيد، ولم يأت بما ينافيه ظاهراً والتزام شرائع الإسلام، وجب الكف عنه. يخلص من ذلك أن الاقتصار على توحيد الربوبية من باب أولى لا أثر له في عصمة الدم والمال. --------------------------------------------------------------------------------

стр. 7471

[١] لسان العرب المحيط في معنى كلمة (ربب) . [٢] سورة لقمان آية ١١. [٣] سورة مريم آية ٦٧. [٤] سورة هود آية ٦. [٥] سورة الذاريات آية ٢٢-٢٣. [٦] سورة الذاريات آية ٥٨. [٧] سورة فاطر آية ٢. [٨] سورة السجدة آية ٥. [٩] سورة البقرة آية ٢١،٢٢. [١٠] سورة النمل آية ٦٠،٦٤. [١١] سورة الزخرف آية ٨٧. [١٢] سورة الزخرف آية ٩. [١٣] سورة يونس آية ٣١. [١٤] سورة المؤمنون آية ٨٤. [١٥] سورة الإسراء آية ١٠٢. [١٦] سورة الحجر آية ٣٦. [١٧] سورة الحجر آية ٣٩. [١٨] سورة الحشر آية ١٦. [١٩] سورة النحل آية ١٧. [٢٠] سورة لقمان آية ٣٢. [٢١] سورة آل عمران آية٦٧. [٢٢] سورة ص آية ٤،٥،٦،٧. [٢٣] فتح المجيد ص٩٢،٩٣. [٢٤] المرجع السابق ص ٩١.

стр. 7472

العبادة في الإسلام بقلم أحمد عبد الرحيم السايح قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإنْسَ إلاَّ لِيَعْبُدُونِ, مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ, إِنَّ اللهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ﴾ .. [١] فهذه الآية الكريمة.. تحدد غاية الخلق.. كما تبين الحكمة الشرعية الدينية من خلق الجن والإنس, والتي هي وجوب عبادة الله وحده لا شريك له، وإفراده بتلك العبادات. والعبادة: اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال الباطنة والظاهرة. [٢] وأصل العبادة: التذلل والخضوع.. وسميت وظائف الشرع على المكلفين عبادات لأنهم يلتزمونها ويفعلونها، خاضعين متذللين لله تعالى. [٣] والعبادة في اللغة من الذلة.. يقال: طريق معبد, أي: مذلل. وفي الشرع: عبارة عما يجمع كمال المحبة والخضوع والخوف [٤] . . والعبادة في الإسلام.. تؤكد إقرار المرء إقراراً كاملاً بقلبه وجوارحه، وخضوعه خضوعاً مطلقاً، يطفى على كل خضوع, لله الخالق الباقي من وراء كل وجو د زائل [٥] .. ويقوم التصور الإسلامي على أن هناك ألوهية وعبودية.. ألوهية يتفرد بها الله سبحانه.. وعبودية يشترك فيها كل من عداه، وكل ما عداه.. وكما يتفرد الله سبحانه بالألوهية.. كذلك يتفرد تبعاً لذلك بكل خصائص الألوهية.. وكما يشترك كل حي، وكل شيء بعد ذلك في العبودية، كذلك يتجرد كل حي وكل شيء من خصائص الألوهية.. فهناك إذن وجودان متميزان: وجود الله، ووجود ما عداه من عبيد الله, والعلاقة بين الوجودين هي علاقة الخالق بالخلق والإله بالعبيد [٦] . .

стр. 7473

والله لم يخلق الإنسان في هذا الكون.. ليعبث أو يلهو أو يلعب، أو ليتمرد على الإنسانية.. ولم يخلق الله الإنسان ليطغى ويتمرّغ في وحل الإلحاد.. ولم يخلق الله الإنسان ليعيش في أحضان الجهل والتبعية العمياء.. قال تعالى: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا ل اتُرْجَعُونَ﴾ [٧] .. وقال تعالى: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ, الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً وَهُوَ الْعَزِيز ُ الْغَفُورُ﴾ [٨] .. فالإنسان خلقه الله وركب فيه ما ركب من قوى الإدراك والعلم والفهم والتفكير والعمل.. ليكون خليفة في الأرض.. والخلافة في الأرض ليست مجرد الملك والرياسة والقهر والغلبة.. وليس البطش بالأبرياء والزج بهم في المعتقلات وسجون التعذيب.. وليست سفكاً للدماء، وقطعاً لرءوس المؤمنين.. ولا هي كذلك دعوة إلى الإلحاد وعباد ة الطواغيت [٩] .. ولا هي التسلط على الناس والتحكم فيهم بغير ما أنزل الله.. إذن هي القيام بمسؤلية التكليف. والتكليف حجة على المكلفين فيما يعينهم من أمر الأرض والسماء، ومن أمر أنفسهم ومن أمر خالقهم وخالق الأرض والسماء.. وهي أداء رسالة الإسلام، وتحقيق المنهج الذي رسمه الله للإنسانية, قال تعالى: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُم ْ تَتَّقُونَ﴾ [١٠] .. والخلافة في الإسلام حقيقة ضخمة، تستغرق النشاط الإنساني كله.. وتوجه النشاط الإنساني كله..

стр. 7474

فهي قدرة على التفوق العلمي.. وقدرة على مواجهة التحديات الشركية, وقدرة على الصمود أمام الأحداث.. وقدرة على محارة الإلحاد والأحزاب الحمراء.. وقدرة على تحقيق الطمأنينة والأمن والعدل والخير والسلام.. "وإن النظرة القرآنية تجعل هذا الإنسان بخلافته في الأرض عاملاً مهما في نظام الكون.. ملحوظاً في هذا النظام.. فخلافته في الأرض تتعلق بارتباطات شتى مع السموات, ومع الرياح, ومع الأمطار, ومع الشموس والكواكب، وكلها ملحوظ في تصميمها إمكان قيام الحياة على الأرض، وإمكان قيام الإنسان بالخلافة، فأين هذا المكان الملحوظ، ومن ذلك الدور الذليل الذي تخصصه له المذاهب المادية، ولا تسمح له أن يتعداه [١١] . والإنسان أعز وأكرم وأغلى من كل شيء مادي، ومن كل قيمة مادية في هذه الأرض جميعاً. ولا يجوز إذن أن يستعبد أو يستذل لقاء توفير قيمة مادية، أو شيء مادي. ولا يجوز أن يتعدى على أي مقوم من مقومات إنسانيته الكريمة. ولا أن تهدر أية قيمة من قيمه لقاء تحقيق أي كسب مادي أو إنتاج أي شيء مادي أو تكثير أي عنصر مادي.. فهذه الماديات كلها مصنوعة من أجله, من أجل تحقيق إنسانيته، من أجل تقرير وجوده الإنساني.. فلا يجوز أن يكون ثمنها هو سلب قيمة من قيمه الإنسانية، أو نقص مقوم من مقومات كرامته.. [١٢] . والإنسان أكرمه الله بالعبادة، وأمره بها ليكون صالحاً مصلحاً، قال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ, لا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾ [١٣] . . وإذا كانت العبادة غاية الوجود الإنساني, كما هي غاية كل وجود, فإن مفهومها لا يقتصر على المعنى الخاص الذي يرد إلى الذهن، والذي يضيق نطاقها، حتى يجعلها محصورة بأنواع الشعائر الخاصة التي يؤديها المؤمن، إن حقيقة العبادة تبدو في معنيين.. أولهما عام, والأخر خاص..

