← Джавами‘

Джавами‘ · id 4473

مجلة الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (23 804 стр.). Показаны 8191–8230 · переход к 8196.

стр. 8191

ومما تقدم نلحظ اختلاف المصطلحات أو التعريفات التي حددت أنواع التخلف؛ لاختلاف النظر إلى العوامل المسببة له؛ فعلى التعريف الأول يكون انخفاض نسبة الذكاء سببا في التخلف إلى جانب أسباب أخرى. العوامل المؤدية للتأخر الدراسي: هناك عوامل كثيرة يمكن أن تؤدي إلى التخلف الدراسي، ترتبط بعوامل اجتماعية ونفسية وتربوية، ويمكننا أن نحد د هذه العوامل فيما يلي:- ١- انخفاض نسبة الذكاء العام عن المعدل المتوسط، كما رأينا في التعريف الأول؛ لأن تكوين القدرة على اكتساب الوظائف العقلية المعقدة يحتاج إلى نسبة ذكاء لا تقل عن الحد الأدنى المساعد على التحصيل المعقول، أي أن الضعف في الناحية العقلية، أو النقص في قدرات الطفل العقلية - والذي نصفه غالبا بالغباء - عامل مهم في التأخر الدراسي. ٢- عامل عضوي: مثل ضعف السمع أو البصر، ودورهما - كما نعلم - هام في عملية التعلم، وكذلك التلف المخي والاضطراب الصحي العام؛ وذلك كله لأن عملية التعليم تحتاج إلى إنسان صحيح البنية، مكتمل الحواس، خال من العيوب الخلقية المتصلة بالجهاز العقلي أو الأجهزة العصبية أو العمليات الحسية المتصلة بها. ٣- البيئة والمجتمع: في حالات اضطرابات التنشئة الاجتماعية في الأسرة، وسوء التوافق الاجتماعي كأن يصاحب الطفل أقران السوء، بأن ينشأ في ظل علاقات اجتماعية مضطربة القيم والمفاهيم والسلوك، أو حرمان الطفل من المثيرات الثقافية والعقلية.

стр. 8192

٤- علاقة الطفل بالمدرسة؛ ولأن المدرسة متعددة النشاطات فإن كراهية الطفل لوجه من أوجه النشاط المدرسي قد يكون سببا في كراهيته للمدرسة، وبالتالي للدراسة، وعدم توافقه وانسجامه معها، كما أن الجو العام للمدرسة، أو الفجوة بين المواد التي يدرسها والواقع الذي يعيش فيه، أو صعوبة الطرق التي تدرس بها المناهج، أو انعدام التوجيه والضبط التربوي السليم؛ كل هذه العوامل تلعب درراً هاما في التخلف الدراسي. ٥- الاضطرابات الانفعالية: مثل عمليات الإحباط المستمرة، سواء في البيت أو المدرسة، والاضطراب العصبي، وعدم الاتزان الانفعالي والحرمان الدائم. ٦- ضعف الدوافع والدافعية - كما نعلم - لها دور مهم في التعلّم، كما أن عدم بذل الجهد الكافي في التحصيل وقلة الاهتمام مرتبطة بضعف الدافعية. ٧- أسلوب التربية للطفل، ونوع المعاملة التي يجدها من أسرته، وعلاقة أفراد الأسرة ببعضها، ومدى اضطرابها أو توفر المودة والرحمة فيها، وعدم التناسب بين قدرات الطفل وطموحاته وسنه. ٨- عدم اعتماد الطفل على نفسه وتحمل مسؤولياته، واعتماده على والديه أو المدرس الخصوصي. ٩- ضعف الذاكرة: إذ إن التذكر هو أساس العمليات العقلية، والوسيلة التي يخزن بها ما يكتسب من خبرات ومعلومات، ولأن النسيان عامل كبير في التأخر الدراسي فالعلاقة بين التذكر والحفظ قوية، وقوة الذاكرة وعدم النسيان مظهران من مظاهر النشاط العقلي، وعاملان هامان في تذكر الخبرات السابقة وتخزينها. ١٠- ظروف الطفل الاقتصادية: ومع أن الاقتصاد عامل بيئي إلا أن العامل الاقتصادي - مثل توفير احتياجات الطفل من الأدوات المدرسية، وامتلاكه ما يمتلكه زملاؤه - أمر مهم، وفقدانه لذلك قد يجعله متخلفا في الدراسة. مميزات وسمات المتأخرين عقلياً:

стр. 8193

١- من حيث النواحي الجسمية: فنموهم أقل من المتوسط إذا ما قورنوا بزملائهم العاديين، وقد يختلفون في نموهم العقلي وإن كانوا لا يختلفون في الانفعالات والاتجاهات والدوافع والرغبات الجسمية والجنسية، وربما ظهر المتأخرون في الدراسة أطول قامة وأضخم بنية من أقرانهم في الدراسة، وذلك إما لتخلفهم عاماً أو عاميين عن أقرنهم في الدراسة برسوبهم، أو لتأخر التحاقهم أساسا بالمدرسة، كما أنهم يتميزون بارتفاع نسبة الإعاقة في السمع والبصر عن أقرانهم. ٢- من حيث الناحية العقلية: فهم ضعاف الذاكرة والقدرة على التفكير الاستنتاجي، كما أنهم ضعفاء في قدرتهم على حل المشكلات التي تحتاج إلى المعاني العقلية، وهم لا يستطيعون اختزان المعلومات لفترة طويلة، ويعجزون عن تكرار الأعداد والجمل التي تحتاج إلى تكرار - عقب سماعها مباشرة - دون أن يجدوا صعوبة في ذلك، كما أنهم سطحيو الإدراك، وضعاف من حيث الحفظ والفهم العميق للأمور، الأمر الذي يجعل استفادتهم الكاملة من الخبرات السابقة أمراً قليلا، وهم إلى جانب ذلك كله أقل تقديراً للعواقب أو إدراكاً للنتائج وما يترتب على تصرفاتهم، مما يجعلهم يتصرفون بتلقائية وسهولة. ٣- أما من الناحية الانفعالية فغالبا ما يسيطر عليهم إحساس عدائي نحو المدرسة، ونحو الزملاء أو المدرسين؛ نتيجة لإحساسهم بالنقص أو شعورهم بالذنب، وهم لذلك يحبون الانطواء على أنفسهم والهروب من المدرسة أو المجتمع، كما أنهم سلبيون في اتجاهاتهم نحو المدرسة؛ بحيث يقنعون أنفسهم بأنهم فاشلون وبالتالي منبوذون من مجتمع المدرسة، ومن لهم مثل هذا النوع من الإحساس يصعب تعديل سلوكهم.

