Полный текст (23 804 стр.). Показаны 8156–8195 · переход к 8161.
стр. 8156
ثم أشار الله - جل في علاه - إلى أولى نشأة الإنسان الضعيفة، ثم إلى قوته، ثم إلى ضعفه فقال سبحانه:
﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفاً وَشَيْبَةً يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْقَدِيرُ﴾ - الروم -.
كما يشير سبحانه إلى أنه هو المصور للإنسان في رحم أمه؛ فيقول:
﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الأَرْضِ وَلا فِي السَّمَاءِ، هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَاءُ لا إِلَهَ إِلا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ - آل عمران -.
ومن ثم نجد أن الإنسان عاجز عن أن يخلق نفسه ...
إذ هل يستطيع أن يخلق النطفة التي كان منها؟ ...
أو يحولها علقة؟ أو يحول العلقة إلى مضغة؟ أو يحول المضغة عظاما؟ أو يكسو العظام لحما؟
أو هل يستطيع أن يصور خلقه في رحم أمه؟
أو هل يستطيع أن ينفخ الروح في نفسه؟
أو هل يستطيع أن يشغل قلبه بهذا النظام الدقيق على مدى حياته سنين عددا لا يتوقف فيها لحظة؟
أو هل يستطيع أن يشغل بداخله المعدة والأمعاء والكبد والبكنرياس، ويمد كلا منها بالعصارة اللازمة له؟
أو هل يستطيع أن يمد عينيه ببصرهما؟ أو أذنيه بسمعهما؟ أو عقله بإدراكه؟
أو هل يستطيع أن يسخر الهواء ليدخله من أنفه إلى جهازه التنفسي؛ فيأخذ منه حاجته من الأكسجين اللازمة لحياته؟
هل يستطيع أن يفعل شيئا من ذلك أو ما شاكله مهما أوتي من علوم وخبرات وأدوات؟
إنه لن يستطيع ذلك، ولن يجد إليه سبيلا حتى يلج الجمل في سم الخياط.
ثم إني لمسائل أولئك الجاحدين الأسئلة الآتية:
стр. 8157
١- من هدى النحل أن يبني بيوته في متنوع الأماكن، ويأكل من كل الثمرات، ويخرج من بطونه عسلا صافيا مختلف الألوان فيه شفاء للناس؟ هل يستطيع أحد أن ينسب هذا إلى غير الخالق العظيم الذي وضح جواب ذلك في قوله سبحانه:
﴿وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتاً وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ، ثُمَّ كُلِي مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلاً يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِهَا شَرَابٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ -النحل -.
٢- ومن هدى النمل إلى إعداد مساكنه في أماكن محصنة وخزنه طعامه لوقت حاجته؟.
٣- ومن هدى القلب أن يفتح صماماته ليدخل إليه الدم الفاسد فيقوم بتنقيته، ثم بفتح صماماته مرة أخرى ليندفع الدم النقي منه كما يوزع على جميع أجزاء الجسم فيغذيه؟.
٤- من هدى المعدة أن تهضم أنواع الأطعمة المختلفة وتخلطها بالعصارات المتنوعة حتى تحول دما؟
٥- ومن هدى الغدد المتنوعة والكبد والبنكرياس والأمعاء الدقيقة والغليظة أن تقوم جميعا بوظائفها بحيث إذا اختلفت أصيب الجسم بالمرض والضعف، وقد يصل إلى الموت؟.
٦- حين توضع البذرة في الأرض، وتسقى بالماء فبينت جذرها وساقها؛ من هدى الجذر إلى أن ينزل إلى أسفل في باطن الأرض؟ ومن هدى الساق إلى أن يرتفع إلى أعلى على ظاهر الأرض؟
٧- ومن هدى الشمس والقمر في نظام محكم ومسار دقيق إلى الشروق والغروب بحيث لا تدرك الشمس القمر؟.
٨- ومن هدى الليل أن يأتي بعد النهار بحيث لا يسبق الليل النهار؟
стр. 8158
٩- ومن رفع السماء بغير عمد تراها، وزينها بمصابيح فما اختلت وما تصدعت وما هبطت وما اقتربت من الأرض، وما يلمح فيها من فروج بحيث تحتاج إلى ترميم أو إصلاح؟ مع أن أي بناء يبنيه الإنسان سرعان ما يتصدع وينهار بمرور الزمن عليه، ولا يبقى على حاله سليما كما بناه الإنسان؟
١٠- ومن سطّح الأرض وفرشها فكانت مهادا، وألقى فيها الجبال الرواسي الشامخات، لم تَمِدْ بنا ولم تنقلب رأسا على عقب، ولم ينسكب ما بها من مياه المحيطات والبحار والأصهار؟ بل ولم يمتزج الماء الملح الأجاج بالماء العذب الزلال عند التقائهما؟
١١- ومن أبدع هذا الكون في مختلف مخلوقاته، وأحكمه على هذا النسق الرائع؟ بحيث يسير على سنن منتظمة لا تختلف ولا تتبدل ولا تضطرب لحظة واحدة منذ بدء الخليقة حتى هذه اللحظات التي نشاهد فيها هذا الإبداع والإحكام؟
لو سألنا أولئك المنكرين كل هذه لأفحموا وما اهتدوا إلى جوانب إلا أن يخروا راغمين معترفين بعجزهم، وبأن الخالق المبدع هو ربنا الحكيم الخبير ﴿رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى﴾ - طه-
ثم لعل بعض أولئك المتنطعين يقول: إن الإنسان قد صنع الصاروخ، وصنع الأقمار الصناعية، وفجر الذرة؛ ويعتبرون هذا خلقا من الإنسان لهذه الأشياء، ويقولون في تعبيراتهم: "الإنسان الخلاّق، والشعب الخلاّق".
وقد كذب هؤلاء المخدوعون الضالون بجهلهم المطبق، ودحروا؛ ذلك بأن الخلق هو أن يوجد المخلوق من العدم، وهذا ما يعجز عنه أي مخلوق.
أما الصناعة فتكون تركيبا لمواد موجودة قد سبق خلقها، وهذا مما يقوى عليه المخلوق.
لذلك أثبت الخلاق العظيم عجز الخلق جميعا عن أن يخلقوا شيئا؛ فقال: ﴿هَذَا خَلْقُ اللَّهِ فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ بَلِ الظَّالِمُونَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ - لقمان -.
стр. 8159
بل تحدى الخلاق العظيم ﷻ الناس جميعا أن يخلقوا خلقا تافها كالذباب؛ فقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَاباً وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ..﴾ - الحج -.
بل وزاد سبحانه في تحديه لهم؛ ليثبت عجزهم الكامل عن استرداد ما يستولي عليه منهم هذا الذباب المخلوق الضعيف؛ فقال تعالى: ﴿وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئاً لا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ﴾ - الحج -.
ولو أنهم عرفوا الله تعالى وقدروه حق قدره لأدركوا هذه المعاني الملموسة التي تدركها الحواس ولا تنكرها، لكنهم كما قال تعالى: ﴿مَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ - الحج -.
لذلك يلفتنا الله تعالى إلى أنه وحده الخالق الذي لا تدركه الأبصار؛ فيقول سبحانه: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لا إِلَهَ إِلا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيل، لا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ - الأنعام -.
كما يؤكد أنه الخالق الذي بيده مقاليد الخلق جميعا؛ فيقول سبحانه: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ لَهُ مَقَالِيدُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾ -الزمر -.
стр. 8160
كما أنه تعالى يلفت الناس إلى التدبر في آيات خلقه - جلّ وعلا - في الآفاق وفي أنفسهم؛ حتى تهتدي نفوسهم إلى أن الله هو الحق الشهيد على كل شئ، المحيط بكل شئ؛ فيقول : ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ أَلا إِنَّهُمْ فِي مِرْيَةٍ مِنْ لِقَاءِ رَبِّهِمْ أَلا إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطٌ﴾ -الشورى -.
ويلفتهم تعالى مرة أخرى إلى آياته في الأرض وفي أنفسهم، وإلى رزقهم المضمون في السماء في قوله تعالى: ﴿وَفِي الأَرْضِ آيَاتٌ لِلْمُوقِنِينَ وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلا تُبْصِرُونَ وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ فَوَرَبِّ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ﴾ - الذاريات -.
ولكن هؤلاء الجاحدين الطبيعيين لم يلتفتوا إلى ما لفتهم الله إليه، والتفتوا للشيطان الذي سول لهم وأملى لهم، وسألهم الخالق تعالى سؤال توبيخ واستنكار في قوله تعالى: ﴿أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لا يَخْلُقُ أَفَلا تَذَكَّرُونَ﴾ ؟ - النحل -.
وكيف يمكن لأحد من الخلق أن يخلق مخلوقا وينفخ فيه الروح؟ وسرّ الحياة لا يملكه واحد منهم إنما يملكه مالك الملك سبحانه؛ ﴿وَيَسْأَلونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلا قَلِيلاً﴾ - الإسراء -.
وأما الجواب الثاني - وهو أن الطبيعة هي خصائص المخلوقات وصفاتها - فهو قول فاسد كذلك؛ لأنه قول لم يتجاوز وصف ظواهر تلك الخصائص والصفات دون بيان لحقيقتها.