стр. 7475

أما العبادة بالمعنى العام. . فإنها تعني السير في الحياة ابتغاء رضوان الله، وفق شريعة الله. فكل عمل يقصد به وجه الله تعالى، والقيام بأداء حق الناس استجابة لطلب الله تعالى بإصلاح الأرض ومنع الفساد فيها، يعد عبادة, وهكذا تتحول أعمال الإنسان مهما حققت له من نفع دنيوي إلى عبادة إذا قصد بها رضاء الله [١٤] . فالعبادة ما تكاد تستقر حقيقتها في قلب المسلم، حتى تعلن عن نفسها في صورة عمل ونشاط وحركة وبناء. عبادة تستغرق نشاط المسلم.. بخواطر نفسه، وخلجات قلبه، وأشواق روحه، وميول فطرته، وحركات جسمه، ولفتات جوارحه، وسلوكه مع الناس.. وبه ذا الاستغراق، وهذا الشمول يتحقق معنى الخلافة في الأرض في قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأََرْضِ خَلِيفَةً..﴾ [١٥] . لأن الخلافة في الأرض هي عمل هذا الكائن الإنساني.. وهي تقتضي ألواناً من النشاط الحيوي في عمارة الأرض والتعرف إلى قواها وطاقاتها وذخائرها ومكنوناتها، وتحقيق إرادة الله في استخدامها وتنميقها، وترقية الحياة فيها.. كما تقتضي الخلافة القيام على شريعة الله في الأرض، لتحقيق المنهج الإلهي الذي يتناسق مع الناموس الكوني العام.. ومن ثم يتجلى أن معنى العبادة التي هي غاية الوجود الإنساني، أو التي هي وظيفة الإنسان الأولى.. أوسع وأشمل من مجرد الشعائر, وأن وظيفة الخلافة داخلة في مدلول العبادة قطعاً.. وإن حقيقة العبادة تتمثل إذن في أمرين رئيسيين: الأول: هو استقرار معنى العبودية لله في النفس, أي استقرار الشعور على أن هناك عبداً ورباً.. عبداً يُعبد.. ورباً يُعبد.. وأن ليس وراء ذلك شيء, وأن ليس هناك إلا هذا الوضع، وهذا الاعتبار, ليس في هذا الوجود إلا عابد ومعبود، وإلا رب واحد، والكل له عبيد..

стр. 7476

الثاني: هو التوجه إلى الله بكل حركة في الضمير، وكل حركة في الجوارح، وكل حركة في الحياة.. التوجه بها إلى الله خالصة، والتجرد من كل شعور آخر, ومن كل معنى غير معنى التعبد لله.. بهذا وذلك يتحقق معنى العبادة. قال تعالى: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [١٦] , والعبادة هي العبودية المطلقة، معنى وحقيقة.. وكل ما يأتي به المسلم في طاعة الله فهو عبادة لذا كانت جملة ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ..﴾ كلية اعتقادية.. فلا عبادة إلا لله, ولا استعانة إلا بالله.. وفي هذا مفرق طريق.. مفرق طريق بين التحرر المطلق من كل عبودية، وبين العبودية المطلقة للعبيد. وهذه الكلية تعلن ميلاد التحرر البشري الكامل الشامل.. التحرر من عبودية الأوهام، والتحرر من عبودية النظم، والتحرر من عبودية الأوضاع.. وإذا كان الله وحده هو الذي يعبد، والله وحده هو الذي يستعان فقد تخلص العبد من استذلال النظم والأوضاع والأشخاص, كما تخلص من استذلال الأساطير والأوهام والخرافات [١٧] . أما العبادة بالمعنى الخاص: فهي إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة وصوم رمضان وحج البيت لمن استطاع إليه سبيلاً.. وهي نوع من التربية على العبادة الكامل ة الحقة [١٨] .. ففرائض الإسلام تخاطب كل الجوانب في الإنسانية، وتفي بكل الحاجات، وتصحح كل الاتجاهات.. ومن وراء كل ذلك.. نجد أن العبادات في الإسلام تدعو إلى الوحدة والجماعة، وهي أساس لوحدة التفكير، ووحدة المفاهيم الأساسية في الحياة, بل ووحدة القيم، والمقاييس الخلقية، والنظر إلى الخير والشر، والفضائل والرذائل.. وقواعد السلوك.. [١٩] . والعبادات في الإسلام تنتهي إلى نتيجتين: أولاهما: الاتجاه إلى تربية الوجدان الديني الذي يجعل المؤمن بالإسلام مؤتلفاً مع غيره، ليتكون من هذا الائتلاف مجتمع إنساني متواد متحاب..

стр. 7477

والثانية: أن غاية العبادات في الإسلام ليست مجرد التقوى السلبية، لأنه تتجه إلى النفع الإنساني العام، وإلى إيجاد مجتمع متحاب، غير متباغض ولا متنازع.. فعلاقة الإخلاص لله فيها أن تكون مطهرة للقلب, قاضية على الشرفية، مؤلفة بينه وبين الناس من غير مراءة ول امغالاة [٢٠] .. ويود أن يدرك المسلمون حقيقة العبادة في الإسلام.. ويوم أن يقتنع المسلمون بأن الإسلام هو المنهج الأمثل.. ويوم أن تكون الفرائض الإسلامية عملاً بناء.. لا حركات تؤدى.. ويوم أن تكون (لا إله إلا الله) المنطلق الوحيد للمسلمين.. يومها وبكل تأكيد سوف يتحقق للمسلمين بإذن الله تعالى نجاح رائع في كل نواحي الحياة.. والله ولي التوفيق.. -------------------------------------------------------------------------------- [١] سورة الذاريات الآيات: ٥٦،٥٧،٥٨. [٢] كلام ابن تيمية. انظر في ذلك كتاب تيسير العزيز الحميد في شرح كتاب التوحيد ص ٣٠ للشيخ سليمان بن عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب. مكتبة الرياض الحديثة. [٣] اجع تفسير القرطبي لسورة الذاريات الآية رقم ٥٦. [٤] فسير القرآن العظيم للإمام ابن كثير.. المجلد الرابع. [٥] عالم الثقافة الإسلامية، للدكتور عبد الكريم عثمان، ص١٤٧ الطبعة الثالثة, الناشر: مؤسسة الأنوار بالرياض. [٦] صائص التصور الإسلامي. سيد قطب ص ٢١٥ طبع دار الشروق. [٧] ورة المؤمنون الآية ١١٥. [٨] ورة الملك, الآيتان الأولى والثانية. [٩] ال ابن القيم: "الطاغوت ما تجاور به العبد حده من معبود أو متبوع أو مطاع، فطاغوت كل قوم من يتحاكمون إليه غير الله ورسوله، أو يعبدونه من دون الله، أو يتبعونه على غير بصيرة من الله، أو يطيعونه فيما لا يعلمون أنه طاعة الله، فهذه طواغيت العالم..". [١٠] ورة الأنعام الآية رقم ١٥٣.

стр. 7478

[١١] ظر: تفسير "في ظلال القرآن"للشهيد سيد قطب. المجلد الأول ص ٧١ الطبعة الرابعة. الدار العربية للطباعة والنشر. بيروت. [١٢] ي ظلال القرآن المجلد الأول ٧٠. [١٣] ورة الأنعام الآيتان ١٦٢،١٦٣. [١٤] عالم الثقافة الإسلامية. الدكتور عبد الكريم عثمان. ص ١٤٨. [١٥] ورة البقرة. جزء من الآية رقم ٣٠. [١٦] ورة الفاتحة. [١٧] ي ظلال القرآن المجلد الأول ص ١٩. [١٨] مبادئ الإسلام. للأستاذ أبو الأعلى المودودي ص ٩٤. [١٩] من وحي السماء لأحمد عبد الرحيم السايح ص٤٦،٤٧ الطبعة الأولى القاهرة. [٢٠] لمجتمع الإسلامي في ظل الإسلام للشيخ العلامة محمد أبو زهرة ص ٩٦.. القاهرة.

стр. 7479

العدد ٤٢ فهرس المحتويات ١- كلمة العدد من المسئول عن هؤلاء الضائعين: لفضيلة الأستاذ محمد المجذوب ٢- من منافع الحج وفوائده: لسماحة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز ٣- ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ وَلا جِدَالَ فِي الْحَجِّ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ﴾ : لفضيلة الشيخ أبي بكر جابر الجزائري ٤- تفسير آية من كتاب الله: لفضيلة الشيخ عبد الفتاح عشماوي ٥- المفهوم الصحيح للتوسل على ضوء السنة: لفضيلة الأستاذ حماد بن محمد الأنصاري ٦- تصحيح المفاهيم في جوانب العقيدة: لفضيلة الشيخ محمد أمان بن علي الجامي ٧- مفهوم الربوبية (الحلقة الثانية) : بقلم سعد ندا ٨- وصايا للحجاج والزوار: لسماحة الشيح عبد العزيز بن باز ٩- الحج عرفة: لفضيلة الشيخ محمد أمان بن علي الجامي ١٠- هذا هو الطريق: لفضيلة الشيخ أبي بكر جابر الجزائري ١١- أثر الحج في النفس والمجتمع: للدكتور عبد الرحمن بله علي ١٢- خمسة أحكام للحج في آية واحدة: للدكتور عبد الفتاح عاشور ١٣- الذبائح في مناسك الحج مصادرها ومصارفها: للدكتور أحمد علي طه ريان ١٤- تأملات في فريضة الحج: بقلم محمد السيد الوكيل ١٥- ما أدخلته الشيعة في التاريخ الإسلامي: بقلم فضيلة الشيخ صالح بن عبد الله المحيسن ١٦- مسئولية التعليم - المنهج بين الماضي والحاضر: بقلم عبد الله قادري ١٧- قبس من بلاغة الفاروق ﵁: بقلم الدكتور علي البدري ١٨- من قيم الإسلام - "إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق": بقلم الدكتور عز الدين على السيد ١٩- آيات الله في الكون: لفضيلة الشيخ أحمد عبد الرحيم السايح ٢٠- مولد رمضان: للشاعر السوري محمد منذر لطفي ٢١- صحيح المقال في مسألة شد الرحال: بقلم حمود بن عبد الله التوريجرى ٢٢- أحكام يرفضها التحقيق حول إبراهيم ﵇ والبيت العتيق: لفضيلة الشيخ محمد المجذوب ٢٣- تعقيب على تعقيب: للشيخ محمدالمجذوب ٢٤- سؤال وجواب: لفضيلة الشيخ عبد العزيز الربيعان ٢٥- الأنفلونزا والكوليرا: بقلم الدكتور حسين كامل طه ٢٦- المؤتمر العالمي بلندن عن حياة المسيح ﵇: ترتيب: عبد الرشيد أرشد ترجمة: محمد لقمان ٢٧- كلا.. ليسوا مسلمين.. ٢٨- أول مؤتمر يبحث عن قضايا المدارس الإسلامية في الهند حوالي ١٩٥٢ من المندوبين والعلماء اشتركوا في المؤتمر: نور الحق الرحماني ٢٩- من أعماق الكتب من كتاب زاد المعاد: للإمام ابن القيم ٣٠- من كتاب دور المساجد التاريخي في التثقيف العلمي: تأليف محمد الشاذلي الخولي ٣١- الفتاوى: لسماحة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز ٣٢- مختارات من الصحف ٣٣- لائحة الامتحانا في كليات الجامعة الاسلامية عمادة البحث العلمي - جميع الحقوق محفوظة ١٤٢٣ هـ / ٢٠٠٢ م

стр. 7480

كلمة العدد من المسؤول عن هؤلاء الضائعين أسرة التحرير في طريقنا إلى الفلبين كان لابد لنا من الهبوط في بومباي لتغير الطائرة، وكان علينا أن نقضي معظم الليل في ردهة المطار بانتظار موعد الطائرة التي ستقلنا إلى مدراس.. وبينما أنا أغالب إغفاءة خفيفة أخذ سمعي دوي بعيد ترافقه ضجة موزونة ثم ما زال يقترب شيئاً فشيئاً حتى انجلى لنا عن موكب يضم قرابة العشرين رجلاً، كلهم من العرق الأوربي في الأبيض البشرة، الأزرق العيون، الفارع الهيكل. كان أحدهم حدثاً لا يتجاوز الخامسة عشرة، وبينهم واحد في سحنة الهنود. وقد استرعى انتباهي من هؤلاء أزياؤهم الغريبة، فهي عبارة عن سراويلات فصلت على الطريقة الباكستانية، وفوقها قمص تنسدل إلى الركب. وكانت رؤوسهم حليقة كلها. إلا امتداداً كذيل الثعلب، يبدأ من وسط الرأس ثم يتدلى إلى مؤخرة الرقبة. كان بعض هؤلاء يحمل طبولاً على شكل اسطواني، ينتهي طرفاه بفتحتين ضيقتين ألصقت بهما قطعتان من الجلد عليهما يضرب حاملوها.. وينطلق الجميع في أناشيد محفوظة يكررونها وهم يترنحون في انتظام، وكلما انتهوا إلى فقرة منها معينة قفزوا معاً إلى الأعلى، تم يعودون إلى اهتزازاتهم الأولى.. وهكذا جعلوا يبدئون ويعيدون حتى نال منهم الإرهاق، وجعلت أصواتهم تخفت من التعب.. فإذا مما استعادوا بعض قدرتهم أعادوا العمل ضرباً وترنحاً وقفزاً وإنشاداً..

стр. 7481

لم أستطع بادي الرأي تفسير عملهم.. وخطر في بالي أنهم مجموعة من الضائعين الذين يتكاثرون هذه الأيام في الشوارع أوربة وحواضر أمريكة، قد أقبلوا على الشرق في سياحة ترفيهية، فهم يجوبون شوارع بومباي على هذا الوضع، إعراباً على تمردهم على الحضارة الغربية، التي أعطت الإنسان الغربي كل وسائل الرفاه. وسلبته مقابل ذلك كل أسباب الطمأنينة. إلا أني لم ألبث أن هديت إلى تفسير الصحيح حين أقبل رفيق رحلتي الدكتور ف. عبد الرحيم، فبين لي أن هؤلاء نموذج لكثيرين من الغربيين الذين فرغت قلوبهم من سكينة الإيمان فراحوا يهيمون على وجوههم، حتى احتضنهم دعاة الوثنية الهندية، فاعتنقوا بعض مذاهبها، ثم جاءوا إلى الهند ليمارسوا شعائر دياناتهم الجديدة على النحو الذي ترى.. فهم يؤدون هذه الحركات داخل المعابد، ولعلهم يريدون من إجرائها في الشوارع تذكير الناس بها ودعوتهم إلى إحيائها.. وسرعان ما وجدتني مشدوداً بما شاهدته من هذه الغرائب إلى التأمل في ما وراءها من عبر وأحداث: لقد وثبت بي الذاكرة إلى منظر الطرقيين في العديد من ديار المسلمين، وقد تحلقوا حول (الراقص المولوى) يعزفون له ويقرعون وينشدون، وراح هذا يدور في وسطهم على قدم واحدة، كخذروف الوليد، وقد انفتحت (تنورته) الواسعة حتى أشبهت مظلة الطيار الهابط من الأعالي.. ثم تتابعت على الرؤى حتى وقفت بخيالي على واحدة منها لم تزل تعمل عملها في صدور الغافلين.. إنها صورة هؤلاء الذين اتخذوا دينهم لعباً ولهواً فكان من بين مبتدعاتهم تلك الحلقات الأخرى، التي يتوسطها (قائد السيرك) فتأخذ في التمايل وفق إشارته، وقد تصاعدت من صدورها همهمات تبدأ واضحة باسم الله، ثم ما تنفك تتغلغل في الغموض حتى تستحيل زفيراً وشهيقاً لا مفهوم له، ثم لا تفتر ولا تهدأ إلى أن يأخذها الإرهاق، الذي يأخذ هؤلاء الراقصين في ردهة مطار بومباي..

стр. 7482

فمن هنا إذن.. من رقصات الهنادك والبوذيين لآلهتهم، قد تسرب هذا الرقص الطرقي، الذي يسميه المضللون والمضللون في بلاد المسلمين (حلقات الذاكرين) !.. ثم ألفيتني أتساءل: هذا الجيل المتمرد على حضارة المادة والشهوات، وعلى تعاليم الكنيسة، بعد أن تمردت الكنيسة نفسها على وحي الله، حتى صارت تعاليمها مجموعة من مقرات رجال الدين.. هذا الجيل الذي تتخطفه البوذية والبرهمية والهيبية.. وو.. لماذا أغفله دعاة الإسلام، فلم يفتحوا أعينه على نور ربه؟ أليس الإسلام هو خاتم رسالات الله إلى عباده؟ .. فمن المسئول عن تبليغهم حقائقه، إذا لم يقم المسلمون من أولى العلم وهذه المهمة؟. ولا حول ولا قوة إلا بالله!.. محمد المجذوب

стр. 7483

هذا هو الطريق لفضيلة الشيخ أبي بكر جابر الجزائري عضو هيئة التدريس بالجامعة الإسلامية بين يدي الطريق أستعرض مع السالكين الواقع الذي يعيشه المسلمون اليوم، ليعلموا مدى الحجة الماسة إلى سلوك هذا الطريق، وأنه لا خيار لهم في ذلك متى أرادوا النجاة لأنفسهم، وللأجيال الآتية بعدهم. إن المسلمين اليوم - دويلات كبيرة أو صغيرة، وأقليات كثيرة أو قليلة - يعيشون واقعاً مراً لا يغبطون فيه، ولا يحسدون عليه. وهذه لمحات خاطفة نلقيها على هذا الواقع المر ونكتفي بها عن الاستعراض الشامل، والعرض التفصيلي الذي لا يزيد القلب إلا كمداً وحزناً، والنفس إلا ألماً وحسرة. ١ - في بلاد العرب: إن العرب وهم الذين قد اختير آباؤهم السالفون لحمل رسالة الإسلام، وإبلاغها إلى الناس كافة، لينجوا بها، ويسعدوا عليها، وفعلاً فقد حملوها وبلغوها، ونجت بها، وسعدت عليها أمم كثيرة، ولا ينكر هذا إلا جاهل، أو مكابر، جاحد. لكن هؤلاء العرب الأحفاد قد مزقتهم الأهواء، وعبثت بهم أيدي الأعداء، فتمكن منهم الحانقون على الإسلام، الناقمون منه من كل قوى الشر في الأرض، فسلخوهم من الإسلام، وأبعدوهم عن ساحته، وقد كان درعهم الواقي، وحصنهم المنيع، ومصدر قوتهم الروحية والمادية معاً، فتنكروا - مع الأسف- له، وأصبحوا حرباً عليه من حدثهم عنه ازدروه واحتقروه، ومن دعاهم إليه أخافوه، وعذبوه أحياناً، ونكلوا به. تقاسمت هؤلاء العرب الأحفاد - الأهواء، ومزقتهم الشهوات، فتفرقوا أيادي سبأ، فأصبحوا لذلك سخرة لأعداء الإسلام وأعداءهم، يسخرونهم كما شاءوا، ولما شاءوا، حتى قال قائل [١] منهم مؤخراً:"يجب أن نحافظ على توازن النفوذين الأمريكي والروسي في المنطقة "أي في بلاد العرب، فيا للعجب! ! !

стр. 7484

إن معنى هذا القول من هذا المسئول هو بلا شك مساعدة العرب عدوهم على التمكين، له في بلادهم، ومعنى آخر لهذا القول هو مساعدة العدو على احتلال الدار، وبقاء العار، وسبحان الله! ماذا أصاب العرب، وماذا حل بديارهم من ذل، وهون، ودون؟ ! ! إن العرب الذين كانوا بالأمس القريب مثال العز، والكرامة، والمروءة، والشهامة أصبحوا اليوم أمثلة للمذلة، والمهانة، وأصبحت ديارهم التي كانت بالأمس حصوناً منيعة، وقلاعاً رفيعة لا تنالها أيدي الأعداء، ولا يدخلها من لا نأذن له ولا نشاء. أصبحت ساحات لتحارب النظريات وحقولاً لزرع فنون الخبث والعبث، ومباءات لألوان الهون والدون، والفسق والمجون، آه، ثم آه.. إن القلب ليذوب كمداً، وإن النفس لتذهب حسرات عندما نرى هذا ونرى فسلطين أرض قدسنا، ومعقل عزنا، وبها كرائمنا، وفلذات أكبادنا، تدنس برجس الصهاينة اليهود، وتجلل بعار احتلالهم لها، وبخزي انتصارهم على العروبة فيها. وآه، ثم آه ... أن القلوب لتذوب كمداً وإن النفوس لتذهب حسرات عندما نرى طائفة تمرق منا فتقتطع جزءاً غالياً من جنوب جزيرة إيماننا، ومدار عزنا وكمالنا، وتحوله دار كفر وعدوان، بعد أن كان دار إيمان وإسلام، ثم تجعله - يا للمصيبة - حصناً لأعدائنا وقلعة في أيدي خصومنا، لإذلالنا وتهديد بلادنا، لتدميرها والقضاء عليها، أه، ثم آه.. ماذا دهى العروبة والإسلام، وماذا حل بساحتهما، ونزل بديارهما؟ ؟ ؟

стр. 7485

إن القلب ليتقطع، والنفس لتتمزق عندما نشاهد رجال مغرب العروبة والإسلام تهدر دماؤهم وتزهق أرواحهم، وتبدد أموالهم، وكل طاقاتهم إرضاء لأطماع الشيوعية البغيضة، التي تريد أن تقتطع من صحراء العروبة والإسلام قطعة كبيرة كقطعة عدن، من جنوب اليمن فتتخذها مركزاً لإدارة الفتن، وقلعة لتهديد أمننا وإيماننا، ثم القضاء على سلامتنا وإسلامنا.. آه، ثم آه! ! ! ماذا أصابنا، وماذا نزل بديارنا حتى أصبحنا خناجر في أيدي أعداء ديننا، وخصوم عقيدتنا يقتلوننا بها، وهم جالسون على أرائكهم آمنون في ديارهم ... آه، ثم آه.. إن القلب ليذوب كمداً، وإن النفس لتذهب حسرات عندما نشاهد ونرى إخواننا من فلسطيننا ولبناننا يقتلون ويذبحون في مجزرة رهيبة دامت قرابة نصف عقد من السنين يستصرخون فلا يصرخون، ويستغيثون فلا يغاثون حيث عجزت جيوش قرابة عشرين دولة عربية إسلامية عن إنقاذهم، وإطفاء نار الفتنة في ديارهم. ووالله لو كان العرب كما يريد الإسلام أن يكونوا لما دامت محنة لبنان ثلاثة أيام، وذلك بتحويل قوة الردع إلى قوة فتح، ولاحتلت لبنان في ثلاثة أيام، ولألقي القبض على كل عناصر الشر بها، وضرب على أيديهم ولو بالقضاء عليهم، وإن غضب اليهود أو تحركوا جعل من لبنان مجزرة ومقبرة لهم، فيها يجزرون، ويقبرون، ولا يبعثون إلى يوم ينشرون. ولكن العرب قومنا وإخواننا هداهم الله قد أخطأوا الطريق، طريق الإيمان الذي به يأمنون ويعزون، وضلوا السبيل سبيل الإسلام الذي به يسلمون وينتصرون. وهم مع هذا يا للأسف يحسبون أنهم مهتدون. فمن يهديهم من بعد الله! !

стр. 7486

إنه قد أصبح من غير السهل أفهامهم، فضلاً عن إقناعهم بأن ما هم عليه ليس من الهدى في شيء، وأن كل يوم يمضي على اقتناعهم بواقعهم، ورضاهم به يخسر فيه الإسلام والمسلمون بل العالم أجمع كل فرصة للخلاص من هوة الشر والفساد، التي تردى فيها أكثر المسلمين والناس أجمعون، وأنه لا منقذ لهم ولا للعالم كله إلا الإسلام، ولا نجاة لهم ولا لغيرهم من بني الناس من خسران الدنيا والآخرة إلا بالإسلام لله رب العالمين. ٢- في بلاد العجم: إن بلاد المسلمين العجم هي أوسع مساحة من بلاد العرب، وشعوبها أكثر عدداً من شعوب العرب، قد أصيبت هي التالية بما أصيبت به بلاد العرب وشعوب العرب، فبالأمس البعيد قد خسر الإسلام دار الخلافة وشعبها على أيدي عصابة مارقة من أبنائها. وبالأمس القريب فقد فقدت دولة الإسلام الكبرى باكستان نصفها حيث شطرها العدو المزدوج [٢] إلى شطرين. ومنذ أشهر قليلة قد سقطت أكبر قلعة للإسلام في بلاد العجم وهي أفغانستان بلاد الأبطال والشجعان حيث هدت أركانها على أيدي عصابة مارقة من أبنائها من أبنائها من عملاء الشيوعية صنيعة ولعبة اليهودية العالمية. ولم يكن كل هذا الذي أصاب ديار العرب والمسلمين إلا نتيجة طبيعية لإعراض العرب والمسلمين عن الإسلام وبعدهم عنه ورضاهم بالحياة خالية منه، بعيدة عن شرائعه وقوانينه التي هي مصادر القوة والخير، وينابيع الرحمة والعدل في الأرض. والتعليل المنطقي لهذا الذي أصاب المسلمين في ديارهم وعقولهم وعقائدهم هو أن خصوم الإسلام ما فتئوا منذ أن كان الإسلام وهم يكيدون له، ويحاربونه في الظاهر والباطن حتى تمكنوا منه وضربوه حتى كادوا يقضون عليه. وباختصار القول: إن كل ما أصاب الإسلام والمسلمين إنما هو من كيد أعداء الإسلام والمسلمين ومكرهم، وحربهم الباردة والساخنة والمستمرة على الإسلام والمسلمين، إلى كتابة هذه الكلمات وستستمر إلى ما شاء الله تعالى.

стр. 7487

ومن عجب أن المسلمين كلهم أو جلهم يعلمون هذه الحقيقة، ويصرحون بها، فيقولون إن أعداء الإسلام هم الذين فرقوا المسلمين، وأضعفوهم وأبعدوهم عن الإسلام مصدر وحدتهم وقوتهم، ثم هم لا يحاولون حتى مجرد محاولة أن يخرجوا من هذه الوضعية السيئة، التي وضعهم فيها خصومهم، وأعداء معتقدهم ووجودهم حتى لكأنهم مسحورون أو شبه مسحورين. وبالجملة فإن المسلمين من غير العرب كالمسلمين من العرب في كل أوضاعهم، وسائر أحوالهم، لا يختلف بعضهم عن بعض، في كل ما أصابهم، وحل بديارهم من إلحاد وشر، وفسق وظلم وفساد، فالدواء واحد، ولهذا لا يكون الدواء إلا واحداً. والسؤال الذي يفرض نفسه الآن هو ما هو الدواء؟. والجواب: أن الدواء هو الإسلام، والطريق إليه هو ما سنوضحه فيما يلي: إلى الحاكمين أولاً: إن الطريق إلى نجاة الحاكمين في بلاد المسلمين وسعادتهم يتمثل في النقاط الأربع التالية:- - الاعتراف الكامل بأن أكثر ما هم عليه الآن هو خطأ وباطل أي ليس بصواب ولا حق ولا يجوز قبولهما، ولا الإقرار عليهما، وذلك لحكمهم المسلمين في الجملة بدون رضاهم، وبغير شرع ربهم الذي يكفل لهم نجاتهم وسعادتهم. - الاعتراف التام بأن الاستمرار على هذا الخطأ والباطل سيؤدى حتماً إلا شقائهم، وشقاء من يحبونهم من المسلمين في دنياهم وأخراهم، لأن الاستمرار على الخطأ والباطل لا ينجم عنه إلا تفاقم الشر والفساد، وازدياد الضعف والنقصان في حال المسلمين ديناً ودنيا إلى أن يتعرض المسلمون كلهم للزوال والفناء.

стр. 7488

- الإيمان بوجوب تدارك الموقف وتصحيح الوضع للنجاة، ولعودة حياة العزة والقوة، والعدل والرحمة والخير للمسلمين كل المسلمين، ومعنى هذا أنه التوبة المأمورة بها في قول الله تعال: ﴿وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعاً أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ وهي توبة تشمل كل مظاهر الحياة بين المسلمين، فيستبدل بالخبث الطهر، وبالفساد الصلاح، وبالظلم العدل، وبالشر الخير، والحسنات بالسيئات. - اجتماع الملوك والرؤساء العرب والمسلمين أو من قبل منهم مبدأ التوبة هذا وتاب، يكون اجتماعهم في المدينة النبوية عاصمة الإسلام الأولى، لاتخاذ القرارات الأربع التالية:- ١- الإعلام عن اتفاق المؤتمرين على ضرورة عودة الحياة الإسلامية في بلاد المسلمين عقيدة، وعبادة، وأدباً وخلقاً، وحكماً، ونظاماً، وشرعاً، لإنقاذ المسلمين مما حل بهم، ونزل بديارهم من ضعف، وذل وهون ودون. ٢ - تكوين لجنة توسعة من علماء الشريعة في البلاد الإسلامية، وأن يعهد إليها بوضع دستور إسلامي لأمة الإسلام تؤخذ كل بنوده مواده، نصاً وروحاً من الكتاب العزيز، والسنة الصحيحة، والفقه الإسلامي المستنبط من الوحيين في عصر الصحابة والتابعين وأئمة الإسلام الصالحين. ٣ - والإعلان عن استئناف الحياة الإسلامية فور صدور هذه القرارات، وذلك بوجوب إقامة الصلاة بين كل أفراد الأمة الإسلامية إقامة إجبارية. وبوجوب منع الخمر شراباً وتجارة، وإنتاجاً، وصناعة بين كل أفراد المسلمين. وبوجوب إلزام الفتاة المسلمة والمرأة المسلمة الزي الإسلامي والحجاب الإسلامي، ومنع الاختلاط بين النساء والرجال منعاً كلياً وفي كل المجالات. وبوجوب تطهير الإعلام في ديار المسلمين صحافة، وإذاعة، وتلفازاً، ومسرحاً، من نشر وإذاعة وإظهار كل ما يمس العقيدة الإسلامية، والخلق الإسلامي، أن يتنافى مع مبادىء الإسلام، وتعاليمه القائمة على أساس الطهر والكمال النفسي والخلقي.

стр. 7489

وبوجوب إيقاف سائر المعاملات الربوية، وتصفيتها، والاستبدال بهذه البنوك الربوية مصارف وبنوكاً إسلامية، يسهم فيها كل مسلم ومسلمة، تقوم على أساس منع الربا، وحظر التعامل به، وبوجوب تعقب الملاحدة في بلاد المسلمين واضطرارهم إلى العودة إلى حياة الإيمان، والعمل، والجهاد، ومن رفض منهم ذلك يحكم فيه السيف فهو الحد الفاصل بين الكفر والإيمان. ٤ - الإعلان عن موعد بدء تنفيذ مواد الدستور [٣] ، والأخذ بها، وتطبيقها يوم الفراغ من وضعه، وتقديمه لأعضاء مؤتمر القمة الإسلامي الذي انعقد أول مرة. فيبدأ بتعيين إمام المسلمين، ومجلس حكومته المكون من ممثلين صالحين لكل الأقاليم الإسلامية التي رضي حكامها بالوحدة الإسلامية في ظل الحياة الإسلامية والدستور الإسلامي، ثم بالتطبيق الحرفي لكل مواد الدستور وبنوده شريعة وسياسة، بكل صدق وجد وإخلاص. هذا. وكلمة أخيرة نقولها للحاكمين في ديار المسلمين بعد أن بينا الطريق لهم في صدق وإخلاص وولاء: طريق نجاتهم ونجاة شعوبهم وسعادتهم جميعاً وفي الحياتين أيضاً، نقول لهم: والله الذي لا إله غيره ولا رب سواه، إنه لا نجاة لهم مما هم في من حيرة، وقلق، وضعف، وعجز، ولا مما يتوقع لهم من كوارث، ومحن، وبلاء، وعذاب دنيوي، وأخروي وشقاء، لا نجاة لهم من كل ذلك إلا بسلوك هذا الطريق. كما نقول لهم ونقسم إن سلوك هذا الطريق الذي بينا لكم- أداء لواجب نصحكم- لأيسر وأسهل وآمن من سلوك الطريق المعاكس الذي تسيرون فيه وتفرضون على المسلمين وهم كارهون- سلوكه والسير فيه بقوة الحديد والنار! ! !

стр. 7490

كما ننصح لهم بأن عليهم- إذا كانوا مجبرين بقوة عالية خفية على السير في هذا الطريق المعاكس للإسلام من أجل إذلال المسلمين وأفنائهم، أو مسخهم في عقولهم وقلوبهم، وفي كل مميزات حياتهم لتبقى بلادهم مناطق نفوذ، أو تمهيداً لاحتلالها من قبل اليهود تحقيقاً لحلمهم في إقامة مملكة إسرائيل على أرض الناس أجمعين. ننصح لهم بأن يتحرروا في شجاعة وإيمان من سيطرة هذه القوة الخفية، ويرفضوا طاعتها، والسير في طريقها، وليطيعوا الله تعالى، وليسلكوا سبيله، وليمشوا في طريقه، ولن تضرهم تلك القوة الخفية ولن تستطيع أن تنال منهم منالاً أبداً، لأنهم برفضهم طريقها وقبول طريق الله تعالى قد أصبحوا أولياء لله، ومن كان الله وليه فإنه لو اجمع عليه من بأقطارها لم يضروه شيئاً. وإن هم عجزوا عن التحرر من هذه القوة الخفية بترك طريقها واتباع طريق الإسلام دين الله الذي لا يشقى سالكه ولا يضل في الحياة أبداً، لقوله تعالى: ﴿فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلا يَضِلُّ وَلا يَشْقَى﴾ فإن عليهم أن يهربوا من ساحة الحكم، وينجوا بأنفسهم، ويتركوا الأمر لأمة الإسلام تتحمل مسئوليتها بنفسها إن أحسنت فلها، وإن أساءت فعليها، فإنه والله لأن يرضى العاقل بأن يصبح كناساً من كناسي البلديات في ديار المسلمين، بعد أن كان ملكاً أو رئيساً، خير له من أن يبقى على رأس شعب من شعوب الإسلام يحكمه بغير شريعة الله، ويسوسه بسياسة تتنافي في جملنها مع حياة الإسلام وتطلع المسلمين.. وهذه كلمة نصح قدمتها أيها الحاكمون المحترمون بعد بيان طريق النجاة لكم، فإن أخذتم بها نجوتم وسعدتم وذلك ما أريده لكم ولكل المسلمين، وإن كانت الأخرى فحسبي أن تصحت والأمر لله، ولا حول ولا قوة إلا بالله. والى الجماعات الإسلامية ثانياً:

стр. 7491

والى الجماعات الإسلامية العاملة في الحقل الإسلامي في كل أنحاء العالم بيان طريق نجاحها في عملها الإصلاحي ووصولها إلى أهدافها وغاياتها من إقامة المجتمع الإسلامي والحكم الإسلامي؟ ليعبد الله وحده لا شريك له، ولتظهر أمة الإسلام، وتسود وتحكم،. إليك أيتها الجماعات الطريق واضح المعالم، ظاهر الأعلام، فاسلكيه في صدق، وامشي فيه بجد وحزن، واعملي أنه لا سبيل إلى تحقيق ما تصبين إليه وتهدفين إلى تحقيقه إلا بالسير عليه. وإنه ليتمثل في الأبعاد الثلاثة الآتية: الأول: الاعتراف بالواقع الذي يعيشه المسلمون كل المسلمين، وهو واقع جد مؤلم ومؤسف ومحزن أيضاً، فليعترف به ولا يتجاهل بحال من الأحوال، وها هي ذي صورة واضحة لهذا الواقع المؤلم فلينظر فيها ولتتأمل ملامحها حتى يكون الاعتراف مبنياً على أساس العلم فيساعد ذلك على قبول هذا الطريق الذي ندعو الجماعات الإسلامية إلى سلوكه، والسير فيه إلى أن تتحقق أهدافها وتصل إلى غاياتها في إيجاد المجتمع الإسلامي وإقامة الحكم الإسلامي فيه. ملامح الصورة: إن لصرة الواقع المؤلم الذي يجب على الجماعات الإسلامية الاعتراف به ملامح بارزة ومخيفة منها يتكون وجهه المكفهر الكالح، فلننظر إليها: ١ - الفرقة: إن مما لا شك فيه أن واقع المسلمين اليوم قائم على أساس الفرقة والاختلاف، فدولتهم دويلات تعد بالعشرات، وجماعاتهم جماعات تعد أيضاً بالعشرات، قانونهم الذي يحكمهم قوانين شتى، وفكرهم الذي تنبع منه سياستهم وتخطيطهم لكل حياتهم أفكار متعددة، ومتناقضة ومتضاربة أيضاً. ٢ - العداء:

стр. 7492

إن العداء الموجود اليوم بين المسلمين عداء مستحكم شديد، وهو قائم بين الحكومات وبين الجماعات كذلك، وحتى بين الأفراد، فلذا لم يوجد أي تعاون صادق بين المسلمين وفي أي مجال من مجالات الحياة. مع أن التعاون بين المسلمين مبدأ أساسي في كمال حياتهم، وطهرها، وسعادتها، لقول الله تعالى لهم: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ ومنذ أن حلت العداوة بين المسلمين محل المحبة ترك بينهم واجب قيام الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، إذ لا يتم هذا الواجب على وجهه الكامل المثمر إلا بين جماعات متوائمة متحابة، وما دام لا وئام، ولا حب بين المسلمين حكومات، وجماعات وأفراداً، فلا أمر بمعروف ولا نهي عن منكر، وإذا ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في بلد عمه الفساد وهلك أهله لا محالة [٤] . ٣ - قسوة القلوب: إن ظاهرة قسوة القلوب بين أفراد المجتمع الإسلامي لظاهرة غريبة، وخطيرة في نفس الوقت. غريبة، لأن طبيعة العقيدة الإسلامية القائمة على أساس الإيمان بالبعث والجزاء ﴿وَمَا تُقَدِّمُوا لأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ هُوَ خَيْراً وَأَعْظَمَ أَجْراً﴾ - وعلى مبدأ الرحمة والإخاء ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ [٥] "الراحمون يرحمهم الله" [٦]- "ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء" [٧] . يتنافى معها قسوة القلوب التي تنجم عادة عن الكفر والظلم.. وخطيرة لأن مجتمعنا حين تنعدم فيه الرحمة حتماً ينعدم منه الخير، ويعمه الشر، ويكثر فيه الفساد، وبالتالي تنتظم أهله التعسة والشقاء.

стр. 7493

وإن بحثنا عن سبب وجود هذه الظاهرة أو الكارثة في الحقيقة وجدناه فيما أصاب العقيدة الإسلامية في نفوس المسلمين من تخلخل، وضعف نتيجة الكيد المستمر للإسلام والمسلمين، والذي ابتدأ بقتل الخليفة الراشد عمر بن الخطاب ﵁ وانتهى بإسقاط الخلافة الإسلامية، ثم بنشر مذهبي الإلحاد والإباحية في ديار المسلمين الإلحاد الذي يتزعمه المعسكر الشيوعي الاشتراكي، صنيعة اليهود، والإباحية التي تقوم بنشرها الرأسمالية الغربية بزعامة أمريكا اليهودية، فعن المذهب الأول انتقلت شعارات الكذب، والخداع، والتضليل، كالتقدمية الثورية، والاشتراكية العربية والإسلامية، فأنست المسلمين قيادة الإسلام، وحكم الإسلام وعدالة الإسلام، ورحمته، وعن المذهب الثاني انتقل ما يسمونه حرية الرأي والفكر، والحرية الشخصية، وفصل الدين عن الدولة، وعزل الشريعة الإسلامية عن الحياة كل الحياة والتعليم المخرب للعقول والقاضي على الخلق والكرامة، ثم السفور والفجور وأندية العرى والقمار، وإظهار الأغاني الخليعة وإيجاد المسابح والمسارح في سلسلة جهنمية يطوق بها عنق الإسلام، لخنقه والقضاء عليه، والذي تولى القسط الأكبر من هذه الجريمة هم وزراء الإعلام، والتربية والتعليم، والشبيبة والرياضة في بلاد المسلمين، وجرهم لذلك غفلتهم عما تقدمه لهم الماسونية من سم قاتل، في قوالب مختلفة يطلقون عليهم مسميات الخبرات والاستشارات هم لا يشعرون.

стр. 7494

وتتجلى ظاهرة قسوة القلوب بين المسلمين في مجالين: الأول: بين الأغنياء والفقراء والثاني: بين ذوي الحاجات من المسلمين وبين من على أيديهم قضاؤها ولو كان من أصغر الموظفين القائمين على بعض مصالح المسلمين. فبين الأغنياء لا يوجد على الحقيقة أي مظهر للرحمة، والبر، والإحسان، يشار إليه بالبنان، فلا يوجد إلا غني يسكن قصور الملوك، وفقير يسكن أكواخ الحطب، وبيوت الصفيح، وغني يركب أحدث أنواع السيارات، وفقير يمشي على رجلين حافيتين، وغني تصنف له أنواع الطعام، وتصفف بين يديه في كلتا وجبتيه، وفقير محروم من كل الكماليات ويعاني آلاماً من فقده الضروريات. وبين الموظفين وأصحاب الحاجات لا يوجد أيضاً أي مظهر من مظاهر الرحمة والشفقة، أو التقدير أو التكريم، كأن الموظف القائم على المصلحة موعز إليه بأتعاب المواطن ذي الحاجة، وإهانته، وتعذيبه حتى أصبح من المعلوم لكل الناس إن صاحب الحاجة إن لم يكن له وساطة لا تقضى حاجته إلا بعد عناء، ومشقة، وفوت وقت طويل، هذا إن قضيت له، وإلا فما أكثر من تموت حاجاتهم في نفوسهم، وتقبر مصالحهم في مقابر آمالهم وآلامهم. ٤ - الكذب والخيانة:

стр. 7495

إن ظاهرة انعدام الصدق والأمانة بين المسلمين اليوم لظاهرة خطيرة للغاية، حيث شملت أغلب وجوه الحياة بين المسلمين، فلم يسلم منها وجه واحد، فقد ظهر الغش وفشت الخيانة في كل مرافق الحياة، فظهر ذلك بين الرؤساء والمرءوسين، وبين العمال والموظفين، وبين الصناع والتجار والفلاحين، وحتى بين العلماء والمتعلمين حتى لكأن المسلمين لم يؤمروا في شريعة ربهم بأمانة، ولم ينهوا عن خيانة، ولم يدعوا إلى صدق، ولم يحذروا من كذب قط، مع أن نصوص الشرع تقول: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ [٨] .. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [٩] .. ويقول ﵊:"أد الأمانة إلى من ائتمنك ولا تخن من خانك" [١٠] .. ويقول: "من غش فليس منا" [١١] .. ويقول: "عليكم بالصدق وإياكم والكذب" [١٢] ومع كل هذه النصوص وغيرها شاع الغش، وانعدمت الأمانة حتى أن المرء لو أراد أوقية من عسل خال من الغش أو سمن أيضاً لم يكد يجدها في أسواق المسلمين والعياذ بالله تعالى. ٥ - زيغ القلوب: إن زيغ القلوب أصبح ظاهرة معروفة بين كثير من المسلمين، لا سيما طبقة الأثرياء والمثقفين، والحاكمين، وظهر ذلك في استخفافهم بشريعة الله، ونقدهم لها، وإعراضهم عنها، وعيشهم بعيداً عن التخلق بأخلاقها، والتأدب بآدابها، وعن مزاولة فرائضها وسننها، كما يظهر بوضوح أكثر في تكييف حياتهم الخاصة تكييفا ألحقهم باليهود والنصارى، وذلك بتشبههم بهم، في كل شأن من شئون حياتهم، والرسول ﷺ يقول:"من تشبه بقوم فهو منهم" [١٣] . ٦ - كبائر الإثم والفواحش:
следующие страницы →