Полный текст (23 804 стр.). Показаны 8016–8055 · переход к 8021.
стр. 8016
أما المفتاحين الأخيرين ﴿وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَداً وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوت﴾ فلا زال العلم الحديث يدور حولها راهبا متهيبا، لا يجد مدعوه تجاههما فرية جديدة يحادون بها، فقد أدركوا جيدا أن الناس مع الدنيا الحلوة الخضرة يهيمون في حاضرها، ويرسمون لمستقبلها، وإذا الرسم لا يتم، فالكل يقول: سنفعل وسيكون، والخطة الخمسية والسداسية سيقام فيها كذا وكيت، وقد خلا كل ذلك من كلمة (إن شاء الله) فإذا بالذي كان، هو ما شاء الله أن يكون، ووجدوا ما رسموه سرابا بقيعة.
وعن المفتاح الأخير ﴿وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوت﴾ وجد العلم الحديث نفسه أمام الموت يتحدى بآية جدعت أنوف الجبارين، وألصقت خدودهم الرغام ﴿قُلْ فَادْرَأُوا عَنْ أَنْفُسِكُمُ الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ ، إن كنتم صادقين في أن الله لم ينفرد وحده بمفاتيح غيبه، ولقد بذلوا المكيال من المال، ليس ليدرؤوه وإنما فقط ليؤخروه، خاصة إذا حضر الموت رؤساءهم كي ينالوا الحظوة لديهم، فما وجدوا إلا هذا القول الأعز ﴿إِنَّ أَجَلَ اللَّهِ إِذَا جَاءَ لا يُؤَخَّرُ﴾ ، فمن سواه يؤخره؟ وفي أي مكان من بلاده ينهي أجل عباده؟ فهؤلاء غاصوا مع السفينة في الماء، وهؤلاء انفجرت بهم الطائرة في الهواء، وألوف المقاتلين حصدوا في الميدان، وهذا سافر ولم يعد، وهذا مزقته في الطريق سيارة سائق مجنون، ﴿وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾
стр. 8017
ثم ماذا بعد هذا؟ ثم هذه هي مفاتيح الغيب الخمسة، نحن الذين نتحداهم بها، وليسوا هم الذين يحادوننا، وسيرون من يكسب التحدي، من الآن وإلى أن تأتي أولى الخمسة، وهي الساعة، بعدها يقولون ﴿يَا لَيْتَنَا نُرَدُّ وَلا نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا﴾ ، أما حملة الإيمان من الآن فقد استفادوا بخمسة ربهم، بما فتح ويفتح عليهم منها في الدنيا، وفي الآخرة بما أخفى لهم من قرة أعين، كان لي ولكم من الله ذلك، والرجاء عظيم في السخي الكريم.
أما عن الأبيات فلكل مفتاح من الخمسة أربعة، فالمجموع عشرون بيتا، وكل أربعة مستقلة الروي والقافية وعناوينها تصرفية.
(ساعتي والساعة)
سيرى بغير تأخر وتقدم
يا ساعة في الجيب أو بالمعصم
أو بالسحور لألحقن بالصُوّم
لتذكريني بالصلاة لوقتها
زودتني نورا ليوم مظلم
يا ساعة هوّنت يوم الساعة
عن ساعة قربت فليس بمسلم
أما الذي ألهته ساعة زهوه
(المطر الصناعي)
قلنا تعودنا سفالة من كفر
قالوا صنعنا القطر إذ منع المطر
ماء السماء لواحد ملك القدر
جفت زراعتكم ولم نر قطركم
خابت مقاصدكم ويومكم عسر
لم تقصدوا إلا العداء لديننا
بئس الشراب لكل كذاب أشر
فلتشربوا كالهيم [١] ماء حميمها
(حمل الأنابيب)
وغدا تحيض، فلا نكذب فنهم
أنبوبة حملت، نصدق قولهم
حمل الجماد فلا نظن جنوبهم
فصحافة وإذاعة أكدت
تلد البنات كذا البنين جميعهم
فإذا عقمت تزوجنْ أنبوبة
نبحت كلاب الكفر، فامحق جمعهم
يا واحدا فطر الخليفة كلها
(ماذا تكون غدا؟)
والناس تقصدني ضحى أو في الدجى
سأكون فيما الدنيا عظيما أرتجى
يجبى إلي المال بحرا مائجا
وأشيدن عمائرا فكراؤها
ومن النساء رباع، ذاك المرتجى
وسأملكن من الحدائق فرسخا
فقد الرجاء فساء عقلا أعوجا
فإذا به والموت يقطع حلقه
стр. 8018
(أتدري مكان موتك؟)
وقبورهم بجبال أو برمال
قُتِلَ الألوف لدى احتدام قتال
كبوا الهواء، فكان في الأدغال
ركبوا البحار فكان فيها قبرهم
قُبروا هنا بعد انتها الآجال
وحجيج بيت الله منهم لم يعد
عزَّ الإله وذلّ كل ضلال
لِمَ لمْ يمت كلٌّ؟ بأرض بلاده
--------------------------------------------------------------------------------
[١] نوع من الإبل لا يشبع مهما شرب.
стр. 8019
فكرة الجامعة المفتوحة أو جامعة الهواء
لفضيلة الشيخ محمد الشربيني
خبير التعليم بالجامعة
قرأت فيما قرأت في الأيام الأخيرة فكرة تحقيق إنشاء جامعة مفتوحة أو (جامعة الهواء) ، وفكرة الجامعة الأهلية والجامعة المهنية، ولكل من هذه الجامعات أسلوبها ومناهجها وأهدافها.
ولعل النوع المناسب لنا في جامعتنا الإسلامية بالمدينة المنورة هو ما يعبر عنه بالجامعة المفتوحة أو جامعة الهواء.. وهذه الجامعة لا يراد بها أن تكون جامعة مستقلة لها نفس النظم واللوائح التي تسير عليها جامعتنا والجامعات الأخرى بالمملكة، ولكن القصد من إنشائها هو العمل على تحقيق أهداف الجامعة الإسلامية على نطاق أوسع وأشمل خارج إطارها الحالي، بحيث ينتقل جزء من نشاطها التعليمي إلى أرجاء مختلفة من العالم.
ولتوضيح الفكرة المطلوب تحقيقها نشير إلى العناصر والنقاط الآتية:
أولا: الدارسين: من مختلف الجنسيات ومن شتى الأقطار، ولا يشرط في التحاقهم بالجامعة مؤهلات معينة وإنما من مختلف المستويات.
ثانيا: نظام الدراسة: ليست الدراسة حسب الطريقة السائدة في الجامعة النظامية، ولكن عن طريق المراسلات (النصوص العلمية) ، والإذاعة الصوتية والمرئية في كل بلد من البلاد (بالأشرطة العلمية المسجلة) .
ثالثا: مواد الدراسة: تقوم الإدارة المركزية بالجامعة بإعداد المادة العلمية (النصوص) للدارسين، وترسل هذه المادة إلى الطلاب بعناوينهم في مختلف البلاد بمعدل مرة كل أسبوع أو كل شهر حسب تقسيم المادة إلى موضوعات أو وحدات موقوتة بمدة الدراسة وعلى مدار العام الدراسي.
رابعاً: أسلوب الدراسة: يقوم الدارس باستذكار دروسه في داره في وقت فراغه في المادة العلمية المرسلة له، أو بالاستماع إلى بعض الدروس في الإذاعة المحلية المرئية والمسموعة.
стр. 8020
يجتمع الدارسون في مقر مركز الدراسة المحلية أو الفرعية للاشتراك قي حلقات للمناقشة تحت إشراف مرشدين متخصصين في العلوم العربية والدراسات الإسلامية، من الذين تقوم الجامعة بتوزيعهم على مراكز التجمعات الدراسية للدارسين في مختلف الأقطار.
خامساً: المواد بالمراسلة: تشكّل المادة العلمية عن طريق المراسلة بالبريد أهم عناصر العملية التعليمية في أي مادة من المواد، وهو ما يسمى (بالنص) بالنسبة لأي مادة، ومعناه عمل أسبوع كامل للطالب، ولما كانت دراسة أي منهج تستغرق من ٣٠- ٣٢ أسبوعاً فنصوص المنهج لكل مادة علمية هي حوالي ٣٢ نصاً بواقع نص لكل أسبوع، وبحيث ترسل النصوص على فترات منتظمة خلال العام الدراسي، ويذيل كل نصف بمجموعة من الأسئلة والتمرينات والتطبيقات لقياس فهم الطالب في موضوعات الدراسة المرسلة إليه.
سادساً: الاختبارات والتقويم: عناصر العملية التعليمية (المناهج الدراسية) في الجامعة المفتوحة تحدد من ١٠- ١٤ ساعة في الأسبوع، ولمدة ثلاثين أسبوعاً؛ للحصول على تقدير سنوي واحد في منهج أو مادة واحدة، وتعقد في نهاية العام اختبارات جماعية في مقر إحدى مراكز الثقافة أو المؤسسات التعليمية في تلك البلاد حسب الطريقة التي تنظمها الجامعة بالنسبة للامتحانات الخارجية، وترسل أوراق الإجابة إلى مقر الجامعة لتصحيحها وإعلان نتائج الدارسين وإبلاغهم بها.
стр. 8021
سابعا: اقتصاديات المشروع الجديد: تحقق فكرة الجامعة المفتوحة وفراً كبيراً من خلال أسلوبها في اتباع طريقة معالجة المناهج والنصوص بالمراسلات البريدية، وما يتبعها من برامج إذاعية ومرئية على المستوى المحلي في كل قطر من الأقطار بالأشرطة المسجلة التي ترسل من الجامعة هذه البلاد، وهذه الأشرطة والمطبوعات ذات تكلفة عالية ولكنها تحقق وفراً كبيراً عما هو عليه الحال في نفقات الجامعة النظامية التي تتكلف بكل ما يتصل بحياة الطالب منذ التحاقه بالجامعة، سواء من حيث نفقات السفر إلى بلاده كل عام ثم ما يتكلفه الطالب من كتب ومراجع ونفقات الدراسة والإقامة وما يتبعها، وكذلك الخدمات الطبية وغيرها من تكاليف الإعاشة والإسكان والرحلات والمعسكرات والمسابقات، وسائر الخدمات والنشاطات التي تتطلبها الحياة الجامعية داخل أسوار الجامعة النظامية.