стр. 8194

٤- أما من الناحية الاجتماعية: فيرى بعض الدارسين أن التأخر في الطبقات ذات المستوى الاجتماعي المنخفض أعلى منه في الطبقات ذات المستوى العالي، وهؤلاء يرجحون جانب العلاقات الاقتصادية، أما البعض الآخر فيرى أن التأخر لا علاقة له بالمستوى الاقتصادي أو الثقافي؛ لأنه يشمل جميع الطبقات باختلاف مستوياتهم المادية، وهم من الناحية الاجتماعية ينقادون بسهولة للمربيين وللخارجيين عن القانون كتنفيس لإحساسهم نحو المجتمع أو للانتقام منه. ٥- من الناحية الشخصية: فهم - كما ذكرنا - أقل تكيفا، وتنعدم فيهم روح الابتكار والقيادة.. وحب الاستطلاع والتحصيل والمثابرة معدوم عندهم؛ نتيجة الإحباط الدائم من الناس والأقران، ووصفهم بالأغبياء والبلهاء، زيادة على السلبية في اتجاهاتهم وميولهم، وإن كانوا لا يختلفون عن أقرانهم في النواحي الإنسانية المتعلقة بالطاعة، بل قد يكونون أكثر طواعية وانقيادا من غيرهم. علاقة التأخر الدراسي بالقدرات العقلية يذكر الدكتور أحمد زكي أن (وظيفة التعلم الأساسية هي مساعدة الكائن الحي على أن يتكيف مع بيئته الخارجية، بأبسط طريقة ممكنة، بأقل مجهود ممكن، على أصح طريقة ممكنة، بواسطة تنمية أساليب سلوك مكتسبة تساعده على مواجهة المواقف الخارجية، والتغلب على مشكلاتها بنجاح) . ومن هنا كانت أهمية دراسة العلاقة بين التأخر الدراسي والقدرات العقلية؛ لأن عملية التعلم بالطريقة التي حددها الدكتور أحمد زكي لا يمكن إتمامها بالصورة المرضية للمتأخرين عقلياً؛ لأن عملية التعلم تعتمد أساساً على عمليات عقلية تسهم فيها، وسنحدد هذه العمليات العقلية لنحدد موقف المتأخرين عقلياً منها.

стр. 8195

ا- التذكر ضعيف عند المتأخرين دراسيا، وهو كما ذكرنا أساس عمليات التعلم، وبما أن المتخلف لا يستطيع أن يتذكر خبراته القديمة، وبالتالي يربطها بالخبرات الجديدة؛ فإنه يفتقد عاملا هاما من عوامل التعلم الأساسية. ٢- الحفظ: يتميز المتأخرون دراسيا بأنهم لا يحفظون، وبالتالي لا يتذكرون الخبرات الماضية، ولا يستطيعون استدعاء ما تعلموه في المواقف الجديدة؛ فسريعوا التعلم يحفظون أكثر من ضعاف التعلم؛ لأن الحفظ مظهر من مظاهر الذكاء، والمتأخر أقل ذكاء من الشخص العادي. ٣- التفكير: فعن طريقه ينظم العقل بين الخبرات وإدراك العلاقات بين المواضيع والمواقف؛ وبما أن التفكير يتطلب نشاطا عقليا أكبر من نشاط المستويات العقلية الأخرى، فإن المتأخرين دراسيا يعجزون عن أداء هذه العملية العقلية العليا، وبالتالي لا يستطيعون اكتساب عادات فكرية صحيحة وتدريب تفكيرهم وتوجيهه بالقدر الذي تسمح به قدرة الإنسان. ٤- الاستدعاء: وهو استرجاع الذكريات مع ما يصاحبها من ظروف الزمان والمكان، وهذه مرحلة عقلية يمكن تدريب المتأخرين عليها، إلا أن سرعة الاستدعاء عندهم أقلّ من السرعة عند أقرنهم من زملائهم. علاج التأخر الدراسي فرق الدكتور حامد الفقى بين نوعين من التأخر هما: (أ) التأخر الخلِقي: ذلك راجع إلى قصور أو تغير في نمو الجهاز العقلي، أو الأجهزة العصبية، أو العمليات الحسية المتصلة بها.

стр. 8196

هذا النوع من التخلف يصعب علاجه؛ لأنه راجع إلى قصور في النمو، أو سبب في التكوين البيولوجي للمخ، وهؤلاء لا أمل في زيادة نسبة ذكائهم، ولكن من الممكن رفع كفايتهم التحصيلية، وزيادة فعالية استعدادهم، وذلك عن طريق إثارة الدوافع، ويمكن أيضا تغيير اتجاهاتهم السلبية وتخليصهم من الاحساسات التي يحسون بها من مشاعر مؤلمة؛ فالصعوبة في علاجهم أنهم معوقون من النواحي الاجتماعية والانفعالية والتربوية التي ترجع إلى العيش في ظروف ينخفض فيها المستوى الثقافي والاجتماعي في الريف والأحياء الفقيرة في المدن، كما أنهم يفتقرون إلى الخبرات والتجارب التي تجعلهم مستعدين للعملية التربوية بالإضافة إلى سوء التغذية والمسكن. (ب) التأخر الوظيفي: يرجع إلى أسباب يمكن علاجها؛ لأنها ترجع إلى أسباب تتعلق بالظروف الاجتماعية والأسرية التي يعيشون فيها، وغالباً ما يكون آباؤهم وأمهاتهم أميين وقدراتهم محدودة، ويمكن لعلاجهم تحديد برامج لهم قبل دخول المدارس لإثارة الحماس والنشاط وإكسابهم خبرات جديدة افتقدوها في بيئاتهم، كذلك الأسباب الانفعالية يمكن علاجها بإزالة الأسباب المؤدية إليها كاضطراب الأسرة، وسوء العلاقة بين الطفل وأسرته؛ فالعلاقة الطبيعية لها دور في نموه الانفعالي، وتحسينها سيؤدى إلى تحسين مستوى الطفل، كما يمكن علاج هذه الحالة بتحسين أساليب الآباء في التربية.. وطريقتهم في تأديب أولادهم، زيادة على اهتمام الأمهات بالرعاية الصحية لأبنائهن وأسرهن، وإتاحة فرص الترفيه واللعب للأطفال، وتوجيه عواطف الآباء نحو أولادهم، بحيث تسود مشاعر الحب والاحترام بدلا من الكراهية. كما يمكن معالجة التأخر الناتج عن تفكك الأسرة بتوجيه الأسرة إلى التماسك وسيادة مشاعر الحب والانتماء للأسرة.