стр. 8161
فمثلا لو أننا وضعنا حبة في التراب، وسقيناها بالماء لحدثت مجموعة ظواهر: انتفاخ الحبة وانفلاقها، وخروج النبت منها، وخروج الجذر واتجاهه في بطن الأرض، وخروج الساق واتجاهه إلى الأعلى، وظهور الأوراق ثم الأزهار، ثم الثمار؛ فالخصائص والصفات التي تمتاز بها الحبة هي التي أدت إلى حدوث تلك الظواهر المتتابعة؛ فمن خصائص الحبة أنها تنتفخ حين تسقى بالماء وتعوم تنفلق لو أن الحبة لم تنتفخ بالماء، ولم تنفلق ما نشأ عنها نبت جذر ولا ساق، ولا ورق ولا أزهار ولا ثمار.
فمن الذي نفخ الحبة،؟.. ومن الذي فلقها؟ ...
لو قيل إن للحبة عقلا يدرك - ولم يقل بهذا أحد حتى الجاحدون - لقلنا: إن عقلها هو الذي نفخها ثم فلقها، ولو أن الماء هو الذي نفخها وفلقها حين سقيت به لتساءلنا: لماذا لم ينفخ الماء الإنسان مثلا حين يسقى به ثم يفلقه، ثم يخرج منه جذر وساق ثم ورق ثم أزهار؟. كما يحدث للحبة سواء بسواء؟. فنرى أولئك الجاحدين يعجزون عن الجواب، فنجيب بأن للحبة خصائص وصفات لا تتوافر في الإنسان، منها أنها حين تسقى بالماء تنتفخ ثم تنفلق ثم تتوالى تلك الظواهر حتى بدو الثمار.
إن الطيعين الجاحدين يقولون: انتفخت الحبة، انفلقت الحبة، نبتت الجذور والسيقان والأوراق والثمار، دون أن يعينوا الفاعل الحقيقي لأفعال النفخ والفلق والإنبات، مقتصرين على ذكر الظواهر التي شاهدوها بناء على خصائص وصفات تميزت بها الحبة، ونسبوا إلى تلك الخصائص والصفات فعل تلك الظواهر، جاهلين أو متجاهلين فاعل تلك الأفعال، وهو ربنا الخلاق العليم، الذي حسم الأمر بقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ فَالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوَى يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَمُخْرِجُ الْمَيِّتِ مِنَ الْحَيِّ ذَلِكُمُ اللَّهُ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ﴾ ؟ - الأنعام -.
стр. 8162
تم أننا لو نظرنا إلى الثمار التي تخرج من الحب لوجدناها مختلفة الألوان والأشكال والطعوم.. مع أن الحبوب توضع في تربة واحدة وتسقى بماء واحد! فمن الذي غاير ألوانها وأشكالها وطعومها.. مع وحدة الأتربة والماء؟، هل الحبوب نفسها التي غايرت؟ إنها لا عقل لها ولا إدراك!، أو هل خصائصها وصفاتها هي التي غايرت؟ إن الخصائص والصفات مخلوقة حادثة وليست خالقة محدثة؛ فيستحيل أن يسند لها فعل التغاير؛ لأن المخلوق لا يملك أن يخلق.
وقد حسم ربنا الخلاّق العليم هذا الأمر كذلك في قوله: ﴿وَفِي الأَرْضِ قِطَعٌ مُتَجَاوِرَاتٌ وَجَنَّاتٌ مِنْ أَعْنَابٍ وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ صِنْوَانٌ وَغَيْرُ صِنْوَانٍ يُسْقَى بِمَاءٍ وَاحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ فِي الأُكُلِ؛ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ - الرعد -.
إن فريقا من الطبيعيين نظروا إلى خصائص وصفات المخلوقات وسمّوها الطبيعة، ونسبوا إليها خلق المخلوقات وما يصدر عنها من أفعال، ولا يشك عاقل في أن هؤلاء الملاحدة تلعب بعقولهم الشياطين، ويقذفون من كل جانب دحورا ولهم عذاب واصب، فما للطبيعة الصماء، العمياء، البكماء، وللخلق السميع المعبر الذي لا يمكن أن يخلقه إلا رب سميع بصير، متكلم، عليم، حكيم، خبير متفرد بجميع صفات العظمة والجلال والكمال؟!
إن كل ما في هذا الكون من خلق رب العالمين؛ فهل استطاع أولئك الضائعون أن يحددوا صراحة أي مخلوق خلقه مخلوق؟ ﴿هَذَا خَلْقُ اللَّهِ فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ بَلِ الظَّالِمُونَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ - لقمان -.
أثر إنكار الخالق سبحانه:
стр. 8163
لا شك أن إنكار الخالق كان له أثر كبير، خاصة على الناشئة على وجه العموم، وعلى ناشئة المسلمين على وجه الخصوص؛ ذلك أن التحلل من القيم، والانفلات من مبادئ الخير والبناء، والانسلاخ من هدي الخالق ﷻ يجعل الإنسان كالحيوان سواء بسواء، لا يعيش حياته إلا لشهوة البطن والفرج، كما يقول تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الأَنْعَامُ وَالنَّارُ مَثْوىً لَهُمْ﴾ - محمد -.
وحين تنعدم قيم الدين والأخلاق من هذه الحياة بين الناس، وينعدم الخير منهم، ويشيع الفساد والفوضى الخلقية في كل جوانب حياتهم، وتكثر الجرائم، وتشيع الفواحش، وتسقط بينهم حرمة النفوس والعقول والأعراض والأموال؛ أثرا حتميا لسقوط حرمة الدين، وزوال قدر الخالق لديهم، وقد خلقهم من العدم وأمدهم ولا يزال يمدهم بنعمه وفضله، فيقول تعالى: ﴿أَوَلا يَذْكُرُ الأِنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ يَكُ شَيْئاً﴾ - مريم -.
وبين تعالى أنه لم يخلقهم عبثا فقال سبحانه: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لا تُرْجَعُونَ، فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لا إِلَهَ إِلا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ﴾ - المؤمنون -.
ويؤكد عودة الإنسان إليه مذكرا إياه بأصل خلقه؛ فيقول: ﴿أَيَحْسَبُ الأِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدىً، أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِنْ مَنِيٍّ يُمْنَى، ثُمَّ كَانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوَّى، فَجَعَلَ مِنْهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالأُنْثَى، أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى﴾ - القيامة -.
بلى يا ربنا.. أنت قادر.. وغيرك لا يقدر.. آمنا بك.. وآمنا بما أنزلت.. وأتبعنا الرسول
стр. 8164
حكم الاحتفال بالموالد
لسماحة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز
الرئيس العام لإدارات البحوث العلمية
والإفتاء والدعوة والإرشاد
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهداه.. أما بعد:
فانه قد طرأ على صفاء هذا الدين، ووضوح أحكامه في عصور انحطاط المسلمين كثير من البدع والمحدثات التي زادت انحطاطهم انحطاطا، وشغلتهم عن العودة إلى العقيدة الصافية والتمسك بها، والرجوع إلى الحق بتتبع المظاهر الفارغة والتقاليد العمياء التي سنّها من ضل وأضل؛ فحادت بهم عن طريق الحق وسلكت بهم مسالك الضلال، ولبست على المسلمين في عقيدتهم، وأخمدت فيهم جذوة الإيمان وجمال الإتباع، وامتصت طاقاتهم المتعددة المتقدة قوة وحماسا لمظاهر فارغة وأعمال خاوية؛ فانتشرت بينهم أعمال الاحتفالات المبدعة، واتجه رجاؤهم وتعلقهم بالله إلى التعلق بالقبور والأضرحة والتماس الشفاعة منها وطلب الحاجات إليها؛ فعاد أكثر المسلمين بهذه الضلالات إلى مظاهر الوثنية وتقديس الأشخاص؛ فاستخفهم أعداهم وازداد تدهورهم وتحولت قوتهم إلى ضعف.
стр. 8165
وبحلول التاريخ الموافق لمولد رسولنا الكريم ﷺ تحل مناسبة ابتدع كثير من الناس فيها إقامة الاحتفالات بالمولد، وزعموا أن ذلك مما يحقق المراد من حب رسول الله- ﷺ وموالاته، ويغفلون الواجب في أن محبة الرسول إنما تكون باتباعه وطاعته.. أما هذه الاحتفالات الشائعة فهي غير جائزة، بل من البدع المحدثة في الدين؛ لأن الرسول – ﷺ لم يفعله، ولا خلفاؤهم الراشدون ولا غيرهم من الصحابة رضوان الله على الجميع، ولا التابعون لهم بإحسان في القرون المفضلة، وهم أعلم الناس بالسنة وأكمل حبا لرسول الله - صلى الله علية وسلم - ومتابعة لشرعه ممن بعدهم، وأول من ابتدعها فيما بلغناهم الفاطميون في القرن الرابع هجري، وهم معروفون بالعقيدة الفاسدة وإظهار التشيع لأهل البيت وللغلو فيهم. وقد ثبت عن النبي ﷺ أنه قال: "من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد"، أي مردود عليه، وقال في حديث آخر: "عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي، تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور؛ فان كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلاله".
стр. 8166
ففي هذين الحديثين تحذير شديد من إحداث البدع والعمل بها، وقد قال الله سبحانه في كتابه: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ ، وقال : ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ وقال سبحانه: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً..﴾ ، وقال تعالى: ﴿وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ ، وقال تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الأِسْلامَ دِين﴾ ، والآيات في هذا المعنى كثيرة.
