Полный текст (23 804 стр.). Показаны 7596–7635 · переход к 7601.
стр. 7596
وبنقل أوربا تلك العلوم من جامعات المسلمين نبتت نواة حضارتها المادية وكانت قبل ذلك تغط في نوم عميق من التأخر والوحشية، ولنستمع إلى شهادة أحد أبنائها من أعداء الإسلام قال: غوستاف لوبون في كتابه- (حضارة العرب) :"ظهر مما تقدم أن تأثير الشرق في تمدين الغرب كان عظيماً جداً بفعل الحروب الصليبية وأن ذلك التأثير كان في الفنون والصناعات والتجارة أشد منه في العلوم والآداب وإذا ما نظرنا إلى تقدم العلاقات التجارية العظيم باطراد بين الغرب والشرق وإلى ما نشأ من تحاك الصليبيين والشرقيين من النمو في الفنون والصناعة تجلى لنا أن الشرقيين هم الذين أخرجوا من التوحش وأعدوا النفوس إلى التقدم بفضل علوم- العرب وآدابهم التي أخذت جامعات أوربا تعول عليها فانبثق عصر النهضة منها ذات يوم "اهـ.
وبهذا الانبثاق المبني على عداء الكنيسة لتلك العلوم بدأت أوروبا نهضتها على أساس فصل الدين عن العلم، فلا يعمل في المصنع ما يعمل في الكنيسة ولا يفكر المتعبد في الكنيسة بأمور المصنع، أي إما علم بلا دين وإما دين بلا علم؛ فابتعدوا عن الله ابتعاداً سبب الفساد المنتشر في الأرض، وهو ينذر بالدمار والهلاك.
قال سيد قطب ﵀ في كتابه: (في ظلال القرآن) :"والعلم الذي يبعد القلب عن ربه علم فاسد زائغ عن مصدره وعن هدفه لا يثمر سعادة لصاحبه، ولا للناس إنما يثمر الشقاء والخوف والقلق والدمار؛ لأنه انقطع عن مصدره وانحرف عن وجهه وضل طريقه إلى الله. ولقد انتهت البشرية اليوم إلى رحلة جيدة من مراحل العلم بتحطيم الذرة واستخدامها، ولكن ماذا جنت البشرية اليوم من مثل هذا العلم الذي لا يذكر أصحابه الله ولا يخشونه ولا يحمدون له: ولا يتوجهون بعلمهم إليه؟ ماذا جنت غير الضحايا الوحشية في قنبلتي هيروشيما وناجازاكي وغير الخوف والقلق الذي يؤرق جفون الشرق والغرب معاً ويتهددهم بالتحطيم والدمار والفناء".
стр. 7597
وعلى هذا الأساس جد الغربيون في الاكتشاف والتجربة وظهرت ثمار جدهم المادية بسرعة هائلة أذهلت المسلمين الذين كانوا هم يغطون في نوم عميق هذه المرة، ففتحوا أعينهم على مصانع الأرض وهي توزع على العالم إنتاجها وآلاتها النافعة في السلم والحرب. كما فتحوا أعينهم على أنظمة إدارية متقنة تقل فيها الفوضى، وأنظمة سياسية يتقلص فيها الاستبداد وتجسم فيها الديمقراطية التي فيها نوع من الشبه بالشورى في الإسلام، فانبهروا لما رأوا وندموا على ما أضاعوا من الوقت وانجلى أمام أعينهم ما هم فيه من التأخر عن ركب التقدم المادي الذي أحرزه الغرب فتاقت نفوسهم للحاق بالركب الحضاري المادي فتعالت الصرخات للحث على الأخذ من تلك العلوم التي أحرز الغرب تقدماً فيها. فنادت فئة بأخذ ما عند القوم على علاته ما يتصل بالجانب الإنساني من عقيدة وقانون وأخلاق، وما يتصل بالجانب الكوني. وعارضتها فئة أخرى معارضة كاملة تدعو إلى الابتعاد عن الغرب وعلومه خشية من انحراف المسلمين إلى عقائد الكفار وأخلاقهم ونادت فئة أخرى إلى أخذ الصالح النافع الذي لا يعارض الإسلام، وهو الجانب الكوني فقط مع الحذر من عقائدهم وسلوكهم وليت هذه الفئة انتصرت على الفئتين الأخريين إلا أن الأولى متطرفة تدعو إلى فتح الباب على مصراعيه لكل شر وبلاء والثانية- تدعو إلى غلقه مطلقاً، وهو أمر غير ممكن وخير الأمور أوسطها.
стр. 7598
ولقد أراد الله أن يكون الصوت المسموع هو صوت الداعين إلى التغريب المطلق، لأن العوامل والسنن كانت في جانب هذا الصوت المشئوم، إذ تفشي الجهل في الشرق الإسلامي، وانتشرت الأمراض والأوبئة، وخيم الفقر المدقع وهذا ثالوث خطير لا تطيق البشرية عليه صبراً وأي داع يرفع صوته للقضاء على هذا الثالوث يعتبر منقذاً عند جماهير الناس في مثل هذه الحال خصوصاً إذا كانت ثمار دعوته قد أينعت وقطفت بعض أزهارها وذاق الناس طعمها كما هو الحال في الغرب آنذاك، إذ انتشرت المدارس والمعاهد والجامعات وأسست المستشفيات ودور الأيتام، وطارت أسراب الحديد في السماء تنهب الجو نهباً، ومخرت الفلك العملاقة عباب المحيطات وشقت الطرقات المعبدة التي تعاونت مع السيارات على طي المسافات البعيدة في وقت قصيرة وطاولت القصور الشاهقة السحاب في السماء، وتلألأت الأنوار الكاشفة في المنازل والشوارع فأصبح الليل كالنهار، وغير ذلك مما لا يحصيه العد.
فانطلقت جموع أبناء المسلمين إلى مدارس الغرب التي أنشأها المستعمرون في البلاد المستعمرة، كمصر ودول شمال أفريقيا، ولبنان وسوريا والعراق واندونيسيا والهند وغيرها، كما هرعوا إلى جامعات الغرب في أوروبا وأمريكا، وكانت قلوبهم خاوية من عقيدة الإيمان وعقولهم خالية من علوم الإسلام، وصلتهم بالله مبتوتة فتلقتهم تلك المدارس والجامعات بمناهج معدة إعداداً يحقق أهداف الكفر، وهي اقتلاع ما بقي من أثر للعقيدة الإسلامية في قلوبهم بالشبهات وإفساد سلوكهم بالشهوات، كالزنا والخمر والنوادي الفاسدة والمسارح والأفلام السينمائية وغيرها.
стр. 7599
وملء قلوبهم بالعقائد الفاسدة وعقولهم بالأفكار المنحرفة، ثم شغل أوقاتهم في غير ما وفدوا من أجله من تعلم العلوم والمعارف حتى يتخرجوا جهالاً بالعلم الذي تخصصوا فيه في صورة علماء به حتى لا تستغني بهم بلادهم بل تبقى دائماً في حاجة إلى المستعمرين فيعود الدارس ممسوخ العقيدة والسلوك والتخصص.
وإذا حصل شذوذ في هذه القاعدة فبرز أحدهم في تخصصه أغروه بشتى المغريات ليبقى في بلادهم وما أكثر العقول التي حالوا بينها وبين العودة إلى بلادها وإذا أفلت منهم أحد هؤلاء النوابغ فرجع إلى بلاده لم يجد فيها الإمكانيات المناسبة لاختصاصه فيعود ميمماً شطر المغرب، وقد يجازى في بلاده جزاء سنمار فيودع في المعتقل أو يوضع في وظيفة تعتبر إهانة له ولتخصصه.
لهذا بقيت الشعوب الإسلامية مفتقرة لاستيراد الإبرة كالطائرة مع أن كثيراً من أبنائها يحملون أرقى الشهادات الغربية التي يعتبرونها مفخرة من مفاخر التاريخ.
والقليل الذي يبذل جهده في اختصاصه حسب الإمكانيات المتاحة يعتبر نفسه من ذوي العلم الذي لا ينبغي أن يمت إلى الدين بصلة كما هي طبيعة أساتذته في الغرب الذين فصلوا العلم المادي عن الدين لأن دينهم المحرف لم يقبل الانسجام مع العلم بل لم يقبل المصالحة معه فسووا بين الدين المسيحي المحرف وبين الدين الإسلامي الذي نزلت أول آياته بأعظم مفتاحين للمعرفة وهما القراءة والكتابة، كما قال تعالى:: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ خَلَقَ الإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ اقْرَأْ وَرَبُّكَ الأَكْرَمُ الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ عَلَّمَ الإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾ وهو تقليد أعمى يفوق تقليد القرود، وظلم عظيم يسوي بين النور والظلام.
стр. 7600
لذلك ابتليت الأمم الإسلامية بسرطان الغرب في أبنائها الذين رجعوا حرباً على كل قيمة وخلق. ابتليت بمن حارب العقيدة الإسلامية والخلافة الإسلامية ولغة القرآن فأحلوا العقائد الكافرة محل الإيمان والقوميات والشعوبية الممزقة محل الخلافة الجامعة وولي المسلمين ساسة من تلاميذ الغرب جروا شعوبهم بالقوة إلى الإلحاد والكفر وصرح كثير منهم بكفره دون خجل.
كما ابتليت الأمم الإسلامية بموجهين وضعوا مناهج للتعليم مشتملة على نظريات الكفر والتحلل منفذين تعاليم أسيادهم من اليهود والنصارى والشيوعيين, وحاربوا أي منهج نابع من عقيدة المسلمين، وأقصوا كل من شموا منه رائحة التوجيه إلى هذه العقيدة.