стр. 8197

أما التأخر الناتج من سوء التغذية فيمكن علاجه برفع مستوى التغذية، بحيث يعود للطفل نشاطه وحيويته، ويمكن أيضا تغيير نظام المساكن وإقامتها على أسس صحية اجتماعية، بحيث يتوفر للطفل الجو المناسب لممارسة حياته وعلاقاته الاجتماعية وإشباع حاجاته وميوله، وتوفير الجو الملائم للمذاكرة. خاتمة: رأينا فيها سبق أنماطا من الأطفال تتحكم فيهم ظروف غير طبيعية، تؤدي إلى تأخرهم الدراسي، هذه الظروف ليست خاصة بالريف، وإنما هي ممتدة لكل المدن وشاملة لكل الطبقات العليا والدنيا الفقيرة والغنية، ورأينا أن بإمكاننا التغلب على هذه المشكلة إذا اهتمت الدولة بعلاجها عن طريق رجال التربية ووفرت لها الإمكانيات المادية والعلمية حتى يمكن أن يعالج ما يمكن علاجه، ويوقف تدهور ما لا يمكن، كالتخلف العقلي حيث تكون الأجهزة العقلية معيقة عن أداء وظائفها، ورأينا أن بإمكاننا تكوين الاتجاهات والقيم لدى المتأخرين دراسيا، عن طريق الخبرات والانتظام في الدراسة، وتشجع الوالدين والمدرسة وإزالة مشاعر الاضطهاد والنقص وغيرها. وآمل أن أكون قد وفقت في تناول المشكلة تناولا أقرب إلى الموضوعية.. والله الموفق. مراجع البحث. للدكتور حامد الفقى ١- التأخر الدراسي أحمد ذكى صالح ٢- علم النفس التربوي حامد زهران ٣- علم نفس النمو فؤاد البهى ٤- الذكاء آرثرجيست وآخرين ٥- علم النفس التربوي ترجمة إبراهيم حافظ وآخرين

стр. 8198

مملكة النبات كما يعرضها القرآن ويصفها بقلم الدكتور/ حامد صادق قنيبي النبات في عالمنا الفسيح لسان من ألسنة التقديس والتسبيح للخالق ﷻ ، وهو من جملة بدائع القدرة الإلهية في المخلوقات، من حيث إيجاد الأشجار والثمار والحبوب والبقول والأزهار، والتأمل في كيفية تكوينها وجميل صنيعها، مما يقوي في الإنسان عقيدة الإيمان برب السماوات والأرض وجميع الكائنات ... وإذا كان عالم النبات صفحة في كتاب الله المنظور فإننا نشهد فيه صورة الحياة؛ في حركتها وانتقالها، وفي مراحلها وأطوارها، وفي جمالها المونق البديع الألوان والأشكال، قال الله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَلَكَهُ يَنَابِيعَ فِي الأَرْضِ ثُمَّ يُخْرِجُ بِهِ زَرْعاً مُخْتَلِفاً أَلْوَانُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرّاً ثُمَّ يَجْعَلُهُ حُطَاماً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لأُولِي الأَلْبَابِ﴾ [١] . وقال أيضا: ﴿أَمَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنْبَتْنَا بِهِ حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ مَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَهَا أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ﴾ [٢] . هاهو ذا القرآن يلفت البصائر والأبصار إلى سر الحياة ومنشأ النبات وتعدده كما يحدثنا أن الزرع والنبات والشجر إنما ينشأ نتيجة تفاعل الماء والتراب والبذور، قال تعالى: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى، الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى، وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى، وَالَّذِي أَخْرَجَ الْمَرْعَى، فَجَعَلَهُ غُثَاءً أَحْوَى﴾ [٣] .

стр. 8199

فالله هو الذي خلق عالمنا كله؛ فسواه تسوية تامة كاملة لا عوج فيها ولا اضطراب ولا نقص ولا زيادة، بل كل شيء فيه في وضعه الصحيح، يؤدي الغرض الذي من أجله خلق؛ فهو ﴿وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى﴾ : أي قدر لكل حي ما يصلحه مدة بقائه، وهداه وعرفه وجه الانتفاع بما فيه من منفعة له، ﴿وَالَّذِي أَخْرَجَ الْمَرْعَى﴾ أي أنبت النبات جميعه، وما من نبت ينبت إلاّ وهو يصلح أن يكون مرعى لحيوان ما، ثم بعد ذلك أنبت النبات ﴿فَجَعَلَهُ غُثَاءً أَحْوَى﴾ ، والغثاء: هو الهشيم أو الهالك البالي، والأحوى: الذي يميل لونه إلى لون السواد [٤] . ﴿وَالَّذِي أَخْرَجَ الْمَرْعَى، فَجَعَلَهُ غُثَاءً أَحْوَى..﴾ مثال على كمال الخلق والتسوية والهداية، والغثاء الأحوى إنما هو الفناء والإماتة وإزالة الحياة فكيف ذلك؟.. وهنا نقف وقفة قصيرة مع العلم الحديث لننظر ماذا قال هنا: ﴿فَجَعَلَهُ غُثَاءً أَحْوَى﴾ أي جعله بعد خضرته يابساً أسود. وهل هناك نبات إذا جف صار يابسا أسود؟ لا يوجد فيما نعلم نبات هكذا؟ إذن فكيف أخرج الله ﵎ المرعى ثم جعله يابساً أسود، كيف ومتى.. ألا ينطبق هذا كل الانطباق على الفحم الحجري الذي تكوّن معظمه في حقب الحياة القديمة حينما ظهر النبات غير المزهر والسرخسيات بكثرة عظيمة، ثم تراكمت فوقها في بعض الجهات رواسب أخرى فتحولت إلى فحم حجري مع طول الزمن وارتفاع الضعط والحرارة؟!.. نعم، وهذا هو الغثاء الأحوى الذي تكلم عنه القرآن الكريم، وعلله فأصاب وأوجز؛ قال وأصاب في وقت كانت فيه مثل هذه الحقائق غريبة على عقول البشر، قال هذا فسبق العلم بقرون عديدة، أفليس هذا إعجازا؟.. بلى والله إنه نعم الإعجاز [٥] .

