← Джавами‘

Джавами‘ · id 4473

مجلة الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (23 804 стр.). Показаны 8086–8125 · переход к 8091.

стр. 8086

ساعدهم حبهم للتفاخر بالأحساب والأنساب، والتنابز والمثالب بالألقاب، مع ما رسخ فيهم من عصبية قبلية على إجادة الحفظ والضبط ونشاط في الذاكرة لم يتوفر لأمة من الأمم؛ فكانت هذه الصدور الحافظة مهدا لآي الذكر الحكيم، وكانت هذه القلوب الواعية أوعية لحديث النبي ﷺ ، فاندفع الصحابة إلى تلقي حديث رسول الله بنهم عظيم وشوق كبير، وأظهر الله بهم دينه على الدين كله. وتظاهر العامل الروحي والعامل الفطري؛ فأتى القوم بما لم يأت به أمة من يوم أن بعث الله رسله إلى الخلق، فحفظوا كتاب ربهم وسنة نبيهم. الطريقة التي تلقى الصحابة بها الحديث عن النبي ﷺ : لم يكن في أصحاب رسول الله ﷺ من يجيد الكتابة إلا نفر قليل؛ فقد كانت الأمية غالبة عليهم، فكان اعتمادهم في تلقي الحديث عنه ﷺ على استعدادهم في الحفظ، كما أنهم نهوا عن كتابة الحديث في بدء الأمر خوف اختلاطه بالقرآن الكريم، وكان الصحابة يتلقون الحديث عن النبي ﷺ إما بطريقة المشافهة، وإما بطريقة المشاهدة لأفعاله وتقريراته، وإما بطريق السماع ممن سمع منه ﷺ ، أو شاهد أفعاله وتقريراته؛ لأنهم لم يكونوا جميعا يحضرون مجالسه ﷺ ، بل كان منهم من يتخلف لبعض حاجاته. كتابة الحديث في عهد النبي ﵇:

стр. 8087

تقدم أن الصحابة قد اعتمدوا على الحفظ في تلقي ما يأتيهم به النبي ﷺ ، وزعم البعض أن قلة التدوين على عهد رسول الله ﷺ تعود بالدرجة الأولى إلى ندرة وسائل الكتابة، وأنا لست مع من يقول بذلك؛ لأنها لم تكن قليلة إلى هذا الحد الذي يبالغ فيه، وهي - على كل حال - قلة نسبية، قد تكون أحد العوامل في ترك كتابة الحديث، ولكنها بلا ريب ليست العامل الوحيد، فما منعت ندرة هذه الأدوات صحابة الرسول ﷺ من تجشم المشاق وركوب الصعاب في كتابة القرآن كله في اللخاف والعسب والأكتاف والأقناب وقطع الأديم، ولو أنهم أرادوا تدوينه مثل القرآن لفعلوا، ولكن الصحابة بتوجيه من نبيهم ومن تلقاء أنفسهم كانوا منصرفين إلى تلقي القرآن، مشغولين بجمعه في الصدور والسطور، وكان كتاب الله يستغرق جل أوقاتهم، كما يملك عليهم مشاعرهم، وحديث رسول الله حينئذ أكثر من أن يحصوه، فله في كل حادثة قول، وفي كل استفتاء توضيح، وفي كثير من الوحي القرآني تبيان وتفسير، فأنى للكتبة منهم الوقت لمتابعة الرسول ﵇ في كتابة جميع ما يقوله أو يعمله أو يقر الناس عليه، خاصة وأن الكاتبين منهم قليل. ومع ذلك قام بعض هؤلاء الكاتبين بتقيد جميع ما سمعه ورآه من النبي ﷺ ، وأقرهم على ذلك حين أمن التباس السنة بالقرآن، على حين كتب أفراد آخرون أشياء قليلة، وظل سائرهم بين قارئ كاتب لكنه مشغول بالقرآن شغلا لا يتيح له كتابة الحديث، فغدا يسمعه من الرسول ﷺ ويعمل به ولا يجد الحاجة لتقييده، وبين أمي يحفظ من القرآن والحديث ما تيسر له في صدره، وهو ما كان عليه أكثر الصحابة في بدء الإسلام ومطلع فجره.

стр. 8088

وانصرف الصحابة إلى القرآن جمعا له في الصدور والسطور، واشتغالهم به عن كل شئ سواه كان جزءا من التوجيه النبوي الحكيم لهؤلاء التلامذة الخالدين من الأميين والكاتبين، وهو توجيه متدرج مع الحياة والأحياء متطور مع الأحداث التي تعاقبت على المجتمع الإسلامي، فما كان لهذا التوجيه أن يجمد على صورة واحدة، بل روعي فيه الزمان، وروعيت الأشخاص. فنهى الرسول ﷺ عن كتابة الأحاديث أول نزول الوحي مخافة التباس أقواله وشروحه وسيرته بالقرآن، ولا سيما إذا كتب هذا كله في صحيفة واحدة مع القرآن. [٢٤] وقال: "لا تكتبوا عني، ومن كتب عني غير القرآن فليمحه، وحدثوا عني ولا حرج، ومن كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده من النار" [٢٥] . الصحف المكتوبة في عهد النبي ﷺ : ثم أذن بذلك إذنا عاما حين نزل أكثر الوحي وحفظه الكثيرون، وأمن اختلاطه بسواه، فقال ﵊: "قيدوا العلم بالكتاب" [٢٦] . من المؤكد أن بعض الصحابة كتبوا طائفة من الأحاديث في حياته ﷺ ، ومنهم من كتبها بإذن خاص من النبي ﷺ . من تلك الصحف: صحيفة سمرة بن جندب (٦٠هـ) ، كان قد جمع أحاديث كثيرة في نسخة كبيرة ورثها ابنه سليمان ورواها عنه، وهي التي يقول فيها ابن سيرين: في رسالة سمرة إلى بنيه علم كثير.

стр. 8089

ومن أشهر الصحف المكتوبة في العصر النبوي (الصحيفة الصادقة) التي كتبها جامعها عبد الله بن عمرو بن العاص من رسول الله ﷺ ، وقد اشتملت على ألف حديث، كما يقول ابن الأثير [٢٧] ، ومحتواها محفوظ في مسند أحمد بن حنبل [٢٨] ، حتى ليصح أن نصفها بأنها أصدق وثيقة تاريخية تثبت كتابة الحديث على عهده صلوات الله عليه، وهذه الوثيقة كانت نتيجة محتومة لفتوى النبي ﷺ لعبد الله بن عمرو وإرشاده الحكيم له؛ فقد جاء عبد الله يستفتي رسول الله ﷺ في شأن الكتابة قائلا: أكتب كل ما أسمع؟ قال: "نعم"، قال: في الرضا والغضب؟ قال: "نعم؛ فإني لا أقول في ذلك إلا حقا". وسأذكر الحديث فيما بعد، والذي يظهر لي أنه لا بد أن يكون عبد الله بن عمرو قد أخذ في كتابة الحديث بعد هذه الفتوى الصريحة من الرسول الكريم، وتلك الصحيفة الصادقة كانت ثمرة هذه الفتوى، وآية اشتغال عبد الله بن عمرو بكتابة هذه الصحيفة وسواها من الصحف أيضا قول أبي هريرة الصحابي الجليل: "ما في أصحاب رسول الله ﷺ أحد أكثر حديثا عنه مني إلا ما كان عبد الله بن عمرو؛ فإنه كان يكتب وكنت لا أكتب" [٢٩] . وقد أتيح لمجاهد بن جبر (١٠٣هـ) أن يرى هذه الصحيفة عند صاحبها عبد الله بن عمرو [٣٠] ، وكان عبد الله بن عمرو - لشدة حرصه على هذه الصحيفة - لا يسمح لأعزّ الناس عليه بتناولها، ورؤية مجاهد لها لم تكن إلا عرضا؛ فإنه قال: "أتيت عبد الله بن عمرو؛ فتناولت صحيفة تحت مفرشه فمنعني، قلت: ما كنت تمنعني شيئا! قال: هذه الصحيفة الصادقة، فيها ما سمعت من رسول الله ﷺ ، ليس بيني وبينه أحد، إذا سلمت هذه وكتاب الله والوهط فلا أبالي علام كانت عليه الدنيا! والوهط أرض كان يزرعها" [٣١] .

