Полный текст (23 804 стр.). Показаны 7806–7845 · переход к 7811.
стр. 7806
﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لآياتٍ لأُولِي الأَلْبَابِ, الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ, رَبَّنَا إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ, رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِياً يُنَادِي لِلإِيمَانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ الأَبْرَارِ, رَبَّنَا وَآتِنَا مَا وَعَدْتَنَا عَلَى رُسُلِكَ وَلا تُخْزِنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّكَ لا تُخْلِفُ الْمِيعَادَ﴾ [١١٣] .
٢١- وقوله تعالى عن عباد الرحمن:
﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الأَرْضِ هَوْناً وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلاماً, وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّداً وَقِيَاماً, وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَاماً﴾ [١١٤] .
وقوله تعالى أيضاً عنهم: ﴿وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَاماً﴾ [١١٥] .
٢٢- وقول الرسول ﷺ فيما رواه مسلم:
"اللهم رب السموات السبع والأرض ورب العرش العظيم، ربنا ورب كل شيء، فالق الحب والنوى، منزل التوراة والإنجيل والقرآن، أعوذ بك من شر نفسي، ومن شر كل دابة أنت آخذ بناصيتها، أنت الأول فليس قبلك شيء، وأنت الآخر فليس بعدك شيء، وأنت الظاهر فليس فوقك شيء، وأنت الباطن فليس دونك شيء، اقض عني الدين وأغنني من الفقر".
стр. 7807
سعد ندا
مركز شئون الدعوة الإسلامية
بالجامعة الإسلامية
--------------------------------------------------------------------------------
[١] سورة الجن آية ١٨.
[٢] سورة الرعد آية ١٤.
[٣] سورة الصف آية ٢-٣.
[٤] سورة يوسف الآية ١٠٦.
[٥] سورة الأنعام الآية ٨٢.
[٦] سورة الأنعام الآية ٨٨.
[٧] سورة لقمان الآية ١٣.
[٨] سورة المائدة الآية ٧٢.
[٩] سورة الأعراف آية ٦٩.
[١٠] سورة ص آية ٥.
[١١] سورة آل عمران آية ١١٠.
[١٢] سورة البقرة آية ١٤٣.
[١٣] مختصر سيرة الرسول ﷺ للشيخ محمد بن عبد الوهاب ص ٢٩٨، ٣٠٣ طبعة دار العربية بيروت – لبنان ١٣٧٥هـ.
[١٤] سورة الممتحنة آية ٤.
[١٥] تطهير الاعتقاد عن أدران الإلحاد ٣٩.
[١٦] تفسير أسماء الله الحسنى للزجاج ص ٣٠ (بتصرف) .
[١٧] سورة الحشر آية ٢٣.
[١٨] سورة المائدة آية ١٧.
[١٩] سورة العنكبوت آية ١٧.
[٢٠] مرجع الزجاج السابع ص ٣٦، ٣٧ (بتصرف) .
[٢١] سورة المؤمنون آية ١٤.
[٢٢] سورة النحل آية ١٧.
[٢٣] سورة لقمان آية ١١.
[٢٤] سورة الطور آية ٣٥.
[٢٥] سورة الواقعة آية ٥٩.
[٢٦] المرجع السابق ص ٣٧.
[٢٧] سورة الحشر آية ٢٤.
[٢٨] المرجع السابق ص ٣٧.
[٢٩] سورة الحشر آية ٢٤.
[٣٠] المرجع السابق ص ٣٨.
[٣١] سورة النحل آية ٧٥.
[٣٢] سورة البقرة آية ٦٠.
[٣٣] سورة الشورى آية ١٢.
стр. 7808
[٣٤] سورة الذاريات آية ٢٢.
[٣٥] سورة ص آية ٥٤.
[٣٦] سورة العنكبوت آية ٦.
[٣٧] سورة فاطر آية ٣.
[٣٨] سورة الذاريات آية ٥٨.
[٣٩] مرجع الزجاج ص ٥٥.
[٤٠] سورة الروم آية ٢٧.
[٤١] سورة البروج آية ١٣.
[٤٢] مرجع الزجاج ص ٦٠.
[٤٣] مرجع الزجاج ص ٥٦.
[٤٤] سورة الروم آية ٢٧.
[٤٥] مرجع الزجاج ص ٦٠.
[٤٦] مرجع الزجاج ص ٥٦.
[٤٧] مرجع الزجاج ص ٥٦.
[٤٨] سورة الملك آية ٢.
[٤٩] سورة الحجر آية ٢٣.
[٥٠] سورة التوبة آية ١١٦.
[٥١] سورة الدخان آية ٨.
[٥٢] سورة الروم آية ٤٠.
[٥٣] سورة الحج آية ٦٦.
[٥٤] سورة يونس آية ٢١.
[٥٥] سورة هود آية ١٠.
[٥٦] سورة فصلت آية٥٠.
[٥٧] سورة يونس آية ١٠٦.
[٥٨] سورة المائدة آية ٧٦.
[٥٩] سورة الفتح آية ١١.
[٦٠] مرجع الزجاج ص٦٣ (بتصرف) .
[٦١] سورة فاطر آية ٢.
[٦٢] سورة آل عمران آية ٢٦.
[٦٣] سورة الحديد آية ٢٩.
[٦٤] سورة فاطر آية ١٥.
[٦٥] سورة الرعد آية ٢.
[٦٦] سورة السجدة آية ٥.
[٦٧] سورة البقرة آية ١٦٤.
[٦٨] سورة الجاثية آية ٣، ٤، ٥.
[٦٩] سورة الشعراء آية ٧٥ إلى ٨٢.
[٧٠] سورة البقرة آية ١١٧.
[٧١] سورة آل عمران آية ٤٧.
[٧٢] سورة النحل آية ٤٠.
[٧٣] سورة مريم آية ٣٥.
[٧٤] سورة يس آية ٨٢.
[٧٥] سورة الفاتحة آية ٥.
[٧٦] سورة طه آية ٤٩.
[٧٧] سورة طه آية ٤٩.
[٧٨] مجموعة الفتاوى ص٢١٥، ٢١٦ بتصرف.
[٧٩] مجموعة الفتاوى ص ٢١٥، ٢١٦. بتصرف.
[٨٠] سورة الصافات آية ٩٦.
[٨١] سورة الإنسان آية ٣٠.
[٨٢] سورة الأعراف آية ٤٣.
[٨٣] سورة إبراهيم آية ٣٤.
[٨٤] سورة فاطر آية ٤٥.
стр. 7809
[٨٥] سورة هود آية ٤٥.
[٨٦] سورة هود آية ٤٧.
[٨٧] سورة نوح آية ٥، ٦.
[٨٨] سورة نوح آية ٢١.
[٨٩] سورة نوح آية ٢٦، ٢٧، ٢٨.
[٩٠] سورة الشعراء آية من ٨٣-٨٩.
[٩١] سورة المائدة آية ٢٥.
[٩٢] سورة يونس آية ٨٨.
[٩٣] سورة الشعراء آية من ١٠-١٤.
[٩٤] سورة القصص آية ١٦، ١٧.
[٩٥] سورة القصص آية ٢١.
[٩٦] سورة القصص آية ٢٤.
[٩٧] سورة القصص آية ٣٣، ٣٤.
[٩٨] سورة المائدة آية ١١٤.
[٩٩] سورة مريم آية ١-٦.
[١٠٠] سورة مريم آية ٨.
[١٠١] سورة مريم آية ١٠.
[١٠٢] سورة آل عمران آية ٣٨.
[١٠٣] سورة آل عمران آية ٤٠-٤١.
[١٠٤] سورة الأنبياء آية ٨٣.
[١٠٥] سورة الشعراء آية ١٦٩.
[١٠٦] سورة العنكبوت آية ٣٠.
[١٠٧] سورة يوسف آية ٣٣.
[١٠٨] سورة يوسف آية ١٠١.
[١٠٩] سورة الجن آية ٢٠.
[١١٠] سورة آل عمران آية ٣٥، ٣٦.
[١١١] سورة آل عمران آية ٤٧.
[١١٢] سورة التحريم آية ١١.
[١١٣] سورة آل عمران آية ١٩٠-١٩٤.
[١١٤] سورة الفرقان آية ٦٣، ٦٤، ٦٥.
[١١٥] سورة الفرقان آية ٧٤.
стр. 7810
وصايا للحجاج والزوار
لسماحة الشيح: عبد العزيز بن باز
الرئيس العام لإدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد
الحمد لله.. والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهداه..
أما بعد: فإلى حجاج بيت الله الحرام أقدم هذه الوصايا عملاً بقول الله سبحانه ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾ وقول النبي ﷺ "الدين النصيحة" قيل لمن يا رسول الله قال: "لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم".