стр. 8200

ونعلم أن أوّل النبات كانت الأعشاب والمراعي، وما من نبات إلا وهو صالح لخلق من خلق الله؛ فهي هنا أشمل مما نعهده من مرعى أنعامنا؛ فالله خلق هذه الأرض وقدّر فيها أقواتها لكل حي يدب فوق ظهرها، أو يختبئ في جوفها، أو يطير في جوها. والمرعى يخرج في أول أمره خضرا، ثم يذوى فإذا هو غثاء، أميل إلى السواد فهو أحوى، وهو في كل حالاته صالح لأمر من أمور هذه الحياة بتقدير الذي خلق فسوّى وقد ر فهدى.. ثم يوقفنا التوجيه القرآني على أمسّ الأشياء إلى الإنسان، وهو طعامه وطعام أنعامه، وما وراء ذلك من تدبير الله وتقديره له: ﴿فَلْيَنْظُرِ الأِنْسَانُ إِلَى طَعَامِهِ، أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاءَ صَبّاً، ثُمَّ شَقَقْنَا الأَرْضَ شَقّاً، فَأَنْبَتْنَا فِيهَا حَبّاً، وَعِنَباً وَقَضْباً [٦] ، وَزَيْتُوناً وَنَخْلاً، وَحَدَائِقَ غُلْباً [٧] ، وَفَاكِهَةً وَأَبّاً [٨] ، مَتَاعاً لَكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ﴾ [٩] . جاء في الكشاف (والحبّ: كل ما حصد من نحو الحنطة والشعير وغيرهما، والقضب: الرطبة، والمقضاب أرضه، وسمى بمصدر قضبه إذا قطعه؛ لأنه يقضب مرة بعد مرة، ﴿وَحَدَائِقَ غُلْباً﴾ يحتمل أن يجعل كل حديقة غلباء فيزيد تكاثفها وكثرة أشجارها وعظمها، كما تقول: حديقة ضخمة، وأن يجعل شجرها غلبا: أي عظاما غلاظا، والأب: المرعى؛ لأنه يؤب، أي: يؤم وينتجع، والأب والأم أخوان [١٠] . فالآيات السابقة بيان لقدرة الله وعظمته في الإبانة عن منشأ النبات وتعدده، والارتباط الوثيق بين الحيوان والنبات؛ فالكائن الحي لا يتغذى إلا من أصله الذي تكون منه، ولذا أمر الإنسان أن يتدبر قصة طعامه، الذي هو ألصق شئ به، وسيجد أنه من الطين والماء. إن الله صبّ الماء من السماء صبّا، ثم شق الأرض بجذر النبات، شقّه شقّا فأنبت فيها حبّا وعنبا وقضبا.

стр. 8201

وصبّ الماء في صورة المطر حقيقة يعرفها كل إنسان في كل بيئة، وفي أي درجة كان من درجات المعرفة والتجربة، والله الذي لا شريك له هو الذي صبّ الماء، وهو الذي قدّر أن يكون الماء العامل الأول في خلق كل نبات، ولنا عود لهذا الموضوع بعد قليل. ثم تأتي المرحلة التالية لصبّ الماء، وهى شق الأرض شقا بجَذر النبات؛ لتتكون الجذور الممتدة خلال التربة، أو أن يشق النبت تربة الأرض شقا بقدرة الله الخالق، وينمو على وجهها، ويمتد في الهواء فوقها، وربما شقت النبتة الصفراء الملتوية الهشة الأرض الصلبة الجافة، أو الصخرة العاتية نافذة إلى أعلى مكوّنة الساق والأوراق. إذن على الإنسان أن ينظر إلى طعامه الذي به قوامه، كيف تفضل الله به عليه؛ فصار في أشد الحاجة إليه، وكيف حوّل الله له بعض عناصر الأرض طعاما هنيئا في شكل جميل ولون جذاب، وطعم مستساغ حلو المذاق. وجعل الله هذا الأصل الواحد أزواجا وأشكالا، من حيث هو مأكول كالقمح والذرة والفول وغيرها من البقول، أو هو فاكهة لذيذة كالعنب والنخيل، وغير هذا كثير مما يؤكل قضبا كالقثاء والتفاح، وهذه الحدائق الفيح الملتفة الأغصان، وهذه السهول الخضر.. كلها متاع للإنسان والأنعام. والنبات إنما ينشأ من تراب وماء، والله هو الذي أوجد الماء، وأنزله من السماء بنظام وقدر موزون، وقد تكرر ذكر الماء كثيرا في القرآن الكريم في صدد الحياة والإنبات قال تعالى:

стр. 8202

- ﴿وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْراً بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ حَتَّى إِذَا أَقَلَّتْ سَحَاباً ثِقَالاً سُقْنَاهُ لِبَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَنْزَلْنَا بِهِ الْمَاءَ فَأَخْرَجْنَا بِهِ مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ كَذَلِكَ نُخْرِجُ الْمَوْتَى لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ. وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَالَّذِي خَبُثَ لا يَخْرُجُ إِلا نَكِداً كَذَلِكَ نُصَرِّفُ الآياتِ لِقَوْمٍ يَشْكُرُونَ﴾ [١١] . - ﴿وَهُوَ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ بُشْراً بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُوراً، لِنُحْيِيَ بِهِ بَلْدَةً مَيْتاً وَنُسْقِيَهُ مِمَّا خَلَقْنَا أَنْعَاماً وَأَنَاسِيَّ كَثِيراً﴾ [١٢] . - ﴿وَاللَّهُ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَاباً فَسُقْنَاهُ إِلَى بَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَحْيَيْنَا بِهِ الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا كَذَلِكَ النُّشُور﴾ [١٣] . - ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ مَهْداً وَسَلَكَ لَكُمْ فِيهَا سُبُلاً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ أَزْوَاجاً مِنْ نَبَاتٍ شَتَّى، كُلُوا وَارْعَوْا أَنْعَامَكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآياتٍ لأُولِي النُّهَى، مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى﴾ [١٤] . - ﴿وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ نَبَاتَ كُلِّ شَيْءٍ فَأَخْرَجْنَا مِنْهُ خَضِراً نُخْرِجُ مِنْهُ حَبّاً مُتَرَاكِباً وَمِنَ النَّخْلِ مِنْ طَلْعِهَا قِنْوَانٌ دَانِيَةٌ وَجَنَّاتٍ مِنْ أَعْنَابٍ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُشْتَبِهاً وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ انْظُرُوا إِلَى ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَيَنْعِهِ إِنَّ فِي ذَلِكُمْ لآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ [١٥] .