كما وضعوا لأجهزة الإعلام مناهج قصد منها مسخ أبناء الإسلام مسخاً يصعب معه تربيتهم على الهدى والخلق الكريم وإن ساعة واحدة من بعض هذه الأجهزة الموجهة ضد العقيدة والأخلاق لجديرة بتحطيم أخلاق شعب بأكمله أو أضعافها لا فرق بين مدني وبدوي لأنها في متناول الجميع.
كما ابتلى المسلمون بأفواج من حملة الشهادات القانونية متخرجين في كليات الحقوق من قضاة ومحامين تعلقت قلوبهم بالتشريع البشري وأصبح عندهم أفضل من تشريع الله صاغوا للشعوب قوانين الغرب بل صاغوها في الحقيقة لحماية حكام تلك الشعوب وتحت ضغط توجيههم فكانوا وبالاً على العدل.
كما أخرجت لنا المدارس والمعاهد والجامعات طوابير من نوع آخر هم المغنون والمغنيات والراقصون والراقصات والممثلون والممثلات أفسدوا الشعوب إفساداً وكأن تلك الشعوب في حاجة إلى أمثال هؤلاء ليحرروا بهم بلادهم من العدو الدخيل.
стр. 7601
ومن العجيب حقاً- وعجائب الشاردين عن الله لا تنقضي أن يعلو قدر هؤلاء الساقطين لدى أكثر كبار قادة الشعوب الإسلامية فيغدقون عليهم الجوائز ويسخرون لهم أجهزة الإعلام لبث عارهم وفسادهم في أغلب الأوقات. وإذا مات أحد هؤلاء السفلة جندت لإشهار موته أجهزة الدولة للمشاركة في موكب جنازته الذي يوحي لمن رآه وقد تقدم الموكب كبار رجال الدولة من السياسيين والعسكريين أن هذا موكب بطل من الأبطال الذين سجلوا في صحائف التاريخ طول حياتهم أروع البطولات. مع أنهم كانوا السبب في القضاء على البطولة والجد في الشباب.
هذا في حال أنك ترى البطل الشجاع الذي نذر حياته لإنقاذ شعبه من الظلم والمذلة يوارى جثمانه في ظلمة الليل في قطعة من الأرض مجهولة قد لا يراه أقرب المقربين إليه.
وإذا ذكر في أجهزة الإعلام فإنما يذكر بصفات منفرة وألقاب قذرة توحي للسامع أو القارىء أنه عدو لشعب يسعى إلى إفساده جرياً على قاعدة فرعون وإخوانه ﴿مَا أُرِيكُمْ إِلاَّ مَا أَرَى وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشَادِ﴾ .
وبذلك يعمق في نفوس الشباب حب الهزل والميوعة لأنهما أعلى درجة وأذكر في الناس من الاتصاف بصفات المجاهدين المغمورين المشوهة سمعتهم بين الناس على مستوى الدولة وعلى أوسع نطاق.
وعلى هذا المنوال صارت المحاضن التي أشرف على مناهجها المستعمرون في بلاد المسلمين، بله المحاضن الغربية نفسها فإنها لم تخرج في الغالب إلا أعداء للدين الإسلامي على اختلاف تخصصاتهم وأعمالهم الوظيفية. وقليل من نجا منهم. فانقلبت بذلك الموازين والقيم حتى صار الحق باطلاً والباطل حقاً.
стр. 7602
قبس من بلاغة الفاروق ﵁
بقلم الدكتور علي البدري
الأستاذ المشارك بالجامعة الإسلامية – كلية اللغة العربية والآداب
الفاروق عمر بن الخطاب بن نفيل.. من بنى عدي بن كعب بن لؤي.
كناني قرشي يلتقي مع رسول الله ﷺ في الجد الثامن (كعب بن لؤي) .. وهو خطيب قريش في الجاهلية..
أمه حنتمة بنت هاشم بن المغيرة. فهي ابنة عم كل من أبي جهل. وخالد بن الوليد ﵁.. وشارك عمر خاله المشرك أبا جهل في هيبة قرشية دعت رسول الله ﷺ أن يدعو ربه أن يعز الإسلام بأحد العمرين.
واستجيبت دعوة رسول الله ﷺ . فكان الفاروق ﵁ ثاني رجلين هما أحب الناس إلى الرسول ﷺ .
كان الفاروق طويلاً مهيباً. كأنه راكب والناس يمشون. ولونه يميل إلى الأدمة والشقرة، كما وصفه بذلك أولاده. وكانت سنه أصغر من سن الرسول ﷺ بستة عشر عاماً كان قوي الحجة محباً للحق. مرهف الحس رائع البيان.
أسلم في السنة السادسة للبعثة بعد أربعين مسلماً تقريباً. وضربه المشركون لإسلامه وضربهم ورد على أبي جهل جواره.
وفرق الله تعالى بإسلام عمر بين الحق والباطل. وكان الجهر بالدعوة. ثم هاجر علناً. يقول علي:"لما هم عمر بالهجرة تقلد سيفه ومضى قبل الكعبة والملأ من قريش بفنائها. فطاف بالبيت سبعاً. ثم أتى المقام فصلى متمكناً. ثم مر على الملأ، وقال: شاهت الوجوه لا يرغم الله إلا هذه المعاطس. من أراد أن تثكله أمه، ويؤتم ولده وترمل زوجه فليلقني وراء هذا الوادي.! ! [١] .
قال: فما لقيه أحد منهم ". ويقول ابن مسعود ﵁:
"كان إسلام عمر فتحاً. وكانت هجرته نصراً. وكانت إمارته رحمة. ولقد رأيتنا وما نستطيع أن نصلي في البيت حتى أسلم عمر.."وقال حذيفة ﵁:
стр. 7603
"لما أسلم عمر. كان الإسلام كالرجل المقبل لا يزداد إلا قرباً. فلما قتل كان الإسلام كالرجل المدبر لا يزداد إلا بعداً " [٢] .
وشهد الفاروق جميع الغزوات مع رسول الله ﷺ . وكثيراً ما نزل القرآن برأيه. ونشير إلى ذلك على سبيل المثال لا الحصر.
من ذلك إشارته على رسول الله ﷺ بأن يقتل المشركين أسرى بدر وشبهه النبي يومئذ بنوح إذ قال: ﴿رَبِّ لا تَذَرْ عَلَى الأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّاراً إِنَّكَ إِنْ تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبَادَكَ وَلا يَلِدُوا إِلاَّ فَاجِراً كَفَّاراً﴾ [٣] ثم نزل آيات سورة الأنفال برأي عمر وذلك قوله تعالى: ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الأَرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللَّهُ يُرِيدُ الآخِرَةَ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [٤] .
وعمر ﵁ هو الذي أشار على رسول الله ﷺ . بأن يأمر نساءه بالاحتجاب عن الناس جميعاً ونزل بعد ذلك قوله تعالى ... ﴿وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعاً فَاسْأَلوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَاب﴾ [٥] .
ويوم وفاة ابن أبي. قال الفاروق للنبي ﷺ :" أتصلي عليه وقد قال يوم كذا: كذا وكذا وكذا يشير إلى قوله: ﴿لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الأَعَزُّ مِنْهَا الأَذَلّ﴾ ، وما نحن وهؤلاء إلا كما قال القائل: سمن كلبك يأكلك ".
ثم نزل قوله تعالى: ﴿وَلا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَداً وَلا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ إِنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَمَاتُوا وَهُمْ فَاسِقُونَ﴾ [٦] .
стр. 7604
ولما اختلفت عائشة وحفصة ﵄ نزلت آية ﴿عَسَى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْوَاجاً خَيْراً مِنْكُنَّ مُسْلِمَاتٍ مُؤْمِنَاتٍ قَانِتَاتٍ تَائِبَاتٍ عَابِدَاتٍ سَائِحَاتٍ ثَيِّبَاتٍ وَأَبْكَاراً﴾ [٧] .
مؤيدة لرأي عمر ﵁.
ويوم حديث الإفك قال للنبي ﷺ :"يا رسول الله أترى ربك قد دلس عليك في زواجها! ! ثم قال:"سبحانك هذا بهتان عظيم". ونزلت آيات سورة النور ببراءة عائشة ﵂.
ولما سمع قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنْسَانَ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ..﴾ الخ الآيات.
قال عمر بعدها:"فتبارك الله أحسن الخالقين. فقال رسول الله ﷺ لكاتب الوحي: يومئذ هكذا نزلت فاكتبها ".
وهكذا نرى القرآن الكريم كثيراً ما ينزل برأي عمر ﵁.
هذا وقد ندبه رسول الله ﷺ للرد على المشركين يوم أحد وقد قال أبو سفيان:"يوم بيوم بدر والحرب سجال: أعل هبل.
فرد عليه عمر: الله أعلى وأجل. لا سواء. قتلانا في الجنة وقتلاكم في النار.
ثم سأله أبو سفيان: هل قتل محمد ﷺ . فلما أجابه قال:"أنت أصدق عندي من ابن قميئة وأبر " [٨] .
وكان دور الفاروق واضحاً في عهد رسول الله ﷺ . وبعد وفاته قال للصديق ﵄:"أما علمت أن الأنصار قد اجتمعوا في سقيفة بني ساعدة. قصداً إلى تولية هذا الأمر سعد بن عبادة وأحسنهم مقالة من يقول: منا أمير ومنكم أمير.