стр. 7811
الأولى: الوصية بتقوى الله تعالى في جميع الأحوال. والتقوى هي جماع الخير وهي وصية الله سبحانه ووصية رسوله ﷺ قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَة﴾ وقال سبحانه: ﴿وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ﴾ ، وكان النبي ﷺ يوصي في خطبه كثيراًً بتقوى الله وحقيقة التقوى أداء ما افترض الله على العبد وترك ما حرم الله عليه عن إخلاص لله ومحبة له ورغبة في ثوابه وحذر من عقابه على الوجه الذي شرعه الله لعباده على لسان رسوله محمد ﷺ قال عبد الله بن مسعود ﵁ وهو أحد علماء أصحاب رسول الله ﷺ ورضي عنهم:"تقوى الله حق تقاته أن يطاع فلا يعصى ويذكر فلا ينسى ويشكر فلا يكفر"وقال أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز ﵀:"ليست تقوى الله بصيام النهار ولا قيام الليل والتخليط فيما بين ذلك ولكن تقوى الله أداء ما افترض الله وترك ما حرم الله فمن رزق بعد ذلك خيراً فهو خير إلى خير"وقال طلق بن حبيب التابعي الجليل ﵀:"تقوى الله سبحانه هي أن تعمل بطاعة الله على نور من الله ترجو ثواب الله وأن تترك معصية الله على نور من الله تخاف عقاب الله"وهذا كلام جيد ومعناه أن الواجب على المسلم أن يتفقه في دين الله، وأن يتعلم مالا يسعه جهله حتى يعمل بطاعة الله على بصيرة ويدع محارم الله على بصيرة، وهذا هو تحقيق العمل بشهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله فإن الشهادة الأولى تقتضي الإيمان بالله وحده وتخصيصه بالعبادة دون كل ما سواه وإخلاص جميع الأعمال لوجهه الكريم رجاء رحمته وخشية عقابه.
стр. 7812
والشهادة الثانية: تقتضي الإيمان برسول الله ﷺ وأنه رسول الله إلى جميع الجن والإنس وتصديق أخباره وإتباع شريعته والحذر مما خالفها وهاتان الشهادتان هما أصل الدين وأساس الملة، كما قال الله تعالى: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِماً بِالْقِسْطِ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ وقال سبحانه: ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ﴾ ، وقال : ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعاً الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ .. والآيات في هذا المعنى كثيرة.
стр. 7813
الثانية: أوصي جميع الحجاج والزوار وكل مسلم يطلع على هذه الكلمة بالمحافظة على الصلوات الخمس في أوقاتها والعناية بها وتعظيم شأنها والطمأنينة فيها، لأنها الركن الأعظم بعد الشهادتين ولأنها عمود الإسلام ولأنها أول شيء يحاسب عنه المسلم من عمله يوم القيامة ولأن من تركها فقد كفر، قال الله : ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ وقال : ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ وقال جل شأنه: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾ إلى أن قال سبحانه: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ أُولَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ وقال النبي ﷺ :"بين الرجل وبين الكفر والشرك ترك الصلاة " أخرجه مسلم في صحيحه وقال أيضاً ﵊:"العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة فمن تركها فقد كفر " خرّجه أحمد وأهل السنن بإسناد صحيح وخرّجه الإمام أحمد بإسناد حسن عن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ أن النبي ﷺ قال:"من حافظ على الصلاة كانت له نوراً وبرهاناً ونجاة يوم القيامة ومن لم يحافظ عليها لم يكن له نور وبرهان ولا نجاة وكان يوم القيامة مع فرعون وهامان وقارون وأبي بن خلف".
стр. 7814
قال بعض أهل العلم في شرح هذا الحديث: وإنما يحشر من ضيع الصلاة مع هؤلاء الكفرة لأنه إما أن يضيعها تشاغلاً بالرياسة والملك والزعامة فيكون شبيهاً بفرعون وأما أن يضيعها تشاغلاً بأعمال الوزارة الوظيفة، فيكون شبيهاً بهامان وزير فرعون وأما أن يضيعها تشاغلاً بالشهوات وحب المال والتكبر على الفقراء فيكون شبيهاً بقارون الذي خسف الله به وبداره الأرض، وأما أن يضيعها تشاغلاً بالتجارة والمعاملات الدنيوية فيكون شبيهاً بأبي بن خلف تاجر كفار مكة، فنسأل الله العافية من مشابهة أعدائهن ومن أهم أركان الصلاة التي يجب على المسلم رعايتها والعناية بها الطمأنينة في ركوعها وسجودها وقيامها وقعودها وكثير من الناس يصلي صلاة لا يعقلها ولا يطمئن فيها، ولا شك أن الطمأنينة من أهم أركان الصلاة فمن لم يطمئن في صلاته فهي باطلة، وكان النبي ﷺ إذا ركع استوى في ركوعه وأمكن يديه من ركبتيه وهصر ظهره وجعل رأسه حياله، ولم يرفع رأسه حتى يعود كل فقار إلى مكانه، إذا رفع رأسه من الركوع اعتدل حتى يرجع كل فقار إلى مكانه وإذا سجد اطمأن في سجوده حتى يرجع كل فقار إلى مكانه وإذا جلس بين السجدتين اعتدل حتى يرجع كل فقار إلى مكانه، ولما رأى ﷺ بعض الناس لا يطمئن في صلاته أمره بالإعادة، وقال له: "إذا قمت إلى الصلاة فأسبغ الوضوء ثم استقبل القبلة فكبر ثم اقرأ ما تسير معك من القرآن ثم اركع حتى تطمئن راكعاً ثم ارفع حتى تعتدل قائماً ثم اسجد حتى تطمئن ساجداً ثم ارفع حتى تطمئن جالساً ثم اسجد حتى تطمئن ساجداً ثم افعل ذلك في صلاتك كلها " أخرجه الشيخان في الصحيحين.
стр. 7815
فهذا الحديث الصحيح يدل على أن الواجب على المسلم أن يعظم هذه الصلاة ويعتني بها ويطمئن فيها حتى يؤديها على الوجه الذي شرعه الله ورسوله ﷺ ، وينبغي أن تكون الصلاة للمؤمن راحة قلب ونعيم روح وقرة عين كما قال النبي ﷺ :"وجعلت قرة عيني في الصلاة " ومن أهم واجبات الصلاة في حق الرجال أداؤها في الجماعة لأن ذلك من أعظم شعائر الإسلام وقد أمر الله بذلك ورسوله كما قال : ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾ ، وقال سبحانه في صلاة الخوف: ﴿وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذَا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرَائِكُمْ وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ﴾ الآية. فأوجب الله سبحانه على المسلمين أداء الصلاة في الجماعة في حال الخوف. فيكون وجوبها عليهم في حال الأمن أشد وآكد، وتدل الآية المذكورة على وجوب الإعداد للعدو والحذر من مكائده كما قال سبحانه: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ﴾ .. الآية، فالإسلام دين العزة والكرامة والقوة والحذر والجهاد الصادق كما أنه دين الرحمة والإحسان والأخلاق الكريمة والصفات الحميدة ولما جمع سلفنا الصالح بين هذه الأمور مكن الله لهم في الأرض ورفع شأنهم وملكهم رقاب أعدائهم وجعل لهم السيادة والقيادة فلما غير من يعدهم غير عليهم كما قال : ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾ وصح عن رسول الله ﷺ أنه قال:"لقد هممت أن آمر بالصلاة فتقام ثم آمر رجلاً فيصلي بالناس ثم أخالف إلى رجال لا يشهدون الصلاة فأحرق عليهم بيوتهم بالنار" وقال ﵊:"من سمع النداء فلم يأت
стр. 7816
فلا صلاة له إلا من عذر" وعن أبي هريرة ﵁:"أن رجلاً أعمى قال: يا رسول الله أنه ليس لي قائد يلائمني إلى المسجد فهل لي من رخصة أن أصلي في بيتي قال: "هل تسمع النداء بالصلاة "قال: نعم قال: "فأجب.." خرّجه مسلم في صحيحه.
أما النساء فصلاتهن في بيوتهن خير لهن كما حاء بذلك الأخبار عن رسول الله ﷺ وما ذاك إلا لأنهن عورة وفتنة ولكن لا يمنعن من المساجد إذا طلبن ذلك لقول النبي ﷺ "لا تمنعوا إماء الله مساجد الله " وقد دلت الآيات والأحاديث الصحيحة عن رسول الله ﷺ على أنه يجب عليهن التستر والتحجب من الرجال وترك إظهار الزينة والحذر من التعطر حين خروجهن لأن ذلك يسبب الفتنة بهن ولهذا قال النبي ﷺ :"لا تمنعوا إماء الله مساجد الله وليخرجن تفلات ". ومعنى تفلات أي لا رائحة لهن تفتن الناس وقال ﷺ :"أيما امرأة أصابت بخوراً فلا تشهد معنا العشاء" وقالت عائشة ﵂:"لو علم النبي ﷺ ما أحدث النساء اليوم لمنعهن الخروج "، فالواجب على النساء أن يتقين الله وأن يحذرن أسباب الفتنة من الزينة والطيب وإبراز بعض المحاسن كالوجه واليدين والقدمين حين اجتماعهن بالرجال وخروجهن على الأسواق. وهكذا في وقت الطواف والسعي وأشد من ذلك وأعظم في المنكر كشفهن الرؤوس ولبس الثياب القصيرة التي تقصر عن الذراع والساق لأن ذلك من أعظم أسباب الفتنة بهم ولهذا قال : ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الأُولَى﴾ والتبرج إظهار بعض محاسنهن، وقال : ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلابِيبِهِن﴾ الآية. . والجلباب هو الثوب الذي تغطي به المرأة رأسها ووجهها وصدرها وسائر بدنها قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس رضي
стр. 7817
الله عنهما:"أمر الله نساء المؤمنين إذا خرجن من بيوتهن في حاجة أن يغطين وجوههن من فوق رؤوسهن بالجلاليب ويبدين عيناً واحدة "وقال تعالى: ﴿ِ وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعاً فَاسْأَلوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِن﴾ الآية، وقال النبي ﷺ :"صنفان من أهل النار لم أرهما بعد نساء كاسيات عاريات مائلات مميلات رؤوسهن مثل أسنمة البخت المائلة لا يدخلن الجنة ولا يجدن ريحها، ورجال بأيديهم سياط مثل أذناب البقر يضربون بها الناس" خرّجه مسلم في صحيحه وقوله كاسيات عاريات فسر بأنهم كاسيات من نعم الله عاريات من شكرها وفسر بأن عليهن كسوة رقيقة أو قصيرة لا تسترهن فهن كاسيات بالاسم والدعوى عاريات في الحقيقة ولا ريب أن هذا الحديث الصحيح يوجب على النساء العناية بالتستر والتحجب والحذر من أسباب غضب الله وعقابه والله المستعان.
