← Джавами‘

Джавами‘ · id 4473

مجلة الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (23 804 стр.). Показаны 8121–8160 · переход к 8126.

стр. 8121

(٦) jaber bin Abdellah reported that the apostle of Allah said: “the blood, property and honor of a muslim must be sacred to every other muslim“ (muslim) (٧) عن عبد الله بن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : "إن من أحبكم إلي أحسنكم أخلاقا". (البخاري) (٧) Abdullah bin Omar reported that the Apostle of Allah said: “verily the dearest to me among you is he who the best of you in conduct “ (Al –Bukhari)

стр. 8122

أصول الإيمان لسماحة الشيخ عبد العزيز بن باز الرئيس العام لإدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد الحمد لله رب العالمين, والصلاة والسلام على عبده ورسوله وخيرته من خلقه وأمينه على وحيه ونبينا وإمامنا محمد بن عبد الله وعلى آله وأصحابه ومن سلك سبيله واهتدى بهداه إلى يوم الدين. أما بعد.. أيها الإخوة الكرام: حديثي معكم في هذه الكلمة فيما يتعلق بأصول الإيمان, وهذا موضوع اختارته الجامعة ووافقت عليه, لأنه موضوع مهم جدا, لأن مدار ديننا على هذه الأصول, لأنه سر نجاح الأمة وسر سعادتها وسر أمنها وسر سيدتها على الأمم إذا حققته في أقوالها وأعمالها وسيرتها وجهادها وأخذها وعطائها وغير ذلك..

стр. 8123

وقد أوضح القرآن هذه الأصول كما أوضحها نبينا ﵊ في آيات وأحاديث كثيرة, وهي أصول ستة, هي أصول الإيمان, وهي أصول الدين.. فإن الإيمان هو الدين كله وهو الإسلام وهو الهدى وهو البر والتقوى وهو ما بعث الله به الرسول ﵊ من العلم النافع والعمل الصالح, كله يسمى إيمانا, هذه أصول ديننا الستة أوضحها الكتاب العزيز في مواضع, وأوضحها رسول الله الأمين في الأحاديث, فمما ورد في كتاب الله قوله سبحانه: ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَالْمَلائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ﴾ الآية. فبين سبحانه هنا خمسة من أصول الإيمان. الإيمان بالله, واليوم الآخر, والملائكة, والكتاب, والنبيين. هذه خمسة أصول عليها مدار الدين ظاهره وباطنه, وقال جل وعلا: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ﴾ الآية.

стр. 8124

فبين هنا أربعة أصول في قوله ﴿كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِه وَرُسُلِهِِ﴾ , ولم يذكر اليوم الآخر, ولكنه ذكره في الآية السابقة, وهذه سنة الله في كتابه ينوع سبحانه الأخبار عنه وعن أسمائه وصفاته، وعن أصول هذا الدين، وعن شئون يوم القيامة والجنة والنار، وعن الرسل وأممهم حتى يجد القارئ في كل موضع من كتاب الله ما يزداد به إيمانه وعلمه، وحتى يطلب المزيد من العلم في كل موضع من كتاب الله ، وفي كل حديث عن رسول الله ﷺ ، قال : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالا بَعِيداً﴾ .

стр. 8125

وقد أوضح سبحانه في هذه الآية الأخيرة أن الكفر بهذه الأصول ضلال بعيد عن الهدى، والآيات في هذا المعنى كثيرة، وفي مواضع يذكر الإيمان بالله وحده؛ لأن جميع ما ذكر في الآيات الأخرى داخل في ضمن الإيمان بالله، وفي بعضها الإيمان بالله ورسوله، وفي بعضها الإيمان بالله واليوم الآخر فقط، وما ذاك إلا لأن البقية داخلة في ذلك، فإذا ذكر الإيمان بالله دخل فيه بقية الأشياء التي ذكرها في الآيات الأخرى، كالإيمان بالملائكة والكتب والرسل واليوم الآخر، فمن هذا قول الله : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ﴾ ؛ فاقتصر على الإيمان بالله والكتاب المنزل على محمد ﵊ والكتاب المنزل من قبل، ولم يذكر الأصول الأخرى؛ لأنها داخلة في الإيمان بالله، وهكذا قوله جل وعلا: ﴿فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالنُّورِ الَّذِي أَنْزَلْنَا﴾ ، ذكر الإيمان بالله ورسوله والنور الذي أنزل على محمد ﷺ وهو الكتاب والسنة؛ لأن البقية داخلة في ذلك، فالكتاب والسنة داخلة في النور، وهكذا كل ما أخبر الله به رسوله مما كان وما يكون كله داخل في النور، وهكذا قوله جل وعلا: ﴿آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ فَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَأَنْفَقُوا لَهُمْ أَجْرٌ كَبِيرٌ﴾ ؛ فذكر الإيمان بالله ورسوله فقط؛ وما ذاك إلا لأن البقية داخلة في الإيمان بالله ورسوله.

стр. 8126

ومما جاء في السنة عن رسول الله ﷺ حديث جبريل المشهور، لما سأل النبي ﵊ عن الإسلام والإيمان والإحسان؛ فذكر الإسلام أولا، وفي لفظ بدأ بالإيمان ثم ذكر الإسلام ثم الإحسان؛ فالمقصود أنه ذكر الإيمان بما يصلح الباطن؛ لأن الباطن هو الأساس، والظاهر تبع للباطن؛ فسمى الأعمال الظاهرة إسلاما لأنها انقياد وخضوع له، والإسلام هو الاستسلام لله والانقياد لأمره؛ فسمى الله الأمور الظاهرة إسلاما لما فيها من الانقياد لله والذل والطاعة لأمره والوقوف عند حدوده ، يقال: (أسلم فلان لفلان) أي: ذل له وانقاد، ومعنى (أسلمت لله) أي: ذللت وانقدت لأمره خاضعا له . فالإسلام هو الاستسلام لله بالأعمال الظاهرة، والإيمان هو التصديق بالأمور الباطنة، وهذا كله عند الاقتران، ولهذا لما قرن بينهما في هذا الحديث الصحيح فسّر رسول الله ﵊ الإسلام بالأمور الظاهرة؛ وهي الشهادتان والصلاة والزكاة والصيام والحج، والإيمان بالأمور الباطنة؛ وهي الإيمان بالله وملائكته. الخ. ومن هذا الباب ما جاء في الحديث الصحيح، قيل: يا رسول الله أي الإسلام أفضل؟ قال: "أن تطعم الطعام وتقرأ السلام على من عرفت ومن لم تعرف"، وفي حديث آخر قال: "من سلم المسلمون من لسانه ويده".

стр. 8127

فالإسلام أخص بالأعمال الظاهرة التي يظهر بها الانقياد لأمر الله والطاعة له والإتباع لشريعته وتحكيمها في كل شيء، والإيمان أخصّ بالأمور الباطن المتعلقة بالقلب من التصديق بالله وملائكته وكتبه ورسله وباليوم الآخر وبالقدر خيره وشره؛ ولهذا لما سئل ﷺ عن الإيمان قال: "أن تؤمن بالله وملائكته ورسله واليوم الآخر وبالقدر خيره وشره"، ففسر الإيمان بهذه الأمور الستة التي هي من أصول الإيمان، وهي في نفسها أصول الدين كله؛ لأنه لا إيمان لمن لا إسلام له، ولا إسلام لمن لا إيمان له، فالإيمان بهذه الأصول لابد منه لصحة الإسلام، لكن قد يكون كاملا وقد يكون ناقصا، ولهذا قال الله في حق الأعراب: ﴿قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا﴾ . فلما كان إيمانهم ليس بكامل، بل إيمان ناقص لم يستكمل واجبات الإيمان نفى عنهم الإيمان يعني به الكامل؛ لأنه ينفي عمن ترك الواجبات، كما في قول النبي ﷺ : "لا إيمان لمن لا صبر له"، "لا يؤمن أحدهم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه"، ومنه قول النبي ﷺ : "من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرا أو ليصمت"، "..فليكرم ضيفه"، "..فليصل رحمه"، "..فلا يؤذي جاره" إلى غير ذلك؛ فالمقصود أن الإيمان يقتضي العمل الظاهر، كما أن الإسلام بدون إيمان من عمل المنافقين، فالإيمان الكامل الواجب يقتضي فعل ما أمر الله به رسوله، وترك ما نهى عنه الله ورسوله، فإذا قصر في ذلك جاز أن ينفي عنه ذلك الإيمان بتقصيره كما نفى عن الأعراب بقوله تعالى: ﴿قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا﴾ .، وكما نفى عمن ذكر الأحاديث السابقة.