ثامنا: جامعة الهواء في الخارج: والواقع أن فكرة الجامعة المفتوحة (جامعة الهواء) ليست جديدة؛ فقد سبقتنا إليها بلاد أخرى مثل المملكة المتحدة (بريطانيا) ، وكان ذلك في عام ١٩٦٩م-١٣٨٩هـ أي منذ عشرة أعوام تقريبا؛ فقد صدر في بريطانيا مرسوم ملكي بإقامة الجامعة المفتوحة، وقد حققت نجاحاً كبيراً حتى أن الإقبال عليها كان شديداً؛ فقد بلغ عدد المتقدمين إليها ما يقرب من ٢٤ ألف طالب في عام الإنشاء، وفي عام ١٩٧٦م وصل عدد طلابها ٥٥ ألفاً، وحصل على البكالوريوس في مختلف الفروع الدراسية ١٥ ألف طالب وطالبة.
стр. 8022
ونظام الدراسة فيها يخالف ما هو عليه الحال في الجامعات الأخرى؛ فهي لا تجمع بين الطالب والأستاذ داخل الحرم الجامعي، بل أن الدراسة فيها تعتمد على استخدام النصوص المطبوعة (المادة العلمية) ، وعلى (الأشرطة المسجلة) للمادة المذاعة في الإذاعة الصوتية والمرئية، وكذلك على (النشرات الدورية) ، ودور الجامعة المركزية هو أنها تعتبر نواة مركزية علمية وإدارية تعد المادة التعليمية للدارسين عن بعد، ثم ترسل المادة إلى عناوين الطلاب في منازلهم في مختلف أرجاء البلاد، ثم تستقبل أوراق إجابات الطلاب في نهاية كل عام لتقوم بتصحيحها، واستخراج نتائج الدارسين.
تاسعا: تنفيذ الفكرة بالجامعة الإسلامية: إن أهم أهداف الجامعة الإسلامية كما ورد في المادة (٢) من النظام العام للجامعة (أهداف الجامعة الإسلامية تثقيف من يلتحق بها من طلاب العلم من المسلمين من شتى الأنحاء، وتكوين فقهاء في الدين ... الخ) . وحيث إن الجامعة الإسلامية مفتوحة لجميع أقطار العالم دون تمييز، وبها طلاب لأكثر من ثمانين جنسية؛ فإذن أصبح الأمر يتطلب الانفتاح على العالم الخارجي وعدم الاقتصار على الدراسة في حدود الجامعة الحالية، وفي إطارها الداخلي بل لابد من الانتقال إلى المجال الخارجي.
стр. 8023
وإذا كانت جامعة الهواء في بريطانيا قد انفتحت داخل بلادها، وإذا كانت مصر تفكر أيضاً الآن في إنشاء الجامعة المفتوحة لتخفيف الضغط على الجامعات النظامية بها؛ فإن الجامعة الإسلامية حسبما ورد في المادة (٢) من نظامها العام: "مؤسسة إسلامية عالمية من حيث الغاية، وعربية سعودية من حيث التبعية، ذات شخصية اعتبارية مستقلة"، وعلى هذا فإن هذه الجامعة تتميز عن جميع جامعات المملكة - بل عن جامعات العالم - بأن هدفها الأساسي هو هدف عالمي وليس هدفاً محليا يقصد منه تخريج فئات من المتعلمين المتخصصين الذين يلتحقون بالعمل في مختلف أجهزة المملكة ومؤسساتها؛ لسد الحاجة في مجال الخدمات والإنتاج، ولتحقيق خطة التنمية الاقتصادية والاجتماعية بما يعود على البلاد بالخير والرخاء.
والجامعة الإسلامية قد سلكت طريقها المرسوم، وحققت إنجازات باهرة (بعون الله تعالى) في السنوات الماضية منذ إنشائها عام ١٣٨١هـ وحتى العام الحالي ١٣٩٩هـ (في مدة ثمانية عشر عاما) وبلغ عدد المتخرجين فيها حتى عام ٩٧/٩٦ ١٤٨٢ خريجا من ٦٣ قطرا، واستكمالا لهذه النهضة المباركة فإنه من المفيد أن تنفتح على الخارج وأن تجعل العلم ميسوراً كالماء والهواء، وألا تكون له حدود مكانية معينة، مع عدم التقيد بإعطاء الدارسين أية شهادة، اللهم إلا وثيقة تثبت أنه قد أمضى عدداً من السنوات في تحصيل العلوم العربية والإسلامية، وأصبح مستواه مقبولا، أو جيداً، أو ممتازا.
стр. 8024
ويحضرني في هذه المناسبة أن الأستاذ الدكتور عيسى عبده - وهو عالم جليل وأستاذ ضليع - قد أثار فكرة مماثلة لما نحن بصدده عندما كان يلقي محاضرة منذ أيام في النادي الأدبي بالمدينة المنورة عن (جامعة الدار) أو (جامعة المنزل) ؛ لتعليم الفتاة والمرأة السعودية داخل بيتها بواسطة الحلقات الإذاعية المرئية والمسموعة، حتى توفر المرأة على نفسها الكثير من المتاعب التي تعانيها عند خروجها من بيتها وقضائها عدة ساعات في المدرسة النظامية صباحية كانت أو مسائية، ويقول الأستاذ المحاضر: إن جامعة الإمام محمد بن سعود بالرياض ربما تتبنى هذه الفكرة، وتعمل على تحقيقها وإخراجها إلى حيز التنفيذ في القريب العاجل.
آمل أن تقوم الجامعة الإسلامية بعرض فكرة الجامعة المفتوحة (جامعة الهواء) على الأجهزة المتخصصة بالجامعة؛ لدراستها دراسة وافية، وقد تصل إلى نتيجة إيجابية محققة للغايات والأهداف السامية التي أنشئت من أجلها الجامعة.
وبالله التوفيق، والصلاة والسلام على نبينا الكريم محمد بن عبد الله الصادق الو عد الأمين.
стр. 8025
مجلة الجامعة الإسلامية
للأستاذ عبد السلام هاشم حافظ
لمجلة الجامعة الإسلامية مكانة خاصة في النفوس حتى في خارج المملكة؛ لكونها تصدر عن هذا الصرح الشامخ؛ الجامعة الإسلامية في المدينة المنورة، هذه الجامعة التي تعيد لهذه البلاد المقدسة السمعة لسابق عهدها في نشر المعارف والعلوم.
ولقد تجاوبت المجلة أو قل الهيئة المشرفة على إدارتها، وتطورت بها وصدر أول عدد في ثوبها الجديد من سنتها الحادية عشرة، كمجلة لها وزنها العلمي في الثقافة الإسلامية؛ لتمثل اسم الجامعة التي تصدر عنها، وقد ظهر هذا العدد عن شهر رمضان ١٣٩٨ في ٢٦٠ صفحة ويضم أكثر من عشرين مقالا وبحثاً في فنون العلم المتنوعة، عدا أبواب المجلة الثابتة كالفتاوى وأخبار الجامعة وسواها، إلى جانب عدة صفحات خصصت في آخر المجلة القسم الإنجليزية.
ومع تقديرنا لهذه الخطوة الحميدة بالمجلة فإن لنا ملاحظات بغية زيادة الانتفاع بها وتدعيمها؛ فلقد عرفنا بأن هناك اتجاها لإصدار كل كلية فيها مجلة خاصة بها، وهذا تبديد للجهود التي يجب أن تتضافر لدعم مجلة الجامعة الإسلامية وإصدارها شهرية بدلا من الاستمرار في إصدارها بصفة دورية مرة كل ثلاثة أشهر، ثم من المفروض أن يكون ظهور المجلة في أوائل الشهر الذي تصدر فيه كذلك نأمل أن تطرح المجلة في الأسواق المحلية والخارجية، وتنشر عنها إعلانات في الصحف عند صدور كل عدد؛ فإن لها رواداً يبحثون عنها ودعماً للتعريف بها.
стр. 8026
الانتفاخ
للدكتور سيد أحمد عبد البر
مدير الإدارة الطبية بالجامعة الإسلامية
وقبل أن تبدأ في الشكوى من هذا الداء.. فإني أدعوك لقراءة هذا البحث (الانتفاخ.. الانتفاخ..) .
إنها الشكوى المألوفة على لسان كثير من المرضى؛ فكثير من المترددين على العيادات الطبية يصرخون من شيء واحد وهو الانتفاخ.
وأسباب الانتفاخ عديد ة:
فهناك هذا الانتفاخ الناتج عن تجمع الغازات في البطن؛ إنها الحالة التي تكون غالبا مصحوبة بخروج ريح كثير.
وكذلك هناك إحساس بالغازات التي تتحرك في البطن (الزغدنة) .
والانفتاح يزيد أو ينقص من وقت لآخر.. وقد يزيد أو لا يظهر عند بعض المرضى إلا بعد الأكل.
وكثيرا ما تتهم بعض أنواع المأكولات - مثل البصل والكرنب والقنبيط والبقول مثل الفول والعدس والفاصوليا الجافة، وكذلك بعض الفواكه والخضراوات مثل السبانخ والبامية والباذتجان والجوافة - بأنها السبب في هذه الغازات.. وصحيح أنها أشياء عسيرة الهضم إلى حد ما.. ولذلك فيمكن أن تزيد من الانتفاخ، خاصة عند مرضى الجهاز الهضمي.. أما الشخص السليم فهو حسب المثل.. يهضم الحجر؛ فالإنسان يتميز بأنه يجمع بين خواص أكلة اللحوم وأكلة الأعشاب؛ فهو يهضم اللحوم إلى حد كبير.. ويهضم المواد الغذائية النباتية إلى حد معقول.
أما إذا أفرط الإنسان في تناول الطعام - خاصة المأكولات النباتية، ووصلت كميات منها غير مهضومة إلى الأمعاء الغليظة - هناك تهاجمها البكتيرية التي تعيش بالبلايين وتولد منها الغازات، وهكذا يحدث الانفتاخ.. وتكون هذه الغازات عفنة إذا كانت فضلات الأكل بروتينية.
وهناك من يحمل اللبن مسئولية الانتفاخ.. هذا تجن عليه.