стр. 7818
الوصية الثالثة: أوصي جميع الحجاج والزوار وكل مسلم بإخراج زكاة ماله إذا كان لديه مال تجب الزكاة فيه لأن الزكاة من أعظم فرائض الدين وهي الركن الثالث من أركان الإسلام فالله شرعها طهرة للمسلم وزكاة له ولماله وإحساناً للفقراء وغيرهم من أصناف أهل الزكاة، كما قال : ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾ وهي من شكر الله على نعمة المال والشاكر موعود بالأجر والزيادة كما قال سبحانه: ﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ﴾ وقال : ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلا تَكْفُرُونِ﴾ وقد توعد الله من لم يؤد الزكاة بالعذاب الأليم كما توعده سبحانه بأنه يعذبه بماله يوم القيامة، قال الله : ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هَذَا مَا كَنَزْتُمْ لانْفُسِكُمْ فَذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ﴾ وصح عن رسول الله ﷺ في تفسير هذا الآية الكريمة إن كل مال لا تؤدى زكاته فهو كنز يعذب به صاحبه يوم القيامة في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة ثم يرى سبيله إما إلى الجنة وإما إلى النار فالواجب على كل مسلم له مال تجب فيه الزكاة أن يتقي الله ويبادر بإخراج زكاته في وقتها في أهلها المستحقين لها طاعة لله ولرسوله وحذراً من غضب الله وعقابه والله سبحانه وعد المنفقين بالخلف والأجر الكبير.
стр. 7819
كما قال سبحانه: ﴿وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ﴾ وقال تعالى: ﴿آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ فَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَأَنْفَقُوا لَهُمْ أَجْرٌ كَبِيرٌ﴾ .
الوصية الرابعة: صيام رمضان وهو من أعظم الفرائض على جميع المكلفين من الرجال والنساء وهو الركن الرابع من أركان الإسلام قال الله سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ أَيَّاماً مَعْدُودَات﴾ ثم فسر هذا الأيام المعدودات بعد ذلك بقوله : ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدىً لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كَانَ مَرِيضاً أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ وقال النبي ﷺ :"بني الإسلام على خمس شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وصوم رمضان وحج البيت" فهذا الحديث الصحيح يدل على جميع الوصايا المتقدمة وهي الشهادتان والصلاة والزكاة والصوم وأنها كلها من أركان الإسلام التي لا يقوم بناؤه إلا عليها فالواجب على كل مسلم ومسلمة تعظيم هذه الأركان والمحافظة عليها والحذر من كل ما يبطلها أو ينقص أجرها والله سبحانه إنما خلق الثقلين ليعبدوه سبحانه وأرسل الرسل وأنزل الكتب من أجل ذلك وعبادته هي توحيده وطاعته وطاعة رسوله ﷺ عن إخلاص لله سبحانه ومحبة له وإيمان به وبرسله ورغبة في ثواب الله وحذر من عقابه وبذلك يفوز العبد بالسعادة والنجاة في الدنيا والآخرة وإنما أصيب المسلمون في هذه العصور الأخيرة بالذل والتفرق وتسليط الأعداء بسبب تفريطهم في أمر الله وعدم تعاونهم
стр. 7820
على البر والتقوى كما قال : ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾ فنسأل الله أن يجمعهم على الحق ويوفقهم للتوبة النصوح وأن يهديهم للعمل بكتابه وسنة نبيه ﷺ ويوفق حكامهم للحكم بشريعته والتحاكم إليها وإلزام شعوبهم بما أوجب الله ومنعهم عن محارم الله حتى يمكن لهم في الأرض كما مكن لأسلافهم ويعينهم على عدوهم إنه سميع قريب.
الوصية الخامسة: حج بيت الله الحرام وهو الركن الخامس من أركان الإسلام كما تقدم في الحديث الصحيح وهو فرض على كل مسلم ومسلمة يستطيع السبيل إليه في العمر مرة واحدة كما قال الله سبحانه: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً﴾ وقال النبي ﷺ :"الحج مرة فمن زاد فهو تطوع " وقال صلى اله عليه وسلم:"العمرة إلى العمرة كفارة لما بينهما والحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة " وقال ﵊:"من حج فلم يرفث ولم يفسق رجع كيوم ولدته أمه " فالواجب على حجاج بيت الله الحرام أن يصونوا حجهم عما حرم الله عليهم من الرفث والفسوق وأن يستقيموا على طاعة الله ويتعاونوا على البر والتقوى حتى يكون حجهم مبروراً وسعيهم مشكوراً والحج المبرور هو الذي سلم من الرفث والفسوق والجدل بغير حق.
كما قال الله سبحانه: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ وَلا جِدَالَ فِي الْحَجّ﴾
ويد على ذلك أيضاً قوله ﷺ :"من حج فلم يرفث ولم يفسق رجع كيوم ولدته أمه " والرفث هو الجماع في حال الإحرام ويدخل فيه النطق بالفحش ورديء الكلام، والفسوق يشمل المعاصي كلها.
стр. 7821
فنسأل الله أن يوفق حجاج بيت الله الحرام للاستقامة على دينهم وحفظ حجهم مما يبطله أو ينقص أجره أن يمن علينا وعليهم بالفقه في دينه والتواصي بحقه والصبر عليه، وأن يعيذ الجميع من مضلات الفتن ونزغات الشيطان إنه ولي ذلك والقادر عليه.
وصلى الله وسلم على عبده ورسوله نبينا محمد وعلى آله وأصحبه وأتباعه بإحسان..
الرئيس العام لإدارات البحوث العلمية والإفتاء الدعوة والإرشاد
عبد العزيز بن عبد الله بن باز
стр. 7822
الحج عرفة
لفضيلة الشيخ محمد أمان بن علي الجامي
عميد كلية الحديث الشريف والدراسات الإسلامية
الحمد لله المنعم المتفضل وصلاة الله وسلامه وبركاته على أكرم الرسل محمد بن عبد الله وآله وصحبه..
الحج عرفة
تعبدنا الله العليم الحكيم بأنواع عديدة من العبادات منها ما هو بدني محض كالصلاة والصيام ومنها ما هو مالي محض كالزكاة وسائر النفقات..
وهناك عبادة يقوم العبد بأدائها ببدنه مع إنفاق المال فيها فيقال لها عبادة لها عبادة مالية وبدنية وهي عبادة حج بيت الله الحرام التي ينفق فيها الإنسان المسلم من أنفس أمواله ويكابد فيها متاعب السفر ومشقته ومن أجزاء هذه العبادة - إن صح التعبير- الوقوف وبعرفة حيث تعبدنا الله تعالى لحكمة يعلمها أن تقف عشية اليوم التاسع من شهر ذي الحجة في أرض فسيحة محدودة بحدود معروفة قديماً وحديثاً تسمى- أرض عرفه-
نقف في وسط تلك الأرض نعبد الله وحده بعبادة شرعها الله لنا على لسان من اختاره وأرسله إلينا ليبلغنا دين الله وهو محمد بن عبد الله النبي الأمي الهاشمي ﵊ وتلك العبادة ذكر الله تعالى ذكراً كثيراً من التهليل والاستغفار والتسبيح والثناء عليه سبحانه والتضرع إليه ويبوء العبد هناك بذنبه ليتوب عليه ويبوء بنعمه التي لا تعد ولا تحصى ويطلب المزيد من فضله ويكثر من هذه العبادة وهذا الثناء التضرع يكرر والدعاء ويلح لعل الله يجعله من عتقاء ذلك اليوم العظيم الذي من الله به على عباده، هكذا يظل الحاج في عبادة ربه والاعتراف بذنبه من بعد زوال شمس يوم عرفة إلى الليل.
حدود الموقف
وهذه البقعة التي سوف نقف فيها في اليوم التاسع من شهر ذي الحجة يحسن بنا أن نعرف حدودها ولو على وجه التقريب.
стр. 7823
ويحد عرفة شرقاً الجبل العالي شمال جبل الرحمة، ويحدها من الجنوب الجبال المقابلة له ويحدها من الشمال والغرب بطن وادي عرنة الذي يمتد من الشمال إلى الجنوب وهو الحد من الشمال والغرب، والمسجد نفسه في وادي عرنة ونمرة غربي عرفة وكلتاهما ليستا من عرفة وأما نمرة في الأصل قرية غربي عرفات وهي الآن خراب ما ذكر ذلك غير واحد من أهل العلم، وعرنة في الأصل جبل عليه أنصاب الحرم (علاماته) أما الآن فليس هناك جبل بل كلها أرض مستوية ولعل الجبل المذكور كان عبارة عن تل من الرمال زال مع الزمن، والله أعلم..