وإحداث مثل هذه الموالد يفهم عنه أن الله سبحانه لم يكمل الدين لهذه الأمة وأن الرسول ﵊ لم يبلغ ما ينبغي للأمة أن تعمل به حتى جاء هؤلاء المتأخرون؛ فأحدثوا في شرع الله ما لم يأذن به، زاعمين أن ذلك مما يقرب إلى الله.
стр. 8167
وهذا بلا شك فيه خطر عظيم، واعتراض على الله سبحانه وعلى رسوله ﷺ ، والله سبحانه قد أكمل لعباد الدين وأتم عليهم النعمة، والرسول- ﷺ قد بلغ البلاغ المبين ولم يترك طريقا يوصل إلى الجنة ويباعد من النار إلا بينه للأمة، كما ثبت في الحديث الصحيح عن عبد الله بن عمرو رضى الله عنهما قال: قال رسول الله ﷺ : "ما بعث الله من نبي إلا كان حقا عليه أن يدل أمته على خير ما يعلمه لهم.."، رواه مسلم في صحيحه، ومعلوم أن نبينا ﷺ هو أفضل الأنبياء وخاتمهم وأكملهم بلاغا ونصحا؛ فلو كان الاحتفال بالموالد من الدين الذي يرضاه الله سبحانه لبينه الرسول ﷺ للأمة أو فعله في حياته أو فعله أصحابه في ﵃، فلما لم يقع شئ من ذلك علم أنه ليس من الإسلام في شئ، بل هو من المحدثات في الدين التي حذر الرسول ﷺ منها أمته، كما تقدم ذكر ذلك في الحديثين السابقين.
وقد جاء في معناهما أحاديث أخر، مثل قوله ﷺ في خطبة الجمعة: "أما بعد.. فإن خير الحديث كتاب الله وخير الهدى هدى محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتهما، وكل بدعة ضلالة.."رواه مسلم في صحيحه، والآيات والأحاديث في هذا الباب كثيرة..
وقد صرح جماعة من العلماء بإنكار الموالد والتحذير منها بالأدلة المذكورة وغيرها، وخالف بعض المتأخرين فأجازها إذا لم تشتمل على شئ من المنكرات كالغلو في رسول الله ﷺ ، وكاختلاط النساء بالرجال، واستعمال آلات الملاهي.. وغير ذلك مما ينكره الشرع المطهر. وظنوا أنها من البدع الحسنة.
стр. 8168
والقاعدة الشرعية ردّ ما تنازع فيه الناس إلى كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، كما قال الله : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً﴾ ، وقال تعالى: ﴿وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ ذَلِكُمُ اللَّهُ﴾ ، وقد رددنا هذه المسألة - وهى الاحتفال بالموالد - إلى كتاب الله سبحانه فوجدناه يأمرنا باتباع الرسول ﷺ فيما جاء به، ويحذرنا عما نهى عنه، ويخبرنا بأن الله سبحانه قد أكمل لهذه الأمة دينها، وليس هذا الاحتفال مما جاء به الرسول ﷺ ؛ فيكون ليس من الدين الذي أكمله الله لنا وأمرنا باتباع الرسول فيه، وقد رددنا ذلك أيضا إلى سنة الرسول ﷺ ؛ فلم نجد فيها أنه فعله ولا أمر به ولا فعله أصحابه ﵃، فعلمنا بذلك أنه ليس من الدين، بل هو من البدع المحدثة، ومن التشبه بأهل الكتاب من اليهود والنصارى في أعيادهم.
стр. 8169
وبذلك يتضح لكل من له أدنى بصيرة ورغبة في الحق، وإنصاف في طلبه أن الاحتفال بالموالد ليس من دين الإسلام، بل هو من البدع والمحدثات التي أمر الله سبحانه ورسوله ﷺ بتركها والحذر منها، ولا ينبغي للعاقل أن يغتر بكثرة من يفعله من الناس في سائر الأقطار؛ فإن الحق لا يعرف بكثرة الفاعلين، وإنما يعرف بالأدلة الشرعية، كما قال تعالى عن اليهود والنصارى: ﴿وَقَالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلا مَنْ كَانَ هُوداً أَوْ نَصَارَى تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ ، وقال تعالى: ﴿وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّه..﴾ الآية.
ثم إن غالب هذه الاحتفالات بالموالد - مع كونها بدعة - لا تخلو من اشتمالها على منكرات أخرى: كاختلاط النساء بالرجال، واستعمال الأغاني والمعازف، وشرب المسكرات والمخدرات، وغير ذلك من الشرور، وقد يقع فيها ما هو أعظم من ذلك، وهو الشرك الأكبر، وذلك بالغلو في رسول الله- ﷺ أو غيره من الأولياء، ودعائه والاستعانة به وطلبه المدد، واعتقاد أنه يعلم الغيب ونحو ذلك من الأمور الكفرية التي يتعاطاها الكثير من الناس حين احتفالهم بمولد النبي ﷺ وغيره ممن يسمونهم بالأولياء، وقد صح عن رسول الله ﷺ أنه قال: "إياكم والغلو في الدين؛ فإنما أهلك من كان قبلكم الغلو في الدين"، وقال ﵊: "لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم؛ إنما أنا عبد فقولوا عبد الله ورسوله" أخرجه البخاري في صحيحه من حديث عمر ﵁.
стр. 8170
ومن العجائب والغرائب أن الكثير من الناس ينشط ويجتهد في حضور هذه الاحتفالات المبتدعة، ويدافع عنها ويتخلف عما أوجب الله عليه من حضور الجمع والجماعات، لا يرفع بذلك رأسا ولا يرى أنه أتى منكرا عظيما، ولا شك أن ذلك من ضعف الإيمان وقلة البصيرة وكثرة ما ران على القلوب من صنوف المعاصي والذنوب.. نسأل الله العافية لنا ولسائر المسلمين..
من ذلك أن بعضهم يظن أن رسول الله ﷺ يحضر الموالد؛ ولهذا يقومون له محيين ومرحبين، وهذا من أعظم الباطل وأقبح الجهل؛ فان الرسول ﷺ لا يخرج من قبره قبل يوم القيامة، ولا يتصل بأحد من الناس، ولا يحضر اجتماعاتهم، بل هو مقيم في قبره إلى يوم القيامة، وروحه في أعلى عليين عند ربه في دار الكرامة كما قال تعالى في سورة البقرة ﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذَلِكَ لَمَيِّتُونَ ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ تُبْعَثُونَ..﴾ وقال النبي ﷺ : "أنا أول منه ينشق عنه القبر يوم القيامة وأنا أول مشفع.."، عليه من ربه أفضله الصلاة والسلام؛ فهذه الآية الكريمة والحديث الشريف - وما جاء في معناها من الآيات والأحاديث - كلها تدل على أن النبي ﷺ وغيره من أموات إنما يخرجون من قبورهم يوم القيامة، وهذا أمر مجمع عليه بين علماء المسلمين ليس فيه نزاع بينهم.
فينبغي لكل مسلم التنبه لهذه الأمور، والحذر مما أحدثه الجهال وأشباههم من البدع والخرافات التي ما أنزل الله بهذا من سلطان.. والله المستعان وعلمه التكلان.. ولا حول ولا قوة إلا به...
стр. 8171
أما الصلاة والسلام على رسول الله فهي من أفضل القربات، ومن الأعمال الصالحات كما قال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ ، وقال النبي ﷺ : "من صلى علي صلاة واحدة صلى الله عليه بها عشرا"، وهى مشروعة في جميع الأوقات ومتأكدة في آخر كل صلاة، بل واجبة عند جمع من أهل العلم في التشهد الأخير، وسنة مؤكدة في مواضع كثيرة منها ما بعد الآذان، وعند ذكره ﵊، وفي يوم الجمعة وليلتها، كما دلت على ذلك أحاديث كثيرة..
والله المسئول أن يوفقنا وسائر المسلمين للفقه في دينه والثبات عليه، وأن يمن على الجميع بلزوم السنة والحذر من البدع إنه جواد كريم.. وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه.
стр. 8172
كيف يغرس الأستاذ في نفوس تلاميذه العلم والعمل معا؟
لفضلة الشيخ عبد الله بن أحمد قادري
عميد كلية اللغة العربية
الحمد لله رب العالمين.. والصلاة والسلام على نبينا محمد.. وعلى آله وصحبه أجمعين..
أما بعد.
فأني أقدم هذه القطوف المفيدة للأستاذ الذي جعل همه تعليم العلم والعمل، وغرسها في نفوس تلاميذه.. وللتلاميذ الذين يهمهم التلقي السليم المفيد الذي يثمر به نفوسهم العلم والعمل..
أسأل الله أن ينفعني وإخواني المسلمين به إنه على كل شئ قدير.. وصلى الله وسلم على خير المعلمين وعلى آله وصحبه خير من تلقى عنه وطبق ما تعلمه في واقع الحياة..
البحث الأول
قوة الصلة بالله
إن أول هدف يجب أن يضعه نصب عينه المعلم والمتعلم على السواء هو أن يكون الغرض من التعليم والتعلم قوة الصلة بالله، وعبادته سبحانه على الوجه الذي يرضاه؛ فإن عبادته هي الغاية من خلقنا، كما قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالأِنْسَ إِلا لِيَعْبُدُونِ، مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ، إن الله هو الرزاق ذو القوة المتين﴾ .