стр. 8203

- ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لَكُمْ مِنْهُ شَرَابٌ وَمِنْهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ، يُنْبِتُ لَكُمْ بِهِ الزَّرْعَ وَالزَّيْتُونَ وَالنَّخِيلَ وَالأَعْنَابَ وَمِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [١٦] . - ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً بِقَدَرٍ فَأَسْكَنَّاهُ فِي الأَرْضِ وَإِنَّا عَلَى ذَهَابٍ بِهِ لَقَادِرُونَ، فَأَنْشَأْنَا لَكُمْ بِهِ جَنَّاتٍ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ لَكُمْ فِيهَا فَوَاكِهُ كَثِيرَةٌ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ، وَشَجَرَةً تَخْرُجُ مِنْ طُورِ سَيْنَاءَ تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ وَصِبْغٍ لِلآكِلِينَ﴾ [١٧] . - ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَتُصْبِحُ الأَرْضُ مُخْضَرَّةً إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ﴾ [١٨] . إن الله هو الذي يرسل الرياح مبشرات برحمته، والرياح تهبّ حاملة للسحاب وفق النواميس الكونية، ويصرفها عمن يشاء من عباده، فإذا أنزل الماء منها على بلد ميت أحياها بأمره ﷻ ، وأخرج الله به من كل الثمرات رزقا لكم، ومتاعا إلى حين.

стр. 8204

ودور الماء الظاهر في إنبات كل شئ دور واضح يعلمه البدائي والمتحضر، ويعرفه الجاهل والعالم.. ولكن دور الماء في الحقيقة أخطر وأبعد مدى من هذا الظاهر الذي يخاطب به القرآن الناس عامة، فقد شارك الماء ابتداء - بتقدير الله - في جعل تربة الأرض السطحية صالحة للإنبات، إذا صحت النظريات التي تفترض أن سطح الأرض كان في فترة ملتهبا، ثم صلبا لا توجد فيه التربة التي تنبت الزرع، ثم يتعاون الماء والعوامل الجوية على تحويلها إلى تربة لينة [١٩] ، ثم ظل الماء يشارك في إخصاب هذه التربة، وذلك بإسقاط "النتروجين - الأزوت" من الجو كلما أبرق فاستخلصت الشرارة الكهربائية التي تقع في الجو النتروجين الصالح للذوبان في الماء، ويسقط مع المطر؛ ليعيد الخصوبة إلى الأرض.. وهو السماد الذي قلد الإنسان القوانين الكونية في صنعه الآن بنفس الطريقة! وهو المادة التي يخلو وجه الأرض من النبات لو نفدت من التربة [٢٠] . والآيات الكريمة السابقة من سورة طه والأنعام والزمر والنحل والمؤمنون.. وغيرها تشير إلى كثير من خصائص النبات. الآية الكريمة من سورة الأنعام توضح معنى علميا (وهو أن الماء ينبت البذور؛ فتخرج أجنة النبات من دور الركود، وتخصص أجزاء منه للأوراق في إنتاج المادة الخضراء، وهى اللازمة لتكوين المادة الغذائية داخل عروق النبات؛ فتتكون البذور والثمار) [٢١] .

стр. 8205

والنبات كما بينا يبدأ حياته في الغالب بذرة أو نواة توضع في الأرض وتسقى بالماء، ثم تنفلق ويخرج منها جذير يمتد إلى أسفل، وسويق يمتد إلى أعلى، وهو ما عبّر عنه القرآن الكريم بقوله: ﴿ثُمَّ شَقَقْنَا الأَرْضَ شَقّاً﴾ [٢٢] ، وهذا الدور من حياة النبات يمكن أن يسمى دور الإنبات، وفيه تنشق الأرض عن النبتة الصغيرة ذات الورقتين الخضراوين، وفيه لا تأخذ البذرة أو النواة من خارج الأرض إلاّ الماء والأكسجين، أما ما عدا ذلك من الغذاء اللازم لتكوين الجذير والسويق والورقتين فتستمد مما أودع الله الحب والنوى من مواد عضوية كالنشا، قدّرها الله بحيث تكفى لتكوين تلك الأعضاء، وعلى الجذير والورقتين يتوقف غذاء النبات بعد ذلك؛ فالجذير يمتص الماء وما فيه من أملاح ذائبة في الأرض، والوريقات الخضر تقوم بعمليتي التنفس والتمثيل الخضري [٢٣] . وتعرف هذه العملية (بالتمثيل الكربوني) ؛ يدخل ثاني أكسيد الكربون من الجو إلى النبات عن طريق الثغور، فيقابل المادة الخضراء والماء، وتتكون من الكربون مواد الغذاء بفعل الحرارة والضوء، أما طريقة تكوين هذه المواد من غاز ثاني أكسيد الكربون، فهي عملية كيماوية معقدة، لم يقل العلم عنها إلا أن وجود المادة الخضراء والماء والحرارة، ينتج عنها تغييرات تنتهي بتكوين المواد الغذائية، ولا يتم إلا في الضوء، ولذا فهي تسمى أيضا (بالتمثيل الضوئي) ، ويقرر العلم أن هذه العملية هي أصعب وأعجب عملية تقوم بها الحياة، ولا يمكن لأي تركيبات أو أجهزة أن تقوم بمثل ما تقوم به ورقة خضراء في أي نبات [٢٤] . والمادة الخضراء التي ورد ذكرها في الشرح الآنف الذكر هي ما أشارت إليه الآية الكريمة بكلمة ﴿خَضِراً﴾ ، وإخراج هذا (الخَضِر) - أي المادة الخضراء - يأتي بعد إخراج النبات من الماء، وإذا تابعنا عملية خَلق النبات حسب تسلسلها في آية الأنعام - ٩٩ - وجدناها موضحة بعوامل خلق ثلاثة، وهي كما يأتي:

стр. 8206

١- عامل الخلق الأول لكل النبات: هو الماء؛ ﴿وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ نَبَاتَ كُلِّ شَيْء﴾ . ٢- عامل الخلق الثاني: هو المادة الخضراء التي تشير إليها الآية بكلمة ﴿خَضِراً﴾ ؛ ﴿فَأَخْرَجْنَا مِنْهُ خَضِراً﴾ . ٣- عامل الخلق الثالث: وهو إخراج الحب والثمر المتباين والمختلف حجما وشكلا، بين قمح وعنب ورمان وزيتون ... الخ. قال تعالى: ﴿نُخْرِجُ مِنْهُ حَبّاً مُتَرَاكِباً وَمِنَ النَّخْلِ مِنْ طَلْعِهَا قِنْوَانٌ دَانِيَةٌ وَجَنَّاتٍ مِنْ أَعْنَابٍ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُشْتَبِهاً وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ﴾ [٢٥] . والحبّ المتراكب كالسنابل وأمثالها، والقنوان جمع (قنو) ، وهو الفرع الصغير، وفي النخلة هو (العذق) الذي يحمل الثمر، ولفظة ﴿قِنْوَانٌ﴾ ووصفها ﴿دَانِيَةٌ﴾ يشتركان في إلقاء ظل لطيف أليف، وظل المشهد كله ظل وديع حبيب..، ﴿وَجَنَّاتٍ مِنْ أَعْنَابٍ﴾ .. ﴿وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ﴾ .. هذا النبات كله بفصائله وسلالاته - ﴿مُشْتَبِهاً وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ﴾ - أي: (مشتبها في الخلق مختلفا في الطعم) [٢٦] ، أو (بعضه متشابه وبعضه غير متشابه في القدر واللون والطعم) [٢٧] ، ﴿انْظُرُوا إِلَى ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَيَنْعِهِ﴾ .. انظروا بالحس البصري والقلب اليقظ، انظروا إليه في ازدهاره، وازدهائه عند كمال نضجه، انظروا إليه واستمتعوا بجماله.. لا يقول هنا: كلوا من ثمره إذا أثمر، ولكن يقول: ﴿انْظُرُوا إِلَى ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَيَنْعِهِ﴾ ؛ لأن المجال هنا جمال ومتاع، كما أنه مجال تدبر في آيات الله، وبدائع صنعته في مجال الحياة [٢٨] .

стр. 8207

والآية الكريمة من سورة الزمر - ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَلَكَهُ ... ﴾ الآية - توجه الأنظار للتأمل والتدبر في ظاهرة تتكرر في أنحاء الأرض، حتى لتذهب بجدتها وما فيها من عجائب في كل خطوة من خطواتها..؛ فهذا الماء النازل من السماء.. ما هو وكيف نزل؟.. إننا نمر بهذه الخارقة سراعا لطول الألفة وطول التكرار، إن خلق الماء في ذاته خارقة، ومهما عرفنا أنه ينشأ من اتحاد ذرتَيْ أيدروجين بذرة أكسوجين تحت ظروف معينة؛ فإن هذه المعرفة خليقة أن توقظ قلوبنا إلى رؤية يد الله التي صاغت هذا الكون بحيث يوجد الأيدروجين ويوجد الأكسوجين، وتوجد الظروف التي تسمح باتحادهما، وبوجود الماء من هذا الاتحاد، ومن ثم وجود الحياة في هذه الأرض.. ولولا الماء لما وجدت حياة، إنها سلسلة من التدبير حتى نصل إلى وجود الماء ووجود الحياة، والله من وراء هذا التدبير وكله مما صنعت يداه.. ثم نزول هذا الماء بعد وجوده، وهو الآخر خارقة جديدة ناشئة من قيام الأرض والكون وفق نواميس قدرها الله في هذا الكون، ودبر حركتها ونتائجها؛ فسمح بتكون الماء ونزوله [٢٩] ، ثم تجيء الخطوة التالية لإنزال الماء: ﴿فَسَلَكَهُ يَنَابِيعَ فِي الأَرْضِ﴾ .. سواء في ذلك الأنهار الجارية على سطح الأرض، والأنهار الجارية تحت طباقها مما يتسرب من المياه السطحية، ثم يتفجر بعد ذلك ينابيع وعيونا، أو يتكشف آبارا؛ ويد الله تمسكه فلا يذهب في الأغوار البعيدة التي لا يظهر منها أبدا!!. . ﴿ثُمَّ يُخْرِجُ بِهِ زَرْعاً مُخْتَلِفاً أَلْوَانُهُ﴾ . .

стр. 8208

والحياة النباتية التي تعقب نزول المطر وتنشأ عنه، خارقة يقف أمامها جهد الإنسان حسيرا، ورؤية النبتة الصغيرة وهى تشق حجاب الأرض عنها، وتزيح أثقال الركام من فوقها، وتتطلع إلى الفضاء والنور والحرية، وهى تصعد في الفضاء رويدا رويداً. . هذه الرؤية كفيلة بأن تملأ القلب المفتوح ذكرى، وأن تثير فيه الإحساس بالله الخالق المبدع الذي أعطى كل شيء خلقه ثم هدى، والزرع المختلف الألوان - في البقعة الواحدة، أو النبتة الواحدة، أو الزهرة الواحدة - إن هو إلاّ معرض لإبداع القدرة، يشعر الإنسان بالعجز المطلق عن الإتيان بشيء منه أصلا!!. . وفي ضوء هذا يتبين لنا بعض أسرار تكرار القرآن الكريم لحديث الماء ونزوله، وما يترتب عليه من أثر عميق في الحياة بما ينبت من الزروع والحدائق، المختلفة الأنواع والأشكال [٣٠] . ومن مشاهد الأرض أننا نراها ساكنة لا حركة فيها ولا حياة، فإذا نزل عليها الماء اهتزت وانتفخت وأنبتت من كل زوج بهيج، قال تعالى: ﴿وَتَرَى الأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ﴾ [٣١] .. وقال أيضا: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنَّكَ تَرَى الْأَرْضَ خَاشِعَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ إِنَّ الَّذِي أَحْيَاهَا لَمُحْيِي الْمَوْتَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [٣٢] .. واهتزاز الأرض تحركها بالنبات، وإحياؤها بعد موتها، ومعنى (ربت) أي: ارتفعت لما سكن فيها من الثرى، ثم أخرجت من جميع ألوان الزروع والثمار المختلفة الألوان والطعوم والروائح والأشكال والمنافع [٣٣] .