وجاء الشيخان ومعهما أمين هذه الأمة أبو عبيدة. فتكلموا يومئذ. وقال عمر: بعد أن حمد الله تعالى وأثنى عليه: هيهات لا يجتمع اثنان في قرن. والله لا ترضى العرب أن يؤمروكم ونبيهاً من غيركم، والعرب لا تمتنع أن تولي أمرها من كانت النبوة فيهم ".
стр. 7605
وهكذا يقطع الفاروق ﵁ الشك باليقين. في أسلوب يفيض بلاغة وبياناً وبايع الناس أبا بكر ﵃ جميعاً.
وبعد وفاة الصديق سمع الفاروق أناسا يفضلونه عنه. فأبى ذلك ثم قال: لولا موقف أبين بكر يوم الردة ومنع الزكاة، لردت إلى التاريخ دولة المسلمين.
وعندما تولى الخلافة ﵁ قال في بلاغة وتواضع:
ما كان الله ليراني أرى نفس أهلا لمجلس أبي بكر ثم نزل عن مجلسه مرقاة ثم قال:.. أيها الناس إني قد وليت عليكم. ولولا رجاء أن أكون خيركم لكم. وأقواكم عليكم وأشدكم استضلاعاً بما ينوب من مهم أموركم. ما توليت ذلك منكم. ولكفى عمر مهما محزنا انتظار موقف الحساب بأخذ حقوقكم ووضعها في مكانها. فربي المستعان فإن عمر أصبح لا يثق بقوة ولا حيلة إن لم يتداركه الله برحمته وعونه وتأييده.
وهذا أسلوب سهل مطبوع لا التواء فيه ولا غموض. ولا هو بالمتكلف الممجوج.
وقديما قال النقاد: إن خبر القول ما كان معناه إلى قلبك أسرع من لفظه إلى سمعك [٩] .
ويقول الحاحظ: أحسن الكلام. ما أغناك قليله عن كثيره. وما كان معناه في ظاهر لفظه. فهو الذي يصنع في القلوب صنيع الغيث في التربة.
وعلى هذا النمط رأينا عمر يقول لقواد المسلمين: اسمعوا من أصحاب رسول الله ﷺ وأشركوهم في الأمر ولا تجهدوا مسرعا فإنها الحرب والحرب لا يصلحها إلا الرجل المكيث الذي يعرف الفرصة والكف.
стр. 7606
وقال لسعد بن أبي وقاص: ترفق بالمسلمين في مسيرهم. ولا تجشمهم سيرا يتعبهم.. حتى يبلغوا عدوهم والسفر لم ينقص قوتهم. وإذا وطئت أرض العدو فأذك العيون بينك وبينهم. ولا يخف عليك أمرهم. وليكن عندك من تطمئن إلى نصحه وصدقه. فإن الكذوب لا ينفع خبره وإن صدقك في بعضه. والناس عين عليك وليس عينا لك. ولا تبعثن سرية ولا طليعة في وجه تتخوف منه غلبة أو ضيعة أو نكاية. فإذا عاينت العدو فاضمم إليك أقاصيك وطلائعك وسراياك. واجمع إليك مكيدتك وقوتك. ثم لا تعاجلهم المناجزة ما لم يكرهك قتال حتى تبصر عورة عدوك ومقاتله. وتعرف الأرض كلها كمعرفة أهلها فتصنع بعدوك كصنعه بك.
وآمرك ومن معك أن تكنوا أشد احترسا من المعاصي منكم من عدوكم. فإن ذنوب الجيش أخوف عليهم من عدوهم. ولا تستنصروا على أهل الحرب بظلم أهل الصلح.. فإن لهم حرمة وذمة ابتليتم بالوفاء بها. كما ابتلوا بالصبر عليها. فما صبروا لكم فتولوهم خيرا. ١ هـ.
وكان يقول للمجاهدين. قاتلوا في سبيل الله من كفر بالله ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين. ولا تمثلوا عند القدرة ولا تجبنوا عند اللقاء. ولا تقتلوا هرما ولا امرأة ولا وليدا، وتوقوا قتلهم إذا التقى الزحفان وعند شن الغارات.
وبهذه الدراية الواسعة بالحرب فتح الفاروق العراق والشام ومصر وأرمينية وكل امبراطورية فارس حتى قيل أن الرقعة التي فتحها لو تمت لعشرة خلفاء في عشرة أمثال خلافته لعدوا من الفاتحين. وكانت توجيهاته مصوغة بعبارات مسبوكة محبوكة ملؤها البالغة وسحر البيان.
وفي صيانته للأسرة المسلمة نراه يقول لرجل أزمع الطلاق لأنه لا يحب زوجته: ويحك ألم تبن البيوت إلا على الحب فأين الرعاية وأين التذمم [١٠] .
وهكذا تبدو توجيهاته السديدة في الأمور الصغيرة والكبيرة.
стр. 7607
وكان جزاؤه على الله تعالى. فقد كان راتبه اليومى درهما وربع درهم. فقالت له أمرأته يوما إنها ادخرت ربع الدرهم ثم اشترت قميصا. فصادر ثمن القميص وخفض راتبه اليومي إلى درهم فقط.
كان الفاروق ﵁ يقول للمسلمين منتهزاً فرصة الحج.. يا معشر المسلمين: إنا لم نبعث عمالنا إليكم ليضربوا أبشاركم. ويأخذوا أموالكم. ولكن بعثناهم ليعلموكم ويخدموكم فمن فعل به شيء سوى ذلك فليرفعه إلى. فوالذي نفس عمر بيده لأقصنه منه فقال ابن العاص: حتى وإن أدب رعيته؟ فقال الفاروق: إي والله لأقصنه منه وقد رأيت رسول الله ﷺ يقص من نفسه. ألا لا تضربوا المسلمين فتذلوهم. ولا تجمروهم فتفتنوهم. ولا تمنعوهم حقوقهم فتكفروهم.
وقال لعمرو في موطن آخر.. متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارا [١١] .
وهكذا شفى الفاروق رعيته من كثير من عيوبها.
وعندما اعترضت عليه امرأة بحق. قال على ملأ من الناس: أصابت امرأة وأخطأ عمر..
وهذا لا يكاد يصدر عن مسئول في دنيا الناس. إلا متأدبا بأجدب الإسلام.
وقال في عبارات أخاذة بالألباب: لو أن جملا هلك ضياعا بالعراق لخشيت أن يسألني عنه ربي ...
وكان الفاروق ﵁ فطنا كيسا واعيا لأسرار الله في كونه. فقد ظل أكثر من عشرة أعوام خليفة للمسلمين يخطب الجمع والأعياد وغيرهما.
وكانت رسائله الصادرة في دولة مترامية الأطراف تفيض بالحكم والأمثال جارية بين طرفي الإيجاز والإطناب. وكانت بلاغته واضحة لا لف فيها ولا دوران وكان لا يجنح إلى الإطناب إلى إذا اقتضاه المقام. ومن ذلك رسالته في القضاء التي قال فيها للقاضي.
стр. 7608
آس بين الناس في وجهك وعدلك ومجلسك. حتى لا يطمع شريف في حيفك ولا ييأس ضعيف من عدلك. البينة على من ادعى واليمين على من أنكر.. ومراجعة الحق خير من التمادى في الباطل.. المسلمون عدول بعضهم على بعض إلا مجلودا في حد. أو مجربا عليه شهادة زور أو ظنينا في ولاء أو نسب.
وإياك والضجر والتأفف بالخصوم والتنكر عند الخصومات.. ومن تخلق للناس بما يعلم الله أنه ليس من نفسه شانه الله فما ظنك بثواب الله في عاجل رزقه وخزائن رحمته والسلام [١٢] .
وكتب إلى معاوية في القضاء يقول له:
.. أدن الضعيف حتى يشتد قلبه وينبسط لسانه. وتعهد الغريب. فإنك إن لم تتعهده ترك حقه ورجع إلى أهله. وإنما ضيع حقه من لم يرفق به..
كتب إلى شريح يقول له:.. لا تشار ولا تمار ولا تبع ولا تبتع في مجلس القضاء ولا تقضين بين اثنين وأنت غضبان [١٣] .
وهكذا ترى أسلوبه ﵁ مترددا بين الإيجاز والإطناب والمساواة. وأساليبه فطرية مطبوعة وإن أردت المزيد فتأمل كتابه أهل إيلياء (بيت المقدس) والذي منه:
أنه أعطاهم أمانا لأنفسهم وأموالهم وكنائسهم.. ولا يسكن معهم أحد من اليهود.
وعليهم أن يعطوا الجزية كما يعطى أهل المدائن. وعليهم أن يخرجوا منها الروم.
ومن أحب من أهل إيلياء أن يسير بنفسه وماله مع الروم.. فإنهم آمنون على أنفسهم وعلى بيعهم حتى يبلغوا مأمنهم.
وفي موطن آخر نراه يحذر قراء القرآن الكريم فيقول: أريدوا الله بقراءتكم وأريدوه بأعمالكم فإنما كنا نعرفكم إذ الوحي ينزل وإذ النبي ﷺ بين أظهرنا فقد رفع الوحي وذهب النبي ﷺ .
.. فمن أظهر لنا خيرا ظننا به خيرا وأثنينا به عليه. ومن أظهر لنا شرا ظننا به شرا وأبغضناه عليه. ويقول.. وترك الخطيئة خير من معالجة التوبة. ورب نظرة زرعت شهوة، وشهوه ساعة أورثت حزنا طويلا [١٤] .
стр. 7609
ويقول: إن بعض الطمع فقر. وإن بعض اليأس غنى. وإن بعض الشح شعبة من النفاق. ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون.
