Полный текст (23 804 стр.). Показаны 8051–8090 · переход к 8056.
стр. 8051
٤- أما استدلالكم بقصة وسوسة إبليس له بعد إهباطه في السماء؛ فلعمر الله إنه لمن أقوى الأدلة وأظهرها على صحة قولكم، وتلك التعسفات لدخوله الجنة وصعوده إلى السماء بعد إهباطه الله له منها لا يرتضيها منصف، ولكن لا مانع أن يصعد إلى هناك صعوداً عارضاً لتمام الابتلاء والامتحان الذي قدره الله تعالى وقدر أسبابه، وإن لم يكن ذلك المكان مقعداً له مستقرأَ كما كان، وقد أخبر الله سبحانه عن الشياطين أنهم كانوا قبل مبعث النبي ﷺ يقعدون من السماء مقاعد للسمع؛ فيستمعون الشيء من الوحي، وهذا صعود إلى هناك ولكنه صعود عارض لا يستقرون في المكان الذي يصعدون إليه مع قوله تعالى: ﴿اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ﴾ ؛ فلا تنافي بين الصعود والأمر بالهبوط؛ فهذا محتمل.
٥- وأما احتجاجكم بكونه خلق من الأرض؛ فلا ريب في ذلك، ولكن من أين لكم أنه كمل خلقه فيها، وقد جاء في بعض الآثار "أن الله سبحانه ألقاه على باب الجنة أربعين صباحا؛ فجعل إبليس يطوف به ويقول لأمر مّا خلقت؛ فلما رآه أجوف علم أنه خلق لا يتمالك؛ فقال: لئن سلطت عليه لأهلكنه، ولئن سلط علي لأعصينه".
٦- أما ما ذكرتموه من أن آدم خلق في الأرض ولم يرد ما يفيد أن الله تعالى نقله إلى السماء؛ فإن قوله : ﴿قَالَ يَا آدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ فَلَمَّا أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ..﴾ يدل على أنه كان معهم في السماء حيث أنبأهم بتلك الأسماء، وإلا فهم لم ينزلوا كلهم إلى الأرض حتى يسمعوا منه ذلك، ولو كان خلقه كمل في الأرض لم يمتنع أن يصعده الله سبحانه إلى السماء ثم ينزله إلى الأرض قبل يوم القيامة، وقد عرج ببدن رسول الله ﷺ وروحه إلى فوق السماوات.
стр. 8052
٧- أما أن آدم ﵇ مال إلى نصيحة إبليس حين دلّه على شجرة الخلد؛ فليس ببعيد أن يكون عالما - بفطرته أو بوحي من الله تعالى - أنه ليس بخالد؛ فطمع فيه لما رأى من النعيم الذي لا ترغب النفس في مفارقته، فلما وجد ذلك في نفسه غرّه إبليس بما أطمعه فيه من الخلود؛ فميله إليه منبعث من ذات نفسه لا من علمه أنه في غير دار الخلود كما زعمتم.
٨- وأما استدلالكم بنوم آدم فيها والجنة لا ينال أهلها فهذا - إن ثبت النقل بنو آدم - فإنما النوم ينفى عن أهلها يوم دخول الخلود حيث لا يموتون وأما قبل ذلك فلا.
٩- وأما استدلالكم بأن الله سبحانه أعلم آدم ﵇ مقدار أجله، وما ذكرتم من الحديث وتقرير الدلالة منه؛ فجوابه أن إعلامه بذلك لا ينافي إدخاله جنة الخلد وإسكانه فيها مدة.
والله تعالى أعلم وفي تدبيره أحكم..
وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إن الله تعالى قال: من عادى لي ولياً فقد آذنته بالحرب، وما تقرب إلي عبدي بشيء أحب إلي مما افترضته عليه، وما زال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه؛ فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده الذي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها، وإن سألني أعطيته ولئن استعاذني لأعيذنه.
رواه البخاري.
стр. 8053
بين قاض وخليفة من كتاب نفح الطيب
ومنهم القاضي مُنْذِر بن سعيد البلوطى، قاضي الجماعة بقُرْطُبة، وكان لا يخاف في الله لومة لائم.
ومن مشهور ما جرى له في ذلك قصته في أيتام أخي نَجْدة، وحدث بها جماعة من أهل العلم والرواية، وهي أن الخليفة الناصر احتاج إلى شراء دار بقرطبة لحظية من نسائه تَكْرُم عليه، فوقع استحسانه على دار كانت لأولاد زكريا أخي نجدة، وكانت بقرب النشارين في الرَّبَض الشرقي منفصلة عن دوره، ويتصل بها حَمام له غلة واسعة، وكان أولاد زكريا أخي نجدة أيتاما في حجر القاضي.
فأرسل الخليفة مَن قَوَّمها له بعدد ما طابت نفسه، وأرسل ناسا أمرهم بمداخلة وصي الأيتام في بيعها عليهم، فذكر أنه لا يجوز إلا بأمر القاضي؛ إذ لم يجز بيع الأصل إلا عن رأيه ومشورته؛ فأرسل الخليفة إلى القاضي منذر في بيع هذه الدار، فقال لرسوله: البيع على الأيتام لا يصح إلا لوجوه منها: الحاجة، ومنها الوَهْي الشديد، ومنها الغبطة [١] ؛ فأما الحاجة فلا حاجة لهؤلاء الأيتام إلى البيع، وأما الوَهْي فليس فيها، وأما الغبطة فهذا مكانها؛ فإن أعطاهم أمير المؤمنين فيها ما تستبين به الغبطة أمرت وصيهم بالبيع، وإلا فلا.
стр. 8054
فنقل جوابه إلى الخليفة؛ فأظهر الزهد في شراء الدار طمعا أن يتوخى رغبته فيها، وخاف القاضي أن تنبعث منه عزيمة تلحق الأيتام ثورتها، فأمر وصي الأيتام بنقض الدار وبيع أنقاضها؛ ففعل ذلك وباع الأنقاض؛ فكانت لها قيمة أكثر مما قوّمت به للسلطان؛ فاتصل الخبر به، فعز عليه خرابها، وأمر بتوقيف الوصي على ما أحدثه فيها؛ فأحال الوصي على القاضي أنه أمره بذلك، فأرسل عند ذلك للقاضي مُنْذِر، وقال له: أنت أمرت بنقض دار أخي نَجدة؟ فقال له: نعم، فقال: وما دعا إلى ذلك؟ قال: أخذت فيها بقول الله تعالى: ﴿أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَهَا وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْباً﴾ ؛ مقوِّموك لم يقوموها إلا بكذا، وبذلك تعلق وَهْمُك، فقد نَضَّ في أنقاضها أكثر من ذلك، وبقيت القاعة والحمام فَضْلا، ونظر الله تعالى للأيتام؛ فصبر الخليفة عبد الرحمن على ما أتي من ذلك، وقال: نحن أولى مَن انقاد إلى الحق، فجزاك الله تعالى عنا وعن أمانتك خيرا..
قالوا: "وكان - على متانته وجزالته - حسن الخلق، كثير الدعابة؛ فربما ساء ظن من لا يعرفه، حتى إذا رام أن يصيب من دينه شعرة ثار له ثورة الأسد الضاري".
فمن ذلك ما حد ث به سعيد ابنه قال: قعدنا ليلة من ليالي شهر رمضان المعظم مع أبينا للإفطار بداره البرانية؛ فإذا سائل يقول: أطعموني من عشائكم؛ أطعمكم الله تعالى من ثمار الجنة هذه الليلة، ويكثر من ذلك؛ فقال القاضي: "إن استجيب لهذا السائل فيكم فليس يصبح منا أحد".
عن أبي موسى ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ :
стр. 8055
"إن مثل ما بعثني الله به من الهدى والعلم كمثل غيث أصاب أرضا؛ فكانت منها طائفة طيبة قبلت الماء فأنبتت الكلأ والعشب الكثير، وكان منها أجاذب أمسكت الماء فنفع الله بها الناس فشربوا منها وسقوا وزرعوا، وأصاب طائفة منها أخرى وإنما هي قيعان لا تمسك ماءها ولا تنبت كلأ؛ فذلك مثل من فقه في دين الله، ونفعه بما بعثني الله به، فعلم وعلم، ومثل من لم يرفع بذلك رأسا، ولم يقبل هدى الله الذي أرسلت به"
متفق عليه.
--------------------------------------------------------------------------------
[١] الغبطة: أراد الحظ والمنفعة الظاهرة، كأن يكون الثمن أكثر من ثمن المثل بكثير؛ سمى بذلك لأنه مما يغبطهم الناس عليه. (من كتاب نفح الطيب) .
стр. 8056
العلم والإيمان
إن الإسلام إذ قرر ترابط أجزاء الكون وحوادثه ترابطاً مطرداً منتظماً - أو ما يسمى في الفلسفة الحديثة النظام السببي للكون - لم يقف عنده كما وقف الماديون، بل تجاوزه إلى طرح أعظم قضية كونيه:.. من أين جاء الكون ونظامه؟.. مَن خلقه؟.. من قدر نظامه؟.. ثم الإجابة عليها بتسلسل منطقي وإلزام عقلي.
إن هذه النظرة التي لا تقف عند حدود العلم التجريبي هي استمرار وإكمال الفكر العلمي، بل إن سلسلة التفكير العلمي تبقى ناقصة وغير منطقية دون هذا التمديد للخط البياني لبحث ما وراء منطقة العلم التجريبي.
إن بعض المطلعين اطلاعاً سطحيا على الفلسفة المعاصرة ظنوا أن في هذه الخطوة ما ينافي العلم والتفكير العلمي، وإنما جاءهم الخطأ من أنهم غفلوا عن أن سلطة العلم بالمعنى الخاص لا تتناول طرح هذه المسألة، وأن كل نظرية في أصل المادة وأصل الوجود هي من قبيل الفلسفة ومن أبحاث ما وراء الطبيعة؛ ولذلك كان من باب الخلط والجهل والمغالطة القول بأن نظرية المادية الجدلية - أو أي نظرية من نوعها تحاول تعليل أصل الكون والوجود - هي (علمية) .
إن مثل هذه النظريات تبحث في فلسفة العلوم، ويتكون منها ما يسمى (بالنظريات الكبرى) ، وإن كان العلم يقدم لها معطيات هامة ومعلومات مفيدة لتقريبها من الصواب، و (لكنها تبقى على كل حال من باب الافتراض والتخمين، وطريقها التأمل الفكري لا الاختبار والتجربة.