وإذا تجاوز الحاج منطقة نمرة وارتفع في بطن وادي عرنة فليقف حيث تيسر له الوقوف، أما رسول الله ﵊ فقد نزل بنمرة عندما جاء من منى صباح يوم عرفة ثم ارتحل مع الزوال وصلى الظهر والعصر بعرنة وخطب بها الناس ثم دخل الموقف فوقف عند ذيل جبل الرحمة مستقبل القبلة عند الصخرات جاعلاً جبل المشاة بين يديه، وجبل المشاة الطريق الذي يسلكونه في مشيهم أو صفهم في تجمعهم. إلا أن رسول الرحمة لم يلزم أمته بأن يقفوا حيث وقف هو عند الصخرات ولم يحثهم على ذلك رحمة بهم ولئلا يوقعهم في حرج.
بل قال: "وقفت هاهنا وعرفة كلها موقف" وهذا يعنى أنه لا فرق بين الوقوف عند الصخرات التي وقف عندها رسول الله ﵊ وبين الوقوف في أي مكان آخر في عرفة وأما صعود الجبل فغير مشروع، قطعاً لأن الشرع، ما شرعه الله لعباده على لسان رسوله ﵊ فرسول الله لم يصعد الجبل بل ولم يستقبله عند التحقيق لأن الثابت أنه جعل جبل المشاة بين يديه كما في حديث جابر بن عبد الله، يقول بعض من (١) حقق المسألة أن حديث جابر يدل على أن جبل الرحمة كان على يمينه وقد استنتج ذلك من أنه جعل جبل المشاة بين يديه ويفهم من كلامه أن الصخرات التي وقف عندها رسول الله هي التي في جنوب الجبل عند الأشجار حاليا وكلامه أشبه والله أعلم.
стр. 7824
فعلى الحجاج أن يتجنبوا صعود الجبل والازدحام حوله لئلا يضيعوا وقتهم الثمين فيما لا يعود عليهم بأدنى فائدة بل في ذلك مضرة بل وأي مضرة بل على الحجاج أن يقفوا حيث شاءوا ولهم أن يتوغلوا في تلك الأرض الفسيحة ما شاءوا أن يتوغلوا حتى تردهم سفوح الجبال من الشرق والجنوب دون تقيد بمكان معين.
أسماء جبل الرحمة
وقد ذكروا لهذا الجبل عدة أسماء:
١) يقال له جبل الرحمة وهذا الاسم من أشهر تلك الأسماء ولعله من أحدثها.
٢) يقال له جبل الدعاء.
٣) يسميه بعض العامة (القرين بضم القاف مصغراً) .
٤) أما اسمه القديم (إلآل على وزن هلال) .
وقد حاولت أن أعرف سبب تسمية الجبل بهذا الاسم (جبل الرحمة) واتصلت بعدة مصادر وسألت عدة أشخاص من أهل العلم ولم أحظ بجواب شاف إلى لحظة كتابة هذه السطور فاترك المسألة قيد بحث وأمضى في الكتابة في الموضوع، وعلى كل حال أن هذه التسمية في النفس منها شيء لأن الرحمة لا يختص نزولها بذلك الجبل ومدعى ذلك يطالب بالدليل وليس الدعاء خاصاً بالجبل أيضاً بل هو كغيره في كل ذلك فرحمة الله تعالى وعتقه من النار من شاء من عباده في ذلك اليوم عام لكل من وقف عرفة في أي بقعة منها والذي دفعني إلى هذا البحث ما شاهدته وشاهده غيري من كل ذي عينين من تصرفات بعض الحجاج أشبه ما تكون ببعض الجاهليات التي يفعلها بعض العوام عند قبور الصالحين من تمسح بالحجارة وتقبيلها علاوة على ما يحصل من تضييع الوقت بالصعود والنزول وهو أمر غير مشروع كما تقدم، بل أصبح لدى كثير من عوام الحجاج أن صعود الجبل هو المقصود من وقوف عرفة وقد كان الصعود الشغل الشاغل لهم وأنت ترى الزحام من سفح الجبل إلى قمته طيلة النهار.
стр. 7825
وكأن العوام فهموا من هذا الاسم (جبل الرحمة) أن الرحمة إنما تنزل في ذلك اليوم على من فوق ذلك الجبل فقط استنتاجاً من الاسم، ويريدون أن تنالهم الرحمة وهم فوق جبل الرحمة وهي شبهة كما ترى قوية تدفع العوام إلى صعود الجبل فلا يلامون على ما صنعوا طالما الشبهة قائمة ولم يجدوا من ينبههم على خطأ تصورهم معنى الوقوف.
ومما قوى هذا الشبهة لدى العامة وأشباههم وجود ذلك العمود الأبيض الذي نصب على رأس الجبل ليكون علامة على إنه جبل الرحمة مع وجود عديد من المساجد الصغار والمحرابات منتشرة في سفح الجبل وفوق الجبل وفي الأماكن القريبة من الجبل. وهذه الأشياء تدعو الحجاج بلسان حالها إلى التجمع على الجبل إلتماساً للرحمة.
الصلاة في الجبل
ومما جرت به عادة الحجاج صلاة ركعتين في كل مسجد في الأماكن المقدسة وفي المشاعر ولو في وقت نهي فجرياً على هذه العادة ترى الحجاج بعد صلاة العصر في منطقة جبل الرحمة وهم يصلون ركعتين في كل مصلى وفي كل محراب، وإذا قيل لهم في ذلك قالوا ركعتين لله (بس ما في شيء) فكم كان مفيداً لو أزيل ذلك العمود وتلك المحرابات والمصليات المنتشرة في منطقة الجبل وكان جيداً لو قامت وزارة الحج والأوقاف واللجنة العليا للحج، وإدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد التي تتبعها (هيئة التوعية) للحجاج كم كان جيداً لو قامت هذه الجهات بدراسة وضع الجبل وصعوده ووضع تلك المساجد الصغار هناك والعلم المنصوب فوق الجبل لتبقى على ما كان نافعاً وجائزاً شرعاً وتزيل ما كان ضاراً وغير جائز شرعاً ويكون ذلك أداء لبعض واجبها نحو ضيوف الرحمن، زادها الله توفيقاً ونحن نعلم إن هذه الجهات المذكورة تقوم بالشيء الكثير في خدمة بيوت الله عامة وخدمة المسجد الحرام والمسجد النبوي الشريف خاصة وحجاج بيت الله وزوار مسجد خاصة وحجاج بيت الله وزوار مسجد رسول الله، فجزاؤهم على الله أن الله لا يضيع أجر من أحسن عملاً.
النصح للحجاج
стр. 7826
وكل الذي أريد أن أقوله في الموضوع أن الذي تقتضيه النصيحة لحجاج بيت الله الحرام (الدين النصيحة) منع صعود الجبل بأنجح وسيلة ممكنة أو باستخدام عدة وسائل تحقق الغرض حرصاً على وقتهم الثمين الذي يضيع عليهم دون فائدة في عشية ذلك اليوم المبارك بل حرصاً على عبادتهم ومعتقداتهم من أن تخدش بنوع من معتقدات الجاهلية في الأحجار والأشجار والمباني.
وكنت أذكر منع صعود الجبل بل التشدد في المنع فيما قبل عام ١٣٧٠هـ وقد حضرت موسم عام ١٣٦٩هـ فوجدت الجنود يمنعون صعود الجبل بشدة وكان الناس يجتمعون في سفح الجبل عند الصخرات التي وقف عندها الرسول ﵊ كما يفهم من السنة.
فيا حبذا لو استخدمت تلك الوسيلة ذاتها مرة أخرى إن لم نجد وسيلة أو وسائل أخرى أجدى وأنفع في تحقيق الغرض.
ونحن نعلم يقيناً إن بعض العوام من الحجاج قد تعودوا التبرك بالأحجار والأشجار وقبور الصالحين أو من يدعون الصلاح وهم ينظرون إلى الجبل الذي بعرفة وما فوقه وما حوله من المباني بذلك المنظار ولا سيما مع هذا الاسم (جبل الرحمة) .
لذا نرى أن تبذل كل جبهة ما تستطيع بذله في هذا الصدد ليكون حج حجاج بيت الله الحرام بعيداً عن المخالفات والبدع والأعمال الجاهلية التي قد يقع فيها بعض الحجاج جهلاً منهم.
وقد بذلت حكومتنا السنية في سبيل راحة الحجاج وتسهيل أمورهم كل غال ونفيس يتمثل ذلك في تلك الشوارع الواسعة بأعداد هائلة والكباري العملاقية والميادين الواسعة والمستشفيات والمستوصفات المنتشرة في كل من عرفة ومزدلفة وفي كل مكان تصل إليه أقدام الحجاج في الحرمين الشريفين زادها الله من فضله ومن توفيقه.
стр. 7827
والناحية التي نحن بصددها لم يغفلها المقام السامي حيث يجند في كل موسم عدد كبير من علماء المسلمين من الداخل والخارج لتوعية حجاج بيت الله الحرام وتعليمهم ما يجهلون من أمور دينهم عامة ومن أعمال الحج خاصة، بناء على أمر المقام السامي تحت إشراف إدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد، فنسأل الله تعالى التوفيق لهؤلاء العلماء المجندين لهذه المهمة العظيمة حتى يؤدوا واجبهم على الوجه المطلوب بحزم وبإخلاص والله ولي التوفيق.
زمن الوقوف
إن الدارس للسنة النبوية قولية أو فعلية في هذا المسألة إذا عرض عليها أقوال أهل العلم محاولاً التوفيق بينها يخرج بالنتيجة التالية:
وهي أن زمن الوقوف ينقسم إلى قسمين:
١) زمن اختياري.
٢) زمن اضطراري.