كيف تحقق قوة الصلة بالله؟
وتتحقق قوة الصلة بالله بأن يكون المؤمن كله لله تعالى كما قال : ﴿قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ لا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾ .
ولنفصل ذلك بعض التفصيل في الأمور الآتية:
ا- الإخلاص:
стр. 8173
والمراد بالإخلاص: تصفية العمل وتنقيته من شوائب الشرك بالله تعالى، سواء كان شركا أكبر - وهو الذي قال الله تعالى فيه: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ..﴾ - أو شركا أصغر، ومنه إرادة الإنسان بعمله الرياء، أي: مراءاة الناس، كما قال تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَداً﴾ .
وقال تعالى في الحديث القدسي: "أنا أغنى الشركاء عن الشرك؛ من عمل عملا أشرك معي فيه غيري تركته وشركه"، وقد أمر الله بالإخلاص في كتابه وعلى لسان رسوله ﷺ في نصوص كثيرة، قال : ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ ، وقال النبي ﷺ : "إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى".
وقال ﷺ في حديث جبريل: "الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه؛ فان لم تكن تراه فإنه يراك"، وقال: "اتق الله حيثما كنت".
فعلى الأستاذ أن يحرص كل الحرص على الإخلاص، ومحاربة الرياء في نفسه وفي تلاميذه، وأن يذكروا أن المخلوقين مهما عظمت منزلتهم فهم مخلوقون لا يقدرون أن ينفعوه بشيء ولا يضروه، وأن يتذكروا عظمة الله الخالق الذي إذا أراد شيئا فإنما يقول له كن فيكون؛ فان تذكر الأمرين - ضعف المخلوق وعجزه، وقوة الخالق وقدرته وعظمته - مما يعين على الإخلاص لله تعالى في الأعمال.
стр. 8174
٢- التلقي من أجل العمل بالعلم، لا من أجل الثقافة والترف العلمي والفكري، وإن كانت الثقافة ستحصل تبعا، وتتوسع آفاق فكر العامل، وهكذا كان أصحاب رسول الله ﷺ ؛ فما كانوا يتجاورون عشر آيات حتى يعلموهن ويعملوا بهن، وبفقد هذه الروح أو ضعفها في طلبة العلم كثر المنتسبون للعلم وقل العمل، بل وأصبح الفساد الذي يأتي من قبلهم أكثر من الفساد الآتي من عامة الناس، وقد قال الله تعالى عن اليهود الذين يعلمون ولا يعملون: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَاراً بِئْسَ مَثَلُ الْقَوْمِ..﴾ ، وقال تعالى عمن لم يعمل بما علم في هذه الأمة معاتبا ومنكرا: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لا تَفْعَلُونَ كَبُرَ مَقْتاً عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لا تَفْعَلُونَ﴾ .
فعلى الأستاذ أن يركز على تحقيق هذا المعنى في نفسه وفي نفوس تلاميذه؛ حتى لا يكونوا نسخا مكررة لغيرهم من عامة المسلمين.
٣- موافقة الفعل للشرع، وعدم الزيادة والنقصان فيه.. أي: اتباع الرسول ﷺ والبعد عن البدع، قال تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ..﴾ ، وقال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ ، وقال: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ .
стр. 8175
وقال النبي ﷺ : "من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد"، وقال: "صلوا كما رأيتموني أصلي"، وقال: "خذوا عني مناسككم؛ فلعلي لا أحج بعد عامي هذا"، وقال العلماء في قوله تعالى: ﴿لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً﴾ : أخلصه وأصوبه، قيل: ما معنى أخلصه وأصوبه؟ قال: إن العمل لا يقبل حتى يكون خالصا صوابا، والخالص ما قصد به وجه الله، والصواب ما وافق سنة رسوله ﷺ .
٤- الإكثار من قراءة كتاب الله تعالى مع تدبره وتفهم مراميه، وعرض الإنسان نفسه عليه ليعلم منه أهو سائر في طريقه - أي طريق القرآن - أم في طريق عدوه (الشيطان) ، وينبغي أن يحافظ على ورد معين منه يوميا؛ لأن البعد عنه يورث القسوة في القلب والغفلة عن الله.
٥- الإكثار من ذكر الله؛ المطلق منه والمقيد، والمراد بالمطلق: ما لم يقيد بزمان ولا مكان ولا عدد؛ ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْراً كَثِيراً﴾ ، "لا يزال لسانك رطبا بذكر الله"..، والمقيد: ما قيد بزمان، كأذكار الصباح والمساء وأدبار الصلوات، أو بمكان كأذكار مناسك الحج المعينة وغير ذلك، أو بعدد كالاستغفار مائة مرة، والتسبيح ثلاث وثلاثين.
ويمكن الرجوع في هذا الباب إلى الكلم الطيب وصحيحه، والوابل الصيب، والأذكار للنووي، ورياض الصالحين، وغيرها من كتب السنة.
стр. 8176
٦- القراءة المستمرة في كتب السنة، وسيرة الرسول ﷺ ؛ لأن السنة تفسر القرآن وتكمل ما أراد الله من عباده، والرسول ﷺ هو القدوة العليا للمسلم؛ ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً﴾ .. (يراجع في ذلك الأمهات الستة، والترغيب والترهيب، ورياض الصالحين، ومشكاة المصابيح، وسيرة ابن هشام، ومختصر السيرة لمحمد بن عبد الوهاب، ومختصر السيرة لابنه أيضا، وفقه السيرة للغزالي، والغزوات لمحمد أحمد باشميل.
٧- قراءة سيرة أصحاب الرسول ﷺ ؛ باعتبارهم النموذج البشرى الذي طبق الإقتداء بالرسول ﷺ في أعلى صورة "جيل قرآني فريد". (يراجع في ذلك تاريخ ابن كثير- البداية-، وغيرها كحياة الصحابة، وكذلك سيرة الدعاة العاملين في كل زمان ومكان.
٨- المحافظة على الفرائض المكتوبة، من صلاة وصيام وحج وزكاة، وغيرها من الواجبات الأخرى، كبر الوالدين وصلة الأرحام، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، كما قال تعالى: "ما تقرب إلي عبدي بشيء أحب إليّ مما افترضته عليه.."، حديث قدسي. وقال النبي ﷺ : "وفرض فرائض فلا تضيعوها".
٩- الإكثار من نوافل الطاعات التي تعتبر حاجزا منيعا يحول بين الشيطان وبين تثبيط المؤمن من القيام بالواجبات، كما أنها تكمل النقص الذي قد يحصل في الفرائض؛ "ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه؛ فإذا أحبته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشى بها.."، أي: أن الله يحيطه بعنايته وتوفيقه؛ فلا يستعمل نعم الله التي أنعم بها عليه إلا في طاعته.
стр. 8177
ومن أعظم النوافل التي ينبغي الحرص عليها وعدم التقصير فيها قيام الليل الذي حافظ عليه الرسول ﷺ ، وكان وقوده الذي يمده بالصبر على البلاء والامتحان؛ ﴿يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّل قُمِ اللَّيْلَ إِلا قَلِيلاً، نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلاً، أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلاً، إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلاً ثَقِيلاً، إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئاً وَأَقْوَمُ قِيلاً﴾ .
والأستاذ الداعية إلى الله، والطالب الذي يعد للدعوة إلى الله في حاجة إلى تأمل هذه الآيات، والعمل بهن؛ للقيام بأعباء الدعوة والتكاليف الإلهية..
فالرسول ﷺ الذي ينزل عليه جبريل من السماء صباح مساء - كان في حاجة إلى الاتصال المتكرر بالسند الذي يؤيده؛ لتثبيت صبره وقوة احتماله؛ فأمر بقيام الليل من أجل ذلك: ﴿قُمِ اللَّيْلَ.. إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلاً ثَقِيلاً﴾ .
١٥- مجاهدة النفس للوصول إلى محبة الله تعالى ومحبة رسوله ﷺ ، المحبة الصادقة التي أرادها الله، والتي عبّر عنها رسول الله ﷺ في قوله: "ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان: أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله، وأن يكره أن يعود في الكفر بعد أن أنقذه الله منه كما يكره أن يلقى في النار"، وقوله ﷺ : "لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من نفسه وولده ووالده والناس أجمعين".
стр. 8178
وتظهر محبة الله ورسوله ومن يحبه الله ورسوله عندما يقدم العبد رضى الله على سواه، كما قال تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾ ، وقال تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾ .
١١- مجالسة الصالحين الذين يعينون على فعل الخير وترك الشر؛ فان في مجالسة أهل الضلال هو الخسران الذي يندم صاحبه في الدنيا والآخرة.. ﴿وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلاً، يَا وَيْلَتَى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلاناً خَلِيلاً، لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلإِنْسَانِ خَذُولاً﴾ ، وفي حديث أبي موسى المتفق عليه أن النبي ﷺ قال: "إنما مثل الجليس الصالح وجليس السوء كحامل المسك ونافخ الكير؛ فحامل المسك إما أن يحذيك وإما أن تبتاع منه وإما أن تجد منه ريحا طيبة، ونافخ الكير إما أن يحرق ثيابك وإما أن تجد منه ريحا منتنة".