стр. 8027
وأنا أنصح وأكرر النصيحة بأن اللبن غذاء مفيد لكل الأعمار، ليس فقط للأطفال.. وأحب أن أبين في هذا المجال بأن اللبن لا يتعارض مع أمراض الكبد والمرارة والجهاز الهضمي عامة.. ويجب أن نذكر فضل شرب اللبن في علاج قرحة المعدة وقرحة الاثني عشر.
ولكني أذكر هنا بالنسبة لشرب اللبن ملاحظة هامة.. فهناك بعض الناس يسبب لهم شرب اللبن نفخة أو كركبة أو زغدنة في البطن وإسهال... ويحدث ذلك بسبب نقص الخميرة التي تتولى هضمه... واختفاء هذه الخميرة قد تكون ظاهرة خلقية - أي يولد الشخص بها - أو يكون نتيجة للامتناع عن تناول اللبن لفترة طويلة..
وهنا نصل إلى هذه النتيجة: اشربوا اللبن حتى تقدروا على الاستمرار في شربه.. وهنا تعم فائدته.
وهناك الانتفاخ الناتج عن بلع الهواء، وكل إنسان يبلع الهواء يأكل؛ يبلعه وهو يأكل.. يبلعه وهو يشرب.. وأيضاً وهو يبلع ريقه.. وعند كل إنسان كمية من الهواء في بطنه.. ومصدر هذه الغازات هو في الهواء المبلوع بجانب كمية قليلة من الغازات تتكون في الأمعاء نفسها أو تستخلص من الدم، والهواء المبلوع بكميات معقولة يخرج من البطن مع التبرز أو في صورة ريح.. وهنا يكون الخروج في سهولة وبسرعة.
أما إذا تم ابتلاع الهواء بكميات كبيرة تعجز الأمعاء عن التخلص منه؛ فالنتيجة حدوث الانتفاخ في المعدة أو في الأمعاء الدقيقة أو الأمعاء الغليظة، ويسبب ذلك بعض الأعراض منها:
- الامتلاء والثقل في المعدة بعد الأكل، مثلما يحدث في حالة أمراض الكبد والمرارة.
- ألم تحت الثدي الأيسر وهذا يسمى بالذبحة الكاذبة.
- ضيق في الصدر وشعور باختناق ثم خفقان.. كل هذا يبعث بالشبهة حوله القلب والرئتين.
- عقد نفسية عند المريض، وذلك بسبب كثرة إخراج الريح مما يدفع البعض إلى الاعتزال والابتعاد عن المجتمع.
والآن فإننا أمام سؤال هام: لماذا يتم ابتلاع الهواء بكميات كبيرة؟
стр. 8028
إننا أمام مجموعة من الأسباب هي:
١- التكريع الصناعي، وفيه يُدخل المريض هواء إلى المعدة ليخرجه في عملية التكريع، ولكن الواقع أن كمية كبيرة من الهواء في البطن إذا استمرت عملية التكريع لفترة ... والتكريع الصناعي غالباً ما يكون ناتجاً من مرض نفسي.. ولكنه قد يكون محاولة لإزاحة ثقل على المعدة عند مريض به علة في الجهاز الهضمي، أو الذبحة الصدرية.
والتكريع الصناعي عادة سيئة عند بعض الناس؛ فهي عادة ضارة بالصحة.. وكذلك فهي تؤذي من يجاورون هذا الشخص خاصة إذا كان التكرع له رائحة كريهة.. وقد ورد في الحديث عن جابر أن النبي ﷺ قال: "من أكل البصل أو الثوم أو الكرات فلا يقربن مسجدنا؛ فإن الملائكة تتأذى مما يتأذى منه بنو الإنسان".
وغالباً يكون أساس هذه العادة السيئة هو هذا الاعتقاد السائد والخاطئ بأن التكريع بعد الأكل علامة من علامات الصحة الجيدة.
٢- وهناك أيضاً حالة بلع الهواء المرضي... وهي حالة تحدث نتيجة للإفراط في شرب السوائل... خاصة السوائل الغازية مثل البيبسي كولا وغيرها، أو مضغ اللبان أو مص الحلاوة.
٣- بجانب ذلك هناك بلع الهواء الناتج من كرة بلع الريق؛ فتكرار بلع الريق قد يكون حالة نفسية.. وقد يكون نتيجة لكثرة اللعاب في حالة أمراض الفم والأسنان، وقد يحدث أيضا إذا جف الحلق؛ فيحاول! المريض تلطيفه ببلع الريق.
٤- ومن الأسباب الشائعة هو الإفراط في الأكل الذي يؤدي إلى انتفاخ البطن، والتضخم هنا يحدث في البطن نتيجة لعدة عوامل:
أ- كثرة الهواء المبلوع أثناء التهام الطعام وعب الماء، وقد يتكرع مثل هذا الشخص صناعياً؛ لينفس عن المعدة المرهقة.
ب- يحدث أيضا التضخم نتيجة لتشحم جدار البطن وترهله.
ج- ثم هناك الكثير من الفضلات غير المهضومة من الأكل التي تصل إلى الأمعاء الغليظة؛ فيحدث لها بفعل للبكتيريا تخمر أو تعفن مصحوباً بتكون الغارات.
стр. 8029
وتسبب أدوية المغص وبعض المهدئات الانتفاخ؛ فهذه الأدوية ترخي الأمعاء وتشل قدرتها على طرد الأرياح، وهي بجانب ذلك تسبب جفاف الحلق وبالتالي تكرار بلع الريق.
وقد يحدث الانتفاخ بصورة حادة كما رأيت في بعض حالات المغص الكلوي؛ حيث يفرط المريض في استعمال الأدوية المسكنة لعلاج المغص الكلوي... والنتيجة شلل في الأمعاء يؤدي إلى هذا الانتفاخ الخانق.
كما يصبح الانتفاخ حالة مزمنة في حالة الإدمان على الأدوية المهدئة، كما يحدث عند مرضى الجهاز الهضمي؛ حيث يتعاطى المريض أدوية المغص بصفة مستمرة؛ فتكون الأدوية سببا في الانتفاخ وليس المرض الأصلي هو الذي يسببه.
وهناك المصران المتهيج.. وفي هذه الحالة يسبب القلق النفسي اضطراباً في وظيفة الأمعاء الغليظة، وينتهي الأمر بحدوث هذا الانتفاخ.
وفي النساء؛ فهناك الحمل الكاذب ومن مظاهره انتفاخ وتضخم البطن والهواء المختبئ داخل الأمعاء، في هذه الحالة يكون أكثر من المعتاد.
بجانب ذلك هناك حالات الانتفاخ المزمن عند مرضى الاكتئاب خاصة عند السيدات بعد سن اليأس، واعتقادي أنها حالة نفسية وليست بسبب كسل الغدد.
ونستنتج أن الانتفاخ قد يؤكد وجود حالة اكتئاب.. وأن الانتفاخ قد يكون العارض الذي تحتمي به المريضة لتهرب من المجتمع تحت حجة أن بطنها كبيرة ومنتفخة بدرجه لا تمكنها من ارتداء ملابسها مثلا، والحقيقة أنها حالة الاكتئاب هي التي تعزلها.
وعلى العموم؛ فهناك بحث يؤكد أن كمية الغازات في بطن الإنسان العصبي ثلاثة أضعاف الكمية الموجودة عند الإنسان الطبيعي.
وهناك أيضاً حالة ارتخاء البطن والأمعاء؛ فالسمنة مع عدم القيام بمجهود رياضي، وكثرة إنجاب الأطفال بالنسبة للنساء، أو الأمراض؛ كل هذه الحالات قد ترخى البطن وتهدله.
وأمراض الجهاز الهضمي التي تؤدي إلى الانتفاخ يمكن حصرها في الحالات الآتية:
стр. 8030
أمراض المرارة: ومن علاماتها التقليدية هذا الانتفاخ الذي يحدث بعد الأكل، ومع الانتفاخ يكون الغثيان والرغبة في القيء والتجشؤ.
أمراض الكبد: ومهما اختلف سببه فهو يسبب الانتفاخ المتزايد بعد الأكل، ويصل الانتفاخ مداه في الحالات المتقدمة، وكأنه يعلن عن قرب قدوم الاستسقاء.
أمراض الأمعاء: والأمعاء التي أنهكها المرض.. تتراخى وتعجز عن طرد ما بداخلها من غازات؛ فتنتفخ، والأمعاء التي يصبح مجراها أضيق بسبب المرض.. إنها تحبس وراء هذا الجزء الضيق أو هذا السد غازات تمتلئ بها البطن.
البنكرياس: عندما يلتهب البنكرياس أو يصيبه التليف؛ فإنه يفشل في المساهمة بعصارته في عملية الهضم؛ فيحدث الانتفاخ لأكثر من سبب.
المعدة: والمعدة التي لا تفرز عصارة بسبب ضمور غشائها المخاطي، أو إصابتها بأمراض أخرى تعجز عن المساهمة في الهضم، وتطرد الطعام منها بسرعة وتلقي به الأمعاء؛ فيرتبك فيها الطعام ويكون الانتفاخ.
العلاج:
قبل أن نقبل على أقراص الفحم لعلاج الانتفاخ يجب أوّلا أن نحدد سببه؛ فأقراص الفحم - على ما أعتقد - غير قادرة على امتصاص هذه الكمية الضخمة من الغازات.
وعلى العموم؛ فإنني أنصح مريض الانتفاخ بما يلي:
أ- الاعتدال في الأكل؛ لأن الإسراف في الأكل يسبب النفخة، ويزيد من حالات الانتفاخ الناتجة من أمراض عضوية؛ لأنه يلقى جهداً مضاعفاً من الجهاز المرهق.
٢- أما عن نوع الأكل... فإني أنصح مريض الانتفاخ بتحاشي المأكولات التي تربك الهضم، مثل البقول والخضراوات النيئة، مع التقليل من البروتينيات خاصة البيض في الحالات المصحوبة بغازات عفنة.
٣- عدم الإفراط في شرب السوائل، وخاصة المياه الغازية، وأحب أن أقول بأن كل زجاجة من المياه الغازية تحتوي على ثلاثة ملاعق من السكر.. وبالتالي فهي قد تكون مصدراً للسمنة، وارتخاء عضلات البطن إذا أفرط فيها.