стр. 8209

(والخشوع: التذلل والتقاصر؛ فاستعير لحال الأرض إذا كانت قحطة لا نبات فيها، كما وصفها بالهمود في قوله تعالى: ﴿وَتَرَى الأَرْضَ هَامِدَةً﴾ .. وهو خلاف وصفها بالاهتزاز، والربو هو الإنتفاخ إذا أخصبت وتزخرفت بالنبات، كأنها بمنزلة المختال في زيه، وهى قبل ذلك كالذليل الكاسف البال في الأطمار الرثّة. وقرئ (وربأت) أي: ارتفعت؛ لأن النبت إذا هم أن يظهر ارتفعت له الأرض) [٣٤] . وهكذا وصف الله تعالى الأرض بأنها ميتة، وأنه يحييها بالماء الذي يجعلها تهتز وتربو، أى: تتحرك وتنمو، وهذه الحركة العجيبة سجلها القرآن الكريم قبل أن تسجلها الملاحظة العلمية بمئات الأعوام؛ فالتربة الجافة حين ينزل عليها الماء تتحرك حركة اهتزاز، وهى تتشرب الماء وتنتفخ فتربو ثم تحيا بما تنبت من كل زوج بهيج، وهل أبهج من الحياة وهي تتفتح بعد السكون، وتنتفض بعد الهمود. وهكذا نجد أن القرآن قد عبر عن الأرض قبل نزول الماء، وقبل تفتحها بالنبات، مرة بأنها: (هامدة) ومرة بأنها (خاشعة) ، والتعبيران يوحيان بالسكون الذي ما يلبث أن يهتز ويتحرك إذا ابتلت الأرض بالماء .وبذلك ترتسم لنا معالم الصورة، ويبدو لنا ما خفي عن إدراكنا للحركة الدائبة تحت سطح الأرض؛ فنعلم أن كل المراعي الخضر الزاهرة الوادعة في مضهرها، إنما تخفي تحتها حياة وحركة ونموا بما يمتد في باطن الأرض من جذور، وبما ينبت فوقها من نبات يتغذى منها ويعلو ويثمر.

стр. 8210

قال تعالى: ﴿وَآيَةٌ لَهُمُ الأَرْضُ الْمَيْتَةُ أَحْيَيْنَاهَا وَأَخْرَجْنَا مِنْهَا حَبّاً فَمِنْهُ يَأْكُلُونَ، وَجَعَلْنَا فِيهَا جَنَّاتٍ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ وَفَجَّرْنَا فِيهَا مِنَ الْعُيُونِ؛ لِيَأْكُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ وَمَا عَمِلَتْهُ أَيْدِيهِمْ أَفَلا يَشْكُرُونَ﴾ [٣٥] ، وقال تعالى: ﴿يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَيُحْيِي الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَكَذَلِكَ تُخْرَجُونَ﴾ [٣٦] . فالماء حين يصيب الأرض يبعث فيها الخصب، وتموج صفحتها بالحياة المنبثقة النامية.. ورؤية الزرع النامي، وتفتح الزهر، ونضج الثمر اليانع، وتزين الأرض بمختلف الألوان مشاهد تلفت العين والقلب إلى القدرة المبدعة؛ ففي كل لحظة يتحرك برعم ساكن من جوف حبة أو نواة فيفلقها ويخرج إلى وجه الحياة، وفي كل لحظة يجفّ أعواد وشجرة تستوفي أجلها فتتحول إلى هشيم أو حطام، ومن خلاَل الهشيم والحطام توجد الحبة الجديدة الساكنة المتهيئة للحياة الإنبات، ويوجد الغاز الذي ينطلق في الجو أو تتغذى به التربة، وتستعد للإخصاب، وفي كل لحظة تدب الحياة في نبات أو حيوان، ويتم التحول من خاصية إلى أخرى.. [٣٧] ، وإنها لمعجزة لا يدري سرها أحد، ولا يملك صنعها إلا خالق الأكوان؛ ولذا حرص القرآن على توجيه القلب البشري لهذا المشهد المتكرر: ﴿إِنَّ اللَّهَ فَالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوَى يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَمُخْرِجُ الْمَيِّتِ مِنَ الْحَيِّ ذَلِكُمُ اللَّهُ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ﴾ [٣٨] .

стр. 8211

فهذا إثبات قاطع أن الأرض الميتة تخرج النبات الحيّ يتغذى وينمو ويثمر ويموت، جاء في الكشاف: ﴿يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ﴾ : أي الحيوان والنامي من النطف والبيض والحبّ والنوى، ومخرج هذه الأشياء الميتة من الحيوان والنامي، فان قلت: كيف قال مخرج الميت من الحي بلفظ اسم الفاعل بعد قوله يخرج الحي من الميت؟ قلت: عطفه على فالق الحب والنوى بالنبات والشجر النامي من جنس إخراج الحيّ من الميت؛ لأن النامي في حكم الحيوان، ألا ترى إلى قوله: ﴿يُحْيِي الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾ ، ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ﴾ أي ذلكم المحيى والمميت هو الله الذي تحق له الربوبية) [٣٩] . فالحبّ الساكن، والنوى الهامد وهو يفلق باطن الأرض ليخرج منه نبات حي، مشهد يتكرر في كل لحظة.. وفي الشجرة الصاعدة، والنبتة النامية تعبير عن معجزة الحياة نشأة وحركة، وعَلى سرٍّ مكنون لا يعلم حقيقته إلا الله.. وتقف البشرية بعد كل ما رأت من ظواهر الأشياء وأشكالها، وبعد ما درست من خصائصها وأطوارها.. تقف أمام السرّ المغيب كما وقف الإنسان الأول؛ تدرك الوظيفة والمظهر، وتجعل المصدر والجوهر، والحياة ماضية في طريقها، والمعجزة تقع في كل لحظة!!. . ولعل في تنويع نسق التعبير بين (يحرج) و (مخرج) إيقاظا للحس حتى يلتفت للقدرة الباهرة، وهو يعرض آيات الله في الكون. قال تعالى وهو أصدق القائلين: ﴿وَهُوَ الَّذِي مَدَّ الأَرْضَ وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْهَاراً وَمِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ جَعَلَ فِيهَا زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ وَفِي الأَرْضِ قِطَعٌ مُتَجَاوِرَاتٌ وَجَنَّاتٌ مِنْ أَعْنَابٍ وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ صِنْوَانٌ وَغَيْرُ صِنْوَانٍ يُسْقَى بِمَاءٍ وَاحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ فِي الأُكُلِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ [٤٠] .