стр. 8179
وكم من أستاذ كان ظاهره الصلاح، ويعتبر مربيا فصار ضحية لبعده عن الصالحين واقترابه من الفاسدين، وكم من شاب صالح يعتاد المساجد ويؤمن بالله ورسوله والإسلام ويحب ما يحبه الله ورسوله هو في حمأة الرذيلة والإلحاد بسبب جليس سوء..؛ فعلى الأستاذ والطالب معا الحفاظ على مرافقة عباد الله الصالحين، والبعد عن صحبة أتباع الهوى والشيطان، وبذلك يمكن البعد عن المحرمات وفعل الطاعات وعدم إضاعة الوقت فيما يضر أو فيما لا ينفع؛ فقد خلق الله الليل والنهار ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُوراً﴾ .
١٢- الجد والمثابرة في طلب العلم من كتاب الله وسنة رسوله وكتب أهل العلم الذين يتمسكون بهما، ولا يقدمون عليهما قول أحد كائنا من كان، والتساهل في طلب العلم أو القعود عنه دليل للهبوط إلى الجهل والقعود عن معالي الأمور التي لا تنال بدون العلم.
١٣- زيارة القبور لتذكر أصل الإنسان وقيمة الحياة الدنيا، والموت والبعث، والحساب، والدعاء للمؤمنين بالوارد.
١٤- الإكثار من قراءة كتب الترغيب والترهيب وصفة الجنة والنار ونعيم القبر وعذابه وأحوال يوم القيامة، ومصائر الأمم كقوم نوح وعاد وثمود.
١٥- الإحساس القوي بالمسئولية الفردية أمام الله عن عمله في هذه الحياة، وعن أهله وأولاده وأقاربه وجيرانه وأصدقائه، بل أنه مسئول عن تبليغ دين الله قدر استطاعته، وذلك يحتم عليه أن يتحمل أعباء الدعوة إلى الله، مع استكمال أصولها من العلم والحكمة والبيان والصبر، وفي الحديث: "كلكم راع ومسئول عن رعيته"..
فلابد للداعية إلى الله - والأستاذ من أوائل الدعاة - أن يتحلى بما يأتي:
ا- الإخلاص.
٢- القناعة التامة بما يدعو إليه.
٣- العلم بما يدعو إليه من الكتاب والسنة.
٤- العمل بما علم وكونه قدوة حسنة.
٥- لين الجانب وعدم الغلظة.
стр. 8180
٦- الصبر على المحنة والابتلاء.
وعليه أن يركز على تحقيق الأمور الآتية في تلاميذه علاوة على ما مضى:
١- غرس الإيمان بالغيب، وتثبيته وتقويته بالحجج والبراهين المقنعة، ودحض الشبه التي يوردها أعداء الإسلام على ذلك.
٢- تقوية الجانب العبادي على ضوء ما مرّ في تقوية الصلة بالله.
٣- تمرينهم على البدء بالأهم فالأهم؛ اقتداء بالرسول ﷺ .
٤- اختيارهم الأسلوب السهل عند دعوة غيرهم أو تعليمهم حسب المقام والأشخاص.
٥- مساعدة الطالب في نقله من البيئة الفاسدة إلى البيئة الصالحة؛ حتى يتمكن من السير في صراط الله، ويصبح هو أيضا قادرا على نقل غيره كما نقل هو.
٦- إقناعهم بالاعتصام بحبل الله، والتعاون مع إخوانه المسلمين في كل أنحاء الأرض؛ من أجل رفع راية (لا اله إلا الله) ، والقضاء على رؤوس الفتنة والضلال من أعداء الله مستعينا بما يأتي:
أ - التذكير بالأوضاع الكافرة التي أحدثت للعالم كله القلق والاضطراب، ومكنت للظلم والظالمين.
ب- التذكير بحالة المسلمين التي يعيشونها.
ج- التذكير بأمر الله ورسوله - صلى على الله عليه وسلم - بالتمسك بالجماعة، وأن من شذ شذ في النار.
د- التذكير بصفات الطائفة المنصورة التي تبدأ بالإيمان وتنتهي بالجهاد وطلب الشهادة من أجل تحقيق رفع راية الإسلام.
هـ- التذكير بأخذ الرسول ﷺ العهد على الجهاد، وينبغي أن يعينه بذكر الكتب والمراجع التي تفيده في هذا الباب وغيره؛ ليسير مع على النهج الصحيح.
البحث الثاني
عوامل تقوية صلة الأستاذ بتلاميذه
وتقوية صلة بعضهم ببعض
إن ما عليه الأساتذة مع طلبتهم في المدارس النظامية من الجفاء والبعد عن الروح الودية والإخاء لا تقره الآداب الإسلامية.
стр. 8181
فقد كان الرسول ﷺ وهو المربي الأول لهذه الأمة، كما قال الله تعالى عنه: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ﴾ ، وكان أصحابه ﵃ يسرعون إليه كلما اعترضتهم مشكلة ليحلها لهم؛ ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾ .
وكان ﷺ من تعليمه لهم ونصحه إياهم يتفقد أحوالهم، ويزورهم في السلم والحرب، في البيت وفي المعركة، وهكذا كان أصحابه من بعده ساروا على دربه، وكذلك كان علماء الإسلام في كل جيل تربط بينهم وبين تلاميذهم الأخوة الإيمانية والمحبة؛ ولذلك أثمر عملهم وآتى أكله.
ومما يحقق الإخاء والمحبة بين الأستاذ وطلبته، وبين الطلبة بعضهم مع بعض الأمور الآتية:
ا- التعارف:
وهو من الآداب الإنسانية العامة التي لا تستغني عنه الأمم والأفراد، ولا يمكن تحقيق العلاقات التعاملية بدونه، ولذلك كان التعارف من أهم الآداب الإسلامية التي ركز عليها القرآن في سورة الحجرات كما قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ .
والتعارف الإسلامي لابد أن يثمر الأخوة الإسلامية الحقة، والمحبة المتبادلة الصادقة؛ فعلى الأستاذ أن يحقق التعارف بينه وبين طلابه، ويتعرف على مشاكلهم ليحاول حل ما قدر عليه منها، ويعمل على إيجاد التعارف بين طلبته بعضهم مع بعض كذلك.
٢- التناصح:
стр. 8182
ومن العوامل التي تقوى الصلة بين الأستاذ وطلبته أن يتواصى معهم بالحق؛ فلا يسكت عن منكر وخطأ يراه في طالب، بل يسارع في نصحه سرا، فإذا اقتضى الأمر نصحه علنا نصحه، ويدربهم أيضا على أن يتناصحوا فيما بينهم؛ لأن في ذلك صلاحهم جميعا، بل وصلاح الأمة كلها؛ لأنهم إذا لم يحققوا التناصح فيما بينهم - وهم في ميدان التلقي والطلب - فسيكون الأمر كذلك عندما يدخلون في ميدان العمل والممارسة، وفي ذلك ما فيه من خطورة على مستقبل العمل للإسلام.
وعلى الأستاذ أن يتقبل نصح طلبته له أيضا؛ فهو بشر يخطئ ويصيب مثلهم، وإن كان المفروض أن يكون أقل منهم خطأ وأكثر صوابا، وعليهم أن ينصحوه ولا يترددوا في نصحه، وعلى الجميع أن يكون هدفهم من النصح محبة الخير للمنصوح عن إخلاص وتواضع، لا عن رياء وتكبر وتشهير.
(تراجع في هذا الموضوع الآيات والأحاديث المتعلقة بالأمر بالمعروف والنهى عن المنكر، ويراجع رياض الصالحين وغيره) .
وبالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يستقيم أمر المسلمين، وبدونه تضطرب الأمور وتنتشر الفوضى والظلم، ويسيطر الفسقة والطغاة.
٣- التعاون على البر والتقوى، وحل المشاكل التي تعترض الأستاذ وطلبته:
وهذا يقتضي مكاشفة الطلاب الأستاذ، ومكاشفة بعضهم بعضا بمشاكلهم حتى يتعاونوا على حلها؛ لأن الفرد الذي تعترضه المشاكل في حياته إذا أخفاها في نفسه لا يمكن إخوانه من حلها؛ لعدم معرفتهم إياها، وقد تكون تلك المشاكل معوقة للفرد عن السير في دراسته إذا استمر، ولذلك ينبغي أن يبدأ الأستاذ طلبته بالسؤال عن أحوالهم تشجيعا لهم على إبداء ما قد يترددون في إظهاره ابتداء، وقد يعجز الأستاذ أو طلبته عن حل بعض المشاكل ولكن ذلك لا يمنع من إبدائها من أجل المواساة والتسلية والتواصي بالخبر.
٤- الإسراع في حل أي خلاف قد يحدث بين الطالبة أو بينهم وبين الأستاذ:
стр. 8183
مع التزام العدل، والابتعاد عن الإثارة والدعاوى الباطلة، أو التهم التي لا حقيقة لها؛ هروبا من الاتصاف بصفة المنافق "إذا خاصم فجر".
٥- ومما يقوي الصلة بين الأستاذ وبين طلبته، وبين الطلبة بعضهم مع بعض القيام ببعض الرحلات الخلوية؛ أسبوعية أو نصف شهرية، يبيتون في مكان واحد، وتستغل أوقاتهم فيما يعود عليهم بالفائدة، ويمكن أن يكون ذلك كما يلي:
- مدارسة القرآن الكريم وشيء من تفسيره.
- تلخيص بعض الكتب، أو كتابة بعض البحوث في موضوعات معينة تقرأ في الرحلة، على أن يكون التكليف بذلك قد سبق بوقت كاف.