إن الطريق الذي سلكه الإسلام - كما يتجلى لنا ذلك في القرآن - يقيم انسجاماً منطقياً معقولاً بين التفكير السببي العلمي الموضوعي والإيمان بالله خالق الكون ونظامه السببي؛ فالإيمان بالله وبقدرته لا يمنع من النظر في تعاقب الحوادث وترابطها وتعليلها وخضوعها لسنة مطردة وقانون عام.
стр. 8057
وهذا الذي يجعل كثيراً من كبار رواد العلم المختصين في العصر الحديث يرتقون بتفكيرهم من دائرة اختصاصهم في الكيمياء أو الفيزياء أو الحياة أو الفلك.. إلى الاعتقاد بوجود إله قدير عليم، وإن القصور عن إدراك أبعاد البحوث الفلسفية الحديثة هو الذي دعا بعض الكتاب إلى التورط الخاطئ فيما سموه نقد الفكر الديني، وخاصة في تطبيقه على الإسلام.
إن التفكير الإسلامي - بتأثير مباشر من القرآن والسنة - حدث في طرائق البحث العلمي تغييرا جذريا عميقاً بالغ الأهمية؛ ذلك أنه بدل المنهج التأملي الذي كان ينهجه اليونان، والذي يعتمد على مجرد التصور العقلي والقياسي المنطقي المجرد، وأقام المنهج التجريبي ولا سيما في مجال علوم الطبيعة والعلوم الاجتماعية، وجعله المنهج الأساسي في ميدان البحوث الطبيعية في الطب والكمياء والفيزياء والفلك وغيرها.
وعن المسلمين نقل علماء الغرب العلوم الرياضية والطبيعية والمنهج التجريبي؛ فقد ترجموا كتب المسلمين في هذه العلوم وهي مبنية على المنهج التجريبي، وعن المسلمين أخذ فرنسيس بيكون الذي يعتبره أوربا مؤسس الطريقة التجريبية، ولم تكن النهضة الأوربية التي سبقت العصر الحديث إلا نتيجة لترجمة التراث العلمي الذي أنتجه وأبدعه المسلمون، والطريقة التجريبية التي يقوم عليها بحوثهم، ولم يكن هذا الاتجاه في تقدم علوم الطبيعة والمنهج التجريبي لدى المسلمين إلا أثرا من آثار الإسلام وتوجيه القرآن والسنة.
كتاب (الإسلام والفكر العلمي)
للأستاذ/ محمد المبارك
عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول:
"من رأى منكم منكرا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان".
رواه مسلم.
стр. 8058
مختارات من الصحف
بداية النهاية
بالرغم من المؤامرات والدسائس التي تحاك ضد الإسلام إلا أن المتتبع للصحافة العالمية والمحلية يلاحظ اهتماما كبيرا على صفحاتها بالإسلام؛ ليس حبا ولا إعجابا به بل خوفا ورهباً من المد الإسلامي في العالم، والصّحوة الإسلامية الواعية في البلاد الإسلامية بعامة وفي أوساط الشباب المتجه إلى الله، والباحث عن الخلاص بخاصته، مع أن الإسلام حقيقة لم يتحرك؛ فهو لازال في نومه الذي أراده له المسلمون، ولكنه تقلب في الفراش فأزعج القاصي والداني، وقد ظنا أنه مات ولم يعد له حراك؛ فكيف به إذا قام من نومه وتحرك؟؟!.
ويلاحظ أيضاً تجاه كثير من الدول إلى الأخذ بالإسلام نظاماً للتشريع ومنهجاً للحياة، كما يلاحظ الاتجاه إلى تفريغ القضايا من مضامينها الإقليمية والقومية والعصبية وتوجيهها إلى مضمونها الصحيح، وهو الإسلام.
ونأمل أن يوفق إليه هؤلاء وهؤلاء وأن يكون الإخلاص وحسن النية وابتغاء وجه الله وحده وراء ذلك كله.
نشرت جريدة المدينة السعودية بتاريخ ١٢ ربيع الثاني ١٣٩٩هـ مقابلة مع ممثلي منظمة (فتح) في المملكة جاء فيها:
س: حاولت إسرائيل التقليل من حجم خسائرها الناتجة عن انقطاع البترول الإيراني عنها، رغم ما هو معروف من أن صادرات إيران النفطية إلى إسرائيل تشكل العمود الفقري لاستهلاك الطاقة في الأرض المحتلة، ما هو تفسيركم لهذه الظاهرة؟ وما هو تقويمكم للعلاقات الفلسطينية الإيرانية الجديدة؟.
стр. 8059
ج: الإسرائيليون يحاولون دائماً أن يرفعوا معنويات المستوطنين الصهاينة، لكن القصة ليست قصة أنبوب بترول انقطع ومن ثم يتم تعويضه من جهة أخرى.. فالذي جرى في إيران في تصوري هو بداية النهاية للوجود الإسرائيلي، وهو تصحيح لوضع شاذ باعتبار أن هذه الأحداث هي دخول للإسلام في محاربة اليهود، واليهود يريدون أن يؤسسوا دولة دينية، في حين أنهم يطلبون منا أن تكون دولة علمانية.. لأننا حين نطرح فكرة الدولة العلمانية لن تكون هناك أية بواعث تشجع المسلمين على تحرير القدس؛ فالقدس في ظل الدولة العلمانية لا تعني أكثر من (متحف) ، ولكن مشاعر المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها تتحرك نحو القدس باعتبارها البلد الذي أسرى إليه برسول الله ﷺ ، والقدس التي بارك الله حولها؛ فإذا فقدت هذه المعاني فإن دوافع المسلمين لتحرير القدس ستظل معدومة، وهذا ما يريده اليهود وما يريده الإعلام الصهيوني والغربي والأمريكي، وجاءت الثورة الإيرانية فوضعت الأمر في نصابه الصحيح، وهو الأمر الذي ننادي به نحن أبناء الخط الإسلامي في الحركة الفلسطينية باستمرار، وهو أن الأمور لن توضع في نصابها الصحيح إلا عندما تطرح القضية بوضوح على أنها صراع ضد صليبية، وهذا هو ما يخشاه اليهود.
ذعر يهودي من المصاحف:
وأنا أذكر أنه في سنة من السنوات أهدتنا رابطة العالم الإسلامي خمسة آلاف مصحف وزعناها على المقاتلين، واستشهد اثنان منهم في إحدى العمليات ووجد اليهود في جيوبهم المصحف؛ فقامت قيامة القيادة الإسرائيلية لتجد تعليلا لظاهرة وجود المصاحف مع المقاتلين، ومن هنا يأتي تحديد الثورة الإيرانية بأنها ثورة إسلامية محددة المعالم قائم على عمود أساسي هو الجهاد.. وهذا هو المكسب الحقيقي.
стр. 8060
والتحرك الإسلامي اليوم ليس وقفا على إيران؛ فهو سيمتد عما قريب إلى تركيا؛ إذا إنه من المحال أن يستمر بقاء السفارة الإسرائيلية وهي تمتهن كرامة الدولة التي كانت في يوم من الأيام دولة الخلافة الإسلامية؛ فهذا أمر لا تحتمله مشاعر المسلمين.
وفي تشاد هناك تحرك إسلامي يناضل في سبيل أن تكون كلمة الله هي العليا وكلمة الذين كفروا هي السفلى، وفي باكستان هناك دعوة صادقة إلى تحكيم الشريعة الإسلامية والعودة إلى الإسلام.
إن هذه الصحوة الإسلامية التي بدأت الآن تمتد حول أرجاء العالم الإسلامي كفيلة بإزالة صبيان السياسة عن الجو، وهؤلاء الصبيان لا أظن أن فيهم من يستطيع أن يزعم أن لديه من الدعم والقوة ما كان لدى الشاه.
تعليق:
الإجابة السابقة لمثل منظمة (فتح) في السعودية تدل على بادرة طيبة وجديدة، وهي محاولة ممثل (فتح) إرجاع القضية الفلسطينية إلى إطارها الصحيح ووضعها الحقيقي وهو إطار الإسلام، إذ إن القوى العالمية كلها والعربية قد أفرغت ولا زالت تفرغ القضية الفلسطينية من أنها قضية في أساسها صراع بين الكفر والإيمان وبين الحق والباطل، ولو تبنت الأمة الفلسطينية قضيتها على أساسها الإسلامي لما احتل اليهود القدس، ولما لحقت الهزائم بدعاة القومية والعصبية العار ظلما بالمسلمين.
إن مصحفين من القرآن الكريم في جيب شهيدين من الفلسطينيين أثار الذعر والخوف والهلع في قلب دولة إسرائيل؛ فكيف إذا كانت المصاحف في الجيوب والقلوب والعقول؟!
إن الجنود اليهود يضعون كتابهم المقدس في كل دبابة وفي جيب كل جندي، والعرب يخجلون من كتابهم ويهربون من هويتهم؛ خوفا من أوهام التخلف والرجعية والتدين ولو رجعوا إلى الله كما يقول ممثل (فتح) - ونأمل أن يكون ذلك رأي المنظمة كلها - لحققوا نصرا أكيدا، ولعادت القدس إسلامية.
стр. 8061
إن المد الإسلامي يحتاج إلى توجيه في المسار الصحيح، وعلى زعماء المسلمين ألا يغفلوا هذا الواقع الجديد، وأن يتجهوا إلى الله فيبحثوا عن الوسائل الصحيحة للغايات الكبرى، وألا يخشوا على قياداتهم إذا ما أخلصوا النية لله وتمسكوا بهدي رسوله ﷺ ، ولنا في باكستان قدوة حسنة، ولكم نتمنى أن نسمع من ياسر عرفات رجوعا عن إرضاء قوى الكفر في الدعوة إلى الدولة العلمانية في فلسطين!؛ فإسرائيل دولة دينية عقائدية في المقام الأول، ولابد لنا من مواجهة العقيدة اليهودية بالعقيدة الإسلامية الصحيحة المؤيدة من الله ، وما انتصرت الأمم بقوميتها ولا بتراثها ولا بثقافتها وحضارتها، ولكنها دائما تنتصر بعقائدها؛ والله يقول: ﴿إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ﴾ ، ﴿فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لا يَرْجُونَ﴾ . صدق الله العظيم
عباس محجوب
الإنسان بين شريعة الله وقوانين البشر:
أما جوهر القول، وخلاصة الرأي الذي نذهب إليه فيتلخص في أن الأمور الإنسانية خاضعة لحكم الدين أولا وأخيراً.. وكل محاولة لإخضاع هذه الأمور للرأي والهوى يورث المجتمع الإنساني أشد الوبال.. ومن الرأي والهوى شيء يقال له: (إرادة الفرد) .
