← Джавами‘

Джавами‘ · id 4473

مجلة الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (23 804 стр.). Показаны 7561–7600 · переход к 7566.

стр. 7561

[٣٧] انظر نيل الأوطار جـ٥ص١١٩. وتفسير القرطبي جـ١٢ ص٤٥. [٣٨] سورة الحج من الآية رقم ٢٩. [٣٩] تفسر القرطبي جـ١٢ ص٤٥. [٤٠] سورة المائدة الآية ٩٥. [٤١] تفسير القرطبي جـ١٢ ص ٤٦. [٤٢] انظر فتح الباري جـ٤ ص٣٠٥. [٤٣] تفسير القرطبي جـ١٢ ص٤٥. [٤٤] انظر فتح الباري جـ٤ ص ٣٠٥. [٤٥] تفسير القرطبى جـ١٢ ص ٣٠٥. [٤٦] سورة الحج الآية رقم ٣٦. [٤٧] نيل الأوطار جـ٥ ص ١٤٤. [٤٨] سورة المائدة رقم ٢. [٤٩] جامع البيان في تفسير القرآن للطبري جـ١٧ ص ١٠٩ دار المعرفة- بيروت- لبنان. [٥٠] سورة الجمعة الآية رقم ١٠. [٥١] نيل الأوطار جـ٥ ص١١٤. [٥٢] نيل الأوطار جـ٥ ص١١٤. [٥٣] جامع البيان جـ١٧ت ص١٠٩. [٥٤] المرجع السابق. [٥٥] المرجع السابق. [٥٦] المرجع السابق جـ ١٧ ص ١٢١. [٥٧] المرجع السابق. [٥٨] المغني جـ٣ ص٣٨٥. [٥٩] أي صفحة سنامه ليعلم أنه هدى. [٦٠] نيل الأوطار جـ٥ ص١١٨. [٦١] المرجع السابق. [٦٢] جـ٣ ص١١ طبعة صبيح. [٦٣] فتح الباري جـ٤ ص٥٤ والخميص ثوب طوله خمسة أذرع. [٦٤] المرجع السابق جـ٤ص٥٥. [٦٥] نيل الأوطار جـ٥ ص١٤٧.

стр. 7562

تأملات في فريضة الحج بقلم محمد السيد الوكيل مدرس التاريخ الإسلامي بكلية الحديث والدراسات الإسلامية الحج هو الفريضة الخامسة من فرائض الإسلام، والركن الذي يجمع خصائص الأركان كلها، فهو يجتمع مع الصلاة في الإعراض عن الدنيا والترفع عن اللغو، والصلة الدائمة بالله عز جل.. ويشارك الصيام في الخشية والتقوى والمساواة، ويأخذ من الزكاة البذل والتضحية والإنفاق، فهو إذن عبادة روحية وجسمية ومالية، وهو فوق هذا مؤتمر عام، ومعسكر سنوي، ورياضة روحية.. هو مؤتمر عام لأن جميع طبقات المسلمين ممثلة فيه، بعد أن تزال الفوارق بين هذه الطبقات، حيث المساواة في الزي والمسكن والمناخ والتقارب في المطعم والمشرب. وهو معسكر سنوي لأنه يعلم المسلمين الجندية الصادقة، فالحج يعلم المسلمين طاعة القيادة، وخفة الحركة، وإقامة المخيمات والانتقال بها من مكان إلى مكان في ساعات معدودات، ومنه يتعلمون الصبر على المشقات. وهو رياضة روحية، لأنه يطلق الروح ويكبل الجسد ويكبح الشهوة ويحرم كثيراً مما كان حلالاً قبل الإحرام للإنسان. ولأجل أن نقف على هذه الحقيقة ونستجلى معانيها يجب أن نعيش مع هذه الأيام التي يقضيها الحجاج عند أداء الفريضة. اليوم الأول: وهو يوم التروية - اليوم الثامن من ذي الحجة - وفيه يتجرد الحاج من ملابسه، ويرتدي إزاراً ورداءً هما أشبه بالكفن منهما بملابس الإنسان وفي هذا إعلان صريح باطراح مظاهر الحياة ومباهجها، وإعراض عن متاعها وزخارفها، وتذكير بيوم لا بد للإنسان أن يلاقيه. هذه الجموع الغفيرة تقبل على الله بكل جهدها، ولسان حالها يقول: ﴿وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَى﴾ ولسان مقالها يترجم هذا المعنى فيقول:"لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك، لا شريك لك ".

стр. 7563

إن الله- قد دعاهم إلى ضيافته، فنبذوا الدنيا وراء ظهورهم وجعلوها دبر آذانهم، وأسرعوا متلهفين يرجون رحمته ويخافون عذابه. اليوم الثاني: وهو يوم عرفات يقف الجميع بهذا الزي، الملك والسوقة، والغني والفقير يأبى الله أن يكونوا في هذا الموقف إلا على هذا النحو، لأن الله- لا يمنح رحمته ورضوانه إلا لمن استجاب نداءه، واتقى شح نفسه، وجعل الدنيا وسيلة للغاية الكبرى يوم يلقى الله. وعلى عرفات يقف الحجاج جميعاً، ولابد أن يتواجدوا في وقت واحد يبتهلون خاشعين، ويمدون أكف الضراعة متذللين، تنبح الحناجر ملحة في الدعاء، وتفيض العيون بالدمع خشية الفضيحة يوم اللقاء، وفي هذه اللحظات ينخلع الإنسان تماماً من الدنيا، ويتعلق قلبه بالملأ الأعلى ويتجلى الله على أهل الموقف، ويباهي بهم ملائكته فيقول: "انظروا إلى عبادي أتوني شعثاً غبراً ضاحين من كل فج عميق، أشهدكم أني قد غفرت لهم، فتقول الملائكة إن فيهم فلاناً مرهقاً وفلاناً، فيقول الله- قد غفرت لهم" [١] . ولا يزال أهل عرفات في دعاء وابتهال، وتضرع وسؤال، يحلقون بأرواحهم في ملكوت السماء، ويحيون قلوبهم بالذكر والدعاء، وحتى إذا أوشكت الشمس على المغيب، وأخذ النهار يتوارى خلف الكثبان التي بللتها دموع الأوابين ووفق الليل بالأعتاب يدق بظلامه الرهيب أغلال الأبواب، ومؤذناً بالنفرة العظمى عندئذ تطوى الخيام، وترفع أدوات الشراب والطعام، ويثب الحجاج إلى السيارات في خفة نادرة وسرعة باهرة فإذا اختفت الشمس تماماً عن الأنظار، كان ذلك إيذاناً بالمغادرة فيتحرك هذا الجمع الغفير ليضرب في الأرض ويقضي ليله في جمع.

стр. 7564

لله ما أبرع تلك الحركة العسكرية الرائعة هذه الآلاف المؤلفة من البشر تتحرك في ساعة واحدة، وتنتقل من مكان إلى مكان في ساعات. أرأيت مدينة بأكملها تنتقل في لحظات؟ أرأيت جيشاً يقارب المليون يؤدي هذه الحركة البارعة في ساعات؟؟.. إنه الحج المعسكر السنوي للمسلمين، ولله ما تحمل القوم من المشقات كم عانوا من لفح الشمس المحرقة وكم لاقوا من نصب الخيام وطيها، وتحميلها وتنزيلها، ولو رأيت الحافلات، وهي تتزاحم في الطرقات المحيطة بالحبال الشاهقة، وتكاد تلتحم حتى ترى كأنها خيط مد على سمت واحد إنك لتعجز أن تجد في الطرقات مع تعددها واتساعها موضع قدم وهناً تتلاحق أنفاس الحجاج، وتجف حلوقهم، وتيبس ألسنتهم ويجدون من العنت والإرهاق ما لم يخطر لهم على بال، حتى ليخيل إلى من يراهم على تلك الحال أنه لن يعود أحد منهم إلى الحج مرة ثانية. كل ذلك وهم صابرون محتسبون، يطمعون في الأجر العظيم من الرب الرحيم، ولم تلبث الشهور تنطوي، والأيام أن تنقضي، وتعود على المسلمين أيام الحج بنفحاتها وخيراتها، حتى تجد أشد الناس تلهفاً على الحج هم حجاج السنوات الماضية. لقد نسوا كل هذه المشقات، وأحسوا أن شيئاً خفياً يلح عليهم من داخل نفوسهم، أن هيئوا وشدوا رحالكم لتسعدوا بنفحات ربكم. حول الكعبة، وعلى عرفات، وعند المشعر الحرام وأمام الجمرات. أنهم يحسون أن الدوافع قوية، لا يستطيعون مقاومتها، ويشعرون أن الرغبة ملحة لا قبل لهم بالتخلص منها، ويعرض لهم الشيطان، فيذكرهم بما سيبذلون من جهد ومال، وما سيتحملون من مشقة وعنت، ولكن ذلك لا يضعف الدوافع، ولا يطفىء إلحاح الرغبة.

стр. 7565

نعم، ما المال؟ ما الجهد؟ ما الأولاد؟ وما الأهل؟؟ إن هذا كله لا يساوي لحظة ينعم فيها الإنسان برحمة الله، فيشعر بنشوة القرب، ويحظى بلذة الأنس، إنهم ليذكرون هذه اللحظات المباركات التي يتجلى فيها الله على أهل عرفات فينسون كل المشقات ويقبلون على الله مضحين بكل غال ونفيس. وبعد النفرة العظمى، وبعد هذا العناء المتواصل، يصل الحجيج إلى مزدلفة، فيصلون المغرب والعشاء جمع تأخير بأذان واحد وإقامتين، ثم ينامون ولم يكن هذا النوم المبكر إلا استعداداً لاستيقاظ مبكر وتأهباً لتحمل أعباء اليوم الثالث، وتلك سنة أبي القاسم- ﷺ فلم يرو عنه أنه أحيا ليلة المزدلفة، روى جابر بن عبد الله- ﵄ أنه ﷺ لما أتى المزدلفة صلى المغرب والعشاء، ثم اضطجع حتى طلع الفجر، فصلى الفجر، ثم ركب القصواء حتى أتى المشعر الحرام، ولم يزل واقفاً حتى أسفر جداً، ثم دفع قبل طلوع الشمس [٢] . اليوم الثالث: وهو يوم الحج الأكبر- يوم النحر [٣]- ويبدؤه الحجاج بالوقوف عند المشعر الحرام، وهناك تسكب العبرات، وتزداد الحسرات، وترفع إلى الله أكف الضراعة، وتلهج الألسن بالذكر والطاعة، تلبية لأمر الله ﴿فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ﴾ [٤] . ومن هناك ينطلق الركب قاصدين جمرة العقبة بمنى، فيرمونها بسبع حصيات، وهذا الرمي رمز لانتصار الخير على الشر، وتأصل للفطرة على النحو الذي فطرها الله عليه، أليس الرمي إرغاماً للشيطان وطاعة للرحمن؟. ثم يذبحون هديهم شكراً لله على فضله، وجزيل نعمه، وفي ذبح الهدي وقاية من الشح، وتمرد على البخل، وإعلان للطاعة المطلقة ﴿لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلا دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ﴾ [٥] .

стр. 7566

ثم يحلقون رءوسهم، ويتوجهون شطر المسجد الحرام ليؤدوا طواف الركن ثم يعودون إلى منى، وتنتهي بذلك أعمال يوم النحر. اليومان الرابع والخامس: ونحن نلاحظ في هذين اليومين أن الحاج ليس عليه إلا أن يهىء نفسه للمبيت بمنى ويستعد لرمي الجمرات الثلاث. وإني لألمح من خلال إقامة الناس بمنى يومين أو ثلاثة بعد يوم النحر اهتمام الإسلام في أداء هذه الفريضة بتربية النفس الإنسانية على الطاعة، وتعويدها على التقشف، وأخذها بالعزائم من الأمور، أليس الإسلام دين كفاح وجهاد؟ ألم يحث الرسول ﷺ على أن يكون الإنسان المسلم على أهبة الاستعداد للنفير؟؟ فكيف تبقى في نفوس المسلمين هذه المعاني إذا ألفوا الدعة وأخلدوا إلى الراحة، وقضوا حياتهم في ترف ونعيم؟؟. لابد إذن من المبيت في الخيام وعلى الأرض، والاستغناء عن الفرش الوثير والسرر الموضونة، ولا بد من تهيئة النفس لمثل ذلك اليوم إذا اقتضت الضرورة، ودعا داعي الجهاد. ولابد كذلك من ترويض النفس على السير في موكب المؤمنين وهم في طريقهم إلى الجمرات ليثبتوا ذاتياتهم، ويوثقوا عهدهم مع الله على السير في طريق الخير وإعلان الحرب على الشر مهما كانت دوافعه ومهما تعددت وسائله. ونستطيع أن نؤكد بعد ذلك أن الحج دورة تدريبية للمؤمن يحضرها كل عام عشرات الآلاف من المؤمنين ليزدادوا إيماناً مع إيمانهم، ويتدربوا فيه على التقشف وطرح الدنيا خلف ظهورهم حتى يكونوا على استعداد لتلبية نداء الحق- ﵎ ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [٦] .

стр. 7567

هذه هي الأيام الخمسة، وهي أيام الحج، كلها تجرد وعزوف، وابتهال وتضرع، وذكر ودعاء، وخوف ورجاء، هل تجدون في منهج الإنسانية الطويل، ومسيرتها الحائرة برنامجاً هو أكثر احتفاء بالروح، وأعظم اهتماماً بالإنسان من هذا البرنامج الذي وضعه الإسلام في هذه الأيام الخمسة. محمد السيد الوكيل مدرس التاريخ الإسلامي بكلية الحديث والدراسات الإسلامية -------------------------------------------------------------------------------- [١] رواه ابن حبان في صحيحه. [٢] رواه مسلم. [٣] قال بذلك ابن جرير ورجحه وكذلك الشوكاني وغيرهما. [٤] البقرة ١٩٨. [٥] الحج الآية: ٢٧. [٦] الصف الآية: ١٠-١١. برنامج كلمة فارسية معناها الحطة التي يضعها الإنسان لشيء يريده، وعربيتها المنهاج.

стр. 7568

ما أدخلته الشيعة في التاريخ الإسلامي بقلم فضيلة الشيخ صالح بن عبد الله المحيسن عميد كلية الدعوة وأصول الدين إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا.. من يهد الله فهو المهتدي ومن يضلل فلا هادي له وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وسلم تسليماً كثيراً أما بعد:- فإن التاريخ لأي أمة من الأمم هو الصورة الواضحة لحياتها وتقاليدها ودياناتها وعلومها وثقافتها. وصفحاته هي المعبرة عن آمالها وأهدافها وتصوراتها ... وإن التاريخ الإسلامي أعظم مثال للتعبير عما ذكرنا فهو لم يسبق له نظير في تاريخ أمة من الأمم لا في كمه ولا في كيفه. فهو من جهة الكم أوسع تاريخ عرفته البشرية حتى اليوم. وذلك لما حواه من أخبار الخلفاء والولاة والعلماء والقضاة والقادة. وكل ذلك بوضوح تام ودقة متناهية. ولما سطره حول الفتوحات العظيمة التي قام بها المسلمون شرقاً وغرباً والتي تتجدد وتتقدم من حين لآخر. بالإضافة إلى ما حواه من العلوم والمعارف والسيرة الحميدة والأعمال الصالحة لصالحي هذه الأمة. وأما من جهة الكيف فإنه يعتمد على الرواية والنقل عن العدول والثقات والموثوق بروايتهم ولا مجال فيه للاختراع والخرص وهذا لم يحصل لتاريخ أمة من الأمم. هذا وقد حظي التاريخ الإسلامي بالرواية والتسجيل والحفظ فأقبل العلماء والرواة على روايته وتدينه وتنافسوا في ذلك مما جعل المكتبة الإسلامية تغص بكتب التاريخ لكل عصر وحيل عبر تاريخ هذه الأمة. هذا وقد ذهل أعداء الإسلام من قوة هذا الدين ونفوذ سلطانه وتقدم انتشاره فوقفوا قلقين حيارى. ولما لم يكن لهم أي قوة لمقاومته بالسيف علناً لجأوا إلى شتى الطرق والوسائل للكيد له والنيل منه.

стр. 7569

وبدعة التشيع هي أول بدعة أسست لها الغرض وأول مكيدة دبرت تحت هذا الستار هي الفتنة الكبرى التي دبرت ضد عثمان بن عفان ﵁ وهو ثالث الخلفاء الراشدين وأحد العشرة المبشرين بالجنة ﵃ أجمعين. فإن هذه الفتنة بدأت بإشاعة وتلفيق الأخبار المكذوبة أو المروية على غير وجهها الصحيح وذلك لتأليب الجهال وغوغاء الناس عليه ومما أدى إلى قتله بعد ذلك ﵁ كما هو مبسوط في كتب الحديث والتاريخ. والذي خطط ونفذ هذه الفتنة هو عبد الله بن سبأ اليهودي كما ستأتي الإشارة إليه فيما بعد. ثم بعد مقتل عثمان وجد الرفض فرصته المناسبة في الفتن التي جرت بعد ذلك وذلك لإشاعة والاختلاق الروايات المكذوبة في مثالب الصحابة وفيما جرى بينهم من الاختلاف وتصويره على غير وجهه الصحيح وسنذكر أمثلة لذلك فيما بعد إن شاء الله تعالى. ولا أريد أن اعترض هنا لما شحنته الشيعة في كتبهم من البهتان والزور على تاريخ الإسلام وذلك نتيجة لما تكنه صدورهم من الحقد والبغض لأصحاب النبي ﷺ ولقادة المسلمين وولاتهم فإن كتبهم مشحونة بالسب والشتم لأصحاب محمد ﷺ ولخير القرون بعد نبينا محمد ﷺ . ومثل هذا واضح البطلان ولا يستغرب من شرذمة أظهرت الرفض وأبطنت الكفر. ولا تحل قراءة هذه الكتب إلا على سبيل الإطلاع على الباطل للرد عليه والتحذير منه. أما ما أقصده بهذا البحث فهو ما تسرب من ذلك إلى كتب التاريخ الإسلامي. إما عن طريق راو يظهر عليه التقى والعدالة ويبطن الرفض أو عن طريق خفيف التشيع يجيز الرواية عن مثله جمهور أهل العلم بالحديث إذا لم يكن متعصباً وداعية لبدعة. وقد يروى مثل ابن جرير عن بعض المشهورين بالتشيع ولكنه يذكر سنده في الرواية ليحيل العهدة على الرواة كما سيأتي أمثلة لذلك فيما بعد.

стр. 7570

وليس في هذا عيب على ابن جرير ما دام نقلها بأسانيدها وترك للقارىء الحاذق نقدها وتمحيصها فقد قال ﵀ في مقدمة تاريخه [١] :" وليعلم الناظر في كتابنا هذا إن اعتقادي في كل ما أحضرت ذكره فيه مما شرطت إني أرسمه فيه إنما هو على ما رويت من الأخبار التي أنا ذاكرها فيه. والآثار التي أنا مسندها إلى روايتها فيه.. إلى أن قال ﵀: فما يكن في كتابي هذا من خبر ذكرناه عن بعض الماضين مما يستنكره قارئه ويستبشعه سامعه من أجل أنه لم يعرف له وجهاً في الصحة ولا معنى في الحقيقة فليعلم أنه لم يؤت في ذلك من قبلنا. وإنما أتى من بعض ناقليه إلينا. ونحن إنما أدينا ذلك على نحو ما أدى إلينا.."ولكن جاء من بعد ابن جرير من حذف هذه الأسانيد وضم الروايات بعضها إلى بعض طلباً للاختصار ثم جاء من بعدهم خصوصاً في هذا العصر من ينقل هذا الروايات وينسبها إلى كتب التاريخ من غير تفريق بين ما يرويه الثقات وبين ما يرويه أهل التشيع والرفض ولا بين ما ظاهره الصحة مما تظاهرت فيه أخبار الثقات العدول من جهات متعددة. وبين ما ظاهره البطلان مما يروى في مثالب الصحابة وما جرى بينهم من الفتن مما يجمع على بطلانه عامة أهل العلم بالحديث من أهل السنة. وزاد الطين بلة في العصور المتأخرة أنه ظهر سابئة جديدة بثوب جديد وهؤلاء ما يسمون بالمستشرقين من اليهود والنصارى وهؤلاء وجدوا في روايات الرافضة المدسوسة في التاريخ مرتعاً خصباً لتشويه التاريخ الإسلامي المجيد.

стр. 7571

وهؤلاء يموهون على الناس أنهم من أهل التحقيق العلمي الدقيق وفي الحقيقة أنهم من أهل التزوير والتلفيق فغاية ما عندهم من التحقيق أن يعمد أحدهم إلى بعض روايات الرافضة يصوغها بصورة بشعة ويزيد فيها وينقص حسب ما يخدم غرضه الخبيث ثم في الأخير يقول لك مثلاً: انظر ابن جرير الطبري أو ابن الأثير. هذا وقد اغتر بتمويههم وتزويرهم كثير من الكتاب وأساتذة التاريخ في هذا العصر. وفي الحقيقة إنه لمن الخيانة لهذا الدين أن يؤخذ تاريخه من أعدائه من اليهود والصليبيين وهم ما يسمون بالمستشرقين. ولا يفوتني في هذا المقام أن أنوه بتلك الجهود التي قام بها كثير من علماء الإسلام الأعلام من تصد لتلك المرويات في هذا الباب سواء كان بكتابة التاريخ كتابة تعتمد على الروايات الموثوق بها مع الاحترام والتقدير والاعتراف بالفضل لأصحاب النبي ﷺ . أو على سبيل مؤلف خاص بتلك الروايات. أولفته نظر عابرة في طيات مؤلف في موضوع ما..ومثل هذا كثير جداً منها ما هو مطبوع ومنها ما هو مخطوط وهو الكثير الغالب ومثال النوع الأول من التأليف مما هو مطبوع كتاب البداية والنهاية لابن كثير ﵀ ذلكم الرجل الذي تصدى للرفض بتحقيقه العلمي الدقيق ونقد العالم المطلع البصير. بالإضافة إلى إبرازه من مناقب وفضائل الصحابة رغم أنوف أهل الرفض ومثال النوع الثاني كتاب العواصم من القواصم لأبي بكر بن العربي ومثال النوع الثالث ما هو متناثر في كتب ابن تيمية وابن القيم والذهبي وابن حجر وغيرهم من العلماء تلك الجهود على اختلاف أنواعها مهمة جبارة متكاملة. قام بها علماء الإسلام سلفاً وخلفاً وخير قيام.

стр. 7572

والذي بقي الآن وهو مهمة أهل العلم والغيورين على هذا الدين في هذا العصر إن الذي عليهم الآن هو مواصلة المسيرة نحو الجبهة الحامية الوطيس وقد بين لنا علماء الإسلام زيف وكذب روايات الرافضة فلم يبق بعد ذلك إلا طردهم نهائياً من صفحات التاريخ. إنه إن لذ وطاب لمستشرق يهودي أو نصراني أو لفرخ واحد منهما أن يبقى تداول تلك الروايات المظلمة تسود صفحات التاريخ البيضاء فلا يجوز لمسلم أبداً أن يرضى بهذا الدنس لتاريخ أمته ودينه. وإنه لمن الواجب على المؤسسات المعنية في العالم الإسلامي أن تقيم محاجر علمية دقيقة لعزل الروايات التي أصيبت بالوباء ولتقديم تاريخنا الإسلامي بصورته المشرقة بعد تطهيره وتعقيمه من جراثيم الشيعة القذرة. كما يجب عليها الحجر الشرعي على سفه كل من يرسل لسانه في أصحاب محمد ﷺ . وذلك انتصاراً لله ولرسوله ولدينه. وقياماً بالواجب نحو خير هذه الأمة وأفضلها في الدنيا والآخرة. ما أدخلته الشيعة في التاريخ الإسلامي يدور فلك الغارة الشعواء التي شنتها الشيعة على التاريخ الإسلامي في الغالب حول أمرين هما:- الأمر الأول: سب أصحاب رسول الله ﷺ وتزوير الروايات وتلفيق الحكايات في مثالبهم رضي الله عن أصحاب رسول الله ﷺ أجمعين. ويقصد من وراء ذلك الوصول إلى الإسلام نفسه لأن الصحابة هم رواته وهم خير هذه الأمة بعد نبينا ﷺ .. بل هم أفضل من مشت قدماه على الأرض من بني آدم بعد الأنبياء والمرسلين صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين.

стр. 7573

قال ابن تيمية ﵀ بعد أن ذكر فضل الصحابة وأن القدح فيهم قدح في الإسلام نفسه قال ما نصه:"وهذا هو أصل مذهب الرافضة فإن الذي ابتدع الرفض (يقصد عبد الله بن سبأ) كان يهودياً أظهر الإسلام نفاقاً.. ودس إلى الجهال دسائس يقدح بها في أصل الإيمان ولهذا كان الرفض أعظم أبواب النفاق والزندقة ". إلى أن قال ﵀:"فإن القدح في خير القرون الذين صحبوا الرسول ﷺ قدح في الرسول ﵊ كما قال مالك وغيره من أئمة العلم.."انتهى المقصود من كلامه ﵀. وتركز أساطير الرافضة على خيرهم وأفضلهم أبي بكر وعمر وعثمان ثم تنطلق بوقاحة إلى أجلاء الصحابة وأعيانهم من السابقين الأولين إلى الإسلام وممن حضر بدراً وأحداً وبيعة الرضوان وآزر رسول الله ﷺ ونصره في السراء والضراء. وتوفي رسول الله ﷺ وهو عنهم راض كطلحة والزبير وغيرهما من بقية العشرة المبشرين بالجنة ﵃ أجمعين. ولا يقفون عند هذا الحد بل يتناولون بألسنتهم القبيحة أمهات المؤمنين وزوجات النبي ﷺ ويخصون الصديقة بنت الصديق عائشة أم المؤمنين ﵂.. وفي نهاية المطاف يتناولون كافة بني أمية بالسب والشتم والكلام القبيح. الأمر الثاني: الغلو في أهل البيت ويخصون منهم علياً وفاطمة وذريتهما ﵃ أجمعين فيفترون ويلفقون الروايات الكاذبة في مدح أهل البيت وإطرائهم حتى يصلى بهم الحد إلى وصفهم بما لا يليق بهم من الأوصاف ويسندون إليهم مواقف وأعمال لا تتفق مع فضلهم وعلو قدرهم. بعض الأمثلة على ما أدخلته الشيعة في التاريخ نذكر هنا بعض الروايات التي دستها الشيعة في التاريخ ونبين بطلانها ونذكر بإزائها الروايات الصحيحة المعارضة لها.

стр. 7574

١) زعمت الشيعة أن علياً ﵁ لم يبايع عثمان وبعضهم قال: بايع كرهاً ولفقوا عدة روايات لتأييد زعمهم هذا وقبل أن نذكر الروايات التي لفقوها وقبل أن نذكر خلاصة بيعة عثمان وأمر الشورى على الوجه الذي رواه الثقات العدول فنقول: لما طعن عمر ﵁ جعل الأمر بعده شورى فيمن توفي رسول الله ﷺ وهو راض عنهم وهم علي بن أبي طالب، وعثمان بن عفان والزبير بن العوام، وطلحة بن عبيد الله، وسعد بن أبي وقاص، وعبد الرحمن بن عوف فجعل الأمر في هؤلاء الستة يختارون واحداً منهم وتم ذلك لعثمان ﵁ وبايعه بقية أهل الشورى ومنهم علي وجميع المهاجرين والأنصار دون أي خلاف أو تردد صح ذلك من وجوه متعددة مشهورة في كتب التاريخ المعتمدة ومروية في الصحيحين وغيرهما مثل ما رواه البخاري [٢] في صحيحه عن عمرو بن ميمون وذكر القصة بطولها وقال فيها:"فقالوا: أوص يا أمير المؤمنين استخلف قال: ما أجد أحق بهذا الأمر من هؤلاء النفر- أو الرهط- الذين توفي رسول الله ﷺ وهو عنهم راض. فسمى علياً وعثمان والزبير وطلحة وسعداً وعبد الرحمن. وقال: يشهدكم عبد الله بن عمر وليس له من الأمر شيء- كهيئة التعزية له. وساق بعد ذلك وصية عمر برعيته وقصة دفنه إلى أن قال:"فلما فرغ من دفنه اجتمع هؤلاء الرهط فقال عبد الرحمن: اجعلوا أمركم إلى ثلاثة منكم فقال الزبير: قد جعلت أمري إلى علي فقال طلحة: قد جعلت أمري إلى عثمان وقال سعد: قد جعلت أمري إلى عبد الرحمن بن عوف فقال عبد الرحمن بن عوف: أيكما تبرأ من هذا الأمر فنجعله فيه والله عليه والإسلام لينظرن أفضلهم في نفسه فأسكت الشيخان.

стр. 7575

فقال عبد الرحمن: أفتجعلونه إلي والله على لا آلو عن أفضلكم. قالا: نعم فأخذ يبد أحدهما فقال: لك قرابة من رسول الله ﷺ والقدم في الإسلام ما قد علمت. فالله عليك لئن أمرتك لتعدلن ولئن أمرت عثمان لتسمعن ولتطيعن. ثم خلا بالآخر فقال مثل ذلك فلما أخذ الميثاق قال: ارفع يدك يا عثمان فبايعه فبايع له علي وولج أهل الدار فبايعوه ". وهذا الذي رواه البخاري من بيعة علي لعثمان مع جماعة المسلمين هو الذي صحت به الأخبار في كتب السنة المعتمدة وذكره عامة من يوثق به من المؤرخين. ولكن الروافض أشاعوا عدة إشاعات منها أن علياً تلكأ أو أنه تكلم كلاماً شنيعاً على عبد الرحمن بن عوف ﵄ وذكرت هذه الروايات في بعض كتب التاريخ من ما رواه أبو جعفر محمد بن جرير [٣] بسنده إلى عمر بن ميمون الأودى وذكر ما جرى في أمر الشورى والبيعة ومما ذكر فيهما:"أن علياً قال لعبد الرحمن ابن عوف لما بايع عثمان: حبوته حبو دهر ليس هذا أول يوم تظاهرتم فيه علينا.."إلى آخر ما ذكر من القول الشنيع. والسند الذي ذكره بن جرير فيه عدة علل ولا يحتج بمثله عند أهل العلم بالحديث ومن رواة هذا السند في أحد طرقه عند ابن جرير. أبو مخنق واسمه لوط بن يحيى وهذا شيعي قال فيه الذهبي في الميزان:"أخبارى تألف لا يوثق به"وقال بن عدي:"شيعي محترف صاحب أخبارهم".

стр. 7576

ثم يروي ابن جرير بعد ذلك بسنده إلى المسور بن مخرمة وذكر أمر الشورى وبيعة عثمان وقال فيها:"فجعل الناس يبايعونه (أي عثمان) وتلكأ علي فقال عبد الرحمن ﴿فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّمَا يَنْكُثُ عَلَى نَفْسِه﴾ الآية.. فجعل علي يشق الناس حتى بايع وهو يقول: خدعة وأيما خدعة ". وفي سند هذه الرواية عند ابن جرير عن عبد العزيز بن أبي ثابت. قال فيه الذهبي [٤] في الميزان:"قال البخاري: لا يكتب حديثه "وقال النسائي وغيره:" متروك "وقال عثمان بن سعيد:"قلت ليحي: فإن أبي ثابت عبد العزيز بن عمران ما حاله قال: ليس بثقة إنما كان صاحب شعر وهو من ولد عبد الرحمن بن عوف "١هـ. وذكر الحافظ [٥] بن حجر في التهذيب وقال فيه الحسيني بن حبان عن يحيى:"قد رأيته ببغداد كان يشتم الناس ويطعن في أحسابهم ليس حديثه بشيء "١ هـ. قلت: وقد ذكر ابن جرير عن عبد العزيز هذا بعد أن ساق الرواية السابقة. طامة أخرى وهي أنه فسر قول علي ﵁ في الرواية السابقة الذكر خدعة أيما خدعة. أي أنها خدعة من عمرو بن العاص وذكر وجه الخدعة بما عدلنا عن ذكره لبشاعته.. والله المستعان. فهذه الروايات وما شابهها غالبها من دس الرافضة على التاريخ وأحببنا التنبيه عليها لأن كثيراً يكتب التاريخ في هذا العصر قد اغتر بها وذكرها من دون تحقيق. ولله در الحافظ بن كثبر فإنه ذكر في كتابه البداية والنهاية أمر الشورى والبيعة بطولها ولم يلتفت إلى شيء من هذه الروايات بل قال بعد أن ساق الروايات الصحيحة:"وما يذكره كثير من المؤرخين كابن جرير وغيره من رجال لا يعرفون أن علياً قال لعبد الرحمن: خدعتني. وأنك إنما وليته لأنه صهرك ويشاورك كل يوم في شأنه. وأنه تلكأ حتى قال له عبد الرحمن ﴿فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّمَا يَنْكُثُ عَلَى نَفْسِه﴾ الآية. إلى غير ذلك من الأخبار المخالفة لما ثبت في الصحاح فهي مردودة على قائليها وناقليها والله أعلم ".

стр. 7577

ثم قال بعد ذلك ﵀:"والمظنون بالصحابة خلاف ما يتوهم كثير من الرافضة وأغبياء القصاص الذين لا تمييز عندهم بين صحيح الأخبار ووضعيها ومستقيمها وسقيمها.."انتهى المقصود من كلامه ﵀. وقد نقل الروايات المذكورة غير واحد من المؤرخين تبعاً لابن جرير في ذلك دون تمحيص كابن الأثير ﵀. روايات الرافضة حول موقعة الجمل وحينما ننتقل إلى موقعة الجمل نجد الرافضة قد غطوا الجو تغطية كاملة فلا تكاد ترى الحقيقة من التغطية التي أثارتها الرافضة فحينما تنظر إلى بعض كتب التاريخ لا تجد في صفحات هذه الموقعة إلا السب والشتم والقتال والطعن والكلام القبيح وما ادخلوه في هذه الموقعة لا يعد ولا يحصى ويطول الكلام بذكره وتشمئز الفطر السليمة من سماعه ولكننا نذكر هنا بعض الحقائق التاريخية التي نطق بها التاريخ بالروايات الصحيحة رغم أنوف الرافضة والتي يأبى كتاب التاريخ المتفرنجون أن يذكروها فنقول: الحقيقة الأولى: ذكرت الروايات الصحيحة ما يدل دلالة واضحة أن طلحة والزبير ومن معهما إنما خرجوا لطلب الإصلاح وقطع دابر المفسدين الذين قتلوا عثمان ولم يخرجوا لطلب ملك أو لغرض من أغراض الدنيا بل لم يكن مقصودهم قتال علي ولا من معه من المسلمين ويدل على ذلك ما ذكره ابن كثير وغيره [٦] . "إن علياً ﵁ بعث القعقاع رسولاً إلى طلحة والزبير يدعوهما إلى الألفة والجماعة ويعظم عليهما الفرقة والاختلاف.

стр. 7578

فذهب القعقاع إلى البصرة فبدأ بعائشة أم المؤمنين ﵂ فقال: أي أماه ما أقدمك هذا البلد؟ فقالت: أي بني الإصلاح بين الناس. فسألها أن تبعث إلى طلحة والزبير ليحضرا عندها فحضرا فقال القعقاع: إني سألت أم المؤمنين ما أقدمها فقالت إنما جئت للإصلاح بين الناس فقالا ونحن كذلك". فأنت ترى أن طلحة والزبير وعائشة قالوا جميعاً ما جئنا إلا للإصلاح ببن الناس وقد صدقوا ﵃ وكذبت الرافضة يدل على ذلك أنه تم الصلح بعد ذلك كما سيأتي بيانه ومما يدل على ذلك أيضاً ما ذكره ابن كثير عن علي ﵁ لما سأله أبو سلام الدلائي فقال:"هل لهؤلاء القوم حجة فيما طلبوا من هذا الدم (يقصد دم عثمان) إن كانوا أرادوا الله في ذلك.. قال: نعم قال: فهل لك من حجة في تأخيرك ذلك قال: نعم.."وهذا الذي قاله علي ﵁ هو معتنق أهل السنة فيما جرى بين الصحابة فهم يعتقدون أن كلاً منهم مجتهد إن أصاب له أجران وإن أخطأ فله أجر واحد. الحقيقة الثانية: إن القوم اصطلحوا واتفقوا على أن يكف كل واحد منهم عن الآخر ولم يخطر ببالهم إلا أن الأمر انتهى وليس هناك قتال فأبي ذلك السابئة قتلة عثمان ودبروا المكيدة فأنشبوا الحرب وحصل ما حصل في موقعة الجمل.

стр. 7579

يدل على ذلك ما ذكره ابن كثير وغيره أن القعقاع لما أرسله علي إلى طلحة والزبير وعائشة وعرض عليهم الصلح قالوا له:"قد أصبت وأحسنت، فارجع فإن قدم علي وهو على مثل رأيك صلح الأمر. قال: فرجع إلى علي فأخبره فأعجبه ذلك وأشرف القوم على الصلح، كره ذلك من كرهه ورضيه من رضيه وأرسلت عائشة إلى علي تعلمه أنها إنما جاءت للصلح ففرح هؤلاء وهؤلاء ... إلى أن قال: ثم بعث علي إلى طلحة والزبير يقول: إن كنتم على ما فارقتم عليه القعقاع بن عمرو فكفوا حتى ننزل فننظر في هذا الأمر فأرسلوا إليه في جواب رسالته: إنا على ما فارقنا القعقاع بن عمرو من الصلح بين الناس. فاطمأنت النفوس وسكنت واجتمع كل فريق بأصحابه من الجيشين فلما أمسوا بعث علي عبد الله بن عباس إليهم وبعثوا إليه طليحة السجاد وبات الناس بخير ليلة, وبات قتلة عثمان بشر ليلة وباتوا يتشاورون وأجمعوا على أن يثيروا الحرب من الغلس فنهضوا من قبل طلوع الفجر وهم قريب من ألفي رجل فانصرف كل فريق إلى قراباتهم فهجموا عليهم بالسيوف فثارت كل طائفة إلى قومهم ليمنعوهم وقام الناس من منامهم إلى السلاح. فقالوا: طرقنا أهل الكوفة ليلاً. وبيتونا وغدروا بنا وظنوا أن هذا من ملأ من أصحاب علي فبلغ الأمر علياً فقال: ما للناس فقالوا: بيتنا أهل البصرة. فثار كل فريق إلى سلاحه ولبسوا اللأمة وركبوا الخيول ولا يشعر أحد منهم بما وقع الأمر عليه في نفس الأمر وكان أمر الله قدراً مقدوراً. صالح بن عبد الله المحيسن -------------------------------------------------------------------------------- [١] ص (٨٥٧) جـ (١) . [٢] ص (٦٠) جـ (٧) صحيح البخاري مع فتح الباري. [٣] جـ ٢ ص (٦٣٢) . [٤] جـ (٦) ص (٦٣٢) . [٥] جـ (٦) ص (١٥٠) . [٦] جـ (٧) ص (٢٣٢) .

стр. 7580

مسئولية التعليم المنهج بين الماضي والحاضر بقلم عبد الله قادري عميد كلية اللغة العربية إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستهديه، ونستغفره ونتوب إليه ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له. وأشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ ﴿خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً﴾ ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً﴾ . أما بعد فإن الله تعالى خلق الإنسان في الأرض ليكون خليفة فيها يقوم بعمارتها وإصلاحها على أساس واحد، وهو عبادة الله تعالى التي تشمل نشاط ابن آدم كله - روحياً أم عقلياً أم جسمياً - كما قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْأِنْسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ﴾ والحصر المذكور في الآية حقيقي وليس إضافياً ولا ينافي هذا ما هو واقع من بعض البشر من أنهم لا يعبدون الله العبادة الاختيارية الشرعية كالوثنيين واليهود والنصارى والشيوعيين.

стр. 7581

كما أنه لا ينافي وجود عصاة من المسلمين يخرجون عن عبادة الله في بعض تصرفاتهم وما يقع من المسلمين من الأعمال التي لا يقصدون بها وجه الله من المباحات، لأن الله تعالى أراد من عباده - شرعاً - أن يكون نشاطهم كله مبتغي به وجهه، سواء كان فعلاً - كالواجب والمندوب والمباح - أو تركاً- كترك المحرم والمكروه - وهي الأحكام الخمسة المذكورة في كتب أصول الفقه، ولا تخرج أفعال الإنسان وتروكه عن هذه الأحكام. فإذا ابتغى الإنسان بذلك كله وجه الله فقد حقق معنى قول الله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْأِنْسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ﴾ تحقيقاً كاملاً وإن قصر في شيء من ذلك فقد قصر في شيء خلقه الله من أجله. والتقصير الحاصل من المخلوق لا يؤثر في الحصر الحقيقي الذي أراده الخالق من عبده شرعاً. والنصوص الدالة على أن الله أراد من عبده أن يكون عابداً له في كل لحظة لا تحصى كثرة، ومنها قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ لا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾ .

стр. 7582

وبدلاً من سوق النصوص في وقت لا يتسع لذكرها أنبه على قاعدة يمكن لمن عرفها - وما أقل العارفين لها - أن يفتح أي صفحة من صفحات كتاب الله ليجد أن الله تعالى يربط أصول الإسلام وفروعه به سبحانه فيقول في العبادة مثلاً: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم﴾ وإذا أمر بالاستعانة بالصبر والصلاة كما في قوله: ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ﴾ جعل نفسه مع من استجاب لأمره فقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ وإذا أباح لعباده المؤمنين الطيبات من رزقه أمرهم بشكره كما قال: ﴿يا أيها الذين آمنوا كلوا من طيبات ما رزقناكم واشكروا لله إن كنتم إياه تعبدون﴾ ورد على مبيحي الربا قياساً على البيع بقوله تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبا﴾ ثم قال بعد ذلك: ﴿يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ﴾ . وهكذا لا يأمر الله بأمر أو ينهى عن شيء أو يمدح صفة أو يذم أخرى إلى ربط سبحانه ذلك به بأساليب متنوعة، وعلى قارئي القرآن أن يتدبروا ذلك ويتأملوا في كثرة اسم الجلالة، والرب أو غيرهما من أسماء الله ليعلم حق العلم أن كل حركة يتحركها العبد أو سكنة يسكنها في عمره كله ينبغي أن يقصد بها وجه الله تعالى ليحقق العبادة في عمره كله.

стр. 7583

ومن الأمثلة الواضحة في ذلك من السنة النبوية إن الكلمة الطيبة صدقة، والابتسام في وجه المؤمن صدقة، وإتيان الرجل زوجته له فيه أجر، وترك المعصية لله بعد الهم بها حسنة، ومنها أنا أمرنا أن نذكر الله في كل حالاتنا.. ﴿وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيراً﴾ "لا يزال لسانك رطباً بذكر الله"، وإذا بدأنا تناول الطعام، أو فرغنا من تناوله، وعند دخول المسجد والخروج منه، وعند دخول المرحاض وعند الخروج منه، وعند النوم والاستيقاظ منه، وعند بدء السفر وعند العودة منه، وعند لقاء الكفار في الحرب، وفي إدبار الصلوات، وغير ذلك مما لا يحصيه العد. ولقد فهم أصحاب رسول الله ﷺ وغيرهم من سلفنا الصالح هذا المعنى فكانوا يحتسبون عند الله كل أعمالهم، كما قال معاذ بن جبل ﵁: "والله إني لأحتسب نومتى كما أحتسب قومتى "أي إني أرجو أن يكتب الله لي ثواباً على نومي لأني ابتغي به وجهه، كما أرجو أن يكتب لي الأجر على قيام الليل كذلك. وهذا الفهم الكامل هو ما دعا شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ أن يعرف العبادة بقوله:"العبادة اسم جامع لكم ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأفعال الظاهرة والباطنة ". ويرتبط بهذا المعنى ارتباطاً كاملاً أن يسعى العبد- الذي فهم هذا الفهم وطبقه في نفسه- حثيثاً لدعوة غيره إلى ذلك حتى يكون ممن اتبع رسول الله ﷺ : ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي﴾ وليخرج الناس من عبادة المخلوقين إلى عبادة الله وحده. هذا المعنى الذي سبق الكلام عنه باختصار هو المحور الذي يجب أن تدور حوله جميع تصرفات المسلمين ومنها: التعليم:

стр. 7584

ولا مجد للأمة الإسلامية إن لم يكن هذا المعنى هو محور أعمالها كلها ﴿وَالْعَصْرِ إِنَّ الْأِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ . منطلق التعليم إذا عرفنا ما تقدم فإن التعليم يجب أن ينطلق لتحقيق ذلك الهدف العظيم وأن تصطبغ جميع مواده بالعقيدة الإسلامية والخلق الإسلامية، وأن يكون المسؤلون عن التعليم من أكبر موظف إلى أصغر موظف ممن تحقق فيهم معاني: "لا إله إلا الله محمد رسول الله ". ولقد ربط الله أعظم مفتاحين للمعرفة- القراءة أو الكتابة- باسمه الكريم في أول الآيات نزولاً على رسوله الكريم ﷺ ، إيذاناً بوجوب الالتحام بين المعارف والعلوم التي يستطيع الإنسان أن يبلغها وبين عبادة الله سبحانه، بل وامتن على الإنسان بأن ما يعلمه إنما هو من فضله تعالى وكرمه لا من عند نفسه وذلك يستوجب شكر الله تعالى، قال : ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ خَلَقَ الإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ اقْرَأْ وَرَبُّكَ الأَكْرَمُ الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ عَلَّمَ الإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾ . والحديد الذي ملأ الأرض ببأسه ومنافعه- في هذا العصر بما لم يعهد له نظير في التاريخ – فيما نعلم- ربطه الله بكتبه ورسله ونصر دينه، كما قال تعالى: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ .

стр. 7585

وقد كان يمثل لمنافع الحديد عند نزول الآية الكريمة بالقصعة والإبرة والفأس ونحوهما، أما الآن فيصعب حصر أدوات منافعه، كما كان يمثل لبأسه بالسيف والدرع ونحوهما وأين ذلك من بأس الحديد الآن. وفي الآية الكريمة فوق كونها من أصرح الآيات دلالة على ربط العلوم والمؤسسات والمصانع بألوهية الله تعالى فيها فوق ذلك معجزة عظيمة من معجزات القرآن الكريم لهذه الإشارة بكلمات قليلة مشتملة على كل ما يمكن أن يخطر بالبال من منافع الحديد وبأسه. وقد أثبت الرسول ﷺ الأجر لصانع السلاح والممد به كما أثبته لمن يباشر القتال به. ومن هذا يتضح بأنه ينبغي أن تكون مدارس المسلمين ومعاهدهم وجامعاتهم محققة لهذا المعنى منجبة علماء مسلمين هدفهم الأول تحقيق العبودية للإله الواحد في ذات أنفسهم، ثم دعوة غيرهم إلى تحقيقها، لا فرق بين متخصص وغير متخصص كلهم رجال دين وإن لم يكونوا كلهم علماء دين بالمفهوم التخصصي، كل منهم راسخ العقيدة ثابت الإيمان زكي الخلق عالم بما يحب عليه من عمل، عضو عامل مجاهد داع إلى الله، لا فرق- في الأصل- بين مدرس وقاض وطبيب وسياسي واقتصادي وصانع. كل منهم يشعر وهو يؤدي عمله أنه يعبد الله ويحقق مع إخوانه الخلافة التي أراد الله منهم تحقيقها في الأرض. لا انفصام ولا تنافر ولا خلاف بل التحام وتعاون واعتصام يجسدون في الواقع معنى الأخوة: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ ومعنى التعاون: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾ "مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم كمثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى". واقع البشرية قبل المنهج الأقوم

стр. 7586

ولقد كانت أمم العالم قل البعثة المحمدية- التي حملت أقوم منهج للبشرية كلها إلى يوم القيامة- في تيه وضياع. كانت كما وصفها الأستاذ الندوي في كتابه القيم "ماذا خسر العالم بانحطاط المسلمين". بعث محمد بن عبد الله ﷺ والعالم بناء أصيب بزلزال شديد هزه هزاً عنيفاً فإذا كل شيء فيه في غير محله، نظر إلى العالم فرأى إنساناً هانت عليه إنسانيته، رآه يسجد للحجر والنهر وكل ما لا يملك لنفسه النفع والضرر. رأى إنساناً معكوساً قد فسدت عقليته فلم تعد تستسيغ البديهيات وتعقل الجليات وفسد نظام فكره فإذا النظري عنده بديهي وبالعكس. يستريب في موضع الحزم ويؤمن في موضع الشك. وفسد ذوقه فصار يستحلى المر ويستطيب الخبيث ويستمرىء الوخيم، وبطل حسه فأصبح لا يبغض العدو الظالم ولا يحب الصديق الناصح. أرى مجتمعاً هو الصورة المصغرة للعالم، كل شيء فيه في غير شكله أو في غير محله، قد أصبح فيه الذئب راعياً، والخصم الجائر قاضياً وأصبح المجرم فيه سعيداً والصالح محروماً شقياً، لا أنكر في هذا المجتمع من المعروف، ولا أعرف من المنكر. ورأى عادات فاسدة تستعجل فناء البشرية وتسوقها إلى هوة الهلاك، رأى معاقرة الخمر إلى حد الإدمان، والخلاعة والفجور إلى حد الاستهتار، وتعاطي الربا إلى حد الاغتصاب واستلاب الأموال، ورأى الطمع وشهوة المال إلى حد الجشع والنهامة، ورأى القسوة والظلم إلى حد وأد وقتل الأولاد.

стр. 7587

رأى ملوكاً اتخذوا بلاد الله دولاً وعباد الله خولاً، ورأى أحباراً ورهباناً أصبحوا أرباباً من دون الله يأكلون أموال الناس بالباطل ويصدون عن سبيل الله، رأى المواهب البشرية ضائعة أو زائفة لم ينتفع بها ولم توجه التوجيه الصحيح فعادت وبالاً على أصحابها وعلى الإنسانية. فقد تحولت الشجاعة فتكاً وهمجية والجود تبذيراً وإسرافاً، والأنفة حمية جاهلية والذكاء خديعة، والعقل وسيلة لارتكاب الجنايات والإبداع في إرضاء الشهوات. رأى أفراد البشر والهيئات البشرية كخامات لم تحظ بصانع حاذق ينتفع بها في هيكل الحضارة، وكألواح خشب لم تسعد بنجار يركب منها سفينة تشق بحر الحياة رأى الأمم قطعاناً من الغنم ليس لها راع. والسياسة كجمل هائج على غاربه، والسلطات كسيف في يد سكران يجرح به نفسه ويجرح به أولاده واخواته. قلت: وإذا كان الأستاذ الندوي نقل هذه الصورة الصادقة عن المصادر العلمية والتاريخية فإن صورة العالم اليوم لا تختلف عن تلك الصورة إلا في أن صورة عالم اليوم ابتكرت لشره وبلائه وتحطيمه وسائل أكثر هدماً وأسرع فتكاً وأشد بريقاً ولمعاناً تزخرف وتنفذ بسرعة هائلة يصعب على المرء متابعتها حيث ينسى بلاء اليوم محنة الأمس. ومصادرها الحس والمشاهدة، ودليلها النتائج المدمرة.. وأصبحت الذبابة نحلة هل رأي أحد يوما الذبابة القذرة التي لا تعيش إلا على العفن والأوساخ والتي تنقل الأمراض المعدية الفتاكة المؤذية، هل رأى أحد تلك الذبابة تحولت بذاتها إلى نحلة تنتقل من زهرة إلى أخرى تقطف من أكثرها طراوة وأحسنها رائحة ما تحوله في معملها العجيب إلى عسل مصفى فيه شفاء للناس.

стр. 7588

نعم والله لقد تحولت ذبابة قذرة مؤذية، هي الجاهلية الكافرة النتنة إلى نحلة معطاءة إلى أمة إسلامية، عمر بن الخطاب نفسه تحول إلى عمر الفاروق الذي ما سلك فجاً إلا سلك الشيطان فجاً غيره. سمية الضعيفة تحولت إلى جبل أشم يقف أمام أبي جهل. مجتمع قريش الجاهل، بل مجتمع الجزيرة العربية، بل مجتمع العالم كله تحول من مجتمع خرافة إلى مجتمع إيمان، من مجتمع فوضى إلى مجتمع نظام من مجتمع ظلم إلى مجتمع عدل، من مجتمع تائه ضائع بلا غاية إلى مجتمع هدفه رضا الله وإخراج الناس من الظلمات إلى النور بذلك السر العجيب منهج الإسلام الخالد: كتاب الله وسنة رسول الله ﷺ ، وبتلك القدوة الحسنة التي كان خلقها القرآن. قال الأستاذ الندوي في كتابه السالف الذكر: "بهذا الإيمان الواسع العميق، والتعليم النبوي المتقن، وبهذه التربية الحكيمة الدقيقة، وبشخصيته الفذة، وبفضل هذا الكتاب السماوي المعجز الذي لا تنقضي عجائبه ولا تخلق جدته، بعث رسول الله ﷺ في الإنسانية المتحضرة حياة جديدة. عمد إلى الذخائر البشرية وهي أكداس من المواد الخام لا يعرف أحد غناءها ولا يعرف محلها وقد أضاعتها الجاهلية والكفر والإخلاد إلى الأرض فأوجد فيها بإذن الله الإيمان والعقيدة. وبث فيها الروح الجديدة وأثار من دفائنها، وأشعل مواهبها، ثم وضع كل واحد في محله فكأنما خلق له، وكأنما كان المكان شاغراً لم يزل ينتظر ويتطلع إليه، وكأنما كان جماداً فتحول جسماً نامياً وإنساناً متصرفاً، وكأنما كان ميتاً لا يتحرك فعاد حياً يملي على العالم إرادته، وكأنما كان أعمى لا يبصر الطريق فأصبح قائداً بصيراً يقود الأمم ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا﴾ .."اهـ.

стр. 7589

إن السعي لتحقيق هذه القمة الرفيقة فرض على الأمة الإسلامية لتأخذ زمام البشرية مرة أخرى وتقودها إلى شاطىء السلامة والأمان بنور هذا الدين الحنيف ولا يمكن تحقيق ذلك إلا بالتزام المنهج الذي التزم به الجيل الرائد وهو كتاب الله وسنة رسوله ﷺ وبالقدوة المربية المقتدية بذلك الإمام الخاتم ﵊. أنواع العلوم وحكمها من حيث المنهج تنقسم العلوم كلها إلى قسمين رئيسيين: - علوم إنسانية: تتعلق بالإنسان نفسه- باعتقاده وخلقه ونظام حياته وصلته بخالقه وبالكون من حوله، وبمعاده. وهذا العلم يجب أن ينبثق منهجه من كتاب الله تعالى وسنة رسوله ﷺ ، لأن الله تعالى أعلم بخلقه وبالمنهج الذي يصلح لهم فدروب النفس ومنحنياتها لا يعلمها إلا بارئها، إذ الإنسان الذي يفتخر بعلمه المادي في هذا القرن ما زالت معرفته بنفسه بدائية (كما يقول القسيس كاريل أحد علماء الغرب البارزين) . ولعلم الله تعالى بما يصلح للنفس يأمرها بالأقدام على ما تكره ويأمرها بالاستسلام له، لأن ما يأمرها به فيه الخير وإن بدا لها في الظاهر أنه شر مكروه، كما قال تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئاً وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ . وهو المبرأ من الظلم فلا يخشى أحد أن يظلم بسبب منهجه تعالى بخلاف البشر "يا عبادي إني حرمت على نفسي الظلم وجعلته بينكم محرماً فلا تظالموا ".

стр. 7590

كما يجب ألا يتلقى المسلم هذا العلم إلا من عالم مسلم، والأصل في المسلم أن يكون أميناً مستوعباً لما يلقيه على طلبته خوفاً من المسئولية أمام ربه كما قال تعالى: ﴿وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً﴾ . وينقسم هذا العلم أيضاً إلى قسمين: فرض عين وهو الذي يجب على كل فرد تحصيله ليصح تصوره لما أراد الله منه، كالعلم بالله، وبالرسول ﷺ وبأركان الإسلام، وبتفاصيل العبادات التي يجب أن يتقرب بها إلى الله تعالى، وأمور الحلال والحرام في المعاملات التي يزاولها في أسرته ومع جيرانه ونحو ذلك. وفرض كفاية وهو العلم الذي لا يطلب من جميع أفراد المسلمين بل يجب أن يكون فيهم من يعلمه فإذا وجد العدد الكافي الذي علم هذا العلم سقط عن باقيهم كالقضاء والإفتاء ونحوهما. - النوع الثاني من العلوم:

стр. 7591

-العلوم الكونية، كالصناعة والزراعة والتجارة والطب والكيمياء والفيزياء وغيرها من المهن المختلفة التي تعتبر ضرورية أو محتاجاً إليها وهذه العلوم فرض كفاية يجب أن يوجد من أفراد المسلمين من يجيدها ليتمكنوا من الاستغناء بهم عن أعدائهم وليعدوا للعدو العدة المأمور بها كما قال تعالى: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ﴾ لأن الحاجة إلى العدو تفتح عليهم أبواباً من الضرر لا تحصى من إفساد عقيدتهم وأخلاقهم وجعلهم أذلاء للأعداء لا يقدرون على تصريف شئونهم الدينية والدنيوية كما هو واقع المسلمين في هذا الزمان، وهذا ما حرص عليه أهل الغرب - أي أن يبقى المسلمين محتاجين إلى علوم الغرب وصناعاتهم، ولذلك أغرقونا بصناعاتهم لا سيما الكمالية منها حتى لا نفكر في اشتغالنا بالصناعة فيكون ذلك هدماً لحضارتهم إذ أن المسلمين يملكون ركيزة الحضارة الحقة وهي الدين الذي لم يبق دين حق سواه، فإذا اجتمع الحديد والكتاب حق على الكفر الذل والدمار وفات عليهم أن يسودوا العالم وإن يستغلوا ثرواته. ولنستمع في هذا المعنى إلى ما قاله أحد الساسة الفرنسيين في منتصف هذا القرن:"إن العالم الإسلامي يقعد اليوم فوق ثروة خيالية من الذهب الأسود والمواد الأولية الضرورية للصناعة الحديثة ولكنه في حاجة إلى الاستقلال في استغلال هذه الإمكانيات الضخمة الكامنة في بطون سهوله وجباله وصحاريه، إنه - يعني العالم الإسلامي- في عين التاريخ عملاق مقيد لم يكتشف نفسه بعد اكتشافاً تاماً فهو حائر قلق كاره لماضيه في عصر الانحطاط راغب رغبة يخالطها شيء من الكسل أو بعبارة أخرى من الفوضى في مستقبل أحسن وحرية أوفر.

стр. 7592

فلنعط هذا العالم ما يشاء ولنقو في نفسه عدم الرغبة في الإنتاج الصناعي والفني، فإذا عجزنا عن تحقيق هذه الخلطة وتحرر العملاق من قيود جهله وعقدة الشعور بعجزه عن مجازاة الغرب في الإنتاج فقد بؤنا بالإخفاق الذريع وأصبح خطر العالم العربي وما وراءه من الطاقات الإسلامية الضخمة خطراً داهماً يتعرض به التراث الحضاري الغربي لكارثة تاريخية ينتهي بها الغرب وتنتهي معه وظيفته القيادية ". اهـ. والأصل أن يتلقى المسلم العلوم الكونية من مسلم ارتبط علمه بعقيدته، فإذا لم يوجد العالم المسلم الذي يغني المسلمين عن التلقي على أيدي الكافرين فإن أخذ العلم عنهم عندئذ متعين ولكن ليس لكل فرد من أفراد المسلمين أن يكون ذلك المتلقي بل الواجب أن يختار الأفراد الذين لا يخشى عليهم من دسائس الكافرين وشبهاتهم ممن أعدوا إعداداً خاصاً في تصورهم الصحيح للإسلام وربوا تربية إيمانية ثابتة ودربوا على السلوك الإسلامي حتى أصبح يسري في أرواحهم ودمائهم ويجب أن يتلقوا فقط العلوم الكونية البحتة وألا يتلقوا شيئاً من الجوانب الاعتقادية أو الأخلاقية أو التشريعية أو الاجتماعية، وأن يكونوا عالمين أن تلقيهم عن هؤلاء الأعداء إنما هو من باب الاضطرار كأكل الميتة يقدر بقدره فإذا أصبح في استطاعة المسلمين الاستغناء بعلمائهم كان لزاماً عليهم بذل جهودهم لتعليم أبنائهم تعليماً يفوقون به أعداءهم حتى يحققوا أمر الله : ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ﴾ . وهذا هو السبيل الذي سلكه المسلمون في العصور الفاضلة عصور الفتح والعلم والقيادة التي كانت أوروبا في حينها في عصورها المظلمة المسماة بالعصور الوسطى التي يخطىء بعض الكتاب من المسلمين بل الراجح أنهم يتعمدون أن يطلقوها على تلك العصور النيرة للمسلمين زوراً وبهتاناً.

стр. 7593

أقول: لقد سلك السلمون هذا المسلك العظيم فاطلعوا على العلوم الموجودة في عهدهم وكانت مطوية في الكتب التي تدرس نظرياً وتشرح وتترجم وتختصر فقط فحولها المسلمون إلى علوم تجريبية تطبيقية في فترة يسيرة من الزمن فأصبحوا أساتذة العالم وموجهيه يفد إليهم طالبو المعرفة من كل مكان، والسر في ذلك ما سبق من اعتبارهم كل عمل يعملونه عبادة تقربهم إلى الله. ولقد عرف أعداء الإسلام هذا السر الذي قفز بالمسلمين في فترة قصيرة من رعاة إبل حفاة جهال متباغضين إلى قادة للعالم حكماء كأنهم جسد واحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى. ولنستمع إلى المستشرقة الألمانية زغريد هونكه - إذ تقول في كتابها المشهور (شمس العرب تسطع على الغرب) : "وهكذا فإن لعلم الفلك لدى المسلم معنى دينياً عميقاً فالنجوم ومدارها والشمس وعظمتها والقمر وسيره لبرهان ساطع على عظمة الله وقوته، الخالق الذي جاء باسمه النبي العربي مبشراً به خالق السموات والأرض وجاعل الظلمات والنور العليم بما في الصدور"اهـ.

стр. 7594

وقالت في الصفحة التالية: "ولن ننسى في هذا المجال أن نذكر عامل الزمن وتحديد أوقات الصلاة والصوم إذ أن كل مؤذن كان يحكم مهنته عالماً فلكياً صغيراً له معرفة علمية بعلم تحديد الأوقات، فهو مضطر أن يفهم كيف يدير الأشعة ليتمكن من تحديد موعد الأذان خمس مرات يومياُ وهو مسوق أيضاً للقيام بحسابات دقيقة لمعرفة أوقات ظهور القمر أول شهر رمضان وفي نهايته، وعليه كذلك أن يحسب مواعيد غروب الشمس وشروقها لتحديد مدة الصيام وموعد الإفطار وليس هذا كل شيء فحسب بل إن كسوف الشمس وخسوف القمر كان يجري حسابها نظراً لما لهاتين الظاهرتين.. من تأثير خارجي على بعض الفروض الدينية بالإضافة إلى تعيين اتجاه مكة المكرمة حيث القبلة التي يولي المؤمن وجهه قبالتها كلما أراد أن يصلي، إذن فقد كان اهتمام المسلمين بمظاهر السماء ضرورياً للغاية، بل قل أكثر ضرورة من الغذاء اليومي نفسه، لذلك تهافتوا- كالأطفال (هكذا) - إلى كل ما يمكن أن يزيدهم علماً ومعرفة ولم يمض وقت طويل حتى أصبح علم الفلك أقرب حقل علمي إلى نفوسهم"اهـ. واقع المسلمين اليوم تلك كانت حالة المسلمين عندما كان المنبع الذي يرتوون منه صافياً لم تشبه شائبة، وهو كتاب الله وسنة رسوله ﷺ وعندما كان المسلم يتلقى العلم للعمل والتطبيق لا لمجرد الشهرة أو المباهاة وعندما كان الداخل في الإسلام لا يلج بابه إلا بعد خلع الجاهلية في قوله وفعله واعتقاده فكان المحافظ على الصف الأول في الصلاة هو المحافظ على الصف الأول في المعركة، وكان حامل المصحف ليقرىء الناس هو حامل اللواء ليقود الناس. ثم ماذا..

стр. 7595

ثم طرأ بعد ذلك ما طرأ على منهج التلقي، فاقتحمت عقائد اليونان أبواب الدولة الإسلامية في فلسفاتهم التي دخلت على أساليب علماء المسلمين ومصطلحاتهم، وخرافات الهند وفارس وطقوس النصارى التي علقت بعبادة الصوفيين ثم استحكم التقليد المذهبي قي الفقه الإسلامي وركود في مكانه. ودب الخلاف بين المسلمين في الأصول والفروع وتفضيل هذا المذهب على ذاك حتى ابتعد الناس عن كتاب الله وسنة رسوله ﷺ فانطفأت جذوة العاطفة وخيم الجحود. ومن الجدير بالذكر أن هذا الجمود لم يطرأ على المسلمين إلا عندما توقف الفتح الإسلامي الذي كان قد وصل إلى حدود الصين شرقاً وإلى المحيط الأطلسي غرباً وإلى حدود فرنسا في أوروبا، والذي كان الفقه الإسلامي يتصاعد بتصاعده. وتبع ذلك خلود إلى الأرض وكسل في العمل وقعود عن معالي الأمور فانحط العلم الإسلامي انحطاطاً اختلت به الموازين وتقدم ركب البشرية غير قائده فسلك بها دروب الهلاك وأوقعها في شباك الردى. نقلت أوربا علوم المسلمين في معاهدهم وجامعاتهم بالأندلس، ونقلتها كذلك عندما اصطدمت بهم في الحروب المسماة بالصليبية لمدة قرنين من الزمان، وقد كان أهل أوربا بعيدين كل البعد عن العلوم التجريبية إذ كانوا يدرسون العلوم دراسة نظرية تشككهم في معلوماتهم الكنيسة في كل ما يخالف تعاليمها المنسوبة إلى الله زوراً وبهتاناً ولكنهم بعد أن تتلمذوا على يد المسلمين وجنوا بعض ثمار تلك العلوم لم يعودوا يأبهون بمزاعم الكنيسة أو يقبلونها بل صمدوا ضدها رغم القهر والاعتساف والتهديد حتى هزموها في نهاية المطاف ولم تعد منح الدنيا والآخرة معاً أو منعها من أحد.

стр. 7596

وبنقل أوربا تلك العلوم من جامعات المسلمين نبتت نواة حضارتها المادية وكانت قبل ذلك تغط في نوم عميق من التأخر والوحشية، ولنستمع إلى شهادة أحد أبنائها من أعداء الإسلام قال: غوستاف لوبون في كتابه- (حضارة العرب) :"ظهر مما تقدم أن تأثير الشرق في تمدين الغرب كان عظيماً جداً بفعل الحروب الصليبية وأن ذلك التأثير كان في الفنون والصناعات والتجارة أشد منه في العلوم والآداب وإذا ما نظرنا إلى تقدم العلاقات التجارية العظيم باطراد بين الغرب والشرق وإلى ما نشأ من تحاك الصليبيين والشرقيين من النمو في الفنون والصناعة تجلى لنا أن الشرقيين هم الذين أخرجوا من التوحش وأعدوا النفوس إلى التقدم بفضل علوم- العرب وآدابهم التي أخذت جامعات أوربا تعول عليها فانبثق عصر النهضة منها ذات يوم "اهـ. وبهذا الانبثاق المبني على عداء الكنيسة لتلك العلوم بدأت أوروبا نهضتها على أساس فصل الدين عن العلم، فلا يعمل في المصنع ما يعمل في الكنيسة ولا يفكر المتعبد في الكنيسة بأمور المصنع، أي إما علم بلا دين وإما دين بلا علم؛ فابتعدوا عن الله ابتعاداً سبب الفساد المنتشر في الأرض، وهو ينذر بالدمار والهلاك. قال سيد قطب ﵀ في كتابه: (في ظلال القرآن) :"والعلم الذي يبعد القلب عن ربه علم فاسد زائغ عن مصدره وعن هدفه لا يثمر سعادة لصاحبه، ولا للناس إنما يثمر الشقاء والخوف والقلق والدمار؛ لأنه انقطع عن مصدره وانحرف عن وجهه وضل طريقه إلى الله. ولقد انتهت البشرية اليوم إلى رحلة جيدة من مراحل العلم بتحطيم الذرة واستخدامها، ولكن ماذا جنت البشرية اليوم من مثل هذا العلم الذي لا يذكر أصحابه الله ولا يخشونه ولا يحمدون له: ولا يتوجهون بعلمهم إليه؟ ماذا جنت غير الضحايا الوحشية في قنبلتي هيروشيما وناجازاكي وغير الخوف والقلق الذي يؤرق جفون الشرق والغرب معاً ويتهددهم بالتحطيم والدمار والفناء".

стр. 7597

وعلى هذا الأساس جد الغربيون في الاكتشاف والتجربة وظهرت ثمار جدهم المادية بسرعة هائلة أذهلت المسلمين الذين كانوا هم يغطون في نوم عميق هذه المرة، ففتحوا أعينهم على مصانع الأرض وهي توزع على العالم إنتاجها وآلاتها النافعة في السلم والحرب. كما فتحوا أعينهم على أنظمة إدارية متقنة تقل فيها الفوضى، وأنظمة سياسية يتقلص فيها الاستبداد وتجسم فيها الديمقراطية التي فيها نوع من الشبه بالشورى في الإسلام، فانبهروا لما رأوا وندموا على ما أضاعوا من الوقت وانجلى أمام أعينهم ما هم فيه من التأخر عن ركب التقدم المادي الذي أحرزه الغرب فتاقت نفوسهم للحاق بالركب الحضاري المادي فتعالت الصرخات للحث على الأخذ من تلك العلوم التي أحرز الغرب تقدماً فيها. فنادت فئة بأخذ ما عند القوم على علاته ما يتصل بالجانب الإنساني من عقيدة وقانون وأخلاق، وما يتصل بالجانب الكوني. وعارضتها فئة أخرى معارضة كاملة تدعو إلى الابتعاد عن الغرب وعلومه خشية من انحراف المسلمين إلى عقائد الكفار وأخلاقهم ونادت فئة أخرى إلى أخذ الصالح النافع الذي لا يعارض الإسلام، وهو الجانب الكوني فقط مع الحذر من عقائدهم وسلوكهم وليت هذه الفئة انتصرت على الفئتين الأخريين إلا أن الأولى متطرفة تدعو إلى فتح الباب على مصراعيه لكل شر وبلاء والثانية- تدعو إلى غلقه مطلقاً، وهو أمر غير ممكن وخير الأمور أوسطها.

стр. 7598

ولقد أراد الله أن يكون الصوت المسموع هو صوت الداعين إلى التغريب المطلق، لأن العوامل والسنن كانت في جانب هذا الصوت المشئوم، إذ تفشي الجهل في الشرق الإسلامي، وانتشرت الأمراض والأوبئة، وخيم الفقر المدقع وهذا ثالوث خطير لا تطيق البشرية عليه صبراً وأي داع يرفع صوته للقضاء على هذا الثالوث يعتبر منقذاً عند جماهير الناس في مثل هذه الحال خصوصاً إذا كانت ثمار دعوته قد أينعت وقطفت بعض أزهارها وذاق الناس طعمها كما هو الحال في الغرب آنذاك، إذ انتشرت المدارس والمعاهد والجامعات وأسست المستشفيات ودور الأيتام، وطارت أسراب الحديد في السماء تنهب الجو نهباً، ومخرت الفلك العملاقة عباب المحيطات وشقت الطرقات المعبدة التي تعاونت مع السيارات على طي المسافات البعيدة في وقت قصيرة وطاولت القصور الشاهقة السحاب في السماء، وتلألأت الأنوار الكاشفة في المنازل والشوارع فأصبح الليل كالنهار، وغير ذلك مما لا يحصيه العد. فانطلقت جموع أبناء المسلمين إلى مدارس الغرب التي أنشأها المستعمرون في البلاد المستعمرة، كمصر ودول شمال أفريقيا، ولبنان وسوريا والعراق واندونيسيا والهند وغيرها، كما هرعوا إلى جامعات الغرب في أوروبا وأمريكا، وكانت قلوبهم خاوية من عقيدة الإيمان وعقولهم خالية من علوم الإسلام، وصلتهم بالله مبتوتة فتلقتهم تلك المدارس والجامعات بمناهج معدة إعداداً يحقق أهداف الكفر، وهي اقتلاع ما بقي من أثر للعقيدة الإسلامية في قلوبهم بالشبهات وإفساد سلوكهم بالشهوات، كالزنا والخمر والنوادي الفاسدة والمسارح والأفلام السينمائية وغيرها.

стр. 7599

وملء قلوبهم بالعقائد الفاسدة وعقولهم بالأفكار المنحرفة، ثم شغل أوقاتهم في غير ما وفدوا من أجله من تعلم العلوم والمعارف حتى يتخرجوا جهالاً بالعلم الذي تخصصوا فيه في صورة علماء به حتى لا تستغني بهم بلادهم بل تبقى دائماً في حاجة إلى المستعمرين فيعود الدارس ممسوخ العقيدة والسلوك والتخصص. وإذا حصل شذوذ في هذه القاعدة فبرز أحدهم في تخصصه أغروه بشتى المغريات ليبقى في بلادهم وما أكثر العقول التي حالوا بينها وبين العودة إلى بلادها وإذا أفلت منهم أحد هؤلاء النوابغ فرجع إلى بلاده لم يجد فيها الإمكانيات المناسبة لاختصاصه فيعود ميمماً شطر المغرب، وقد يجازى في بلاده جزاء سنمار فيودع في المعتقل أو يوضع في وظيفة تعتبر إهانة له ولتخصصه. لهذا بقيت الشعوب الإسلامية مفتقرة لاستيراد الإبرة كالطائرة مع أن كثيراً من أبنائها يحملون أرقى الشهادات الغربية التي يعتبرونها مفخرة من مفاخر التاريخ. والقليل الذي يبذل جهده في اختصاصه حسب الإمكانيات المتاحة يعتبر نفسه من ذوي العلم الذي لا ينبغي أن يمت إلى الدين بصلة كما هي طبيعة أساتذته في الغرب الذين فصلوا العلم المادي عن الدين لأن دينهم المحرف لم يقبل الانسجام مع العلم بل لم يقبل المصالحة معه فسووا بين الدين المسيحي المحرف وبين الدين الإسلامي الذي نزلت أول آياته بأعظم مفتاحين للمعرفة وهما القراءة والكتابة، كما قال تعالى:: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ خَلَقَ الإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ اقْرَأْ وَرَبُّكَ الأَكْرَمُ الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ عَلَّمَ الإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾ وهو تقليد أعمى يفوق تقليد القرود، وظلم عظيم يسوي بين النور والظلام.

стр. 7600

لذلك ابتليت الأمم الإسلامية بسرطان الغرب في أبنائها الذين رجعوا حرباً على كل قيمة وخلق. ابتليت بمن حارب العقيدة الإسلامية والخلافة الإسلامية ولغة القرآن فأحلوا العقائد الكافرة محل الإيمان والقوميات والشعوبية الممزقة محل الخلافة الجامعة وولي المسلمين ساسة من تلاميذ الغرب جروا شعوبهم بالقوة إلى الإلحاد والكفر وصرح كثير منهم بكفره دون خجل. كما ابتليت الأمم الإسلامية بموجهين وضعوا مناهج للتعليم مشتملة على نظريات الكفر والتحلل منفذين تعاليم أسيادهم من اليهود والنصارى والشيوعيين, وحاربوا أي منهج نابع من عقيدة المسلمين، وأقصوا كل من شموا منه رائحة التوجيه إلى هذه العقيدة. كما وضعوا لأجهزة الإعلام مناهج قصد منها مسخ أبناء الإسلام مسخاً يصعب معه تربيتهم على الهدى والخلق الكريم وإن ساعة واحدة من بعض هذه الأجهزة الموجهة ضد العقيدة والأخلاق لجديرة بتحطيم أخلاق شعب بأكمله أو أضعافها لا فرق بين مدني وبدوي لأنها في متناول الجميع. كما ابتلى المسلمون بأفواج من حملة الشهادات القانونية متخرجين في كليات الحقوق من قضاة ومحامين تعلقت قلوبهم بالتشريع البشري وأصبح عندهم أفضل من تشريع الله صاغوا للشعوب قوانين الغرب بل صاغوها في الحقيقة لحماية حكام تلك الشعوب وتحت ضغط توجيههم فكانوا وبالاً على العدل. كما أخرجت لنا المدارس والمعاهد والجامعات طوابير من نوع آخر هم المغنون والمغنيات والراقصون والراقصات والممثلون والممثلات أفسدوا الشعوب إفساداً وكأن تلك الشعوب في حاجة إلى أمثال هؤلاء ليحرروا بهم بلادهم من العدو الدخيل.
следующие страницы →