стр. 8090

ولقد شاعت في عصر الصابة صحيفة خطيرة الشأن أمر النبي ﵇ نفسه بكتابتها في السنة الأولى للهجرة، فكانت أشبه (بدستور) للدولة الفتية الناشئة آنذاك في المدينة، وهي الصحيفة التي دون فيها كتاب رسول الله ﷺ حقوق المهاجرين والأنصار واليهود، ولفظ الكتابة صريح في مطلعها: "هذا كتاب محمد النبي رسول الله بين المؤمنين والمسلمين من قريش وأهل يثرب ومن تبعهم فلحق بهم وجاهد معهم أنهم أمة واحدة من دون الناس" [٣٢] . وقد تكررت فيها عبارة أهل هذه الصحيفة وغير ذلك من الصحف. عصر الخلفاء الراشدين: سار الأمر على ما تقدم، حتى إذا كان عهد الخلفاء الراشدين لم يتغير الحال، فقد كانت آراء هؤلاء الخلفاء في التشدد في الرواية والتورع عن الكتابة امتدادا لآراء إخوانهم الصحابة في عصر الرسول ﷺ ! فهذا أبو بكر يجمع بعض الأحاديث ثم يحرقها، يقول الذهبي بسنده: حدثني القاسم بن محمد قالت عائشة: جمع أبي الحديث عن رسول الله ﷺ ، وكانت خمسمائة حديث فبات ليلته يتقلب كثيرا، قالت فغمني فقلت: أتتقلب بشكوى أو لشيء يقلقك؟ فلما أصبح قال: أي بنية! هلمي الأحاديث التي عندك، فجئته بها فدعا بنار فحرقها، فقلت: لِم أحرقتها؟ قال: خشيت أن أموت وهي عندي فيكون فيها أحاديث عن رجل قد ائتمنته ووثقت، ولم يكن كما حدثني؛ فأكون قد نقلت ذاك فهذا لا يصح". اهـ[٣٣] . وكان أبو بكر أول من احتاط في قبول الأخبار؛ فروى ابن شهاب عن قبيصة بن ذويب أن الجدة جاءت إلى أبي بكر تلتمس أن تورث، فقال:"ما أجد لك في كتاب الله شيئا، وما علمت أن رسول الله ﷺ ذكر لك شيئا، ثم سأل الناس فقام المغيرة فقال: حضرت رسول الله ﵇ يعطيها السدس، فقال له: هل معك أحد؟ فشهد محمد بن مسلمة بمثل ذلك، فأنفذه لها أبو بكر.

стр. 8091

ومن مراسيل ابن أبي مليكة: أن الصديق جمع الناس بعد وفاة نبيهم؟ فقال: (إنكم تحدثون عن رسول الله أحاديث تختلفون فيها والناس بعدكم أشد اختلافا؛ فلا تحدثوا عن رسول الله شيئا، فمن سألكم فقولوا بيننا وبينكم كتاب الله؛ فاستحلوا حلاله وحرموا حرامه) . فهذا المرسل يدلك أن مراد الصديق التثبت في الأخبار والتحري، لا سداد باب الرواية، ألا تراه لما نزل به أمر الجدة ولم يجده في الكتاب كيف سأل عنه في السنة، فلما أخبره الثقة ما اكتفى حتى استظهر الثقة بثقة آخر، ولم يقل حسبنا كتاب الله كما تقول الخوارج". اهـ. وهذا عمر بن الخطاب لا يلبث أن يعدل عن كتابه السنن بعد أن عزم على تدوينها. عن عروة بن الزبير أن عمر بن الخطاب أراد أن يكتب السنن، فاستفتى أصحاب الني ﷺ في ذلك، فأشاروا عليه بأن يكتبنها، فطفق عمر يستخير الله فيها شهرا، ثم أصبح يوما وقد عزم الله له، فقال: إني كنت أريد أن أكتب السنن وإني ذكرت قوما كانوا قبلكم كتبوا كتبا فأكبوا عليها وتركوا كتاب الله، وإني والله لا أشوب كتاب الله بشيء أبدا [٣٤] . وفي رواية أخرى: أن عمر بن الخطاب أراد أن يكتب السنة، ثم بدا له أن يكتبها ثم كتب في الأمصار: من كان عنده شئ فليمحه [٣٥] . والخلفاء الراشدون لم يتشددوا في أمر الكتابة وحدها، بل بلغ بهم الورع أن راحوا يتشددون حتى في الرواية.

стр. 8092

وعمر بن الخطاب هو الذي سنّ للمحدثين التثبت في النقل، وربما كان يتوقف في خبر الواحد إذا ارتاب؛ فروى الجريري (سعيد ابن إياس) عن أبي نضرة عن أبي سعيد أن أبا موسى سلّم على عمر من وراء الباب ثلاث مرات، فلم يؤذن له فرجع، فأرسل عمر في أثره، فقال: لِم رجعت؟ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إذا سلم أحدكم ثلاثا فلم يجب فليرجع"، قال: لتأتيني على ذلك ببينة أو لأفعلن بك! فجاءنا أبو موسى منتقعا لونه ونحن جلوس فقلنا: ما شأنك، فأخبرنا وقال: فهل سمع أحد منكم؟ فقلنا: نعم كلنا سمعه، فأرسلوا معه رجلا منهم حتى أتى عمر فأخبره. أحب عمر أن يتأكد عنده خبر أبي موسى بقول صاحب آخر؟ ففي هذا دليل على أن الخير إذا رواه ثقتان كان أقوى وأرجح مما انفرد به واحد، وفي ذلك حض على تكثير طرق الحديث لكي يرتقي عن درجة الظن إلى درجة العلم؛ إذ الواحد يجوز عليه النسيان والوهم ولا يكاد يجوز ذلك على ثقتين لم يخالفهما أحد، وقد كان عمر من وجله أن يخطئ الصاحب على رسول الله ﷺ يأمرهم أن يقلوا الرواية عن نبيهم؛ لئلا يتشاغل الناس بالأحاديث عن حفظ القرآن اهـ. أقول: ومن هنا بدأ علم أصول الحديث أو مصطلح الحديث، وأنه نشأ مع الرواية فكانا توأمين ولدا وعاشا معا. فإذا رأينا كلا من أبي بكر وعمر - بعد هذا - يكتبان الحديث أو ينصحان بكتابته [٣٦] ، وأن كثيرا من كبار الصحابة في عصرهما كانوا كذلك ينصحون بالكتابة ويأمرون بها أمرا صريحا، أدركنا علة ذلك التشدد الذي وصفناه قبل، وثبت لنا - كما قال إسماعيل بن إبراهيم بن علية البصري (٢٠٠ هـ) أن الصحابة إنما كرهوا الكتابة لأن من كان قبلكم اتخذوا الكتب؛ فأعجبوا بها؛ فكانوا يكرهون أن يشتغلوا عن القرآن [٣٧] . وكما قال الخطيب البغدادي: "إن كراهة من كره الكتابة من الصدر الأول: إنما هي لئلا يضاهي بكتاب الله تعالى غيره، أو يشتغل عن القرآن بسواه" [٣٨] .

стр. 8093

رأي آخر: يقول الشيخ أبو بكر بن عقال الصقلي في فوائده على ما رواه ابن بشكوال: "إنما لم يجمع الصحابة سنن رسول الله صار الله عليه وسلم في مصحف كما جمعوا القرآن؛ لأن السنن انتشرت وخفي محفوظها من مدخولها، فوكل أهلها في نقلها إلى حفظهم، ولم يوكلوا من القرآن إلى مثل ذلك، وألفاظ السنن غير محروسة من الزيادة والنقصان كما حرص الله كتابه ببديع النظم الذي أعجز الخلق عن الإتيان بمثله؛ فكانوا في الذي جمعوه من القرآن مجتمعين، وفي حروف السنن ونقل نظم الكلام نصا مختلفين، فلم يصح تدوين ما اختلفوا فيه، ولو طمعوا في ضبط السنن كما اقتدوا على ضبط القرآن لما قصوا في جمعها، ولكنهم خافوا إن دونوا ما لا يتنازعون فيه أن يجعل العمدة في القول على المدوّن، فيكذبوا ما خرج عن الديوان فتبطل سنن كثيرة، فوسعوا طريق الطلب للأمة فاعتنوا بجمعها على قدر عناية كل واحد في نفسه، فصارت السنن عندهم مضبوطات، فمنها ما أصيب في النقل حقيقة الألفاظ المحفوطة عن رسول الله ﷺ ، وهي السنن السالمة من العلل، ومنها ما حفظ معناها ونسي لفظها، ومنها ما اختلفت الروايات في نقل ألفاظها، واختلف أيضا رواتها في الثقة والعدالة، وهي تلك السنن التي تدخلها العلل فاعتبر صحيحها من سقيمها أهل المعرفة بها على أصول صحيحة وأركان وثيقة لا يخلص منها طعن طعان ولا يوهنها كيد كائد". انتهى [٣٩] . حول النهي والإباحة: اختلف السلف من الصحابة والتابعين في الكتابة، فكرهها طائفة منهم لحديث أبي سعيد الخدري قال: "لا تكتبوا عني شيئا إلا القرآن، ومن كتب عني شيئا غير القرآن فليمحه" [٤٠] .

стр. 8094

قال القاضي عياض:"كان بين السلف من الصحابة والتابعين اختلاف كثير في كتابة العلم، فكرهها كثيرون منهم، وأجازها أكثرهم، ثم أجمع المسلمون على جوازها وزال الخلاف، ومن مليح قولهم في ذلك: يعيبون علينا أن نكتب العلم وندوّنه وقد قال الله : ﴿قَالَ عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي فِي كِتَابٍ لا يَضِلُّ رَبِّي وَلا يَنْسَى﴾ [٤١] . وجاء في الإباحة والنهي حديثان؛ فحديث النهي وهو ما رواه مسلم عن أبي سعيد: "لا تكتبوا عني الحديث"، وحديث الإباحة: "اكتبوا لأبي شاه" متفق عليه. روى أبو داود بسنده عن أبي سلمة بن عبد الرحمن قال: حدثني أبو هريرة قال: لما فتحت مكة قام النبي ﷺ ، فذكر الخطبة خطبة النبي قال: فقام رجل من أهل اليمن يقال له أبو شاه فقال: يا رسول الله! اكتبوا لي فقال: "اكتبوا لأبي شاه". وبيّن في الرواية الثانية: أنها الخطبة التي سمعها يومئذ منه [٤٢] . ورواه بن عبد البر بمثله [٤٣] . وروى أبو داود بسنده عن عبد الله بن عمرو، قال: كنت أكتب كل شئ أسمعه من رسول الله ﷺ أريد حفظه، فنهتني قريش وقالوا: أتكتب كل شيء تسمعه ورسول الله ﷺ بشر يتكلم في الغضب والرضا، فأمسكت عن الكتاب، فذكرت ذلك لرسول الله ﷺ فأومأ بأصبعه إلى فيه فقال: "أكتب فوالذي نفسي بيده ما يخرج منه إلا حق" [٤٤] . وقد تقدم حديث أبي هريرة "ليس أحد من أصحاب النبي ﷺ أكثر حديثا عنه مني إلا ما كان من عبد الله بن عمرو...الحديث [٤٥] .