стр. 8128

والخلاصة أن الله سبحانه ورسوله نفى الإيمان عن بعض من ترك واجبات الإيمان وأثبتا له الإسلام، فهذه الأصول الستة هي أصول الدين كله، هي أصول إسلامنا وديننا كله، فمن أتى بها مع الأعمال الظاهرة صار مسلما مؤمنا، ومن لم يأت بها فلا إسلام له ولا إيمان له، كالمنافقين؛ فإنهم لما أظهروا الإسلام وادعوا الإيمان وصلّوا مع الناس وحجوا مع الناس إلى غير ذلك، ولكنهم في الباطن ليسوا مع المسلمين بل هم في جانب والمسلمون في جانب؛ لأنهم مكذبون لله ورسوله، منكرون لما جاءت به الرسل في الباطن، متظاهرون بالإسلام لحظوظهم العاجلة ولمقاصد معروفة، فلهذا صاروا كفارا ضلالا، بل صاروا أكفر وأشر ممن أعلن كفره، ولهذا صاروا في الدرك الأسفل من النار، وما ذاك إلا لأن خطرهم أعظم؛ لأن المسلم يظن أنهم إخوته وأنهم على دينه، وربما أفشى إليهم بعض الأسرار فضروا المسلمين وخانوهم، فصار كفرهم أشد وضررهم أعظم، وهكذا من ادعى الإيمان بهذه الأصول ثم لم يؤد شرائع الإسلام الظاهرة، فلم يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، أو لم يصل، أو لم يصم أولم يزك, أولم يحج, أو غير ذلك من شعائر الإسلام الظاهرة التي أوجبها الله عليه, فإن ذلك دليل على عدم إيمانه أو على ضعف إيمانه, فقد ينتفي الإيمان بالكلية كما تنتفي الشهادتين إجماعاً, وقد لاينتفي أصله ولكن ينتفي تمامه وكماله لعدم آدائه ذلك الواجب المعين كالصوم والحج مع الإستطاعة والزكاة ونحو ذلك من الأمور عند جمهور أهل العلم فإن تركها فسق وضلال ولكن ليس ردة عن الإسلام عند أكثرهم, أما الصلاة فذهب قوم إلى أن تركها ردة ولو مع الإيمان بوجوبها وهو أصح قولي العلماء لأدلة كثيرة, وقال آخرون بل تركها كفر دون كفر إذا لم يجحد وجوبها, ولهذا المقام بحث خاص وعناية خاصة من أهل العلم, ولكن المقصود الإشارة إلى أنه لا إسلام لمن لا إيمان له, ولا إيمان لمن لا إسلام له, وهذا يدل على هذا, وهذا يدل على هذا,

стр. 8129

وسبق أن الإسلام سمي إسلامًا لأنه يدل على الانقياد والذل لله والخضوع لعظمته ، ولأنه يتعلق بالأمور الظاهرة. وسمي الإيمان إيمانًا لأنه يتعلق بالباطن والله يعلمه جل وعلا، فسمي إيمانًا لأنه يتعلق بالقلب المصدق، وهذا القلب المصدق للدلالة على تصديقه وصحة إيمانه أمور ظاهرة، إذا أظهر الإسلام واستقام عليه وأدى حقه دل ذلك على صحة إيمانه، ومن لم يستقم دل ذلك على عدم إيمانه أو على ضعف إيمانه، والإيمان عند الإطلاق يدخل فيه الإسلام، والعكس كذلك عند إطلاق الإسلام يدخل فيه الإيمان عند أهل السنة والجماعة كما قال الله ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإِسْلامُ﴾ ، فالمعنى فيه الإيمان عند أهل السنة والجماعة فإنه لا إسلام إلا بإيمان، فالدين عند الله الإسلام وهو الإيمان وهو الهدى وهو التقوى وهو البر، فهذه الأسماء وإن اختلفت ألفاظها، فإنها ترجع إلى معنى واحد وهو الإيمان بالله ورسله والاهتداء بهدى الله والاستقامة على دين الله، فكلها تسمى برًا وتسمى إيمانًا وتسمى إسلامًا، وتسمى تقوى وتسمى هدى، وكذلك إذا أطلق الإحسان دخل فيه الأمران الإسلام والإيمان لأنه يخص الكلّ من عباد الله فبإطلاقه يدخل فيه الأمران الأولان الإسلام والإيمان، وعند إطلاق أحد الثلاثة إذا أطلق فإنه يدخل فيه الآخران، فإذا قيل المحسنون هم أخص عباد الله، فلا إحسان إلا بإسلام وإيمان قال تعالى ﴿وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ وقال سبحانه: ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ﴾ فالمحسن إنما يكون محسنًا بإسلامه وإيمانه وتقواه لله وقيامه بأمر الله بهذا سمي محسنًا، ولا يتصور أن يكون حسنًا بدون إسلام وإيمان.

стр. 8130

وهكذا يا أخي لفظ المؤمنين يدخل فيه المسلمون لأنهم –أعني المؤمنين- أخص من لفظ المسلمين، قال الله تعالى ﴿وَأَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ وقال ﴿وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَار﴾ الآية، فالمؤمن سمي مؤمنًا لتصديقه بقلبه وإسلامه بجوارحه لله وحده، فالمؤمنون مؤمنون بتصديقهم وبإسلامهم وقيامهم بأمر الله ووقوفهم عند حدوده ، ومما يدل على هذا المعنى حديث سعد بن أبي وقاص ﵁ لما سأل النبي ﷺ لما أعطى النبي ﷺ قومًا وترك قومًا قال سعد: يا رسول الله أعطيت فلانًا وفلانًا وتركت فلانًا وأني لأراه مؤمنًا، قال النبي ﷺ : "أو مسلمًا" فعاد سعد إلى مقالته والنبي ﷺ يقول: "أو مسلمًا" والمقصود أن الإسلام والإيمان عند الاقتران لهما معنيان، معنى أخص ومعنى أعم، فالمسلم أعم من المؤمن، والمؤمن أخص من المسلم، فكل مؤمن مسلم ولا عكس، ولكن عند الإطلاق يدخل أحدهما في الآخر كما سبق بيان ذلك وما يدل على ذلك قوله ﷺ "الإيمان بضع وسبعون شعبة"، وفي لفظ "بضع وستون شعبة، فأفضلها قول لا إله إلا الله وأدناها إماطة الأذى عن الطريق والحياء شعبة من الإيمان" فهذا الحديث يدل على أن مطلق الإيمان يدخل فيه الإسلام، والهدى والإحسان، والتقوى والبر، فالإيمان الذي أعلاه لا إله إلا الله وأدناه إماطة الأذى عن الطريق هو ديننا كله، وهو الإسلام، وهو الإيمان، ولذا قال: "فأفضلها لا إله إلا الله" هي الركن من أركان الإسلام مع الشهادة بأن محمدًا رسول الله، فجعلها هنا أعلى خصال الإيمان.

стр. 8131

فعلم بذلك أن الإيمان بالله فقط أو الإيمان بالله ورسوله يدخل فيه كل ما شرع الله ورسوله من الصلاة والزكاة والحج والإيمان بالملائكة والكتاب والنبيين واليوم الآخر والقدر خيره وشره لأن هذا كله داخل في مسمى الإيمان بالله، فإن الإيمان بالله يتضمن الإيمان بأسمائه وصفاته ووجوده وأنه رب العالمين وأنه يستحق العبادة، كما يتضمن أيضًا بجميع ما أخبر به وشرعه لعباده، ويتضمن أيضًا الإيمان بجميع الرسل والملائكة والكتب والأنبياء وغير ذلك. وهكذا ما جاء في السنة في هذا الباب مثل قوله ﷺ : "قل آمنت بالله ثم استقم" يدخل فيه كل ما أخبر به الله ورسوله وكل ما شرعه لعباده، ومن هذا الباب قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا﴾ أي قالوا إلهنا وخالقنا ورازقنا هو الله، وآمنوا به إيمانًا يتضمن الاستقامة على ما جاء به كتاب الله ورسوله ﵊، فالقرآن الكريم من سنة الله فيه أنه يبسط الأخبار والقصص في مواضع ويختصرها في مواضع أخرى ليعلم المؤمن وطالب العلم هذه المعاني من كتاب مجملة ومفصلة فلا يشكل عليه بعد ذلك مقام الاختصار مع مقام البسط والإيضاح، فهذا له معنى وهذا له معنى. وهكذا الإيمان يطلق في بعض المواضع، وفي بعض يعطف عليه أشياء من أجزائه وشعبه على أن هذه الشعبة من أهم الخصال وأعظمها كما قال ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ الآية فقوله وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة من جملة الإيمان والعمل الصالح لكن ذكرهما هنا تنبيهًا على عظم شأنهما، وهكذا قوله ﴿فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالنُّورِ الَّذِي أَنْزَلْنَا﴾ الآية

стр. 8132

فالنور المنزل هو من جملة الإيمان بالله وهو داخل فيه عند الاطلاق ولكن نبه عليه لعظم شأنه، وهكذا قوله ﴿وَالْعَصْرِ إِنَّ الإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ ؛ فالتواصي بالحق والتواصي بالصبر هما من جملة الأعمال الصالحات، والعمل الصالح من جملة الإيمان، فعطف العمل على الإيمان من عطف الخاص على العام، وهكذا عطف التواصي بالحق والتواصي بالصبر على ما قبله هو من عطف الخاص على العام، فالتواصي بالحق والتواصي بالصبر من جملة الأعمال الصالحات؛ ولهذا لم يذكرا في آيات أخرى، قال جل وعلا: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ جَنَّاتُ النَّعِيمِ﴾ ، ولم يذكر التواصي بالحق والتواصي بالصبر لأنهما داخلان في العمل في قوله ﴿وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ كما أنهما داخلان في الإيمان عند الإطلاق؛ لأنه يدخل فيه عند الإطلاق كل ما أخبر الله به ورسوله عما كان وما سيكون في آخر الزمان وفي يوم القيامة وفي الجنة والنار، كما يدخل فيه كل ما أمر الله به ورسوله، ويدخل فيه أيضا ترك ما نهى الله عنه ورسوله، وكل ذلك داخل في الإيمان عند الإطلاق، وإنما يذكر سبحانه بعض الأعمال للعطف عليه، وترك بعض السيئات هو من باب عطف الخاص على العام؛ فهكذا ما يتعلق بأصول الإيمان تارة تذكر هذه الأصول الستة جميعا كما في الآية الكريمة: ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ﴾ الآية، فإنه ذكر فيها خمسة، وذكر القدر في آيات أخر، كما في قوله : ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ ، وفي قوله : ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الأَرْضِ وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلا فِي كِتَابٍ﴾ الآية، إلى غير ذلك من الآيات، وذكر بعضها في آيات أخرى ولم يذكرها كلها.

