← Джавами‘

Джавами‘ · id 4473

مجلة الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (23 804 стр.). Показаны 7526–7565 · переход к 7531.

стр. 7526

خمسة أحكام للحج في آية واحدة للدكتور عبد الفتاح عاشور الأستاذ المشارك في التفسير وعلوم القرآن بالجامعة الإسلامية من توجيهات القُرآنِ الْكَريم فِي الْحَجِّ خَمْسَة أحْكَامٍ للحَج في آيةٍ وَاحدَةٍ مِنْ سُورة الْبقرَة: ١- إتمام الحج والعمرة ٢- الإحصار ٣- الحلق ٤- فدية الأذى ٥- التمتع قال تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ وَلا تَحْلِقُوا رُؤُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ بِهِ أَذىً مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ فَإِذَا أَمِنْتُمْ فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ .. (سورة البقرة آية ١٩٦) جاءت هذه الآية من سورة البقرة تبين بعض أحكام الحج وتقرر عدة معايير ومبادىء ربطت الإنسان بخالقه وأرشدته إلى الطريق الواضح المستقيم.

стр. 7527

وقد جاءت هذه الآية وما قبلها وما بعدها في سورة البقرة إقراراً للمنهج الإلهي في تعهد الأمة المسلمة بالتربية والرعاية والتوجيه، فقد ذكر لنا ربنا قبل هذه الآية صفات الإنسان البار ونادى الأمة المؤمنة ففرض عليها القصاص في القتلى، وبين لها بعض أحكام الوصية وأحكام الصيام، كما نهى عن أكل أموال الناس بالباطل، وبين أن الأهلة مواقيت للناس والحج، كما دعا إلى الجهاد في سبيل الله وأمرنا أن نقاتل المشركين حتى لا تكون فتنة ويكون الدين لله، ووضع الركيزة القوية للجهاد في سبيل الله حين أمر بالإنفاق وحث عليه، فإن إعداد المجاهدين ليس بالأمر السهل ولا الهين إنما يحتاج إلى البذل والتضحية والعطاء. يحتاج إلى المال الوفير، وإذا شح الناس بأموالهم هلكت الأمة وتعرضت للدمار، ولهذا قال: ﴿وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ .. فالإحسان مطلب أهل الإيمان، إنهم يبذلون غاية وسعهم لتأتي هذه الأحكام التي أمرهم الله بها على خير ما يحب ربهم ويرضى، إنهم يجعلون من إحسانهم في أداء عملهم وسيلة ينالون به رضا مولاهم الذي أخبرهم بأنه يحب المحسنين. وعلى طريق هذا الإحسان يأمرهم الإله الكريم العظيم ويوضح لهم ما يجب عليهم أن يلتزموا به إذا ما أرادوا الحج والعمرة، ويبين لهم بعض أحكام الحج ومعاييره فيقول: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ..﴾ الآيات.. فلنتابع هذه الأحكام وتلك المعايير كما نطق بها الوحي الإلهي وأوضحتها ألفاظ القرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة المشرفة. ١- وأتموا الحج والعمرة لله.. بدأت هذه الأحكام بقوله تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ..﴾ فما هو المقصود بإتمام الحج والعمرة؟ وما معنى أن يكون هذا الإتمام لله..؟؟

стр. 7528

إن الأمر لا يرد بإتمام شيء إلا إذا كان قد بدىء فيه، ولهذا اتفق العلماء على وجوب إتمام مناسك الحج والعمرة إذا ما أحرم بها المسلم. بدليل قوله بعد هذا الأمر ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ .. يقول ابن عباس:"من أحرم بحج أو بعمرة فليس له أن يحل حتى يتمهما: تمام الحج يوم النحر إذا رمى جمرة العقبة وطاف بالبيت وبالصفا والمروة فقد حل "وعنه أيضاً أنه قال:"الحج عرفة " [١] . أما قبل الشروع فيها فليس في الآية دليل على وجوب الحج والعمرة، فإذا ما أردنا أن نعرف حكم كل منهما فعلينا أن نبحث عن أدلة أخرى ليتضح لنا أن الحج ركن من أركان الإسلام، وأن العمرة واجبة، وأن وجوب الحج ليس موضع خلاف، إنما موضع الخلاف هو العمرة: هل هي واجبة أو مندوبة؟ وقد قال بالوجوب جمع من الصحابة والتابعين منهم: علي وابن عباس وابن عمر وعائشة وزين العابدين وطاووس والحسن البصري وابن سيرين، وسعيد بن جبير ومجاهد وعطاء، وهو المشهور عن الشافعي وأحمد، وحجتهم في هذا حديث أبي رزين العقيلى أنه أتى النبي ﷺ فقال:" إن أبي شيخ كبير لا يستطيع الحج ولا العمرة ولا الظعن (أي السفر) فقال: "حج عن أبيك واعتمر" [٢] . وفي هذا يقول الإمام أحمد:"لا أعلم في إيجاب العمرة حديثاً أجود من هذا ولا أصح منه ". ومن أدلتهم على الوجوب أيضاً حديث عائشة ﵂ قالت:"قلت يا رسول الله: هل على النساء من جهاد؟؟ قال: "نعم، عليهن جهاد لا قتال فيه: الحج والعمرة ... " [٣] . أما من قال بأنها سنة مؤكدة تؤدى مرة واحدة في العمر: فهم الحنفية والمالكية، وحجتهم في هذا اقتصاره ﷺ على الحج في بيانه لأركان الإسلام الخمس، ويدل على ذلك قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً﴾ فقد اقتصر على الحج أيضاً ولم يذكر العمرة.

стр. 7529

يقول الإمام الشوكاني بعد أن ساق كثيراً من أدلة الفريقين:"والحق عدم وجوب العمرة لأن البراءة الأصلية لا ينتقل عنها إلا بدليل يثبت به التكليف ولا دليل يصلح لذلك، لا سيما مع اعتضادها بما تقدم من الأحاديث القاضية بعدم الوجوب ". [٤] وإذا كان معنى إتمام الحج والعمرة إتمام أفعالها بعد الشروع فيهما، فما معنى أن يكون هذا الإتمام لله؟ ؟ . إن هذا تأصيل لقاعدة إسلامية تنبني عليها حياة الإنسان المسلم، تلك القاعدة هي الإخلاص لله في السر والعلن، وطلب مرضاته في كل قول وفعل، وفي كل حركة وسكون، وتفسيراً لهذا الإخلاص في أداء الحج والعمرة نجد كثيراً من عبارات أئمة السلف منها قول مقاتل:"إتمامهما ألا يستحلوا فيهما مالا ينبغي"ومنها قول بعض أهل العلم:"إتمامهما: إنفاق الحلال الطيب في سفرهما"ومنها ما روي عن علي وابن عباس وسعيد بن جبير وطاووس أنهم قالوا:"إتمامهما أن تحرم من دويرة أهلك"، وقريباً من هذا ما روي عن سفيان الثوري أنه قال:"إتمامهما أن تحرم من أهلك لا تريد إلا الحج والعمرة، وتهل من الميقات، ليس أن تخرج لتجارة ولا لحاجة حتى إذا كنت قريباً من مكة قلت: لو حججت أو اعتمرت". يقول ابن كثير عليه رحمة الله:"وذلك يجزي ولكن التمام أن تخرج له لا تخرج لغيره" [٥] .

стр. 7530

وكان عمر- ﵁ ينهى عن الاعتمار في أشهر الحج ويرى أن هذا من تمامهما، وذلك ليكثر الوافدون لبيت الله الحرام على امتداد العام، وهذا ما روي عن القاسم بن محمد، وقتادة، فهما يقولان:"إن العمرة في أشهر الحج ليست بتامة ولكن هذا مردود بفعل رسول الله ﷺ فقد اعتمر أربع عمر كلها في ذي القعدة: عمرة بالحدييبة في ذي القعدة سنة ست، وعمرة القضاء في ذي القعدة سنة سبع، وعمرة الجعرانة في ذي القعدة سنة ثمان، وعمرته التي مع حجته أحرم بهما معاً في ذي القعدة سنة عشر، وما اعتمر في غير ذلك بعد هجرته، ولكن قال لأم هانىء:"عمرة في رمضان تعدل حجة معي ". وما ذاك إلا لأنها قد عزمت على الحج معه- ﵇ فعوقت عن ذلك بسبب الطهر كما هو مبسوط في الحديث عند البخاري. ٢- ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ : هذا هو الحكم الثاني في الآية وهو الإحصار.. فما هو الإحصار؟ وماذا يفعل المحصر؟؟. الإحصار هو: المنع، فهل كل ما يمنع الوصول لمكة يوجب الفداء والقضاء؟ وهل يمكن أن نقول: إن من تمكن من الوصول وأدى بعض المناسك ومنع من البعض يعتبر محصراً؟ وماذا سمى الفقهاء من يدرك وقت الوقوف بعرفة: سواء كان ذلك بعذر أم بغير عذر؟ وماذا يفعل هذا وذاك؟؟. يرى الحنفية أن الحصر يتحقق بالمنع من الوصول إلى مكة بعد الإحرام: بعدو أو مرض أو غيرهما، ودليلهم في هذا قوله تعالى: ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ﴾ فقد قالوا:"هناك فرق بين الإحصار والحصر. الإحصار يكون بالمرض ونحوه والحصر يكون بالعدو والذي في الآية هو الإحصار، وإنما يدخل فيه حصر العدو لأن العذر بالعدو في المنع أقوى "، وما رآه الحنفية هو الموافق لما قال أهل اللغة، فقد قال ابن العربي:"هذا رأي أكثر أهل اللغة "، وقال الزجاج:"إنه كذلك عند جميع أهل اللغة "، وقال أبو جعفر النحاس:"على ذلك جميع أهل اللغة ".