стр. 8031
٤- عدم مضغ اللبان وبلع الريق اللاشعوري.
٥- الرياضة للجسم عامة ولعضلات البطن! بصفة خاصة.
٦- تجنب استعمال الملينات؛ لأنها تسبب مع طول استعمالها ارتخاء في عضلات الأمعاء.
٧- مرة أخرى أكرر هذه النصيحة قبل أن أختم مقالي: وأرجو عدم التعود على استعمال الأقراص المسكنة أو المهدئة؛ لأنها توهن عضلات الجسم بما فيها عضلات الأمعاء التي تتأثر من هذه الأقراص! بصفة خاصة.
стр. 8032
دراسة عن التخلص من الكحول في الصيدلة والطب
للدكتور أبو الوفا عبد الآخر
بالإدارة الطبية للجامعة الإسلامية
مقدمة ونظرة تاريخية:
الحمد لله خلق الإنسان واستخلفه في الأرض، ومنحه العقل وفضله على سائر الخلق، وأمره باجتناب الخمر؛ أم الكبائر، ورأس المعاصي والمفاسد، والصلاة السلام على سيد الأنام، على آله وصحبه الكرام ... خير من حذر وبصر، وأصدق من نهى ودعا: أمرنا- صلوات الله وسلامه عليه - بالمحافظة على العقل؛ مناط الفهم والتكليف بالعبادات، وحذرنا من إفساده بتناول الخمر وسائر المسكرات، وكان - صلوات الله وسلامه عليه وعلى آله - لاعنا للخمر وشاربها وبايعها وحاملها والمحمولة إليه وساقيها.
وبعد.
فإن استخدام الكحول - العنصر الفعال لجميع المسكرات - في التجهيزات الصيدلانية والمستحضرات الدوائية، وفي الطب والعلاج، وفي مستحضرات التجميل؛ لهو اتجاه خاطئ في فساد التقدم العلمي، وانحراف ضال وضار في مجال البحث والتطبيق، ولقد بدأ السير في هذا الاتجاه الخاطئ منذ أن توقفت الأمة الإسلامية عن حمل مسئوليتها القيادية في مجالات الفكر والبحث، ومنذ أن فقد علماؤها زمام القيادة العلمية والصناعية، وبعد أن انتقلت هذه القيادة إلى قوم لا يحرمون ما حرم الله ورسوله، ويتجاهلون ما في الخمر من الخبائث الحسية والمعنوية، وما فيها من المضار العاجلة والآجلة.
стр. 8033
وما كان من هؤلاء المتجاهلين لأوامر الله إلا أن جعلوا للكحول - العنصر المسكر بالخمر - مكان الصدارة في تجهيز المستحضرات الصيدلانية، والتركيبات الدوائية، وفي الأغراض العلاجية، ابتداء من توليد الدفء وفتح الشهية للطعام، إلى التطهير وعلاج بعض أمراض القلب، وغير ذلك من الأسقام، ولم يلتفتوا ألبته إلى مضاره؛ فيتركونه كدواء إلى ما هو أفضل منه، ولم يسلكوا طريق البحث الجاد بقصد التوقف عن استعمال الكحول في الأغراض الصيدلانية والتجهيزات الدوائية، كما لم يستعينوا بالوسائل الصناعية المتطورة؛ لاستنباط الفنون الصيدلية التي تعينهم وتمكنهم من الاستغناء عن الكحول في الصناعات الدوائية، ومستحضرات التجميل.
ومن قبل برع علماء الأمة الإسلامية في علم الكيمياء، وتعرفوا على (الكحول) في أبحاثهم وتجاربهم، وكان العالِم الإسلامي الشهير (أبو بكر الرازي) - الذي برع في علوم الطب والصيدلة والكيمياء - أول من حصل أثناء تجاربه على الكحول، عن طريق تقطير المواد السكرية والمواد النشوية بعد تخميرها، ورغم معرفة علماء الأمة الإسلامية للكحول في صوره المختلفة، وللكحول نقيا؛ فإنهم - وهم على قمة التقدم العلمي والحضاري في سالف الزمان - لم يستخدموه في التجهيزات الصيدلانية، ولم يستعملوه في التركيبات الدوائية، ولم يصنفوه في علاج الأمراض، ولم يجدوا أية ضرورة تدفعهم إلى استخدام (مادة) يعلمون أن إثمها عظيم وضررها كبير، وكما أنهم وجهوا كل دراساتهم الطبية والصيدلية، وتحصلوا على كل احتياجاتهم الدوائية بعيداً - وبعيداً جدا - عن هذه المادة الخبيثة.
стр. 8034
ولقد ظلت (ضرورة استخدم الكحول) بالطب والصيدلة - منذ أن احتضنها الفكر الإلحادي، وحتى يومنا هذا - مفروضة على الفكر المعاصر، وعلى العلم الحديث، وعلى الحضارة البشرية المعاصرة، وصار للكحول استعمالات متعددة، وأصبح من العسير على الدارسين المقلدين، والباحثين التبعيين - ومنهم على وعلى وجه الخصوص أبناء الأمة الإسلامية - أقول: أصبح من العسير عليهم أن يتخلصوا من استعمالات (الكحول) في مجالات الطب والصيدلة ومستحضرات التجميل، بعد أن أصبحت هذه الاستعمالات في أعماق الفكر مسلمات، وفي مجال الدراسة والبحث ضرورات.
وجاءت مرحلة الانفصام الفكري والعقائدي بين علوم الدين وعلوم المادة؛ فكانت وبالا على الإنسانية، وتراخى علماء الماديات في أمور دينهم، ولم يحرصوا على معرفة الحلال والحرام، وبالتالي ترفعوا - ومنهم المسلمون - عن التعرف على رأى الإسلام في مناهج الحياة وحلوله الناجحة لمشاكل المجتمع الأخلاقية، الاجتماعية والاقتصادية والصحية والسياسية ... الخ. وساروا.. بعد هذا الانفصام.. وكان ذاك في عصر النهضة المادية الحديثة، بأبحاثهم ودراساتهم وابتكاراتهم في طريق منحرف أبعدهم كثيرا عن طاعة الله ، كما لم يحرصوا على تجنب (الكحول) - مادة الخمر الأساسية - في استعمالاتهم واحتياجاتهم الطبية والصيدلية وغيرها، وبالتالي لم يتحققوا من حالات الضرورة لاستعمال هذه المادة وغيرها من (المسكرات والمخدرات والمفترات، وغيرها من المواد التي تؤثر على شخصية الإنسان وفكره وسلوكه) .
وأصبحت (قضية تعاطى المسكرات) - وأقرانها من المحرمات - ذات وجهين: وجه يختص باستعمالها كعلاج أو للأغراض النافعة، وذلك من وجهة نظر العلماء الماديين، ووجه يختص بالتمادي في استعمالها دون حاجة علاجية أو فائدة واقعية، وذلك أيضا وجهة نظر العلماء الماديين..
стр. 8035
وبعد أن جعل هؤلاء العلماء للقضية وجهان قبلوا الوجه الأول وأقروه وأطلقوا عليه (وجه الضرورة أو الاستعمال النافع) ، ورفضوا الوجه الآخر وأطلقوا عليه (وجه الإدمان أو الاستعمال السيئ) ، وأصبحت (الضرورة) - من وجهة نظر العلماء الماديين - هي المبرر لإضفاء الشرعية على استعمال هذه المحرمات، وهي الحجة التي يقيمونها دفاعا عن وجهة نظرهم. هذا صار موضوع الضرورة من الأساسيات، ومن أهم جوانب الدراسة لقضية تعاطي الخمر وغيرها من المحرمات.
وعلى علماء الأمة الإسلامية أن يولوا (موضوع الضرورة) أهمية خاصة في دراستهم، وذلك بعد أن يتعرفوا على وجه الضرورة عند العلماء الماديين بمزيد من النقص والتفصيل، وعليهم أن يتعرفوا على حالات الاستعمال وملابساتها مستأنسين بدراسات وآراء العلماء الماديين المسلمين المتمسكين بتعاليم دينهم الإسلامي الحنيف واضعين في الاعتبار:
أولا: أن مقياس الضرورة الصحيح وحدَّها السليم وحالاتها المؤكدة وقدرها المقبول؛ يجب أن تكون جميعا كما ذكر علماء الأمة الإسلامية في دراساتهم وتحرياتهم بما يوافق القرآن الكريم والسنة المشرفة (لمن اضطر) .
ثانيا: وأن العلوم الطبية علوم ظنية، وأن الإنسان مجهول، وأن مصلحته في دواء بعينه أو علاج بعينه ليست مصلحة قطعية، ولا يجوز أن ترتب ضرورة على أمر غير قطعي أو أمر ظني.
ثالثا: وأن المسكرات والمفترات - وغيرها من الأدوية التي تؤثر على شخصية الإنسان وفكره وسلوكه، وهي التي تدخل ضمن المحرمات - لها أضرار مؤكدة عاجلة وآجلة بجانب نفعها.
رابعا: وأن هناك تهاونا وقصوراً وتخلفاً في أسلوب الأبحاث والدراسات في مجال الطب والصيدلة والصناعة، وأن العلماء الماديين لم يستنفذوا محاولاتهم وجهودهم وإمكانياتهم لتجنب استعمال المحرمات، وهذا يقلل من شأن الضرورة ويجعل المسئولية في أعناق أولئك العلماء، خاصة المسلمون منهم.
стр. 8036
(وبعد) .. فلقد حل الوقت، ولزم الأمر لكي يقوم علماء الأمة الإسلامية الفضلاء بواجبهم المقدس، أولئك الذين يعملون في مجال الصيدلة والطب والعلوم الطبيعية المختلفة وفي الصناعة.
فعليهم أن يبدءوا دراساتهم وأبحاثهم وتجاربهم العلمية البحتة والتطبيقية والصناعية، من منطلق العقيدة الإسلامية، والفكر الإسلامي هادفين أولا إلى التخلص من استعمالات (الكحول) ، في تجهيز المستحضرات الصيدلية والتركيبات الدوائية والعلاج ومستحضرات التجميل، وغير ذلك من متطلبات الحياة العصرية، بالإضافة إلى التخلص من استعمال المفترات والمنبهات إلا في حدود الضرورة الشرعية التي يتفق عليها علماء الأمة الإسلامية.