стр. 8133

وهكذا في الحديث ذكر بعض هذه الأصول، وذكر الستة في حديث جبريل، وفي بعض الأحاديث ذكر الإيمان بالله فقط كحديث: "قل آمنت بالله ثم استقم"، وفي بعضها الإيمان بالله واليوم الآخر؛ وما ذاك إلا لأن الإيمان بالله واليوم الآخر يدخل فيه كل ما أمر الله به ورسوله؛ فان المؤمن بالله واليوم الآخر يحمله إيمانه بذلك على فعل كل ما آمر الله به ورسوله، كما يحمله أيضا على ترك ما نهى الله عنه ورسوله؛ ولهذا اقتصر على الإيمان بالله واليوم الآخر في بعض النصوص؛ لأن من آمن بالله إيمانا صحيحا وباليوم الآخر حمله ذلك على أداء ما أوجبه الله وعلى ترك ما حرمه الله، وعلى الوقوف عند حدود الله ، ومن هذا قوله : ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحاً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ .

стр. 8134

فالإيمان بما ذكر أمر لابد منه، ومن لم يؤمن بذلك فإنه كافر بالله وإن أظهر إسلاما وإيمانا، ولكنه بكفره بواحد من الأصول الستة، أو كفره بشيء آخر مما علم من الدين أنه من دين الله بالأدلة المعروفة فانه يكون كافرا بالله، ولا ينفعه بعد ذلك ما أقر به؛ فان هذا الدين لابد أن يقبل كله، ولابد أن يحصل به الإيمان كله، فإذا آمن بالبعض وكفر بالبعض فهو كافر حقا، وبهذا يعلم المؤمن عظم شأن هذه الأصول وأنها أصول عظيمة لابد منها، فيدخل في الإيمان بالله الإيمان بما أخبر الله به عن نفسه من أسمائه وصفاته، أو أخبر به الرسول ﵊ من أسماء الله وصفاته كله داخل في الإيمان بالله؛ فيدخل في ذلك الإيمان بأنه رب العالمين، وأنه الخلاق الرزاق وأنه كامل في ذاته وأسمائه وصفاته وأفعاله، ويدخل فيه أنه أرسل الرسل وأنزل الكتب وقدر الأشياء وعلم بها قبل وجودها ، وأنه على كل شيء قدير وبكل شئ عليم، ومن أجمع ما ورد في ذلك من الكتاب العزيز قوله سبحانه: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ اللَّهُ الصَّمَدُ لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ﴾ ، وقوله سبحانه: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ ، وقوله : ﴿فَلا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الأَمْثَالَ إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ وقوله : ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيّاً﴾ ، إلى أشباه هذه الآيات الدالة على كماله سبحانه، وأنه جلّ وعلا موصوف بصفات الكمال منزه عن صفات النقص والعيب، فهو كما أخبر عنه الرسول محمد ﵊ له الأسماء الحسنى وله الصفات العلا.

стр. 8135

فواجب على المؤمن أن يؤمن بكل ما أخبر الله عنه ورسوله من أسماء الله وصفاته، ويعرفها كما جاءت؛ لا يغير ولا يبدل ولا يزيد ولا ينقص، بل يعرفها كما جاءت من غير تحريف ولا تعطيل ولا تكييف ولا تمثيل، بل تثبت كما أثبتها السلف الصالح. فمن ذلك الاستواء، والنزول، والوجه، واليد، والرحمة، والعلم، والغضب، والإرادة وغير ذلك من صفات الله ؛ فتثبت له سبحانه كما جاء في الكتاب العزيز وكما جاء في السنة الصحيحة، نثبتها له كما أثبتها السلف الصالح من أهل السنة والجماعة، كما أثبتتها الرسل عليهم الصلاة والسلام. فنقول: استوى على العرش استواء يليق بجلاله وعظمته، ليس كما تقول الجهمية: استولى؛ فانه ليس في موقف المغالب جل وعلا، فلا أحد يغالبه؛ فهو مسئول على كل شيء جل وعلا، ولكن الاستواء صفة خاصة بالعرش، معناه العلو والارتفاع؛ فهو عال فوق خلقه مرتفع فوق عرشه استواء يليق به سبحانه لا يشابه خلقه في شيء من صفاته جل وعلا؛ فاستواؤه أمر معروف كما قال مالك ﵀: "الاستواء معلوم والكيف، مجهول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة"، وكما قال ربيعة شيخ الإمام مالك رحمهما الله، وكما قالته أم سلمه ﵂، وكما قاله أهل السنة والجماعة؛ فالصفات معلومة وكيفها مجهول والإيمان بها واجب. هذا طريق الصفات كلها العلم، والرحمة، والغضب، والوجه، واليد، والقدم، والأصابع وغير ذلك مما جاءت به الآيات والسنة الصحيحة طريقها واحد، وهكذا حديث النزول؛ نؤمن به ونثبت معناه لله على الوجه اللائق به ولا يعلم كيفيته سواه؛ فنقول: ينزل بلا كيف كما يشاء نزولا يليق بجلاله وعظمته، لا ينافي علوه وفوقيته ، ولا يشابه نزول المخلوقين.

стр. 8136

وهكذا استواؤه على العرش لا ينافي علمه بالأشياء وإحاطته بها، وأنه مع عباده ومع أهل طاعته، مع عباده بعمله واطلاعه ، كما قال : ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ﴾ ؛ فهذا لا ينافي علوه واستواءه على عرشه؛ فهو معنا بعلمه واطلاعه، وهو فوق العرش كما يشاء، وكما أخبر جل وعلا، من غير تحريف ولا تكييف، وهو مع أوليائه وأهل طاعته بعلمه وتأييده أيضا وعنايته بهم، وكلاءته لهم ونصره إياهم، فهما معيّتان: معية عامه تقتضي العلم والإحاطة ورؤية العباد، وأنه لا تخفى عليه. هل هو نبي رسول، أو نبي فقط، اختلفت الروايات في ذلك؛ فالمقصود أن آدم من جملة الأنبياء بلا شك وأنه على شريعة، وحديث جمع الناس يوم القيامة وتقدم المؤمنين إلى نوح وقولهم له: يا نوح أنت أول رسول أرسله الله إلى أهل الأرض، يحتج به على أن نوحا أول الرسل، وأن آدم نبي مكلم فقط، ولو صح أنه رسول فالمعنى أنه رسول إلى ذريته بخلاف نوح؛ فإنه أرسل إلى قومه وهم أهل الأرض ذلك الوقت، أما آدم فإنه أرسل بشريعة خاصة قبل وقوع الشرك، وأما نوح فقد أرسل إلى قومه وهم أهل الأرض جميعا من ذريته وغيرهم بعد وقوع الشرك في الأرض، وبذلك لا يبقى تعارض بين كون آدم رسولا - إن صح الحديث - وبين كون نوح هو أول رسول أرسل إلى أهل الأرض. وهكذا القول في الأصل الخامس وهو الإيمان باليوم الآخر، نؤمن به إجمالا وتفصيلا؛ فنؤمن بما سمى الله من أمر الآخرة، كالجنة والنار والصراط والميزان وغير ذلك، وما سوى ذلك مما لم يرد في الآيات والأحاديث الصحيحة تفصيله؛ نؤمن به على سبيل الإجمال.

стр. 8137

وهكذا القدر، وهو الأصل السادس، نؤمن به كما جاءت به النصوص، والإيمان به يشمل أربعة أشياء عند أهل السنة: وهي العلم بأن الله قد علم الأشياء كلها وأحصاها، وأنه لا تخفى عليه خافية جل وعلا؛ فهو سبحانه يعلم كل شيء كما قال : ﴿إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ . بهذا يرد على الجهمية والمعتزلة الذين أنكروا هذا العلم، ولهذا قال الشافعي ﵀ في حقهم: "ناظروهم بالعلم؛ فإن أقروا به خصموا، وإن جحدوه كفروا"؛ لأن قولنا إن الله عالم بالأشياء هذا هو القدر؛ لأن الأشياء لا تخفى على الله، فمتى علم الله بالأشياء فمستحيل أن تقع على خلاف علمه؛ لأن وقوعها على خلاف علمه يكون جهلا، أما إن جحدوا ذلك، وقالوا: لا يعلم، فهذا كفر وضلال وتكذيب لله ووصف له وهذا تنقص عظيم يوجب كفر من قاله. (الأمر الثاني) : الكتابة، وهو أن الله سبحانه قد كتب الأشياء كما قال : ﴿وما أصاب من مصيبة في الأرض ولا في أنفسكم إلا في كتاب من قبل أن نبرأها إن ذلك على الله يسير﴾ ، وقال سبحانه: ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاءِ وَالأَرْضِ إِنَّ ذَلِكَ فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ ؛ فالمقصود أنه كتب الأشياء جل وعلا، وهكذا حديث عبد الله بن عمر: "إن الله قدر مقادير الخلائق قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة، وكان عرشه على الماء". أخرجه مسلم في صحيحه. فكتابة الأشياء التي أوجدها سبحانه أو سيوجدها أمر معلوم جاءت به النصوص من كتاب الله وسنة رسوله ﵊؛ فعلينا أن نؤمن بذلك وأن الله كتب الأشياء كلها وعلمها وأحصاها؛ لا تخفى عليه خافية، وهو سبحانه بكل شيء عليم وعلى كل شيء قدير .