стр. 7531

ويؤيد الحنفية في ذلك ما أخرجه أصحاب السنن الأربعة بأسانيد صحيحة عن عكرمة قال سمعت الحجاج بن عمرو الأنصاري يقول:"قال رسول الله ﷺ : "من كسر أو عرج فقد حل وعليه الحج من قابل" قال عكرمة سألت ابن عباس وأبا هريرة فقالا:"صدق ". ويرى الشافية وأهل المدينة:"أن المراد بالحصر في الآية هو المنع بالعدو، بدليل قوله: ﴿فَإِذَا أَمِنْتُمْ﴾ والأمن يكون من العدو، أما الأمن من المرض ونحو فبعيد، كما أن الآية نزلت عام ست في الحديبية حين منع المشركون رسول الله ﷺ وأصحابه من دخول مكة لأداء العمرة، فيكون الحصر بالعدو هو المقصود لا غير ولا يلحق به غيره ". وفي هذا يقول ابن عباس:" لا حصر إلا حصر العدو، فأما من أصابه مرض أو وجع أو ضلال فليس عليه شيء، إنما قال تعالى: ﴿فَإِذَا أَمِنْتُمْ﴾ فليس الأمر حصراً [٦] . وإنما يتحقق الإحصار بالمنع من الوقوف بعرفة والطواف، وهذا عند الحنفية، وأما عند الشافعية فيتحقق بالمنع بالعدو من الوقوف أو الوقوف أو الطواف أو السعي. وإذا كان هذا هو الإحصار فإن هناك الفوات أيضاً، وهو قريب من الإحصار وذلك بأن يطلع فجر يوم النحر ولم يقف المحرم بعرفة سواء كان ذلك بعذر أو بغير عذر، فقد قال رسول الله ﷺ :"الحج عرفة " [٧] . فمن لم يحضر وقت الوقوف فاته الحج. فماذا يفعل المحصر؟ وماذا يفعل من فاته الوقوف بعرفة؟؟

стр. 7532

أما بالنسبة للمحصر فقد قال تعالى: ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ أي فما تيسر من الهدي، فعليه أن يذبح شاة في موضع إحصاره كما قال الشافعية أو يبعثها للحرم لتذبح عنده أو يبعث بثمنها لتشترى به ثم تذبح هناك كما قال الحنفية، على ألا يتحلل إلا بعد مرور وقت كاف يمكن للهدي أن يصل فيه للحرم ويذبح، تحقيقاً لقوله تعالى: ﴿وَلا تَحْلِقُوا رُؤُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾ . وبذبح الهدي يتحلل من إحرامه. وقال الشافعية: لا يتحلل إلا بعد الذبح والحلق أو التقصير، بدليل فعله ﷺ لذلك يوم الحديبية، وبفعله اقتدى أصحابه ﵃. وإذا كان المحصر قد تحلل من إحرام واجب وجب عليه القضاء، ومن فاته الوقوف بعرفة: عليه أن يتحلل بعمرة بأن يطوف ويسعى ثم يحلق أو يقصر وعليه الحج من قابل، أما النفل فعند الأئمة الأربعة يجب عليه القضاء لقوله تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ..﴾ وذلك عام في الحج والعمرة: فرضاً أو نفلاً، وفي رواية عن مالك وأحمد أن النفل لا قضاء فيه. ومع التحلل بالعمرة والقضاء: هل يجب عليه هدي؟ ؟ عند الحنفية: لا هدي عليه، وعند الأئمة الثلاثة: يجب عليه هدي يذبحه في حج القضاء وذلك لما رواه مالك في موطئه بسند صحيح أن أبا أيوب الأنصاري خرج حاجاً حتى إذا كان بالنازية من طريق مكة أضل رواحله وأنه قدم على عمر بن الخطاب يوم النحر فذكر ذلك له فقال عمر:"اصنع كما يصنع المعتمر ثم قد حللت، فإذا أدركك الحج قابلاً فاحجج واهد ما استيسر من الهدي ". ٣- ﴿وَلا تَحْلِقُوا رُؤُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾ وهذا هو الحكم الثالث في الآية، فما صلته بالحكمين السابقين؟ ؟ هل هو تابع لقوله: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ ؟ أو لقوله: ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ ؟ ؟

стр. 7533

جمهور العلماء يرى أن هذا النهي تابع لقوله: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ ، لا لقوله: ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ لأن المحصر يذبح هديه في موضع الإحصار ولا يجب عليه أن يبعث بهدية إلى الحرم، هكذا فعل رسول الله ﷺ حين أحصر في الحديبية. وقد رأى الحنفية - كما سبق أن بينا - أن المحصر يجب عليه أن يبعث شاة تذبح عنه في الحرم، أو يبعث بثمنها لتشترى به ثم تذبح هناك، ولا يتحلل إلا بعد أن يمضي وقت يتمكن فيه من يأخذ الشاة أو يشتريها من الوصول للحرم وذبحها عنده. وقد أجاب الحنفية على نحره ﷺ في الحديبية بأن طرق الحديبية من الحرم فالرسول- ﷺ – ذبح الهدي في الحرم. وأما من قال: إن هذا النهي تابع لقوله: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ فقد رأى أن الحلق يأتي بعد إتمام أفعال الحج والعمرة لمن كان قارناً، أو بعد الفراغ من أحدهما لمن كان مفرداً أو متمتعاً، فقد ثبت في الصحيحين عن حفصة أنها قالت:"يا رسول الله ما شأن الناس حلوا من العمرة ولم تحل أنت من عمرتك؟. فقال: "إني لبدت رأسي وقلدت هديي فلا أحل حتى أنحر ". ومحل نحر الهدي كما قال تعالى: ﴿لَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمّىً ثُمَّ مَحِلُّهَا إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ وعلى هذا نستطيع أن نفهم حكم الترتيب بين الحلق والذبح، ومن الواضح أن هذا الترتيب واجب ويؤيده فعله ﷺ وقد قال: "خذوا عني مناسككم" كما يؤيده قوله تعالى: ﴿لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الأَنْعَامِ فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ [٨] .

стр. 7534

فقضاء التفث هو إزالة الشعر وقد جاء بعد الذبح فدل على وجوب الترتيب وهذا رأي الحنفية فمن قدم الحلق على الذبح وجب عليه دم تأخير. وقد ذهب الشافعي وصاحبا أبي حنيفة إلى أن هذا الترتيب سنة، ومن ترك السنة فقد أساء ولكن ليس عليه فداء ودليلهم في هذا ما روي عن عبد الله بن عمرو قال:"سمعت رسول الله ﷺ وأتاه رجل يوم النحر وهو واقف عند الجمرة فقال: يا رسول الله حلقت قبل أن أرمي قال: "ارم ولا حرج"، وأتاه آخر فقال إني أفضت إلى البيت قبل أن أرمي فقال: "ارم ولا حرج "، وقال في رواية عنه "أنه شهد النبي ﷺ يخطب يوم النحر فقام إليه رجل فقال: كنت أحسب أن كذا قبل كذا ثم قام آخر فقال: كنت أحسب أن كذا قبل كذا: حلقت قبل أن أنحر، نحرت قبل أن أرمى وأشباه ذلك فقال النبي ﷺ : "افعل ولا حرج.. "لهن كلهن، فما سئل يومئذ عن شيء إلا قال: "افعل ولا حرج " [٩] وعن ابن عباس "أن النبي ﷺ قيل له في الذبح والحلق والرمي والتقديم والتأخير فقال:"لا حرج ". [١٠] . وهذا أيضاً رأي المالكية فقد رأوا أن الترتيب بين الحلق والذبح غير واجب فلو فعل واحداً منهما قبل الآخر جاز وليس عليه شيء، وبالحلق يحصل التحلل الأول فيحل له ما كان محظوراً عليه إلا الجماع فإنه لا يجوز له إلا بعد طواف الإفاضة، وبه يتحلل التحلل الثاني. ٤- ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ بِهِ أَذىً مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾ هذا حكم من حلق رأسه بعد إحرامه وقبل أن يأتي الوقت المعلوم لإزالة شعره، وهو في هذه الحالة عليه فدية يخير فيها بين أمور ثلاثة: صيام ثلاثة أيام، أو الصدقة بثلاثة آصع لستة مساكين، أو النسك: بشاة.

стр. 7535

وفي هذا حديث البخاري بسنده إلى كعب بن عجرة إذ قال لمن سأله عن الفدية من صيام:"حملت إلى النبي ﷺ والقمل يتناثر على وجهي فقال: ما كنت أرى أن الجهد بلغ بك هذا، ما تجد شاة، قلت: لا، قال: "صم ثلاثة أيام أو أطعم ستة مساكين لكل مسكين نصف صاع من طعام، واحلق رأسك.." يقول كعب:"فنزلت فيّ خاصة وهي لكم عامة ". وهذا الفدية لمن كان مريضاً مرضاً يضطره إلى حلق رأسه أو من كان برأسه أذى كما رأينا من حال كعب بن عجرة، أما العامد الذي لا عذر له، وأما المعذور بغير المرض والأذى كالناسي والجاهل بالحكم والمكره، فقد اختلفت فيه أقوال الأئمة: فالحنفية: يرون أن الواجب على هؤلاء الدم عينا أو الصدقة عيناً على حسب جنايتهم إلا أنهم قالوا بسقوط الإثم عن المعذور بغير المرض والأذى، وإن وجب عليه الفداء والأئمة الثلاثة: جعلوا العامد كالمعذور: مخيراً بين الأمور الثلاثة، أما المعذور بغير المرض والأذى: فعليه الفداء: مخيراً عند المالكية، وعليه الفداء مخيراً عند الشافعية والحنابلة، إن كانت الجناية فيها إتلاف كالحلق والتقصير وتقليم الأظافر، وليس عليه شيء فيما ليس فيه إتلاف كاللبس وتغطية الرأس والطيب. وهذه الفقرة من الآية هي القاعدة التي بنى عليها الأئمة آراءهم فيما يجب على المحرم من الفداء إذا ما لبس شيئا ًغير ملابس الإحرام أو غطى رأسه أو حلقها أو قصرها أو قلم أظافره، أو تطيب أو دهن فخالف بذلك ما يجب عليه حال الإحرام. وتفصيل القول في هذا مرجعه إلى كتب الفقه [١١] ، وحسبنا هذا القدر في بيان معنى قوله تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ بِهِ أَذىً مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾ . وإن كان قد بقي علينا أن نعرف المكان الذي يؤدى فيه الفداء؟ ؟.

стр. 7536

ويقول الشوكاني في ذلك:" اختلفوا في مكان هذا الفدية: فقال عطاء: ما كان من دم فبمكة، وما كان من طعام أو صيام فحيث شاء، وبه قال أصحاب الرأي. وقال طاووس والشافعي: الإطعام والدم لا يكونان إلا بمكة، والصوم حيث شاء. وقال مالك ومجاهد: حيث شاء في الجميع. وهو الحق لعدم الدليل على تعيين المكان [١٢] " ٥- التمتع والقران قال تعالى: ﴿فَإِذَا أَمِنْتُمْ فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ..﴾ . حين نقرأ قوله تعالى: ﴿فَإِذَا أَمِنْتُمْ﴾ نتساءل: مم يكون الأمن؟ هل هو الأمن من العدو خاصة، أو منه ومن غيره كالمرض ونحوه؟؟ المتبادر من سياق الآية ومن معنى الأمن أن الأمن لا يكون إلا من العدو خاصة وهذا ما يؤيد رأى الشافعية وأهل المدينة الذين قالوا:"إن الإحصار لا يكون إلا من العدو، أما المرض وغيره فالمنع به لا يسمى إحصاراً ".