وعليهم أن يكشفوا النقاب بدراساتهم الجادة عن (خدعة كبرى) دخلت على العلم، والعلم منها براء، ألا وهي (خدعة الكحول) .
وعليهم أن يضعوا حداً لدور (الكحول) في متطلبات العصر الحديث، بحيث يعود إلى وضعه الحقيقي وحجمه الإنساني الذي كان عليه من قبل وطوال قرون عديدة (خمراً مسكرا) لا يتناوله إلا من يريد الحصول على (عربدة السكارى) ، و (نشوة المخمورين) ، وحتى لا يزعم بأهميته وضرورته إلا من ينصرف عن الحقائق العلمية عامداً متعمدا، بقصد الإطاحة بتعاليم الإسلام (دين الفطرة) وخاتم الأديان.
وعلى علمائنا الأفاضل - كل في موقعه - أن يتخذوا من الدراسة والتجريب والتصنيع، خير برهان وأقوى منطق للكشف عن زيف هذه الدعوى القائلة (بأهمية الكحول وضرورته) في الطب والصيدلة.
ولقد أصبح الوقت مناسبا لإجراء مثل هذه الدراسات والبحوث خلال هذه النهضة العلمية التي تعيشها الأمة الإسلامية، وعن طريق الاستفادة من التطور الذي أدخله العلم المعاصر على الصناعة ووسائل الإنتاج.
стр. 8037
ونحن - والحمد لله - هنا بالجامعة الإسلامية؛ حاملة لواء الفكر الإسلامي؛ نحرص كل الحرص على علاج المرضى بأدوية لا تحتوي على كحول، ونحرص أيضا على تجهيز التركيبات الدوائية للاستعمال الداخلي خالية من الكحول.. ونحن لا نتعرض - والحمد لله - لأية مشاكل أو قصور في الخدمات الصحية من جراء التمسك بهذا الحظر على استعمال الكحول.
وإننا نرجو من الحكومات الإسلامية، ومن المؤسسات العلمية والدينية بالعالم الإسلامي أن يبينوا هذا الفكر العلمي الإسلامي وأن يساندوا ذلك الجهد العلمي الإسلامي بقصد القضاء على استعمالات الكحول في الصيدلة والطب وفي باقي المجالات، وإيجاد البدائل والحلول التي تفي بالغرض؛ حتى يتم التخلص من هذا المنكر ابتغاء مرضاة الله، واتباعا لهذى رسولنا الكريم، صلوات الله وسلامه.
معنى العبادة
العبادة: اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال الباطنة والظاهرة؛ فالصلاة والزكاة والصيام والحج وصدق الحديث وأداء الأمانة وبر الوالدين وصلة الأرحام والوفاء بالعهود والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والجهاد للكفار والمنافقين والإحسان للجار واليتيم والمسكين وابن السبيل والمملوك من الآدميين والبهائم والدعاء والذكر والقراءة.. وأمثال ذلك؛ من العبادة.
ابن تيميه
стр. 8038
مع ابن القيم في كتابه ((حادي الأرواح إلى بلاد الأرواح))
للدكتور عبد الرحمن بله علي
الأستاذ بكلية اللغة العربية بالجامعة الإسلامية
ابن قيم الجوزية من أعلام الدعوة السلفية، وهى الدعوة التي اختط منهجها الخليفة الأول أبو بكر الصديق ﵁ حين قال: "إنما أنا متبع ولست بمبتدع"؛ فهي تدعو الناس إلى أن يأخذوا دينهم من نبعه الصافي: كتاب الله وسنة رسوله وصلى الله عليه وسلم، وتحارب بحزم البدع والخرافات وأنواع الضلالات التي ألمت بدين الله المتين؛ فحجبت جماله وجلاله؛ فنهض جماعة ممن نوَّر الله بصائرهم وأحيى ضمائرهم يدعون إلى الله على بصيرة، ويردون عن دينه القويم كل حدث مبتدع، ويعملون في صبر وحكمة.. على تحكيم شريعة الله في واقع المسلمين فالحكم والتشريع لله وحده..
نراهم يركزون على العقيدة بناءً وإصلاحاً؛ لأنها حين تصلح فكل إصلاح دونها يسير، وكل خير يأتي بعدها تباعاً؛ فالحاكم إذا صلحت عَقيدته حكم بما أنزل الله تعالى، والقاضي عَدَل في حكمه، والعامل أخلص في عمله، والجندي كان للدين والوطن ذراعاً واقيا، والمرأة قامت بواجبات الأسرة نحوها، والتاجر نصح في بيعه وشرائه، والطالب اجتهد في تحصيل العلم، والمعلم نشّأ طلابه على الدين والخلق المتين وهكذا دواليك.. فالعقيدة هي (الزر) الذي إذا ضغط عليه أضاءت جميع الثريات.
عاش ابن القيم بين عامي: ٦٩١-٧٥١هـ، وهي الفترة التي شهدت تفشي الجهل وشيوع الغفلة، وظهور البدع، وبُعدَ الحكام عن الدين، وهجوم التتار على المسلمين.. فكان جنود الدعوة السلفية هم كتيبة الصدام التي نصبت وجوهها؛ حملت سلاحها.. خرجت تجاهد في سبيل الله مرة بالسنان ومرات بالحجة والبرهان.
стр. 8039
وقد احتل ابن القيم مكانه في الصفوف الأمامية؛ ولا غرو في ذلك فقد عاصر قائد مسيرتها وحادي ركبها العلامة ابن تيمية (٦٦١- ٧٢٨هـ) فتتلمذ عليه ونشأ بين عينيه؛ إلماما بأنواع المعارف، وتمسكاً بمكارم الأخلاق، وإسهاما في مجال المؤلفات؛ فقد ألف من الكتب والرسائل ما قلّ له النظير وكثر إليه المشير، ويمتاز في كتاباته بعمق المعاني وحسن الديباجة وإشراق العبارة ووضوح الدلالة؛ فتأتي كتابته كشجرة طيبة أصلها ثابت وفرعها في السماء تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها.
ومن كتبه التي رزقت القبول والشهرة كتاب "حادي الأرواح إلى بلاد الأفراح".
وعنوانه يدل على فحواه؛ فهو يتحدث عن الجنة ويصفها وصفا يجعل القارئ كمن رآها؛ فهو فيها منعم مما يحرك قلبه، ويحدو روحه، ويشعل شوقه عملاً لها وطمعاً فيها، وسعياً حثيثاً إليها؛ فهي عروس مجلوة، ولكن دونها خرط القتاد، وحولها شم الجبال، لا يدفع مهرها ويحظى بقربها إلا فتى بعيدة همته حازمة إرادته، قد ألف السهر وهجر الشبع وأدمن إطالة الفكر.. عرف ربه فعظم في قلبه وصغر ما دونه في عينه؛ فالتزم طاعته فعلاً للمأمورات، واجتناباً للمنهيات، وتمسكاً بسُنة نبيه الكريم؛ دفاعا عنها ودعوة إليها.
فالكتاب في تجليته للجنة وحديثه المشوق عنها يثير العزائم ويبعث الهمم العليات إلى العيش الهنيء في تلك الغرفات، هو كما ذكر المؤلف في مقدمته:
стр. 8040
(بشارة أهل السنة بما أمدّ الله لهم في الجنة؛ فإنهم المستحقون للبشرى في الحياة الدنيا والآخرة، ونعم الله عليهم باطنة وظاهرة، وهم أولياء الرسول وحزبه، ومن خرج عن سنته فهم أعداؤه، وحربه لا تأخذهم في نصر سنته ملامة اللوام، ولا يتركون ما صحّ عنه لقول أحد من الأنام، والسنة أجل في صدورهم من أن يقدموا عليها رأيا فقهيا، أو بحثا جدليا، أو خيالاً صوفيا، أو تناقضا كلاميا، أو قياسيا فلسفيا، أو حكما سياسيا؛ فمن قدم عليها شيئا من ذلك فباب الصواب عليه مسدود، وهو عن طريق الرشاد مصدود..
وقد رتب المؤلف كتابه على سبعين بابا، ولكن نريد أن ندخل من خمسة أبواب - لست متفرقة -إلى تلك الحديقة الفيحاء ذات الأشجار المثمرة والظلال الوارفة والمياه العذبة.
وتلك الأبواب الخمسة التي سوف ندخل منها هي التي نظم فيها اختلاف الناس في الجنة التي أسكنها آدم ﵇، هل هي جنة الخلد أم هي جنة في الأرض؟ ثم ساق حجج من قال بأنها جنة الخلد، ثم ساق حجج الطائفة التي قالت إنها في الأرض، ثم ردّ كل طائفة على الأخرى.
اختلف أهل العلم في الجنة التي أسكنها آدم ﵇ في قوله تعالى: ﴿وَقُلْنَا يَا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ..﴾ الآية، هل هي جنة الخلد التي وعد الله عباده المؤمنين، أو هي عبارة عن بستان كان في الأرض؟ ذهب جماعة إلى الرأي الأول، وذهب آخرون إلى الرأي الثاني بينما توقف الفريق الثالث في البت برأي؛ لتعارض الأدلة وصعوبة التوفيق بينها في نظرهم.
ولقد ساق ابن القيم ﵀ هنا النقاش الذي دار بين العلماء، ساقه قي استيعاب عجيب ومهارة فائقة، وإنك لتجد فيه إلى جانب اللذة الروحية المتعة الذهنية، كما أنك واجد فيه من المعالم الهادية ما يجعلك تسير على بينة ورشاد، فنتهيأ إلى ما نراه لا يسوقك إليه إلا سلطان الحق وسطوة البرهان وجلال الحجة.
رأي من قال إنها جنة الْخلد وحجته:
стр. 8041
١- القول بأنها جنة الخلد الذي وعد الله عباده المؤمنين يوم القيامة، هو الذي فطر الله عليه الناس صغيرهم وكبيرهم، ولم يخطر بقلوبهم سواه، وأكثرهم لا يعلم في ذلك نزاعا.