هذا وكان الفاروق ببيانه الرائع المعهود لا يخشى في دين الله لومة لائم. نفذ هذا بكل دقة وأوصى به الخلفاء من بعده، أوصاهم بالمهاجرين والأنصار والمسلمين عامة. وأوصى بأهل الذمة أيضا إذا ما أدوا ما عليهم طوعا أو عن يد وهم صاغرون.
وأوصى الأمراء. ألا يغلقوا أبوابهم دون المسلمين وإلا أكل قويهم ضعيفهم.
أما حكمته المأثورة فلك أن تعرف منها هذه الأقوال العمرية.. الكريمة:
أعقل الناس أعذرهم للناس- لا تؤخر عمل يومك لغدك- لا ينفع تكلم بحق لا نفاذ له- كفى بالمرء غيا أن يكون فيه خصلة من ثلاث.
أنه يعيب شيئا ثم يأتي مثله- أو يبدو له من أخيه شيء يخفى عليه من نفسه- أو يؤذى جليسه فيما لا يعنيه- وقوله: ثلاث يبقين لمك الود في صدر أخيك. أن تبدأه بالسلام وتوسع له في المجلس. وتدعوه بأحب الأسماء إليه.
ومن أقواله الجامعة. لست خبا. والخب لا يخذعنى.
ومن تذوقه المرهف. أنه مر على قوم لا يعرفهم وكانوا يصطلون فقال لهم السلام عليكم يا أهل الضوء ولم يقل يا أهل النار.
وسأل رجلا ما اسمك؟ قال: ظالم بن سارق. فقال له تظلم أنت ويسرق أبوك.
وسأل غلاما مخطئا فقال: نحن متعلمين. فقال له: لخطؤك في كلامك أشد علينا من خطئك في نضالك.
وكان يشجع الناس على تعلم الشعر فيقول: أفضل صناعات الرجل الأبيات من الشعر يقدمها في حاجته يستعطف بها الكريم ويستميل بها اللئيم. وكان يوصى بما قيل من الشعر في الإسلام. ورأى يوما حسان بن ثابت يقول الشعر في المسجد فقال له: أرغاء كرغاء البكر في مسجد رسول الله ﷺ فقال حسان إليك عنى فإنك تعلم أنني كنت أنشد في هذا المكان من هو خير منك فما يغير على شيئاً. فقال الفاروق: صدقت. وصدقت. وتركه ينشد.
стр. 7610
ووصف حالته الجاهلية بأن أباه كان فظا يقول عنه. يدئبني إذا عملت ويضربني إذا فصرت ثم يتمثل يقول ورقة أو غيره.
يبقى الآله ويودى المال والولد
لا شيء مما ترى تبقى بشاشته
والخلد قد حاولت عاد فما خلدوا
لم تغن عن هرمز يوما خزائنه
والإنس والجن فيما بينها ترد
ولا سليمان إذ تجرى الرياح له
من كل أوب إليه راكب يفد
أين الملوك التي كانت نوافها
لابد من ورده يوما كما وردوا
حوض هنالك مورود بلا كذب
هذا وقد نسب إلى الفاروق شعر قليل كقوله:
أبر وأوفي ذمة من محمد
وما حملت ناقة فوق رحلها
وأعطى لرأس السابق المتجرد
وأكسى لبرد الخال قبل ايتذاله
وكان الفاروق ﵁ ناقدا مرهف الإحساس. إلا أنه كان كثيرا ما يحاول تطييب خوطر النهجوين ولو كان الهجاء بينا. ثم يأخذ لهم حقهم ممن تقول عليهم. من ذلك حديثه مع بني العجلان عندما شكوا إليه هجاء النجاشى. ومن هذا الهجاء قوله:
وتأكل من كعب بن عوف ونهشل
تعاف الكلاب الضاريات لحومهم
فقال الفاروق كفى ضياعا من تأكل الكلاب لحمه فقالوا إنه قال:
ولا يظلمون الناس حبة خردل
قبيلة لا يغدرون يذمة
فقال فاروق ليت آل الخطاب كذلك.. فقالوا هجانا، قال ما أسمع ذلك قالوا فاسأل حسان. فأجاب حسان. ما هجاهم ولكن سلح عليهم [١٥] .
فالفاروق كان يعرف أنه هجاء جلى ولكنه حاول أن يستل الآلام من صدورهم فلما تمسكوا بحقهم عاقب لهم شاعرهم وحقا فقد كان الفاروق ﵁ فضلا عما نسب إليه من الشعر ومن تشجيعه له. من أنقد أهل زمانه ومن أبلغ الناس.
قال ابن عباس
بينما عمر بن الخطاب ﵁ وبعض أصحابه يتذاكرون الشعر.. إذا أقبلت، فقال عمر. قد جاءكم أعلم الناس به ثم قال: من شاعر الشعراء؟
стр. 7611
قال ابن عباس: فقلت: زهير بن أبي سلمى. فقال هلم من شعره ما تستدل به على ما ذكرت فقلت: امتدح قوما من بني عبد الله بن غطفان فقال:
قوم بأولهم أو مجدهم قعدوا
لو كان يقعد فوق الشمس من كرم
طابوا وطاب من الأولاد ما ولدوا
قوم أبوهم سنان حين تندبهم
مرزءون بها ليل إذا حشدوا
إنس إذا أمنوا جن إذا فزعوا
لا ينزع الله منهم ما له حسدوا
محسدون على ما كان من نعم
فقال الفاروق: أحسن. وما أعلم أحداً أولى بهذا الشعر من هذا الحي من بين هاشم بفضل رسول الله ﷺ . قال ابن عباس: فقلت: وفقت يا أمير المؤمنين. ولم تزل موفقا.
وبهذا كان يقول عمر عن زهير: أشعر الشعراء من لا يعاظل في كلامه ولا يمدح الرجل إلا بما فيه. ولقد سأل كعب بن زهير يوما: هل بليت الحلل التي كساها هرم أباك. فقال له: بليت فقال عمر: ولكن الحلل التي كساها أبوك هرما. لم تبل. يشير على شعر زهير في مدح هرم بن سنان نحو قوله
يلق السماحة منه والندى خلقا
من يلق يوما على علاته هرما
وكان الفاروق ذواقة مرهف الأحساس. أبكاه متمم بن نويرة حين أنشد الصديق عينيته التي رثى بها أخاه مالك بن نويرة الذي قتل مع مانعي الزكاة والمرتدين ومنها:
من الدهر حتى قيل لن يتصدعا
وكنا كندماني جذيمة حقبة
لطول اجتماع لم نبت ليلة م
فلما تفرقنا كأني ومالكا عا
ورق الفاروق لصبية الحطيئة إذ استشفع بهم إليه من حبسه وهو الذي لا يقبل شفاعة مخلوق مهما كان شأنه. والحق في دين عمر أحق أن يتبع.. إنها تعاليم الإسلام ولكنه رق لأطفال الحطيئة حين قال له:
زغب الحواصل لا ماء ولا ثمر
ماذا تقول لأفراخ بذي مرخ
فاغفر عليك سلام الله يا عمر
ألقيت كاسبهم في قعر مظلمة
ألقى إليك مقاليد النهي البشر
أنت الأمام الذي من بعد صاحبه
لكن لأنفسهم كانت بك الأثر
لم يؤثروك بها إذ قدموك لها
стр. 7612
بين الأباطح تغشاهم بها القرر
فامنن على صبية بالرمل مسكنهم
من عرض داوية يعمى بها الخبر [١٦]
أهلى فداؤك كم بيني وتبنهم
فأطلقه وأخذ عليه ألا يهجو مسلما بعد ذلك. واستطاع الفاروق أن يضرب بيد من حديد على يد كل عابث أو مستهتر. وبهذا فلم يتقول زنديق أي شعر يشيح بوجهه نحو الإسلام وفي عهده كله لم تقم لغير الشعر الإسلامي قائمة وكفاه بهذا أجرا وثوابا.
وظل الفاروق رضي عنه طوال مدة خلافته حاكما عادلا لا تأخذه في الله لومة لائم. مما يجعلنا نوقن أن الفاروق لا نظير له على الإطلاق في حكام الدنيا كلها قديمها وحديثها باستثناء أنبياء الله وباستثناء الصديق ﵁.
ولأمر فضي الله جل في علاه. استشهد الفاروق رضي الله في صلاة الفجر على يد المجرم الأثيم أبي لؤلؤة فيروز المجوسي. يبدو أن وراءه بعض اليهود والمجوس.
وقال عمر عندما علم بنفاذ الطعنة المجوسية اليهودية:
الحمد لله الذي جعل نهايتي على يد رجل لم يسجد لله سجدة واحدة. وتوفي ﵁ لثلاث بقين من ذي الحجة سنة ثلاث وعشرين للهجرة.
ودفن صبيحة أن ما في بيت عائشة بعد أن أمر ولده عبد الله أن يستأذن عائشة (وعمر في نعشه) ويقول لها عبد الله: عمر بن الخطاب بالباب يستأذن في أن يدفن مع رسول الله ﷺ . فإن أذنت فبها والحمد لله. وإلا فادفني بالبقيع مع صحابة رسول الله ﷺ . وأذنت عائشة بعد أن كانت تتمنى أن تدفن هي بجانب رسول الله ﷺ وبجانب أبيها ﵁. وكان سن الفاروق يوم استشهاده دون الستين بثلاث سنوات كما قيل [١٧] .
وفي الختام نذكر وصف ابن عباس للفاروق حين سأله عنه معاوية فقال:
رحم الله أبا حفص كان والله حليف الإسلام ومأوى الأيتام ومنتهي الإحسان. ومحل الإيمان وكهف الضعفاء ومعقل الحلفاء.