- القراءة في بعض كتب الحديث لا سيما كتب الترغيب والترهيب.
- قراءة تراجم بعض الشخصيات الإسلامية من الأنبياء والصحابة والدعاة والمجاهدين؛ للاستفادة من حياتهم التطبيقية علما وعملا ودعوة وتحملا.
- الإكثار من ذكر الله الوارد مطلقا ومقيدا.
- مذاكرة بعض المشاكل التي تعترض الطلبة في سيرهم الدراسي أو الدعوة وحلها.
- القيام ببعض التمرينات الرياضية المفيدة.
٦- الزيارات العادية وذوات الأسباب، مع تحسين الأوقات المناسبة، وعدم التثقيل على المزور.
٧- تبادل الهدايا ولو قلّت؛ "تهادوا وتحابوا ".
٨- أداء صلاة الجماعة في مسجد واحد.
٩- اغتنام أي فرصة للقاء والاجتماع، ولو كان قصيرا، كصلاة الجماعة والركوب في سيارة واحدة.
١٠- حفاظ الأستاذ على مواعيده، وعدم تأخره عنها، وكذلك حفظ التلاميذ على مواعيدهم مع أستاذهم أو مواعيد بعضهم مع بعض بكل عناية ودقة، وعدم التساهل في ذلك؛ لما فيه من المحاذير الكثيرة، ومنها:
١- الاتصاف بصفات المنافقين التي حذر منها الرسول ﷺ .
٢- تضييع الوقت على الآخرين.
٣- زعزعة ثقة زملائه فيه.
٤- تفويت فرصة قد لا تعوض من الخير.
٥- فتح أبواب قد لا تغلق من الشر.
стр. 8184
٦- وعلى الجميع مناصحة من تكرر منه ذلك حتى يتخلص من تلك الصفة الذميمة.
٧- حفاظ الأستاذ على كتمان سرّ طلبته، لا سيما الشخصية منها، وعدم إفشائها، وكتمان الطلبة سر أستاذهم وسر بعضهم بعضا، فيجب على كل منهم عدم إفشاء سر أخيه، بل لا يجوز له إفشاء سرّ زوجته، بل سر نفسه الذي يستره الله عليه، وعلى الأستاذ أن يدرب طلبته على ذلك، ويبين لهم أن ذلك مهم في حياة دعوتهم، ولا سيما في الدول الكافرة المعادية للإسلام وللحكم بكتاب الله.
وقد كان الكتمان من الأمور الهامة في حياة الدعوة الإسلامية في عهد الرسول ﷺ ، كان يكتم أمره في مكة وفي المدينة عند الحاجة.
وليس معنى ذلك أن يجعل الدعاة إلى الله خوف الناس سببا لانزوائهم عن الناس، وعدم تبليغ الإسلام إليهم، كلا! بل معناه حماية الداعية نفسه وإخوانه من فتح الباب على مصراعيه لأعداء الله في غير البلاد الإسلامية.
فالعلم والعبادات لا تكتم.
(يدرس في هذا كتمان الرسول ﷺ في غزواته من كتب السنة والسيرة، ورسالة الكتمان لمحمود شيت خطاب) .
المبحث الثالث
خطوات الدرس
ليس المراد هنا الدراسة النظامية في المدارس، فتلك لها منهجها ونظامها الخاص الذي قد لا ينفع الاقتراح في تعديلها، وإنما المراد هنا الحلقات المسجدية وغيرها من الحلقات التي لا يقيد الأستاذ وطلبته فيها إلا ما فيه مصلحة عامة تعود على الجميع بالفائدة، وأرى أن يتبع الأستاذ الخطوات التالية:
- قراءة بعض آيات القرآن يعينها لكل لقاء لاحق أحد الحاضرين في اللقاء السابق، ويكلف آخر بتحضيرها من كتب التفسير (كتفسير ابن كثير، أو في ظلال القرآن) ؛ ليفيد زملاءه بها باختصار.
стр. 8185
وينبغي أن تكون الآيات مناسبة للمقام؛ فالترغيب - مثلا - يناسبه آيات الوعد والثواب وصفة الجنة وصفات المؤمنين، والترهيب يناسبه ذكر الوعيد وصفات النار وأعمال الكافرين، وهكذا يقال في الإنفاق والجهاد والصبر والصدق والأمانة والعلم والعمل وغيرها.
- مناقشة عامة لما مضى في الدرس الماضي بذكر ما تم كما ينبغي، وما لم يتم مع ذكر العوائق التي اعترضت الطالب ومناقشة حلها، وعلى المقصر أن يعترف بتقصيره إن حصل دون جدال، ويعتذر بعدم التقصير مستقبلا، وعلى الأستاذ وبقية الطلبة قبول العذر وعدم التأنيب؛ فان تكرر فيعالج بالحكمة والأسلوب المناسب في الزمان والمكان المناسبين.
- البدء في دراسة الفصل المقرر، وينبغي تنوع الدراسة تنوعا يحقق هضمه من جميع الحاضرين، وفي الإمكان اتباع ما يلي:
أ - يعطي الأستاذ خلاصة للدرس السابق، أو يسأل الطلبة عن نقاطه الرئيسة؛ للربط بينه وبين الدرس الجديد، ويمكن أن يكلف بتلخيصه أحد الحاضرين أو كلهم، أو يجعل بعضهم يسأل وبعضهم يجيب.
ب- يذكر الأستاذ النقاط الرئيسية للدرس الجديد، ويطلب من كل طالب الكلام عن جزيئات كل نقطة على حدة، أو يطلب من كل طالب ذكر بعض النقاط الرئيسية، ثم يقسم الجزيئات على الطلبة كل واحد يتكلم على بعضها.
وعليه تتبع التلخيص أو الإجابة على الجزيئات؛ ليعلق في آخر الأمر على ما يراه يستحق التعليق، وللأستاذ أن يكلف أحد الطلبة بالقيام بالتدريس إذا رآه أهلا لذلك؛ ليتمرن طلبته على التدريس، ويصحح لهم ما يقعون فيه من خطأ، وعليه أن يبرز الجوانب المقصودة من الدراسة بشكل واضح حتى يتعود طلبته على فهم مقاصد الدراسة والتدريس.
стр. 8186
ج- على كل طالب أن يحضر النقاط التي أشكلت عليه في كراسته، ولا يبدأ بالسؤال عنها، بل ينصت ويناقش إلى أن ينتهي الأستاذ من البحث الذي فيه نقطة الإشكال؛ فان فهم الإشكال من خلال المناقشة فيها وإلا سأل أستاذه، وعلى الأستاذ أن يجيب بوضوح إن كان عنده علم بذلك، وإلا طلب التأجيل ليبحث، وإذا كان عند بعض طلبته علم فعليه أن يمكنه من إبداء ما عنده؛ ليحصل التعاون بينه وبين طلبته.
وعلى الأستاذ أن يحضر أسئلة على النقاط الصعبة لتنبيه الطلبة على فهمها وأن يسارع بالإجابة أو المساندة عليها إذا أحسّ عجز الطالب أو الطلبة عن الإجابة.
كما يجب أن يكون غرض الجميع الإفادة والاستفادة مع التواضع وعدم الترفع على الآخرين.
د- على الأستاذ أن يعوّد طلبته في ختام الدرس على الإدلاء بما سمعوه من الأخبار المهمة المتعلّقة بالعالم الإسلامي أو غيره، وذكر المقالات الإسلامية التي ينبغي اقتناؤها وقراءة ما ورد في ختم المجلس.
هـ- لا ينبغي أن يضن الأستاذ أو طلبته بالوقت للدراسة؛ فخير الأوقات ما استغل في طاعة الله، لا سيما ما يعود نفعه لعامة المسلمين، ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُوراً﴾ .
و وهناك أمر يجب التنبيه عليه، وهو أن على الأستاذ أن يكون ملما إلماما واسعا بالدروس التي يلقيها لطلبته، متمكنا من فهم مسائلها تمكنا كاملا، وأن يتوسع في المراجعة في الكتب المناسبة، ويحرص كل الحرص على عدم ظهوره بمظهر المتردد في فهم المسائل؛ حتى لا تضعف ثقتهم به، حتى لا يكون قدوة لهم في عدم إتقان مادة الدرس، كما أن عليه ألا يتردد عن قول (لا أدرى) فيما لا يعلم؛ لئلا يقع في مثل قوله: ﴿وَلا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ﴾ .
المبحث الرابع
стр. 8187
أمور هامة ينبغي للأستاذ أن يمرن طلبته عليها
- الجد في الأمور والبعد عن الهزل والهازلين.
- الحرص على فهم عقيدة السلف الصالح من كتبهم، وبالأخص كتب شيخ الإسلام ابن تيمية وابن القيم.
- التعمق المستمر في فهم كتاب الله وسنة رسوله عن طريق قراءتهما المباشرة، والتدبر وقراءة التفسير وعلومه والحديث وعلومه.
- البعد عن التعصب الذي وقع فيه المقلدون الجامدون؛ فالحق أحق أن يتبع، وليس أحد من الناس معصوما إلا من عصمه الله، وهو الرسول ﷺ ، ويجب ردّ ما اختلف فيه إلى الله ورسوله، ولا طاعة لمخلوق في معصية الخالق.