٢- ورد في صحيح مسلم من حديث أبي مالك عن أبي حازم عن أبي هريرة، وأبي مالك عن ربعي عن حذيفة قالا: قال رسول الله ﷺ : "يجمع الله تعالى الناس، ويقوم المؤمنون حتى تزلف لهم الجنة؛ فيأتون آدم ﵇ فيقولون: يا أبانا! استفتح لنا الجنة؛ فيقول: وهل أخرجكم من الجنة إلا خطيئة أبيكم.." وذكر الحديث. قالوا: وهذا يدل على أن الجنة التي أخرج منها هي بعينها التي يطلب منه أن يستفتحها، وفي الصحيحين حديث احتجاج آدم وموسى، وقول موسى لآدم: أخرجتنا ونفسك من الجنة. ولو كانت في الأرض فهم قد خرجوا من بساتين فلم يخرجوا من الجنة. وكذلك قول آدم للمؤمنين يوم القيامة: وهل أخرجكم من الجنة إلا خطيئة أبيكم، وخطيئته لم تخرجهم من جنات الدنيا.
٣- قال الله تعالى: ﴿وَقُلْنَا اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ﴾ ؛ فهذا يدل على أن هبوطهم كان من الجنة إلى الأرض من وجهين:
أحدهما: لفظة ﴿اهْبِطُوا﴾ ؛ فإنه نزول من علو إلى أسفل.
ثانيهما: قوله: ﴿وَلَكُمْ فِي الأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ﴾ عقب قوله: ﴿اهْبِطُوا﴾ ؛ فدل على أنهم لم يكونوا قبل ذلك في الأرض، ثم أكد ذلك بقوله في سورة الأعراف: ﴿قَالَ فِيهَا تَحْيَوْنَ وَفِيهَا تَمُوتُونَ وَمِنْهَا تُخْرَجُونَ﴾ ، ولو كانت الجنة في الأرض لكانت حياتهم فيها قبل الإخراج وبعده.
стр. 8042
٤- وصف الله تعالى جنة آدم بصفات لا تكون إلا في جنة الخلد فقال: ﴿إِنَّ لَكَ أَلا تَجُوعَ فِيهَا وَلا تَعْرَى، وَأَنَّكَ لا تَظْمَأُ فِيهَا وَلا تَضْحَى﴾ ، وهذا لا يكون في الدنيا أصلا؛ فإن الرجل ولو كان في أطيب منازلها لا بد أن يعرض له شيء من ذلك، وقابل سبحانه بين الجوع والظمأ والعري والضحى؛ فإن الجوع ذل الباطن والعرى ذل الظاهر، والظمأ حر الباطن والضحى حر الظاهر؛ فنفى عن أهلها ذل الظاهر والباطن وحر الباطن والظاهر، وهذا أحسن من المقابلة بين الجوع والعطش والعرى والضحى، وهذا شأن ساكن جنة الخلد.
٥- لو كانت الجنة في الدنيا لعلم آدم كذب إبليس في قوله: ﴿هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لا يَبْلَى﴾ ؛ فإن آدم كان يعلم أن الدنيا منقضية فانية وأن ملكها يبلى.
٦- جاءت (الجنة) معرفة باللام في جميع المواضع كقوله تعالى: ﴿اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ﴾ ونظائرها، ولا جنة يعهدها المخاطبون ويعرفونها إلا جنة الخلد التي وعدها الله عباده بالغيب؛ فقد صار هذا الاسم علماً عليها بالغلبة، كالمدينة والنجم والبيت والكتاب ونظائرها؛ فحيث ورد اسمها معرفا انصرف إلى الجنة المعهودة المعلومة في قلوب المؤمنين، وأما إن أريد بها جنة غيرها فإنها تجئ منكرة أو مقيدة بالإضافة، أو مقيدة من السياق بما يدل على أنها جنة في الأرض؛ فالأول قوله تعالى: ﴿جَنَّتَيْنِ مِنْ أَعْنَابٍ﴾ ، والثاني كقوله: ﴿وَلَوْلا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ﴾ ، والثالث كقوله: ﴿إِنَّا بَلَوْنَاهُمْ كَمَا بَلَوْنَا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ﴾ .
٧- ومما يدل على أن جنة آدم هي جنة المأوى ما روى هوذة بن خليفة عن عوف عن قسامة بن زهير عن أبي موسى الأشعرى قال: "إن الله تعالى لما أخرج آدم من الجنة زوّده من ثمارها، وعلمه صنعة كل شيء؛ فثماركم هذه من ثمار الجنة غير أن هذه تتغبر وتلك لا تتغير".
стр. 8043
٨- ضمن الله لآدم إن تاب إليه وأناب أن يعيده إليها، كما روى المنهال عن سعيد بن جبير عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ﴾ ، قال: يا رب ألم تخلقني بيدك؟ قال: بلى، قال: أي رب ألم تنفخ فيّ من روحك؟ قال: بلى، قال: أي ربّ ألم تسكني جنتك؟ قال: بلى، قال: أي رب ألم تسبق رحمتك غضبك؟ قال: بلى، قال: أرأيت إن تبت وأصلحت أراجعي أنت إلى الجنة؟ قال: بلى؛ فهو قوله تعالى: ﴿فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ﴾ .
فدل هذا على أن الجنة التي أخرج منها هي التي سيعود إليها يوم القيامة وهي جنة الخلد.
حجج الذين قالوا إنها جنة في الأرض:
١- أخبر الله سبحانه على لسان جميع رسله أن جنة الخلد إنما يكون الدخول إليها يوم القيامة، ولم يأت زمن دخولها بعد.
٢- إن الله تعالى وصفها لنا في كتابه الكريم بصفاتها، ومحال أن يصف الله شيئا بصفات ثم يكون ذلك لغير تلك الصفة التي وصفه بها، قالوا: فوجدنا الله تعالى وصف الجنة التي أعدت للمتقين بأنها دار المقامة فمن دخلها أقام فيها ولم يقم آدم بالجنة التي دخلها، ووصفها بأنها دار الخلد ولم يخلد آدم فيها، ووصفها كذلك بأنها دار سلامة مطلقة لا دار ابتلاء وامتحان وقد ابتلي آدم فيها بأعظم الابتلاء، ووصفها بأنها دار لا يعصى الله فيها وقد عصى آدم ربه في جنته التي دخلها، ووصفها بأنها دار لا خوف فيها ولا حزن وقد حصل للأبوين من الخوف والحزن ما حصل.
٣- كذلك نجد من أوصاف جنة الخلد أنها دار ثواب وجزاء لا دار تكليف وأمر ونهي، وقد كلف آدم قي جنته التي دخلها مما يدل على أنها ليست هي التي أعدها الله لعباده المؤمنين يوم القيامة.
стр. 8044
٤- حرم الله تعالى على إبليس الجنة التي وعد الله عباده المتقين، فكيف دخلها وهو الملعون المطرود من رحمة الله، بل لقد لغا فيها والجنة لا لغو فيها ولا تأثيم، كما أنه كذب فيها وحلف على كذبه، والله تعالى سمى جنته مقعد صدق؛ فكيف دخل هذا اللعين الجنة حتى فتن آدم ﵇ ووسوس له، وهذه الوسوسة إما أن تكون في قلبه، وإما أن تكون في أذنه، وعلى كلا التقديرين فكيف توصل هذا الملعون إلى دار المتقين ومحل القدس.
٥- يقول الله تعالى: ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ ، ولم يقل إني جاعل في جنة المأوى، فقالت الملائكة: ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاء﴾ ، ومحال أن يكون ذلك في جنة المأوى.
٦- لا نزاع في أن الله تعالى خلق آدم في الأرض ومن طينتها، ولم يذكر في موضع واحد أصلا أنه نقله إلى السماء بعد ذلك، ولو كان قد نقله بعد ذلك لكان هذا أولى بالذكر؛ لأنه من أعظم الآيات ومن أعظم النعم عليه؛ فإنه كان معراجاً ببدنه وروحه من الأرض إلى فوق السماوات.
٧- أخبر الله تعالى عن إبليس أنه قال لآدم: ﴿هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لا يَبْلَى﴾ ؛ فإن كان الله تعالى قد أسكن آدم جنة الخلد والملك الذي لا يبلى فكيف لم يرد عليه، ويقول له: كيف تدلني على شيء أنا فيه، وقد أعطيته، ولم يكن الله قد أخبر آدم إذ اسكنه الجنة أنه فيها من الخالدين، ولو علم أنها دار الخلد لما ركن إلى قول إبليس، ولا مال إلى نصيحته، ولكنه لما كان في غير دار خلود غرّه بما أطمعه فيه من الخلد.
стр. 8045
٨- قال منذر: وقد روي عن النبي ﷺ أن آدم ﵇ نام في جنته وجنة الخلد لا نوم فيها بالنص وإجماع المسلمين؛ فإن النبي ﷺ سئل: أينام أهل الجنة في الجنة؟ قال: "لا؛ النوم أخو الموت، والنوم وفاة، وقد نطق به القرآن، والوفاة تقلب أحوال ودار السلام مسلمة من تتقلب الأحوال والنائم ميت أو كالميت".
٩- لما خلق الله تعالى آدم ﵇ أعلمه أن له عمراً محددا وأجلا معلوماً ينتهي إليه، وأنه لم يخلقه للبقاء، كما روى الترمذي في جامعه من حديث أبي هريرة؛ فإنه صريح في أن آدم ﵇ لم يخلق في دار البقاء التي لا يموت من دخلها، وإنما خلق في دار الفناء التي جعل الله تعالى لها ولسكانها أجلا معلوماً وفيها أسكن.
فإن قيل: فإذا كان آدم ﵇ قد علم أن له عمرا مقدرا وأجلا ينتهي إليه، وأنه ليس من الخالدين؛ فكيف لم يعلم كذب إبليس في قوله: ﴿هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ﴾ ، وقوله: ﴿أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَالِدِينَ﴾ ؟.
فالجواب من وجهين:
أحدهما: أن الخلد لا يستلزم الدوام والبقاء، بل هو المكث الطويل.
الثاني: أن إبليس لما حلف له وغرّه وأطمعه في الخلود نسي ما قدر له من عمره.
قالوا: فإذا جمع ذلك بعضه إلى بعض، وفكر فيه المنصف الذي رفع له علم الدليل فشمّر إليه، وربا بنفسه عن حضيض التقليد تبين له الصواب.