стр. 7613
قام بحق الله صابرا محتسبا حتى أوضح الدين وفتح البلاد وأمن العباد. فأعقب الله على من يتنقصه اللعنة إلى يوم الدين.
.. رحم الله الفاروق وجزاه عن الإسلام والمسلمين أتم الجزاء وأوفاه.
﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلاً﴾ ..
د/ على البدرى
الأستاذ المشارك بالجامعة الإسلامية- كلية اللغة العربية والآداب.
--------------------------------------------------------------------------------
[١] الفاروق عمر للدكتور محمد حسين هيكل ص ٢٣.
[٢] تراجم أدبية للأستاذ السباعي بيومي ص ٦، ٧.
[٣] سورة نوح الآيتان ٢٦، ٢٧.
[٤] الأنفال آية ٦٧. وما بعدها.
[٥] سورة الأحزاب آية ٥٣.
[٦] سورة التوبة آية ٨٤.
[٧] سورة التحريم آية ٥.
[٨] السيرة الحلبية على بن برهان الدين الحلبي جـ ٣ ص ٤٩٥.
[٩] العمدة لابن رشيق ط ١٩٠٢٥ ص ٢٣ جـ ١.
[١٠] في ظلال القرآن للأستاذ سيد قطب جـ ٢ ص ٦٢١ ط دار الشروق.
[١١] المصدر السابق جـ ٢ ص ٦٤١ وعبقرية محمد للعقاد ص ٨٧.
[١٢] راجع النص كاملا في البيان والنبين للجاحظ تحقيق هارون جـ ص ٤٨، ١٩ وراحعه أيضا في إعجاز القرآن للباقلاني تحقيق السيد صقر ص ١٤٠-١٤٢.
[١٣] لانشار.. لا تسخر. لا نمار.. لا تشك. ولا تبتع.. ولا تشتر.
[١٤] الفاروق عم للدكتور محمد هيك ص ٧٩ وما بعدها (٢) .
[١٥] العمدة لابن رشيق جـ١ ص ٢٩ ط ١٩٢٥.
[١٦] الأغاني لأبي الفرج الأصفهاني ص ٣٧١ وما بعدها.
[١٧] تراجم أدبية للأستاذ السباعي بيومي ص ٣٤ طبعة القاهرة سنة ١٩٣٥م.
стр. 7614
من قيم الإسلام
"إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق" حديث شريف
بقلم الدكتور عز الدين على السيد
كلية اللغة العربية والآداب
إن طبت منقلباً أو سؤت منقلبا
فتش عن النفس تعرف عندها السببا
به المسالك يخشى بينها العطبا
فمن حتى خطه عن دربه اضطربت
عن استقامتها تستوجب الأدبا
والنفس أعدى عدو المرء إن صدفت
عدو آدم.. إن يظفر بها لعبا
فلا تدعها وما شاءت.. فيملكها
سلطان عقلك.. للأخلاق منتهبا
يساور النفس في الأضلاع مختلساً
يزلزل العقل أو يعدوه مكتئبا
وقد يفلسف للعقل الذنوب بما
أنزل على رأسه من دينك الشهبا
فلا تدعه له يغتاله شرهاً
تمرق حروفك في أضلاعه لهباً
واذكر- إذا شمت وهن العقل- خالفه
لا تغل في كبتها شكراً لمن وهبا
أعل الغرائز بالإيمان.. معتدلا
خوض المهالك.. مهما تدعه ذهبا
ولا تطأطىء لها عبداً تجشمه
وشقوة المرء في الإفراط إن غلبا
فالقصد دين.. وفي التفريط مضيعة
نور من الله في أفق الهدى انسكبا
ميزان دينك لا قانون يعدله
تقيم من حولك الضوضاء واللجبا
حكمه في الأمر تسلم من مخالفة
يكنها مارد في غاسق وقبا
أضيء به القلب تأمن غيلة عظمت
سلب المتاع.. وما أحرزته صعبا
فظلمة البيت تغرى السارقين على
يعلى.. وإن نلت في إعلائه تعبا
وشد بتقواك سدا حول نفسك لا
أن يظهروه وما اسطاعوا له طلبا
كسد يأجوج يغشاهم فما قدروا
فمن يخف تعبا لا يملك الذهبا
تنس المتاعب بالأمن الطويل غداً
تدعوه في الأمر مما عز أو صلبا
والحيأ إلى الله في أدني الأمور كما
ففرقت قلبنا في درئها شعبا
فكم صغير غدت ناراً مغبته
أخذ الأمور وأن لا تحكم السببا
حسن التوكل لا يعنى التواكل في
وليخش عبد الهوى والشر ما اكتسبا
стр. 7615
لكل نفس من الخيرات ما كسبت
فكل شيء عدا أوضاعه اضطربا
والعدل وضعك شيئاً حق موضعه
أعلى من العدل في كسب العلا نسبا
إلا إذا اجتزت للإحسان منزلة
إن جاوز البغى. والإسراف والغضبا
فأخذك الحق عدل لا تعاب به
شم الأنوف فتنسى كبرها عجبا
لكن عفوك إحسان تقود به
ولا تسمى به من عاقل ذنبا
وليس معناه عجزاً مؤاخذة
عن نفسك الحلم.. فاجنب نفسك اللغبا
فالشر مجلبة للشر يفثؤه
من يذكر الأصل من أرحامه اقتربا
الناس مهما نسوا الأعراق من رجل
يعمى البصير.. به نور الهدى احتجبا
ما فرق الإخوة الأنجاب مثل هوى
أجل من حفظنا أنسابنا أربا!
وليس من مطيع مهما يشد بنا
نحميه بالحب من أرواحنا حدبا؟
فكيف نجني على بند السلام فلا
أو صالنا بالهوى قد مزقت أربا!
صلاتنا قد غدت زيفاً ومنقصه!
لما بكى الحظ مظلوم ولا ندبا
لو كل فرد تولي نفسه أدياً
أمناً يعيد لشمل الدين ما انشعبا
فلنسلك الدرب عل الله يرزقنا
ومن أماط الأذى لله محتسبا!
لا يستوى من رمى دون الخطى حجراً
وقاه ربك يوم الحسرة السغبا!
فمن وقى ساغباً في يوم مسغبة
أضناه لذع الصدى إذ ماؤه نصبا
ومن سقى صادياً بالبر منعطفاً
رب على نفسه الإحسان قد كتيا!
رواه في الهول والأكباد ظامئة
ومن يكذبه من هذا الورى كذبا!
فالبئر والكلب مصدوق حديثهما
فمن جفاها- ولو في أهله- اغتربا
وروضة الدين مازالت لنا وطناً
وصانع السوء يجني غبه نصبا
ما ضاع خير ووجه الله باعثه
حامي العباد إذ ما قلبه وجبا
فمن حمى الفزع الملهوف أنقذه
جان على عرضه المظلوم قد وثبا
ومن رأي مسلماً يغتابه سفهاً
ستائر الله تعالى حوله الطنبا
فذب عن عرضه ستراً عليه رأي
من شاء إحصائها يستند الكتبا
وأنعم الله لا تدرى دقائقها
стр. 7616
تعش على الحمد للنعماء مصطحباً
فكن على حفظها بالشكر حارسها
باغ.. على رأسه نحو الردى ركبا
زوالها جحدها.. لا رده سفر
شرا على الدين واحذر مقته دأبا
والكبرياء رداء الله فاخش به
كمن بغى ثوبك المختص مجتذيا
فمن تعالى بغى في حق بارئه
تمنح من القوم في دار الردى لقبا
إياك والزهو إن تعط المناصب أو
وإن حلا مرها في الحلق أو عذبا!
فإنها فتنة في حملها نصب
وهي التي ذبت من عصيانها رهبا!
أشكو إلى الله نفسى في مواعظها
حتى أطيب بها في الحشر منقلبا!
يا رب رد على الإسلام تويتها
عز الدين على السيد
كلية اللغة العربية والآداب
الجامعة الإسلامية بالدينة المنورة
стр. 7617
آيات الله في الكون
لفضيلة الشيخ أحمد عبد الرحيم السايح
ـل أقلها هو ما إليه هداكا
لله في الآفاق آيات لعـ
عجب عجاب لو ترى عيناكا
ولعل ما في النفس من آياته
حاولت تفسيراً لها أعياكا
والكون مشحون بأسرار إذا
يا شافي الأمراض من أرداكا
قل للطبيب تخطفته يد الردى
عجزت فنون الطب من عافاكا
قل للمريض نجا وعوفي بعد ما
فهوى بها من ذا الذي أهواكا
قل للبصير وكان يحفر حفرة
بلا اصطدام من يقود خطاكا
بل سائل الأعمى خطا بين الزحام
راع ومرعى. ما الذي يرعاكا
قل للجنين يعيش معزولا بلا
لدى الولادة. ما الذي أبكاكا
قل للوليد بكى وأجهش بالبكا
فاسأله من ذا بالسموم حشاكا
وإذا ترى الثعبان ينفث سمه
تحيا وهذا السم يملأ فاكا
واسأله كيف تعيش ياثعبان أو
شهدا وقل للشهد من حلاكا
واسأل بطون النحل كيف تقاطرت
ـن دم وفرث ما الذي صفاكا
بل سائل اللبن المصفى كان بيـ
يا ميت فاسأله. من أحياكا
وإذا رأيت الحى يخرج من حنا
فاسأله من أين البياض أتاكا
وإذا ترى ابن السود أبيض ناصعا
فاسأله من ذا بالسواد طلاكا
وإذا ترى ابن البيض أسود فاحما
عن عيون الناس من أخفاكا
قل للهواء تحسه الأيدى ويخفى
ورعاية. من بالجفاف رماكا
قل للنبات يجف بعد تعهد
بو وحده فاسأله من أرباكا
وإذا رأيت النبت في الصحراء ير
أنواره فاسأله: من أسراكا
وإذا رأيت البدر يسرى ناشراً
أبعد كل شيء ما الذي أدناكا
واسأل شعاع الشمس يدنو وهي
بالمر من دون الثمار غذاكا
قل للمرير من الثمار من الذي
فاسأله: من يا نخل شق نواكا
وإذا رأيت النخل مشقوق النوى
فاسأل لهيب النار. من أوراكا
وإذا رأيت النار شب لهيبها
قمم السحاب. فسله من أرساكا
стр. 7618
وإذا ترى الجبل الأشم مناطحاً
فسله: من بالماء شق صفاكا
وإذا ترى صخرا تفجر بالمياه
ل جرى. فسله: من الذي أجراكا
وإذا رأيت النهر بالعذب الزلا
فاسأله: من ياليل حاك دجاكا
وإذا رأيت الليل يغشى داجيا
فاسأله: من يا صبح صاغ ضحاكا
وإذا رأيت الصبح يسفر ضاحكا
عيناك وانفتحت بها أذناكا
هذى عجائب طالما أخذت بها
إن لم تكن لتراه فهو يراكا
والله في كل العجائب ما ثل
الشيخ أحمد عبد الرحيم السايح
стр. 7619
من منافع الحج وفوائده
لسماحة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز
الرئيس العام لإدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وأصحابه..