стр. 8138

(الثالث) : مشيئته النافذة، وأن ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن، وأنه لا يكون شيء في ملكه دون مشيئته جلّ وعلا، بل ما شاء الله كان وما لم يشأ الناس لم يكن وإن شاء الناس؛ فلا بد إذا من الإيمان بهذه المشيئة؛ ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن، قال : ﴿لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ ، وقال سبحانه: ﴿فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ، وَمَا يَذْكُرُونَ إِلا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ ؛ فالمقصود أنه سبحانه له المشيئة الكاملة النافذة؛ ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ . (الأمر الرابع) : قدرته على الأشياء، وخلقه وإيجاده لها، وأن نؤمن بأنه سبحانه على كل شيء قدير، وأنه الخلاق العليم، وأن جميع الأشياء الموجودة هو الذي خلقها وأوجدها، وهكذا في المستقبل، لا أحد يشاركه في ذلك، بل هو الخلاق والرزاق، وهو على كل شيء قدير وبكل شئ عليم، كما قال سبحانه: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ﴾ . فالإيمان بالقدر يشمل هذا كله، يشمل علمه بالأشياء، ويشمل إيماننا بعلمه بالأشياء وكتابته لها، وأيضا بأن ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن، وإيماننا أيضا بأنه الخلاق لكل شئ، وأن جميع الأشياء هو خالقها وموجدها . وفي هذا ردّ على من قال خلاف ذلك من المعتزلة وغيرهم؛ فإن من أنكر مشيئة الله، وقال إنه يوجد في ملكه ما لا يريد فهو مكذّب لله ، منتقص له ؛ فلا بد من الإيمان بأنه على كل شئ قدير، وأن ما شاءه كان، وما أراده بإرادته الكونية كان.

стр. 8139

ولكن بعض الناس تخفى عليهم هذه الأشياء التي جاءت بها الرسل؛ فيجب أن تبين لهم بأدلتها، وأن يوضح لهم الفرق بين الإرادة الكونية التي لا يتخلف مرادها - وهي المذكورة في مثل قوله سبحانه: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ - وبين الإرادة الشرعية التي قد يتخلف مرادها بالنسبة إلى بعض الناس، وهي المذكورة في قوله سبحانه: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ﴾ .. الآية. ومعلوم أن بعض الناس مات على جهله ومات على غير توبة، وقال تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ﴾ .. الآية، هذه إرادة شرعية؛ لأنه سبحانه قد خفف على قوم ولم يخفف على آخرين، فمعنى ذلك أنه أمر بهذا ورضي به وأحبه، ولكن من الناس من وفق لهذا الشيء ومنهم من لم يوفق له، ومن ذلك ما جاء في الحديث الصحيح: "أن الله سبحانه يقول يوم القيامة لبعض المشركين: لو كان لك مثل الأرض ذهبا أكنت مفتديا به؟ فيقول: نعم، فيقول الله سبحانه له: قد أردت منك ما هو أدنى من ذلك وأنت في صلب أبيك آدم! أردت منك أن لا تشرك بي شيئا؛ فأبيت إلا الشرك". يعني أردت منك شرعا أن لا تشرك بي، وذلك ما جاء به على ألسنة الرسل من الأمر بعبادته وحده، والنهي عن الإشراك به، ولكن أبى أكثر الخلق إلا الشرك بالله ، ولم يقبلوا الإرادة الشرعية. فمن آمن بهذه الأمور الأربعة - وهي: علم الله سبحانه بجميع الأشياء، وكتابته لها، ومشيئته لما وجد منها، وأنه سبحانه خالق الأشياء وموجدها - فقد آمن بالقدر إيمانا كاملا، ومن قصر في ذلك فقد قصر في الإيمان بالقدر، ولم يسر على هدى أهل السنة والجماعة في ذلك، ولم يؤمن بالقدر على حقيقته، بل آمن ببعضه وكفر ببعض.

стр. 8140

ثم الإيمان بالقدر لا يلزم منه أن يكون العبد مجبورا لا إرادة له ولا مشيئة، وإنما هو كالسعفة تطيرها الرياح هكذا وهكذا، وكالريشة في الهواء، خلافا للقدرية المجبرة من الجهمية وغيرهم، بل له اختيار ومشيئة، وله إرادة وعقل يميزه به، ولكن هذه المشيئة وهذه الإرادة وهذا الاختيار لا يكون به شيء إلا بعد مشيئة الله ، كما قال الله: ﴿لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ، وَمَا تَشَاءُونَ إِلا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ . فهو مخير ومسير: مخير من جانب لأن الله أعطاه عقلا وأعطاه بصرا وأعطاه أدلة ومكنه من الإيمان والعمل؛ فهو قادر وله إرادة وله مشيئة يقدر أن يتباعد عن المعصية، ويقدر أن يطيع وأن يعصي، ويقدر أن يتصدق، ويقدر أن يمتنع. وهو مسير من جهة أخرى، وهي أنه ليس له مشيئة إلا بعد مشيئة الله، ولا اختيار إلا بعد اختيار الله، ولا يستقل بالأشياء، فله إرادة خاصة ومشيئة خاصة بعد مشيئة الله وإرادته، ولهذا قال : ﴿هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ﴾ ..الآية؛ فالإنسان سائر ومسير، هو سائر بما أعطاه الله من العقل والاختيار والمشيئة، ومسير بما سبق في علم الله من القدر السابق، فهذا لا يمكن أن يخالفه ولا يحيد عنه. ومن هذا يعلم المؤمن الفرق بين عقيدة السلف الصالح، وعقيدة المعتزلة والقدرية النفات، وعقيدة القدرية المجبرة. فالقدرية المجبرة غلَوا في إثبات القدر حتى قالوا: ليس للعبد إرادة ومشيئة، وقد أخطئوا في ذلك، وأصابوا في الإيمان بالقدر، أما القدرية النفات، فغلوا في نفي القدر وأفرطوا في ذلك، وأخطئوا غاية الخطأ، ولكنهم أصابوا في إثبات المشيئة والاختيار للعبد، وأخطئوا في جعله مستقلا بذلك؛ فأهل السنة والجماعة أخذوا ما عند الطائفتين من الحق وتركوا ما عندهما من الباطل.

стр. 8141

وهكذا يجب على أهل الحق إذا ردوا على أهل الباطل أن يفصلوا وأن ينصفوا؛ فيقولوا لهم: قلتم كذا وقلتم كذا؛ فنحن معكم في هذا ولسنا معكم في هذا، نحن معكم في الحق الذي قلتموه، كالإيمان بالقدر، ولسنا معكم بأن العبد مجبور، بل له اختيار ومشيئة، ويقال للمعتزلة وأشباههم: نحن معكم في أن العبد له مشيئة واختار، ولكن لسنا معكم في تجهيل الله ، وإنكار علمه ومشيئته. وهكذا يقال للشيعة: نحن معكم في محبة أهل البيت ومحبة علي ﵁ وأرضاه؛ فإنه ومن سار على نهجه على هدى، وإنه من خيرة أصحاب رسول الله ﷺ ، بل هو أفضلهم بعد الصديق وعمر وعثمان ﵃ جميعا, ولكن لسنا معكم في أنه معصوم، وأنه الخليفة لرسول الله ﷺ ، بل قبله ثلاثة، ولسنا معكم في أنه يعبد من دون الله ويستغاث به وينذر له ونحو ذلك، لسنا معكم في هذا لأنكم مخطئون في هذا خطأ عظيما، لكن نحن معكم في محبة أهل البيت الملتزمين لشريعة الله والترضي عنهم، والإيمان بأنهم من خيرة عباد الله؛ عملا بوصية رسول الله ﷺ حيث قال في حديث زيد بن أرقم: "أذكركم الله في أهل بيتي! أذكركم الله في أهل بيتي! ". وهكذا بقية الطوائف؛ نأخذ ما معهم من الحق ونقر لهم به، ونرد عليهم باطلهم بالأدلة النقلية والعقلية. وبهذا يتضح أن هذه الأصول الستة هي أصول الدين، وهي الجامعة لكل ما أخبر الله عنه؛ فمن استقام عليها قولا وعملا؛ فقد استكمل الإيمان وسلم من النفاق؛ لأن هذه الأصول تقتضي من المؤمن بها أداء ما أوجب الله عليه له ولعباده، وتقتضي تصديقه بكل ما أخبر الله به في كتابه أو أخبر به رسول الله ﷺ فيما صح من السنة، ومن جحدها أو جحد شيئا منها لم يكن مؤمنا.

стр. 8142

والخلاصة أن هذه الأصول أصول عظيمة، وقواعد أساسية لهذا الدين العظيم تجب مراعاتها والاستقامة عليها في جميع الأحوال، والبراءة من كل ما خالفها، ومن أتى بقول أو عمل يوجب كفره فهو دليل على عدم إيمانه بهذه الأصول أو بعضها الإيمان الصحيح، وذلك مثل ترك الصلاة المكتوبة؛ فإن الذي لا يصلي لا إيمان عنده - على الصحيح - يحجزه عن ترك الصلاة التي هي عمود الإسلام؛ ولهذا فإن القول الصواب إنه كافر كفرا أكبر. وكالذي يستهزئ بالله، أو بالجنة، أو بالقرآن، وما أشبه ذلك؛ فإنه كافر إجماعا؛ لأن هذا الاستهزاء والتنقص دليل على أن دعواه الإيمان باطلة، وأنه ليس عنده إيمان يحجزه عن الاستهزاء بالله ورسوله. وهكذا الذي يهين المصحف، أو يلطخه بالنجاسة، أو يجلس عليه، وهو يعلم أن المصحف كتاب الله؛ هذا دليل على أن هذا الرجل لا إيمان له، وإنما يدعى الإيمان، ولو كان عنده إيمان صحيح لحجزه عن هذا العمل الذي يوجب كفره. وهكذا من استهزأ بالرسل، أو كذب بعضهم يكون عمله دليلا على أن إيمانه ليس بصحيح، بل هو دعوى. وعلى هذا يقاس بقية الأمور التي تقع من الناس، ومن ذلك قوم مسيلمة لما صدقوا رسول الله ﷺ وآمنوا به وصلوا وصاموا، ولكنهم ادّعوا أن مسيلمة شريك في الرسالة صاروا عند أهل العلم والإيمان من الصحابة ومن بعدهم كفارا لا نزاع بين أهل العلم في ذلك، ولو صلوا وصاموا وقالوا إن محمدا رسول الله؛ لأنهم لما قالوا إن مسيلمة شريك في الرسالة؛ كفى هذا في كفرهم؛ لأنهم بهذا قد كذبوا قول الله تعالى: ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ ، كما كذبوا الأحاديث الصحيحة المتواترة الدالة على أن رسول الله ﷺ هو خاتم النبيين والمرسلين.

стр. 8143

وهكذا القاديانية لما آمنوا بأن غلام أحمد نبي، وأنه يوحى إليه صار من آمن منهم بهذا كافرا كفرا أكبر؛ لأنه مكذب لله ورسوله، وإن صلى وصام وزعم أنه مسلم، وهكذا من لم يؤمن بأن الجنة حق، أو لم يؤمن بأن النار حق، أو قال إن النار ليست عذابا لأهلها بل نعيم لهم، كما يقول ذلك ابن عربي الضال المعروف بالقول بوحدة الوجود، ولا شك أن هذا إنكار لما دل عليه كتاب الله وسنة رسوله ﷺ وإجماع أهل العلم؛ مِن كون النار أعدّها الله عذابا لا نعيما، جزاء لهم على ما فعلوا من الأعمال التي حرمها الله عليهم، وعلى ما تركوه مما أوجب الله عليهم، وعلى ما كذبوا به مما أخبرت به الرسل ودل عليه الكتاب العزيز، والقرآن مملوء من الآيات الدالة على أن النار عذاب لأهلها، لا ينكر ذلك إلا مكابر معاند، أو جاهل لا يدري شيئا مما جاءت به، الرسل، أو فاقد للعقل. ويتبين من هذا أن الأمور تؤخذ أحكامها على ظاهر الكتاب والسنة، وعلى ما أخبر الله به ورسوله، وعلى ما جاء عن سلف الأمة، ومن أبى ذلك وادعى خلاف ما تقتضيه هذه الأصول فان دعواه باطلة. وأسأل الله أن يوفقنا للفقه في كتابه وسنة نبيه ﵊، ويرزقنا وسائر المسلمين الإيمان الصادق والعمل الصالح، وأن يمنحنا الثبات على الحق حتى نلقاه سبحانه؛ إنه سميع مجيب، وصلى الله وسلم على عبده ورسوله نبينا محمد وعلى آله وأصحابه وأتباعه بإحسان

стр. 8144

مفهوم الربوبية لفضيلة الشيخ سعد ندا مدير مركز شئون الدعوة الإسلامية إضافة الرب سبحانه إلى مخلوقاته: أسلفت القول إن عباد الله المخلصين كان جلّ أدعيتهم بصفة الربوبية؛ لأن دعاء الرب إنما هو طلب العطاء إنعاما منه سبحانه وتفضلا، والعطاء من خصائص الربوبية؛ فهو ﵎ المعطى لكل مطلوب من خزائنه الملآى التي تحوي كل شئ، كما يقول تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلا عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ﴾ -الحجر-. وهو كذلك المعطي لكل مطلوب دون أن يخشى نفاد ما عنده؛ لأن ما عنده غير قابل للنفاد، كما يقول تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا لَرِزْقُنَا مَا لَهُ مِنْ نَفَادٍ﴾ -ص-، وقد أضيف اسم الرب سبحانه إلى بعض مخلوقاته؛ لوصفه تعالى بدلائل العظمة وعظيم القدرة وكمال الملك؛ لتشريف هذه المخلوقات.. ومن أمثلة هذه الإضافة ما يأتي: ١- الإضافة إلى "العالمين": وقد وردت هذه، الإضافة في القرآن الكريم حول اثنين وأربعين مرة، وذلك مثل قوله تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ -الفاتحة-، وقوله: ﴿إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ -البقرة-، وقوله: ﴿مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ﴾ - لمائدة-، وقوله: ﴿قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ -الأنعام-، وقوله: ﴿أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ -الأعراف-، وقو له: ﴿وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ .. إلى غير ذلك من الآيات.

стр. 8145

وكلمة (العالمين) معناها: من سوى الله تعالى..؛ فهو جل شأنه ربهم بخلقه لهم، وإعداده لهم ما يحتاجون إليه من آلات، وإنعامه عليهم بعظيم النعم التي لو فقدوها لما أمكن لهم البقاء. وتربيته تعالى لخلقه نوعان: عامة وخاصة؛ فالعامة هي خلقه لهم ورزقهم، وهدايتهم لما فيه صالحهم وبقاؤهم في الحياة الدنيا، والخاصة تربيته لأوليائه بالإيمان، وتوفيقهم لكل خير يرضيه، ودفع كل ما يصرفهم عن ربهم ، وبهذا تضمن وصفه تعالى بأنه ﴿رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ بانفراده بالخلق والإنعام والتدبير وكمال غناه عن خلقه غنى مطلقا، وكامل فقر خلقه إليه فقرا مطلقا. وما دام أن (العالمين) تعنى ما سوى الله تعالى، وما سواه هو المخلوقات، فإن إضافة الرب إلى (العالمين) إنما هي إضافة الخالق إلى المخلوق، وهى إضافة إلى عام وهو المخلوقات، وما يضاف إليه الرب سبحانه عدا (العالمين) فهو جزء من (العالمين) . ٢- الإضافة إلى (كل شيىء) : وقد وردت هذه الإضافة في القرآن الكريم مرة واحدة في قوله تعالى: ﴿قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِي رَبّاً وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ﴾ . والإضافة إلى (كل شيىء) تعنى الإضافة إلى المخلوقات؛ لأن كل شيىء سوى الله مخلوق؛ فهذه الإضافة تماثل الإضافة إلى: (رب العالمين) . ٣- الإضافة إلى (السماوات والأرض) :

стр. 8146

والسماوات والأرض جزء من المخلوقات، وقد وردت هذه الإضافة في القرآن الكريم إحدى عشرة مرة، وذلك مثل قوله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ قُلِ اللَّهُ﴾ -الرعد-، وقوله: ﴿مَا أَنْزَلَ هَؤُلاءِ إِلا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ بَصَائِرَ﴾ -الإسراء-، وقوله: ﴿فَقَالُوا رَبُّنَا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ لَنْ نَدْعُوَ مِنْ دُونِهِ إِلَهاً لَقَدْ قُلْنَا إِذاً شَطَطاً﴾ -الكهف-، وقوله: ﴿رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا الْعَزِيزُ الْغَفَّارُ﴾ - ص-، إلى غير ذلك من الآيات. ووردت الإضافة إلى (السماء والأرض) مرة واحدة في قوله تعالى: ﴿فَوَرَبِّ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ﴾ . ٤- الإضافة إلى (والعرش العظيم) و (العرش الكريم) : والعرش جزء من المخلوقات، وهو أعظمها، كما أشارت الأحاديث الصحيحة إلى ذلك؛ وقد وردت الإضافة إلى العرش مرتين في قوله تعالى: ﴿فَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾ ، وفي قوله: ﴿سُبْحَانَ رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾ -الزخرف-، ووردت الإضافة إلى (العرش العظيم) ثلاث مرات في قوله تعالى: ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ لا إِلَهَ إِلا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ﴾ -التوبة-، وفي قوله: ﴿قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيم﴾ -المؤمنون-، وفي قوله: ﴿اللَّهُ لا إِلَهَ إِلا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ﴾ -النمل-، ووردت الإضافة إلى (العرش الكريم) مرة واحدة في قوله تعالى: ﴿فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لا إِلَهَ إِلا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ﴾ -المؤمنون-