стр. 8095

وقد اختلف في الجمع بينها وبين حديث أبي سعيد السابق، فقيل هو في حق من يوثق بحفظه ويخاف اتكاله على الكتابة إذا كتب، ويحمل الأحاديث الواردة بالإباحة على من لا يوثق بحفظه كحديث "اكتبوا لأبي شاه"، وحديث صحيفة علي ﵁ [٤٦] ، وحديث كتاب عمرو بن حزم الذي فيه الفرائض والسنن والديات، وحديث كتاب الصدقة ونصاب الزكاة الذي بعث به أبو بكر ﵁ أنسا حين وجهه إلى البحرين، وحديث أبي هريرة أن ابن عمرو ابن العاص كان يكتب ولا أكتب. وقيل إن حديث النهي منسوخ بهذه الأحاديث، وكان النهي حين خيف اختلاطه بالقرآن فلما أمن ذلك أذن في الكتابة، وقيل: إنما نهى عن كتابة الحديث مع القرآن في صحيفة واحدة لئلا يختلط فيشتبه على القارئ [٤٧] ؛ لأنهم كانوا يسمعون تأويل الآية فربما كتبوه معها فنهوا عن ذلك لخوف الاشتباه، وقيل: النهي خاص بوقت نزول القرآن خشية التباسه، والإذن في غيره [٤٨] . قال ابن القيم:"قد صحّ عن النبي ﷺ النهي عن الكتابة والإذن فيها، والإذن متأخر فيكون ناسخا لحديث النهي، وقد صحّ عن النبي أنه قال لهم في مرض موته: "إئتوني اللوح والدوار والكتف لأكتب لكم كتابا لا تضلوا بعده أبدا"وهذا كتابة كلامه بإذنه"اهـ[٤٩] . وقد قال ابن الصلاح: "ثم إنه زال ذلك الخلاف، وأجمع المسلمون على تسويغ ذلك وإباحته، ولولا تدوينه في الكتب لدرس في الأعصر الآخرة". ولقد صدق ﵀ [٥٠] . عصر التابعين وتابعيهم: وإذا انتقلنا إلى عصر التابعين هالتنا تلك الروايات المتضافرة على كراهة كبار التابعين وأوساطهم وأواخرهم للكتابة، ثم لا نلبث أن تجد كثيرا منهم يتساهلون في أمرها، يرخصون بها أو يحضون عليها، ونجدها أصبحت أمرا رسميا في عصر أوساطهم.

стр. 8096

والأسباب التي حملت الخلفاء الراشدين على الكراهة على التدوين، هي التي حملت التابعين عليها، فإذا بطلت أسباب هذه الكراهة قال الجميع قولا واحدا، وأخذوا به وأجمعوا عليه، وهو جواز كتابة العلم، بل وإيثار تقييده التشجيع عليه. هنا جاء دور الخليفة الورع التقي عمر بن عبد العزيز، حين أمر رسميا بالشروع في تدوين الحديث، إنما استند إلى آراء العلماء، ولعله لم يقدم على ذلك إلا بعد أن استشارهم أو اطمأن إلى تأييد كثرتهم، وإن كانت الأخبار المتضافرة توحي بتفرده في هذه الفكرة؛ لما له في القلوب من منزلة ولا سيما بين معاصريه الواثقين بتقواه وورعه. ويتضح من جملة الأخبار المروية في هذا الشأن أن خوف عمر عبد العزيز من دروس العلم وذهاب أهله هو الذي حمله على الأمر بالتدوين. التدوين العام للحديث: يقول الحافظ ابن حجر في مقدمته:"اعلم - علمني الله وإياك - أن آثار النبي ﷺ ، لم تكن في عصر أصحابه وكبار تبعهم مدوّنة في الجوامع ولا مرتبة لأمرين: أحدهما: أنهم كانوا في ابتداء الحال قد نهوا عن ذلك، كما ثبت في صحيح مسلم؛ خشية أن يختلط بعض ذلك بالقرآن العظيم. وثانيهما: لسعة حفظهم، ولأن أكثرهم كانوا لا يعرفون الكتابة". أقول: نفي كتابة الآثار المشار إليها، ليس على إطلاقه؛ فقد وجد من كتب أن عهد الني ﷺ وأقره بل طلب ﵇ أن يكتب كتابا لأصحابه، كما تقدم. فيحمل كلام ابن حجر على الكتابة العامة. يقول ابن حجر: "فأول من جمع ذلك الربيع بن صبيح (توفي ١٦٠ هـ) ، وسعيد بن أبي عروبة (١٥٦هـ) وغيرهما، وكانوا يصنفون كل باب على حدة، إلى أن قام كبار أهل الطبقة الثالثة؛ فدونوا الأحكام. فصنف الإمام مالك "الموطأ"وتوخى فيه القوي من حديث أهل الحجاز، ومزجه بأقوال الصحابة وفتاوى التابعين، ومن بعدهم (توفي ١٧٩ هـ) .

стр. 8097

وصنف أبو محمد عبد الملك بن عبد العزيز بن جريح بمكة (توفي ببغداد ١٥٠ وقيل: ١٥١) [٥١] ، وصنف أبو عمرو عبد الرحمن بن عمرو الأوزاعي بالشام (١٥٦هـ) ، وأبو عبد الله سفيان بن سعيد الثوري بالكوفة (توفي ١٦١ هـ) ، وحماد بن سلمة بن دينار أبو سلمة بالبصرة (نوفي ١٧٦هـ) ، ومعمر بن راشد باليمن (المتوفى ١٥٣هـ) ، وجرير بن عبد الحميد بالري (توفي ١٨٨هـ) ، وعبد الله بن المبارك بخراسان (المتوفى ١٨١هـ) . ثم تلاهم كثير من أهل عصرهم في النسج على منوالهم إلى أن رأى بعض الأئمة منهم أن يفرد حديث الني ﷺ خاصة، وذلك على رأس المائتين؛ فصنف عبيد الله بن موسى العبسي الكوفي مسندا (توفي ٢١٣هـ) ، وصنف مسدد بن مسرهد البصري مسندا، وصنف أسد بن موسى الأموي مسندا (توفي ٢١٢هـ) ، وصنف نعيم بن حماد الخزاعي نزبل مصر مسندا. ثم اقتفى الأئمة بعد ذلك أثرهم، فقلّ إمام من الحفاظ إلا وصنف حديثه على المسانيد؛ أحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه وعثمان بن أبي شيبة وغيرهم من النبلاء. ومنهم من صنف على الأبواب والمسانيد معا، كأبي بكر بن أبي شيبة. ولما رأى البخاري هذه التصانيف ورواها وجدها جامعة للصحيح والحسن، والكثير منها يشمله التضعيف؛ فحرك همته لجمع الحديث الصحيح، وقوى همته لذلك ما سمعه من أستاذه الإمام إسحاق بن راهويه حيث قال لمن عنده والبخاري فيهم: "لو جمعتم كتابا مختصرا لصحيح سنة رسول الله ﷺ "، قال البخاري: فوقع ذلك في قلبي وأخذت في جمع الجامع الصحيح". انتهى [٥٢] . يقول السيوطي: "وهؤلاء المذكورون في أول من جمع كلهم من أثناء المائة الثانية".

стр. 8098

وأما ابتداء تدوين الحديث فإنه وقع على رأس المائة في خلافة عمر بن عبد العزيز بأمره؛ ففي صحيح البخاري: "وكتب عمر [٥٣] بن عبد العزيز أبي أبي بكر بن حزم: انظر ما كان من حديث رسول الله ﷺ فاكتبه؛ فإني خفت دروس العلم وذهاب العلماء) ، وأخرجه أبو نعيم في تاريخ أصبهان بلفظ: "كتب عمر بن عبد العزيز إلى الآفاق: انظروا حديث رسول الله ﷺ فأجمعوه". قال في فتح الباري: "يستفاد من هذا ابتداء تدوين الحديث النبوي، ثم أفاد أن أول من دونه بأمر عم بن عبد العزيز ابن شهاب الزهري". اهـ[٥٤] . وأخرج الهروي في ذم الكلام من طريق يحيى بن سعيد، عن عبد الله بن دينار قال:"لم يكن الصحابة ولا التابعون يكتبون الأحاديث، إنما كانوا يؤدونها لفظا، ويأخذونها حفظا، إلا كتاب الصدقات" [٥٥] . والشيء اليسير الذي يقف عليه الباحث بعد الاستقصاء حتى خيف عليه الدروس وأسرع في العلماء الموت، أمر عمر بن عبد العزيز أبا بكر الحزمي، فيما كتب إليه: أن انظر ما كان من سنة أو حديث فاكتبه. وقال مالك في الموطأ رواية محمد بن الحسن: "أخبرنا يحي بن سعيد أن عمر بن عبد العزيز كتب إلى الأمصار إلى أبي بكر بن عمرو بن حزم [٥٦] به. علقه البخاري في صحيحه" [٥٧] . وروى عبد الرزاق عن ابن وهب، سمعت مالكا يقول: "كان عمر بن عبد العزيز يكتب إلى الأمصار يعلمهم السنن والفقه، ويكتب إلى المدينة يسألهم عما مضى، وأن يعملوا بما عندهم، ويكتب إلى أبي بكر بن حزم أن يجمع السنن، ويكتب بها إليه، فتوفي عمر بن عبد العزيز وقد كتب ابن حزم كتبا قبل أن يبعث بها إلينا ... "اهـ[٥٨] . وفي رواية أن عمر بن عبد العزيز، كتب إلى عامله على المدينة أبي بكر بن حزم يأمره: "..انظر ما كان من حديث رسول الله أو سنة ماضية، أو حديث عمرة [٥٩] فاكتبه"، وقد ضم إليها في بعض الروايات اسم القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق (١٠٧هـ) .