стр. 8212

الآيات الكريمة هنا تطوف بالقلب البشري في مجالات وآفاق متعددة، وتعرض من مشاهد الكون: الأرض الممدودة وما فيها من رواسي ثابتة، وأنهار جارية، والليل إذ يغشاه النهار، والجنات والزرع والنخيل في مختلف الأشكال والطعوم والألوان، ينبت في قطع من الأرض متجاورات، ويسقى بماء واحد. وأول المشاهد المعروضة هذه الأرض المبسوطة على امتداد البصر، ولا يهمّ ما يكون شكلها الكلي في حقيقته؛ إذ إن مدّ الأرض وبسطها ليس دليلا على عدم كرويتها؛ إذ هي مبسوطة ممدودة في نظرنا لنعيش عليها، ويقابل مدّ الأرض إرساء الجبال مع تحركها ودورانها. وعلى هذه الأرض معارض مختلفة، تتفاوت فيها أنظار الناظرين: بين النظرة العابرة التي لا ترى إلا الآفاق الفسيحة الممتدة، والنظرة المتأملة التي تنفذ إلى تدبر عظمة الخالق، وجلال عمله، وروعة حكمته مما يملأ القلب خشوعا، وولاء، وحمدا للخلاق العظيم.. رب العالمين.. وقوله: ﴿جَعَلَ فِيهَا زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ﴾ أي: (خلق فيها من جميع أنواع الثمرات زوجين حين مدّها ثم تكاثرت بعد ذلك وتنوعت، وقيل أراد بالزوجين الأسود والأبيض، والحلو والحامض، والصغير والكبير وما أشبه ذلك من الأصناف المختلفة) [٤١] . ولا يفوتنا أن نذكر هنا أن المقصود بالزوج في مثل قوله تعالى: ﴿أَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ﴾ [٤٢] ، وقوله: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الأَرْضِ كَمْ أَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ﴾ [٤٣]- الزوج هو النوع، أي: نوع بهيج أو كريم، وعندما يكون الغرض من الزوج الذكر والأنثى يقول تعالى: ﴿زَوْجَيْنِ﴾ ؛ لأن الزوجين هما النوعان؛ نوع الذكر ونوع الأنثى، ومنه قوله تعالى: ﴿وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ [٤٤] .

стр. 8213

وقد دل علم الحياة على أن الكائنات الحية تنقسم إلى ذكر وأنثى، سواء في الحيوان والنبات، وقد يكون الذكر والأنثى في الزهرة الواحدة أو الشجرة الواحدة أو في شجيرات، ويتم التلقيح إما بالريح أو الطير، وسبحان الله الذي أعطى كل شئ خلقه ثم هدى. وخلق الأزواج ظاهرة مطردة في الأحياء كلها، النبات فيها كالإنسان، ومثل ذلك غيرهما.. قال تعالى: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي خَلَقَ الأَزْوَاجَ كُلَّهَا مِمَّا تُنْبِتُ الأَرْضُ وَمِنْ أَنْفُسِهِمْ وَمِمَّا لا يَعْلَمُونَ﴾ [٤٥] . فنعم الخالق العظيم الذي خلق الأزواج من كل شيء.. من أنفسنا كبشر، ومن الحيوان والطير والنبات.. ومن الأشياء التي تحيط بنا من ماء وهواء وسحاب ومن الذرات التي لا نراها بالعين المجردة.. وإنها لوحدة تشي بوحدة اليد المبدعة، التي توجد قاعدة التكوين مع اختلاف الأشكال والأحجام والأنواع والأجناس والخصائص والسمات، في هذه الأحياء التي لا يعلم علمها إلا الله، وقد أصبح معلوما أن الهواء مكوّن من التزاوج بين الأكسجين وأكسيد الكربون، وأن الماء مكون من التزاوج من الهيدروجين والأكسجين.. وأن دم الإنسان يكون من التزاوج بين الكريات الحمر والكريات البيض.. وأن الذرة أصغر ما عرف من أجزاء المادة مؤلفة من زوجين مختلفين من الإشعاع الكهربي: سالب وموجب، يتزاوجان ويتحدان.. كذلك شوهدت ألوف من الثنائيات النجمية، تتألف من نجمين مرتبطين يشد كلاهما الآخر، ويدوران في مدار واحد كأنما يوقعان على نغمة رتيبة [٤٦] . فالتزاوج بين كل شئ أمر نوّه عنه القرآن الكريم قبل أن تبرهن عنه القرائن العلمية الحديثة بقرون بعيدة. وكثيرا ما يتساءل الإنسان عن السبب الذي من أجله خلق الله حشرات غريبة، وعن فوائدها.. ألا إنه سيقف مشدوها كما وقف أحد العلماء عندما عرف دور هذه الحشرات في نقل بذور اللقاح لإتمام عملية التزاوج في النبات فأقر بأن هذا العمل من معجزات الله [٤٧] .

стр. 8214

وقوله: ﴿وَفِي الأَرْضِ قِطَعٌ مُتَجَاوِرَاتٌ..﴾ أي: (بقاع مختلفة مع كونها متجاورة متلاصقة طيبة إلى سبخة، وكريمة إلى زهيدة، وصلبة إلى رخوة وصالحة للزرع لا الشجر إلى أخرى على عكسها، مع انتظامها جميعا في جنس الأرضية، وذلك دليل على قادر مزيد لأفعاله على وجه دون وجه، وكذلك الزروع والكروم والنخيل النابتة في هذه القطع مختلفة الأجناس والأنواع وهي تسقى بماء واحد، ونراها متغايرة الثمر في الأشكال والألوان والطعوم والروائح، متفاضلة فيها. [٤٨] فهذه المشاهد الأرضية معارض متعددة، تثير في الإنسان رغبة التطلع إليها بحواسه جميعا.. برغم تأكيد النص على وجوب التطلع في ملكوت الله، والتدبير فيما أبدع وصور، ولن يخطئ العقل طريقه إلى الله إذا هو وقف متجردا بين يدي تلك الآيات.. ففي الأرض قطع متجاورات ولكنها غير متماثلة: منها الطيب الخصب، ومنها السبخ النكد، ومنها المقفر الجدب، ومنها الصلد، وكل واحد من هذه وتلك أنواع وصنوف وألوان ودرجات، ومنها العامر والغامر، ومنها المزروع الحي والمهمل الميت، ومنها الريان والعطش، ومنها ومنها ومنها.. وهي كلها في الأرض متجاورات، ولكنها ليست متساوية في الخصب أو الخواص.. ثم قال تعالى: ﴿وَجَنَّاتٌ مِنْ أَعْنَابