← Джавами‘

Джавами‘ · id 4473

مجلة الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (23 804 стр.). Показаны 7491–7530 · переход к 7496.

стр. 7491

والى الجماعات الإسلامية العاملة في الحقل الإسلامي في كل أنحاء العالم بيان طريق نجاحها في عملها الإصلاحي ووصولها إلى أهدافها وغاياتها من إقامة المجتمع الإسلامي والحكم الإسلامي؟ ليعبد الله وحده لا شريك له، ولتظهر أمة الإسلام، وتسود وتحكم،. إليك أيتها الجماعات الطريق واضح المعالم، ظاهر الأعلام، فاسلكيه في صدق، وامشي فيه بجد وحزن، واعملي أنه لا سبيل إلى تحقيق ما تصبين إليه وتهدفين إلى تحقيقه إلا بالسير عليه. وإنه ليتمثل في الأبعاد الثلاثة الآتية: الأول: الاعتراف بالواقع الذي يعيشه المسلمون كل المسلمين، وهو واقع جد مؤلم ومؤسف ومحزن أيضاً، فليعترف به ولا يتجاهل بحال من الأحوال، وها هي ذي صورة واضحة لهذا الواقع المؤلم فلينظر فيها ولتتأمل ملامحها حتى يكون الاعتراف مبنياً على أساس العلم فيساعد ذلك على قبول هذا الطريق الذي ندعو الجماعات الإسلامية إلى سلوكه، والسير فيه إلى أن تتحقق أهدافها وتصل إلى غاياتها في إيجاد المجتمع الإسلامي وإقامة الحكم الإسلامي فيه. ملامح الصورة: إن لصرة الواقع المؤلم الذي يجب على الجماعات الإسلامية الاعتراف به ملامح بارزة ومخيفة منها يتكون وجهه المكفهر الكالح، فلننظر إليها: ١ - الفرقة: إن مما لا شك فيه أن واقع المسلمين اليوم قائم على أساس الفرقة والاختلاف، فدولتهم دويلات تعد بالعشرات، وجماعاتهم جماعات تعد أيضاً بالعشرات، قانونهم الذي يحكمهم قوانين شتى، وفكرهم الذي تنبع منه سياستهم وتخطيطهم لكل حياتهم أفكار متعددة، ومتناقضة ومتضاربة أيضاً. ٢ - العداء:

стр. 7492

إن العداء الموجود اليوم بين المسلمين عداء مستحكم شديد، وهو قائم بين الحكومات وبين الجماعات كذلك، وحتى بين الأفراد، فلذا لم يوجد أي تعاون صادق بين المسلمين وفي أي مجال من مجالات الحياة. مع أن التعاون بين المسلمين مبدأ أساسي في كمال حياتهم، وطهرها، وسعادتها، لقول الله تعالى لهم: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ ومنذ أن حلت العداوة بين المسلمين محل المحبة ترك بينهم واجب قيام الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، إذ لا يتم هذا الواجب على وجهه الكامل المثمر إلا بين جماعات متوائمة متحابة، وما دام لا وئام، ولا حب بين المسلمين حكومات، وجماعات وأفراداً، فلا أمر بمعروف ولا نهي عن منكر، وإذا ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في بلد عمه الفساد وهلك أهله لا محالة [٤] . ٣ - قسوة القلوب: إن ظاهرة قسوة القلوب بين أفراد المجتمع الإسلامي لظاهرة غريبة، وخطيرة في نفس الوقت. غريبة، لأن طبيعة العقيدة الإسلامية القائمة على أساس الإيمان بالبعث والجزاء ﴿وَمَا تُقَدِّمُوا لأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ هُوَ خَيْراً وَأَعْظَمَ أَجْراً﴾ - وعلى مبدأ الرحمة والإخاء ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ [٥] "الراحمون يرحمهم الله" [٦]- "ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء" [٧] . يتنافى معها قسوة القلوب التي تنجم عادة عن الكفر والظلم.. وخطيرة لأن مجتمعنا حين تنعدم فيه الرحمة حتماً ينعدم منه الخير، ويعمه الشر، ويكثر فيه الفساد، وبالتالي تنتظم أهله التعسة والشقاء.

стр. 7493

وإن بحثنا عن سبب وجود هذه الظاهرة أو الكارثة في الحقيقة وجدناه فيما أصاب العقيدة الإسلامية في نفوس المسلمين من تخلخل، وضعف نتيجة الكيد المستمر للإسلام والمسلمين، والذي ابتدأ بقتل الخليفة الراشد عمر بن الخطاب ﵁ وانتهى بإسقاط الخلافة الإسلامية، ثم بنشر مذهبي الإلحاد والإباحية في ديار المسلمين الإلحاد الذي يتزعمه المعسكر الشيوعي الاشتراكي، صنيعة اليهود، والإباحية التي تقوم بنشرها الرأسمالية الغربية بزعامة أمريكا اليهودية، فعن المذهب الأول انتقلت شعارات الكذب، والخداع، والتضليل، كالتقدمية الثورية، والاشتراكية العربية والإسلامية، فأنست المسلمين قيادة الإسلام، وحكم الإسلام وعدالة الإسلام، ورحمته، وعن المذهب الثاني انتقل ما يسمونه حرية الرأي والفكر، والحرية الشخصية، وفصل الدين عن الدولة، وعزل الشريعة الإسلامية عن الحياة كل الحياة والتعليم المخرب للعقول والقاضي على الخلق والكرامة، ثم السفور والفجور وأندية العرى والقمار، وإظهار الأغاني الخليعة وإيجاد المسابح والمسارح في سلسلة جهنمية يطوق بها عنق الإسلام، لخنقه والقضاء عليه، والذي تولى القسط الأكبر من هذه الجريمة هم وزراء الإعلام، والتربية والتعليم، والشبيبة والرياضة في بلاد المسلمين، وجرهم لذلك غفلتهم عما تقدمه لهم الماسونية من سم قاتل، في قوالب مختلفة يطلقون عليهم مسميات الخبرات والاستشارات هم لا يشعرون.

стр. 7494

وتتجلى ظاهرة قسوة القلوب بين المسلمين في مجالين: الأول: بين الأغنياء والفقراء والثاني: بين ذوي الحاجات من المسلمين وبين من على أيديهم قضاؤها ولو كان من أصغر الموظفين القائمين على بعض مصالح المسلمين. فبين الأغنياء لا يوجد على الحقيقة أي مظهر للرحمة، والبر، والإحسان، يشار إليه بالبنان، فلا يوجد إلا غني يسكن قصور الملوك، وفقير يسكن أكواخ الحطب، وبيوت الصفيح، وغني يركب أحدث أنواع السيارات، وفقير يمشي على رجلين حافيتين، وغني تصنف له أنواع الطعام، وتصفف بين يديه في كلتا وجبتيه، وفقير محروم من كل الكماليات ويعاني آلاماً من فقده الضروريات. وبين الموظفين وأصحاب الحاجات لا يوجد أيضاً أي مظهر من مظاهر الرحمة والشفقة، أو التقدير أو التكريم، كأن الموظف القائم على المصلحة موعز إليه بأتعاب المواطن ذي الحاجة، وإهانته، وتعذيبه حتى أصبح من المعلوم لكل الناس إن صاحب الحاجة إن لم يكن له وساطة لا تقضى حاجته إلا بعد عناء، ومشقة، وفوت وقت طويل، هذا إن قضيت له، وإلا فما أكثر من تموت حاجاتهم في نفوسهم، وتقبر مصالحهم في مقابر آمالهم وآلامهم. ٤ - الكذب والخيانة:

стр. 7495

إن ظاهرة انعدام الصدق والأمانة بين المسلمين اليوم لظاهرة خطيرة للغاية، حيث شملت أغلب وجوه الحياة بين المسلمين، فلم يسلم منها وجه واحد، فقد ظهر الغش وفشت الخيانة في كل مرافق الحياة، فظهر ذلك بين الرؤساء والمرءوسين، وبين العمال والموظفين، وبين الصناع والتجار والفلاحين، وحتى بين العلماء والمتعلمين حتى لكأن المسلمين لم يؤمروا في شريعة ربهم بأمانة، ولم ينهوا عن خيانة، ولم يدعوا إلى صدق، ولم يحذروا من كذب قط، مع أن نصوص الشرع تقول: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ [٨] .. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [٩] .. ويقول ﵊:"أد الأمانة إلى من ائتمنك ولا تخن من خانك" [١٠] .. ويقول: "من غش فليس منا" [١١] .. ويقول: "عليكم بالصدق وإياكم والكذب" [١٢] ومع كل هذه النصوص وغيرها شاع الغش، وانعدمت الأمانة حتى أن المرء لو أراد أوقية من عسل خال من الغش أو سمن أيضاً لم يكد يجدها في أسواق المسلمين والعياذ بالله تعالى. ٥ - زيغ القلوب: إن زيغ القلوب أصبح ظاهرة معروفة بين كثير من المسلمين، لا سيما طبقة الأثرياء والمثقفين، والحاكمين، وظهر ذلك في استخفافهم بشريعة الله، ونقدهم لها، وإعراضهم عنها، وعيشهم بعيداً عن التخلق بأخلاقها، والتأدب بآدابها، وعن مزاولة فرائضها وسننها، كما يظهر بوضوح أكثر في تكييف حياتهم الخاصة تكييفا ألحقهم باليهود والنصارى، وذلك بتشبههم بهم، في كل شأن من شئون حياتهم، والرسول ﷺ يقول:"من تشبه بقوم فهو منهم" [١٣] . ٦ - كبائر الإثم والفواحش:

стр. 7496

إن كبائر الإثم والفواحش والتي ما ظهرت في أمة إلا دمرتها، وقضت على طهرها وصفائها، وبالتالي على وجودها بالمرة، قد ارتكبت بين أمة الإسلام بصورة هائلة، مفزعة مخيفة، فالربا وهو من أكبرها قد أصبح مباحاً تتعاطاه الحكومات والمؤسسات وحتى الأفراد تجاراً وموظفين على حد سواء، والزنى وهو من أعظم الفواحش قد انتشر، وظهر بين المسلمين بصورة لم يسبق لها مثيل في تاريخ هذا الأمة، نتيجة لتهيئة وسائله، وإتاحة الفرص لطالبه، وذلك بإشاعة الأغاني في بيوت المسلمين، وعرض صور النساء المومسات، وصور الزناة من الرجال على شاشة السينمات والتلفزات، والسماح للنساء وبالسفور والتبرج الجاهلي في الأسواق والشوارع، ودور العمل وما إليها من المدارس والجامعات. الأمر الذي دفع برجال الأمة ونسائها إلى التكالب على فاحشة الزنى، حتى أصبحت السلامة من هذه الفاحشة نادرة جداً بين شباب هذه الأمة وشاباتها. وككبيرة الربا وفاحشة الزنى الظلم والجور والقمار والتلصص، والسرقة، وقتل النفس، والرشوة، في الأحكام والمعاملات، كل هذه مرتكبة معمول بها على مرأى ومسمع من كل المسلمين، ولا قلب يحزن، ولا نفس تخاف، ألا فلتعرف هذا الجماعات الإسلامية، وليبينوا بناء دعوتهم الإصلاحية لا يجاد المجتمع الإسلامي، وإقامة الحكم الإسلامي فيه على أساسه والذي هو اعتراف بواقع مر وجد أليم. الثاني: إن البعد الثاني من الأبعاد الثلاثة التي يتكون منها طريق الوصول إلى إيجاد المجتمع الإسلامي وإقامة الحكم الإسلامي فيه هو العمل الإصلاحي على أساس الاعتراف بواقع الأمة الإسلامية اليوم وعدم تجاهله، وهو واقع مر، وجد مؤلم كما أسلفنا. وهو أي العمل على أساس الاعتراف بالواقع يتطلب الإخلاص في العمل، والصبر عليه، والحلم والأناة فيه، والحكمة، والعلم، والتنظيم في كل ذلك.

стр. 7497

فإن الضجر، وسرعة الغضب، والعجلة لا يتأتى لصاحبها عمل ناجح مثمر أبداً. كما أن الخلط، والفوضى، والجهل لا ينتج عنها، غير ضلال السعي، وخيبة الأمل، كما هو معروف بين العاملين بصدق وجد في هذه الحياة. ومن هذه النقاط الست يتكون الطريق المطلوب بيانه للجماعات الإسلامية، العاملة في الحقل الإسلامي الصحيح. الإخلاص: وهو التجرد من كل الخطوط النفسية، والأغراض الدنيوية بحيث لا يكون للجماعة العاملة غرض سوى الإصلاح كما قال نبي الله شعيب ﵇ فيما قصه القرآن عنه: ﴿وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ إِنْ أُرِيدُ إِلاَّ الْأِصْلاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلاَّ بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ [١٤] إذ اتخاذ العمل الإصلاحي وسيلة إلى تحصيل حظ نفسي من سمعة، أو جاه، أو منصب، أو مال، أو أي كسب مادي شرك فيه، والشرك محبط للعمل، مبطل له، لقوله تعالى: ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [١٥] . كما أن الناس إذا رأوا العامل المصلح له رغبة فيما في أيديهم من مال أو سلطان رغبوا عن دعوته وأعرضوا عنها، وكلما اتضح لهم ميله إلى دنياهم وحبه لما خولهم الله تعالى من مال، أو دولة، ازداد نفورهم منه، وحذرهم له، ثم لم يلبسوا أن يقاوموه ويحاربوه دفاعاً عن مكانتهم، وما بأيديهم فلهذا وجب على الجماعات الإسلامية أن ينطلق عملها من مبدأ الإخلاص الكامل، وهو كما مر: التجرد التام لله تعالى في عملها، فلا تعمل لأي غرض سوى غرض واحد وهو أن يعبد الله تعالى وحده بما شرع لعباده أن يعبدوه به، مما أنزل به كتابه وأرسل به رسوله ليكمل العابدون ويسعدوا في الحياتين. الصبر: والمراد به: حبس النفس على ما تكرهه وتنفر منه، وله مواطن كثيرة منها:

стр. 7498

١ - حبسها على طاعة الله تعالى، وطاعة رسوله ﷺ ، وأولي الأمر بما يرضيهما في الجماعة الإسلامية، وذلك بامتثال الأمر، واجتناب النهي، في العسر واليسر، والمنشط والمكره، في حدود الطاقة البشرية. ٢ – حبسها - النفس- بعيدة عن معصية الله، ومعصية رسوله ﷺ وأولي الأمر، فلا يسمح لها بأن تترك أمراً وهي قادرة على فعله، أو ترتكب أي نهي لم تكره على ارتكابه. ٣ - حبسها على الرضا والتسليم بما يقضي الله تعالى به على عبده المؤمن، وما يصيبه به امتحاناً له، أو لذنب ارتكبه، لقوله تعال: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ﴾ [١٦] ، وقوله: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ﴾ [١٧] وقوله: ﴿أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ﴾ [١٨] . وعليه فإنه لا ضجر، ولا سخط، ولا خروج عن الطاعة بحال من الأحوال إذ هذه تتنافى مع الصبر المطلوب للسالكين في هذه الطريق، طريق النجاة والسعادة. ٤ - الصبر على العمل الإصلاحي بعدم تركه أو التخلي عن بعض واجباته، وتكاليفه فشلاً وضعفاً. ٥ - الصبر على بطء سير الدعوة، وعلى تعثرها في طريق نجاحها، وعلى نقد بعض الناس لها، أو معاداتهم لها، ونفرتهم منها، إذ هي طبيعة الناس إزاء دعوات الخير والإصلاح في كل زمان ومكان ﴿فَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ﴾ ١٨٤. ٦- الصبر على طاعة أولي الأمر من المسلمين، لقوله ﷺ :"عليكم بالسمع والطاعة وإن تأمر عليكم عبد حبشي، كأن رأسه زبيبة " [١٩] ، فلا خروج على الأمير، ولا محاولة ذلك بحال إلا بشرطين:

стр. 7499

الأول: أن يظهر منه الكفر البواح أي الظاهر الواضح لقوله ﷺ :"إلا أن تروا كفراً بواحاً عندكم من الله فيه برهان ". الثاني: أن يكون للمسلمين شوكة [٢٠] ، وقوة تمكنهم من خلع الكافر ونصب المؤمن بدون إراقة دماء المسلمين، وإزهاق أرواحهم. الحلم والأناة فيه: أي في العمل الإصلاحي الذي يقوم به الفرد في الجماعة الإسلامية، إذ الحلم والأناة خصلتان يحبهما الله تعالى ورسوله ﷺ ، وضد الحلم والأناة سرعة الغضب، والعجلة بالمؤاخذة، وهما مضران بصاحبهما، مفوتان عليه كثيراً من فرص الهداية والإصلاح، وعليه فليكن الفرد في الجماعة حليماً لا يغضب على من يجهل عليه، أو يسيء إليه، ولا يبادره بالمعاقبة والمؤاخذة، ذا أناة لا يستعجل النتيجة إذا عمل، ولا يسارع في إصدار حكم بقول أو عمل، وليكن بعيداً عن التسرع، ومظاهر النزغ والطيش، إذ لا يصلح لهداية الناس، وإصلاحهم إلا من كان أكمل منهم هداية، وأقدرهم على إصلاح. الحكمة والتنظيم والعلم: إن الحكمة في العمل الإصلاحي ضرورية، وحقيقتها: هي إعطاء كل شيء ما يناسبه، ووضع كل شيء في المكان اللائق به، وبها يكون السداد في الأمور، والإصابة للأغراض، والوصول إلى الغايات بقليل من الكلفة، واليسير من المشقة، ولا تتم لعبد إلا إذا كان قد أشبعت روحه بعلم الكتاب والسنة، إذ الحكمة فيهما، وهما مصدرها، ولا تطلب إلا منهما.

стр. 7500

وأما التنظيم في العمل الإصلاحي فإن المراد منه: ترتيب الأعمال، وتقديم بعضها على بعض بحسب وجودها، وافتقار بعضها إلى بعض حتى لا يختلط بعضها ببعض، فتتعقد وتتعطل. إن النظام في العمل الإصلاحي هو بمثابة المفتاح لفتح خزائن الأموال فلو جاء أحد إلا خزانة مال حديدية يريد فتحها بدون مفتاحها الخاص بها لما أمكنه ذلك، ولا نال منها شيئاً أبداً، ومها قلبها وضربها، ولكن بمفتاحها الخاص يفتحها، ويطلع على ما فيها، ويخرج منها ما يشاء. فالقلوب البشرية أوعية لا يفتحها المصلح إلا بمفاتيحها الخاصة بها وهي الصبر، والحلم، والأناة، والحكمة، والنظام، والعلم. وأما العلم: وهو شامل لمعرفة طرق الهداية، ولمعرفة الوسائل والغايات، فالذي يجهل طرق الهداية لا يصل بمن يريد هدايته إليها، والذي لا يعرف والوسائل ولا كيفية استعمالها لا يمكنه أن يسلك بأحد طرق الهداية، ويصل به إليها فيهديه، والذي لا يعلم النتائج والغايات لا يتأتى له أن يحدث عنها، أو يصدقها حتى يرغب فيها، ويحمل الناس على حبها، والرغبة في العلم من أجلها، ولذا كان العلم من ضروريات العمل الإصلاحي الناجح، ولا حق لغير العالم في أن ينصب نفسه هادياً للناس مصلحاً لهم، لجهله بما يدعون به من الحكم والوسائل والنظام، ولما يدعوهم إليه من كمال المقاصد، وشريف الغايات، وبل الأهداف المتمثلة في النجاة والسعادة والكمال في الحياتين. الثالث [٢١] إتباع خطة العمل التالية:

стр. 7501

إني أعلم أنه ليس لي من حق في وضع خطة عمل لجماعات المسلمين. وحسبي ما بينته في الأرقام السالفة، إن وضع خطة كاملة للعمل الإصلاحي لجماعات المسلمين ينبغي أن يجتمع عليه عدد من رجال العلم والإصلاح في أمة الإسلام، فتوضع الخطة المتكاملة بناء على خبرات سابقة، وتجارب عديدة في بلاء طويل لأحوال المسلمين، لتكون الخطة ناجحة لدى العاملين بها، والقائمين على تنفيذها، ولكن نظراً لعدم وجود أولئك العلماء المصلحين مجتمعين على هذا الأمر، عاملين على تحقيقه فقد أبحت لنفسي عملاً كهذا، على خطورته، ووعورة مسالكه. وبينت طريقاً إصلاحياً للحاكمين ولجماعات المسلمين، وكلى أمل وثقة أن سلوكه لا ينتهي بالسالكين إلا إلى نجاتهم، وكمالهم، وسعادتهم في الدنيا والآخرة. والخطة الموضوعة لسالكي هذا الطريق من الجماعات الإسلامية تتمثل في الخطوات الست التالية: الخطوة الأولى: إن الخطوة الأولى هي تكوين جماعة للمسلمين في كل قرية، وفي كل حي من أحياء المدن الكبرى، أو الصغرى، في كل إقليم من أقاليم البلاد الإسلامية تسمى الواحدة من هذه الجماعات: بجماعة المسلمين. ويكون لكل جماعة إدارتها من أمير، ومجلس شورى، وأعضاء عاملين، ويكون لتلك الجماعات في الإقليم مجلس واحد يشرف عليها، وينظم سير عملها، يسمى بالمجلس الأعلى لجماعات المسلمين في ذلك الإقليم الإسلامي، ويكون مقره في عاصمة الإقليم أو إحدى مدنه الكبرى [٢٢] . الخطوة الثانية: هي بيان علم جماعة المسلمين ومباشرته:

стр. 7502

إن لجماعة المسلمين الثابتة الوجود شرعاً بحديث مسلم "تلزم جماعة المسلمين وإمامهم "فقلت: فإن لم تكن لهم جماعة ولا إمام الخ.."عملاً معروفاً في كتب الفقه الإسلامي الذي هو شريعة المسلمين ومجمل القول في هذا العمل: أنه كل ما كانت تقوم به حكومة أمام المسلمين عند وجودها وقدرتها من إطعام الجائع، وكسوة العاري، ومداواة المريض، وإرشاد الضال، وتعليم الجاهل، وحماية عقائد المسلمين، وأرواحهم وأعراضهم، وأموالهم، وديارهم. ومن ذلك واجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والجهاد في سبيل الله لإعلاء كلمة الله. الخطوة الثالثة: هي العلم الفوري على توحيد كل الجمعيات الإسلامية في البلد الإسلامي، ودمجها في جماعة واحدة، هي جماعة المسلمين، التي تنشأ في كل قرية من القرى الإسلامية، وكل حي من أحياء مدنهم، وهذا التوحيد ضروري للعمل الإصلاحي، ولا مبرر لغيره أبداً، إذ هدف المسلمين واحد، وهو أن يعبد الله وحده لا شريك له، ولا يتحقق هذا الهدف كاملاً إلا في المجتمع الإسلامي، وظل الحكم الإسلامي، وهذا متوقف بدوره على وحدة المسلمين، وتعاونهم على البر والتقوى. ووجود جمعيات متعددة تذهب بريح الأمة، وتضعفها، ويبدد جهدها وطاقتها، فلا تصبح قادرة على العطاء والحياة. الخطوة الرابعة: في تفصيل العمل وتنظيمه: إن هذه الخطوة لمن أهم خطوات هذا الطريق إذ عليها تدور سائر أعمال جماعة المسلمين، فهي الكل في الكل، والبداية والغاية وبيانها كالتالي: أ - تكوين هيئة الجماعة في القرية أو الحي من المدينة، وهي عبارة عن لجنة رئيسية تحتها لجان فرعية تقوم كل لجنة بعمل خاص. فاللجنة الرئيسية تتكون من أمير الجماعة ومستشارين له لا يقل عددهم عن ثلاثة أنفار من صالحي أهل القرية أو الحي، ومهمة هذه الهيئة الإرشاد، والتوجيه، وإدارة عمل الجماعة. ب - تكوين لجان العمل وهي:

стр. 7503

١- لجنة الكتابة. ٢- لجنة المالية ٣- لحنة الحكم والفتيا ٤- لجنة التعليم والتربية. ٥- لجنة البر والإحسان. ٦- لجنة الأنشطة الرياضية ٧- لجنة الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر. فلجنة الكتابة مهمتها: كتابة رسائل الدعوة، ونشراتها التي تقوم الجماعة بنشرها أداء لمهمة الوعظ والإرشاد، والدعوة إلى البر والمعروف وتسجيل وكتابة أسماء وعناوين كل أفراد الجماعة في الحي أو القرية، وكتابة الدخل المالي لصندوق الجماعة وخرجه ودفع حسابات بيانية بذلك كل شهر. ولجنة المالية مهمتها: جمع الاشتراكات والتبرعات، والزكوات من أفراد جماعة المسلمين في الحي أو القرية، وحفظها في صندوق الجماعة، والدفع منها عند الحجة بإذن من أمير الجماعة موقعاً بتوقيعه، ومبيناً فيه سبل الإنفاق، والقدر المطلوب إنفاقه بلفظ صريح. ولجنة الحكم مهمتها: فض النزاع، وإنهاء الخلاف الذي قد يقع بين أفراد جماعة المسلمين في القرية أو الحي، وفي حال استعصاء الخلاف، أو احتدام النزاع، وعجز اللجنة عن إنهائه فإنه يرفع إلى أمير الجماعة ومجلس شوراه فإن أمكن إنهاؤه فذاك، وإلا رفع إلى محاكم البلد، والقضاء فيها. ولجنة التعليم والإرشاد مهمتها: تعليم أفراد الجماعة أمور دينهم، وإرشادهم إلى ما فيه خيرهم وصلاح أمرهم، ويتم ذلك للبعض بواسطة حلق العلم التي تعقد في المسجد كل يوم، وللبعض الآخر بواسطة الدرس العام الذي يلقيه أمير الجماعة كل أسبوع في مسجد الجماعة.

стр. 7504

ولجنة الأمر بالمعروف مهمتها: ملاحظة سلوك المسلم في الحي أو القرية فإن رأته ترك معروفاً أمرته بفعله في رفق، وإن رأته ارتكب منكراً نهته عن فعله في رفق كذلك، وتستعمل اللجنة في ذلك أسلوب الوعظ والإرشاد فإن نفع، وإلا رفعت الأمر إلى أمير الجماعة ومجلسه لإصلاح هذا الفرد بما تراه من وسائل مشروعة. ولجنة البر مهمتها: تفقد أفراد جماعة المسلمين ورعاية أحوالهم، فتطعم جائعهم وتكسو عاريهم، وتداوي مريضهم، وترفع الظلم عن مظلومهم، وتيسر عن معسرهم وترحم ضعيفهم، وتعاونهم على البر والتقوى. ولجنة الرياضات مهمتها: رعاية شباب القرية أو الحي صحياً، وعقلياً، وذلك بمزاولة ألوان الرياضة المختلفة والتي تثبت جدواها، وتحقق نفعها لمن يأتيها من سائر أنواع الرياضات التي تحفظ الجسم نامياً، صالحاًً يقدر على أداء فريضة الجهاد، والعقل صالحاً رجحاً، يقدر على التفكير، والإبداع، والاختراع. الخطوة الخامسة: وهي المحافظة على العمل الإصلاحي، وإنجاحه. إنه بعد هذه الجماعات الإسلامية على النحو الذي سبق بيانه يجب أن تعظم عناية القائمين على هذا العمل بالمحافظة على سيره في طريقه حتى لا يختل، أو يضعف، أو يتعطل لا قدر الله تعالى، فرعايته من أوجب الواجبات وأكدها، فيتعين على القائمين به والمسيرين له التفاني في حفظه، وبقائه نامي العلم، مطرد النجاح، وذلك ببذل كل ما في الوسع، وإنفاق كل رخيص وغال. إذ فشل العلم الإصلاحي للأمة الإسلامية معناه الموت بأتم معناه، وليس هو مجرد تعطل حركة إصلاحية، أو خيبة أمل في مشروع خيري فقط.

стр. 7505

إن أعداء الإسلام لا يسرهم بحال عمل إصلاحي كهذا يعود بالمسلمين إلى سابق عزهم، وخالد مجدهم، بعد أن يرد إليهم اعتبارهم، في كونهم أمة قائدة، سادت العالم، وقادته إلى الخير والكمال زمناً غير قصير، ولذا فإنهم سوف يشككون في صلاح هذا العمل الحركي الإصلاحي، وفي قيمته الكبيرة، وفي جدواه، فينبغي أن لا يلتفت إليهم حتى ولو حاربوه، فليتذرع بالصبر، والحلم، والشجاعة حتى لا يمكن العدو من إحباطه، إذ لا يسرهم إلا ذاك، وإنهم سوف يتذرعون إليه بكل الوسائل حتى بأخسها فليعرف هذا وليتفطن له، وليحذر منه [٢٣] حتى لا يمكن أعداء الإسلام من إيقاف هذا العمل أو عدم إنجاحه، وليصبر على ذلك إلى أن ينجح هذا العمل الإصلاحي الذي هو المنزع الأخير لأمة الإسلام في هذه الأيام، وإلى أن يظهره الله تعالى وينجحه، ويومها ييأس المطلون المناوئون ويهلكون، أو يتوب الله على من يشاء منهم فينجو بهذه الحركة الإسلامية الإصلاحية ويسعد بها كغيره من سائر العاملين بها الراضين بها. الخطوة السادسة: إيجاد قيادة عليا لجماعات المسلمين [٢٤] إن من الضروري لهذا العمل الإسلامي المنظم أن تكون له قيادة عليا، تشرف عليه، وتنظمه وترعاه وتوجهه، وتكون المرجع الأخير لكل جماعات المؤمنين في بلادهم، يتحاكمون إليها، وينهون أمرهم إلى قضائها وحكمها. فمجرد ما يوجد هذا العمل في إقليمين أو أكثر من بلاد المسلمين، يتعين أن يكون من أمراء جماعات المسلمين في تلك الأقاليم مجلس أعلى لرعاية العلم الإسلامي وتوجيهه، ليتم التعاون بين سائر المسلمين، ولا يتحقق التعاون المثمر إلا بمثل هذه القيادة العليا التي قد تربط بين كل جماعات المسلمين وفصل ما بينهم حتى يشعروا أنهم أمة واحدة، كما أراد الله تعالى لهم أن يكونوا ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً﴾ [٢٥] .

стр. 7506

خاتمة: وأخيراً فهذا هو الطريق قد بينته لأخوة الإسلام، وهو طريق واضح مستقيم، السير عليه مأمون العثرات، وسلوكه محمود النهايات. وأنه لآمن وأسلم، وأرجى أن يحقق سالكوه ما يصبون إليه من إقامة المجتمع الإسلامي، والحكم الإسلامي، ليعبدوا الله وحده، ولينجو المسلمون ويسعدوا. إنه لآمن وأسلم وأرجى من طرق شتى سلكها كثير من المؤمنين لهذه الغاية، وما وصلوا إليها، وما فازوا بها. أقول أن طريق جماعات المسلمين هو الطريق السوي المرضي، المأمون العثرات، المحمود العواقب والنهايات، وإن السير عليه، والسلوك فيه ليس بأصعب من السير على تلك الطرق، التي بعضها ضيق غير قاصد وبعضها مظلم متلف، وقد جريت كلها فلم يجد منها طريق، ولم ينفع منها آخر، فلم يبق إذا إلا طريق واحد هو سبيل جماعة المسلمين الذي هو سبيل المؤمنين الذي قال تعالى فيه: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيراً﴾ [٢٦] .

стр. 7507

وقال فيه الرسول ﷺ :"تلزم جماعة المسلمين وإمامهم، فإن لم يكن لهم جماعة ولا إمام، فاعتزل تلك الفرق كلها ولو أن تعض على أصل شجرة حتى يدركك الموت وأنت على ذلك"، ألا فليستعن بالله وليتقه الإخوة المؤمنون، وليحيوا هذه السنة، وليقيموا هذا الواجب الذي تركه المسلمون من زمن طويل حتى حل بهم ما حل من العجز والضعف، وأصابهم من المحن والفتن، وليعلموا أنه لا نجاة لهم، ولا مخرج مما هم فيه إلا سلوك هذا الطريق، والسير عليه مهما كان شاقاً أو طويلاً، مع أنه لا مشقة فيه ولا طول، ما دام تحقق الهدف شريفاً والوصول إلى الغاية مضموناً بإذن الله تعالى: ﴿وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً﴾ . -------------------------------------------------------------------------------- [١] صدر هذا القول في شبه تصريح لمؤتمر قمة جبهة الرفض الذي انعقد مؤخراً بالعاصمة الجزائرية، وحضرته مجموعة دول العرب الدائرة في فلك المعسكر الشيوعي. [٢] المراد به: الهنود الهنادك عبدة البقر، والاتحاد السوفيتي "الروس"الدب الأحمر. ذاك الذي رمى بأسطوله في البحر ث منع قوات باكستان من التحرك. وترك الهنود الكافرين يجزرون باكستان ويسلخونها حتى قسموها بعد مقبلة عظيمة لم يسبق لها مثيل في تاريخ الإسلام المعاصر. [٣] إن الدستور الإسلامي كفيل بحل كل مشاكل الحياة، وبالإجابة عن كل التساؤلات لأنه من معين الوحي الآلهي الذي لا ينضب ومن علم الله الذي لا يحاط به، وكلماته تعالى التي لا تنفد. [٤] مصداق هذا قوله ﷺ :" والذي نفسي بيده لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر أو ليوشكن الله أن يبعث عليكم عقاباً من عنده، ثم لتدعونه فلا يستجيب لكم".. رواه أحمد والترمذي وحسنه.

стр. 7508

[٥] من سورة الحجرات. [٦] حديث صحيح. [٧] حديث صحيح أيضاً. [٨] آية من سورة النساء. [٩] آية من سورة الأنفال. [١٠] حديث صحيح. [١١] حديث صحيح. [١٢] حديث صحيح. [١٣] رواه أحمد. [١٤] من سورة هود. [١٥] من سورة الزمر. [١٦] من سورة القتال. [١٧] من سورة الشورى. [١٨] من سورة آل عمران. [١٩] رواه مسلم بغير هذا اللفظ. [٢٠] هذا يتهيأ للجماعات الإسلامية إذا كان المسلمون الصالحون في الإقليم يشكلون نسبة كبيرة من الأمة كنصفها أو ثلثيها. أما إذا كانوا أقلية، والفاسدون أكثرية، فلا يتأتى لهم ذلك، وعليهم أن يصبروا حتى تتهيأ الأمة لمثل ذلك، بكثرة الصلاح فيها، والمصلحين والصالحين. [٢١] هذا هو البعد الثالث من الإبعاد الثلاثة التي يتكون منها الطريق، وقد تقدم الأول والثاني فليرج إليهما. [٢٢] الجماعات الإسلامية الموجودة قبل هذا التكوين يجب أن تندرج في هذا التكوين الجديد، ولا ينبغي أن تخرج عنه بحال توحيداً للأمة، والعمل الإصلاحي بينها. [٢٣] الضمير في قولنا له ومنه، واسم الإشارة قبلهما يعود إلى تشكيك الأعداء، وتوسلهم بكل الوسائل لإحباطه وإفساده. [٢٤] أن هذه القيادة العليا قائمة مقام الخليفة عند فقده، كما أن جماعة المسلمين قائمة مقام إمام المسلمين عند فقده أو عجزه. [٢٥] من سورة البقرة. [٢٦] من سورة النور.

стр. 7509

أثر الحج في النفس والمجتمع للدكتور عبد الرحمن بله علي كلية اللغة العربية بالجامعة الإسلامية الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على رسول الله الصادق الأمين، وعلى آله وأصحابه أجمعين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد.. فقد فرض الله الحج مرة في العمر على كل مسلم، لما فيه من الأسرار النفيسة والفوائد الجليلة والمسلم لا يذوق طعم أسراره، ولا يلمس أثر فوائده إلا إذا أداه على الكيفية التي أداه بها رسول الله ﷺ شأن كل عبادة لا تؤدي غرضها ولا تحدث في النفوس أثرها إلا إذا جاءت على المنهج المحمدي مظهراً ومخبراً، وهو القائل ﵊: "خذوا عني مناسككم".. والقائل ﷺ : "صلوا كما رأيتموني أصلي" والقائل عليه أفضل الصلاة وأزكى التحية: "تركتكم على المحجة البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك". والواقع أن في العبادات من الكمالات النفسية والمنافع الاجتماعية ما لو أدركه المسلمون لانعكس على حياتهم خيراً وبركة ووحدة وصلاحاً ورشاداً وعزة وأمناً وسعادة، وتلك غاية لا تدرك إلا بتجويد العبادة وأدائها على حقيقتها، ومما أضر بنا أننا نؤدي عبادتنا صورة لا حقيقة وفرق كبير بين الصورة والحقيقة كالفرق بين صورة الأسد مرسومة على ورقة وبين حقيقته موجوداً في غاية. وما نال أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وأصحابه وسلم ومن تبعهم بإحسان - ما نالوا العزة الباقية على الزمان إلا أنهم كانوا يؤدون عباداتهم على حقيقتها المبينة في الشرع المحمدي تعمقاً في مدلولاتها التربوية وسبراً لأسرارها التشريعية والتماساً لفوائدها الاجتماعية، فلا غرو إن كانوا أعز الأمم وأقواها وأعظم الشعوب وأرقاها.

стр. 7510

وإذا ذهبنا نلتمس حكم العبادات وأسرارها وآثارها على النفس والمجتمع وجدناها مجملة في القرآن الكريم مبينة في السنة المطهرة حقيقة في حياة السلف الصالح: قال تعالى عن الصلاة: ﴿وَأَقِمِ الصَّلاةَ إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ﴾ [١] والفواحش والمنكرات من أقوى أسباب الضعف التي تقود المجتمع إلى المرض والهلاك. يقول سبحانه عن الزكاة: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾ [٢] فهي تطهر نفوس الأغنياء من الشح والبخل، وتزكي نفوس الفقراء فلا حقد ولا حسد ولا بغضاء، وكفى بالمجتمع قوة وسعادة أن يخلو من هذه الأمراض الخطيرة التي تهد قواه، وتزعزع أمنه، وتصدع وحدته، وتضعضع قوته. ويقول عن الصوم: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [٣] .

стр. 7511

فالصوم يورث تقوى الله، وهي إذ انتظمت المجتمع رجاله ونساءه وشبابه.. عماله وموظفيه.. زراعه وتجاره.. حكامه وجنوده فأكرم بمجتمع يتكون من المتقين. وعن الحج يقول من قائل: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ وَلا جِدَالَ فِي الْحَجّ﴾ [٤] فهو تربية على مكارم الأخلاق ومحاسن الصفات ورقيات الكمال. وهكذا تتعاون هذه العبادات على تهذيب الخلق، وتزكية النفس، وطهارة الروح كما تتعاون أنواع الطعام على بناء الجسم وصيانة البدن لينشطك في أداء وظائفه، ويؤدي في كفاءة جميع واجباته ومناشطه والمجتمع الفاضل أمنية أقضت مضاجع المصلحين، وأسهرت ليل المفكرين، فماتوا ولما يتحقق منها شيء حتى جاء محمد بن عبد الله ﷺ بمنهج الخالق ووحي السماء فإذا المجتمع الذي كان أمنية في عالم الخيال حقيقة دنت من الناس، ورمت إليهم بخيراتها وثمارها، وملأت عيونهم بجمالها وقلوبهم بجلالها فإذا هم بها في غبطة وهناء وسعادة وأمن ورخاء روى التاريخ أن عمر بن الخطاب ﵁ عندما ولي قضاء المدينة المنورة على عهد أبي بكر ﵁ مكث عاماً كاملاً لم ترفع إليه فيه قضية واحدة فطلب من الخليفة إعفاءه من منصبه فلما سأله عن السبب قال:"إن قوماً يوقر صغيرهم كبيرهم ويرحم كبيرهم صغيرهم يأمرون بالمعروف، وينهون عن المنكر، القوي فيهم ضعيف حتى يؤخذ الحق منه والضعيف فيهم قوي حتى يؤخذ الحق له، إذا مرض أحدهم عادوه وإذا مات شيعوه واتبعوه، قوم هذا شأنهم لا حاجة لهم بقضاء عمر".

стр. 7512

والحج مؤتمر يقام كل عام على نحو تعجز أقوى أمم العالم وأدقها تنظيماً أن تقيم مثله ولو في العمر مرة ولا تكاد توجد جماعة من المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها إلا وفي هذا المؤتمر من يمثلها. قال تعالى: ﴿وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالاً وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ [٥] . إذا علمنا أن لكل عبادة غايتها المثلى وهدفها الأسمى فإن للحج من الغايات الكريمة والعوائد المحمودة ما لا يستطيع القلم أن يحصيه عداً، أو يستوعبه دراسة وبحثاً، وعليه سيكون حديثنا قليلاً من كثير وغيضاً من فيض. إن الحاج إذا عزم على الحج، وشرع في الأعداد له فالذي يجدر به أن يبتعد عن الأخلاق الذميمة فلا يرفث ولا يفسق ولا يجادل ولا يشاحن، ولا يزاحم الناس، ولا يؤذي أحداً، ولا يظن به سوءاً، ولا يضمر له شراً، ولا ينظر إليه بإزادراء، ولا يطلق لسانه في أعراض الناس، ولا يستمع إلى غيبة ولا نميمة، ولا يستمع إلى منكر من القول وزور، ولا يشتغل بسفساف الأمور، ولا يغش، ولا يكذب ولا يرائين ولا يظلم، ولا يتكبر إلى غير ذلك من الأخلاق المذمومة التي نهى عنها الدين، وحذر منها، وهي وإن كانت منهياً عنها في كل وقت وحين إلا أنها في الحج آكد وبالحاج أليق.

стр. 7513

وفي الوقت الذي يتخلى فيه عن الأخلاق القبيحة يتحلى بالأخلاق الحسنة والخصال الحميدة، فيأمر بالمعروف، وينهي عن المنكر، ويبر والديه، ويصل أرحامه، ويصلح بين الناس، ويصدق في حديثه، وينصح في بيعه وشرائه، ويتصدق من ماله ويخلص في أعماله ويرخص نفسه في سبيل ربه، ويحسن إلى جاره، ويرحم الصغير ويوقر الكبير، ويرفق وبالضعيف، ويرشد الحائر، ويؤثر على نفسه ولو كان به خصاصة، ويدعو إلى الحق، ويعين عليه، ويقضى به، ويتفانى فيه، إلى غير ذلك من الأخلاق الكريمة التي دعا إليها الدين ورغب فيها، وأمر الناس أن يأخذوا منها بأوفر نصيب لما لها من انعكاسات مدهشة على النفس والمجتمع، وتجاوب كامل مع فطرة الله التي فطر الناس عليها، روى أن أكثم بن صيفي خطيب العرب المشهور وحكيمهم في الجاهلية قال حين علم ما يدعو إليه محمد ﷺ "إن الذي يدعو إليه محمد لو لم يكن ديناً لكان في أخلاق الناس حسناً ". والواقع أن المشكلة التي يعاني منها مجتمعنا ليست مشكلة سياسية ولا هي اقتصادية، إنما هي مشكلة أخلاقية، فنحن في زمن كثر فيه الشر وحاملوه وقل فيه الخير وفاعلوه، وماتت فيه الضمائر، وخربت الذمم، وتفشت الأنانية مما كان له أثر سيء على المجتمع فضعف وتفكك، وكف بذله، وخف بين الأنام وزنه فإذا ما حلت هذه المشكلة تداعت جميع المشكلات. وفي الحج تروض نفس المسلم في هذا المؤتمر الإسلامي العظيم فإذا هذه الأخلاق قد تأصلت في نفسه، ونزلت منها منزلة الطبع، فيعود إلى بلاده مدرعاً بها داعياً إليها.

стр. 7514

ومعلوم أن الحج المبرور يمحو الخطايا، ويغفر الذنوب قال ﵊: "من حج هذا البيت فلم يرفث ولم يفسق خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه" حديث صحيح وهكذا يعود الحاج وهو أنقى صفحة وأطهر قلباً، وأسهل للخير قوداً، وأبعد عن الشر قصداً ولا شك أن الذنوب تثقل الكاهل، وتسود القلب، وتضعف العزيمة، وتشل الحركة المباركة، فإذا تطهر المسلم منها نشطت همته، وتوجهت إلى العمل الصالح إرادته، فكان أكثر ما يكون بذلاً وعطاءً. كما أن الحج يتيح للمسلم مشاهدة تلك الأراضي المقدسة التي شع منها نور الإسلام، وارتفع فوقها علم التوحيد، وتعطرت أجواؤها بالدعوة النبوية. وهذا مما يقوي الإيمان ويمتن العقيدة. والمسلم في حاجة ماسة لذلك لأن الفتن الهائجة لا يكاد يخلو منها زمن، أو ينجو منها وطن، والإيمان أقوى سلاح يستطيع به المسلم مواجهة الموجات المادية والهجمات الاستعمارية ورياح الأفكار الإلحادية، فالإيمان هو حصن الأمان وسفينة النجاة وقارب الخلاص فما أحرى المسلم أن يتفقد إيمانه بفعل كل ما يقويه ويعلى أسواره من الصالحات وترك كل ما يضعفه ويهيض جناحه من المعاصي والموبقات.

стр. 7515

إن حاجتنا المنشودة وأمنيتنا المطلوبة هي الإيمان بالله واليوم الآخر، ذلك الإيمان المتوهج في النفوس الذي ينمي في الإنسان الملكات الخيرة المباركة. ينمي لبه.. ضميره. وإرادته.. وخلقه، وتأتي تبعاً لذلك ونتيجة له التنمية المادية. إن الذي أضر بالعالم، وجعله ويعيش في قلق دائم وتوتر مستمر، وساقه إلى شفا هاوية حرب ذرية ثالثه كونه متقدماً مادياً متخلفاً روحياً، من هنا يظهر لك خطأ الذين ينادون بالتنمية المادية في مجتمعاتهم قبل التنمية الروحية، بل إن مناداتهم تلك ألصق بالخطأ من ألصق الخطأ بنفسه. إن مثلهم مثل من وجد غريقاً جائعاً يستغيث فتركه للأمواج تبتلعه، وذهب يبحث له عن طعام يقيم به أوده، ويسد به جوعه، وكانت الحكمة تقتضي أن ينقذه أولا من الغرق ثم يذهب فيبحث له عن طعام, ونحن لا نقلل من أهمية الطعام ولزومه للإنسان، ولكن الذي ننكره هو الكلف به والعكوف عليه وترك ما عداه من طعام الروح وحاجاتها، إن الحكمة تقتضي على الأقل أن تسير التنميتان معاً كفرسي رهان أو كركبتي بعير إن لم تتقدم الثانية على الأولى. وفي الحج يتدرب المسلم على كمال الطاعة لله ورسوله، لأنه يؤدي بعض الشعائر وهو لا يدري ما وراءها من حكمة، وهذا أدخل في باب الطاعة لله تعالى والإقتداء برسوله ﷺ ، ومما يجب عليه طاعة الله ورسوله ﷺ مع الرضا التام والتسليم والمطلق في كل شأن وعلى أية حال، فهي دين يثاب المرء على فعله، ويعاقب على تركه وعلى قدر إيمانه تكون طاعته وتسليمه ورضاه.

стр. 7516

وتأتي بعد ذلك طاعة أميرك الذي بايعته على كتاب الله وسنة رسوله ﷺ فتطيعه في المنشط والمكره والعسر واليسر والغضب والرضا والغنى والفقر قال ﵊: "السمع والطاعة على المرء المسلم فيما أحب وكره ما لم يؤمر بمعصية فإذا أمر بمعصية فلا سمع ولا طاعة". فهي إذن طاعة واعية قائمة على طاعة الله ورسوله ﷺ وبقدر طاعتك لله ورسوله ﷺ تكون طاعتك لأميرك قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ [٦] . الحاج وهو يؤدي مناسكه يلغي من ذهنه هذه الآماد الزمنية التي تفصل بينه وبين رسوله ﵊ فكأنه يعيش في زمنه وبين أصحابه يطوف بطوافه ويسعى بسعيه ويقف بوقوفه ويرمي برميه وهكذا يستشعر جلال هذا الموكب النبوي الذي تحف به ملائكة الرحمن، وتهتف معه قلوب المسلمين. بهذا الإحساس المبارك تنمو عند المسلم ملكة الإقتداء برسول الله ﷺ والتمسك بسنته والدفاع عن شريعته والخير كل الخير في الإقتداء بالرسول الأعظم وإحياء سنته والسير على هداه، والشر كل الشر في التخلي عن ذلك ولله در وليد الأعظمى إذ يقول: مثلى ومنهاجاً سلماً نيرا ورجعت للتاريخ أنظر سيره رجلاً يؤثر دون أن يتأثرا وبلوت أخبار الرجال فلم أجد وسرت على هداه مكبرا إلا النبي محمداً فجعلته مثلى شبراً عليه هوى ولا متأخرا متمسكاً بهداه لا متقدماً قلبي ولم أر في الحياة تعسرا وشعرت أني مطمئن "ساكن" شر المبادئ ما يباع ويشترى وهتفت والدنيا تردد عاليا ويوم أن يرجع المسلمون إلى كتاب ربهم وسنة نبيهم ﷺ ومبادئ دينهم فقد اهتدوا إلى منبع سعادتهم ومصدر قوتهم.

стр. 7517

وفي الحج تدريب على حياة الجندية وتحمل المشاق. واذكر أني قرأت خاطرة للدكتور جعفر شيخ إدريس في عدد من مجلة (المسلمون) ، وخلاصة هذه الخاطرة أن الحج أشبه ما يكون بالمناورات الحربية، فهذه اللقاءات الخاطفة والوجبات الخفيفة والحركات السريعة والخيام المضروبة والتوقيت الدقيق والحرص على إصابة الهدف ثم انقضاء المهمة والشوق إلى الأهل والحنين إلى لقائهم، هذا كله يذكر بالمناورات الحربية والتدريبات العسكرية، وهو ما أدركه العسكريون، واعترفوا به، ولم يكونوا يومها يعلمون أن رسول الله ﷺ قال: "الحج جهاد لا قتال فيه" [٧] في كل ذلك تربية على حياة التقشف ودربة ومران على تحمل المشقات والتحلي بالأخلاق القوية الفاضلة. والمسلم لابد له أن يدفع ضريبة الجهاد في سبيل الله طيبة بها نفسه، فدينه دين جهاد وتضحية وفداء لا دين دعة ووداعة ودعوى، فهو يأمر إتباعه أن يبتعدوا عن الحياة الهشة الناعمة التي لا تكسب المرء إلا الترهل والغفلة وموت الضمير، وأن يتعشقوا حياة الجد والجهاد والجود والحركة الدؤوبة التي لا تهدأ أبداً، دفاعاً عن دين الله ضد العدو الطامع فيهم المتربص بهم. وإن كان الحج جهاداً لا قتال فيه فإن هناك إخوة لكم مدججين بالسلاح يمسون ويصبحون فيه رابضين كالأسد الضواري مرابطين كأروع ما يكون الرباط في عديد من أراضي المسلمين المحتلة. نسأل الله تعالى أن يثبت أقدامهم، وينصرهم على عدوهم فتعود إلى المسلمين أرضهم السليبة وأقداسهم المطهرة الشريفة.

стр. 7518

والجهاد لا يكون بالنفس وحدها ولكن يكون بالنفس والمال فالله يقول: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْداً عَلَيْهِ حَقّاً فِي التَّوْرَاةِ وَالأِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [٨] . ومن آداب الحج أن يكثر الحاج من النفقة على المحتاجين، وليكن إنفاقه عن سماحة نفس وطيب خاطر حتى يرتفع لدرجة القبول لأن الإنفاق على كره من صفات المنافقين الذين قال الله فيهم: ﴿وَلا يُنْفِقُونَ إِلاَّ وَهُمْ كَارِهُونَ﴾ [٩] وهذا منهج في التربية قويم سرعان ما يجعل المرء يسخر نفسه وماله في سبيل الله تعالى بعد أن تعود عليه وتخلق به، وتثبت من نفسه.

стр. 7519

وإذا نظرت إلى الإحرام وجدت فيه من الحكم والإسرار والفوائد ما يجعله منهجاً تربوياً فريداً في بابه عظيماً في آثاره، فهو نية في القلب قبل أن يكون تجرداً من المحيط والمخيط، وهو إقبال على الله تعالى قبل أن يكون قدوماً للبيت الحرام.. فيه إذن إخلاص العمل لله تعالى والبعد عن الرياء والسمعة من ناحية الباطن وفيه الإقتداء برسول الله ﷺ من جهة الظاهر وهناك تلازم بين الظاهر والباطن، وترابط بين المادة والروح وهذا ما يميز الإسلام عن المسيحية الروحانية واليهودية المادية، فهو دين الكمال ودين الفطرة قال تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِيناً﴾ [١٠] والسجود مثلاً معنى من المعاني وهو الخضوع ولكن لا بد من وضع الجبهة والأنف على الأرض ليكون أبلغ في الدلالة، وأوضح في الإشارة وهكذا.. الإحرام هو النية والنية محلها القلب ومع هذا لا بد من التجرد والالتزام بالشروط ليكون دائم الذكر حاضر القلب شديد الحرص، وبهذا يرتفع العمل، ويقبل، ويثاب عليه لأنه جمع شرطي القبول وهما الإخلاص والصواب، وقال بعض العلماء في قوله تعالى: ﴿لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً﴾ قال: أخلصه وأصوبه. قيل له: ما أخلصه وأصوبه؟ قال: إن العمل إذا كان خالصاً ولم يكن صواباً لا يقبل، وكذلك إذا كان صواباً ولم يكن خالصاً لا يقبل حتى يكون خالصاً صواباً.

стр. 7520

وتظهر روعة التربية في أن المحرم يحرم عليه الطيب ولبس المخيط والمحيط وإزالة الشعر من جميع بدنه وتغطية رأسه وتقليم أظافره والجماع والمباشرة وعقد النكاح وقتل الصيد ما دام محرماً، وهي فترة يتدرب فيها المسلم على حبس النفس عن شهواتها وصرع سلطان الهوى، ليكسب في النهاية قوة العزيمة وشدة الشكيمة وصلابة الإرادة والخروج عن مألوف العادة وهي فترة قصيرة محدودة ولكن فيها من تهيئة الجو وشدة التركيز ما يجعل أثرها بعيد المدى في النفس البشرية فلا تكاد تنتهي حتى يتخرج المسلم وفي يده شهادة بالمغفرة وقبول عمله - إنه يحصل على نفس صافية وروح طاهرة وبصيرة مشرقة وسلوك قويم وأقدام مصفوفة وجهود مرصودة على طريق الحق والخير والجهاد. وفي التلبية.. لبيك اللهم لبيك إجابة لداعي الله إجابة بعد إجابة وتجديدها ورفع الصوت بها عند تجدد الحالات دلالة على أنه يجيب داعي الله تعالى في كل الأوقات وعلى مختلف الحالات فلا يمنعه عنها بيع ولا شراء ولا شغل، فتلقاه يجيب على الدوام منادي الصلاة وداعي الجهاد، ويبادر إلى كل عمل فيه صلاح لدينه ودنياه.. وهكذا ينبغي أن يكون المسلم سباقاً إلى المكرمات نهاضاً إلى كل ما يكسبه شرفاً وذكراً حسناً، وشعائر الإسلام وعبادته لا تألو جهداً في تأصيل هذه القيم الرفيعة في نفس المؤمن تذكره بها من وقت لآخر وتمده بها على طول الزمان كأنها محطات منصوبة على الطريق تمد المسافر بالوقود ليواصل المسير، ويقوم بالأعباء، ويحلق بركب المكرمات. في الإحرام والتلبية إعلان بصوت عال عن حقارة الدنيا وخفة وزنها في نظر المسلم وميزانه الدقيق، وأنها أضعف من أن تستعبده أو تصرفه عن تلبية نداء ربه، وأنها موضوعة في يده لا في قلبه، وفي مقدوره أن يضعها تحت قدميه، ويجعل صوتها الناعم دبر أذنيه.

стр. 7521

وفي الحج تتجلى المساواة في أبهى حللها وأسمى معانيها، فإن تباعد المسلمون دياراً، واختلفوا ألسنة وألواناً فهاهم متساوون في زيهم وتلبيتهم وطوافهم وسعيهم ووقوفهم ورميهم وفي المباح وفي المحظور، لا فرق بين أحمر وأسود ولا بين غني وفقير، ولا بين سوقة وأمير، وذلك أبعد للنفرة من النفوس، وأنقى للصدور من الإحن والأحقاد، وأدعى لها أن تتقارب وتتآلف، وترتفع عن حزازتها العميقة واختلافاتها القديمة، فيعودوا كما أمرهم الله تعالى إخواناً متحابين. والمساواة في الإسلام ليست نصوصاً أو بنوداً فحسب كما هي عند بعض الأمم ولكنها واقع معاش يحياه الناس يذوقون طعمه، ويلمسون في المجتمع أثره، إن الناس في نظر الإسلام لا يتفاضلون بأشكالهم ولا بألوانهم. إنما محك التفاضل هو تقوى الله فكل من يحمل قلباً تقياً، ويسلك مسلكاً سوياً، ويعمل عملاً يفيد العباد والبلاد كان عند الله أكرم وبفضله أجدر ولرحمته أقرب قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ [١١] . وإذا نظرت إلى العبادات في الإسلام نظرة فاحصة، وجدتها معرضاً رائعاً للمساواة في أقصى معانيها وأسمى أبعادها ومراميها ليست هناك عبادة خاصة بالملوك وأخرى لا تليق إلا بالسوقة، إنما هي شرع واضح كالشمس في رابعة النهار مبذول للجميع والكل في سواء أعظمهم أجراً وأرفعهم مكانة من تمسك به واجتهد في، وعول أمره عليه يصرف النظر عن لونه أو جنسه أو مكانته.

стр. 7522

أما الطواف بالبيت فأمره عجب، هذا البيت الذي جعله الله مثابة للناس وأمناً يستقبله المؤمن في صلاته على البعد خمس مرات في اليوم والليلة، ها هو الآن يقف أمامه وينظر إليه وقد ملأ عينه وقلبه جلاله وهو لا يبعده إنما يعبد ربه ﷻ الذي جعله مثابة للناس وأمناً ومركزاً تلتف حوله قلوب المسلمين في المشارق والمغارب فيتوحدون في الاتجاهات والأهداف. والطواف به يرمز إلى التزام شرع الله والعمل به وترك ما عداه من أفكار ومذاهب ونظم أرضية، فهو يلتزم منهج الله تعالى التزامه الطواف حول بيته الحرام عملاً ودعوة إليه والسعي تردد بين الصفا والمروة. والوقوف بعرفة تذكير بيوم القيامة ليأخذ المسلم أهبته ولا يشغله عنه حطام الدنيا ونعيمها الفاني، كما أنه فرصة للوقوف مع النفس لمحاسبتها وتذكيرها ومعاتبتها ومراجعتها فإن وجد خيراً حمد الله تعالى وسأله المزيد منه والثبات عليه وإن وجد غير ذلك بادر بالتوبة والوقوف بين يدي الله الذي يبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار ويبسطها نهارا ليتوب مسيء الليل.. ورمي الجمرات رمز لرجم الشهوات النفسية والمذاهب البشرية ولك ما يخالف شرع الله ويروم تقويض بنيانه وهدم صروحه وكيانه. أما الذبح فإن الله لا يريد منا أن نتقرب إليه بسفك دم الحيوان فإنه لن ينال منا لحومها ولا دماءها ولكن يناله التقوى منا.

стр. 7523

ولا بد أن يكون الحاج قد أدرك في نفسه الآثار الطيبة للرفقة الصالحة التي صحبها في سفره، وأدى معها مناسك حجه، وتعلم منها الكثير من المزايا السامية والصفات اللازمة للقيام بالواجب نحو الله تعالى والدعوة إليه، فمن آداب الحج ومستحباته أن يختار الحاج رفقة فاضلة الأخلاق طيبة المعشر عالمة بالأحكام راغبة في الخير كارهة للشر لتكون له عوناً على أداء نسكه على وجه ينال به الأجر، ويحظى بالقبول، وقد يتعلم منها أمور الدين والرفق وبين الجانب والإيثار والصبر على ما يطرأ عادة على المسافرين من غلظة، في الكلام وجفاء في الطباع وربما كانت سبباً في هدايته حالاً ومستقبلاً فكأنها فصل في مدرسة الحج الكبيرة. فإذا عاد إلى وطنه اجتهد في الانتماء إلى الجماعة المسلمة الصالحة الداعية إلى الله تعالى فيضع يده في أيديهم، ويضيف ما له وجهده وفكره إلى ما يبذلون في سبيل الله ودعوة الخلق إليه ويظل هكذا مثابراً مرابطاً مجاهداً مستمسكاً بهدي الله ومنهاجه، منصرفاً عن طريق الشيطان وزيغه واتباعه. ثم على الحاج وقد انتهى من أداء حجه أن يعلم أن الجج بيعة ماضية في العنق إلى يوم القيامة.. إنه بايع الله على ألا يشرك به شيئاً، وأن يطيعه ولا يعصيه أبداً، ويطبق منهجه، ويدعو إليه.. يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر.. ويقول الحق ولا تأخذه فيه لومة لائم.. سلماً لأوليائه حرباً على أعدائه فلينظر من يبايع، ليصون بيعته، ويحفظ عهده، ولا يكون كالتي نقضت غزلها من بعد قوة أنكاثاً.

стр. 7524

لعلنا ندرك السر في اهتمام الإسلام بالتربية الفردية القائمة على الأسس المتينة، ذلك لأن المجتمع إنما يتكون من الأفراد فإذا كانوا صالحين كان المجتمع صالحاً والعكس صحيح.. إذا أردت بناء سفينة قوية متماسكة تحمل البضائع، وتصارع الأمواج، وتسير إلى غايتها آمنة مطمئنة فاختر لها الألواح الجيدة المتينة، وإلا فإنك لن تظفر إلا بسفينة هشة ضعيفة سرعان ما تحطمها الرياح، وتبتلعها المياه. فالإسلام يسعى إلى إقامة المجتمع الفاضل المتماسك المتعاون الآمن في ظل كتاب الله تعالى وسنة رسوله ﷺ . ولا يدع فرصة تؤدي إلى قوته، وتزيد من منعته إلا هيأها واستغلها، والحج من أعظم المناسبات التي يجب على المسلمين استغلالها بما يعود عليهم بالخير والعز والنصر فهاهم قد تلاقوا في هذه الأرض التي باركها رب السماء، ويتلاقون كل عام، وذلك أنفى للشتات وأدعى للوحدة والوئام، وأحمل لهم على أن يتباحثوا ويبرموا الاتفاقيات، ويتبادلوا المنتوجات، ويتدارسوا المشكلات التي تشغل بال شعوبهم، وصولاً إلى الحلول المناسبة لها، واستشرافاً إلى المجتمع الإسلامي المتراحم المتعاون، وتحقيقاً لقول الرسول ﵊ "مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد الواحد، إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر". وعلى المسلمين عامة وولاة أمورهم خاصة أن يثقوا في دينهم وفي مقدرته على التصدي لمشكلاتهم وحلها حلاً جذرياً فيجعلوه عصمة أمرهم ومركز تجمعهم ونقطة انطلاقهم ومشرق شمسهم، ولا يذهبوا عنه وينظروا لغيره التماساً للحول والعلاج والرخاء فيكونون: والماء فوق ظهورها محمول كالعير في البيداء يقتلها الظما

стр. 7525

محمد ﵊ موجود ملء السمع والبصر في وحيه الذي أنزل عليه من رب العالمين وفي سنته المطهرة التي صدرت عنه، وهو القائل ﷺ : "تركت فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا بعدي أبداً: كتاب الله وسنتي".. والله تعالى نسأل أن يوفق ولاة أمور المسلمين إلى كل ما فيه نصر لدينهم وعز لأوطانهم ورخاء لشعوبهم. -------------------------------------------------------------------------------- [١] العنكبوت ٤٥. [٢] التوبة ١٠٣. [٣] البقرة ١٨٣. [٤] البقرة ١٩٧. [٥] سورة الحج ٢٧-٢٨-٢٩. [٦] سورة النساء ٥٨. [٧] الكاتب يشير إلى حديث عائشة حين سألت الرسول ﷺ :"هل على النساء من جهاد؟ قال: عليهن جهاد لا قتال فيه الحج والعمرة"- المجلة. [٨] التوبة ١١١. [٩] التوبة ٥٤. [١٠] المائدة ٣. [١١] الحجرات ١٣.

стр. 7526

خمسة أحكام للحج في آية واحدة للدكتور عبد الفتاح عاشور الأستاذ المشارك في التفسير وعلوم القرآن بالجامعة الإسلامية من توجيهات القُرآنِ الْكَريم فِي الْحَجِّ خَمْسَة أحْكَامٍ للحَج في آيةٍ وَاحدَةٍ مِنْ سُورة الْبقرَة: ١- إتمام الحج والعمرة ٢- الإحصار ٣- الحلق ٤- فدية الأذى ٥- التمتع قال تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ وَلا تَحْلِقُوا رُؤُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ بِهِ أَذىً مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ فَإِذَا أَمِنْتُمْ فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ .. (سورة البقرة آية ١٩٦) جاءت هذه الآية من سورة البقرة تبين بعض أحكام الحج وتقرر عدة معايير ومبادىء ربطت الإنسان بخالقه وأرشدته إلى الطريق الواضح المستقيم.

стр. 7527

وقد جاءت هذه الآية وما قبلها وما بعدها في سورة البقرة إقراراً للمنهج الإلهي في تعهد الأمة المسلمة بالتربية والرعاية والتوجيه، فقد ذكر لنا ربنا قبل هذه الآية صفات الإنسان البار ونادى الأمة المؤمنة ففرض عليها القصاص في القتلى، وبين لها بعض أحكام الوصية وأحكام الصيام، كما نهى عن أكل أموال الناس بالباطل، وبين أن الأهلة مواقيت للناس والحج، كما دعا إلى الجهاد في سبيل الله وأمرنا أن نقاتل المشركين حتى لا تكون فتنة ويكون الدين لله، ووضع الركيزة القوية للجهاد في سبيل الله حين أمر بالإنفاق وحث عليه، فإن إعداد المجاهدين ليس بالأمر السهل ولا الهين إنما يحتاج إلى البذل والتضحية والعطاء. يحتاج إلى المال الوفير، وإذا شح الناس بأموالهم هلكت الأمة وتعرضت للدمار، ولهذا قال: ﴿وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ .. فالإحسان مطلب أهل الإيمان، إنهم يبذلون غاية وسعهم لتأتي هذه الأحكام التي أمرهم الله بها على خير ما يحب ربهم ويرضى، إنهم يجعلون من إحسانهم في أداء عملهم وسيلة ينالون به رضا مولاهم الذي أخبرهم بأنه يحب المحسنين. وعلى طريق هذا الإحسان يأمرهم الإله الكريم العظيم ويوضح لهم ما يجب عليهم أن يلتزموا به إذا ما أرادوا الحج والعمرة، ويبين لهم بعض أحكام الحج ومعاييره فيقول: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ..﴾ الآيات.. فلنتابع هذه الأحكام وتلك المعايير كما نطق بها الوحي الإلهي وأوضحتها ألفاظ القرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة المشرفة. ١- وأتموا الحج والعمرة لله.. بدأت هذه الأحكام بقوله تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ..﴾ فما هو المقصود بإتمام الحج والعمرة؟ وما معنى أن يكون هذا الإتمام لله..؟؟

стр. 7528

إن الأمر لا يرد بإتمام شيء إلا إذا كان قد بدىء فيه، ولهذا اتفق العلماء على وجوب إتمام مناسك الحج والعمرة إذا ما أحرم بها المسلم. بدليل قوله بعد هذا الأمر ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ .. يقول ابن عباس:"من أحرم بحج أو بعمرة فليس له أن يحل حتى يتمهما: تمام الحج يوم النحر إذا رمى جمرة العقبة وطاف بالبيت وبالصفا والمروة فقد حل "وعنه أيضاً أنه قال:"الحج عرفة " [١] . أما قبل الشروع فيها فليس في الآية دليل على وجوب الحج والعمرة، فإذا ما أردنا أن نعرف حكم كل منهما فعلينا أن نبحث عن أدلة أخرى ليتضح لنا أن الحج ركن من أركان الإسلام، وأن العمرة واجبة، وأن وجوب الحج ليس موضع خلاف، إنما موضع الخلاف هو العمرة: هل هي واجبة أو مندوبة؟ وقد قال بالوجوب جمع من الصحابة والتابعين منهم: علي وابن عباس وابن عمر وعائشة وزين العابدين وطاووس والحسن البصري وابن سيرين، وسعيد بن جبير ومجاهد وعطاء، وهو المشهور عن الشافعي وأحمد، وحجتهم في هذا حديث أبي رزين العقيلى أنه أتى النبي ﷺ فقال:" إن أبي شيخ كبير لا يستطيع الحج ولا العمرة ولا الظعن (أي السفر) فقال: "حج عن أبيك واعتمر" [٢] . وفي هذا يقول الإمام أحمد:"لا أعلم في إيجاب العمرة حديثاً أجود من هذا ولا أصح منه ". ومن أدلتهم على الوجوب أيضاً حديث عائشة ﵂ قالت:"قلت يا رسول الله: هل على النساء من جهاد؟؟ قال: "نعم، عليهن جهاد لا قتال فيه: الحج والعمرة ... " [٣] . أما من قال بأنها سنة مؤكدة تؤدى مرة واحدة في العمر: فهم الحنفية والمالكية، وحجتهم في هذا اقتصاره ﷺ على الحج في بيانه لأركان الإسلام الخمس، ويدل على ذلك قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً﴾ فقد اقتصر على الحج أيضاً ولم يذكر العمرة.

стр. 7529

يقول الإمام الشوكاني بعد أن ساق كثيراً من أدلة الفريقين:"والحق عدم وجوب العمرة لأن البراءة الأصلية لا ينتقل عنها إلا بدليل يثبت به التكليف ولا دليل يصلح لذلك، لا سيما مع اعتضادها بما تقدم من الأحاديث القاضية بعدم الوجوب ". [٤] وإذا كان معنى إتمام الحج والعمرة إتمام أفعالها بعد الشروع فيهما، فما معنى أن يكون هذا الإتمام لله؟ ؟ . إن هذا تأصيل لقاعدة إسلامية تنبني عليها حياة الإنسان المسلم، تلك القاعدة هي الإخلاص لله في السر والعلن، وطلب مرضاته في كل قول وفعل، وفي كل حركة وسكون، وتفسيراً لهذا الإخلاص في أداء الحج والعمرة نجد كثيراً من عبارات أئمة السلف منها قول مقاتل:"إتمامهما ألا يستحلوا فيهما مالا ينبغي"ومنها قول بعض أهل العلم:"إتمامهما: إنفاق الحلال الطيب في سفرهما"ومنها ما روي عن علي وابن عباس وسعيد بن جبير وطاووس أنهم قالوا:"إتمامهما أن تحرم من دويرة أهلك"، وقريباً من هذا ما روي عن سفيان الثوري أنه قال:"إتمامهما أن تحرم من أهلك لا تريد إلا الحج والعمرة، وتهل من الميقات، ليس أن تخرج لتجارة ولا لحاجة حتى إذا كنت قريباً من مكة قلت: لو حججت أو اعتمرت". يقول ابن كثير عليه رحمة الله:"وذلك يجزي ولكن التمام أن تخرج له لا تخرج لغيره" [٥] .

стр. 7530

وكان عمر- ﵁ ينهى عن الاعتمار في أشهر الحج ويرى أن هذا من تمامهما، وذلك ليكثر الوافدون لبيت الله الحرام على امتداد العام، وهذا ما روي عن القاسم بن محمد، وقتادة، فهما يقولان:"إن العمرة في أشهر الحج ليست بتامة ولكن هذا مردود بفعل رسول الله ﷺ فقد اعتمر أربع عمر كلها في ذي القعدة: عمرة بالحدييبة في ذي القعدة سنة ست، وعمرة القضاء في ذي القعدة سنة سبع، وعمرة الجعرانة في ذي القعدة سنة ثمان، وعمرته التي مع حجته أحرم بهما معاً في ذي القعدة سنة عشر، وما اعتمر في غير ذلك بعد هجرته، ولكن قال لأم هانىء:"عمرة في رمضان تعدل حجة معي ". وما ذاك إلا لأنها قد عزمت على الحج معه- ﵇ فعوقت عن ذلك بسبب الطهر كما هو مبسوط في الحديث عند البخاري. ٢- ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ : هذا هو الحكم الثاني في الآية وهو الإحصار.. فما هو الإحصار؟ وماذا يفعل المحصر؟؟. الإحصار هو: المنع، فهل كل ما يمنع الوصول لمكة يوجب الفداء والقضاء؟ وهل يمكن أن نقول: إن من تمكن من الوصول وأدى بعض المناسك ومنع من البعض يعتبر محصراً؟ وماذا سمى الفقهاء من يدرك وقت الوقوف بعرفة: سواء كان ذلك بعذر أم بغير عذر؟ وماذا يفعل هذا وذاك؟؟. يرى الحنفية أن الحصر يتحقق بالمنع من الوصول إلى مكة بعد الإحرام: بعدو أو مرض أو غيرهما، ودليلهم في هذا قوله تعالى: ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ﴾ فقد قالوا:"هناك فرق بين الإحصار والحصر. الإحصار يكون بالمرض ونحوه والحصر يكون بالعدو والذي في الآية هو الإحصار، وإنما يدخل فيه حصر العدو لأن العذر بالعدو في المنع أقوى "، وما رآه الحنفية هو الموافق لما قال أهل اللغة، فقد قال ابن العربي:"هذا رأي أكثر أهل اللغة "، وقال الزجاج:"إنه كذلك عند جميع أهل اللغة "، وقال أبو جعفر النحاس:"على ذلك جميع أهل اللغة ".
следующие страницы →