стр. 8099

وكلاهما من تلاميذ عائشة؛ فكانا أعلم الناس بأحاديثها عن رسول الله، ولقد قام أبو بكر بن حزم بما عهد إليه عمر، ولكن هذا الخليفة العظيم لحق بربه قبل أن يطلعه على نتائج سعيه، على أن عمر كان قد كتب إلى أهل الآفاق وإلى عماله في الأمصار بمثل ما كتب إلى ابن حزم [٦٠] . وكان أول من استجاب له في حياته وحقق له غايته عالم الحجاز والشام محمد بن مسلم بن شهاب الزهري المدني [٦١] الذي دون له في ذلك كتابا، فغدا عمر يبعث إلى كل أرض دفترا من دفاتره، وحق للزهري أن يفخر بعلمه قائلا: "لم يدون هذا العلم أحد قبل تدويني" [٦٢] . ويخيل إلى الباحث عندما يبلغ هذه المرحلة من الدراسة أن فكرة كره التدوين قد اختفت إلى الأبد، وأنها في هذا العصر بدأت تنسى. ومما تقدم يتبين لنا أن علماء التدوين قد طوفوا الدنيا كلها، وانتشروا في البلدان والأمصار وأحاطوا بها يجمعون ويكتبون في حركة نشطة دائبة يواصلون الليل بالنهار؛ ليسجلوا أجلّ وأخلد سجل عرفته البشرية على الإطلاق، على امتداد تاريخها الطويل، فبعد كتاب الله جندوا أنفسهم وأقلامهم ليدونوا مصدر شريعتهم، ومنبع عزهم الدائم. وأقول: إن رأي أكثر العلماء في ذلك العصر من التردد في شأن الكتابة، بين الفعل والترك يرجع الى أمرين: فالحرص على كلام رسول الله أن يضيع كالخوف عليه أن يشيع فيه غير الصحيح كانا عاملين كبيرين في توجيه العلماء نحو القول بكتابة الحديث تارة والنهى عنها تارة أخرى. وإذا كان أوساط التابعين قد بدءوا يحذرون وضع الوضاعين فان أواخر التابعين أمسوا يصادفون كثيرا من نماذج الوضاعين وصور وضعهم؛ تأييدا للفرق والشيع المختلفة، فقد أمسى لزاما أن يشيع التدوين وينتشر في عصرهم حفظا للنصوص النبوية من عبث العابثين، وميزة التدوين في هذا العصر أن الحديث كان ممزوجا غالبا بفتاوى للصحابة والتابعين، كما في موطأ مالك. خلاصة تدوين السنة

стр. 8100

يبدأ هذا الدور من أوائل القرن الثاني إلى آخر القرن الثالث، وكان هذا الدور عصرا مجيدا للسنة، فقد تنبه رواتها إلى وجوب تصنيفها وتدوينها، ومعنى تصنيفها ضم الأحاديث التي من نوع واحد في الموضوع بعضها إلى بعض كأحاديث الصلاة وأحاديث الصيام وما شاكل ذلك. وجدت هذه الفكرة في جميع الأمصار الإسلامية في أوقات متقاربة حتى لم يعرف من له فضيلة السبق إلى ذلك. ونستطيع أن نحدد هذا الدور بثلاثة أطوار: الطور الأول: فكان من مدوني الطور الأول من هذا الدور الإمام مالك بن أنس بالمدينة، وعبد الملك بن عبد العزيز بن جريج بمكة.. إلى آخر من تقدموا وتقدمت طريقتهم في التدوين أيضا. الطور الثاني: رأت طبقة ثانية بعد هؤلاء أن يفرد حديث رسول الله ﷺ عن غيره، وذلك على رأس المائتين؛ فألفوا ما يعرف بالمسانيد. والمسانيد من الكتب التي موضوعها جعل حديث كل صحابي على حدة صحيحا كان أو حسنا أو ضعيفا، وان اختلفت أنواعه، فتارة ترتب فيه أسماء الصحابة على حروف الهجاء، كما فعله غير واحد، وهذا أسهل تناولا، وتارة ترتب على أسماء القبائل؛ فيقدم بنو هاشم ثم الأقرب فالأقرب إلى رسوله الله ﷺ في النسب، وتارة ترتب على السابقة في الإسلام؛ فيقدم العشرة المبشرون بالجنة، ثم أهل بدر، ثم أهل الحديبية، ثم من أسلم وهاجر بين الحديبية والفتح، ثم من أسلم يوم الفتح، ثم أصاغر الصحابة سنا، ويختتم بالنساء. الطور الثالث: جاء بعد هذه الطبقة، طبقة أخرى رأت ما أمامها من هذه الثروة العظيمة، ففتح أمامها باب الاختيار، وفي طليعة هذه الطبقة الإمامان الجليلان شيخا السنة أبو عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري الجعفي المتوقي ٢٥٦هـ، ومسلم بن الحجاج النيسابوري المتوفي سنة ٢٦١هـ؛ صنفا صحيحها بعد أن دققا في الرواية والاختيار، فكان إليهما المنتهى في ذلك.

стр. 8101

وحذا حذوهما أبو داود سليمان بن الأشعث السجستاني (فارس الحلبة) المتوفى ٢٧٥ هـ، وأبو عيسى محمد بن عيسى السامي الترمذي المتوفى سنة ٢٧٩هـ، وأبو عبد الرجمن أحمد بن شعيب النسائي المتوفى سنة ٠٣ ٣، وأبو عبد الله محمد بن يزيد القزويني المعروف بأن ماجه توفي ٣٧٣هـ. وكتبهم هي المعروفة في لسان أهل الحديث بالكتب الستة، وقد حازت عند المسلمين من القرن الثالث إلى وقتنا هذا درجة عظيمة من الاعتبار؛ لما لهم في رواتها من الثقة العظمى. ليس هؤلاء هم الذين ألفوا في السنة فقط، بل وجد بجانبهم كثيرون سواهم، إلا أن هؤلاء هم الذين نالوا شهرة لم ينلها غيرهم. ونستطيع أن نقول: لم تدون السنة الصحيحة وحدها مرتبة على الأبواب إلا في أتباع أتباع التابعين، وعلى رأسهم أصحاب الصحاح الستة، وفي أواخر القرن الثالث انتهى أمر السنة وفي أثناء هذا الدور، حتى صارت علما مستقلا له رجال قصروا عليه بحثهم، ولا يخفى على عاقل أن هذا العصر لأجلّ عصور أهل الحديث وعلم السنة، وأسعدها بخدمة التأليف والتدوين، ففيه ظهر جهابذة المحدثين، وكبار المؤلفين وحذاق الناقدين وعقلاء المدققين وعمدة المحققين، وفيه ظهرت أنوار كتب السنة الستة، وأشرقت شموسها، حتى كادت لا تغادر من صحيح الحديث وحسنه إلا النذر اليسير، ومن ذلك اعتمد عليها المستنبطون، واعتضد بها المناظرون، وعول عليها المطالعون ورجع إليها المصنفون، وبهذا أخذ علماء الفقه أجمعون. وكاد يتم جمع الحديث وتدوينه وتأليفه وتهذيبه وترتيبه في هذا العصر المجيد: عصر إمامنا أبي داود السجستاني إمام أهل السنة، وحسبنا فخرا أن ننتهي بأطوار الحديث إلى طور الازدهار والاشتهار حيث وجد وأطل على الدنيا شمس المحدثين مالك زمام الحديث وطبيب علله أبو داود السجستاني، وفيه نشأ، فهو حبة عقده ﵀.