ومن أغرب الظاهرات في هذا الزمان أن نرى في بعض البلاد الإسلامية عرفا مستقرا بتقديم القانون الوضعي على الشريعة الإسلامية!! ومن حول هذا القانون الوضعي ألف حاشية وحاشية؛ فهذا فقه.. وتلك مبادئ وأحكام.. وقضاء.. وجزاء وثواب.. والمصدر دائما (إرادة المشرع) ، والمشرع الفرد يصدع بأمر هيئة تشريعية، والهيئة التشريعية تقوم مقام الأمة كلها..
فإذا أسقطنا الزيف عن هذا التركيب الروماني في أصله، الغريب عن الإسلام في معظم مصادره وموارده، لوجدنا (إرادة الفرد) هي الأساس في التقنين؟؟.
стр. 8062
وبعبارة أخرى نقول: إن الفرد في زماننا لا يخاف مساماة الله في جبروته.. ويظن هذا الفرد بأنه قادر على أن يأتي - في شأن الأمور الإنسانية - بأوضاع وبأحكام أصلح مما جاءت به الشريعة.. ومن ثم كان تحديد الملكية بقانون، وتشويه أحكام الشريعة بقانون، وتحريم ملكية أداة الإنتاج بقانون.. إلى آخر ما نعيش في ظله الكثيف الغريب عن الإسلام..
وأكبر خطر حل في بلادنا.. هو خبرة الخبراء؛ فهؤلاء يقولون: إن القانون الوضعي هو الشريعة.. وإننا أحرص على الشريعة منكم يا تلامذة المدارس القديمة..
وما كان قولهم هذا إلا بقصد المحافظة على رزق خبيث كفله خصوم الإسلام لإشباعهم ... قال المستشرق الإنجليزي (جب) في بعض مؤلفاته: لقد يئسنا من تنحية القرآن من حياة المسلمين ... مع أننا نجحنا في إثارة الشك حول السنة، ونجحنا في إحلال القانون الوضعي محل الشريعة.. ولكن بقي القرآن.. وإن أملنا في تنحيته بدوره.. معلق بجهود تلامذتنا؛ فهم وحدهم القادرون على أن يرفعوا الصوت في مجتمعاتهم الخاصة بهم؛ لكي يخلصوا البشرية من بقية الرسالة التي جاء بها محمد [﵊] ، وأريد بذلك: تنحية القرآن نهائيا عن الإسلام المهذب أو المتمشي مع اتجاهات العصر. ثم يضرب هذا المستشرق مثلا مما تتعلق به أماله.. من التهجم على بعض قصص القرآن الكريم من سيرة إبراهيم وإسماعيل ﵉.. ويشيد بشجاعة الكاتب الذي اصطبغ بصيغة الفرنجة، ونقل عنهم بغير وعي.. فأثار آمال الفرنجة وأخصب خيالهم بقرب إزاحة القرآن من الطريق.. طريق المسيرة العامة في العالم كله.. نحو فلسفة باثرة خاسرة، لحمتها وسداها (المادية) .
(مجلة الدعوة القاهرية)
الزمن يعمل بصورة مدهشة لصالح الإسلام:
تتابع الصحف الغربية حديثها عن تحرك الإسلامي في شتى أنحاء العالم، وننقل اليوم ما كتبته صحيفة (لوبوان) الفرنسية بنصه وبدون تغيير في العبارات، تقول الصحيفة.:
стр. 8063
(بإشارة من ماليزيا إلى المغرب، ومن داكار إلى كراتشي، ومن بنغلاديش إلى أحياء السود في لوس أنجلوس؛ دلل الإسلام دائماً على أنه يتمتع بقوة إيمانية تفوق قوته الزمنية) .
(وحسب تعاليم النبي فإن كل الناس متساوون كأسنان المشط، ولا يجد القادة الدينيون صعوبة لكي يكشفوا عن عدم المساواة وعدم توفر العدالة الاجتماعية) .
"لا يفصل الإسلامي بين الزمني والروحي، بين القوانين المدنية وأحكام القرآن، بين السياسة والدين، وإذا لم يخلق المسيح وبوذا دولة؛ فإن النبي محمداً [ ﷺ ] قدم بنفسه نموذج الدولة الإسلامية في المدينة أولا، ثم في مكة، حيث مارس سلطانه كرجل دولة ورجل سماء في الوقت نفسه".
"واليوم - أكثر من أي وقت مضى - ينتقل الإسلام إلى الهجوم في مواجهة معارضة؛ فمنذ عام ١٩٣٨ أعلن "رجال الدين"الإبراهيميون أمثال ابن باديس والعقبي وسواهما في الجزائر، بدء الانتفاضة على الفرنسيين التي لم تلبث أن تحققت عام ١٩٥٤، وكان الشعار الذي عمله "رجال الدين"هؤلاء للشبيبة الجزائرية بسيطاً جدا ومعبراً: "الإسلام ديني والعربية لغتي، والجزائر وطني".
الرائد الهندية
مجلة أكتوبر الرسمية تحذر من المد الإسلامي:
القاهرة: حذّر أنيس منصور رئيس تحرير مجلة أكتوبر القاهرية الأسبوعية إسرائيل من المد الديني الذي يجتاح المنطقة العربية والشرق الأوسط كله، والذي من شأنه أن يؤدي إلى التعصب وإلى حكم رجال الدين، أي إلى الدينوقراطية إذا صح هذا التعبير حسبما قال.
وقال أنيس منصور: إن تعصب أبناء الدين كان ضحاياهم أبناء الأقلية أو الديانات الأخرى؛ حدث ذلك في لبنان وفي إيران وفي الهند وباكستان وبنغلاديش وفي تركيا.
стр. 8064
وأضاف قائلا: إنه وراء ذلك أو تحته هناك التخطيط السوفياتي الذي يحيط بالمنطقة ويحيق بها أيضاً من كل الجهات، مما يجعل نظرة أمريكا أكثر شمولية، وهذا هو الخطر الحقيقي على إسرائيل؛ فسوف لا تعمل لها أمريكا حسابا خاصا.
وكالة الأنباء الفرنسية - الرائد الهندية
عن أبي سعيد الخدري ﵁ عن النبي ﷺ قال:
"إياكم والجلوس في الطرقات"فقالوا: يا رسول الله ما لنا من مجالسنا بد؛ نتحدث فيها! قال رسول الله ﷺ : "فإذا أبَيتم إلا المجلس فأعطوا الطريق حقه"قالوا: وما حق الطريق يا رسول الله؟ قال: غض البصر، وكف الأذى، ورد السلام، والأمر بالمعروف، والنهى عن المنكر".
متفق عليه
стр. 8065
خطاب الرئيس محمد ضياء الحق، رئيس دولة باكستان بعنوان:
خطوات لتطبيق نظام الإسلام
فيما يلي الترجمة العربية لخطاب الرئيس الفريق محمد ضياء الحق، الذي ألقاه على الأمة من على شاشة التلفاز والإذاعة المسموعة في الأول من محرم الحرام عام ١٣٩٩هـ:
أيها السيدات والسادة..
السلام عليكم..! اليوم هو الأول من محرم الحرام، وهو اليوم الأول من التقويم الإسلامي..
ولا يخفى احترام المسلمين لعظمة وحرمة محرم.. إن هذا الشهر يذكرنا بالأحداث العظيمة عندما لم يتردد المؤمنون الحقيقيون من تقديم التضحيات العظيمة لقضيتهم العظيمة.
إن هذا الشهر يعلمنا أيضا الصبر والتجمل؛ إنني أناشد أبناء وطني أن يتجملوا بالصبر والتفاهم المشترك والوحدة طيلة السنة، ولا سيما خلال هذا الشهر؛ وذلك لكي يمكننا أن نسير قدماً إلى الأمام نحو غايتنا بثقة وتضامن عظيمين، وستغلق كافة دور السينما على الأقل في يومي ٩ و ١٠ من محرم كرمز على احترام محرم الحرام.
إن السنة الهجرية ١٣٩٩ قد جلبت معها خيرات وبركات جديدة؛ إن هذه السنة المباركة تبدأ بالإعلان عن تطبيق نظام الإسلام في هذه البلاد، لقد أدى مسلمو شبه القارة العهد على إدخال النظام منذ اليوم الأول الذي طالبوا فيه إيجاد وطن للمسلمين باعتبارهم أمة منفصلة، ومن المؤسف حقاً عدم تطبيق نظام الإسلام بالرغم من أن البلاد قد تأسست على ذلك الأساس، لقد استغل العديد من الشخصيات السياسية والحكام اسم الإسلام كما يشاءون، وبالرغم من مضي أكثر من ثلاثين عاما فانهم لم يقدموا أي شيء يذكر في هذا الاتجاه.
стр. 8066
وبإمكاني القول بفخر وتواضع إن الحكومة الحالية منذ مجيئها إلى السلطة وهى لا تترك مجهودا إلا وبذلته في سبيل تطبيق نظام الإسلام، وانه لشرف لي ولحكومتي وزملائي والمتعاونين معي أنني استطعت أن أقوم ببداية معينة حول تنفيذ نظام الإسلام، وذلك بالإعلان عن بعض الخطوات التي اتخذت في هذا اليوم، وعسى الله تعالى أن يبارك جهودنا بالنجاح العظيم.
وقبل أن أفسر هذه الخطوات فإنني أجد أن من الضروري القول إنه لا يوجد هناك أية شبهة حول تطبيق نظام الإسلام: إن نظام الإسلام هو دستور حياة أوحاه الله على آخر أنبيائه محمد ﷺ قبل ١٤ قرنا، وقد سجل ذلك في القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة، إن كل مسلم مطالب اليوم أن ينظم حياته استنادا إلى دستور الحياة في حياته الفردية والاجتماعية.