أما الزمن الاختياري فهو الذي لا ينبغي للحاج مخالفته أو ترك شيء منه في حال سعته واختياره وفي حال عدم الضرورة فهذا الزمن يبدأ من زوال شمس يوم عرفة، ويمتد إلى الغروب وإذا تحقق الغروب جاز للحجاج أن يفيضوا إلى مزدلفة مؤخرين صلاة المغرب ليجمعوها مع صلاة العشاء في جمع (مزدلفة) جمع تأخير ولا يجوز لهم أن يغادروا الموقف قبل غروب الشمس إلا للضرورة أو جهل الحكم فإذا غابت الشمس يفيضون وعليهم السكينة والوقار وألسنتهم تلهج بذكر الله والثناء عليه سبحانه يكبرون ويهللون ويحمدون الله الذي وفقهم لأداء تلك العبادة في ذلك اليوم العظيم وعليهم أن يتجنبوا الإيذاء لأحد بأي نوع من أنواع الإيذاء.
دليل المسألة
стр. 7828
نأخذ هذه الأحكام من السنة الفعلية المؤيدة بالسنة القولية أما السنة الفعلية ففعله ﵊ في حجة الوداع لأنه ﵊ دخل الموقف بعد الزوال وبعد أن صلى الظهر والعصر جمعاً وقصراً في عرفة لأنه نزل بنمرة وصلى بعرفة ووقف بعد الزوال بعرفة وظل واقفاً عند الصخرات على ناقته القصواء مستقبل القبلة يدعو الله ويثني عليه بما هو أهله سبحانه حتى غاب قرص الشمس من ليلة جمع.
أما السنة القولية فقوله ﵊:"خذوا عنى مناسككم"يقول هذا القول لينبه الناس على التأسي به في أعمال الحج قولاً وفعلاً وفي الزمان والمكان.
هكذا يتضح من السنة أن الوقوف بعرفة يبدأ بالزوال من يوم عرفة ويمتد إلى ليلة جمع حتى يجمع الحاج في الوقوف بين الليل والنهار ولا ينبغي مخالفة هذا الهدي في حالة السعة والاختيار والله الموفق.
أما حالة الاضطرار فلها أحكامها.
زمن الوقوف الاضطراري
أما الزمن الاضطراري فيؤخذ من حديثين اثنين أحدهما، حديث عبد الرحمن بن يعمر الذي رواه الخمسة وفيه "أن أناساً من نجد سألوه"أي قالوا كيف حج من لم يدرك يوم عرفة؟ فأمر منادياً فنادى "الحج عرفة من جاء ليلة جمع قبل طلوع الفجر فقد أدرك" الحديث والقطعة التي أوردناها هي محل الشاهد من الحديث.
ثانيهما: حديث عروة بن مضرس بن أوس بن حارثة بن لام الطائي حيث يقول:" أتيت رسول الله ﵊ بالمزدلفة، حين خرج إلى الصلاة فقلت: يا رسول الله إني جئت من جبلي طيىء أكللت راحلتي، وأتعبت نفسي والله ما تركت من جبل إلا وقفت عليه فهل لي من حج؟ فقال رسول الله ﵊: من شهد صلاتنا هذه؟ ووقف معنا حتى ندفع وقد وقف قبل ذلك بعرفة ليلاً أو نهاراً فقد تم حجه وقضى تفثه" رواه الخمسة وصححه الترمذي.
стр. 7829
ومن إنعام النظر في هذين الحديثين يمكن القول بأن من كان حاله كحال هؤلاء القوم الطائي والذين جاءوا من قبل نجد تكفيه لحظة من نهار عرفة أو ليلة عرفة إذا تم له ذلك قبل طلوع الفجر من ليلة العيد ولا يلزمه الجمع بين الليل والنهار، وهذا ما عنيناه بقولنا: (زمن الوقوف الاضطراري) وفي حديث عبد الرحمن بن يعمر رأينا القوم سألوا رسول الله ﵊ ما يدرك به الحج من زمن الوقوف فكان الجواب من جاء ليلة جمع قبل طلوع الفجر فقد أدرك فأقل زمن يدرك به الوقوف بعرفة حتى يصح الحج أن يوجد بعرفة قبل طلوع فجر ليلة جمع ولو بزمن يسير يصدق عليه الوقوف الشرعي قاصداً الوقوف إذ "إنما الأعمال بالنيات" هذا ما يؤخذ من حديث عبد الرحمن بن يعمر.
وحديث عروة بن مضرس يدل على ما دل عليه حديث عبد الرحمن على أنه لا يجب الجمع بين الليل والنهار بالنسبة لمن كان حاله كحال الطائي الذي أتعب نفسه وراحلته بحثاً عن الموقف وهذا الطائي الذي يجهل الموقف لا يستبعد إن يجهل زمن الوقوف أيضاً.
واستناداً إلى قوله ﵊ "الحج عرفة" وإلى فتوى عمر بن الخطاب ﵁ حين سأله من فاته الوقوف بعرفة ماذا يفعل فقال: " اذهب إلى مكة فطف أنت ومن معك.. الخ"فيتسامح معه ومع أمثاله ما لا يتسامح مع غيرهم، فلا يطالبون بالجمع بين الليل والنهار.
أما من يعرفون المكان والزمان وحضروا في متسع من الزمن وليس هناك ضرورة ملحة تحملهم على ترك الجمع بين الليل والنهار فلا ينبغي التساهل في ترك هدي رسول الهدى ﵊.
وبعد فإن هذا الاستنتاج هو مجرد فهم فهمته من دراسة النصوص المذكورة والمشار إليها في مطلع البحث فإن كان صواباً فمن فضل الله وتوفيقه ولله وحده الحمد والمنة وإن كان غير ذلك فمن نفسي وراجع إلى قصور فهمي وهو أمر معترف به فأسأله تعالى العفو والعافية.
الأحكام الفقهية
стр. 7830
وفي ختام هذا البحث تذكر الأحكام الفقهية التي تتعلق بالوقوف بعرفة ونوجزها في الأرقام التالية:
١) أجمع أهل العلم على أن الوقوف بعرفة ركن من أركان الحج بل من أهم أركانه ومن فاته الوقوف فلا حج له، فعليه أن يتحلل بعمل العمرة أي يطوف بالبيت ويسعى بين الصفا والمروة ويحلق رأسه. وعليه الحج من العام المقبل سواء كان حجه واجباً أو تطوعاً لأن تمام الحج واجب على كل حال عملاً بقوله تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ .
стр. 7831
٢) أما صفة أو كيفية أن يصل الحاج إلى عرفة صباح يوم عرفة بأن يغادر (منى) بعد طلوع الشمس وإذا وصل منطقة عرفة لا يدخلها بل ينزل بنمرة غربي المسجد المعروف ويبقى بها إلى الزوال فإذا زالت الشمس ينتقل إلى عرفة حيث المسجد فيصلى بها الظهر والعصر جمعاً وقصراً مع الإمام إن تيسر بعد أن يحضر الخطبة التي يشرح فيها الإمام أعمال يوم عرفة وما بعده ثم يذهب إلى الموقف فيرتفع من وادي عرفة ويتجاوز العلامات المنصوبة هناك التي تبين ابتداء الموقف فإذا تجاوزها فيقف حيث يتيسر له الوقوف راكباً أو راجلاً، جالساً أو مضطجعاً إن دعت الحاجة إلى الاضطجاع فيبقى بعرفة حتى تغرب الشمس ثم يفيض إلى مزدلفة ويؤخر صلاة المغرب ليجمع مع العشاء في مزدلفة ودليل ذلك فعله ﷺ في حجة الوداع كما يدل على ذلك حديث جابر بن عبد الله وغيره ثم قوله ﵊ "خذوا عنى مناسككم" هذا ولو مرض الحاج فنام في مستشفى عرفة وقد نوى الوقوف بعرفة فقد تم حجه إذا كان عاقلاً أما لو كان مجنوناً أو سكراناً فلا يصح وقوفهما وبالتالي لا يصح حجهما، وهذا الذي ذكرناه من الجمع بين الليل والنهار هو الذي عليه جمهور أهل العلم لكونه موافقاً لهدي رسول الله ﷺ . وظاهر مذهب الإمام أحمد ﵀ أن زمن الوقوف من طلوع الفجر يوم عرفه إلى طلوع الفجر يوم النحر فمن وجد بعرفة في شيء من هذا الزمن وهو عاقل فقد تم حجه وقد ناقشنا هذه المسألة في صلب البحث بما فتح الله وذكرنا كيفية التوفيق بين أقوال أهل العلم في هذه المسألة والله ولي التوفيق.
стр. 7832
٣) وجوب الجمع بين الليل والنهار في حالة السعة والاختيار ومن ترك الجمع بين الليل والنهار فعليه الدم عند جمهور العلماء لتركه الواجب عملاً بحديث ابن عباس "من ترك نسكاً فعليه الدم" أما الإمام مالك فيرى أن من أفاض قبل الليل فلم يرجع فلا حج له. ودليله فعله ﵊ مع قوله "خذوا عنى مناسككم".
٤) لا يتقيد الحاج بموضع معين بجبل الرحمة أو غيره بل يقف حيث تيسر له الوقوف عملاً بقوله ﵊:"وقفت ها هنا وعرفة كلها موقف"وقد قال الرسول هذا القول رفعاً للحرج وتوسعة على الأمة فعلى الحجاج أن يتمتعوا بهذه التوسعة وهذه الرحمة.