أما بعد: فإن الله شرع الحج لحكم كثيرة وأسرار عظيمة ومنافع جمة أشار إليها سبحانه في قوله ﴿وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالاً وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ ليشهدوا لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ فأوضح سبحانه في هذه الآيات أنه دعا عباده للحج ليشهدوا منافع لهم، ثم ذكر سبحانه منها أربع منافع:-
الأولى: ذكره في الأيام المعلومات وهي عشر ذي الحجة وأيام التشريق. الثانية، والثالثة، والرابعة: أخبر عنها سبحانه بقوله: ﴿ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ ..
стр. 7620
وأعظم هذه المنافع وأكبرها شأناً ما يشهده الحاج من توجه القلوب إلى الله سبحانه والإقبال عليه والإكثار من ذكره بالتلبية وغيرها من أنواع الذكر، وهذا يتضمن الإخلاص لله في العبادة وتعظيم حرماته والتفكير في كل ما يقرب لديه ويباعد من غضبه، ومعلوم أن أصل الدين وأساسه وقاعدته التي عليها مدار أعمال العباد هو تحقيق معنى شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله قولاً وعملاً وعقيدة، فالشهادة الأولى توجب تجريد العبادة لله وحده وتخصيصه بها من دعاء وخوف ورجاء وتوكل وصلاة وصوم وذبح ونذر وغير ذلك من أنواع العبادة، لأن هذا كله حق لله وحده له شريك في ذلك لا ملك مقرب ولا نبي مرسل كما قال : ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلا َّ تَعْبُدُوا إِلاَّ إِيَّاهُ﴾ وقال سبحانه: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلا َّ لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ﴾ وقال تعالى: ﴿فَادْعُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ﴾ والدين هنا معناه العبادة وهي طاعته وطاعة رسوله ﵊ بفعل الأوامر وترك النواهي عن إيمان بالله ورسله وإخلاص له في العبادة وتصديق بكل ما أخبر الله رسوله ﷺ رغبة في الثواب وحذراً من العقاب وهذا هو معنى "لا إله إلا الله"فإن معناها لا معبود حق إلا الله فهي تنفي العبادة وهي الألوهية بجميع معانيها عن غير الله سبحانه وتثبتها بجميع معانيها لله وحده على وجه الاستحقاق، وجميع ما عبده الناس من دونه من أنبياء أو ملائكة أو جن أو غير ذلك فكله معبود بالباطل كما قال الله : ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ﴾ . ولهذا الأمر العظيم خلق الله الجن والإنس وأمرهم بذلك فقال : ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالأِنْس َ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ﴾ وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي
стр. 7621
خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ وعبادته سبحانه هي توحيده في ربوبيته والهيته وأسمائه وصفاته وطاعة أوامره وترك نواهيه عن إيمان وتصديق ورغبة ورهبة كما سبق بيان ذلك، وسمى الله سبحانه دينه عبادة لأن العباد يؤدونه بخضوع وذل لله سبحانه، ومن ذلك قول العرب: طريق معبد أي مذلل قد وطئته الأقدام وبعير معبد أي مذلل قد شد عليه حتى صار ذلولاً، وهذه المسألة أعني مسألة التوحيد والإخلاص لله وتخصيصه بالعبادة دون كل ما سواه- هي أهم المسائل وأعظمها وهي أهم المسائل وأعظمها وهي التي وقعت فيها الخصومة بين الرسل والأمم حتى قالت عاد لهود ﵇: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ وقالت قريش للنبي ﷺ لما أمرهم بالتوحيد: ﴿أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهاً وَاحِداً إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ﴾ وقالوا أيضاً فيما ذكر الله عنهم في سورة الصافات: ﴿أَإِنَّا لَتَارِكُو آلِهَتِنَا لِشَاعِرٍ مَجْنُونٍ﴾ بعد قوله سبحانه: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا قِيلَ لَهُمْ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ﴾ فعلم بهذه الآيات وما جاء في معناها أن أهل الشرك يستنكرون دعوة التوحيد ويستكبرون عن التزامها لكونهم اعتادوا ما ورثوه عن آبائهم من الشرك بالله وعبادة غيره..
стр. 7622
فالواجب على أهل العلم والإيمان وعلى أهل الدعوة إلى الله سبحانه أن يهتموا بهذا الأمر وأن يوضحوا حقيقة التوحيد والشرك للناس أكمل توضيح وأن يبينوه أكمل تبيين لأنه الأصل الأصيل الذي عليه المدار في صلاح الأعمال وفسادها وقبولها وردها كما قال : ﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ وقال تعالى: ﴿وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ .
стр. 7623
أما الشهادة الثانية. وهى شهادة أن محمداً رسول الله، فهي الأصل الثاني في قبول الأعمال وصحتها وهي تقتضي المتابعة للرسول ﷺ ومحبته وتصديق أخباره وطاعة أوامره وترك نواهيه وأن لا يعبد الله إلا بشريعته ﵊ كما قال الله : ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ وقال سبحانه: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾ ولا هداية للصراط المستقيم إلا باتباعه والتمسك بهداه كما قال الله : ﴿وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلا الْبَلاغُ الْمُبِينُ﴾ ، وقال : ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعاً الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ وصح عن رسول الله ﷺ أنه قال: "كل أمتي يدخلون الجنة إلى من أبى.. قيل: يا رسول الله ومن يأبى، قال: من أطاعني دخل الجنة ومن عصاني فقد أبى".. رواه البخاري في صحيحه، يدل على هذا المعنى قول الله ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَاراً خَالِداً فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾ .
стр. 7624
والآيات في هذا المعنى كثيرة، ومن منافع الحج وفوائده العظيمة أنه يذكر بالآخرة ووقوف العباد بين يدي الله يوم القيامة، لأن المشاعر تجميع الناس في زي واحد مكشوفي الرؤوس من سائر الأجناس يذكرون الله سبحانه ويلبون دعوته وهذا المشهد يشبه وقوفهم بين يدي الله يوم القيامة في صعيد واحد حفاة عراة غرلاً خائفين وجلين مشفقين، وذلك مما يبعث في نفس الحاج خوف الله ومراقبته والإخلاص له في العمل كما يدعوه إلى التفقه في الدين والسؤال عما أشكل عليه حتى يعبد ربه على بصيرة وينتج عن ذلك توجيهه من تحت يده إلى طاعة الله ورسوله وإلزامهم بالحق، فيرجع إلى بلاده وقد تزود خيراً كثيراً واستفاد علماً جماً، ولا ريب أن هذا من أعظم المنافع وأكملها لاسيما في حق من يشهد حلقات العلم في المسجد الحرام والمسجد النبوي والمشاعر ويصغى إلى الدعاة إلى الله سبحانه ويحرص على الاستفادة من نصائحهم وتوجيههم، وفي الحج فوائد أخرى ومنافع متنوعة خاصة وعامة يطول الكلام بتعدادها، ومن ذلك الطواف بالبيت العتيق والسعي بين الصفا والمروة والصلاة في المسجد الحرام ورمي الجمار والوقوف بعرفة ومزدلفة والإكثار من ذكر الله ودعائه واستغفاره في هذه المشاعر، ففي ذلك من المنافع والفوائد والحسنات الكثيرة والأجر العظيم وتكفير السيئات ما لا يحصيه إلا الله لمن أخلص لله في العمل وصدق في متابعة الرسول ﷺ والاهتداء بهديه والسير على سنته وقد جاء في الحديث عنه ﵊ أنه قال: "إنما جعل الطواف بالبيت والسعي بين الصفا والمروة ورمي الجمار لإقامة ذكر الله".
وأسأل الله أن يصلح أحوال المسلمين جميعاً وأن يمنحهم الفقه في دينه ويتقبل منا ومنهم وأن يولى عليهم خيارهم ويصلح قلوبهم وأعمالهم وينصر دينه ويخذل أعداءه إنه سميع قريب، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه ومن اهتدى بهداه..