стр. 7537

وبعد الأمان وزوال الخوف، على المحرم أن يتم نسكه.. فما هي الصورة التي أحرم بها؟ هل أحرم بالحج فقط (وهذا هو الإفراد) أو أحرم بالحج والعمرة معا (وهذا هو القران) أو أحرم بالعمرة في أشهر الحج، وبعد أن طاف وسعى حلق وتحلل، وانتظر إلى يوم التروية في مكة (وهو اليوم الثامن من ذي الحجة) فأحرم بالحج (وهذا هو التمتع) وهو التمتع الخاص، والمشهور من كلام الفقهاء. والقران هو التمتع العام، لأن المحرم استفاد عمرة مع حج في سفرة واحدة، كما أن من أحرم بالعمرة فأداها وتحلل بما كان محظوراً عليه أثناء إحرامه، ولما جاء يوم التروية أحرم بالحج فاستفاد- أيضاً- حجاً وعمرة، ولذلك لا يحج على المفرد هدى. إنما يجب الهدى على القارن والمتمتع بأن يذبح كل منهما ما استيسر من الهدى وأقله شاة، وله أن يذبح البقر لأن النبي ﷺ ذبح عن نسائه البقر وكن متمتعات [١٣] ووقت ذبحه يوم النحر بمنى وقبل الحلق [١٤] . فإذا لم يجد الهدى. إما لعدم المال أو لعدم الحيوان فيصوم ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجع إلى أهله فمتى يصوم هذه الأيام الثلاثة؟ وإلام يكون الرجوع؟ هل هو رجوع إلى رحله وأمتعته؟ أو رجوع إلى أهله ودياره؟؟. قال العلماء:"الأولى أن يصوم الأيام الثلاثة قبل يوم عرفة في العشر "، وقال ابن عباس:"يجوز له أن يصومها من حين إحرامه "، والأفضل كما رأى جلة من الصحابة منهم ابن عباس وابن عمر وعلي- " أن يصوم يوماً قبل يوم التروية، ويوم التروية، ويوم عرفة أما يوم العيد فلا يجوز صيامه، وذلك لما ورد عن أبي سعيد الخدري ﵁:"أن رسول الله ﷺ نهى عن صيام يومين. يوم الفطر، ويوم النحر " [١٥] ،كذلك أيام التشريق لا يجوز صيامها، لما رواه مسلم عن نبيشة الهذلى ﵁ قال:" قال رسول الله ﷺ : "أيام التشريق أيام أكل وشرب وذكر الله ".

стр. 7538

ومن فاته الصيام قبل العيد تحلل ووجب عليه دمان: دم التمتع، ودم التحلل قبل نحر الهدى عند الحنفية ولا يلزمه سوى قضاء صومها عند الشافعية. وإذا كان قد صام الأيام الثلاثة فقد بقى عليه صيام سبعة أيام، فمتى يصومها؟ يقول الله تعالى: ﴿وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ﴾ فلم يذكر إلى أي شيء يكون الرجوع هل هو رجوع إلى الرحال، أو رجوع إلى الأهل والديار والأوطان؟؟ بالأول: قال مجاهد وعطاء، وبالثاني قال جمهور الصحابة والتابعين ومن بعدهم حتى حكى ابن جرير الإجماع على ذلك، ويؤيدهم في هذا ما رواه البخاري بسنده عن عبد الله ابن عمر أن النبي ﷺ قال للناس حين قدم مكة في حجة الوداع:"من كان منكم أهدى فليطف بالبيت وبالصفا والمروة وليقصر وليحل ثم ليهل بالحج، فمن لم يجد هديا ليصم ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجع إلى أهله". وبصيام الثلاثة والسبعة تكمل العشرة، ولذلك قال: ﴿تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ﴾ وهذا من باب التأكيد كما تقول:"كتبت بيدي، وسمعت بأذني، وكما قال تعالى: ﴿وَلا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ﴾ [١٦] ..وكما قال: ﴿وَلا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ﴾ [١٧] .." وقال الزجاج: إنما قال سبحانه: ﴿تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ﴾ مع أن كل أحد يعلم أن الثلاثة والسبعة عشرة: لدفع أن يتوهم متوهم التخيير بين الثلاثة الأيام في الحج والسبعة إذا رجع. وقال المبرد:"ذكر ذلك ليدل على انقضاء العدد لئلا يتوهم متوهم أنه قد بقى منه شيء بعد ذكر السبعة [١٨] ".. وهذا التمتع وما فيه لغير أهل الحرم أما أهل الحرم فلا تمتع لهم. قال تعالى: ﴿ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ . يقول ابن عباس:"يا أهل مكة لا متعة لكم، أحلت لأهل الآفاق وحرمت عليكم إنما يقطع أحدكم وادياً، أو قال: يجعل بينه وبين الحرم وادياً ثم يهل بعمرة [١٩] .."

стр. 7539

وقد اتفق العلماء على أن أهل الحرم لا متعة لهم، ولكن هذا خص بأهل الحرم أو يلحق بهم من في حكمهم؟ كمن هم دون المواقيت؟ كما قال عطاء ومكحول أو من كان من الحرم على مسافة لا يقصر فيها الصلاة؟ كما قال الشافعية. لكل وجهة [٢٠] وختاماً لهذه الآية يقول سبحانه: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ . وتقوى الله والخوف منه لهما هنا أهميتهما: إذ لا تؤدى أعمال الحج على وجه التمام والكمال إلا إذا قام بها المؤمن منبعثاً من إيمان عظيم بالله، وما له من صفات الجلال. والكمال وأي سلطة، وأي قوة في الأرض غير سلطان الله وقوته لا يمكن لها أن تدفع الإنسان إلى أداء تلك الأعمال في إخلاص وحب مهما أوتيت هذه السلطة وتلك القوة من مال وجاه وسلاح. ومن لا يتقى الله ولا يخشاه؟ ومن يجرؤ على مخلفة أمر مولاه؟ إن الذي لا يتقى ربه ولا يخشاه والذي يتعدى حدود خالقه ومولاه: جاهل، غافل أحمق، وعليه أن يتبصر مواضع أقدامه قبل أن يخطو خطوة واحدة في طريق معصية الله، وعليه أن يعرف قدر الإله الذي سيقدم عليه لا محالة. لابد أن يعلم هذه الحقيقة قبل أن يخالف أوامر ربه، ولهذا قال سبحانه: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ..﴾ ومن ذا الذي يطبق هذا العقاب؟ ومن ذا الذي لا يحسب له ألف حساب، إلا إذا كان من الغافلين، وهل تغنى الغفلة عن أهلها في مواقف الندامة والحسرات؟ وهل ينفع هؤلاء يوم اللقاء ما يسكبون من العبرات؟ ؟ نعوذ بالله من قلب لا يخشع ومن عين لا تدمع ومن بطن لا يشبع ومن دعاء لا يستجاب.. ونسأله أن يجنبنا العثرات وأن يكشف عن أمتنا الكربات وأن يهدينا سواء السبيل. -------------------------------------------------------------------------------- [١] تفسير ابن كثير جـ١ ص ٢٣٠. [٢] رواه الخمسة وصححه الترمذي.

стр. 7540

[٣] رواه أحمد وابن ماجة وإسناده صحيح. [٤] نيل الأوطار جـ ٤ ص ٣١٤ ط مصطفى اليابي الحلبي بمصر- المطبعة الأخيرة سنة ١٩٧١م بل الحق مع القائلين بوجوب العمرة لحديث أبي رزين العقيلى المذكور في صلب المقال وحديث عائشة ﵂ وقد علمت ما قال الإمام أحمد في حديث رزين من أنه أجود وأصح ما رأى في وجوب العمرة. أما الاحتجاج باقتصار النبي ﷺ على ذكر الحج في بيان أركان الإسلام فلا ينفي وجوب العمرة بل يقال إنها واجبة وليست ركناً من أركان الإسلام. والواجبات في الإسلام كثيرة وليس من أركانه إذ لا تلازم بين الركنية والوجوب.. (المجلة) . [٥] انظر تفسير ابن كثير جـ ١ ص ٢٣٠. [٦] تفسير ابن كثير جـ ١ ص ٢٣١. [٧] رواه البخاري. [٨] سورة الحج ٢٢-٢٣. [٩] متفق عليه. [١٠] متفق عليه. الصحيح في هذه المسألة أن الترتيب بين أعمال يوم النحر هو الأفضل بأن يرمى ثم يذبح ثم يحلق ثم يطوف طواف الإفاضة تأسياً برسول الله ﷺ وأما من قدم ومن أخر وخرج عن هذا الترتيب لظروف ما كنسيان مثلاً أو عدم معرفة أو أي عذر آخر فلا حرج عليه عملاً بقوله ﷺ في جواب من سألوه عن التقديم والتأخير "أفعل ولا حرج ".. (المجلة) . [١١] بل المرجع الصحيح في تفصيل ما أجمل في القرآن هو السنة النبوية لأنها هي المفسرة للقرآن المفصلة لما أجمل فيه (المجلة) .. [١٢] فتح القدير جـ١ ص ١٩٦ ط الثانية ١٩٦٤م مصطفى البابي الحلبي - مصر [١٣] المقصود أن البقرة عن سبعة أشخاص لأنها نوع من البدن.. (المجلة) [١٤] إذا راعى الترتيب تأسياً بالرسول ﷺ وهو الأفضل (المجلة) [١٥] متفق عليه. [١٦] سورة الأنعام ٦/٣٨. [١٧] سورة العنكبوت ٢٩/٤٨. [١٨] فتح القدير للشوكاني جـ١ ص ١٩٧. [١٩] تفسير ابن كثير حـ١ ص ٢٣٥.

стр. 7541

[٢٠] الذي يفهم من ظاهر الآية أن غير أهل الحرم لا يدخل تحت هذا الحكم ولو كان قريباً من الحرم- حتى يثبت دليل بذلك (المجلة) .