٥) أن يقف الحاج زمناً يصدق عليه الوقوف الشرعي بنية الوقوف وهو عاقل غير مجنون ولا سكران (لأن الأعمال بالنيات ولكل امرىء ما نوى) .
٦) لا يشترط للوقوف بعرفة الطهارة الكبرى ولا الصغرى، ودليل ذلك قصة أم المؤمنين عائشة ﵂ حين حاضت في حجة الوداع وهي محرمة بالعمرة فأمرها رسول الله ﵊ أن تدخل الحج على العمرة ثم تفعل كل ما يفعله الحاج إلا الطواف بالبيت فوقفت ﵂ وهي حائضة فإذا صح الوقوف مع الحديث الأكبر فصحته مع الحدث الأصغر أولى والله أعلم.
٧) وجوب المحافظة على عبادة المسلمين وعقيدتهم بإزالة كل ما يدعو إلى تعلق القلب بغير الله من بناء أو حجر أو شجر كما فعل عمر بن الخطاب ﵁ حيث قطع شجرة البيعة التي كانت بالحديبية وفعله ﵁ عند حجه مع إضافة عموم أدلة وجوب إزالة المنكر وأدلة وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر على المراتب المعروفة.
وما من شك إن الجهات المسئولة عن الحجاج وشئونهم وتوعيتهم وتوجيههم تملك يداً قوية تستطيع إزالة كل ما أشرنا إليه بعد توفيق الله تعالى والله ولي التوفيق..
محمد أمان بن علي الجامي
عميد كلية الحديث الشريف
والدراسات الإسلامية
بالجامعة الإسلامية- المدينة المنورة
---
стр. 7833
(١) ابن جاسر في منسكه.
стр. 7834
العدد ٤٣
فهرس المحتويات
١- كلمة العدد
٢- إلى الذين يحادون مفاتح الغيب باسم العلم الحديث: لفضية الشيخ عبد الفتاح عشماوي المدرس
٣- تدوين السنة ومنزلتها: لفضيلة الدكتور عبد المنعم نجم
٤- أصول الإيمان: لسماحة الشيخ عبد العزيز بن باز
٥- مفهوم الربوبية: لفضيلة الشيخ سعد ندا
٦- حكم الاحتفال بالموالد: لسماحة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز
٧- كيف يغرس الأستاذ في نفوس تلاميذه العلم والعمل معا؟ : لفضلة الشيخ عبد الله بن أحمد قادري
٨- وعلاقتها بالقدرات العقلية: لفضيلة الدكتور عباس محجوب
٩- مملكة النبات كما يعرضها القرآن ويصفها: بقلم الدكتور حامد صادق قنيبي
١٠- فلسطين مسلمة: للدكتور علي جريشه
١١- كيف سلمت الدولة الإسلامية من تآمر يهود بني قريظة وخيبر عليها: لفضيلة الدكتور جاد محمد أحمد رمضان
١٢- شخصية الفقيه الداعية عبد الله بن ياسين واضع الأسس الأولى لدولة المرابطين في المغرب والأندلس: لفضيلة الشيخ إبراهيم الجمل
١٣- الأدب العربي في الميزان: للدكتور شوقي عبد الحليم حمادة
١٤- يا متاع الغرور: لفضيلة الشيخ محمد المجذوب
١٥- ما هكذا يا سعد تورد الإبل: بقلم فضيلة الشيخ محمد أمان بن علي الجامي
١٦- صحيح المقال في مسألة شد الرحال: لفضيلة الشيخ عبد العزيز الربيعان
١٧- وجوب إنكار المعاملات الربوية: لسماحة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز
١٨- تعقيب لا تثريب: لفضيلة الشيخ محمد المجذوب
١٩- الرد على إباحة الغناء: للشيخ نايف الدعيس
٢٠- فكرة الجامعة المفتوحة أو جامعة الهواء: لفضيلة الشيخ محمد الشربيني
٢١- مجلة الجامعة الإسلامية: للأستاذ عبد السلام هاشم حافظ
٢٢- الانتفاخ: للدكتور سيد أحمد عبد البر
٢٣- دراسة عن التخلص من الكحول في الصيدلة والطب: للدكتور أبو الوفا عبد الآخر
٢٤- مع ابن القيم في كتابه ((حادي الأرواح إلى بلاد الأرواح)) : للدكتور عبد الرحمن بله علي
٢٥- بين قاض وخليفة من كتاب نفح الطيب
٢٦- العلم والإيمان
٢٧- مختارات من الصحف - بداية النهاية
٢٨- خطاب الرئيس محمد ضياء الحق، رئيس دولة باكستان بعنوان: خطوات لتطبيق نظام الإسلام
٢٩- برقية من عبد العزيز بن عبد الله بن باز إلى حضرة الأخ المكرم: رئيس تحرير مجلة الجامعة الإسلامية: لسماحة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز
٣٠- من أحداث العالم الإسلامي: بقلم الدكتور عبد الرحمن العدوي
٣١- القسم الإنجليزي (English Section)
عمادة البحث العلمي - جميع الحقوق محفوظة ١٤٢٣ هـ / ٢٠٠٢ م
стр. 7835
كلمة العدد
يصادف صدور (مجلة الجامعة الإسلامية) هذه المرة في عددها الثالث عشر للسنة الحادية عشر مناسبة إسلامية هامة، لها شأنها ولها مكانتها في نفوس المسلمين أجمع.. وهي مناسبة إعلان رئيس جمهورية باكستان تطبيق الشريعة الإسلامية. وتطبيق الشريعة الإسلامية هو الهدف الأول والأخير من انفصال باكستان عن الهند.
ومنذ ذلك التاريخ - تاريخ استقلال باكستان - إلى هذا اليوم لم تزل محاولة تطبيق الشريعة الإسلامية تقطع عقبة بعد عقبة، وتخطوا خطوات بطيئة إلى أن ظهرت اليوم إلى حيز الوجود بذلك الإعلان المبارك الذي نرجو أن يكون نقطة تحول في حياة الشعب الباكستاني الذي سوف يسعد - بإذن الله - تحت ظل الشريعة الإسلامية، كما سعدت جميع الشعوب التي يحكمها الإسلام قديما وحديثا.
والشعب الباكستاني شعب مسلم وصادق في إسلامه. وقد كان منذ الاستقلال متلهفا إلى تطبيق سوف تكون خيرا من حياته قبل التطبيق؛ لأن الإسلام شريعة الله العليم الحكيم، وهو خير وبركة؛ فحيثما نزل الإسلام وعمل به وطبقت شريعته نزلت البركة والرخاء والخيرات... ونزل الأمن والأمان والاستقرار.
وهو ينظم الحياة تنظيما بديعا ودقيقا، يأمن الإنسان تحت ظله على نفسه وعقيدته وماله؛ لأنه يحفظ بأحكامه العادلة أموال الناس وعقولهم ودمائهم، ويطلق لهم حرية العمل وحرية القول، ويكسبهم شجاعة فذه، بحيث لا يخافون إلا ربّهم وخالقهم، ولا يطأطئون رؤوسهم إلا لعظمته.
هذه بعض المعاني التي يمتاز بها إسلامنا العظيم ...
و (مجلة الجامعة الإسلامية) تنتهز هذه الفرصة لتهنئ جمهورية باكستان الإسلامية - رئيسا وحكومة وشعبا - على هذه النعمة؛ نعمة الإسلام وتطبيق شريعته.
стр. 7836
وفي الوقت نفسه تهيب بالدول الإسلامية الأخرى وتدعوها لتحذو حذو جمهورية باكستان الإسلامية؛ فتعلن عن تطبيق الشريعة الإسلامية ثم تتابع الإعلان والتنفيذ والحل؛ لأن الإعلان وحده غير كاف طبعا، ويومئذ نصدق إذا قلنا: "نحن مسلمون"والله الموفق ...
أوهام يحسبونها أعذارا ...
وقد يعتذر بعض الحكام عن تطبيق الشريعة ببعض الأعذار نوجزها فيما يلي:
ا- إن شعوبهم ورعاياهم تتكون من مسلمين وغير مسلمين؛ فيظنون أن هذا الواقع يكون لهم عذرا مانعا عن تطبيق الشريعة؛ لئلا يتضرر أفراد الشعب على حساب الآخرين في زعمهم!!!
وللإجابة على هذا الوهم نقول: إن تطبيق شريعة الإسلام رحمة للمسلمين وغير المسلمين ﴿لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ .. ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ ..
وذلك أن غير المسلمين ينعمون في ظل أحكام الإسلام كما ينعم المسلمون؛ لأن الإسلام الذي حرم مال المسلم ودمه وعرضه كذلك يحرم أموال غير المسلمين ودماءهم وأعراضهم، ما داموا يعيشون تحت راية الإسلام مسالمين دون أن يكونوا حربا على الإسلام والمسلمين، ولا يكونوا عونا لمن يحاربهم. ويسمى هذا الصنف مستأمنا أو معاهدا أو ذميا..
ومن أحكام دين الإسلام أحكام تخص هؤلاء الناس يهوديين أو نصرانيين.. من ذلكم الوعيد الشديد الذي جاء في حق من يقتل معاهدا أو ذميا بأنه لا يراح رائحة الجنة عبد الله [١] بن عمر بن العاص ﵄ قال: قال رسول الله صلى الله ﵊: "من قتل معاهدا لم يرح رائحة الجنة، وإن ريحها يوجد في مسيرة أربعين عاما". رواه البخاري واللفظ له، وللنسائي مثله إلا أنه قال: "من قتل قتيلا من أهل الذمة لم يرح رائحة الجنة".