стр. 8147

٥- الإضافة إلى (المشرق والمغرب) و (المشارق) و (المشرقين والمغربين) و (المشارق والمغارب) والمشرق والمشرقان والمشارق، والمغرب والمغربان والمغارب كلها جزء من خلق الله تعالى. وقد وردت الإضافة في مثل قوله تعالى: ﴿رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ﴾ -الشعراء-، وفي قوله: ﴿رَبُّ الْمَشْرِقَيْنِ وَرَبُّ الْمَغْرِبَيْنِ﴾ -الرحمن-، وفي قوله: ﴿رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَرَبُّ الْمَشَارِقِ﴾ - الصافات-، وفي قوله: ﴿رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ لا إِلَهَ إِلا هُوَ فَاتَّخِذْهُ وَكِيلاً﴾ - المزمل-، وفي قوله: ﴿فَلا أُقْسِمُ بِرَبِّ الْمَشَارِقِ وَالْمَغَارِبِ إِنَّا لَقَادِرُونَ عَلَى أَنْ نُبَدِّلَ خَيْراً مِنْهُمْ وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ﴾ - المعارج-. ٦- الإضافة إلى (موسى وهارون) "﵉: وهما جزء من خلق الله تعالى، وقد وردت هذه الإضافة في قوله تعالى: ﴿قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ﴾ - الأعراف-. ٧- الإضافة إلى (مكة المكرمة) : وهى جزء من خلق الله تعالى. وقد وردت هذه الإضافة في قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هَذِهِ الْبَلْدَةِ الَّذِي حَرَّمَهَا﴾ - النمل-. ٨- الإضافة إلى (البيت الحرام) : وهو جزء من خلق الله. وقد وردت هذه الإضافة في قوله تعالى: ﴿فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ﴾ - قريش-. ٩- الإضافة إلى (الفلق) : وهو الصبح، وهو جزء من خلق الله. وقد وردت هذه الإضافة في قوله تعالى: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ﴾ - الفلق-. ١٠- الإضافة إلى (الناس) : والناس جزء من خلق الله.

стр. 8148

وقد وردت هذه الإضافة في قوله تعالى: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ﴾ - الناس-. وهكذا وردت في القرآن الكريم إضافة اسم الرب إلى كثير من مختلف مخلوقاته كبيرة وصغيرة؛ لتدل على صفات العظمة والقدرة والملك على الإطلاق. كما وردت هذه الإضافة بنفس المعنى في بعض الأحاديث النبوية ة وذلك في: ١- ما روى عن ابن عباس ﵁ أن رسول الله ﷺ كان يقول عند الكرب: "لا إله إلا الله العظيم الحليم، لا إله إلا الله رب العرش العظيم، لا إله إلا الله رب السماوات ورب الأرض ورب العرش الكريم". رواه البخاري ومسلم. ٢- ما روي عن ابن عباس أن رسول الله ﷺ كان يقول إذا قام إلى الصلاة من جوف الليل: "اللهم لك الحمد أنت نور السماوات والأرض، ولك الحمد أنت قيام السماوات والأرض، ولك الحمد أنت رب السماوات والأرض ومن فيهين" رواه مسلم. ٣- وما روي عن أبي هريرة قال: كان رسول الله ﷺ يأمرنا إذا أخذنا مضجعنا أن نقول: "اللهم رب السماوات والأرض ورب العرش العظيم، ربنا ورب كل شئ، فالق الحب النوى منزل التوراة والإنجيل والفرقان". رواه مسلم والترمذي وقال: حديث صحيح. ٤- وما روي عن أبي هريرة قال: قال أبو بكر: قلت: يا رسول الله! مرني بشيء أقوله إذا أصبحت قال: "قل اللهم عالم الغيب والشهادة، فاطر السماوات والأرض، ورب كل شئ ومليكه..". رواه الترمذي وأبو داود والدارمي، وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح. من العرض الموجز الذي أسلفته في الإضافة السابقة، يبين أن ربنا جل وعلا يلفتنا بهذه الإضافة إلى صفاته من العظمة والجلال والقدرة والملك على وجوه التفرد والإطلاق.

стр. 8149

وقد استجاب إلى هذا اللفت عباد الله المخلصين، ومن ذلك مثلا ما حكاه الله تعالى عن جواب موسى على فرعون لما سأله: ﴿قَالَ فَمَنْ رَبُّكُمَا يَا مُوسَى قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى﴾ -طه-؛ فكان جوابه ببيان خصائص الربوبية من الخلق وهداية كل خلق لما يصلح له في حياته، والذي يخلق يمدّ من يخلقه بالنعم التي تقيم له حياته. كذلك ما حكاه الله تعالى عن أصحاب الكهف المؤمنين في قوله: ﴿وَرَبَطْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ إِذْ قَامُوا فَقَالُوا رَبُّنَا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَنْ نَدْعُوَ مِنْ دُونِهِ إِلَهاً لَقَدْ قُلْنَا إِذاً شَطَطاً﴾ -الكهف-؛ فكان قول أولئك المؤمنين متضمنا بيان خصائص الربوبية من السماوات والأرض، والذي يخلق هذين الخلقين العظيمين يدبر أمرهما بما يكفل حفظهما على أكمل وجه وأتم نسق. ولو أننا أردنا أن نستقصي إضافة الرب إلى مخلوقاته في الكتاب والسنة، وتفصيل مفهوم كل إضافة لطال بنا الكلام بما لا يتسع له هذه الصفحات، لكنها إشارة عابرة وعجالة خاطفة، أردت بها أن أذكر في هذا الأمر، والذكرى تنفع المؤمنين، وعسى أن ييسر الله فأعود في بحث مستقل إلى تفصيل هذا الموضوع.

стр. 8150

ولو أن الإنسان ذا العقل السليم يمعن النظر في آيات الله المنبثة في السموات والأرض، لخر ساجدا مقرا أن هذا الكون لابد له من خالق عليم قادر حكيم، لا يعزب عنه مثقال ذرة في السماوات ولا في الأرض، ولا تأخذه سنة ولا نوم، وإلا اضطراب هذا الكون، وفسد سيره، واختل نظامه، ولوجدنا السماء تارة تهبط وتارة تعلو، ولوجدنا الشمس تصعد فيهلك الخلق من البرودة، وتارة تدنو فيهلك الخلق من الحرارة، ولوجدنا البحار تفيض مياهها تارة وتفيض أخرى فتقضي على الحياة على سطح الأرض، ولكنا نجد الكون كله يسير في دقة ونظام، وسنة لا تتبدل، ولن تجد لسنة الله تبديلا.. وصدق ربنا الكريم: ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ ؟. ورغم كل هذه الآيات الناطقات المقرات بالخلاق العظيم، رأينا في كل عصر - خاصة العصر الحديث - من يتجرأ بالتصريح بإنكاره، معلنا أن الطبيعة هي التي خلقت وتخلق كل شئ. ﴿كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ إِنْ يَقُولُونَ إِلا كَذِباً﴾ ... المنكرون للخالق : وإن هناك قوما ينكرون خالق الكون جل وعلا، ويعتقدون أن الطبيعة هي التي طبعت نفسها، وهي التي خلقت كل شيء، ومن ثم لا يؤمنون بدين ولا يؤمنون برسل ولا برسالات، ومن هؤلاء الشيوعيون الملاحدة الذين يقولون: "إن الدين هو أفيون الشعوب"، ويقولون: "إن الدين هو الغذاء الخادع للضعفاء؛ لأنه يدعوهم إلى احتمال المظالم في الوقت الذي لا يتمكن من إزالتها"، ويقولون:"إن الدين هو خمرة الشعوب يروضها على الفقر والمسكنة، ويلهيها بما يغريها من نعيم الدنيا؛ ليستأثر به قادة المجتمع ويغتصبوا منه علانية أو يسرقوا منه خلسة ما يطيب لهم أن يغتصبوه أو يسرقوه" ...

стр. 8151

ولا يؤمن هؤلاء أعداء الدين بوجود الخالق المغيّب عنهم الذي لا تراه أعينهم ولا تحسه حواسهم، بل يؤمنون بالماديات المشاهدة المحسوسة التي لا سبيل إلى الشك في وجودها. ولقد تداولت هذه الأفكار في العصر الحاضر في العالم، وتسربت إلى قلوب طائفة من المسلمين - خاصة شبابهم - في مختلف البلاد؛ فاعتنقوها وآثروا مبادئها العفنة على مبادئ الإسلام العظيمة، وسبب ذلك أن الشيوعية وما شاكلها من المبادئ الانحلالية الملحدة الهدامة تحطم كل القيم، وتدمر القيود، وتتخطى كشف الحدود؛ فلا يلتزم الفرد فيها بأي رباط يربطه بخالقه؛ لأنه لا يؤمن به، وينفلت انفلاتا لا يعول فيه على شئ، ولا يرعى فيه أحداً؛ فيرتكب كل منكرة ويأتي كل فحش، ويمارس كل خبث، ويطلق العنان لشهوات نفسه دون قيود، ويرى في حدود الدين أغلالا يكاد يختنق بها، وقد أشار الله تعالى إلى ظلم من يتخطى حدوده التي وضعها لصالح عباده؛ فقال تعالى: ﴿وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ﴾ - الطلاق -، ومن ثم لا ينبغي للإنسان أن يتعدى المعالم التي وضعها الله تعالى فرقانا بين الحلال والحرام، وإلا أورد نفسه موارد المهالك والمدمرة. وإن السبب الرئيسي في تقبل بعض المسلمين وعلى الأخص شبابهم تلك المبادئ الهدامة هو خلو قلوبهم من عقيدة الإسلام الصحيحة، ولو أن قلوبهم قد امتلأت بهذه العقيدة لطردت كل فكر خبيث مدمر، ولفظت كل مبدأ هدام. وإن الذين يؤمنون بتلك المبادئ الإلحادية يحملون سؤالا يرفعونه دائما بين أيديهم، يواجهون به كل من يحاول أن يعرض عليهم الإسلام، إنهم يسألون فيقولون: "ما الدليل العقلي على وجود الله؟ "، ويظنون بهذا السؤال أنهم أعجزوا من وجهوه إليه وأفحموه.