- تطهير المجالس من أقذار الغيبة وتجريح الأفراد والجماعات؛ فالوقت يجب أن يستغل في بناء الطالب وتعويده على الالتزام بالأدب الإسلامي، والتنفير عن الوقوع في أعراض الناس، وفي عيوب الإنسان نفسه ما يغنيه عن التفكه بعيوب الآخرين.
- وهذا لا يمنع من ذكر السلبيات التي تؤثر على سير الدراسة أو الدعوة، والتي يقع فيها بعض الأساتذة، ويقدر ذلك بقدره، على أن يكون المقصود التحذير من الوقوع فيها.
- عدم تضييع الوقت فيما لا ينفع أو فيما هو مهم على ما هو أهم، فضلا عن تضييع الوقت فيما يضر، وما أكثر ما يضيع طلبة العلم أوقاتهم في الكلام واللغو الذي لا فائدة فيه، إذا سلموا من الكلام الذي يجلب عليهم الإثم.
ومن صفات المؤمنين ﴿وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَاماً﴾ وأمرهم تعالى بالقول النافع المفيد فقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً﴾ ، وقال النبي ﷺ : "من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرا أو ليصمت".
واستعذاب الكلام فيما لا يفيد دليل فقدان الروح العلمية فليحذر العاملون ذلك كل الحذر.
المبحث الخامس
عوامل تقدم الطلبة في دراستهم وارتقائهم
стр. 8188
ا- أن يكون أستاذهم قدوة حسنة في التقدم والارتقاء.
٢- أن يفهموا دروسهم (المنهج المقرر) أولاً بأول، فهما دقيقا شاملا، مع التطبيق العملي لما درسوه؛ فالتطبيق العملي يثبت العلم، وعدمه يسبب النسيان.
٣- التركيز على كتاب معين في كل عام، يقرأ قراءة دقيقة من أوله إلى آخره، مع الفهم وحفظ القواعد والنصوص اللازمة؛ حتى يكون هذا الكتاب بمنزلة المتن لهذا الفن.
٤- إعداد موضوعات وبحوث مناسبة لمراحل الدراسة وتكليفهم بإعداد شيء من ذلك.
٥- تعيين بعض الكتب للمطالعة المستمرة، وأخرى للتلخيص.
٦- أن يكونوا على صلة بما يجدّ من الكتب والموضوعات والمجلات والجرائد المناسبة والحوادث المعاصرة.
٧- تنمية روح المسؤولية فيهم، والاستقلال لا التبعية والتقليد، مع ترسيخ التواضع فيهم، والاعتراف بالفضيلة لأهله.
٨- متابعتهم متابعة دقيقة، ووضع كل منهم في مكانه المناسب في الوقت المناسب.
٩- أن يقبل كل استفسار أو استشكال أو شبهة أو نقد أو اقتراح، ويناقش من تقدم بذلك مناقشة هادئة موضوعية مقنعة، ويسلم لصاحب الحق ويشكره على ذلك.
مع ملاحظة أنه يجب ألا يكون هم الفرد هو النقد أو القدح، وإنما مراده المصلحة والوصول إلى الحق.
١٠- تشجيعهم على القيام بجولات مستمرة للدعوة العملية.
١١- وعلى الجميع أن يحاسبوا أنفسهم كل بمفرده كل ليلة قبل النوم؛ لمعرفة ما وقع فيه من الأعمال التي لا تليق بالمسلم، والتوبة إلى الله منها؛ لينطبق عليه قول رسول ﷺ : "الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك".
المبحث السادس
تدريب الأستاذ طلبته علي تنظيم الرحلات
من الأمور التي لا ينبغي للأستاذ أن يغفل عنها تدريب طلبته على تنظيم الرحلات؛ لما في ذلك من الفائدة لهم على تحمل المسؤولية وخدمة الآخرين، والإيثار والتضحية ويمكن إتباع الطريقة الآتية:
стр. 8189
تعيين مجموعة من الطلبة، وتكليفهم بالتخطيط للرحلات مع توجيههم بما يلي:
ا- تحديد المكان والزمان (استعداداً وبدأ وعودة) .
٢- تحديد وسيلة النقل.
٣- عدد المشتركين حسب الظروف والحاجة.
٤- المال الكافي.
٥- المنهج الثقافي وتوزيعه مع مراعاة شموله ومناسبته، ويركز على الهدف الذي أنشئت الرحلة من أجله.
٦- تعيين الأساتذة الذين يمكن الاستفادة منهم.
٧- تقسيم المشتركين في الرحلة إلى لجان، كل لجنة تقوم بمهمة محددة واضحة، مع الحث على التعاون العام.
٨- إرشاد أعضاء الرحلة إلى ما ينبغي اتخاذه من الحيطة في الملابس والبسط والأغطية أو غير ذلك.
٩- ينبغي ألا تستمر مجموعة واحدة من الطلبة في التخطيط للرحلات كلها، بل يكون ذلك بالتناوب بحيث يعلم أن هذه المجموعة أجادت فهم التخطيط والتنظيم لرحلات؛ فتكلف بعدها مجموعة أخرى.. وهكذا، وليتمكن الأفراد كلهم أو أغلبهم من التدرب على ذلك.
١٠- يجب أن يوضح المكلف مراده توضيحاً كاملا، وعلى المكلف فهم ذلك وتوضيحه لمن يبلغهم عن الرحلة، وعلى الأفراد المبلغين فهم ذلك أو التأكد منه بالاستيضاح.
١١- على كل واحد من أعضاء الرحلة أو مجموعة منها عدم تجاوز اختصاصهم؛ حتى لا تضطرب الأمور وتتمكن الفوضى وتستمر؛ فالنظام في حاجة إلى الالتزام، ومعرفة كل فرد أو جماعة حدودهم.
١٢- على كل لجنة حلّ مشاكلها بواسطة رئيسها وفيما بينها، وإذا لم يتمكنوا فليرفعوا أمرهم إلى المسؤول المختص حتى تسير الأمور بانتظام.
١٠- ولابد في الرحلة الخلوية - والليلية منها بالأخص - من كلمة سر يعرف بها الدخيل من الأصيل.
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه.
стр. 8190
وعلاقتها بالقدرات العقلية
لفضيلة الدكتور عباس محجوب
الأستاذ بكلية الدعوة
تمهيد:
من أهم القضايا التي عالجها علماء النفس معرفة المشكلات التي تواجه الإنسان، ومحاولة تحديدها ودراستها وتفسيرها؛ بغية الوصول إلى حلول لها، وضبط ومعرفة أسبابها؛ حتى يتحول الإنسان من كائن تسيطر عليه المشكلات والمعوقات إلى كائن يسيطر هو على مشكلاته ويتغلب عليها، وهذه المشكلات تختلف من فرد إلى آخر.
وقد اهتم علم النفس بالمشكلات التي تصل إلى درجة الخروج عن السلوك العادي المألوف الذي يعوق حياة الفرد العادية، ويؤثر على حياته الدراسية والاجتماعية، ومن هذه المشكلات مشكلة التخلف الدراسي الذي سنعالجها في هذا الموضوع الذي نأمل ونسأل الله التوفيق في تناوله.
ما معنى التخلف الدراسي؟
هناك تعريفات كثيرة للتخلف؛ فمن الباحتين في علم النفس من يطلقه على طائفة من ضعاف العقول يندرجون تحت (العقل الخفيف) ، وهؤلاء يتراوح نسبة ذكائهم بين ٧٠-٩٠، وقد ترتفع هذه النسبة عندهم قليلا، كما عرف بأنه: انخفاض نسبة التحصيل دون المستوى العادي المتوسط في حدود انحرافين معياريين سالبين وله نوعان:
ا- تأخر دراسي عام يرتبط بالغباء، حيث تتراوح نسبة الذكاء بين ٧٠- ٨٥.
٢- تأخر دراسي خاص في مادة بعينها كالحساب، وهو الذي يرتبط بنقص القدرة.
وهناك من يرى أن المتأخرين دراسيا هم الذين يستجيبون استجابات صحيحة إيجابية للمنهج الدراسي عندما يعالج تأخرهم الدراسي، والتخلف هنا يعتمد على نواح نفسية تربوية طارئة، وهؤلاء يختلفون اختلافاً كبيرا عن ضعاف العقول الذين لا يستجيبون استجابات إيجابية لمنهج.
стр. 8191
ومما تقدم نلحظ اختلاف المصطلحات أو التعريفات التي حددت أنواع التخلف؛ لاختلاف النظر إلى العوامل المسببة له؛ فعلى التعريف الأول يكون انخفاض نسبة الذكاء سببا في التخلف إلى جانب أسباب أخرى.
العوامل المؤدية للتأخر الدراسي:
هناك عوامل كثيرة يمكن أن تؤدي إلى التخلف الدراسي، ترتبط بعوامل اجتماعية ونفسية وتربوية، ويمكننا أن نحد د هذه العوامل فيما يلي:-
١- انخفاض نسبة الذكاء العام عن المعدل المتوسط، كما رأينا في التعريف الأول؛ لأن تكوين القدرة على اكتساب الوظائف العقلية المعقدة يحتاج إلى نسبة ذكاء لا تقل عن الحد الأدنى المساعد على التحصيل المعقول، أي أن الضعف في الناحية العقلية، أو النقص في قدرات الطفل العقلية - والذي نصفه غالبا بالغباء - عامل مهم في التأخر الدراسي.
٢- عامل عضوي: مثل ضعف السمع أو البصر، ودورهما - كما نعلم - هام في عملية التعلم، وكذلك التلف المخي والاضطراب الصحي العام؛ وذلك كله لأن عملية التعليم تحتاج إلى إنسان صحيح البنية، مكتمل الحواس، خال من العيوب الخلقية المتصلة بالجهاز العقلي أو الأجهزة العصبية أو العمليات الحسية المتصلة بها.
٣- البيئة والمجتمع: في حالات اضطرابات التنشئة الاجتماعية في الأسرة، وسوء التوافق الاجتماعي كأن يصاحب الطفل أقران السوء، بأن ينشأ في ظل علاقات اجتماعية مضطربة القيم والمفاهيم والسلوك، أو حرمان الطفل من المثيرات الثقافية والعقلية.
стр. 8192
٤- علاقة الطفل بالمدرسة؛ ولأن المدرسة متعددة النشاطات فإن كراهية الطفل لوجه من أوجه النشاط المدرسي قد يكون سببا في كراهيته للمدرسة، وبالتالي للدراسة، وعدم توافقه وانسجامه معها، كما أن الجو العام للمدرسة، أو الفجوة بين المواد التي يدرسها والواقع الذي يعيش فيه، أو صعوبة الطرق التي تدرس بها المناهج، أو انعدام التوجيه والضبط التربوي السليم؛ كل هذه العوامل تلعب درراً هاما في التخلف الدراسي.
٥- الاضطرابات الانفعالية: مثل عمليات الإحباط المستمرة، سواء في البيت أو المدرسة، والاضطراب العصبي، وعدم الاتزان الانفعالي والحرمان الدائم.
٦- ضعف الدوافع والدافعية - كما نعلم - لها دور مهم في التعلّم، كما أن عدم بذل الجهد الكافي في التحصيل وقلة الاهتمام مرتبطة بضعف الدافعية.
٧- أسلوب التربية للطفل، ونوع المعاملة التي يجدها من أسرته، وعلاقة أفراد الأسرة ببعضها، ومدى اضطرابها أو توفر المودة والرحمة فيها، وعدم التناسب بين قدرات الطفل وطموحاته وسنه.
٨- عدم اعتماد الطفل على نفسه وتحمل مسؤولياته، واعتماده على والديه أو المدرس الخصوصي.
٩- ضعف الذاكرة: إذ إن التذكر هو أساس العمليات العقلية، والوسيلة التي يخزن بها ما يكتسب من خبرات ومعلومات، ولأن النسيان عامل كبير في التأخر الدراسي فالعلاقة بين التذكر والحفظ قوية، وقوة الذاكرة وعدم النسيان مظهران من مظاهر النشاط العقلي، وعاملان هامان في تذكر الخبرات السابقة وتخزينها.
١٠- ظروف الطفل الاقتصادية: ومع أن الاقتصاد عامل بيئي إلا أن العامل الاقتصادي - مثل توفير احتياجات الطفل من الأدوات المدرسية، وامتلاكه ما يمتلكه زملاؤه - أمر مهم، وفقدانه لذلك قد يجعله متخلفا في الدراسة.
مميزات وسمات المتأخرين عقلياً:
стр. 8193
١- من حيث النواحي الجسمية: فنموهم أقل من المتوسط إذا ما قورنوا بزملائهم العاديين، وقد يختلفون في نموهم العقلي وإن كانوا لا يختلفون في الانفعالات والاتجاهات والدوافع والرغبات الجسمية والجنسية، وربما ظهر المتأخرون في الدراسة أطول قامة وأضخم بنية من أقرانهم في الدراسة، وذلك إما لتخلفهم عاماً أو عاميين عن أقرنهم في الدراسة برسوبهم، أو لتأخر التحاقهم أساسا بالمدرسة، كما أنهم يتميزون بارتفاع نسبة الإعاقة في السمع والبصر عن أقرانهم.
٢- من حيث الناحية العقلية: فهم ضعاف الذاكرة والقدرة على التفكير الاستنتاجي، كما أنهم ضعفاء في قدرتهم على حل المشكلات التي تحتاج إلى المعاني العقلية، وهم لا يستطيعون اختزان المعلومات لفترة طويلة، ويعجزون عن تكرار الأعداد والجمل التي تحتاج إلى تكرار - عقب سماعها مباشرة - دون أن يجدوا صعوبة في ذلك، كما أنهم سطحيو الإدراك، وضعاف من حيث الحفظ والفهم العميق للأمور، الأمر الذي يجعل استفادتهم الكاملة من الخبرات السابقة أمراً قليلا، وهم إلى جانب ذلك كله أقل تقديراً للعواقب أو إدراكاً للنتائج وما يترتب على تصرفاتهم، مما يجعلهم يتصرفون بتلقائية وسهولة.
٣- أما من الناحية الانفعالية فغالبا ما يسيطر عليهم إحساس عدائي نحو المدرسة، ونحو الزملاء أو المدرسين؛ نتيجة لإحساسهم بالنقص أو شعورهم بالذنب، وهم لذلك يحبون الانطواء على أنفسهم والهروب من المدرسة أو المجتمع، كما أنهم سلبيون في اتجاهاتهم نحو المدرسة؛ بحيث يقنعون أنفسهم بأنهم فاشلون وبالتالي منبوذون من مجتمع المدرسة، ومن لهم مثل هذا النوع من الإحساس يصعب تعديل سلوكهم.
стр. 8194
٤- أما من الناحية الاجتماعية: فيرى بعض الدارسين أن التأخر في الطبقات ذات المستوى الاجتماعي المنخفض أعلى منه في الطبقات ذات المستوى العالي، وهؤلاء يرجحون جانب العلاقات الاقتصادية، أما البعض الآخر فيرى أن التأخر لا علاقة له بالمستوى الاقتصادي أو الثقافي؛ لأنه يشمل جميع الطبقات باختلاف مستوياتهم المادية، وهم من الناحية الاجتماعية ينقادون بسهولة للمربيين وللخارجيين عن القانون كتنفيس لإحساسهم نحو المجتمع أو للانتقام منه.
٥- من الناحية الشخصية: فهم - كما ذكرنا - أقل تكيفا، وتنعدم فيهم روح الابتكار والقيادة.. وحب الاستطلاع والتحصيل والمثابرة معدوم عندهم؛ نتيجة الإحباط الدائم من الناس والأقران، ووصفهم بالأغبياء والبلهاء، زيادة على السلبية في اتجاهاتهم وميولهم، وإن كانوا لا يختلفون عن أقرانهم في النواحي الإنسانية المتعلقة بالطاعة، بل قد يكونون أكثر طواعية وانقيادا من غيرهم.
علاقة التأخر الدراسي بالقدرات العقلية
يذكر الدكتور أحمد زكي أن (وظيفة التعلم الأساسية هي مساعدة الكائن الحي على أن يتكيف مع بيئته الخارجية، بأبسط طريقة ممكنة، بأقل مجهود ممكن، على أصح طريقة ممكنة، بواسطة تنمية أساليب سلوك مكتسبة تساعده على مواجهة المواقف الخارجية، والتغلب على مشكلاتها بنجاح) .
ومن هنا كانت أهمية دراسة العلاقة بين التأخر الدراسي والقدرات العقلية؛ لأن عملية التعلم بالطريقة التي حددها الدكتور أحمد زكي لا يمكن إتمامها بالصورة المرضية للمتأخرين عقلياً؛ لأن عملية التعلم تعتمد أساساً على عمليات عقلية تسهم فيها، وسنحدد هذه العمليات العقلية لنحدد موقف المتأخرين عقلياً منها.
стр. 8195
ا- التذكر ضعيف عند المتأخرين دراسيا، وهو كما ذكرنا أساس عمليات التعلم، وبما أن المتخلف لا يستطيع أن يتذكر خبراته القديمة، وبالتالي يربطها بالخبرات الجديدة؛ فإنه يفتقد عاملا هاما من عوامل التعلم الأساسية.
٢- الحفظ: يتميز المتأخرون دراسيا بأنهم لا يحفظون، وبالتالي لا يتذكرون الخبرات الماضية، ولا يستطيعون استدعاء ما تعلموه في المواقف الجديدة؛ فسريعوا التعلم يحفظون أكثر من ضعاف التعلم؛ لأن الحفظ مظهر من مظاهر الذكاء، والمتأخر أقل ذكاء من الشخص العادي.
٣- التفكير: فعن طريقه ينظم العقل بين الخبرات وإدراك العلاقات بين المواضيع والمواقف؛ وبما أن التفكير يتطلب نشاطا عقليا أكبر من نشاط المستويات العقلية الأخرى، فإن المتأخرين دراسيا يعجزون عن أداء هذه العملية العقلية العليا، وبالتالي لا يستطيعون اكتساب عادات فكرية صحيحة وتدريب تفكيرهم وتوجيهه بالقدر الذي تسمح به قدرة الإنسان.
٤- الاستدعاء: وهو استرجاع الذكريات مع ما يصاحبها من ظروف الزمان والمكان، وهذه مرحلة عقلية يمكن تدريب المتأخرين عليها، إلا أن سرعة الاستدعاء عندهم أقلّ من السرعة عند أقرنهم من زملائهم.
علاج التأخر الدراسي
فرق الدكتور حامد الفقى بين نوعين من التأخر هما:
(أ) التأخر الخلِقي: ذلك راجع إلى قصور أو تغير في نمو الجهاز العقلي، أو الأجهزة العصبية، أو العمليات الحسية المتصلة بها.
следующие страницы →