الرئيس العام
стр. 7625
لإدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد
عبد العزيز بن عبد الله بن باز
стр. 7626
مولد رمضان
للشاعر السوري محمد منذر لطفي
-١-
يا هلالا.. نشر اليوم على الدنيا وشاحه
فصحا الكون على ميلاده.. ينهل راحه
أيها الزائر.. يا شهرا سماوي الملاحه
مرحبا.. تغمر وجه الشرق أنسا وسماحه
دمت للإسلام ذخرا يعشق الصبح صباحه
_٢_
يا رعي الله لياليك.. وأياما ظليله
يا رعي الله التسابيح وألحان الفضيله
ونسيمات من الفردوس.. تنهل عليله
هي في ثغري دعاء وبأعماقي خميله
سوف أحياها شبابا مستقيما.. وكهوله
_٣_
يا إلهي.. أرفع الدعوة من قلبي حرى
لتصون الشرق.. شرق العرب والإسلام حرا
مكرما.. حتى إذا ما زفت الآفاق بشرى
لهلال.. سوف تنضو بعد عام عنه سترا
تزهر الأمة تاريخا وأمجادا ونصرا
стр. 7627
صحيح المقال في مسألة شد الرحال
بقلم حمود بن عبد الله التوريجرى
اطلعت على مقال لأبي هاشم نشر في الصفحة الخامسة من جريدة الندوة الصادرة في يوم السب ١٤ محرم ١٣٩٧هـ عنوانه (مسجد الخندق بالمدينة المنورة) .
قال الكاتب ما نصه (سمي هذا المسجد بمسجد الأحزاب لأن غزوة الأحزاب وقعت عنده كما سمي أيضاً باسم مسجد الخندق لأن الخندق كان يمر بجانب المسجد وهو الخندق الذي اقتراحه سلمان الفارسي ﵁ على الرسول ﵊ فكان أن حفره المسلمون ويبدأ من أسفل جبل ذباب أو ذوباب والذي أطلق عليه بعد ذلك جبل الراية لأن راية الرسول ﷺ نصبت عليه.
ويسمى هذا المسجد أيضاً بمسجد الفتح وهو الاسم الخالد في كتب السيرة والتاريخ الإسلامي لأن الآية الكريمة ﴿إِنْ تَسْتَفْتِحُوا فَقَدْ جَاءَكُمُ الْفَتْحُ﴾ نزلت على رسول الله ﷺ وهو في موضع عليه. ويقع المسجد على قطعة صغيرة من جبل سلع الكبير والذي كان يسمى من قبل جبل ثواب. وإلى جانب المسجد تقوم خمسة مساجد أخرى. فالمسجد الذي تحته رأساً هو مسجد الصديق ومن وراء مسجد الصديق مسجد الفاروق وبجانبه من جهة الغرب مسجد عثمان. ثم مسجد صغير هو مسجد علي بن أبي طالب. ثم مسجد سلمان الفارسي. والمساجد الستة هذه تقع وسط وادى بطحان الذي قال فيه الرسول ﷺ إنه من أودية الجنة وهذه المساجد هي مصلى الصحابة الخمسة أبو بكر وعمر وعثمان وعلي وسلمان الفارسي ﵃ بالليل حيث كانوا يتهجدون في مواضعها طول الليل. انتهي كلام الكاتب.
стр. 7628
وأقول لم يثبت أن النبي ﷺ أسس في المدينة مسجداً سوى مسجده ومسجده قباء. ومن زعم أن النبي ﷺ بنى في المدينة مسجداً غير هذين المسجدين فقوله بعيد من الصحة وكذلك لم يثبت عن أبي بكر وعمر وعثمان وعلي وسلمان ﵃ أنهم بنوا مساجد عند الخندق أو أنهم كانوا يتهجدون في مواضعها طوال الليل ومن زعم ذلك فقوله بعيد من الصحة.
والذي يظهر والله أعلم أن هذه المساجد كانت من إنشاء المفتونين بالآثار ونسبتها إلى الأكابر ليكون لذلك موقع عند الجهال.
وأما قول الكاتب ويسمى هذا المسجد مسجد الفتح وهو الاسم الخالد في كتب السيرة والتاريخ الإسلامي لأن الآية الكريمة ﴿إِنْ تَسْتَفْتِحُوا فَقَدْ جَاءَكُمُ الْفَتْحُ﴾ نزلت على رسول الله صلى الله عليه وهو في موضع عليه.
فجوبه أن يقال إن الفتح المذكور في الآية من سورة الأنفال لم يكن بالمدينة كما قد توهم ذلك كاتب المقال. وإنما كان ببدر حين التقى الجمعان كما ذكر ذلك المفسرون وأهل السير والأخبار. قال محمد بن إسحاق حدثني الزهري عن عبد الله بن ثعلبة أن أبا جهل قال يوم بدر اللهم أينا كان أقطع للرحم وأتانا بما لا يعرف فأحنه الغداة وكان استفتاحاً منه فنزلت ﴿إِنْ تَسْتَفْتِحُوا فَقَدْ جَاءَكُمُ الْفَتْحُ﴾ إلى آخر الآية. وقد رواه الإمام أحمد والنسائي وابن جرير والحاكم في مستدركه من طريق محمد بن إسحاق وقال الحاكم صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه ووافقه الذهبي في تلخيصه. وفي رواية لابن جرير عن ابن شهاب الزهري قال أخبرني عبد الله بن ثعلبة بن صغيرة العدوي حليف بني زهرة أن المستفتح يومئذ أبو جهل وأنه قال حين التقى القوم: أينا أقطع للرحم وأتانا بما لا يعرف فأحنه الغدوة فكان ذلك استفتاحه فأنزل الله في ذلك ﴿إِنْ تَسْتَفْتِحُوا فَقَدْ جَاءَكُمُ الْفَتْحُ﴾ الآية.
стр. 7629
قال ابن كثير وروى نحو هذا عن ابن عباس ومجاهد والضحاك وقتادة ويزيد بن رومان وغير واحد وأما قول الكاتب أن الرسول صلى الله عليه قال في وادى بطحان إنه من أودية الجنة.
فجوابه أن يقال هذا الحديث لا أصل له فلا يغتر به. وقد ورد في حديث ضعيف جداً أن بطحان على بركة من برك الجنة. رواه البزار من حديث عائشة ﵂ وفيه راولم يسم وما كان كذلك فلا يعمد عليه ولا يثبت به شيء. وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه.
حمود بن عبد الله التويجرى
стр. 7630
أحكام يرفضها التحقيق
حول إبراهيم ﵇ والبيت العتيق
لفضيلة الشيخ محمد المجذوب
كلية الدعوة وأصول الدين
في العدد المزدوج ١٠-١١ لعام ١٣٩٨هـ من (المجلة العربية) بحث حار بقلم الأستاذ حسن ظاظا- أستاذ اللغات السامية في جامعة الأسكندرية- يتقصى فيه مؤامرات اليهود التاريخية على فلسطين، وقد وفق في عرضه مجهودات مفكريهم الشيطانية لزرع ما يريدونه من تلك السموم في أذهان أجيالهم، حتى استحالت الأفكار أخيراً واقعاً يتمثل في الشجرة الخبيثة (إسرائيل) .
على أن البحث على حرارته وكثافته، لم يخل من عثرات صرفته عن الجادة إلى منعطفات كان خيراً له لو لم يعرج عليها.. ولعل الحافز له على ذلك هو حصره مجال الرؤية في نطاق التصور القومي، فهو يتحدث عن اليهود كجنس يقابل جنساً، وكان الأولى به محاكمة النفسية اليهودية في حدود القيم العليا التي يعتبر اليهود أكابر خصومها على مدى التاريخ، ولو فعل ذلك لتدفقت عليه الأدلة الشاهدة من كل بقعة عبر بها اليهود، ومن كل مجتمع تسلل إليه الفساد اليهودى في الشرق والغرب، ومن القديم والحديث، على السواء.
وكانت النية في كتابة (تعقيب) اليوم متجهة إلى عدد من الأغاليط تعرض لها عدد من المشتغلين في العلم، ولكن شاء الله أن أقع على مقال الدكتور ظاظا هذا في العدد المزدوج، ثم عن تتمته في العدد التالي له، فلا أملك إلا الانصراف إليه، وارجاء ما سواه إلى مناسبة أخرى.
وها أنذا مورد تلك العثرات مع ملاحظاتنا حولها واحدة إثر الأخرى:
стр. 7631
أ - أول ما يواجه القارئ في ذلك البحث ما يحسه من تركيز الكاتب على تفنيد الزعم الذي يريد أن يلحق أبا الأنبياء إبراهيم ﵇ بالنسب اليهودي إذ راح يستنبط من نشأته في أطراف بادية البصرة، الدليل الحاسم على انقاء العبرية والبابلية عنه نهائياً.. فإذا ما ثبت له هذا الانتقاء لم يبق إلا الحكم بعروبته، وإذن فليس إبراهيم عبرياً ولا بابلياً ولكن عربي عرقاً ودماً ولساناً.. ونحن لا يعنينا هنا أن نجادل في هوية الأرض التي درج عليها خليل الله (ع) فما ذلك مما يتصل بغرضنا في هاذ التعقيب، وإنما نذكر الدكتور الفاضل بأن أفحم رد على مزاعم يهود، في شأن هوية إبراهيم، إنما هو في شهادة الذكر الحكيم، الذي يقول لأهل الكتاب جميعاً: ﴿مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيّاً وَلا نَصْرَانِيّاً وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفاً مُسْلِماً وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ وكيف يكون عبرياً ولم تكن العبرية قد وجدت بعد، وأين هو من النصرانية وقد سبقها بألفي سنة؟.
أما العروبة من حيث هي هوية لجنس، فما كان لها من ذكر في أيام إبراهيم ولم يحدث لها تجمع قومي قط يستحق اسم الأمة إلا بعد توحيد الإسلام للجزيرة العربية.. فيبقى النسب اللساني وهو الحقيقة الحاسمة، لأن لغة سام بن نوح ﵇ ظلت في هذا الموطن قروناً محافظة على أصولها، فلم تحتك بها الألسنة إلا عقيب تباعد أصحابها وتفرقهم في أكناف الجزيرة.. كما تختلف لهجات العرب اليوم حتى لا يفهم جزائرى شامياً ولا يماني مغربياً إلا أن يرجعوا إلى لغتهم الأم.
فلغة إبراهيم ﵇ هي لغة سام، وهي لغة العرب التي بها نزل كتاب الله على قلب محمد صلوات الله وسلامه عليه، ومع ذلك فما نسميه عربياً، لأن اللغة لم تكن قد اكتسبت هوية الجنس في أيامه، ولن نجد لأبي الأنبياء نسباً أكرم وأجل وأشرف من كونه حنيفاً مسلماً، كما سماه الله.
стр. 7632
على أن ثمة فجوة في تتبعه جرائر أولئك الشياطين ما كان ينبغي أن يغفلها كما فعل، وأريد بها تسلل أولئك المفسدين إلى الفكر العالمي عن طريق المؤسسات السرية التي خدعوا بها (العميان) من مختلف الشعوب، حتى جروهم مخدرين إلى الكدح لتنفيذ ما خططوا له من اغتصاب فلسطين، ومثل الدكتور الظاظا في تخصصه وبعد نظره لا يتوقع أن يجهل دور الماسونية وعصائب النور والروتاري وما إليهن من فخاخ اليهود في قيام إسرائيل.. ولا سيما بعد الخطاب الذي تلقاه أخيراً مجلس الأوقاف الإسلامية في القدس من كبير محافل الماسونية في الولايات المتحدة والذي يعرض على المجلس مئة مليون دولار، مقابل التخلي عن المسجد الأقصى، ليعيدوا كمانه هيكل سليمان. وقد فضح أمر هذا الخطاب في بعض الصحف فضيلة الشيخ عبد الحميد السائح أيام كان وزيراً للأوقاف والمقدسات الإسلامية في الأردن [١] .
ب- ويتوسع الكاتب في الاستدلال على ما ذهب إليه من عربية أبي الأنبياء ﵇ فيقول في المقطع نفسه: (والدليل على هذا أنه اختار موضعاً عربياً آخر لإقامة أول بيت وضع للناس، وكان اختياره هذا في قلب بلاد العرب وفي مكة المكرمة [٢] .
إن ههنا لدعوى خطيرة لا يملك الكاتب عليها من دليل سوى الظن الذي لا يغني من الحق شيئاً.. فإبراهيم في هذا الادعاء صاحب الفكرة في إقامة البيت العتيق، وهو الذي اختار مكة لتكون محج الناس إليه!.. ولن يجد القارىء عذراً لمفكر مسلم يسمح لنفسه بارسال مثل هذه الأحكام وأمامه كتاب الله ينطق بالحق، فيقرأ فيه قوله ﴿وَإِذْ بَوَّأْنَا لإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ أَنْ لا تُشْرِكْ بِي شَيْئاً وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾ .
стр. 7633
أجل يا سيادة الدكتور إن الذي أمر إبراهيم بإقامة البيت وحدد له مكانه في قلب بلاد العرب، بل في سرة الدنيا كلها، كما ثبت بالكشف العلمي إنما هو الله الذي جعل من الحج إلى هذا البيت معجزة الأيد، يتلاقي حوله البشر من كل فج عميق، ليتذكروا في ظله أصلهم الذي حجبته العصبيات ويستعيدوا في رحابه وحدتهم التي مزقتها الشهوات، وما كان إبراهيم سوى منفذ لمخطط وضع للناس من فوق سبع سموات.
جـ ـ فإذا ما انتهى البحث إلى ذكر المسيح ﵇ فاجأنا الكاتب المفضال بادعاء آخر لا يقل غرابة عن سالفه.
يقول الدكتور تحت عنوان (موقف اليهود من المسيحية) بعد هذا تظهر أكبر هزة في تاريخ اليهودية مع ظهور السيد المسيح. والعمل الذي عمله المسيح، وجربه على نفسه كراهية اليهود جميعاً هو أنه أمر حوارييه أن يبشروا بشريعة الله بين الأمم الأخرى ... وكانت هذه أول مرة يكسر بها عيسى بن مريم الإتفاق الذي تم بين كهنتهم على احتكار الدين [٣] .
ويريد الدكتور باحتكار الدين قصر رسالة موسى على بني إسرائيل وحدهم وهو أمر يبرىء منه موسى لأنه يعتبر دعوته عالمية، بدليل (أنه قام في وجه فرعون، ودعاه إلى الإيمان بالله الواحد [٤] .
ومن أجل ذلك يرى الدكتور في عمل السيد المسيح خروجاً بالدعوة من نطاق بني إسرائيل الاحتكاري إلى المنطلق العالمي.
وأقل ما يقال في مثل هذه الآراء أنه لم يرجع فيها إلى وحي ولا علم، وكان أحرى بمثله أن يتذكر بالأقل أن الموضوع فوق مستوى التظني، لأنه من متعلقات الرسالات الإلهية، فلا علم لأحد بها إلا عن طريق الخبر المعصوم.
والمعلوم بالضرورة لدى أهل التحقيق أن كل رسول إنما كان يبعث في قومه مقصوراً عليهم، يستوى في ذلك موسى وعيسى وسائر إخوانهما النبيين لم يستثن من هذه القاعدة سوى خاتمهم محمد عليه وعليهم صلوات الله وسلامه أجمعين..
стр. 7634
فالله تبارك اسمه يقول: ﴿وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُوداً﴾ ﴿وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحاً﴾ ﴿وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْباً﴾ [٥] وهذا موسى ﵇ يقول لقومه ﴿لِمَ تُؤْذُونَنِي وَقَدْ تَعْلَمُونَ أَنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ﴾ وعيسى ﵇ يقول ﴿يَا بَنِي إِسْرائيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ﴾ فلما بعث خاتم النبيين، ﷺ ، أعلمه ربه بعالمية رسالنه قائلاك ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ كَافَّةً لِلنَّاس﴾ وأمره أن يقول للبشرية كلها: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعاً﴾ وفي الصحيحين من حديث جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله ﷺ " ... وكان النبي يبعث إلى قومه وبعثت إلى الناس عامة" وهو واحد من أحاديث كثيرة في هذا المعنى.
وهكذا ظلت البشرية موزعة على قيادات النبيين حتى جاء خاتمهم الأعظم ﷺ ، فوجب عليها أن تنضوي بأسرها تحت لوائه، فكان منها فسم سعد بالإيمان به فهم أمة الإجابة، وكان منهم مخلفون رفضوا نور الله الذي جاءهم به فضلوا فهم لا يهتدون سبيلا.
وليس معنى تخصيص الرسل بأقوامهم أن ثمة تعداداً في جوهر الدين، بحيث يكون لكل نبي دين مباين للآخر، كما يزعم أعداء الحق، فدين الله واحد هو الإسلام له سبحانه ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإِسْلام﴾ ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلامِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ﴾ والدين الخاتم ليس سوى جماع الدين الحق، الذي أرسل به تعالى رسله جميعاً ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحاً وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ﴾ .
стр. 7635
وإنما اقتضت مشيئة الحكيم العليم ﷻ أن يراعي في رسالاته أحوال عباده، فكان كل نبي يبعث في قومه مصدقاً رسالة السابقين والمعاصرين واللاحقين من إخوانه، لا تختلف رسالة أحدهم عن رسالة الآخر إلا بما يخص به الله الأقوام من تشريعات تيسر لهم سبيل الخير، وتضعهم على المحجة التي تحميهم منن بغي بعضهم على بعض، وبذلك يقتربون تدريجياً من الصيرورة إلى التعارف الذي يضيق مسافة الخلف، حتى إذا أظل عهد الرسالة الخاتمة كانت البشرية قد أصبحت مؤهلة للتلاقي على الوحدة العالمية.
ولو رجع الدكتور الفاضل إلى أسفار أهل الكتاب عتيقها وجديدها- لرأى هذا الحقيقة ماثلة في العديد من النصوص، وليقرا هناك في إنعام تصريح السيد المسيح بأنه إنما بعث لخراف بني إسرائيل الضالة. فهو إذن إليها أرسل وإياها يدعو..
على أن هذا لا ينافي أن يقوم النبي بتبليغ بعض الأقوام من غير أمته إذا رأي فيهم بعداً عن مهيع أنبيائهم السابقين، وبخاصة في ما يتصل بأصول الدين التي بعث الله بها أنبياءه جميعاً. لأن إهمال مثل هؤلاء مؤد إلى شيوع مفاسدهم في المجاورين لهم.. ومن هذا القبيل قصة الرسل المذكورة في سورة ياسين على مذهب من المفسرين بأنهم موفدون من قبل المسيح بن مريم ﵇.
وأما الاستدلال بدعوة موسى ﵇ فرعون على عالمية رسالته فليس بشيء، لأن موسى مواطن في بلد فرعون، فكل سكان ذلك البلد قومه، وقد رأينا يوسف ﵇ من قبله يعرض الإسلام على نزلاء سجنه لأنه موجود بين ظهرانيهم، فلا عذر له في السكوت على هدايتهم.
следующие страницы →