стр. 8152

ولقد شاع هذا السؤال، حتى وإن بعض المنظمات الإلحادية العالمية قد حاولت أن توصد الباب أمام الإجابة على هذا السؤال فطبع أكابر مجرميها نشرات تشمل إنكارا صريحا للخالق سبحانه، يوزعها شباب مخنفس، وشابات محنفسات، حصلت على بعضها عندما ابتعثتني الجامعة الإسلامية للدعوة إلى الله تعالى في صيف عام ١٩٧٦م باستراليا، وأنا أمرّ بأحد شوارع مدينة (سيدني) ، أكبر مدن وموانئ استراليا وعاصمتها السابقة. وقد حملت هذه النشرات هراءً في عناوين إلحادية خطيرة باللغة الإنجليزية، ترجمتها ما يأتي: "ليس هناك إله.. ليس هناك حق.. ليسر هناك قواعد.. ليس هناك قيود؛ دعنا نحصل على الفوضوية، ليس هناك شيىء صحيح.. ليس هناك شيىء خطأ.. ليس هناك شيىء له معنى.. ليس هناك شيىء كامل"؛ فضلا عن ذلك فإن تلك النشرات تحمل دعوات صريحة للتحلل والدعارة". وينشط أولئك المخنفسون في توزيع تلك النشرات في الطرقات على أكبر عدد ممكن من الناس. وهذا أمر خطير جدا يجب أن يجابهه المسلمون بكافة الوسائل المضادة التي تقضي على هذه الأفكار الخبيثة المدمرة. إن الطبيعين مع ادعائهم الثقافة والمعرفة، ومع تخرج كثير منهم في الجامعات - بل إن منهم من حصل على درجات الماجستير والدكتوراه - ملأت قلوبهم تلك الشبهة؛ شبهة الطبيعة؛ فأصبحت إلههم المزعوم، وإذا سألتهم من خلق السموات والأرض أجابوا: الطبيعة، ومن خلق الشمس والقمر والنظم وسيرها هذا السير المحكم البديع؟ أجابوا: الطبيعة، ومن خلق الإنسان في أحسن تقويم؟ أجابوا: الطبيعة، ومن خلق النباتات والحيوانات؟ أجابوا: الطبيعة. ومن خلق الماء الذي لا يستغني عنه مخلوق؟: أجابوا الطبيعة. ومن يدبر أمر هذا الكون؟ أجابوا: الطبيعة. ونحن نسأل هؤلاء: ما معنى الطبيعة التي ينسبون إليها كل هذا الخلق؟ ولا نجد عندهم سوى جوابين:

стр. 8153

الجواب الأول عند بعضهم: أن الطبيعة هي المخلوقات ذاتها التي تتمثل في الإنسان والحيوانات والنباتات والجمادات، وغير ذلك مما يوجد في هذا الكون. والجواب الثاني عند البعض الآخر: أن الطبيعة هي الخصائص التي تختص بها هذه المخلوقات، والصفات التي تتصف بها، كالطول والعرض والليونة والصلابة والهدوء والعنف والألفة والنفرة والسكون والحركة، وغير ذلك من صفات المخلوقات. وردنا على هذين الجوابين فيما يلي: أما الجواب الأول: وهو أن الطبيعة هي المخلوقات ذاتها، فهو قول فاسد؛ ذلك أنه تفسير للطبيعة بالطبيعة، بمعنى تفسير الطبيعة بالمخلوقات ذاتها، أي: أن الإنسان هو الذي خلق نفسه، والحيوانات هي التي خلقت نفسها، والنباتات هي التي خلقت نفسها، والجمادات هي التي خلقت نفسها، وكل المخلوقات هي التي قامت بخلق نفسها، ومن ثم تصبح هي الخالقة والمخلوقة في آن معا. وبطلان هذا القول واضح؛ وذلك بأنه يعني توحد الخالق والمخلوق، وهذا أمر مستحيل وجودا وعقلا، فضلا عن أن إدعاء وجود شيء من غير سبب أمر فاسد فسادا جليا؛ ذلك أننا إذا نظرنا إلى ما بين أيدينا في السماء والأرض، نرى أن الثمر يحصل من شجر، وأن الماء ينشأ من عنصري الأوكسجين والهيدروجين، وأن المطر ينهمر من السحاب، وأن الحرارة تصدر من الشمس، وأن الصوت يحدث من الطرق، وأن البناء يقوم بيد بناء، وأن هذه السطور تثبت على الأوراق بيد كاتب، وأن السيارة تصنع بيد صانع وتتحرك بيد قائد، وهكذا كل موجود لابد له من موجد، وكل مسبب لابد له من سبب. وما لمحنا أبدا أن أدوات سيارة ترمى على الأرض فتركب نفسها، أو سيارة واقفة تتحرك دون قائدها، أو قلماً يوضع بجوار ورق فيسطر عليه سطورا دون أن يحركه كاتب، وما شاهدنا أبدا حجارة ورملا وأسمنتا على الأرض تتحرك جميعها وترصّ نفسها بنفسها فوق بعضها؛ فتقيم لنا بناء.

стр. 8154

ومعنى هذا وخلاصته أنه لا يوجد قط حادث من غير محدث، ولا موجود من غير موجد، وقد أصبح هذا المعنى الذي يحكم الواقع الملموس شيئا مؤكدا لا يتصور العقل خلافه، ولا يأبى إقراره إلا عقل عاجز عن الإدراك؛ لهذا وجدنا ذلك العربي الحصيف الذي أدرك هذه السببية بفطرته يقول قولته الشهيرة: "البعرة تدل على البعير، والأثر يدل على المسير؛ ليل داج، ونهار ساج وسماء ذات أبراج، أفلا تدل على اللطيف الخبير؟ "، إذن فلابد لكل حادث من محدث، ولكل موجود من موجد، ومحال أن يحدث شئ ذاته أو يوجد مخلوق بغير خالق. وإلى هذا أشار رب العزة والجلال في قوله تعالى: ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ، أَمْ خَلَقُوا السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ بَلْ لا يُوقِنُونَ﴾ - الطور -؛ فهذه الآية تشير إلى عدم إمكان وجود أي حادث بغير محدث، أو وجود أي مخلوق بدون خالق، ثم فإن منكر الخالق ينحني رأسه، ويرغم أنفه على الإقرار بخالقه وخالق هذا الكون؛ إذ قد أكد الواقع والعقل أن الإنسان لا يمكن أن يخلق نفسه فضلا عن غيره، ولو استطاع أن يخلق نفسه لصورها كما يشاء، ولأودعها كل صفات الكمال بداية ونهاية، ولما جعلها عرضة لأن يعتريها شئ مما يعتري النفس البشرية من نقص أو ضعف، ولما رأينا الإنسان يجوع ويعطش ويتعب وينام ويمرض ويموت، بل يبقى على حاله لا يعتريه تغير ولا تبديل، ولكن الواقع الذي يراه ويحسه الجميع ويتيقنه ولا يشك فيه أحد أن الإنسان يبدأ نطفة، ويمر بأطوار مختلفة، حتى ما إذا تم نضجه خرج من بطن أمه ضعيفا هزيلا لا يعلم من أمر هذه الحياة شيئا، تم يتدرج في النمو حتى يبلغ قوة شبابه، ثم يبدأ في الانحلال بالشيخوخة والضعف، ثم تنتهي حياته فيموت ويقبر في التراب، ثم يتحول بعد ذلك إلى عظام نخرة، ثم سيبعثه الله بعد ذلك حين يشاء، تلك الحقائق ثابتة لا يقوى على إنكارها منكر مهما أوتي من حجج وبيان.

стр. 8155

ونورد فيما يلي بعض الآيات التي أثبتت تلك الحقائق، لعل المنكر يتدبرها فيؤمن وليزداد بها المؤمن إيمانا، يقول ربنا ﵎: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِنُبَيِّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ فِي الأَرْحَامِ مَا نَشَاءُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمّىً ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلاً ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْلا يَعْلَمَ مَنْ بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئاً وَتَرَى الأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ؛ ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّهُ يُحْيِي الْمَوْتَى وَأَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، وَأَنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ لا رَيْبَ فِيهَا وَأَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَنْ فِي الْقُبُورِ﴾ - الحج -، وكذلك يقول سبحانه: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الأِنْسَانَ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَاماً فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْماً ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقاً آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذَلِكَ لَمَيِّتُونَ ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ تُبْعَثُونَ﴾ - المؤمنون -. ويقول : ﴿وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لا تَعْلَمُونَ شَيْئاً وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ - النحل -.

стр. 8156

ثم أشار الله - جل في علاه - إلى أولى نشأة الإنسان الضعيفة، ثم إلى قوته، ثم إلى ضعفه فقال سبحانه: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفاً وَشَيْبَةً يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْقَدِيرُ﴾ - الروم -. كما يشير سبحانه إلى أنه هو المصور للإنسان في رحم أمه؛ فيقول: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الأَرْضِ وَلا فِي السَّمَاءِ، هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَاءُ لا إِلَهَ إِلا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ - آل عمران -. ومن ثم نجد أن الإنسان عاجز عن أن يخلق نفسه ... إذ هل يستطيع أن يخلق النطفة التي كان منها؟ ... أو يحولها علقة؟ أو يحول العلقة إلى مضغة؟ أو يحول المضغة عظاما؟ أو يكسو العظام لحما؟ أو هل يستطيع أن يصور خلقه في رحم أمه؟ أو هل يستطيع أن ينفخ الروح في نفسه؟ أو هل يستطيع أن يشغل قلبه بهذا النظام الدقيق على مدى حياته سنين عددا لا يتوقف فيها لحظة؟ أو هل يستطيع أن يشغل بداخله المعدة والأمعاء والكبد والبكنرياس، ويمد كلا منها بالعصارة اللازمة له؟ أو هل يستطيع أن يمد عينيه ببصرهما؟ أو أذنيه بسمعهما؟ أو عقله بإدراكه؟ أو هل يستطيع أن يسخر الهواء ليدخله من أنفه إلى جهازه التنفسي؛ فيأخذ منه حاجته من الأكسجين اللازمة لحياته؟ هل يستطيع أن يفعل شيئا من ذلك أو ما شاكله مهما أوتي من علوم وخبرات وأدوات؟ إنه لن يستطيع ذلك، ولن يجد إليه سبيلا حتى يلج الجمل في سم الخياط. ثم إني لمسائل أولئك الجاحدين الأسئلة الآتية:

стр. 8157

١- من هدى النحل أن يبني بيوته في متنوع الأماكن، ويأكل من كل الثمرات، ويخرج من بطونه عسلا صافيا مختلف الألوان فيه شفاء للناس؟ هل يستطيع أحد أن ينسب هذا إلى غير الخالق العظيم الذي وضح جواب ذلك في قوله سبحانه: ﴿وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتاً وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ، ثُمَّ كُلِي مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلاً يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِهَا شَرَابٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ -النحل -. ٢- ومن هدى النمل إلى إعداد مساكنه في أماكن محصنة وخزنه طعامه لوقت حاجته؟. ٣- ومن هدى القلب أن يفتح صماماته ليدخل إليه الدم الفاسد فيقوم بتنقيته، ثم بفتح صماماته مرة أخرى ليندفع الدم النقي منه كما يوزع على جميع أجزاء الجسم فيغذيه؟. ٤- من هدى المعدة أن تهضم أنواع الأطعمة المختلفة وتخلطها بالعصارات المتنوعة حتى تحول دما؟ ٥- ومن هدى الغدد المتنوعة والكبد والبنكرياس والأمعاء الدقيقة والغليظة أن تقوم جميعا بوظائفها بحيث إذا اختلفت أصيب الجسم بالمرض والضعف، وقد يصل إلى الموت؟. ٦- حين توضع البذرة في الأرض، وتسقى بالماء فبينت جذرها وساقها؛ من هدى الجذر إلى أن ينزل إلى أسفل في باطن الأرض؟ ومن هدى الساق إلى أن يرتفع إلى أعلى على ظاهر الأرض؟ ٧- ومن هدى الشمس والقمر في نظام محكم ومسار دقيق إلى الشروق والغروب بحيث لا تدرك الشمس القمر؟. ٨- ومن هدى الليل أن يأتي بعد النهار بحيث لا يسبق الليل النهار؟

стр. 8158

٩- ومن رفع السماء بغير عمد تراها، وزينها بمصابيح فما اختلت وما تصدعت وما هبطت وما اقتربت من الأرض، وما يلمح فيها من فروج بحيث تحتاج إلى ترميم أو إصلاح؟ مع أن أي بناء يبنيه الإنسان سرعان ما يتصدع وينهار بمرور الزمن عليه، ولا يبقى على حاله سليما كما بناه الإنسان؟ ١٠- ومن سطّح الأرض وفرشها فكانت مهادا، وألقى فيها الجبال الرواسي الشامخات، لم تَمِدْ بنا ولم تنقلب رأسا على عقب، ولم ينسكب ما بها من مياه المحيطات والبحار والأصهار؟ بل ولم يمتزج الماء الملح الأجاج بالماء العذب الزلال عند التقائهما؟ ١١- ومن أبدع هذا الكون في مختلف مخلوقاته، وأحكمه على هذا النسق الرائع؟ بحيث يسير على سنن منتظمة لا تختلف ولا تتبدل ولا تضطرب لحظة واحدة منذ بدء الخليقة حتى هذه اللحظات التي نشاهد فيها هذا الإبداع والإحكام؟ لو سألنا أولئك المنكرين كل هذه لأفحموا وما اهتدوا إلى جوانب إلا أن يخروا راغمين معترفين بعجزهم، وبأن الخالق المبدع هو ربنا الحكيم الخبير ﴿رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى﴾ - طه- ثم لعل بعض أولئك المتنطعين يقول: إن الإنسان قد صنع الصاروخ، وصنع الأقمار الصناعية، وفجر الذرة؛ ويعتبرون هذا خلقا من الإنسان لهذه الأشياء، ويقولون في تعبيراتهم: "الإنسان الخلاّق، والشعب الخلاّق". وقد كذب هؤلاء المخدوعون الضالون بجهلهم المطبق، ودحروا؛ ذلك بأن الخلق هو أن يوجد المخلوق من العدم، وهذا ما يعجز عنه أي مخلوق. أما الصناعة فتكون تركيبا لمواد موجودة قد سبق خلقها، وهذا مما يقوى عليه المخلوق. لذلك أثبت الخلاق العظيم عجز الخلق جميعا عن أن يخلقوا شيئا؛ فقال: ﴿هَذَا خَلْقُ اللَّهِ فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ بَلِ الظَّالِمُونَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ - لقمان -.

стр. 8159

بل تحدى الخلاق العظيم ﷻ الناس جميعا أن يخلقوا خلقا تافها كالذباب؛ فقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَاباً وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ..﴾ - الحج -. بل وزاد سبحانه في تحديه لهم؛ ليثبت عجزهم الكامل عن استرداد ما يستولي عليه منهم هذا الذباب المخلوق الضعيف؛ فقال تعالى: ﴿وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئاً لا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ﴾ - الحج -. ولو أنهم عرفوا الله تعالى وقدروه حق قدره لأدركوا هذه المعاني الملموسة التي تدركها الحواس ولا تنكرها، لكنهم كما قال تعالى: ﴿مَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ - الحج -. لذلك يلفتنا الله تعالى إلى أنه وحده الخالق الذي لا تدركه الأبصار؛ فيقول سبحانه: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لا إِلَهَ إِلا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيل، لا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ - الأنعام -. كما يؤكد أنه الخالق الذي بيده مقاليد الخلق جميعا؛ فيقول سبحانه: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ لَهُ مَقَالِيدُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾ -الزمر -.

стр. 8160

كما أنه تعالى يلفت الناس إلى التدبر في آيات خلقه - جلّ وعلا - في الآفاق وفي أنفسهم؛ حتى تهتدي نفوسهم إلى أن الله هو الحق الشهيد على كل شئ، المحيط بكل شئ؛ فيقول : ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ أَلا إِنَّهُمْ فِي مِرْيَةٍ مِنْ لِقَاءِ رَبِّهِمْ أَلا إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطٌ﴾ -الشورى -. ويلفتهم تعالى مرة أخرى إلى آياته في الأرض وفي أنفسهم، وإلى رزقهم المضمون في السماء في قوله تعالى: ﴿وَفِي الأَرْضِ آيَاتٌ لِلْمُوقِنِينَ وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلا تُبْصِرُونَ وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ فَوَرَبِّ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ﴾ - الذاريات -. ولكن هؤلاء الجاحدين الطبيعيين لم يلتفتوا إلى ما لفتهم الله إليه، والتفتوا للشيطان الذي سول لهم وأملى لهم، وسألهم الخالق تعالى سؤال توبيخ واستنكار في قوله تعالى: ﴿أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لا يَخْلُقُ أَفَلا تَذَكَّرُونَ﴾ ؟ - النحل -. وكيف يمكن لأحد من الخلق أن يخلق مخلوقا وينفخ فيه الروح؟ وسرّ الحياة لا يملكه واحد منهم إنما يملكه مالك الملك سبحانه؛ ﴿وَيَسْأَلونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلا قَلِيلاً﴾ - الإسراء -. وأما الجواب الثاني - وهو أن الطبيعة هي خصائص المخلوقات وصفاتها - فهو قول فاسد كذلك؛ لأنه قول لم يتجاوز وصف ظواهر تلك الخصائص والصفات دون بيان لحقيقتها.
следующие страницы →