стр. 7837
ومن مثل هذه النصوص الصريحة يتضح جليا أن الإسلام دين الرحمة، وهو عنوان الأمن والاستقرار كما تقدم.. وخير شاهد على ذلك ما ينعم به سكان المملكة العربية السعودية التي اكتفت بالإسلام دينا ودستورا بتوفيق الله؛ ينعم سكان هذه المملكة بنعمة الأمن المنقطع النظير في العالم، مواطنين ووافدين على حد سواء، وهى حقيقة ملموسة لمس اليد، ولا تحتاج إلى ذكر الشواهد، بل كل من عرف ما تعيش فيه شعوب العالم من قلق واضطراب وعدم استقرار للأمن، ثم شاهَد ما يعيش سكان هذا البلد الطيب من الأمن على نفسه وماله وعرضه، وينام ليله ملء أجفانه يؤمن تماما أن سر ذلك هو تطبيق شريعة الإسلام.. ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الأَلْبَابِ﴾ ..
٢- يظن بعضهم أن تطبيق شريعة الإسلام يعني حمل الناس على اعتناق الإسلام وتكليفهم بذلك بغير رضاهم.!!
وللإجابة على ذلك نقول أن هذا الوهم منشأه عدم التفقه في الدين وقلة البصيرة.
وإلا فإن الإسلام يعلن بكل صراحة في قرآنه بأنه لا يكره أحدا على الدخول في الإسلام بغير اختياره ودون رضاه؛ إذ يقول القرآن الكريم - وهو كتاب الإسلام الوحيد - ﴿لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيّ﴾ .. فدعوة الإسلام إذاً إنما هي عرض وبيان.. عرض الإسلام على حقيقته كاملا كما نزل.. وبيان لمحاسنه وسماحته وشموله ورحمته؛ ليعرف على حقيقته.. فليس في دعوة الإسلام إكراه للناس حتى يكونوا مسلمين قسرا ودون اختيارهم.
стр. 7838
وبعد: فهل بقي هناك خيط يتعلق به أولئك الذين لم يطبقوا الشريعة في شعوبهم مع انتسابهم إلى الإسلام؟!!.. فنرجو أن يجدوا في موقف فخامة رئيس باكستان (ضياء الحق) ما يكون خير حافز لهم، ويضيء لهم الطريق ليبادروا فيعلنوا كما أعلن، ثم يطبقوا وينفذوا ولا يجبنوا، والله معهم وسوف يسدد خطاهم ويأخذ بأيديهم.. ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ﴾ .
"رئيس التحرير"
--------------------------------------------------------------------------------
[١] الترغيب والترهيب ص ٣٣٣.
стр. 7839
فلسطين مسلمة
للدكتور علي جريشه
الأستاذ بكلية الشريعة
أولا: كيف استلب الوطن الإسلامي في فلسطين
أ- تاريخ ...
البعض يرجع ذلك تاريخيا إلى أول مؤتمر صهيوني انعقد في بال عام ١٨٩٧م بزعامة تيودور هرتزل، حيث قرر اتخاذ فلسطين وطنا قوميا لليهود، ووضع التخطيط اللازم للتنفيذ؛ فسار في خطين: خط دفع اليهود إلى الهجرة إلى فلسطين، وخط البعث عن الشرعية الدولية التي تساند هذا الاغتصاب أو تستره، وفي الوقت نفسه القوة الدولية التي تحمي هذا الاغتصاب بالقوة وبالشرعية [١] معا..
وتأسس البنك الوطني اليهودي لهذا الغرض.. وتأسست معه الجمعيات اليهودية العديدة التي تزكي في اليهود روح الصهيونية، وكان ذلك تنفيذاً للخط الأول.. وبدأت الهجرة تسير في خط بياني بدأ بعدة آلاف، وانتهى اليوم بأكثر من ثلاثة ملايين نسمة.
وفي مدينة القدس الإسلامية - على سبيل المثال - كان عدد السكان اليهود:
سنة ١٦٧٠ م (القرن السابع عشر) يهودي واحد.
سنة ١٧٥٠ م (القرن الثامن عشر) ١٥٠ يهوديا.
سنة ١٩٧٧ م (القرن العشررن) ١٤٢٠٠٠ مائة واثنين وأربعون ألف يهودي.
وبدأ انتزاع الأرض من أيدي أهلها بالإغراء بالمال رغبا، ثم بالتخويف والبطش بعد ذلك رهبا.. وسار انتزع الأرض يأخذ الخط البياني التالي:
في العشرينات: تراوحت ما بين ١٧٤٩٨ سنة ١٩٢٣، إلى ١٧٦١٢٤ دونما عام ١٩٢٦.
في الثلاثينات: ١٨٨٩٣ سنة ١٩٣٢ إلى ٣٦٩٩١ دونما عام ١٩٣٣ إلى ٦٧١١٤ سنة ١٩٣٥.
في الأربعينات، وفي نهاية سنة ١٩٤٦ قدرت السلطات البريطانية ما يملكه اليهود بمساحة ١٦٢٤٥٠٥ دونما، ومع ذلك فلم تكن تمثل غير ٧% من مساحة فلسطين..
وفي سنة ١٩٦٧: ملكت إسرائيل كل أرض فلسطين وأضعافها..
стр. 7840
وتحقيقا للخط الثاني.. كانت محاولة الشرعية الأولى مع دولة الخلافة.. مع السلطان عبد الحميد ﵀.. قيل: إن هرتزل قابل السلطان عبد الحميد بنفسه..
وقيل: إنه أوفد إليه وفدا من ثلاثة:
١) مزراحى قرصو، زعيم اليهود في سالانيك.
٢) جاك.
٣) ليون (وهما كذلك من زعماء اليهود) .
وعرضوا على السلطان عبد الحميد - في حضور تحسين باشا رئيس الوزراء -.
أ- أن يقوم اليهود بوفاء الديون المستحقة على الدولة العثمانية (وقدرها ١٣٣ مليون ليرة إنجليزية ذهبية) .
ب- بناء أسطول لحماية الإمبراطورية العثمانية، (يتكلف ١٢٠ مليون فرنك فرنسي) .
ج- تقديم قرض بدون فائدة (قدره ٣٥٥ مليون ليرة ذهبية) ؛ لإنعاش مالية الدولة ومواردها، وذلك مقابل السماح لليهود بدخول فلسطين للزيارة في أي يوم من أيام السنة، والسماح ببناء مستعمرة لهم قرب القدس الشريف.
وقد رفض الخليفة المفترى على تاريخه، وقيل: إنه بصق في وجه زعيمهم..
ب- أرض بلا شعب إلى شعب بلا أرض (إسرائيل زانغويل) :
وكانت المحاولة الثانية في البحث عن الشرعية الدولية والحماية الاستعمارية.. عن طريق بريطانيا، واستطاع اليهود خلال الحرب العالمية الأولى والثانية أن ينجحوا في المشاركة في هذه الحرب، بما استمال بريطانيا العظمى إليهم، ثم كانت صلات هرتزل ووايزمان من بعده استثماراً لهذه المشاركة واستفادة منها..
стр. 7841
وفي الوقت الذي كانت بريطانيا "العظمى"قد أعطت العهد للشريف حسين بمنح الاستقلال للدول العربية - والسماح بقيام خلافة "عربية إسلامية"يقوم عليها أحد الأصلاء من مكة أو المدينة - في نفس الوقت كانت الاتصالات باليهود قائمة، وكان التعاطف معهم على أشده، وتم عقد اتفاقيتين سريتين في مارس سنة ١٩١٦ بين روسيا وإنجلترا وفرنسا، وفي مايو سنة ١٩١٦ بين الدولتين الأخيرتين (والتي عرفت بمعاهدة سايس بيكو) ، وتقرر وضع إقليم فلسطين تحت حكم دولي يتمتع اليهود في ظله "بالمساواة السياسية والدينية والمدنية" [٢] .
ولم يعرف الشريف حسين الذي وثق في شرف بريطانيا "العظمى"بأمر هذه الاتفاقات إلا بعد ستة شهور، وبعد قيام الثورة البلشفية في روسيا.. حيث أعلنت عن هذه الاتفاقات [٣] .
وفي نوفمبر ١٩١٧ أصدر اللورد (بلفور) - وزير خارجية بريطانيا "العظمى"التصريح التالي: "إن حكومة جلالة الملك تنظر بعين العطف إلى تأسيس وطن قومي للشعب اليهودي، وسنبذل جهدنا لتسهيل تحقيق هذه الغاية، وعلى أن يفهم جليا أنه لن يؤتى بعمل من شأنه أن يضير الحقوق المدنية والدينية التي تتمتع بها الطوائف غير اليهودية المقيمة الآن في فلسطين، ولا الحقوق أو الوضع السياسي الذي يتمتع به اليهود في البلدان الأخرى..".
وبهذا أعطى (من لا يملك) إلى (من لا يستحق) أول حماية، يتم التصريح بها، وأول خطوة عن طريق الشرعية الزائفة، ومع ذلك اعتبرها الصهيونيون تصديقا بريطانيا رسميا على إنشاء دولة يهودية في فلسطين، وذلك عن طريق الهجرة الجماعية وابتياع الأراضي، ووافقت على التصريح فرنسا وإيطاليا في فبراير سنة ١٩١٨، وأمريكا في أكتوبر سنة ١٩١٨م.