فإذا قلنا لأرباب هذا القول فما هو ردّكم على الحجج القوية التي أوردها أصحاب القول الأول للذاهبين إلى أنها جنة الخلد التي وعد الله عباده المؤمنين؟ تجد هم يردون عليهم بالآتي:
стр. 8046
١- أما قولكم: إن قلنا هذا هو الذي فطر الله عليه عباده بحيث لا يعرفون سواه؛ فالمسألة سمعية لا تعرف إلا بأخبار الرسل، ونحن وأنتم إنما تلقينا هذا من القرآن لا من المعقول ولا من الفطرة؛ فالمتبع فيه ما دل عليه كتاب الله وسنة رسوله، ونحن نطالبكم بصاحب واحد أو تابع أو أثر صحيح أو حسن بأنها جنة الخلد التي أعدها الله للمؤمنين بعينها، ولن تجدوا إلى ذلك سبيلا، وقد وجدنا لكم من كلام السلف ما يدل على خلافه، ولكن لما وردت الجنة مطلقة في هذه القصة، ووافقت اسم الجنة التي أعدها الله لعباده في إطلاقها وبعض أوصافها؛ فذهب كثير من الأوهام إلى أنها هي بعينها، فإن أردتم بالفطرة هذا القدر لم يفدكم شيئا، وإن أردتم أن الله فطر الخلق على ذلك كما فطرهم على حسن العدل وقبح الظلم وغير ذلك من الأمور الفطرية فدعوى باطلة، ونحن إذا رجعنا إلى فطرنا لم بحد علمها بذلك كعلمها بوجوب الواجبات واستحالة المستحيلات.
٢- وأما استدلالكم بحديث أبي هريرة رضى الله عنه، وقول آدم ﵇: وهل أخرجكم منها إلاّ خطيئة أبيكم؛ فإنما دل على تأخر آدم ﵇ لاستقباح الخطيئة التي تقدمت منه في الدار الدنيا، وأنه بسبب تلك الخطيئة حصل له الخروج من الجنة، كما في اللفظ الآخر: إني نهيت عن أكل الشجرة؛ فأكلت منها، فأين في هذا ما يدل على أنها جنة المأوى بمطابقة أو تضمين أو استلزام، وكذلك قول موسى ﵇ له: أخرجتنا ونفسك من الجنة؛ فإنه لم يقل أخرجتنا من جنة الخلد.
وقولكم: إنهم خرجوا إلى بساتين من جنس الجنة التي في الأرض؛ فاسم الجنة وإن أطلق على تلك البساتين فبينها وبين جنة آدم ما لا يعلمه إلا الله، وهي كالسجن بالنسبة إليها، واشتراكهما في كونهما في الأرض لا ينفي تفاوتهما أعظم تفاوت في جميع الأشياء.
стр. 8047
٣- وأما استدلالكم بقوله تعالى: ﴿وَقُلْنَا اهْبِطُوا..﴾ عقيب إخراجهم من الجنة؛ فلفظ الهبوط لا يستلزم النزول من السماء إلى الأرض، غايته أن يدل على النزول من مكان عل إلى أسفل منه، وهذا غير منكر؛ فإنها كانت جنة في أعلى الأرض فاهبطوا منها إلى الأرض، وقد كان الأمر بالإهباط لآدم وزوجه وعدوهما، فلو كانت الجنة في السماء لما كان عدوهما متمكنا منها بعد إهباطه الأول لما أبى السجود لآدم ﵇، فالآية حجة عليكم لا لكم، ولا تغنى عنكم وجوه التعسفات والتكلفات التي قدرتموها.
وأما قوله تعالى: ﴿وَلَكُمْ فِي الأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ﴾ ؛ فهذا لا يدل على إنهم لم يكونوا قبل ذلك في الأرض؛ فإن الأرض اسم جنس، وكانوا في أعلاها وأطيبها وأفضلها في محل لا يدركهم فيها نصب ولا جوع ولا ظمأ؛ فأهبطوا إلى أرض يعرض فيها ذلك، وفيها حياتهم وموتهم وخروجهم من القبور والأرض التي أسكناها لم تكن دار نصب ولا تعب ولا أذى، والأرض التي اهبطوا إليها هي محل التعب والنصب والأذى وأنواع المكاره.
٤- وأما قولكم: إنه وصفها بصفات لا تكون في الدنيا؛ فجوابه أن تلك الصفات لا تكون قي الأرض التي أهبطوا إليها؛ فمن أين لكم أنها لا تكون في الأرض التي اهبطوا منها.
٥- أما قولكم إن آدم ﵇ كان يعلم أن الدنيا منقضية فانية؛ فلو كانت الجنة فيها لعلم كذب إبليس في قوله: ﴿هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ﴾ ؛ فجوابه من وجهين:
أحدهما: أن اللفظ إنما يدل على الخلد، وهو أعم من الدوام الذي لا انقطاع له؛ فإنه في اللغة المكث الطويل، ومكث كل شيء بحسبه، ومنه قولهم: "رجل مخلد"إذا أسن وكبر، ومنه قولهم لأثافي الصخور: (خوالد) لطول بقائها بعد دروس الأطلال؛ قال أحدهم:
إلا رمادا هامدا دفعت
عنه الرياح خوالد سحم
стр. 8048
ونظير هذا إطلاقهم القديم على ما تقادم عهده، وإن كانت له أول كما قال تعالى: ﴿كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ﴾ ، و ﴿إِنَّكَ لَفِي ضَلالِكَ الْقَدِيمِ﴾ ، و ﴿إِفْكٌ قَدِيمٌ﴾ .
الثاني: أن العلم بانقطاع الدنيا ومجيء الآخرة إنما يعلم بالوحي، ولم يتقدم لآدم ﵊ نبوة يعلم بها ذلك، وهو إن نبأه الله تعالى وأوحى إليه وأنزل إليه صحفاً كما في حديث أبي ذر لكن هذا بعد إهباطه إلى الأرض بنص القرآن، قال تعالى: ﴿قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعاً فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدىً فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ ، وكذلك في سورة البقرة: ﴿قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعاً فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدىً..﴾ الآية.
٦- وأما قولكم: إن الجنة وردت معرفة باللام التي للعهد فتنصرف إلى جنة الخلد؛ فقد وردت معرفة باللام غير مراد بها جنة الخلد قطعا كقوله تعالى: ﴿إِنَّا بَلَوْنَاهُمْ كَمَا بَلَوْنَا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ إِذْ أَقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّهَا مُصْبِحِينَ﴾ .
وقولكم: إن السياق هنا دل على أن المراد بها هنا جنة في الأرض، قلنا: والأدلة التي ذكرناها دلت على أن جنة آدم ﵇ في الأرض؛ فلذلك صرنا إلى موجبها؛ إذ لا يجوز تعطيل دلالة الدليل الصريح.
٧- وأما استدلالكم بأثر أبي موسى: "إن الله أخرج آدم ﵇ من الجنة وزوده من ثمارها"؛ فليس فيه زيادة على ما دلّ عليه القرآن إلاَّ تزوده منها، وهذا لا يقتضي أن تكون جنة الخلد.
стр. 8049
وقولكم: إن هذه تتغير وتلك لا تتغير؛ فمن أين لكم أن الجنة التي أسكنها آدم كان التغير يعرض لثمارها كما يعرض لهذه الثمار، وقد ثبت في الصحيح عن النبي ﷺ أنه قال: "لولا بنو إسرائيل لم يخنز اللحم"، أي: لم يتغير ولم ينتن. وقد أبقى الله في هذا العالم طعام العزيز وشرابه مائة سنة لم يتغير.
٨- أما قولكم: إن الله سبحانه تعالى ضمن لآدم ﵇ إن تاب أن يعيده إلى الجنة؛ فلا ريب أن الأمر كذلك، ولكن ليس يعلم أن الضمان إنما يتناول عودة إلى تلك الجنة بعينها، بل إذا أعاده إلى جنة الخلد فقد وفى بضمانه حق الوفاء.. ولفظ العود لا يستلزم الرجوع إلى عين الحالة الأولى ولا زمانها ولا مكانها، بل ولا إلى نظيرها، كما قال شعيب لقومه: ﴿قَدِ افْتَرَيْنَا عَلَى اللَّهِ كَذِباً إِنْ عُدْنَا فِي مِلَّتِكُمْ بَعْدَ إِذْ نَجَّانَا اللَّهُ مِنْهَا وَمَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَعُودَ فِيهَا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّنَا﴾ .
فإذا أتحنا الفرصة لأصحاب الرأي الأول القائل بأنها جنة الخلد؛ ليجيبوا عما احتج به منازعوهم قالوا:
١- أما قولكم: إن الله أخبر أن جنة الخلد إنما يقع الدخول إليها يوم القيامة، ولم يأت زمن دخولها بعد؛ فهذا حق في الدخول المطلق الذي هو دخول استقرار ودوام، وأما الدخول العارض فيقع قبل يوم القيامة، وقد دخل النبي ﷺ الجنة ليلة الإسراء، وأرواح المؤمنين والشهداء في البرزخ في الجنة، وهذا غير الدخول الذي أخبر به يوم القيامة؛ فدخول الخلود إنما يكون يوم القيامة؛ فمن أين لكم أن مطلق الدخول لا يكون في الدنيا.. وبهذا خرج الجواب عن استدلالكم بكونها دار المقامة ودار الخلد.
стр. 8050
٢- وأما احتجاجكم بسائر الوجوه التي ذكرتموها في الجنة، وأنها لم توجد في جنة آدم ﵇ من العري والنصب والحزن واللغو والكذب وغيرها؛ فهذا كله حق لا ننكره نحن ولا أحد من أهل الإسلام، ولكن هذا إذا دخلها المؤمنون يوم القيامة كما يدل عليه سياق الآيات كلها؛ فإن نفي ذلك مقرون بدخول المؤمنين إياها يوم القيامة، وهذا لا ينفي أن يكون فيها بين أبوي الثقلين ما حكاه الله من ذلك، ثم يصير الأمر عند دخول المؤمنين إياها إلى ما أخبر الله عنها؛ فلا تنافي بين الأمرين.