стр. 8102

أما المتأخرون في عصر الرواية فيكون عملهم - في نهاية المطاف - تهذيبا وشرحا واختصارا للكتب الصحيحة المشهورة. وهكذا مر الحديث النبوي بمراحل طويلة حتى وصل إلينا محررا مضبوطا. أين كانت الدراية في أثناء المراحل المتقدمة؟ سايرت الدراية - أو علوم الحديث - الرواية في جميع الأطوار المتقدمة ولم تنفك عنها، وآية ذلك تحذير النبي ﷺ من الكذب عليه، روى مسلم بسنده عن أنس بن مالك أنه قال: إنه ليمنعني أن أحدثكم حديثا كثيرا أن رسول الله ﷺ قال: "من تعمد علي كذبا فليتبوأ مقعده من النار" [٦٣] . وفي الباب أحاديث كثيرة. وما موقف أبي بكر وعمر، وحضهما على تكثير طرق الحديث لكي ترتقي عن درجة الظن إلى درجة العلم إلا دليلا على ذلك. وقد تقدم. ولكن فروعه لم تتشعب في عهد الصحابة؛ لثقتهم وعدالتهم، ولأنهم حملة الشريعة وتلاميذ النبي ﷺ . وظل الأمر كذلك في عهد كبار التابعين، وبدأ أوساطهم يحذرون من الكذابين، ولكن ظهرت الفرق والشيع المختلفة ووجد من يؤيدهم، صادف أواخر التابعين نماذج من الوضاعين، ومن هنا دوّن الحديث وعلومه حفظا للنصوص النبوية من عبث العابثين. وعلم من تعريف الحديث دراية أن واضعه هو ابن شهاب الزهري؛ فيكون ندا لعلم الحديث رواية.

стр. 8103

ولذلك وجد في دور تدوين السنة رجال كان همهم البحث عن حال رواة الحديث من التابعين فمن بعدهم، ووصف كل رجل منهم بما يستحق من ضبط وإتقان وعدالة أو أضدادها، ويعرفون برجال الجرح والتعديل، فمن عدلوه قبلت روايته، ومن جرحوه ترك حديثه، وقد يختلفون في ذلك الشأن نجد من الرواة من أجمع على تعديله وضبطه وإتقانه، وذلك هو الغاية العليا، ومنهم من أجمع على تركه وذلك هو الغاية الدنيا، وبين ذلك درجات بعضها أدني من بعض، ومن الأسانيد ما هو كالشمس في الإشراق حتى يكاد سامعه يقطع بصدق رواته، ومنها ما هو دون ذلك. قال الذهبي:"أول من زكى وجرح من التابعين - وإن كان قد وقع ذلك قبلهم - الشعبي وابن سيرين [٦٤] ، حفظ عنهما توثيق أناس وتضعيف آخرين، وسبب قلة في التابعين قلة متبوعهم من الضعفاء؛ إذ أكثر المتبوعين صحابة عدول، وأكثر المتبوعين في عصر الصحابة ثقات، ولا يكاد يوجد في القرن الأول الذي انقرض فيه الصحابة وكبار التابعين إلا الواحد، كالحارث الأعور [٦٥] والمختار الكذاب، فلما مضى القرن ودخل الثاني كان في أوائلهم من أوساط التابعين جماعة من الضعفاء الذين شعفوا غالبا من قبل تحملهم وضبطهم الحديث، فتراهم يرفعون الموقوف ويرسلون كثيرا، ولهم غلط، كأبي هارون العبدي. فلما كان عند آخر عصر التابعين - وهو حدود الخمسين ومائة - تكلم في التوثيق والتضعيف أئمة" [٦٦] .

стр. 8104

ويوضح الذهبي في موقع آخر أن علم مصطلح الحديث اشتغل به كبار التابعين، يقول في علم الحديث ولا رأيت أهل الحديث فأوائلهم كان لهم شيخ عالي الإسناد بينه وبين الله تعالى واحد معصوم عن معصوم سيد البشر عن جبريل عن الله ، فطلبه مثل أبي بكر وعمر وابن مسعود وأبي هريرة الحافظ وابن عباس وسادة الناس طالت أعمارهم وعلا سندهم وانتصبوا للرواية الرفيعة، فحمل عنهم، مثل مسروق وابن المسيب والحسن البصري وعروة وأشباههم من أصحاب الحديث وأرباب الرواية والدراية والصدق والعبادة والإتقان والزهادة الذين من طلبتهم مثل الزهري وقتادة ... الخامس [٦٧] . مراحل الدراية تقدم أن السنة كانت محفوظة في صدور العدول الأمناء، لا يعرف مكانها دس أو تغيير، ومن ذلك فقد كانت من بعض الصحابة وكبار التابعين رحلات إلى بعض البلدان لطلب الخبر وسماعه ممن سمع أو انفرد برواية؛ ومضت المائة، فكل رواة السنة إما صحابي عدل ضابط وإما تابعي كبير ثقة يتحرى الصدق ويتشدد في الرواية، إلا ما كان من اليسير الذي يقع لبعضهم من الأوهام والأخطاء. ومع ذلك فقد تكلم الرواة من الصحابة جماعة منهم، ونقدوا بعض ما روى عنهم، فتكلم ابن عباس وأنس بن مالك والسيدة عائشة، وتكلم من كبار التابعين الشعبي وابن المسيب وابن سيرين وغيرهم، وكان القول منهم في الرجل الواحد بعد الرجال لقلة الضعفاء ذلك العصر.

стр. 8105

ولما كانت أوائل المائة الثاني وعصر أوساط التابعين بعد الخمسين والمائة - وفيها كان أتباع التابعين، وظهرت الفرق السياسية وانتشرت النحل والعصبية، وزاحمت الثقافات الأعجمية المعارف الشرعية، وظهر من يتعمد الكذب، ترويجا لبدعته وانتصارا لمذهبه ونحلته - فاضطر العلماء الجهابذة من علماء الجرح والتعديل إلى اتساع النظر والاجتهاد في التفتيش عن الرواة ونقد الأسانيد, فتكلم شعبة ومالك ومعمر، ثم ابن المبارك وابن عيينة، ثم يحي بن سعيد القطان وتلامذته كعلي بن المدني ويحي بن معين. وتكلم من علماء المائة الثالثة أحمد بن حنبل، وما نقله تلاميذه في أسئلتهم له ومحاورتهم معه، ومن أعظم ثمرات تلك المحاورات كتاب المسائل التي وجهها إليه تلميذه أبو داود السجستاني، فهو جامع شامل نافع، وأيضا رسالة أبي داود السجستاني إلى أهل مكة في ببان طريقته في سننه الشهيرة، وتعليقاته على أحاديثها التي تعتبر النواة لعلوم الحديث، وما كتبه تلميذ أبي داود أبو عيسى الترمذي الحافظ في كتابه "العلل المفرد"في آخر جامعه، وما بثه في الكلام على أحاديث جامعه في طيات الكتاب من تصحيح وتضعيف وتقوية وتعليل. وللإمام البخاري التواريخ الثلاثة، ولغيره من علماء الجرح والتعديل من معاصريه ومن بعدهم. - يتبع - -------------------------------------------------------------------------------- [١] انظر كشف الظنون في أساس العلوم والفنون [٢] الآية ٦٧ من سورة المائدة [٣] آية ٧ من سورة الحشر [٤] الآية ٦٥ من سورة النساء [٥] الآية ١٠ من سورة النجم، وانظر الحديث والمحدثين للشيخ أبي زهو. [٦] انظر سنن أبي داود جـ ٢ ص ٥٠٥ كتاب السنة باب فما لزوم السنة ط ا. [٧] الحجلة بفتحتين: واحدة حجال العروس، وهى بيت يزين بالثياب والأسرة والستور اهـ. مختار الصحاح ص١٢٤ط٧.

стр. 8106

[٨] انظر مختصر وشرح سنن بي داود جـ٧ ص١ حديث ٤٤٣٦. [٩] انظر مختصر سنن أبي داود المنذرى جـ٧ ص ١٠ حديث ٤٤٤١. [١٠] انظر جامع بيان العلم وفضله وما ينبغي في روايته وحمله لأيى عمر يوسف بن عبد البر النورى القرطبي المتوفى ٤٦٣هـ. [١١] انظر سنن أبي داود جـ ٢ كتاب السنة باب في لزوم السنة ص ٥٠٦ ط ١. [١٢] انظر مختصر المنذري جـ٧ ص١٢ حديث ٤٤٤٣. [١٣] انظر مقدمة صحيح مسلم. [١٤] انظر قواعد التحديث. [١٥] آنف: أول. [١٦] انظر قواعد التحديث [١٧] انظر سنن أبي داود كتاب العلم فضل نشر العلم جـ ٢ص ٢٨٩. [١٨] انظر مختصر المنذرى ومعالم السنن للخطايى جـ ٥ ص٢٥٣ باب جامع في فضل العلم. [١٩] سورة الإسراء آية ٧١. [٢٠] كذا في تدريب الراوي ص ١٧٠. [٢١] انظر القول السديد في اتصال الأسانيد للشيخ أحمد عثمان العدوي المعروف بالمنبتي مصطلح ٣٨ مخطوط تيمور. [٢٢] انظر فتح المغيث شرح ألفية الحديث. [٢٣] انظر قواعد التحديث ص ٥٠ [٢٤] وقد أشار إلى ذلك الخطابي في معالم السنن فقال: (يشبه أن يكون النهي متقدما، وآخر الأمرين الإباحة) . وقد قيل: إنه إنما نهى أن يكتب الحديث مع القرآن في صحيفة واحدة؛ لئلا يختلط به ويشتبه على القارئ، فأما أن يكون نفس الكتاب مخطوطا وتقييد العلم بالخط منهيا عنه فلا. اهـ مختصر جـ٥ ص ٣٤٦ كتاب العلم حديث ٣٤٩٩. [٢٥] صحيح مسلم بشرح النووي جـ١٨ ص ١٢٩ كتاب الزهد من حديث أبي سعيد الخدري. وقد أعل بعضهم هذا الحديث ووقفه على أبي سعيد الخدري قال: ابن حجر في الفتح ج١ ص ٢١٨: ومنهم من أعل حديث أبي سعيد وقال: الصواب وقفه على أبي سعيد، قاله البخاري وغيره اهـ. وقال الشيخ أحمد شاكر في تعليقه على الباعث الحثيث ص ١٤٨: وهذا غير جيد؛ فإن الحديث الصحيح. وملحظ الشيخ شاكر لأن الحديث معروف متدوال بين العلماء وفي كتب الحديث.

стр. 8107

[٢٦] رواه ابن عبد البر عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ : "قيدوا العلم بالكتاب". ورواه موقوفا على عمر بن الخطاب وابن عباس مثله، وعن أنس أيضا أنه كان يقول لبنيه: يا بني قيدوا العلم بالكتاب اهـ جامع بيان العلم وفضله جـ ١ باب الرخصة في كتاب العلم ص ٨٦. انظر مسند عبد الله بن عمرو في مسند أحمد ٢/١٥٨-٢٢٦. [٢٧] جامع العلم لابن عبد البر ج١ ص٨٤ باب الرخصة في كتابة العلم. [٢٨] تهذيب التهذيب ج٨، والمحدث الفاصل نقل الدكتور صبحي الصالحي. [٢٩] جامع بيان العلم، وأسد الغابة لابن الأثير ترجمة عبد الله بن عمرو ح٣ ص٣٥٠ ط الشعب. [٣٠] أسد الغابة - المرجع السابق. [٣١] أسد الغابة - المرجع السابق. [٣٢] راجع الوثائق السياسية في العهد النبوي للدكتور محمد حميدة رقم ١. [٣٣] تذكرة الحفاظ جـ اص٥. [٣٤] انظر جامع بيان العلم لابن عبد البرجـ١ ص ٧٧ باب كراهية كتابة العلم وتخليده في مصحف. [٣٥] تذكرة الحفاظ جـ ١ص ٧ ط ٣. [٣٦] انظر الحديث ومصطلحه. [٣٧] تذكرة الحفاظ [٣٨] انظر علم الحديث ومصطلحه للدكتور صبحي. [٣٩] انظر شروط الأئمة الخمسة ص٤٨. [٤٠] انظر صحيح مسلم بشرح النووي ج١٨ ص١٢٩ ط المصرية. [٤١] سورة طه - آية ٥٢. [٤٢] انظر سنن أبي داود - كتاب العلم - ج٢ ص٢٨٦. [٤٣] انظر جامع بيان العلم وفضله جـ١ ص٨٤ باب الرخصة في كتاب العلم [٤٤] انظر سنن أبي داود جـ٢ ص ٢٨٦، وأبو شاه: بالهاء الأصلية وشاه لفظ فارسي معناه الملك، قيل لفظه بالهاء وقفا ووصلا وقيل بنون وصلا كما في الإصابة. [٤٥] فتح الباري كتاب العلم باب كتاب العلم ص ٢١٧وانظر بيان العلم لابن عبد البرجـ١ص٨٤. [٤٦] انظر فتح الباري كتاب العلم باب كتاب العلم جـ ١ص ٢١٤ [٤٧] ينظر شرح النووي على صحيح مسلم جـ١٨ كتاب الزهد ص ١٢٩.

стр. 8108

[٤٨] ينظر تدريب الراوي. [٤٩] انظر مختصر المنذري جـ٥ ص ٢٤٥ حديث ٣٤٩٧ باب رواية حديث أهل الكتاب. [٥٠] مقدمة ابن الصلاح ص ١٧١، النوع الخامس والعشرون في كتابه الحديث [٥١] يقول بروكلمان عن النجوم الزاهرة: إن عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج، كان جده جريج عبدا روميا، وأصل اسمه جريجوريونرس، كان أول من صنف أحاديث رسول الله ﷺ ، وقد جمع كتابه في الآثار وحروف التفسير، أحاديث لمجاهد وعطاء وغيرهما بمكة، ولكنه لم ينل من الخليفة المنصور ما كان يرجو من العطاء يقول: وقد بقيت بقايا قليلة من مجموعات القدماء من رجال الحديث منذ المرحلة الأولى للتدوين تشتمل عليها دور الكتب قي استانبول. وذكر فايسفيلر أوصاف هذه الأجزاء قي كتابه عن مخطوطات الحديث في مكتبات استانبول. [٥٢] نظر هدى الساري. وانظر تنوير الحوالك ج١ص٥ وتدريب الراوي ص ٣٩ ط ١. [٥٣] عمر بن عبد العزيز بن مروان بن الحكم، الإمام أمير المؤمنين أبو حفص الأموي القرشي، مولده بالمدينة زمن يزيد، ونشأ في مصر في ولاية أبيه عليها، حدث عن عبد الله بن جعفر وأنس بن مالك وسعيد بن المسيب وطائفة، وكان إماما فقيها مجتهدا، عارفا بالسنن كبير الشأن ثبتا حجة حافظا قانتا لله أواها منيبا، حدث عنه ابناه عبد الله وعبد العزيز والزهري وأيوب وأبو بكر بن حزم، وأبو سلمة بن عبد الرحمن وهما من شيوخه، وأمه أم عاصم بنت عمر بن الخطاب، وكان مليحا أبيض جميل الشكل حسن اللحية، بجبهته أثر حافر فرس شحه في صغره، وذا كان يقال له أشج بني أمية، وفي آخر أيامه خطه الشيب، عاش أربعين سنة، ويعد له وزهده يضرب به المثل ﵁.

стр. 8109

قال الشافعي: الخلفاء خمسة: أبو بكر وعمر وعثمان وعلي وعمر بن عبد العزيز، وقد ولي أولاً إمرة المدينة خلافة الوليد، وبنى المسجد وزخرفه، وكان إذ ذاك لا يذكر بكثير عمل ولا زهد، ولكن تجدد له لما استخلف وقلبه الله فصار بعد حسن السيرة والقيام بالقسط مع جده لأمه عمر، وفي الزهد مع الحسن البصري، وفي العلم مع الزهري، ولكن موته قرب من شيوخه فلم ينشر عمله، عن أبي جعفر الباقر قال: إن نجيب بني أمية عمر بن عبد العزيز؛ إنه يبعث يوم القيامة أمة واحدة، وقال مجاهد: أتينا لنعلمه فما برحنا حتى تعلمنا منه، وقال ميمون بن مهران: ما كانت العلماء عند عمر بن عبد العزيز إلا تلامذة. قال ابن سعد: ولد سنة ٦٣، وكان ثقة مأمونا له فقه وعلم وورع، وروى حديثا كثيرا، وكان إمام عدل، سمعت عبد الله بن داود يقول: ولد مقتل الحسين سنة (٦١) ، وقال أنس بن مالك: ما رأيت أحدا أشبه صلاة برسول الله ﷺ من هذا الفتى، وقال الذهبي: سيرته تحتمل مجلدا، ومات بدير سمعان وقبره هناك يزار، ومات في رجب سنة إحدى ومائة، وله أربعون سنة سوى ستة أشهر.. اهـ. مقدمة تحفة الأحوذي ج٢ ص٤٧١. [٥٤] انظر تدريب الراوي ص٤٠ ط١. [٥٥] روى أبو داود بسنده عن سالم بن عبد الله بن عمر عن أبيه قال: كتب رسول الله ﷺ كتاب الصدقة، فلم يخرجه إلى عماله حتى قبض، فقرنه بسيفه، فعمل به أبو بكر حتى قبض، ثم عمل به عمر حتى قبض، فكان فيه: في خمس من الإبل شاة ... الحديث.

стр. 8110

وروى عن يونس بن يزيد عن ابن شهاب قال: (هذه نسخة كتاب رسول الله ﷺ الذي كتبه في الصدقة، وهي عند آل عمر بن الخطاب، قال ابن شهاب: أقرأنيها سالم بن عبد الله بن عمر، فوعيتها على وجهها، وهي التي انتسخ عمر بن عبد العزيز من عبد الله بن عمر، وسلم بن عبد الله بن عمر، فذكر الحديث. اهـ. مختصر سنن أبي داود للمنذري ج٢ ص١٨٥، حديث ١٥١٠، ١٥١٢ من كتاب الزكاة باب زكاة السائمة. [٥٦] انظر تنوير الحوالك ص ١٥ هـ قال ابن حجر في فتح الباري: أبو بكر بن حزم، هو ابن محمد بن عمرو بن حزم الأنصاري، نسب إلى جد أبيه، ولجده عمرو صحبة، ولأبيه محمد رؤية، وأبو بكر تابعي فقيه استعمله عمر بن عبد العزيز على إمرة المدينة وقضائها، ولهذا كتب إليه، ولا يعرف له اسم سوى أب بكر وقيل كنيته أبو عبد الملك، واسمه أبو بكر، وقيل اسمه (فاكتبه) يستفاد منه ابتداء تدوين الحديث النبوي، فكانوا فبل ذلك يعتمدون على الحفظ، فلما خاف عمر بن عبد العزيز وكان على رأس المائة الأولى من ذهاب العلم بموت العلماء رأى في تدوينه ضبطا له وبقاء الخ. - فتح الباري كتاب العلم باب كيف يقبض العلم ج١ ص٢٠٤. [٥٧] قال البخاري: وكتب عمر بن عبد العزيز إلى أبي بكر بن حزم: انظر ما كان من حديث رسول الله ﷺ فاكتبه، خفت دروس العلم وذهاب العلماء، ولا يقبل إلا حديث النبي ﷺ ، وليشفوا العلم، وليجلسوا حتى يعلم من لا يعلم، فإن العلم لا يهلك حتى يكون سرا، ورواه أيضا من طريق عبد الله بن دينار عن عمر بن عبد العزيز اهـ. جـ١ ص٢٠٤ نفس الكتاب والباب السابقين. [٥٨] انظر تدريب الراوي ص٤٠ ط١. [٥٩] عمرة بنت عبد الرحمن بن أسعد بن زرارة وقد روى الزهري عن عمرة بنت عبد الرحمن وآخرون وروت عائشة وأم سلمة وكانت عالمة اهـ جـ ٨ص٣٥٣- طبقات ابن سعد. ط الشعب. [٦٠] الرسالة المستطرفة ص٤.