стр. 7842
وكانت تتمة المؤامرة البريطانية - الغربية إعلان الانتداب على فلسطين، بعد ضمها مع شرق الأردن والعراق إلى بريطانيا.. واكتشف الشريف حسين - ومن وراءه من العرب - أن فلسطين قد سلمت لليهود، وأن العرب جرى اقتسامهم بين الدول الحليفة.
وكانت المحاولة الثالثة والأخيرة إعلان دولة إسرائيل في ١٥ مايو سنة ١٩٤٨م في ظل حماية دولية إنجليزية أمريكية فرنسية روسية..
وسبقتها خطوة خطيرة على طريق الشرعية الدولية، هو قرار التقسيم الذي أصدرته الأمم المتحدة في ٢٩ نوفمبر ١٩٤٧م قبل الإعلان بشهور ستة..
هذا ما يراه البعض..
ونحن معهم في أن هذا التسلسل كان السبيل لتنفيذ المخطط عمليا..
ج- تاريخ أقدم:
لكننا مع البعض الآخر.. الذي يرجع الأمر إلى ما قبل هرتزل بقرنين أو يزيد، حين دعا الحاخام ليفا (١٥٢٠- ١٦٠٩) من براغ؛ دعا إلى اتخاذ فلسطين وطنا لليهود.
وأعقبه مورس هس (١٨١٢-١٨٧٥) الذي بدأ علمانيا، ثم صبأ إلى الماركسية مرتبطا مع ماركس، لكنه أعرض عن الماركسية متجها إلى مثالية يهودية مغرقة في حبّ اليهود، وأصدر كتابه (روما والقدس) سنة ١٨٦٢ بسط فيه أفكاره، وتحدث عن أن اليهود "مدعوون مصيريا لتحويل العالم"..
وبدأت الصهيونية المنظمة، وظهرت حركة "أحباء صهيون"تحت زعامة ليوبنسكر (١٨٢١- ١٨٩١) ، وفي أواخر الثمانينات والتسعينات جرت صياغة عقيدة الصهيونية على يد مدارس متعددة..
فالصهيونية العملية: ومن أشهر زعمائها دافيد عوردون (١٨٥٦-١٩٢٢) ، وقد جدد حركة "أحباء صهيون"التي تقوم على العمل في أرض إسرائيل، وإنشاء المستوطنات والمستعمرات..
والصهيونية السياسية: ويقوم على زعامتها ليوبتسكر، في أوربا الشرقية، واليهودي الهنغاري تيودورهرتزل (١٨٦٠-١٩٠٤) .
стр. 7843
ويقال: إن كليهما في البداية لم يكن مقتنعا باتخاذ فلسطين وطنا قوميا لليهود.. وإن هرتزل كان في البداية يفضل مواقع أخرى مثلا الأرجنتين وقبرص وشبه جزيرة سيناء، لكنه مع المؤتمرات الصهيونية التي انعقدت تغلب الاتجاه إلى فلسطين..
وقد يؤكد القول بأن هرتزل في البداية لم يكن متجها إلى فلسطين محادثاته مع الزعماء الإنجليز التي تم - بناءً عليها - إيفاد بعثة إلى سيناء سنة ١٩٠٦؛ لبحث مدى صلاحيتها على الطبيعة، لكنه من ناحية أخرى.. فإن سيناء ملاصقة لفلسطين، وهى من ناحية التقديس عندهم لا تقل عن فلسطين؛ ففيها كلم الله موسى، وفيها كتبت الألواح ونزلت الوصايا العشر، ثم هي امتداد طبيعي لدولة فلسطين الموسعة كما تكشفت أطماعهم بعد ذلك: (من الفرات إلى النيل، ملكك يا إسرائيل) .
أما الصهيونية الثقافية: فقد تزعم جناحها أحدها عام (١٨٥٦- ١٩٢٧) .
وقد أعلن أن وجود الأمة اليهودية بخصائصها المتأصلة، هو ما يحقق الإنسان الأكثر كمالا..
ونحن نرى أن مراحل استلاب الوطن الإسلامي في فلسطين جرت على النحو التالي:
١- قبل القرن السادس عشر الميلادي... كان الأمر مجرد أمل لم يصرح به.. [٤] .
٢- منذ القرن السادس عشر الميلادي.. كانت مرحلة التفكير والدعوة ...
٣- منذ القرن التاسع عشر الميلادي.. كانت مرحلة التخطيط ...
٤- في القرن العشرين كانت مرحلة التنفيذ ...
وغني عن الذكر أن لا حق لليهود - تاريخيا - في أرض فلسطين..؛ فإنها منذ السنة الخامسة عشرة الهجرية أرض إسلامية.. وهى قبل هذا التاريخ أرض عربية، وطوال خمسة آلاف سنة فإن عمر اليهود على هذه الأرض الطيبة لم يجاوز (١٤٥) مائة وأربعين مائة عام على فترين:
الفترة الأولى بين سنة ١٠٠٠ قبل الميلاد حتى سنة ٩٢٧ قبل الميلاد..
والفترة الثانية بين سنة ١٤٢ قبل الميلاد حتى سنة ٧٥ قبل الميلاد كذلك..
стр. 7844
- أما الأسباب التي أدت إلى نجاح اليهود في استلاب الوطن الإسلامي (فلسطين) ؛ فنحن نرجعها إلى الأسباب الآتية:
١- تخطيط اليهود وصبرهم على إنجاحه:
وقد بدأ التخطيط تفكيرا من مفكر يهم كما أشرنا، ثم انتهى إلى إقرار خطة في مؤتمر (بال) ١٨٩٧، ترمي إلى تنمية الهجرة وشراء الأرض من ناحية، والحث عن الحماية الدولية من دولة عظمى تظلها الشرعية الدولية الزائفة من ناحية أخرى..
ويقال إن البروتوكولات وضعت في المؤتمر الصهيوني الأول..
وكلا الخطتين تدل على معرفة بأغوار النفس الإنسانية، وإدراك للجو الدولي الموجود، واستغلال لأحداثه، وصبرهم على تنفيذ ذلك التخطيط رغم الأحداث الجسيمة التي واجهتهم من بعده، كالاضطهاد الذي حدث لهم من مشرق أوربا، ثم الاضطهاد الذي حدث لهم في ألمانيا على يدي هتلر، ثم العقبات التي قامت في طريق إقامتهم دولتهم من مقاومة الشعب الفلسطيني، وانضمام الشعوب العربية الإسلامية إلى هذه المقاومة، ومن قبلها رفض الخلافة العثمانية لوجودهم، وتآمرهم على هذه الخلافة بما صرّح به هرتزل في مذكراته من أن السلطان عبد الحميد قد رفض الملايين العديدة لقاء فلسطين؛ فقبل حزب الاتحاد والرقي مليونين لتنفيذ نفس الغرض [٥] ..
كل ذلك وغيره يكشف عن حسن تخطيط.. وعن صبر في التنفيذ..
وفي مقابلة ذلك - ونقررها بكل أسف - انتفى التخطيط لدى الأمة الإسلامية، أو بالأصح لدى "اليقظى"من الأمة الإسلامية، وتوافر عندهم إخلاص بغير تخطيط شابه في كثير من الأحيان قلة الصبر على التنفيذ، واستجابة لغير المخلصين لإنهاء أوضاع تقلق اليهود.
٢- إبعاد الإسلام عن المعركة:
واضح أن الإسلام كان الخط الأول في المعركة..
стр. 7845
أولاً: بما يحمله لأبنائه من عقيدة قد تؤثر الموت في سبيل الله في الحياة في ظل عبودية تفرضها أذل أمة في الأرض، وبما يحمله كذلك من دعوة إلى الجهاد واعتباره فرض عين، إذا غزيت ديار الإسلام.. هذه العقيدة من غير سلاح كفيلة - بإذن الله - بتحقيق النصر.. فإذا أضفنا إليها أمر الإسلام: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ﴾ ..وأحسنّا فهم الأمر الرباني لوجدنا أن الإسلام يأمر:
أ- بالتخطيط القوى.. وهو ما يحمله لفظ (الإعداد) وما يحمله لفظ (القوة) .
ب- الإعداد المعنوي.
ج- الإعداد العسكري.. حشدا، وتدريبا، وتسليحا.
د- الإكثار من السلاح الثقيل، وهو ما تعنيه (رباط الخيل) بعد (القوة) ؛ فهو تخصيص للأهمية والخطر.
ثانيا: ما يحمله دخول الإسلام المعركة من دخول ثقل بشرى لا قبل لليهود به، ونعنى به الأمة الإسلامية التي تناهز اليوم ألف مليون من البشر.
ثالثا: ما يجمله دخول الإسلام المعركة من ثقل سياسي واقتصادي لا قبل لليهود بمواجهته؛ فمصالح أصدقاء إسرائيل أكثرها في أمم الإسلام..
واحتياجات مناصري اليهود الاقتصادية أكثرها في قبضة المسلمين..
أما عن مظاهر إقصاء الإسلام عن المعركة وكيفيته:
فقد بدا وبدأ.. بما رتبه اليهود داخل دولة الخلافة نفسها.. وقام على تنفيذه يهود الدونمة، ومنهم ومعهم حزب الاتحاد والرقى وحزب تركيا الفتاة، وهو ما عناه الكاتب الروسي سرجس نيلوس من اقتحام الأفعى للآستانة في طريقها إلى فلسطين [٦] .
ثم تأكد ذلك بإقصاء السلطان عبد الحميد الذي رفض عرض اليهود.
ثم بالقضاء على الخلافة نفسها التي ما كان يمكن أن تسلم بقيام وطن يهودي وسط وطنها.
следующие страницы →