٣- وأما قولكم إنها دار جزاء وثواب لا دار تكليف، وقد كلف الله سبحانه آدم بالنهى عن الأكل من تلك الشجرة فدل على أن تلك الجنة دار تكليف لا دار خلود؛ فالجواب من وجهين:
أحدهما: أنه يمتنع أن تكون دار تكليف إذا دخلها المؤمنون يوم القيامة؛ فحينئذ ينقطع التكليف، وأما وقوع التكليف فيها في دار الدنيا فلا دليل على امتناعه ألبته، كيف وقد ثبت عن النبي ﷺ أنه قال: "دخلت البارحة الجنة؛ فرأيت امرأة تتوضأ إلى جانب قصر، فقلت لمن أنت.." الحديث.. وغير ممتنع أن يكون فيها من يعمل بأمر الله، ويعبد الله قبل يوم القيامة، بل هذا هو الواقع؛ فإن من فيها الآن مؤتمرون بأوامر من قبل ربهم، لا يتعدونها، سواء سمي ذلك تكليفا أو لم يسمّ.
الوجه الثاني: أن التكليف فيها لم يكن بالأعمال التي يكلف بها الناس في الدنيا من الصيام والصلاة والجهاد ونحوها، وإنما كان حجرا عليهما في شجرة واحدة من جملة أشجارها؛ إما واحدة بالعين أو النوع، وهذا القدر لا يمتنع وقوعه في دار الخلد، كما أن كل واحد محجور عليه أن يقرب أهل غيره فيها؛ فإن أردتم بكونها ليست دار تكليف امتناع وقوع مثل هذا فيها في وقت من الأوقات فلا دليل عليه، وإن أردتم أن تكاليف الدنيا منتفية عنها فهو حق ولكن لا يدل على مطلوبكم.
стр. 8051
٤- أما استدلالكم بقصة وسوسة إبليس له بعد إهباطه في السماء؛ فلعمر الله إنه لمن أقوى الأدلة وأظهرها على صحة قولكم، وتلك التعسفات لدخوله الجنة وصعوده إلى السماء بعد إهباطه الله له منها لا يرتضيها منصف، ولكن لا مانع أن يصعد إلى هناك صعوداً عارضاً لتمام الابتلاء والامتحان الذي قدره الله تعالى وقدر أسبابه، وإن لم يكن ذلك المكان مقعداً له مستقرأَ كما كان، وقد أخبر الله سبحانه عن الشياطين أنهم كانوا قبل مبعث النبي ﷺ يقعدون من السماء مقاعد للسمع؛ فيستمعون الشيء من الوحي، وهذا صعود إلى هناك ولكنه صعود عارض لا يستقرون في المكان الذي يصعدون إليه مع قوله تعالى: ﴿اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ﴾ ؛ فلا تنافي بين الصعود والأمر بالهبوط؛ فهذا محتمل.
٥- وأما احتجاجكم بكونه خلق من الأرض؛ فلا ريب في ذلك، ولكن من أين لكم أنه كمل خلقه فيها، وقد جاء في بعض الآثار "أن الله سبحانه ألقاه على باب الجنة أربعين صباحا؛ فجعل إبليس يطوف به ويقول لأمر مّا خلقت؛ فلما رآه أجوف علم أنه خلق لا يتمالك؛ فقال: لئن سلطت عليه لأهلكنه، ولئن سلط علي لأعصينه".
٦- أما ما ذكرتموه من أن آدم خلق في الأرض ولم يرد ما يفيد أن الله تعالى نقله إلى السماء؛ فإن قوله : ﴿قَالَ يَا آدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ فَلَمَّا أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ..﴾ يدل على أنه كان معهم في السماء حيث أنبأهم بتلك الأسماء، وإلا فهم لم ينزلوا كلهم إلى الأرض حتى يسمعوا منه ذلك، ولو كان خلقه كمل في الأرض لم يمتنع أن يصعده الله سبحانه إلى السماء ثم ينزله إلى الأرض قبل يوم القيامة، وقد عرج ببدن رسول الله ﷺ وروحه إلى فوق السماوات.
стр. 8052
٧- أما أن آدم ﵇ مال إلى نصيحة إبليس حين دلّه على شجرة الخلد؛ فليس ببعيد أن يكون عالما - بفطرته أو بوحي من الله تعالى - أنه ليس بخالد؛ فطمع فيه لما رأى من النعيم الذي لا ترغب النفس في مفارقته، فلما وجد ذلك في نفسه غرّه إبليس بما أطمعه فيه من الخلود؛ فميله إليه منبعث من ذات نفسه لا من علمه أنه في غير دار الخلود كما زعمتم.
٨- وأما استدلالكم بنوم آدم فيها والجنة لا ينال أهلها فهذا - إن ثبت النقل بنو آدم - فإنما النوم ينفى عن أهلها يوم دخول الخلود حيث لا يموتون وأما قبل ذلك فلا.
٩- وأما استدلالكم بأن الله سبحانه أعلم آدم ﵇ مقدار أجله، وما ذكرتم من الحديث وتقرير الدلالة منه؛ فجوابه أن إعلامه بذلك لا ينافي إدخاله جنة الخلد وإسكانه فيها مدة.
والله تعالى أعلم وفي تدبيره أحكم..
وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إن الله تعالى قال: من عادى لي ولياً فقد آذنته بالحرب، وما تقرب إلي عبدي بشيء أحب إلي مما افترضته عليه، وما زال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه؛ فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده الذي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها، وإن سألني أعطيته ولئن استعاذني لأعيذنه.
رواه البخاري.
стр. 8053
بين قاض وخليفة من كتاب نفح الطيب
ومنهم القاضي مُنْذِر بن سعيد البلوطى، قاضي الجماعة بقُرْطُبة، وكان لا يخاف في الله لومة لائم.
ومن مشهور ما جرى له في ذلك قصته في أيتام أخي نَجْدة، وحدث بها جماعة من أهل العلم والرواية، وهي أن الخليفة الناصر احتاج إلى شراء دار بقرطبة لحظية من نسائه تَكْرُم عليه، فوقع استحسانه على دار كانت لأولاد زكريا أخي نجدة، وكانت بقرب النشارين في الرَّبَض الشرقي منفصلة عن دوره، ويتصل بها حَمام له غلة واسعة، وكان أولاد زكريا أخي نجدة أيتاما في حجر القاضي.
فأرسل الخليفة مَن قَوَّمها له بعدد ما طابت نفسه، وأرسل ناسا أمرهم بمداخلة وصي الأيتام في بيعها عليهم، فذكر أنه لا يجوز إلا بأمر القاضي؛ إذ لم يجز بيع الأصل إلا عن رأيه ومشورته؛ فأرسل الخليفة إلى القاضي منذر في بيع هذه الدار، فقال لرسوله: البيع على الأيتام لا يصح إلا لوجوه منها: الحاجة، ومنها الوَهْي الشديد، ومنها الغبطة [١] ؛ فأما الحاجة فلا حاجة لهؤلاء الأيتام إلى البيع، وأما الوَهْي فليس فيها، وأما الغبطة فهذا مكانها؛ فإن أعطاهم أمير المؤمنين فيها ما تستبين به الغبطة أمرت وصيهم بالبيع، وإلا فلا.
стр. 8054
فنقل جوابه إلى الخليفة؛ فأظهر الزهد في شراء الدار طمعا أن يتوخى رغبته فيها، وخاف القاضي أن تنبعث منه عزيمة تلحق الأيتام ثورتها، فأمر وصي الأيتام بنقض الدار وبيع أنقاضها؛ ففعل ذلك وباع الأنقاض؛ فكانت لها قيمة أكثر مما قوّمت به للسلطان؛ فاتصل الخبر به، فعز عليه خرابها، وأمر بتوقيف الوصي على ما أحدثه فيها؛ فأحال الوصي على القاضي أنه أمره بذلك، فأرسل عند ذلك للقاضي مُنْذِر، وقال له: أنت أمرت بنقض دار أخي نَجدة؟ فقال له: نعم، فقال: وما دعا إلى ذلك؟ قال: أخذت فيها بقول الله تعالى: ﴿أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَهَا وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْباً﴾ ؛ مقوِّموك لم يقوموها إلا بكذا، وبذلك تعلق وَهْمُك، فقد نَضَّ في أنقاضها أكثر من ذلك، وبقيت القاعة والحمام فَضْلا، ونظر الله تعالى للأيتام؛ فصبر الخليفة عبد الرحمن على ما أتي من ذلك، وقال: نحن أولى مَن انقاد إلى الحق، فجزاك الله تعالى عنا وعن أمانتك خيرا..
قالوا: "وكان - على متانته وجزالته - حسن الخلق، كثير الدعابة؛ فربما ساء ظن من لا يعرفه، حتى إذا رام أن يصيب من دينه شعرة ثار له ثورة الأسد الضاري".
فمن ذلك ما حد ث به سعيد ابنه قال: قعدنا ليلة من ليالي شهر رمضان المعظم مع أبينا للإفطار بداره البرانية؛ فإذا سائل يقول: أطعموني من عشائكم؛ أطعمكم الله تعالى من ثمار الجنة هذه الليلة، ويكثر من ذلك؛ فقال القاضي: "إن استجيب لهذا السائل فيكم فليس يصبح منا أحد".
عن أبي موسى ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ :
стр. 8055
"إن مثل ما بعثني الله به من الهدى والعلم كمثل غيث أصاب أرضا؛ فكانت منها طائفة طيبة قبلت الماء فأنبتت الكلأ والعشب الكثير، وكان منها أجاذب أمسكت الماء فنفع الله بها الناس فشربوا منها وسقوا وزرعوا، وأصاب طائفة منها أخرى وإنما هي قيعان لا تمسك ماءها ولا تنبت كلأ؛ فذلك مثل من فقه في دين الله، ونفعه بما بعثني الله به، فعلم وعلم، ومثل من لم يرفع بذلك رأسا، ولم يقبل هدى الله الذي أرسلت به"
متفق عليه.
--------------------------------------------------------------------------------
[١] الغبطة: أراد الحظ والمنفعة الظاهرة، كأن يكون الثمن أكثر من ثمن المثل بكثير؛ سمى بذلك لأنه مما يغبطهم الناس عليه. (من كتاب نفح الطيب) .
следующие страницы →