وكما قلت في مناسبات عديدة إن الإسلام لا يعتبر دستور الحياة التام فحسب، بل هو طريقة الحياة يمكنها أن تتناسب مع تغير الأزمان، ومن أجل العثور على معالمها لدينا مصدران نسترشد بهما، وهما القرآن الكريم والسنة النبوية، وفي القضايا التي لم تبحث في هذين المصدرين فإن أمامنا الاجتهاد على أن يكون ذلك متمشيا مع روح القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة.
إن الخطوات التي أعلن عنها اليوم هي مجهود للاستفادة من هذه الطرق الثلاثة.
أيها السيدات والسادة..
إن الإسلام يتكون من ثلاثة أجزاء، الجزء الأول يتعلق بالمعتقدات التي بدونها لا يمكن للمرء أن يكون مسلماً، وهذه المعتقدات خالية من أي عنصر من عناصر الإكراه، ويسمح الإسلام في هذا المجال بالتبليغ (الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر) ، وأحسن تبليغ هو بواسطة السلوك العملي.
стр. 8067
أما الجزء الثاني فهو العبادات، وهو أمر يعتقد العلماء أن الدولة بوسعها أن تجبر كل المؤمنين على أدائه، وفي الظروف الحالية لا تريد الحكومة إصدار أية أوامر لا يمكن أن تطبق بصورة فعالة، إن الصلاة ذات أهمية أساسية بين العبادات، وإذا أعلنت الحكومة - اعتبارا من غد - أن أداء الصلاة أمر على كل مواطن مسلم في هذا البلد؛ فهل بوسعها أن تدخل بيوت ٧٠٠ مليون مسلم لتجد من أدى الصلاة ومن لم يؤديها؟..
إنني لا أقول ذلك لأتحاشى الموضوع؛ لأنني أعلم أن بوسع الحكومة أن تطبيق الصلاة جزئيا إذا لا تقدر على ذلك كلياً، غير أننا نود في هذا الوقت بالذات أن نعتمد على الإقناع وليس على الإجبار. وسنبدأ بخطوة إلى الأمام في هذا المضمار في المؤسسات الحكومية؛ وأصدر الآن توجيهات بضرورة إعداد الترتيبات خلال أسبوع لأداء الصلاة في كافة المؤسسات الحكومية خلال ساعات العمل، وأنا أتوقع من كافة رؤساء الأقسام أن يكونوا قدوة لموظفيهم بأداء الصلاة إن لم يقدروا على إمامة الصلاة بأنفسهم.
ثانيا: أود أن ألتمس أن نؤدي الصلاة في أوقاتها بصورة فردية أو جماعية، وأن نقنع عائلتنا وأقربائنا على أداء الصلاة، وإذا تمكنا من أداء الصلاة فإننا نكون قد قطعنا نصف الطريق في مجال العبادات.
وكمثال فإن أداء صلاة الجمعة هو أمر حيوي، وفي الوقت الذي أفضل فيه شخصيا أن تكون العطلة الأسبوعية يوم الجمعة؛ فإنني لا اعتقد أنه من الضروري أن تغلق كافة المؤسسات والأقسام الحكومية والمصانع والحوانيت والشركات التجارية يوم الجمعة، وربما يكون من المناسب بغض النظر عن المكاتب الحكومية أن تنظم كافة المؤسسات الأخرى أعمالها الأسبوعية بصورة يضمن استمرار نشاطات العمل خلال كافة أيام الأسبوع، وعندما يحين وقت صلاة الجمعة فلا بد أن تغلق كافة الحوانيت ومراكز الأعمال استناداً إلى التعليمات الإسلامية.
стр. 8068
وفي هذا المجال أتذكر مثيل ذلك في بعض الأقطار الإسلامية حيث تتوقف كل الأعمال عندما يسمع الناس الآذان، وبذلك يعرف كل غريب وكل زائر أنه في دولة إسلامية.
وأرغب أن نحول يوم الجمعة على الأقل إلى مناسبة كبيرة هي صلاة الجمعة بدلا من أن نجعلها عطلة يجب أن نجعلها تجمعا يوحي إلى التوحيد كل جمعة، كما رأينا مناظر الصلاة التراويح (في شهر رمضان المبارك) ، التي تطمئن لها القلوب خلال السنة الماضية، وسأرى يوم الجمعة القادمة مدى استجابة المؤمنين لندائي هذا.
أما القسم الثالث من الإسلام فيتعلق بالقوانين وبعضها شخصية بينما الأخرى عامة.
أما فيما يتعلق بالقوانين الشخصية فإن المحاكم تقوم فعلا بحسم القضايا استنادا إلى معتقدات كل مواطن، وسنستمر بهذه العملية في المستقبل أيضا، وما يدور في ذهننا يتعلق معظمه بالقوانين العامة، وأريد تطبيق كافة القوانين المتعلقة بالرفاهية العامة: أعني بذلك مؤسسات الزكاة والعشر، وهى أعمدة هامة للنظام الاقتصادي الإسلامي.
إن إحدى الأسباب التي أدت إلى التأخير في تطبيق النظام الإسلامي هي ضرورة القيام بأعمال ضخمة فيما يخص بالمجال الاقتصادي؛ فليس لدينا طرق عملية لتقدير الموارد التي نستمدها من الزكاة والعشر، ولا نعرف بالضبط النسبة التي يمكن أن تعطيها الزكاة والعشر من احتياجاتنا الوطنية والمبالغ الأخرى المطلوبة، وفيما أننا نحتاج إلى ضرائب أخرى بالإضافة إلى الزكاة والعشر لتغطية المصاريف الوطنية، وإن من المهم أن اذكر أنه لابد من تغير نظام الريع الحالي من أجل تطبيق نظام العشر.
أما فيما يتعلق الأمر بالزكاة فان الموضوع الرئيسي هو موضوع الثقة، وهو أمر يختص بالجميع على اختلاف درجاتهم. إن عليهم أن يدركوا أن الأموال المكتسبة بالجهد الكبير والتي يدفعونها على شكل زكاة ستجمع بالأسلوب الصحيح وتصبح للشخص المستحق وتنفق للأغراض المشروعة.
стр. 8069
وفي هذا الخصوص أحب أن أذكر أنني شكلت فعلا لجنة تتكون من بعض الوزراء الاتحاديين ورئيس مجلس الفكر الإسلامي، وتقوم هذه اللجنة باستعراض نظام الزكاة والعشر، وان شاء الله سترفع هذه اللجنة توصياتها إلى الحكومة.
ومن المواضيع المهمة الأخرى هي إلغاء نظام الربا، ويبحث هذا الموضوع خبراء ذوى تفكير إسلامي، وحالما سيجد هؤلاء حلا عملياً ستطبق إن شاء الله النظام الاقتصادي الإسلامي.
أما في الوقت الحاضر فإنني أعلن الخطوات التالية:
١- إلغاء الربا على المبالغ المستلفة من الموارد الحكومية.
٢- عدم استيفاء أية فوائد على القروض الممنوحة لموظفي الحكومة من درجة ١ إلى درجة ١٥ بواسطة مؤسسة تمويل بناء البيوت.
٣- ستقوم مؤسسة الاستثمار القومي باستراتيجية جديدة في المستقبل، على أساس المشاركة على قدم المساواة وليس على أساس الربا.
وبالإضافة إلى ذلك قمت بتوجيه وزارة المالية بإعداد برنامج عملي خلال شهر واحد لأجل إزالة لعنة الربا المستحصل من القروض التي تقدمها مؤسسة تمويل بناء البيوت المعطاة للأشخاص غير موظفي الحكومة المذكورين أعلاه، وأن تجعل هؤلاء من ممتلكي الأسهم بما يتناسب والاستثمار التي تقوم به المؤسسة.
أما الآن فإنني أعود إلى الخطوات التي أكمل العمل الأولى بالنسبة لتحقيقها.
إن الإعلان عن هذه الخطوات هو أمر ضروري؛ لأن تأخير الإعلان عنها لمدة بضعة أشهر قد جعل العناصر الانتهازية تقوم بدعاية مضلة، وهى أن الحكومة الحالية تعطي وعوداً كاذبة حول تطبيق نظام الإسلام مثلها مثل الحكومات السابقة.
إن هدف خطابي هو الإعلان عن الخطوات التي أكملت، وأن نعلمكم عن الخطوات التي نمر بها؛ إن الخطوات التي حسمت هي كالتالي:
стр. 8070
١- ستؤسس (هيئة شريعة) في كل إقليم على مستوى المحكمة العليا، و (هيئة شريعة استئنافية) على مستوى محكمة الاستئناف العليا، وذلك بالإضافة إلى المحاكم الحالية. وفي هذه الخصوص سأصدر قانوناً رئاسيا ستقرأ محتوياته في الصحافة.
٢- رئيس القضاة لكل محكمة عليا أو محكمة الاستئناف العليا سيقترح تشكيل لجنة من القضاة لتشكيل كل (هيئة شريعة) ، من بين هؤلاء ثلاثة قضاة جيدو الإلمام في الشريعة الإسلامية والفقه، وسيعين هؤلاء كأعضاء للهيئة.
٣- من حق الحكومات الاتحادية والإقليمية وكل مواطن أن يطرح أي قانون سنته الحكومة أمام الهيئة لتقرر هل هو إسلامي أم غير إسلامي، وبوسع كل هيئة شريعة أن تعيد النظر في صيغة القوانين دون أن يطرح ذلك عليها.
٤- إلغاء رسوم المحكمة على أي طلب يقدم إلى هيئة الشريعة.
٥- ستضم كل هيئة شريعة هيئة علماء ومحامين، وستضم الهيئة فئة خاصة من العلماء الجيدي الإلمام بالحديث والفقه، والمؤهلين على البت في قضايا الشريعة، كما سيعين أولئك المحامون المسجلون في محكمة الاستئناف العليا أو الذين عندهم خبرة ٥ سنوات على الأقل في المحاكم العليا، وسيتم تعيين هذا الصنف من المحامين أعضاء في هيئات شريعة.
٦- إن طريقة عمل هيئة الشريعة سيكون إسلاميا في طبيعته وسيقوم العلماء والمحامون والشهود الذين يمتثلون أمام هذه الهيئات بمساعدتها على توضيح القانون تحت المناقشة، وشرح وجهة النظر الإسلامية بدلا من النقاش في صالح هذه القوانين أو ضدها، هذا بالإضافة إلى أن الهيئة لها صلاحيات في دعوة عالم أو فقيه أو محام أو مفكر أو باحث من نفس البلاد أو من خارجها، وإنني آمل أن ينضم القضاة المتقاعدون الذين عملوا في المحاكم العليا والمتمكنين من القرآن الكريم والسنة النبوية والفقه إلى هذه الهيئات بصفة خبراء.
٧- لكل هيئة شريعة صلاحيات المحاكم المدنية، ولها حق طلب أي شهود أو وثائق أو مواد أخرى.
стр. 8071
٨- إن أقدم عضو في الهيئة يعتبر رئيسها وتقوم الهيئة بالإعلان عن قراراتها على أساس الأغلبية.
٩- وفي حالة عدم اقتناع أي فرد بحكم هيئة الشريعة فبإمكانه أن يثير الموضوع في هيئة الشريعة الاستئنافية.
١٠- لا يمكن تحدي قرارات هيئة الشريعة أو هيئة الشريعة الاستئنافية في محكمة الاستئناف العليا أو المحاكم العليا أو في أية محاكم أخرى.
١١- تنشر قرارات (هيئة الشريعة) في المجلة الرسمية، وستبين الهيئة في حكمها المواضيع غير الإسلامية للقانون وتستشهد بالأدلة لنعزز رأيها.
١٢- يتحتم على الحكومة أن تعدل القوانين المعنية ضمن الوقت المعين استنادا إلى قرارات الهيئة لتحول القوانين إلى أخرى تتفق مع الشروط الإسلامية.
١٣- تدفع الحكومة كافة المبالغ التي تصرفها هيئة الشريعة وهيئة الشريعة الاستئنافية والعلماء والمحامون والخبراء.. الخ.
لقد كان هذا عن تأسيس (هيئات الشريعة) وسلطاتها القضائية وطريقة عملها.
إن الخطوات التي ذكرتها هي جزء من مجهودات عامة تبذلها الحكومة من أجل تأسيس مجتمع إسلامي، ومن أجل تحقيق هذا الغرض يتوجب علينا إزالة الآثار غير الإسلامية من طريقة حياتنا واقتصادنا ومن نظامنا الشرعي والتربوي والثقافي، وتحول كل ذلك إلى نظم تستل من تعاليم الإسلام.
اليوم نتخذ الخطوة العملية نحو مصيرنا الفكري الذي حدده المسلمون تحت قيادة القائد الأعظم الحكيمة منذ ٣٨ عاما مضت.
وأوجد - بفضل الله تعالى - الجو الملائم اليوم لنظام الإسلام؛ ولذلك فإن كل الخطوات صغيرها وكبيرها ستكون بهذا الاتجاه، وإن كل الحكومات الحالية وفي المستقبل ستسير بهذا الطريق لتحقيق نفس الغرض، ولأن مصيرنا كان نظام الإسلام فان مصيرنا الآن وفي المستقبل هو نظام الإسلام أيضا..
عاش نظام الإسلام.. عاشت باكستان..
تعليق المجلة:
стр. 8072
خطاب رئيس دولة باكستان الإسلامية نقدمه للمسلمين بعامة وحكامهم بخاصة.. آملين أن يكون الإيمان بصلاحية الإسلام نظاما ومنهج حياة ودستور أمة هو المنطلق لبناء الخطوات التي يمكن أن تحول واقع الأمة الإسلامية من واقع يعيد على الإسلام إلى واقع مستمد من الإسلام ومنطلق منه.
وقد يختلف الناس على الخطوات التي يمكنها تغيير هذا الواقع باختلاف بلدانهم ومدى قرب عاداتهم ونفسياتهم من الإسلام، ولكنهم لا يختلفون على الأسس والأهداف التي ينبني هذا الواقع عليها؛ لأنها مأخوذة من الكتاب والسنة.
ويمكننا أن نستفيد من خطوات باكستان ومن الخطوات المطروحة والتي يمكن أن تطرح، والمهم هو إخلاص النوايا لله والاتجاه إليه والسعي لإعلاء كلمته في الأرض.. ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾ .. صدق الله العظيم..
"أسر ة التحرير"
стр. 8073
برقية من عبد العزيز بن عبد الله بن باز
إلى حضرة الأخ المكرم:
رئيس تحرير مجلة الجامعة الإسلامية.. المحترم.
سلام عليكم ورحمة الله وبركاته وبعد..
نبعث إليكم مع هذا صورة من البرقية المرسلة منا إلى فخامة رئيس الحكومة الباكستانية محمد ضياء الحق، المتضمنة التهنئة ببدء العمل بأحكام الإسلامية.. أرجو نشرها في (مجلتكم) ؛ إشادة بالحق وانتصارا له.. وفقكم الله لكل خير.. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته..
الرئيس العام
لإدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد
ورئيس المجلس الأعلى العالمي للمساجد
فخامة رئيس حكومة باكستان الإسلامية/ محمد ضياء الحق.. نصر الله به دينه..
سلام عليكم ورحمة الله وبركاته..
لقد سمعنا ما تناقلته الإذاعات والصحف من إعلان فخامتكم تحكيم الشريعة الإسلامية في باكستان؛ فسرنا ذلك كثيرا كما سرّ كل مسلم على وجه الأرض، وإنه ليسرني أن أعرب لفخامتكم عن شكري وعظيم تقديري لهذا العمل الجليل الذي يرضاه الله ورسوله ويرضاه كل مسلم، وهو الواجب عليكم وعلى جميع حكام المسلمين.
فجزاكم الله خيرا وأمدكم بتوفيقه ونصركم ونصر الحق بكم.
وأنا وجميع المسلمين نشارك الشعب الباكستاني بالفرحة العظيمة والسرور البالغ بهذا النبأ العظيم الذي أنشئت من أجله الباكستان، ولم يزل أبناؤها المخلصون ينتظرون ذلك ويبذلون في تحقيقه كل ما أمكنهم من الوسائل حتى يسره الله على يد فخامتكم؛ مهنئا لكم بهذه المنحة العظيمة والنعمة الكبرى.
ويحق لنا جميعا أن نفرح بذلك ونسر به ونشكر الله عليه؛ عملا بقوله الله سبحانه: ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾ ..
стр. 8074
فسيروا على بركة الله! والله ناصركم ومؤيدكم ما دمتم تنصرون دينه وتحكمون شريعته كما قال الله سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾ ، وقال : ﴿وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ، الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الأُمُورِ﴾ .. ولا شيء أحسن من حكم الله العالم بأحوال عباده ومصالحهم في العاجل والآجل، كما قال : ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْماً لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ .
وفقكم الله وثبتكم على الحق.. وأكثر أعوانكم فيه.. إنه سميع قريب..
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته..
الرئيس العام
لإدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد
عبد العزيز بن عبد الله بن باز
стр. 8075
تدوين السنة ومنزلتها
لفضيلة الدكتور عبد المنعم نجم
الأستاذ المساعد بكلية الحديث
بالجامعة الإسلامية
نريد بسنة رسول الله ﷺ مجموع ما صدر عنه من قول أو فعل أو تقرير، ولا شك أن رسول الله مبلغ عن الله ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ﴾ [١] ، ومبين عن الله مراده ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [٢] ؛ فكان رسول الله ﷺ يبين ما أراد القرآن أحيانا بالقول وحده، وأحيانا بالفعل وحده، وأحيانا بهما، كما صلى وقال: "صلوا كما رأيتموني أصلي"، وحج وقال: "خذوا عني مناسككم"؛ فهي إذا شارحة للقرآن تبين مجمله وتقيد مطلقه، وتؤول مشكله، فليس في السنة شيء إلا والقرآن دلّ على معناه دلالة إجمالية، أو تفصيلة وتلك الدلالة من وجوه.
منها ما هو عام جدا، وهو ما ورد في القرآن من إيجاب اتباع الرسول صلى اله عليه وسلم، نحو قوله تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [٣] ، وقوله: ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ [٤] إلى غير ذلك من الآيات ومنها الوجه المشهور عند العلماء، كالأحاديث في بيان ما أجمل ذكره من الأحكام، إما يحسب كيفيات العمل أو أسبابه أو شروطه أو مواقعه أو لواحقه، أو ما أشبه ذلك، كبيانها للصلاة والزكاة وغير ذلك مما وقع في السنة بيانا للقرآن.
السنة من الوحي:
стр. 8076
السنة النبوية بالمعنى المتقدم - ما أضيف للنبي ﷺ من الأقوال والأفعال والتقريرات - هي أحد قسمي الوحي الإلهي الذي نزل به جبريل الأمين على النبي ﷺ ، والقسم الثاني من الوحي هو القرآن الكريم.
فالسنة النبوية من الوحي، بذلك نطق الكتاب العزيز ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى إِنْ هُوَ إلا وَحْيٌ يُوحَى﴾ [٥] ، وبذلك جاءت السنة نفسها؛ فقد روى أبو داود والترمذي وابن ماجه، عن المقدام بن معد يكرب أنه قال: قال رسول الله ﷺ : "ألا إني أوتيت الكتاب ومثله معه، ألا يوشك رجل شبعان على أريكته، يقول: عليكم بهذا القرآن فما وجدتم فيه من حلال فأحلوه وما وجدتم فيه من حرام فحرموه، ألا لا يحل لكم لحم الحمار الأهلي ولا كل ذي ناب من السبع ولا لقطة معاهد، إلا أن يستغني عنها صاحبها، ومن نزل بقوم فعليهم أن يقروه، فإن لم يقروه فله أن يعقبهم بمثل قراه" [٦] .
يقول المنذري في مختصر السنن: وأخرجه الترمذي وابن ماجه، وقال الترمذي: حسن غريب من هذا الوجه.
يقول الإمام الخطابي في معالم السنن: "قوله "أوتيت الكتاب ومثله معه" يحتمل وجهين من التأويل، أحدهما: أن يكون معناه: أنه أوتي من الوحي الباطن غير المتلو مثل ما أعطى من الوحي الظاهر المتلو.
ويحتمل أن يكون معناه: أنه أوتي الكتاب وحيا يتلى، وأوتي من البيان، أي أذن له أن يبين ما في الكتاب ويعم ويخص، وأن يزيد عليه فيشرح ما ليس له في الكتاب ذكر، فيكون ذلك في وجوب الحكم ولزوم العمل به كالظاهر المتلو من القرآن.
وقوله: "يوشك شبعان على أريكته يقول: عليكم بهذا القرآن" فانه يحذر بذلك مخالفة السنن التي سنها رسول الله ﷺ مما ليس له في القرآن ذكر، على ما ذهبت إليه الخوارج والروافض؛ فإنهم تعلقوا بظاهر القرآن وتركوا السنن التي قد ضمنت بيان الكتاب فتحيروا وضلوا.
стр. 8077
(والأريكة) : السرير، ويقال: إنه لا يسمى أريكة حتى يكون في حجلة [٧] .
وإنما أراد بهذه الصفة: أصحاب الترفه والدعة الذين لزموا البيوت، ولم يطلبوا العلم ولم يغدوا ولم يروحوا في طلبه في مظانه واقتباسه من أهله".
ثم يقول الخطابي: "وفي الحديث دليل على أنه لا حاجة بالحديث أن يعرض على الكتاب، وأنه مهما ثبت عن رسول الله ﷺ كان حجة بنفسه".
عرض الحديث على القرآن:
أما ما رواه بعضهم أنه قال: "إذا جاءكم الحديث فاعرضوه على كتاب الله؛ فان وافقه فخذوه وإن خالفه فدعوه" فإنه حديث باطل لا أصل له، وقد حكى زكريا بن يحي الساجي عن يحي بن معين أنه قال: هذا حديث وضعته الزنادقة.
ويقول الخطابي: "وقد روي هذا من حديث الشاميين، عن يزيد بن ربيعة عن أبى الأشعث عن ثوبان. ويزيد بن ربيعة هذا مجهول، ولا يعرف له سماع من أبي الأشعث، وأبو الأشعث لا يروي عن ثوبان وإنما يروي عن أبي أسماء الرحبي عن ثوبان". اهـ[٨] .
وعلى هذا فالسنة صنو الكتاب العزيز، والذي جاءنا بالقرآن هو الذي نطق بالسنة؛ فلا يستغنى بأحدهما عن الآخر، وروى أبو داود بسنده عن عبد الله بن أبى رافع عن أبيه ﵄ عن النبي ﷺ قال: "لا ألفين أحدكم متكئا على أريكته، يأتيه الأمر من أمري مما أمرت به أو نهيت عنه، فيقول: لا ندري ما وجدنا في كتاب الله اتبعناه".
قال المنذري: وأخرجه الترمذي وابن ماجه، وقال الترمذي: حسن، وذكر أن بعضهم رواه مرسلا [٩] . وروى الحافظ ابن عبد البر بسنده عن جابر قال: قال رسول الله ﷺ : "يوشك بأحدكم يقول: هذا كتاب الله ما كان فيه من حلال أحللناه وما كان فيه من حرام حرمناه، ألا من بلغه عني حديث فكذب به فقد كذب الله ورسو له والذي حدثه" [١٠] .
شرف علم الحديث:
стр. 8078
لا يختلف اثنان في أن علم الحديث أشرف علم بعد كتاب الله، كيف لا وهو المرتبة الثانية بعد القرآن، والمصدر الثاني للشريعة الإسلامية، نطق به الذي جاءنا بالقرآن من عند الله، المعطى جوامع الكلم المفوض إليه من الله أمر التبيين والتحصيل، روى أبو داود بسنده عن العرباض بن سارية.. فقال: صلى بنا رسول الله ﷺ ذات يوم ثم أقبل علينا، فوعظنا موعظة بليغة فقال: "أوصيكم بتقوى الله والسمع والطاعة، وإن عبد حبشي؛ فانه من يعش منكم بعدي فسيرى اختلافا كثيرا، فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء المهديين الراشدين؛ تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور؛ فإن كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة" [١١] .
قال الإمام الخطابي: "والنواجذ آخر الأضراس، واحدها: ناجذ، وإنما أراد بذلك الجد في لزوم السنة؛ فعل من أمسك الشيء بين أضراسه وعض عليه منعاً له أن ينتزع، وذلك أشد ما يكون من التمسك بالشيء، إذا كان ما يمسكه بمقاديم فمه أقرب تناولا وأسهل انتزاعا. وفي قوله: "عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين" دليل على أن الواحد من الخلفاء الراشدين إذا قال قولا وخالفه فيه غيره من الصحابة كان المصير إلى قول الخليفة أولى" [١٢] .
يقول الإمام النووي: "إن من أهم العلوم تحقيق معرفة الأحاديث النبويات، أعني معرفة متونها، صحيحها وحسنها وضعيفها وبقية أنواعها المعروفة، ودليل ذلك أن شرعنا مبني على الكتاب العزيز والسنن المرويات، وعلى السنن المحكمات، وقد اتفق العلماء على أن من شرط المجتهد من القاضي والمفتي أن يكون عالما بالأحاديث الحكميات، فثبت بما ذكرناه أن الاشتغال بالحديث من أجَلّ العلوم الراجحات وأفضل أنواع الخير وآكد القربات، وكيف لا يكون كذلك؟ وهو مشتمل على بيان أفضل المخلوقات، عليه من الله الكريم أفضل الصلوات والسلام والبركات الخ" [١٣] .
стр. 8079
ويقول العلامة الشهاب أحمد المنبتي الدمشقي الحنفي "إن علم الحديث علم رفيع القدر عظيم الفخر، شريف الذكر، لا يعنى به إلا كل حبر، ولا يحرمه إلا كل غمر، لا تفنى محاسنه على ممر الدهر، لم يزل في القديم والحديث يسمو عزة وجلالة، وكم عزّ به من كشف الله له مخبآت أسراره وجلاله؛ إذ به يعرف المراد من كلام رب العالمين، ويظهر المقصود من حبله المتصل المتين، ومنه يدرى شمائل من سما ذاتا ووصفا واسما، ووقف على أسرار بلاغة من شرف الخلائق عربا وعجما.
وناهيك بعلم من المصطفى ﷺ بدايته وإليه مستنده وغايته، وحسب الراوي للحديث مشرفا وفضلا وجلالة ونبلا، أن يكون أول سلسلة آخرها الرسول، وإلى حضرته الشريفة بها الانتهاء والوصول.
وطالما كان السلف يقاسون في تحمله شدائد الأسفار، ليأخذوه عن أهله بالمشافهة، ولا يقنعون بالنقل من الأسفار، فربما ارتكبوا غارب الإغتراب بالارتحال إلى البلدان الشاسعة لأخذ حديث عن إمام انحصرت روايته فيه، أو لبيان وضع حديث تتبعوا سنده حتى انتهى إلى من يختلق الكذب ويفتريه.
وتأسى بهم من بعدهم من نقلة الأحاديث النبوية؛ فضبطوا الأسانيد وقيدوا منها كل شريد، وسبروا الرواة بين تجريح وتعديل، وسلكوا في تحرير المتن أقوم سبيل، ولا غرض لهم إلا الوقوف على الصحيح من أقوال المصطفى وأفعاله، ونفي الشبهة بتحقيق السند واتصاله؛ فهذه هي المنقبة التي تتسابق إليها الهمم العوالي" [١٤] .
стр. 8080
وفي كتاب الخطة: "اعلم أن آنف [١٥] العلوم الشرعية ومفتاحها، ومشكاة الأدلة السمعية ومصباحها، ومبنى شرائع الإسلام وأساسها، ومستند الروايات الفقهية كلها، ومركز المعاملات ومحط حارها وقارها هو علم الحديث الشريف الذي تعرف به جوامع الكلم، وتنفجر منه ينابيع الحكم وتدور عليه رحى الشرع بالأسر، وهو ملك كل نهي وأمر، ولولاه، لقال: من شاء وخبط الناس خبط عشواء وركبوا متن عمياء.. وهو تلو كلام الله العلام، وثاني أدلة الأحكام ...
تم قال: وما الحق إلا فيما قاله ﷺ أو عمل به أو قرره أو أشار إليه أو تفكر فيه أو خطر بباله أو هجس في خلده واستقام عليه.
فالعلم في الحقيقة هو علم السنة والكتاب، والعمل بهما في كل إياب وذهاب، ومنزلته بين العلوم منزلة الشمس بين كواكب السماء، ومزية أهله على غيرهم من العلماء مزية الرجال على النساء ﴿ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ﴾ .
فياله من علم مزج بدمه الحق والهدى، ونيط بعنقه الفوز بالدرجات العلى.
وقد كان الإمام محمد بن علي بن الحسين ﵀ يقول: "إن من فقه الرجل بصيرته أو فطنته بالحديث". لقد صدق فإنه لو تأمل بالنظر العميق والفكر الدقيق، لعلم أن لكل علم خاصية تتحصل بمزاولته للنفس الإنسانية كيفية من الكيفيات الحسنة أو السيئة، وهذا العلم تعطي مزاولته صاحبه معنى الصحابة؛ لأنها في الحقيقة هي الإطلاع على جزئيات أحواله ﷺ ومشاهدة أوضاعه في العبادات والعادات كلها، وعند بعد الزمان يتمكن هذا المعنى بمزاولته في مدركة المزاول، ويرتسم في خياله بحيث يصير في حكم المشاهدة والعيان، وإليه أشار القائل بقوله:
أهل الحديث هموا أهل النبي وإن
لم يصحبوا نفسه أنفاسه صحبوا
ويروى عن بعض الصلحاء أنه قال: "أشد البواعث وأقوى الدواعي لي على تحصيل علم الحديث قال رسول الله ﷺ ".
стр. 8081
فالحاصل أن أهل الحديث - كثر الله سوادهم، ورفع عمادهم - لهم نسبة خاصة ومعرفة مخصوصة بالنبي صلى اله عليه وسلم لا يشاركهم فيها أحد من العالمين، فضلا عن الناس أجمعين؛ لأنهم الذين لا يزال يجري ذكر صفاته العليا وأحواله الكريمة وشمائله الشريفة على لسانهم". اهـ بتصرف [١٦] .
فضل نشر الحديث وروايته:
روى أبو داود بسنده عن زيد بن ثابت قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "نضر الله امرأ سمع منا حديثا فحفظه حتى بلغه؛ فرب حامل فقه إلى من هو أفقه منه، ورب حامل فقه ليس بفقيه" [١٧] .
قال المنذري: وأخرجه الترمذي والنسائي. وقال الترمذي: حديث حسن. وأخرجه ابن ماجه من حديث عبّاد والد يحيي عن زيد بن ثابت. اهـ[١٨] .
وروي: "نضر الله امرأ سمع مقالتي فحفظها ووعاها وأداها".
وفيه روايات عدة لهذا الحديث.
قال سفيان بن عيينة: "ليس من أهل الحديث أحد إلا في وجهه نضرة لهذا الحديث".
يقول الإمام الخطابي:"في قوله "نضر الله " معناه: الدعاء له بالنضارة وهي النعمة والبهجة، يقال بتخفيف الضاد وتثقيلها، وأجودهما التخفيف.
وفي قوله: "ربّ حامل فقه إلى من هو أفقه منه" دليل على كراهة اختصار الحديث لمن ليس بالمتناهي في الفقه؛ لأنه إذا فعل ذلك فقد قطع طريق الاستنباط والاستدلال لمعاني الكلام من طريق التفهم، وفي ضمنه وجوب التفقه والحث على استنباط معاني الحديث، واستخراج المكنون من سره". اهـ.
وقد قيل في قوله تعالى: ﴿يَوْمَ نَدْعُو كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ﴾ [١٩] ليس لأهل الحديث منقبة أشرف من ذلك؛ لأنه لا إمام لهم غيره ﷺ [٢٠] .
стр. 8082
وقد ورد في شرف الحديث وأصحابه، وفضل الإسناد وأربابه أخبار كثيرة؛ فمن ذلك حديث أسامة بن زبد رفعه: "بحمل هذا العلم من كل خلف عدوله؛ ينفون عنه تحريف الغالين وانتحال المبطلين وتأويل الجاهلين"، وهذا الحديث رواه من الصحابة علي وعمر وابن مسعود وابن عباس وجابر بن سمرة ومعاذ وأبو هريرة وأبو أمامة، وأورده ابن عدى من طرق كثيرة كلها ضعيفة، كما صرح به الدارقطني وأبو نعيم وابن عبد البر.
لكن يمكن أن يتقوّى بتعدد طرقه ويكون حسنا لغيره، كما جزم به العلائي.
وفيه تخصيص حملة السنة بهذه المنقبة العلية؛ لأنهم يحمون مشارع الشريعة ومتون الروايات من تحريف الغالين الذين غلوا في الدين، وتأويل الجاهلين بنقل النصوص المحكمة لرد المتشابه إليها.
قال النووي في أول تهذيبه: "وهذا إخبار منه ﷺ بصيانة هذا العلم بحفظه، وعدالة ناقليه، وأن الله يوفق في كل عصر خلقا من العدول يحملونه وينفون عنه التحريف فلا يضيع، وهذا تصريح بعدالة حامليه في كل عصر، وهكذا وقع، وهو من أعلام النبوة، ولا يضر كون بعض الفساق يعرف شيئا من علم الحديث؛ فان الحديث إنما هو إخبار بأن العدول يحملونه لا أن غيرهم لا يعرف شيئا". اهـ.
على أنه قد يقال: ما يعرفه الفساق من العلم ليس بعلم؛ لعدم عملهم". اهـ[٢١] .
وقال العراقي: "قال ابن عبد البر: كل حامل علم معروف العناية به فهو عدل محمول في أمره أبدا على العدالة حتى يتبين جرحه، واستدل على ذلك بحديث رواه من طريق أبي جعفر العقيلي من رواية ابن رفاعة السلامي عن إبراهيم بن عبد الرحمن العذري، قال: قال النبي ﷺ : "يحمل هذا العلم من كل خلف عدوله ...به" أورده العقيلي في الضعفاء في ترجمة معان بن رفاعة، وقال: لا يعرف إلا به، ورواه ابن أبي حاتم في مقدمة الجرح والتعديل.
стр. 8083
وفي كتاب علل الحلال: أن أحمد بن حنبل سئل عن هذا الحديث فقيل له: كأنه كلام موضوع؟ فقال: لا هو صحيح؟ فقيل له: ممن سمعته؟ قال: عن غير واحد ...الخ " [٢٢] .
وكان عمر بن الخطاب ﵁ يقول: "سيأتي قوم يجادلونكم بشبهات القرآن فخذوهم بالسنن؛ فإن أصحاب السنن أعلم بكتاب الله [٢٣] .
تدوين الحديث وأطواره منذ فجر الإسلام حتى عصر أصحاب الصحاح الستة
لما كان الحديث من أصل الفروض وجب الاعتناء به، والاهتمام بضبطه وحفظه؛ فلذلك يسر الله للعلماء الثقات الذين حفظوا قوانينه وأحاطوا به؛ فتناقلوه كابرا عن كابر، وأوصله كما سمعه أولهم إلى أخرهم، وحببه الله إليهم لحكمه حفظ دينه وحراسة شريعته؛ فلم يزل هذا العلم من عهد الرسول ﷺ غضا طريا، والدين محكم الأساس قوي البنيان.
أشرف العلوم وأجلها لدى الصحابة والتابعين، وتابعي التابعين خلفا عن سلف، لا يشرف بينهم أحد بعد حفظ كتاب الله إلا بقدر ما يحفظ منه، ولا يعظم في النفوس إلا بحسب ما سمع من الأحاديث؛ فتوفرت الرغبات فيه، فما زال لهم من لدن رسول الله ﷺ إلى أن انقطعت الهمم شغف على تعلمه، حتى لقد كان أحدهم يرحل المراحل ذوات العدد ويفني الأموال والعدد ويقطع الفيافي والمفاوز، ويجوب البلاد شرقا وغربا في طلب حديث واحد يسمعه من راويه؛ فمنهم من يكون الباعث له على الرحلة طلب ذلك الحديث لذاته، ومنهم من تقترن بتلك الرغبة سماعه من ذلك الراوي بعينه إما لثقته في نفسه، وإما لعلو إسناده؛ فانبعثت العزائم إلى تحصيله.
وكان اعتمادهم أولا على الحفظ والضبط في القلوب، غير ملتفتين إلى ما يكتبونه محافظة على هذا العلم، كحفظهم كتاب الله، ولا معولين على ما يسطرونه وذلك لسرعة حفظهم وسيلان أذهانهم.
стр. 8084
فلما انتشر الإسلام واتسعت الأمصار، وتفرقت الصحابة في الأقطار، وكثرت الفتوحات، ومات معظم الصحابة وتفرقت أصحابهم وأتباعهم وقلّ الضبط، وكاد الباطل يلتبس بالحق احتاج العلماء إلى تدوين الحديث وتقييده بالكتابة؛ لأنها الأصل، فإن الخاطر يغفل، والقلم يحفظ؛ فمارسوا الدفاتر وسايروا المحابر وعقدوا العزم وأجابوا في نظم قلائده أفكارهم، وأنفقوا في تحصيله أعمارهم، واستغرقوا في تقييدهم ليلهم ونهارهم، فأبرزوا تصانيف كثرت صنوفها، ودونوا دواوين ظهرت شفوفها؛ فاتخذها العالمون قدوة، ونصبها العارفون قبلة.
الحديث على عهد النبي ﷺ :
بعث النبي ﷺ والعرب في جهالة جهلاء وضلالة عمياء موروثة عن ذي قبل، فكان من رحمة الله بهم وبالإنسانية جمعاء أن أرسل فيهم رسولا من أنفسهم يتلوا عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة.
والرسول هو محمد ﷺ ، أشرف الناس نسبا وأكرمهم أما وأبا وأصلا ومحتدا.
стр. 8085
ومن الحكمة البالغة أن بدأ بالدعوة سرا حتى لا يفجأ القوم بها، خاصة وهم غارقون في جهلهم يتخبطون في غيهم، فتبعه أفراد قلائل، لا يتجاوز عددهم أصابع اليد، ثم جهر بالدعوة إلى الله؛ فدخل في الدين خلق كثير، دخلوا الإسلام عن بينة من أمره، واستمعوا إلى كتاب ربهم وسنة نبيهم، فخالطت أنوار الإيمان قلوبهم، لا سيما وهم متعطشون إلى ما ينقذهم من ظلمات الشرك ويهديهم إلى صراط مستقيم؛ فصادف الإسلام قلوبا مستعدة متهيأة فتمكن فيها كل التمكن، وجرى الإيمان فيهم مجرى الدم في عروقهم، ذلك أنهم عرفوا من النبي ﵇ أن هذا الدين هو طريق سعادتهم ومعقد عزهم وسبب نهضتهم وتقدمهم، فعقدوا عليه خناصرهم، وأحبوا رسول الله حبا يسمو على الأبناء والآباء، وانكبوا على ما جاءهم به من القرآن يحفظونه، وعلى ما حدثهم في بنائه العظيم بعد القرآن الكريم، كما علموا أمر الله باتباعها، وتحذيره الشديد من مخالفة أمره، اعتقدوا هذا بقلوبهم ووضعوه نصب أعينهم.
ملكت الآيات والأحاديث على الصحابة مشاعرهم، وسيطرت على ألبابهم وحواسهم، وأفسحت قلوبهم حبا لله ورسوله ﵇، وألهبت نفوسهم نشاطا نحو العلم والعمل؛ فلم يدخروا وسعا في حفظ الأحكام والسن.
وإلى جانب هذه الحمية الدينية، استعداد فطري ونشاط طبيعي هو استعداد الحافظة ونشاط الذاكرة وسرعة الخاطر ووفرة الذكاء وكمال العبقرية.
فالصحابة عرب خلص أميون لا يقرؤون ولا يكتبون، فكل اعتمادهم على ملكاتهم في الحفظ، واعتبر ذلك بحالهم في الجاهلية، فقد حفظوا أنساهم ومناقبهم وأشعارهم وخطبهم، وكثيرا ما كانت تقع بينهم المفاخرة المفاخرة بالأنساب والأحساب فلا يسعفهم غير اللسان يثيرون به ما حفظوه من أخبارهم، وأخبار خصومهم، مما يرفع من شأن أعدائهم.
стр. 8086
ساعدهم حبهم للتفاخر بالأحساب والأنساب، والتنابز والمثالب بالألقاب، مع ما رسخ فيهم من عصبية قبلية على إجادة الحفظ والضبط ونشاط في الذاكرة لم يتوفر لأمة من الأمم؛ فكانت هذه الصدور الحافظة مهدا لآي الذكر الحكيم، وكانت هذه القلوب الواعية أوعية لحديث النبي ﷺ ، فاندفع الصحابة إلى تلقي حديث رسول الله بنهم عظيم وشوق كبير، وأظهر الله بهم دينه على الدين كله.
وتظاهر العامل الروحي والعامل الفطري؛ فأتى القوم بما لم يأت به أمة من يوم أن بعث الله رسله إلى الخلق، فحفظوا كتاب ربهم وسنة نبيهم.
الطريقة التي تلقى الصحابة بها الحديث عن النبي ﷺ :
لم يكن في أصحاب رسول الله ﷺ من يجيد الكتابة إلا نفر قليل؛ فقد كانت الأمية غالبة عليهم، فكان اعتمادهم في تلقي الحديث عنه ﷺ على استعدادهم في الحفظ، كما أنهم نهوا عن كتابة الحديث في بدء الأمر خوف اختلاطه بالقرآن الكريم، وكان الصحابة يتلقون الحديث عن النبي ﷺ إما بطريقة المشافهة، وإما بطريقة المشاهدة لأفعاله وتقريراته، وإما بطريق السماع ممن سمع منه ﷺ ، أو شاهد أفعاله وتقريراته؛ لأنهم لم يكونوا جميعا يحضرون مجالسه ﷺ ، بل كان منهم من يتخلف لبعض حاجاته.
كتابة الحديث في عهد النبي ﵇:
стр. 8087
تقدم أن الصحابة قد اعتمدوا على الحفظ في تلقي ما يأتيهم به النبي ﷺ ، وزعم البعض أن قلة التدوين على عهد رسول الله ﷺ تعود بالدرجة الأولى إلى ندرة وسائل الكتابة، وأنا لست مع من يقول بذلك؛ لأنها لم تكن قليلة إلى هذا الحد الذي يبالغ فيه، وهي - على كل حال - قلة نسبية، قد تكون أحد العوامل في ترك كتابة الحديث، ولكنها بلا ريب ليست العامل الوحيد، فما منعت ندرة هذه الأدوات صحابة الرسول ﷺ من تجشم المشاق وركوب الصعاب في كتابة القرآن كله في اللخاف والعسب والأكتاف والأقناب وقطع الأديم، ولو أنهم أرادوا تدوينه مثل القرآن لفعلوا، ولكن الصحابة بتوجيه من نبيهم ومن تلقاء أنفسهم كانوا منصرفين إلى تلقي القرآن، مشغولين بجمعه في الصدور والسطور، وكان كتاب الله يستغرق جل أوقاتهم، كما يملك عليهم مشاعرهم، وحديث رسول الله حينئذ أكثر من أن يحصوه، فله في كل حادثة قول، وفي كل استفتاء توضيح، وفي كثير من الوحي القرآني تبيان وتفسير، فأنى للكتبة منهم الوقت لمتابعة الرسول ﵇ في كتابة جميع ما يقوله أو يعمله أو يقر الناس عليه، خاصة وأن الكاتبين منهم قليل.
ومع ذلك قام بعض هؤلاء الكاتبين بتقيد جميع ما سمعه ورآه من النبي ﷺ ، وأقرهم على ذلك حين أمن التباس السنة بالقرآن، على حين كتب أفراد آخرون أشياء قليلة، وظل سائرهم بين قارئ كاتب لكنه مشغول بالقرآن شغلا لا يتيح له كتابة الحديث، فغدا يسمعه من الرسول ﷺ ويعمل به ولا يجد الحاجة لتقييده، وبين أمي يحفظ من القرآن والحديث ما تيسر له في صدره، وهو ما كان عليه أكثر الصحابة في بدء الإسلام ومطلع فجره.
стр. 8088
وانصرف الصحابة إلى القرآن جمعا له في الصدور والسطور، واشتغالهم به عن كل شئ سواه كان جزءا من التوجيه النبوي الحكيم لهؤلاء التلامذة الخالدين من الأميين والكاتبين، وهو توجيه متدرج مع الحياة والأحياء متطور مع الأحداث التي تعاقبت على المجتمع الإسلامي، فما كان لهذا التوجيه أن يجمد على صورة واحدة، بل روعي فيه الزمان، وروعيت الأشخاص.
فنهى الرسول ﷺ عن كتابة الأحاديث أول نزول الوحي مخافة التباس أقواله وشروحه وسيرته بالقرآن، ولا سيما إذا كتب هذا كله في صحيفة واحدة مع القرآن. [٢٤]
وقال: "لا تكتبوا عني، ومن كتب عني غير القرآن فليمحه، وحدثوا عني ولا حرج، ومن كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده من النار" [٢٥] .
الصحف المكتوبة في عهد النبي ﷺ :
ثم أذن بذلك إذنا عاما حين نزل أكثر الوحي وحفظه الكثيرون، وأمن اختلاطه بسواه، فقال ﵊: "قيدوا العلم بالكتاب" [٢٦] .
من المؤكد أن بعض الصحابة كتبوا طائفة من الأحاديث في حياته ﷺ ، ومنهم من كتبها بإذن خاص من النبي ﷺ .
من تلك الصحف: صحيفة سمرة بن جندب (٦٠هـ) ، كان قد جمع أحاديث كثيرة في نسخة كبيرة ورثها ابنه سليمان ورواها عنه، وهي التي يقول فيها ابن سيرين: في رسالة سمرة إلى بنيه علم كثير.
стр. 8089
ومن أشهر الصحف المكتوبة في العصر النبوي (الصحيفة الصادقة) التي كتبها جامعها عبد الله بن عمرو بن العاص من رسول الله ﷺ ، وقد اشتملت على ألف حديث، كما يقول ابن الأثير [٢٧] ، ومحتواها محفوظ في مسند أحمد بن حنبل [٢٨] ، حتى ليصح أن نصفها بأنها أصدق وثيقة تاريخية تثبت كتابة الحديث على عهده صلوات الله عليه، وهذه الوثيقة كانت نتيجة محتومة لفتوى النبي ﷺ لعبد الله بن عمرو وإرشاده الحكيم له؛ فقد جاء عبد الله يستفتي رسول الله ﷺ في شأن الكتابة قائلا: أكتب كل ما أسمع؟ قال: "نعم"، قال: في الرضا والغضب؟ قال: "نعم؛ فإني لا أقول في ذلك إلا حقا".
وسأذكر الحديث فيما بعد، والذي يظهر لي أنه لا بد أن يكون عبد الله بن عمرو قد أخذ في كتابة الحديث بعد هذه الفتوى الصريحة من الرسول الكريم، وتلك الصحيفة الصادقة كانت ثمرة هذه الفتوى، وآية اشتغال عبد الله بن عمرو بكتابة هذه الصحيفة وسواها من الصحف أيضا قول أبي هريرة الصحابي الجليل: "ما في أصحاب رسول الله ﷺ أحد أكثر حديثا عنه مني إلا ما كان عبد الله بن عمرو؛ فإنه كان يكتب وكنت لا أكتب" [٢٩] .
وقد أتيح لمجاهد بن جبر (١٠٣هـ) أن يرى هذه الصحيفة عند صاحبها عبد الله بن عمرو [٣٠] ، وكان عبد الله بن عمرو - لشدة حرصه على هذه الصحيفة - لا يسمح لأعزّ الناس عليه بتناولها، ورؤية مجاهد لها لم تكن إلا عرضا؛ فإنه قال: "أتيت عبد الله بن عمرو؛ فتناولت صحيفة تحت مفرشه فمنعني، قلت: ما كنت تمنعني شيئا! قال: هذه الصحيفة الصادقة، فيها ما سمعت من رسول الله ﷺ ، ليس بيني وبينه أحد، إذا سلمت هذه وكتاب الله والوهط فلا أبالي علام كانت عليه الدنيا! والوهط أرض كان يزرعها" [٣١] .
стр. 8090
ولقد شاعت في عصر الصابة صحيفة خطيرة الشأن أمر النبي ﵇ نفسه بكتابتها في السنة الأولى للهجرة، فكانت أشبه (بدستور) للدولة الفتية الناشئة آنذاك في المدينة، وهي الصحيفة التي دون فيها كتاب رسول الله ﷺ حقوق المهاجرين والأنصار واليهود، ولفظ الكتابة صريح في مطلعها: "هذا كتاب محمد النبي رسول الله بين المؤمنين والمسلمين من قريش وأهل يثرب ومن تبعهم فلحق بهم وجاهد معهم أنهم أمة واحدة من دون الناس" [٣٢] . وقد تكررت فيها عبارة أهل هذه الصحيفة وغير ذلك من الصحف.
عصر الخلفاء الراشدين:
سار الأمر على ما تقدم، حتى إذا كان عهد الخلفاء الراشدين لم يتغير الحال، فقد كانت آراء هؤلاء الخلفاء في التشدد في الرواية والتورع عن الكتابة امتدادا لآراء إخوانهم الصحابة في عصر الرسول ﷺ ! فهذا أبو بكر يجمع بعض الأحاديث ثم يحرقها، يقول الذهبي بسنده: حدثني القاسم بن محمد قالت عائشة: جمع أبي الحديث عن رسول الله ﷺ ، وكانت خمسمائة حديث فبات ليلته يتقلب كثيرا، قالت فغمني فقلت: أتتقلب بشكوى أو لشيء يقلقك؟ فلما أصبح قال: أي بنية! هلمي الأحاديث التي عندك، فجئته بها فدعا بنار فحرقها، فقلت: لِم أحرقتها؟ قال: خشيت أن أموت وهي عندي فيكون فيها أحاديث عن رجل قد ائتمنته ووثقت، ولم يكن كما حدثني؛ فأكون قد نقلت ذاك فهذا لا يصح". اهـ[٣٣] .
وكان أبو بكر أول من احتاط في قبول الأخبار؛ فروى ابن شهاب عن قبيصة بن ذويب أن الجدة جاءت إلى أبي بكر تلتمس أن تورث، فقال:"ما أجد لك في كتاب الله شيئا، وما علمت أن رسول الله ﷺ ذكر لك شيئا، ثم سأل الناس فقام المغيرة فقال: حضرت رسول الله ﵇ يعطيها السدس، فقال له: هل معك أحد؟ فشهد محمد بن مسلمة بمثل ذلك، فأنفذه لها أبو بكر.
следующие страницы →