стр. 8111

[٦١] محمد بن مسلم بن عبد الله بن عبيد الله بن شهاب الزهري أبو بكر المدني أحد الأعلام نزل الشام. روى عن ابن عمر وجابر وأنس وغيرهم من الصحابة وعنه أبو حنيفة ومالك وعمر بن عبد العزيز وغيرهم مات سنة أربع ومائة وعشرين ومائة اهـ إسعاف المبطأ للسيوطي ص٣٧. [٦٢] الرسالة المتطرفة ص٤.. أقول: قال أبو داود حديثه ألفان ومائتان، النصف فيها مسندا اهـ. مقدمة تحفة الأحوذي ص ٤٧٥. [٦٣] انظر صحيح مسلم بشرح النووي جـ١ص٦٦ [٦٤] من ذلك ما رواه ابن سعد قال: روى جريرعن مغيرة عن الشعبي قال: حدثني الحارث الأعور وكان كذوبا. وأما ابن سيرين فهو محمد بن سيرين ويكنى أبا بكر مولى أنس بن مالك، وكان ثقة مأمونا عاليا رفيعا فقيها إماما كثير العلم ورعا، وكان به صمم، ولد محمد بن سيرين لسنتين بقيتا من خلافة عثمان، وكان يقول: إن هذا العلم دين، فانظروا عمن تأخذونه، وعن ابن عون قال: كان محمد بن سيرين إذا حدث كأنه يتقي شيئاً، كأنه يحذر شيئاً، وقال ابن عون: سمعت محمدا يقول: لو كنت متخذا كتابا لاتخذت رسائل النبي ﷺ ، وكان ابن سيرين لا يرى بأسا أن يكتب الحديث، فإذا حفظه محاه، عن أنس بن سيرين قال: لم يبلغ محمدا حديثا قط، أحدهما أشد من الآخر إلا أخذ بأشدهما قال: وكان لا يرى بأسا، وكان قد طوق لذلك. اهـ طبقات ابن سعد ج٧ ص١٤٠ ط الشعب. [٦٥] الحارث الأعور بن عبد الله بن كعب بن أسد بن خالد بن حوب، وقد روى الحارث عن علي وعبد الله بن مسعود، وكان له قول سوء، وهو ضعيف في روايته، قال ابن سعد بسنده: أن علي بن أبي طالب خطب الناس فقال: من يشتري علما بدرهم؟ فاشترى الحارث الأعور صحفا بدرهم، ثم جاء بها عليا فكتب له علما كثيرا، وكانت وفاة الحارث الأعور بالكوفة أيام عبد الله بن الزبير. اهـ طبقات ابن سعد ج٥ ص١١٦. [٦٦] انظر تدريب الراوي حاشية ص٢٩٩ ط ١ عبد الوهاب عبد اللطيف.

стр. 8112

[٦٧] انظر بيان زغل العلم والطلب للحافظ الذهبي ص١٠ مطبعة التوفيق بدمشق ١٣٤٧هـ

стр. 8113

من أحداث العالم الإسلامي بقلم الدكتور عبد الرحمن العدوي مستشار التعليم بالجامعة الإسلامية في هذا العالم الذي تسرع فيه مفاجآت الأحداث؛ بحيث لا يكاد الإنسان ينتهي من سماع خبر أو حدث هام في منطقة من مناطق العالم إلا ويسمع غيره أكثر خطورة وأشد تأثيرا.. والعالم الإسلامي - كجزء من هذا العالم الذي نعيش فيه - أصبح يموج بالأحداث المتلاحقة التي تستوجب حركة سريعة منضبطة بما يؤمن به أهله من عقيدة راسخة وأخوة في الإيمان ونظام متكامل رسمته شريعة الإسلام.. وفي السطور التالية نعرض لأهم هذه الأحداث: ١- إعلان حكومة الباكستان تطبيق الشريعة الإسلامية: إن الأساس الذي قامت عليه دولة الباكستان يوم إعلانها وانفصالها عن الهند هو أن تكون أرضا للمسلمين لهم فيها حرية اختيار النظام السياسي والاقتصادي والاجتماعي الذي ينبثق من تعاليم دينهم الإسلامي، وحتى لا تضيق صدورهم بما يمارسه الهندوك من عبادات ومعتقدات فاسدة. ولقد حقق هذا الهدف الجليل رئيس دولة الباكستان ضياء الحق؛ عندما أعلن أنه سيطبق الشريعة الإسلامية في الأحكام ويتخذها نظاما شاملا في حياة الباكستان. وقد كان لهذا الإعلان أثره الطيب في نفوس المسلمين في كل مكان، وسارعت الوفود الإسلامية إلى باكستان تهنئ رئيسها وشعبها بتوفيق الله لهم في هذه الخطوة المباركة، وكان وفد رابطة العالم الإسلامي برئاسة سماحة الشيخ محمد الحركان من أول الوفود التي سافرت إلى باكستان للتهنئة وتقديم الخبرة والمشورة والاستعداد للمعاونة الصادقة في تيسير تنفيذ هذا العمل العظيم. وإننا نهنئ شعب باكستان المسلم على ما أكرمه الله به من العودة إلى شريعته السمحة واتخاذها نظاما لحياته.. وفق الله المسلمين ليحذو حذو باكستان المسلمة لتطبيق شريعة الله؛ ليسعدوا في الدنيا والآخرة.

стр. 8114

٢- القدس ومفاوضات السلام: إن المسجد الأقصى هو أحد المساجد الثلاثة التي تشد الرحال إليها، وهو مسرى رسول الله ﷺ ليلة الإسراء والمعراج، وهو قبلة المسلمين في صدر الإسلام قبل أن تتحول القبلة إلى المسجد الحرام. والمسلمون في كافة بقاع الأرض يعرفون هذه المنزلة للقدس الشريف والمسجد الأقصى فيه، وهم لذلك يرون أن التفريط في شيء منه تفريط في مقدساتهم الدينية وتجتمع كلمتهم على ذلك. وإن مفاوضات السلام التي تجري في هذه الأيام لا يمكن أن تحقق سلاما دائما بين الغاصبين وأصحاب الحق إذا ما استمر هؤلاء الغاصبون على حرمان أصحاب الحق من حقهم وأصروا على ادعاء ملكية ما اغتصبوه منها. وليعلم جميع الأطراف أن المسلمين يعلمون أن عليهم واجبا دينيا لانتزاع أرضهم ومقدساتهم من أيدي الأعداء، وأنهم عازمون على ذلك مهما طالت الأيام وقامت العقبات. وإن اليقظة الإسلامية التي ظهرت بوادرها في بقاع شتى من أرض المسلمين كفيلة بأن توحد كلمتهم وتوقظ همتهم، وتجمع قولهم لانتزاع حقهم السليب وتحقيق العزة لهم والنصر على أعدائهم؛ ﴿وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ . ٣- مقاومة المد الشيوعي في أفغانستان: أصيبت أفغانستان المسلمة بنكبة شيوعية أقامت نظاما عميلا يستند إلى الدولة الشيوعية الملحدة التي ذاق المسلمون من ويلاتها شرورا وآثام كثيرة. غير أن اليقظة الإسلامية في أفغانستان أبت أن تستكين لهذا الحكم الشيوعي الذي يدمر عقيدة المسلمين، ويحارب عبادتهم، ويقضى على مقومات حياتهم؛ فتجمعت الهيئات الإسلامية واتفق زعماؤها على أن يكونوا يدا واحدة لمواجهة هذا الخطر الزاحف، وقد ظهرت بشائر النصر حيث تمكنوا من تحرير عدد من المقاطعات السبعة ولا زال الكفاح المسلح مستمرا.

стр. 8115

وإن النظام الشيوعي في أفغانستان الذي يؤيده وتؤازره الشيوعية العالمية سوف يندحر - بإذن الله تعالى - أمام كتائب المسلمين المجاهدين، وعلى الأمة الإسلامية كلها واجب المساعدة ومد يد العون بكل الوسائل لهؤلاء المجاهدين حتى يتم لهم النصر وتعلو كلمة الإسلام في هذا البلد الإسلامي العزيز على نفوس جميع المسلمين.

стр. 8116

القسم الإنجليزي ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصدِّقاً لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِناً عَلَيْهِ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجاً وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ، وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ وَإِنَّ كَثِيراً مِنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ، أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْماً لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ .

стр. 8117

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ، فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشَى أَنْ تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ فَيُصْبِحُوا عَلَى مَا أَسَرُّوا فِي أَنْفُسِهِمْ نَادِمِينَ، وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا أَهَؤُلاءِ الَّذِينَ أَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ إِنَّهُمْ لَمَعَكُمْ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَأَصْبَحُوا خَاسِرِينَ، يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ، إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ، وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ، يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَكُمْ هُزُواً وَلَعِباً مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَالْكُفَّارَ أَوْلِيَاءَ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ . the holy koran In the name of Allah, the most Gracious, the most merciful

стр. 8118

﴿And unto you we have revealed the scripture with the truth, confirming the scripture that came before it, and a watcher over it. So judge between them by that watcher Allah has revealed, and follow not their desires away from the truth which has come unto you. For each among you we have appointed a divine law and a traced–out way. If Allah had willed, he would have made you one nation but to test you in what he has given you. So vie one with onother in good works unto Allah you will all return, and he will then inform you of that wherein you differ. So Judge between them by that which Allah has revealed and follow not their desires, but beware of them lest they seduce you from some part of that which Allah has reveald unto you. And if they turn away, then know that for some of their sins it is Allah’s will to punish them. And truly most of mankind are rebellious, do they then seek after a judgement of the days of ignorance ? But who , for a people whose faith is assured, can give better judgment than Allah?﴾ ﴿O you who believe take not for patrons such of those who received the scripture before you , and of the disbeliever ,who take your religion for a mockery or sport. But fear Allah if you are true believers. (Suatul –maida V.٤٨-٥٧) the Sunnah (١) عن النعمان بن بشير قال: قال رسول الله ﷺ :

стр. 8119

"إن الحلال بين والحرام بين، وبينهما مشتبهات لا يعلمهن كثير من الناس؛ فمن اتقى الشبهات استبرأ لدينه وعرضه، ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام؛ كالراعي يرعى حول الحمى يوشك أن يرتع فيها، ألا وإن لكل ملك حمى! ألا وإن حمى الله محارمه! ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله! ألا وهو القلب! ". (متفق عليه) (١) N’uman Bin Bashir reported that the Apostle of Allah Said: “Verily lawful things are manifest and unlawful Things are also manifest, and between them are the Doubtful things which many people do not know: whose Guard against the doubtful things, he makes his religion And honor pure, and whose falls in the doubtful things like shepherd who grazes his folk round a Reserved pasture ground and in any moment he is liable to get in it. Beware, every king has a meadow, and the meadow of Allah is his forbidden things. beware, there is a piece of flesh in the body;if it becomes good the whol body becomes good, but if it gets spoilt and that is the heart”. (Agreed) (٢) عن عائشة قالت: قال رسول اله ﷺ : "اللهم من ولي من أمر أمتي شيئا فشق عليهم فاشقق عليه، ومن ولى من أمر أمتي شيئا فرفق بهم فارفق به". (مسلم) (٢) Aisha reported that the Apostle of Said: “O Allah! whose is given power over any of the the affairs of my people and them he gives trouble to them, gives trouble to him, and whose is given power over any of the affairs of my people and then he shows mercy to them , show mercy to him“ (Muslim) (٣) عن عبد الرحمن بن سمرة قال: قال رسول الله ﷺ :

стр. 8120

"لا تسأل الإمارة؛ فإنك إن أعطيتها عن مسألة وكلت إليها، وإن أعطيتها عن غير مسألة أعنت عليها". (متفق عليه) . (٣) Abdur-Rahman bin Samorah reported that Apostle of Allah Said: “Don’t seek to rule;because if it is given to you without asking you will be aided therein. (Agreed) (٤) عن ابن عمر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "السمع والطاعة على المرء فيما أحبه وكره ما لم يؤمر بمعصية؛ فإذا أمر بمعصية فلا سمع ولا طاعة". (متفق عليه) (٤) Ibn – Omar reported that the Apostle of Allah Said: “there is hearing and obeying on a Muslim in what is pleasing and displeasing to him so long as he is not ordered with a sinful act, when he is ordered a sinful act, there is not hearing and obeying”. (Agreed) (٥) عن أبي سعيد الخدري ﵁ أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: "إذا أسلم العبد فحسن إسلامه يكفر الله عنه كل سيئة كان زلقها، وكان بعد ذلك القصاص؛ الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف والسيئة بمثلها إلا أن يتجاوز الله عنه". (البخاري) (٥) Abu Said Al –khudri heard the Apostle of Allah s saying: “If any person embraces Islam sincerely, then Allah shall forgive all his past sins, and after that starts the settlement of accounts;the reward of his good deeds will be ten times to seven hundred times for each good deed and a bad deed will be recorder as it, unless Allah forgives it“ (Al- Bukhari) (٦) عن جابر بن عبد الله ﵁ قال: قال رسول الله "كل المسلم على المسلم حرام؛ دمه وماله وعرضه". (مسلم) .

стр. 8121

(٦) jaber bin Abdellah reported that the apostle of Allah said: “the blood, property and honor of a muslim must be sacred to every other muslim“ (muslim) (٧) عن عبد الله بن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : "إن من أحبكم إلي أحسنكم أخلاقا". (البخاري) (٧) Abdullah bin Omar reported that the Apostle of Allah said: “verily the dearest to me among you is he who the best of you in conduct “ (Al –Bukhari)

стр. 8122

أصول الإيمان لسماحة الشيخ عبد العزيز بن باز الرئيس العام لإدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد الحمد لله رب العالمين, والصلاة والسلام على عبده ورسوله وخيرته من خلقه وأمينه على وحيه ونبينا وإمامنا محمد بن عبد الله وعلى آله وأصحابه ومن سلك سبيله واهتدى بهداه إلى يوم الدين. أما بعد.. أيها الإخوة الكرام: حديثي معكم في هذه الكلمة فيما يتعلق بأصول الإيمان, وهذا موضوع اختارته الجامعة ووافقت عليه, لأنه موضوع مهم جدا, لأن مدار ديننا على هذه الأصول, لأنه سر نجاح الأمة وسر سعادتها وسر أمنها وسر سيدتها على الأمم إذا حققته في أقوالها وأعمالها وسيرتها وجهادها وأخذها وعطائها وغير ذلك..

стр. 8123

وقد أوضح القرآن هذه الأصول كما أوضحها نبينا ﵊ في آيات وأحاديث كثيرة, وهي أصول ستة, هي أصول الإيمان, وهي أصول الدين.. فإن الإيمان هو الدين كله وهو الإسلام وهو الهدى وهو البر والتقوى وهو ما بعث الله به الرسول ﵊ من العلم النافع والعمل الصالح, كله يسمى إيمانا, هذه أصول ديننا الستة أوضحها الكتاب العزيز في مواضع, وأوضحها رسول الله الأمين في الأحاديث, فمما ورد في كتاب الله قوله سبحانه: ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَالْمَلائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ﴾ الآية. فبين سبحانه هنا خمسة من أصول الإيمان. الإيمان بالله, واليوم الآخر, والملائكة, والكتاب, والنبيين. هذه خمسة أصول عليها مدار الدين ظاهره وباطنه, وقال جل وعلا: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ﴾ الآية.

стр. 8124

فبين هنا أربعة أصول في قوله ﴿كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِه وَرُسُلِهِِ﴾ , ولم يذكر اليوم الآخر, ولكنه ذكره في الآية السابقة, وهذه سنة الله في كتابه ينوع سبحانه الأخبار عنه وعن أسمائه وصفاته، وعن أصول هذا الدين، وعن شئون يوم القيامة والجنة والنار، وعن الرسل وأممهم حتى يجد القارئ في كل موضع من كتاب الله ما يزداد به إيمانه وعلمه، وحتى يطلب المزيد من العلم في كل موضع من كتاب الله ، وفي كل حديث عن رسول الله ﷺ ، قال : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالا بَعِيداً﴾ .

стр. 8125

وقد أوضح سبحانه في هذه الآية الأخيرة أن الكفر بهذه الأصول ضلال بعيد عن الهدى، والآيات في هذا المعنى كثيرة، وفي مواضع يذكر الإيمان بالله وحده؛ لأن جميع ما ذكر في الآيات الأخرى داخل في ضمن الإيمان بالله، وفي بعضها الإيمان بالله ورسوله، وفي بعضها الإيمان بالله واليوم الآخر فقط، وما ذاك إلا لأن البقية داخلة في ذلك، فإذا ذكر الإيمان بالله دخل فيه بقية الأشياء التي ذكرها في الآيات الأخرى، كالإيمان بالملائكة والكتب والرسل واليوم الآخر، فمن هذا قول الله : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ﴾ ؛ فاقتصر على الإيمان بالله والكتاب المنزل على محمد ﵊ والكتاب المنزل من قبل، ولم يذكر الأصول الأخرى؛ لأنها داخلة في الإيمان بالله، وهكذا قوله جل وعلا: ﴿فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالنُّورِ الَّذِي أَنْزَلْنَا﴾ ، ذكر الإيمان بالله ورسوله والنور الذي أنزل على محمد ﷺ وهو الكتاب والسنة؛ لأن البقية داخلة في ذلك، فالكتاب والسنة داخلة في النور، وهكذا كل ما أخبر الله به رسوله مما كان وما يكون كله داخل في النور، وهكذا قوله جل وعلا: ﴿آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ فَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَأَنْفَقُوا لَهُمْ أَجْرٌ كَبِيرٌ﴾ ؛ فذكر الإيمان بالله ورسوله فقط؛ وما ذاك إلا لأن البقية داخلة في الإيمان بالله ورسوله.
следующие страницы →