стр. 7542

الذبائح في مناسك الحج مصادرها ومصارفها للدكتور أحمد علي طه ريان من أعظم النعم التي تفضل الله بها خلقه - ونعمه تعالى عليهم لا تحصى- توفيقه إياهم لفعل الخيرات- بلا سابقة إحسان منهم إليه بل بمحض منه وكرمه ثم قبول تلك الخيرات منهم - من غير حاجة إليها -، بل ليثيبهم عليها بعدله ورحمته، الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف أو يزيد ﴿وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [١] . ومن أجل تلك النعم وأبعدها أثراً في حياة المجتمع المسلم- والتي يجب أن تذكر فتشكر- جعله تعالى المال- وهو العرض الزائل- وسيلة من أهم الوسائل التي يتقرب بها إليه، ويتوصل بها إلى محبته ورضاه، قال تعالى: ﴿لن لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلا دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ﴾ [٢] .. الآية. كما أنه إلى جانب ذلك: يعتبر من الروابط القوية والدعامات الراسخة التي تصلح لقيام المجتمع المسلم المتكافل المتراحم الذي يسع غنيه فقيره، من غير شعور بالمنة أو رغبة في الاستعلاء، لأن ما يدفعه إليه حق ثابت مقدر في ماله قال تعالى: ﴿وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ﴾ [٣] . ومن أهم عناصر التكافل الاجتماعي بين المسلمين: ما شرعه الله من النسك في موسم الحج، حيث أوجب على طوائف من الحجيج، تقديم أنواع من النعم: إبلاً أو بقراً أو غنماً- لأسباب متعددة: نذكر أهمها مع أدلتها من الكتاب والسنة فيما يلي: ١- التمتع بالعمرة إلى الحج، وذلك بأن يقصد العمرة ثم بعد أن يتحلل منها يحرم بالحج بحيث تقع كل من العمرة والحج في أشهر الحج. قال تعالى: ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْي﴾ [٤] .

стр. 7543

٢- القران: بأن يجمع بين الحج والعمرة في إحرام واحد أو يدخل الحج على العمرة قبل إتمامها. وذلك لما رواه أنس بن مالك ﵁ قال: "خرجنا مع رسول الله ﷺ إلى مكة فسمعته يقول:"لبيك عمرة وحجة ". قال السندي في حاشيته على سنن ابن ماجه: عقب ذكر الحديث السابق: "هذا من أقوى الأدلة على أنه ﷺ كان قارناً.. وهو ما عليه المحققون من العلماء " [٥] . ومعلوم أنه ﷺ ساق معه في حجة الوداع مائة بدنة نحر منها ثلاثاً وستين بيده الشريفة ووكل عليّاً في نحر باقيها [٦] . ٣- الاحصار وهو عدم التمكن من إتمام ما قصده المسلم من حج أو عمرة بسبب تربص عدو، أو مرض ألم به أو غير ذلك: قال تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْي﴾ الآية [٧] . ٤- أن يصاب الحجج بمرض أو أذى برأسه فيضطر إلى لبس المخيط أو حلق شعره مما ينافي مع الإحرام.. فإن ذلك يوجب عليه الفدية قال تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ بِهِ أَذىً مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُك﴾ [٨] . ٥- قتل المحرم لشيء من الحيوانات والطيور البرية.. قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّداً فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ هَدْياً بَالِغَ الْكَعْبَةِ أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَاماً﴾ [٩] .

стр. 7544

وسيتثنى من ذلك ما ورد الترخيص بقتله في الحل والحرم فقد روى عروة عن عائشة ﵂ قالت: "أمر رسول الله ﷺ بقتل خمس فواسق في الحل والحرم: الحدأة والغراب والفأرة والعقرب والكلب العقور" وفي رواية "الكلب الأسود" [١٠] . كما يستثنى أيضاً قتل الحية إذ ورد الترخيص بقتلها في الحديث الصحيح [١١] . فمن قتل شيئاً مما وردت الرخصة بقتله فلا جزاء عليه. ٦- إفساد الحج أو العمرة بحدوث مناف لهما قبل إتمام أركانهما، جاء في الموطأ عن مالك ﵀، أنه بلغه "أن عمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب وأبا هريرة رضي الله تعالى عنهم، سألوا عن رجل أصاب أهله وهو محرم بالحج: فقالوا: ينقذان يمضيان لوجههما حتى يقضيا حجهما ثم عليهما حج قابل والهدي.." [١٢] . ٧- من فاته الوقوف بعرفة بسبب خطأ في الحساب: جاء في الموطأ عن مالك عن نافع عن سليمان بن يسار:"أن هبار بن الأسود جاء يوم النحر وعمر بن الخطاب ينحر هديه، فقال: يا أمير المؤمنين: أخطأنا العدة، كنا نرى أن هذا اليوم يوم عرفة. فقال عمر: اذهب إلى مكة فطف أنت ومن معك وانحر هدياً إن كان معكم ثم احلقوا أو قصروا وارجعوا فإذا كان عام كامل فحجوا واهدوا فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجع " [١٣] . ويعطى هذا الحكم من تعطلت به سيارته أو ضلت راحلته لما رواه مالك أيضاً عن يحي بن سعيد أنه قال: أخبرني سليمان بن يسار:"أن أبا أيوب الأنصاري خرج حاجاً حتى إذا كان بالتازية من طريق مكة أضل رواحله، وإنه قدم على عمر بن الخطاب يوم النحر فذكر ذلك له فقال عمر: اصنع كما يصنع المعتمر ثم قد حللت فإذا أدركك الحج قابلاً فاحجج واهد ما استيسر من الهدي" [١٤] . هذه هي أسباب الدماء في الحج إجمالاً كما وردت بها نصوص الكتاب والسنة وهناك أسبب أخرى: منها هدي التطوع ونذر المساكين [١٥] . بم يثبت الهدى:

стр. 7545

يثبت الهدي في جميع الحالات السابقة بمعرفة الحاج أو المعتمر ما وقع منه بلا حاجة إلى شهود أو حاكم، هذا إذا كان من أهل الفقه في الدين وإن لم يكن كذلك فيجب عليه أن يرجع إلى أهل العلم بذلك ويعمل بمقتضى ما يشيرون به عليه. (وهنا تجدر بنا الإشارة إلى ما يقع على عاتق المؤسسات العلمية والهيئات الدينية من واجب نحو نشر الوعي الدين المتعلق بأحكام الحج عن طريق وسائل الإعلام المختلفة من مسموعة ومقروءة ومرئية طوال موسم الحج وعن طريق عقد الندوات وإلقاء المحاضرات وتوزيع الكتيبات الصغيرة التي تحتوي على أهم أحكام الحج بأسلوب مبسط يفهمه كل من يعرف القراءة والكتابة) . ويستثنى مما سبق ثبوت الهدى في جزاء الصيد فإنه لا بد فيه من حكمين عدلين فقيهين في أحكام الحج. قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّداً فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ هَدْياً بَالِغَ الْكَعْبَةِ أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَاماً﴾ الآية [١٦] . ولعل الحكمة في هذا الاستثناء: أن قتل الصيد من الجنايات الظاهرة والتي غالباً ما يراها غير القاتل، يستطيع أن يقدر الشيء المقتول حق قدره بخلاف بقية المخالفات فهي غالباً لا يطلع عليها إلى الشخص نفسه لذلك وكل الإثبات إليه. والله أعلم. وهناك أمر آخر، وهو أن الهدى المحكوم به في جزاء الصيد يختلف باختلاف الحيوان المقتول لذلك وجب أن يحكون الحكم فيه بالعدلين ليستطيعا إجراء المماثلة المطلوبة بين الحيوان المقتول والحيوان المجزى به.

стр. 7546

ومن أطرف ما يروى في هذا الموضوع ما ذكره الأمام مالك في الموطأ بسنده.. إلى محمد بن سيرين:"أن رجلاً جاء إلى عمر بن الخطاب فقال: إني أجريت أنا وصاحب لي فرسين نستبق إلى ثغرة ثنية فأصبنا ظبياً ونحن محرمان فما ترى؟ فقال عمر لرجل إلى جنبه: تعال حتى أحكم أنا وأنت قال: فحكما عليه بعنز. فولى الرجل وهو يقول: هذا أمير المؤمنين لا يستطيع أن يحكم في ظبي حتى دعا رجلاً يحكم معه. فسمع عمر قول الرجل فدعاه فسأله: هل تقرأ سورة المائدة؟ قال: لا، فقال: لو أخبرتني أنك تقرأ سورة المائدة لأوجعتك ضرباً. ثم قال: إن الله ﵎ يقول في كتابه: ﴿يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ هَدْياً بَالِغَ الْكَعْبَةِ﴾ وهذا عبد الرحمن ابن عوف" [١٧] يشير عمر ﵁ إلى الرجل الذي اشترك معه في الحكم. مكان النحر وزمانه: قال تعالى في شأن المكان الذي يجب أن تنتهي إليه الهدايا ﴿ثُمَّ مَحِلُّهَا إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ [١٨] . وقال عز من قائل المكان الذي يجب أن ينتهي إليه جزاء الصيد ﴿هَدْياً بَالِغَ الْكَعْبَةِ﴾ . فصارت الآية الأولى أصلاً في كل هدي. والثانية أصلاً في كل دم وجب كفارة. وقد جاءت السنة فأوضحت ما أجملته الآيتان السابقتان: فقد ورد في صحيح البخاري عن نافع ﵀ "أن ابن عمر ﵄ كان يبعث بهديه من جمع من آخر الليل حتى يدخل به منحر النبي ﷺ مع حجاج فيهم الحر والمملوك " [١٩] . وفي سنن ابن ماجه عن جابر ﵁ قال: "قال رسول الله ﷺ : منى كلها منحر وكل فجاج مكة طريق ومنحر.." [٢٠] .. وفي الموطأ: أن رسول الله ﷺ قال بمنى: "هذا المنحر وكل منى منحر" وقال في العمرة: "هذا المنحر" يعنى: المروة وكل فجاج مكة وطرقها منحر" [٢١] . يتضح من هذا النصوص مجتمعة عدة أمور:

стр. 7547

الأول: أن النحر يختص بالحرم ولا يجزىء إذا تم خارجه سواء في نسك الحج أو العمرة. ويستثنى من ذلك الهدى للمحصر إذا كان إحصاره قبل الوصول إلى الحرم كما يستثنى أيضاً الهدي إذا عطب في الحل. فإن النحر في الحالين يتم في المكان الذي حدث به الاحصار أو العطب. الثاني: أن أي جزء من مكة أو من منى يصلح مكاناً للنحر سواء كان الهدي مسوقاً في الحج أو العمرة. الثالث: الأفضل أن يكون النحر في الهدايا التي تساق في الحج: بمنى. أما الهدايا التي تكون لمخالفة ارتكبها المحرم في أثناء أداء العمرة، فالأفضل أن تكون بمكة [٢٢] . ويرى بعض العلماء: أن هذا التخصيص واجب وليس فضيلة فقط [٢٣] . أما زمان النحر: فيبدأ من وقت طلوع الفجر من يوم النحر، وهذا على رأي بعض العلماء الذين تمسكوا بمدلول قوله تعالى: ﴿وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الأَنْعَام﴾ [٢٤] حيث أضاف سبحانه النحر المذكور عليه اسم الله إلى الأيام. واليوم يبدأ من طلوع الفجر على أحد القولين. والقول الآخر أنه يبدأ بطلوع الشمس [٢٥] . ويرى فريق آخر من العلماء أن وقت نحر الهدايا مثل وقت الأضاحي: أي أنه يبدأ بعد طلوع الشمس بمقدار وقت صلاة العيد وذلك لعموم حديث: ".. من ذبح قبل الصلاة فإنما يذبح لنفسه ومن ذبح بعد الصلاة فقد تم نسكه وأصاب سنة المسلمين " [٢٦] . والأخذ بالرأي الثاني: عمل بالأحوط: للخروج من الخلاف. وهناك عدة آراء في الوقت الذي يمتد إليه النحر، وأقواها رأيان؟

стр. 7548

الأول: أنه ينتهي بغروب الشمس من اليوم الرابع من أيام النحر وذلك لما رواه سليمان بن موسى عن جبير بن مطعم عن النبي ﷺ قال: "كل أيام التشريق ذبح " رواه أحمد وهو للدارقطني من حديث سليمان بن موسى عن عمرو بن دينار [٢٧] فهذا الحديث وإن أعله بعض العلماء بانقطاع سنده [٢٨] لكن روى من وجه آخر أنه ﷺ : قال: " كل منى منحر وكل أيام التشريق ذبح "والحديث المروي من وجهين مختلفين من شأنهما أن يقوي أحدهما الآخر كما أنه جاء من حديث أسامة بن زيد عن عطاء عن جابر. قال يعقوب بن سفيان: "أسامة بن زيد عند أهل المدينة ثقة مأمون " [٢٩] . وقد نقل ابن القيم عن علي بن أبي طالب ﵁ قوله: "أيام النحر: يوم الأضحى وثلاثة أيام بعده". ثم قال:"وهو مذهب إمام أهل البصرة: الحسن وإمام أهل مكة عطاء بن أبي رباح وإمام أهل الشام الأوزاعي وإمام فقهاء أهل الحديث الشافعي ﵀ واختاره ابن المنذر، ولأن الثلاثة تختص بكونها أيام منى وأيام الرمي وأيام التشريق ويحرم صيامها فهي أخوة في هذه الأحكام فكيف تفترق في جواز الذبح بغير نص ولا إجماع" [٣٠] . القول الثاني: ينتهي بغروب الشمس من اليوم الثالث من أيام النحر وبهذا قال مالك وأبو حنيفة والثوري وأحمد بن حنبل وروي ذلك عن أبي هريرة وأنس بن مالك ﵄ من غير اختلاف عنهما واستدل هذا الفريق بمدلول قوله تعالى: ﴿فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَات﴾ الآية. وهذا جمع قلة لكن المتيقن منه الثلاثة وما بعد الثلاثة غير متيقن فلا يعمل به [٣١] . وأقول: العمل بالأول: أيسر إذا يمنح الناس فرصة أوسع للحصول على الهدى لمن لم يكن لديه هدى- وللعثور على الجزار الذي يقول بالذبح بالإنابة لمن لم تكن لديه المعرفة به.

стр. 7549

قال ابن عبد البر:"ولا يصح عندي في هذا – إشارة إلى أقوال العلماء في نهاية النحر- إلا قولان: أحدهما: قول مالك والكوفيين والآخر: قول الشافعي والشاميين، وهذان القولان، مرويان عن الصحابة فلا معنى للاشتغال بما خالفهما.." هل يجزئ الذبح ليلاً: يرى بعض العلماء أن الذبح بالليل لا يجوز لقوله تعالى: ﴿وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ﴾ فذكر الأيام. وذكر الأيام دليل على أن الذبح في الليل لا يجوز. ويرى أكثر أهل العلم جوازه لأن الليالي داخلة في الأيام ونقول في هذين الرأيين. ما قلناه في المسألة السابقة. كيفية النحر المشروع: كان هديه ﷺ في إراقة الدماء: نحر الإبل قياماً مقيدة معقولة اليسرى على ثلاث وكان يسمي الله عند النحر ويكبر ويقول: لا إله إلا الله: اللهم منك ولك، وكان إذ ذبح البقر والغنم وضع قدمه على صفائحها ثم سمى وكبر. وكان ﷺ يذبح نسكه بيده وربما وكّل في بعضها كما ورد أنه ﷺ وكّل علياً ﵁ في ذبح ما بقي من المائة بدنة. ويسن في حق الأمة الإقتداء به ﷺ في الكيفية السابقة لكن إن ضعف إنسان أو تخوف أن تنفلت بدنته فلا بأس أن ينحرها معقولة وفي هذه الحالة يكون نحرها باركة أفضل له من أن تعرقب [٣٢] قوائمها. مصارف الدماء في المناسك: الأصل في هذا قوله تعالى: ﴿فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ﴾ [٣٣] . وقوله جل علاه: ﴿فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ﴾ [٣٤] . وقد تراق في المناسك هاتان الآيتان بجلاء عن المصارف التي ينبغي أن تتجه إليها الدماء التي تراق في المناسك أو بسببها، وقد انحصرت هذه المصارف إجمالاً في جهتين: الجهة الأولى: أكل صاحب النسك من نسكه. تأسياً برسول الله ﷺ .

стр. 7550

الجهة الأخرى: إطعام البائسين: من ذوي الفاقة والحاجة ... وسنحاول فيما يلي بيان الأحكام المتعلقة بكل جهة، ثم نعقب ذلك بالبحث عن الطريقة المثلي في كيفية وصول هذه الذبائح إلى مستحقيها الحقيقيين. مدى حق صاحب النسك في الأكل من نسكه: أقول بادئ ذي بدء: إن هناك اتفاقاً بين العلماء على أن الأمر بالأكل في الآيتين السابقتين ناسخ لما كان عليه أهل الجاهلية من الامتناع عن أكل شيء من نسكهم فأمر الله نبيه ﷺ وأمته، من خلال هاتين الآيتين بمخالفتهم وقد بدأ ﷺ تنفيذ هذا الأمر بنفسه حيث أمر- ﷺ من كل بدنة ببضعة فجعلت في قدر فطبخت فأكل من لحمها وشرب من مرقها [٣٥] . الدماء التي لا يجوز لصاحبها الأكل منها: ١- هدي التطوع الذي يعطب قبل وصوله إلى المحل الذي سيق إليه وهو البيت الحرام، لما رواه أبو قبيصة: ذؤيب بن حلحلة قال: " كان النبي ﷺ يبعث معه بالبدن ثم يقول: وإن عطب منها شيء فخشيت عليها موتاً فانحرها ثم اغمس نعلها في دمها ثم اضرب به صفحتها ولا تطعمها أنت ولا أحد من أهل رفقتك" رواه أحمد ومسلم وابن ماجه [٣٦] . فهذا الحديث واضح في إفادة عدم جواز أكل صاحب الهدي أو من يرافق سائق الهدي منه، إذا نحر أو ذبح قبل محله بسبب عطبه. وهل يمنع أيضاً إذا كان الهدي الذي عطب قبل محله هدي فرض كدم المتعة أو القران؟. يرى بعض العلماء: أن المنع عام: أي في التطوع والفرض لعموم حديث قبيصة وما ورد في معناه. إذ ليس فيه ما يشير إلى أن هذا الحكم خاص بهدي التطوع دون الفرض.

стр. 7551

ويرى فريق آخر: أن المنع خاص بهدى التطوع لأن الهدايا التي ورد بشأنها الحديث كانت للتطوع فيقتصر الحكم المستفاد منها على ما يماثلها. أما هدى الفرض وكذلك جزاء الصيد وفدية الأذى ونذر المساكين، فهو مضمون من صاحبه أي يلزمه بدله إذا عطب قبل محله لذلك يجوز له الأكل منه وأن يطعم الأغنياء والفقراء ومن أحب [٣٧] . وهذا هو المختار: لأن الهدايا التي ورد بشأنها حديث قبيصة وما في معناه لم تكن كلها للتطوع بل منها ما هو فرض لأنه ﷺ كان قارناً في أرجح الأقوال. ولأن صاحب الهدى العاطب لما أغرم بدله صار الحيوان العاطب كأن لم يخرج عن ملكه. وبناء عليه: فإنه يجوز له أن يتصرف فيه تصرف المالك في ملكه من الأكل أو إطعام الغير. إلا أنه منع من البيع منه لما فيه من معنى العبادة والله أعلم.. كما أن الظاهر من قوله: لا تطعمها أنت ولا أحد من رفقتك ليس خاصاً بصاحب الهدى وسائقه بل عموم الرفقة الذي يرافقون الهدايا سواء كانوا من أتباع صاحب الهدايا أو لا لظاهر النهي، ولأن الحكمة من هذا النهي هو سد الذريعة حتى يجتهد الرفقة في المحافظة على الهدايا ولا يتركوها حتى تشرف على العطب لعلمهم أنهم لن يستفيدوا منها شيئاً إذا أشرفت على العطب ونحروها، بل سيستفيد بها غيرهم من الناس. ٢- دماء النذر. فإذا نذر الحاج شيئاً للمساكين وعينه بلفظ أو نية بأنه قال بلسانه: هذا نذر للمساكين، أو نواه بقلبه، فلا يحل له تناول شيء منه وهو ما يشير إليه قوله تعالى: ﴿وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ﴾ [٣٨] ، إذ معنى الأمر بوفاء النذر: هو إخراجه كاملاً سواء كان هدياً أو غيره والأكل منه يتنافى مع الكمال المطلوب في وفاء النذر [٣٩] . ٣- جزاء الصيد لأن الله جعله للمساكين بقوله : ﴿أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ﴾ [٤٠] وهذا على قراءة طعام بكسر الميم على قراءة نافع [٤١] .

стр. 7552

ويستدل على هذا وما قبله أيضاً بما أخرجه البخاري عن عبيد الله ابن عمر العمري عن نافع ابن عمر انه قال: "لا يؤكل من جزاء الصيد والنذر ويؤكل مما سوى ذلك" [٤٢] . ٤- فدية الأذى: لأن المطلوب أن يأتي بها كاملة من غير نقص سواء كانت لحماً أو غيره [٤٣] . وقد روى سعيد بن منصور في سنته عن عطاء "لا يؤكل من جزاء الصيد ولا مما يجعل للمساكين من النذر غير ذلك ولا من الفدية ويؤكل مما سوى ذلك" [٤٤] . وإذا حدث تعد من صاحب الهدي فأكل من الهدايا التي منع من الأكل منها، فهل يغرم هدياً كاملاً، أو يغرم قيمة ما أكل، رجح ابن العربي القول الثاني، لأن النحر قد وقع، والتعدي إنما حدث على اللحم فقط فيغرم قدر ما تعدى [٤٥] . أما هدايا المتعة والقران والتطوع فيجوز لأصحابها الأكل منها لأنهما دماء نسك فهي بمنزلة الأضاحي، وقد أشرنا فيما سبق إلى أن رسول الله ﷺ أكل من لحمها وحسا من مرقها، كما أنها باقية على العموم المستفاد من قوله تعالى: ﴿وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُمْ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ﴾ [٤٦] . وكذلك الآثار المروية عن السلف فيما سبق تدل على بقاء حلها لأصحابها ودخولها في عموم الآية السابقة وقد جاء في آخرها ﴿فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ﴾ . حكم أكل صاحب الهدي من هديه: الأمر الموجه لصاحب الهدي بالأكل من هديه المستفاد من قوله تعالى: ﴿فَكُلُوا مِنْهَا﴾ الآية: هو للندب عند جمهور العلماء خلافاً لمن أوجب ذلك منهم، لظاهر قوله تعالى: ﴿فَكُلُوا مِنْهَا﴾ وأيضاً لظاهر قوله ﷺ "كلوا وتزودوا" [٤٧] . ويرد عليهم بأن أسلوب الأمر كما يأتي للطلب المقتضى للوجوب قد يأتي للندب بل قد يأتي للإباحة كقوله تعالى: ﴿وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا﴾ [٤٨] . ومعلوم أن الصيد بعد انتهاء الإحرام مباح وليس واجباً.

стр. 7553

قال ابن جرير الطبري: تعليقاً على الأمر بالأكل في قوله تعالى: " ﴿فَكُلُوا مِنْهَا﴾ وهذا الأمر من الله جل ثناؤه أمر إباحة لا أمر إيجاب وذلك أنه لا خلاف بين جميع الأئمة: أن ذابح هديه أو بدنته هنالك إن لم يأكل من هدية أو بدنته أنه لم يضيع له فرضاً كان واجباً عليه فكان معلوماً بذلك أنه غير واجب " [٤٩] . ثم نقل بسنده عن عطاء ومجاهد أنهما قالا:"إن الأكل رخصة إن شاء أكل وإن شاء لم يأكل، وهي كقوله تعالى: ﴿وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا﴾ . وقوله تعالى: ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الأَرْضِ﴾ " [٥٠] .. هل لصاحب الهدي، الذي يندب له الأكل من هدية مقدار معين يلتزم بأكله كثلث الهدي أو نصفه مثلاً بحيث لا يحوز له الزيادة عليه أو النقص منه؟. ليس هناك نص صريح من الكتاب أو السنة يلزم صاحب الهدي بأكل مقدار معين من هدية. أما ما قيل من أنه يأكل النصف ويتصدق بالنصف تمسكاً بظاهر قوله تعالى: ﴿فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ﴾ فإنه يرد عليه بأن هذه الآية أفادت أفضلية الجمع بين الأمرين: الأكل والإطعام بدون تحديد لمقدار ما يخص كل واحد منها. وهذا يقال أيضاً في الرد على من قال: يأكل الثلث ويهدي الثلث ويتصدق بالثلث لظاهر قوله تعالى: ﴿فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرّ﴾ . نعم يستحب له أن يجمع بين الثلاثة ولكن ليس بلازم، لأن هذا الالتزام يتعارض مع النصوص الصحيحة الواردة في هذا الموضوع فقد ورد أن الرسول ﵊ ضحى بشاة ثم قال: "يا ثوبان أصلح لي لحم هذه. قال فما زلت أطعمه منه حتى قدم المدينة ".. رواه أحمد ومسلم [٥١] . وقد سلفت الإشارة إلى أنه ﵊ أمر بأخذ جزء غير محدد من كل بدنة فطبخت له فأكل منها وشرب من مرقها., ومعلوم أن هذا الجزء كان يسيراً جداً بالنسبة لعدد البدن التي نحرت.

стр. 7554

كما ورد أيضاً أنه نحر هدياً وتركه نهبة للناس دون أن يأكل منه شيئاً؟ فقد ورد في حديث عبد الله بن قرط: "أن رسول الله ﷺ قال بعد أن نحر خمس أو ست بدنات..: "من شاء ليقتطع" [٥٢] . مدى حق الفقراء في الأكل من الهدايا: المراد بالبائس الفقير: في قوله تعالى: ﴿وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ﴾ : من واقع أقوال السلف رضي الله تعالى عنهم: نقل عن ابن عباس ﵄:"أنه الزمن الفقير" [٥٣] . وقال مجاهد:"البائس: الذي يمد إليك يديه " [٥٤] . وقال عكرمة:"البائس المضطر الذي عليه البؤس، والفقير المتعفف " [٥٥] . وقال ابن جرير:"البائس: هو الذي به ضر الجوع والزمانة والحاجة والفقير الذي لا شيء له" [٥٦] . فابن جرير ﵀:" لا يرى مانعاً من أن تكون هذه المعاني كلها مرادة من قوله تعالى: ﴿الْبَائِسَ﴾ كما يرى: أن البائس غير الفقير وإن كان مشتركاً معه في الحاجة، لكن مع وجود التفاوت في المدى بين المحتاجين فالزمن المحتاج أولى من غيره، والمتعفف أولى من السائل والذي أضربه الجوع أولى من غيره ممن لم تصل به الحاجة إلى ذلك وهكذا.." وعلى ذلك فينبغي أن يراعي هذا التفاوت الظاهر في مدى الحاجة من جهة صاحب الهدي، أو الذي يتولى الإطعام، أو تقسيم اللحم أو توزيعه، بحيث يعطي كلاً بقدر حاجته. وأما المراد بقوله تعالى: ﴿وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَر﴾ : فأكثر الأقوال على أن القانع: هو السائل. والمعتر الذي يأتيك معتراً بك يعنى عارضاً لك نفسه- لتعطيه وتطعمه [٥٧] . والوصفان وإن كانا يشتركان في وصف الحاجة لكن ينبغي أن يراعي حال كل منهما بحيث يعطى قدر حاجته. هو لحوم الهدايا من حق فقراء عامة المسلمين في كل أرض؟ هل المراد بالمحتاجين في الآيتين: هم محتاجو الحرم خاصة أم هم المحتاجون من عامة المسلمين في جميع أمصارهم؟

стр. 7555

يرى الحنابلة: أن الهدايا توزع على المساكين من أهل الحرم خاصة والمراد بأهل الحرم هنا: كل من كان بالحرم وقت الذبح سواء كان مقيماً به أم لا [٥٨] . ولم أجد أحداً غيرهم من الفقهاء قد خص أهل الحرم بالهدايا دون بقية المسلمين. بل ظاهر النصوص يفيد العموم. دون تفرقة بين مساكين الحرم وغيرهم. من ذلك ما يلي: ١- جاء في حديث عبد الله بن أرقط المتقدم وفيه "من شاء اقتطع". ٢- ما جاء في حديث ناجية الخزاعي وكان صاحب بدن رسول الله ﷺ . قال: "قلت: كيف أصنع بما عطب من البدن قال: انحره واغمس نعله في دمه واضرب صفحته [٥٩] وخل بين الناس وبينه فليأكلوه.." رواه الخمسة إلا النسائي [٦٠] . ومعلوم أن العطب قد يكون بالحرم وقد يكون في الحل، وفيه إباحة لكل موجود في ذلك الموضع أن يأكل منه. ٣- جاء في حديث عمرة الحديبية والصلح: "أن النبي ﷺ لما فرغ من قضية الكتاب قال لأصحابه: قوموا فانحروا ثم احلقوا.." رواه أحمد والبخاري وأبو داود [٦١] قال الإمام البخاري في صحيحه: "والحديبية خارج من الحرم " [٦٢] . هذه الأحاديث وما ورد في معناها، بالإضافة إلى صيغة العموم المستفادة من الآيتين في قوله تعالى: ﴿وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ﴾ وقوله عز شأنه: ﴿وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرّ﴾ كلها تفيد: أن الهدايا ليست قاصرة على مساكين الحرم وحدهم بل هي من حق المساكين من عامة المسلمين سواء كانوا في الحرم أو خارجه. نعم: أهل الحرم إن كانوا في حاجة إليها فهم أولى من غيرهم ممن هم خارج الحرم. وحتى على رأى من يرى أنها خاصة بأهل الحرم فإنها تتعداهم إلى غيرهم إذا عدم المستحقون لها داخل الحرم.

стр. 7556

وإذا كانت النصوص من الكتاب والسنة تفيد أن هذه اللحوم من حق فقراء المسلمين، في كل أرض، فإن الواقع اليوم يحتم علينا العمل بموجب هذه النصوص بحيث تصل هذه المستحقات إلى أصحابها الحقيقيين ممن هم في حاجة إليها فعلاً. وأنه يجب على الحكومات الإسلامية أن تتعاون مع المسئولين في المملكة العربية السعودية في البحث عن الطريقة المثلى التي يمكن سلوكها لتوصيل هذه الحقوق إلى مستحقيها. إن تحقيق هذا الأمر لم يكن ملحاً وعاجلاً في يوم من الأيام منذ أن فرض الله الحج على الناس، مثل ما هو ملح وعاجل اليوم وذلك بسبب الظروف الطارئة الآتية: ١- ازدياد عدد المسلمين الذين يؤدون فريضة الحج أو العمرة كل عام في السنوات الأخيرة زيادة كبيرة، مما أدى إلى زيادة الذبائح التي تذبح كل عام بكميات تفوق كثيراً حاجة الحجيج في أيام التشريق. ٢- التطور الكبير الذي حدث في وسائل المواصلات في العصر الحديث أدى إلى اختصار الوقت الذي كان يقضيه الحجاج في الأماكن المقدسة وبالتالي قلت حاجتهم إلى التزود مما يذبح في أيام التشريق. ٣- ارتفاع نفقات الحج والعمرة في السنوات الأخيرة - تبعاً لموجات التضخم العالمي - أدى إلى احتجاب الفقراء نسبياً - عن أداء هذه الشعائر وكان هذا العنصر يكاد يعتمد اعتماداً كلياً على ما يتزود به من لحوم أيام التشريق، في إعاشته حتى يقضي بقية أيامه في مكة وبهذا السبب نفسه صار الأداء لهذه الشعائر قاصراً على الطبقات القادرة وهذه لديها إمكانات الإعاشة التي تعتمد عليها أثناء إقامتها في موسم الحج مما يجعلها لا تفكر في الاستفادة بلحوم الهدايا التي تتوفر في المجازر أيام التشريق. ٤- تعاون بعض الحكومات الإسلامية مع حجاجها في تحمل بعض النفقات وتنظيمها لإقامتهم وتوفيرها لوسائل إعاشتهم مسبقاً، أدى إلى انصراف تفكير كثير من الأفراد عن الذهاب إلى المجازر وحمل بعض لحوم الهدايا منها.

стр. 7557

٥- يضاف إلى هذه الأسباب سبب هام كان له أثر كبير في ظهور هذه المشكلة وتفاقمها في السنوات الأخيرة. هذا السبب هو تحسن الأحوال الاقتصادية في المملكة العربية السعودية تحسناً كبيراً في السنوات الأخيرة، مما أدى إلى زيادة دخول الأفراد فيها زيادة كبيرة جعلتهم لا يقبلون على الاستفادة مما يذبح في المناسك كما كان عليه الحال من قبل. هذه الأسباب مجتمعة - إلى جانب بعض أساب أخرى أقل أهمية أدت إلى كثرة ما ينحر في المناسك في الوقت الذي ضاقت فيه أوجه تصريفها نظراً لانصراف الأفراد عنها من جهة ولقلة وجود مستحقين بالقرب منها من جهة أخرى. الحل: سنحاول فيما يلي البحث عن أفضل الطرق لاستفادة المسلمين بهذه الثروة الحيوانية تجنب الأخطار المترتبة على استمرار الوضع الحالي: عن طريق عرض بعض الأفكار التي لها أصل في الدين وارتباط بمصلحة المسلمين. البدائل الثلاث: الفكرة الأولى. أو البديل الأول: هل يمكن الاستعاضة عن ذبحها في الحرم: بدفع قيمتها نقداً لجهة معينة تتخصص لهذا الغرض ثم بعد نهاية الموسم ترسل هذه المبالغ إلى الجهات التي تكون في حاجة ماسة إليها من جهات المسلمين. توزع عليهم نقداً أو يعمل لها مشروعات خيرية علاجية أو تعليمية. وهذه الفكرة وإن لم تكن لها أصل في باب الهدايا لكن يمكن قياسها على الزكاة حينما لا يوجد لها مستحقون في موضع الوجوب فيرى كثير من الفقهاء أنه يمكن الاستعاضة بالقيمة وترسل هذه القيمة إلى الجهات التي تكون في حاجة إليها وقد استند هذا الفريق لما أخرجه البخاري عن طريق طاووس:"قال معاذ ﵁ لأهل اليمن: ائتوني بقرض: ثياب خميص أو لبيس في الصدقة مكان الشعير والذرة: أهون عليكم وخير لأصحاب النبي ﷺ بالمدينة " [٦٣] .

стр. 7558

ولما أخرجه البخاري أيضاً بسنده عن ثمامة أن أنساً ﵁ حدثه أن أبا بكر ﵁ كتب له:"التي أمر الله رسوله ﷺ : ومن بلغت صدقته بنت مخاض وليست عنده، وعنده بنت لبون فإنها تقبل منه ويعطيه المصدق عشرين درهماً أو شاتين، فإن لم يكن عنده بنت مخاض على وجهها وعنده ابن لبون فإنه يقبل منه وليس معه شيء " [٦٤] . الفكرة الثانية: أو البديل الثاني: أن تذبح الهدايا في مواضعها التي شرعت للذبح فيها ثم تباع هذه الذبائح عن طريق هيئة خاصة تتولى تسويقها ثم بعد انتهاء الموسم ترسل هذه المبالغ إلى الجهات التي تكون في حاجة ماسة إليها من جهات المسلمين. وقد أجاز عدد من الفقهاء كالإمام الأوزاعي والإمام أحمد وإسحاق وأبو ثور:"بيع جلود النعم وجلالها التي تذبح في الهدايا وهو وجه عند الشافعية، وقالوا: تصرف الثمن في مصرف الأضحية " [٦٥] . أي أن مبدأ البيع نفسه وارد عند فقهاء الشريعة في وقت لم تكن هناك حاجة للبيع. أما الآن ووسط الظروف المحيطة بالموقف في منى وبحاجة المسلمين في الخارج فإن هذا المبدأ يجب أن يأخذ طريقه إلى البحث الجاد من قبل علماء الشريعة والقائمين على تنفيذها وأن يجدوا مجالاً للتوفيق بين بعض النصوص التي وردت في النهي عن البيع وبين هذا الموقف الذي يزداد خطورة عاماً بعد عام. الفكرة الثالثة: أو البديل الثالث: إنشاء مصنع لحفظ اللحوم وتعليبها ثم توزيعها على الجهات التي تكون في حاجة إليها. قد يثار إشكال: وهو أن هذا المصنع لن يعمل أكثر من ثلاثة أشهر ثم يتوقف عن العمل بقية السنة مما يعرض آلاته للتلف. أقول: إن بعض مصانع السكر في مصر تعمل مثل هذه المدة من السنة، وهناك مصانع تعمل أقل منها، ومصانع تعمل أكثر منها. وجميع هذه المصانع تتوقف بقية العام ولم يقل أحد: إن هذا المصانع قد تلفت أو معرضة للتلف.

стр. 7559

وعلى أي حال، يمكن حل هذا الإشكال- على فرض وجوده - وهو أن يعمل المصنع بعد انتهائه من حفظ وتعليب لحوم الهدايا، في حفظ وتعليب لحوم الحيوانات التي يمكن أن تستوردها الحكومة أو المؤسسات أو الأفراد بقية العام. وهذا المبدأ موجود في كثير من البلدان الأجنبية، وهو أن تقوم الدولة بإنشاء المصانع على أن تستورد خاماتها من الخارج وتصنعها، ثم تقوم بإعادة تصديرها إلى الخارج مواد مصنعة. وأقول في نهاية حديثي إن هذا الموقف يجب أن يعالج بسرعة وبحسم وأن تشترك في علاجه كل الحكومات الإسلامية مع المملكة العربية السعودية، لأن فائدته ستعم معظم بلاد المسلمين، كما أن أضراره ليست قاصرة على رعايا المملكة وحدهم. وأقول أيضاً: إن هذه الأفكار التي عرضتها ليست هي كل الحلول التي يمكن تنفيذها، بل هي مجرد نماذج يمكن وضعها على بساط البحث والمناقشة. ومن خلال ذلك سيتوصل العلماء إلى وضع حلول مناسبة. ترعى لهذه الأماكن قدسيتها ولهذه المشاعر تعظيمها ولفقراء المسلمين حاجتهم. والله ولي التوفيق.. د. أحمد علي طه ريان أستاذ مساعد بكلية الحديث الشريف والدراسات الإسلامية -------------------------------------------------------------------------------- [١] سورة البقرة من الآية رقم ٢٦١. [٢] سورة الحج من الآية ٣٧. [٣] سورة الذاريات. [٤] سورة البقرة من الآية رقم ١٩٦. [٥] حاشية السندى على سنن ابن ماجه جـ٢ ص ٢٢٦، ص ٢٢٧ الطبعة الثانية وانظر أيضاً سنن الدارمي جـ ٢ ص ٧٠ طبعة مصطفى الحلبي الأخيرة. [٦] فتح الباري جـ٤ ص ٣٠٣ وزاد المعاد جـ١ ص٢٢٩.

стр. 7560

[٧] سورة البقرة من الآية رقم ١٩٦. [٨] سورة البقرة من الآية ١٩٦. [٩] سورة المائدة الآية رقم ٩٥. [١٠] سنن الدارمي جـ٢ ص٣٦ والبخاري جـ٤ ص ٤٠٧ من فتح الباري. [١١] انظر صحيح البخاري ج٤ ص٤١٢ من فتح الباري. [١٢] الموطأ ج١ ص ٢٧٢. [١٣] المرجع السابق جـ١ ص٢٧٣. [١٤] الموطأ جـ١ ص٢٧٣. [١٥] ينظر في تفصيل الأشياء السابقة والأسباب الأخرى التي هي محل خلاف بين العلماء في المراجع الآتية: فتح القديرة للكمال بن الهمام جـ٣ من ص ٣ حتى ص ١٧٨ مطبعة مصطفى الحلبي بالقاهرة- وحاشية الدسوقي جـ٢ ص ٥٤ إلى ص٨٩ والمغني لابن قدامة جـ٣ ص٢٦٠ إلى ٣٣٠ مكتبة القاهرة. [١٦] سورة المائدة من الآية رقم ٩٥. [١٧] الموطأ جـ١ ص ٢٨٧، ص٢٨٨. [١٨] سورة الحج الآية ٣٣. [١٩] صحيح البخاري جـ٢ ص٢٠٠ طبعة صبيح- القاهرة. [٢٠] جـ٢ ص٢٣٦. [٢١] جـ١ ص٢٧٨ طبعة مصطفى الحلبي الأخيرة والإشارة في قوله ﵊ بمنى "هذا المنحر ": إيماء إلى المكان الذي اتخذه ﷺ منحراً لهداياه في حجة الوداع: وهو عند الجمرة الأولى التي تلي مسجد منى. انظر نيل الأوطار جـ٥ ص٦٩. [٢٢] فتح القدير جـ٣ ص١٦٣. زاد المعاد جـ١ ص٢٤٦. القرطبي جـ١٢ ص٦٣ طبعة دار الكتب المصرية. [٢٣] حاشية الدسوقي جـ٢ ص٨٦. [٢٤] سورة الحج من الآية رقم ٢٨. [٢٥] تفسير القرطبي جـ١٢ ص٦٣ والموطأ جـ١ ص٢٧٨. [٢٦] نيل الأوطار جـ٥ ص١٤٠. [٢٧] نيل الأوطار جـ٥ ص١٤٢. [٢٨] زاد المعاد جـ١ ص ٢٤٦. [٢٩] نيل الأوطار جـ٥ ص١٤٢. [٣٠] زاد المعاد جـ١ ص٢٤٦. [٣١] تفسير القرطبي جـ١٢ ص ٤٣. [٣٢] الجامع لأحكام القرآن جـ١٢ ص٦٣. [٣٣] سورة الحج من الآية رقم ٢٨. [٣٤] سورة الحج من الآية رقم: ٣٦. [٣٥] نيل الأوطار جـ٥ ص١١٩. [٣٦] المرجع السابق جـ٥ ص١١٨.

стр. 7561

[٣٧] انظر نيل الأوطار جـ٥ص١١٩. وتفسير القرطبي جـ١٢ ص٤٥. [٣٨] سورة الحج من الآية رقم ٢٩. [٣٩] تفسر القرطبي جـ١٢ ص٤٥. [٤٠] سورة المائدة الآية ٩٥. [٤١] تفسير القرطبي جـ١٢ ص ٤٦. [٤٢] انظر فتح الباري جـ٤ ص٣٠٥. [٤٣] تفسير القرطبي جـ١٢ ص٤٥. [٤٤] انظر فتح الباري جـ٤ ص ٣٠٥. [٤٥] تفسير القرطبى جـ١٢ ص ٣٠٥. [٤٦] سورة الحج الآية رقم ٣٦. [٤٧] نيل الأوطار جـ٥ ص ١٤٤. [٤٨] سورة المائدة رقم ٢. [٤٩] جامع البيان في تفسير القرآن للطبري جـ١٧ ص ١٠٩ دار المعرفة- بيروت- لبنان. [٥٠] سورة الجمعة الآية رقم ١٠. [٥١] نيل الأوطار جـ٥ ص١١٤. [٥٢] نيل الأوطار جـ٥ ص١١٤. [٥٣] جامع البيان جـ١٧ت ص١٠٩. [٥٤] المرجع السابق. [٥٥] المرجع السابق. [٥٦] المرجع السابق جـ ١٧ ص ١٢١. [٥٧] المرجع السابق. [٥٨] المغني جـ٣ ص٣٨٥. [٥٩] أي صفحة سنامه ليعلم أنه هدى. [٦٠] نيل الأوطار جـ٥ ص١١٨. [٦١] المرجع السابق. [٦٢] جـ٣ ص١١ طبعة صبيح. [٦٣] فتح الباري جـ٤ ص٥٤ والخميص ثوب طوله خمسة أذرع. [٦٤] المرجع السابق جـ٤ص٥٥. [٦٥] نيل الأوطار جـ٥ ص١٤٧.

стр. 7562

تأملات في فريضة الحج بقلم محمد السيد الوكيل مدرس التاريخ الإسلامي بكلية الحديث والدراسات الإسلامية الحج هو الفريضة الخامسة من فرائض الإسلام، والركن الذي يجمع خصائص الأركان كلها، فهو يجتمع مع الصلاة في الإعراض عن الدنيا والترفع عن اللغو، والصلة الدائمة بالله عز جل.. ويشارك الصيام في الخشية والتقوى والمساواة، ويأخذ من الزكاة البذل والتضحية والإنفاق، فهو إذن عبادة روحية وجسمية ومالية، وهو فوق هذا مؤتمر عام، ومعسكر سنوي، ورياضة روحية.. هو مؤتمر عام لأن جميع طبقات المسلمين ممثلة فيه، بعد أن تزال الفوارق بين هذه الطبقات، حيث المساواة في الزي والمسكن والمناخ والتقارب في المطعم والمشرب. وهو معسكر سنوي لأنه يعلم المسلمين الجندية الصادقة، فالحج يعلم المسلمين طاعة القيادة، وخفة الحركة، وإقامة المخيمات والانتقال بها من مكان إلى مكان في ساعات معدودات، ومنه يتعلمون الصبر على المشقات. وهو رياضة روحية، لأنه يطلق الروح ويكبل الجسد ويكبح الشهوة ويحرم كثيراً مما كان حلالاً قبل الإحرام للإنسان. ولأجل أن نقف على هذه الحقيقة ونستجلى معانيها يجب أن نعيش مع هذه الأيام التي يقضيها الحجاج عند أداء الفريضة. اليوم الأول: وهو يوم التروية - اليوم الثامن من ذي الحجة - وفيه يتجرد الحاج من ملابسه، ويرتدي إزاراً ورداءً هما أشبه بالكفن منهما بملابس الإنسان وفي هذا إعلان صريح باطراح مظاهر الحياة ومباهجها، وإعراض عن متاعها وزخارفها، وتذكير بيوم لا بد للإنسان أن يلاقيه. هذه الجموع الغفيرة تقبل على الله بكل جهدها، ولسان حالها يقول: ﴿وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَى﴾ ولسان مقالها يترجم هذا المعنى فيقول:"لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك، لا شريك لك ".

стр. 7563

إن الله- قد دعاهم إلى ضيافته، فنبذوا الدنيا وراء ظهورهم وجعلوها دبر آذانهم، وأسرعوا متلهفين يرجون رحمته ويخافون عذابه. اليوم الثاني: وهو يوم عرفات يقف الجميع بهذا الزي، الملك والسوقة، والغني والفقير يأبى الله أن يكونوا في هذا الموقف إلا على هذا النحو، لأن الله- لا يمنح رحمته ورضوانه إلا لمن استجاب نداءه، واتقى شح نفسه، وجعل الدنيا وسيلة للغاية الكبرى يوم يلقى الله. وعلى عرفات يقف الحجاج جميعاً، ولابد أن يتواجدوا في وقت واحد يبتهلون خاشعين، ويمدون أكف الضراعة متذللين، تنبح الحناجر ملحة في الدعاء، وتفيض العيون بالدمع خشية الفضيحة يوم اللقاء، وفي هذه اللحظات ينخلع الإنسان تماماً من الدنيا، ويتعلق قلبه بالملأ الأعلى ويتجلى الله على أهل الموقف، ويباهي بهم ملائكته فيقول: "انظروا إلى عبادي أتوني شعثاً غبراً ضاحين من كل فج عميق، أشهدكم أني قد غفرت لهم، فتقول الملائكة إن فيهم فلاناً مرهقاً وفلاناً، فيقول الله- قد غفرت لهم" [١] . ولا يزال أهل عرفات في دعاء وابتهال، وتضرع وسؤال، يحلقون بأرواحهم في ملكوت السماء، ويحيون قلوبهم بالذكر والدعاء، وحتى إذا أوشكت الشمس على المغيب، وأخذ النهار يتوارى خلف الكثبان التي بللتها دموع الأوابين ووفق الليل بالأعتاب يدق بظلامه الرهيب أغلال الأبواب، ومؤذناً بالنفرة العظمى عندئذ تطوى الخيام، وترفع أدوات الشراب والطعام، ويثب الحجاج إلى السيارات في خفة نادرة وسرعة باهرة فإذا اختفت الشمس تماماً عن الأنظار، كان ذلك إيذاناً بالمغادرة فيتحرك هذا الجمع الغفير ليضرب في الأرض ويقضي ليله في جمع.

стр. 7564

لله ما أبرع تلك الحركة العسكرية الرائعة هذه الآلاف المؤلفة من البشر تتحرك في ساعة واحدة، وتنتقل من مكان إلى مكان في ساعات. أرأيت مدينة بأكملها تنتقل في لحظات؟ أرأيت جيشاً يقارب المليون يؤدي هذه الحركة البارعة في ساعات؟؟.. إنه الحج المعسكر السنوي للمسلمين، ولله ما تحمل القوم من المشقات كم عانوا من لفح الشمس المحرقة وكم لاقوا من نصب الخيام وطيها، وتحميلها وتنزيلها، ولو رأيت الحافلات، وهي تتزاحم في الطرقات المحيطة بالحبال الشاهقة، وتكاد تلتحم حتى ترى كأنها خيط مد على سمت واحد إنك لتعجز أن تجد في الطرقات مع تعددها واتساعها موضع قدم وهناً تتلاحق أنفاس الحجاج، وتجف حلوقهم، وتيبس ألسنتهم ويجدون من العنت والإرهاق ما لم يخطر لهم على بال، حتى ليخيل إلى من يراهم على تلك الحال أنه لن يعود أحد منهم إلى الحج مرة ثانية. كل ذلك وهم صابرون محتسبون، يطمعون في الأجر العظيم من الرب الرحيم، ولم تلبث الشهور تنطوي، والأيام أن تنقضي، وتعود على المسلمين أيام الحج بنفحاتها وخيراتها، حتى تجد أشد الناس تلهفاً على الحج هم حجاج السنوات الماضية. لقد نسوا كل هذه المشقات، وأحسوا أن شيئاً خفياً يلح عليهم من داخل نفوسهم، أن هيئوا وشدوا رحالكم لتسعدوا بنفحات ربكم. حول الكعبة، وعلى عرفات، وعند المشعر الحرام وأمام الجمرات. أنهم يحسون أن الدوافع قوية، لا يستطيعون مقاومتها، ويشعرون أن الرغبة ملحة لا قبل لهم بالتخلص منها، ويعرض لهم الشيطان، فيذكرهم بما سيبذلون من جهد ومال، وما سيتحملون من مشقة وعنت، ولكن ذلك لا يضعف الدوافع، ولا يطفىء إلحاح الرغبة.

стр. 7565

نعم، ما المال؟ ما الجهد؟ ما الأولاد؟ وما الأهل؟؟ إن هذا كله لا يساوي لحظة ينعم فيها الإنسان برحمة الله، فيشعر بنشوة القرب، ويحظى بلذة الأنس، إنهم ليذكرون هذه اللحظات المباركات التي يتجلى فيها الله على أهل عرفات فينسون كل المشقات ويقبلون على الله مضحين بكل غال ونفيس. وبعد النفرة العظمى، وبعد هذا العناء المتواصل، يصل الحجيج إلى مزدلفة، فيصلون المغرب والعشاء جمع تأخير بأذان واحد وإقامتين، ثم ينامون ولم يكن هذا النوم المبكر إلا استعداداً لاستيقاظ مبكر وتأهباً لتحمل أعباء اليوم الثالث، وتلك سنة أبي القاسم- ﷺ فلم يرو عنه أنه أحيا ليلة المزدلفة، روى جابر بن عبد الله- ﵄ أنه ﷺ لما أتى المزدلفة صلى المغرب والعشاء، ثم اضطجع حتى طلع الفجر، فصلى الفجر، ثم ركب القصواء حتى أتى المشعر الحرام، ولم يزل واقفاً حتى أسفر جداً، ثم دفع قبل طلوع الشمس [٢] . اليوم الثالث: وهو يوم الحج الأكبر- يوم النحر [٣]- ويبدؤه الحجاج بالوقوف عند المشعر الحرام، وهناك تسكب العبرات، وتزداد الحسرات، وترفع إلى الله أكف الضراعة، وتلهج الألسن بالذكر والطاعة، تلبية لأمر الله ﴿فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ﴾ [٤] . ومن هناك ينطلق الركب قاصدين جمرة العقبة بمنى، فيرمونها بسبع حصيات، وهذا الرمي رمز لانتصار الخير على الشر، وتأصل للفطرة على النحو الذي فطرها الله عليه، أليس الرمي إرغاماً للشيطان وطاعة للرحمن؟. ثم يذبحون هديهم شكراً لله على فضله، وجزيل نعمه، وفي ذبح الهدي وقاية من الشح، وتمرد على البخل، وإعلان للطاعة المطلقة ﴿لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلا دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ﴾ [٥] .
следующие страницы →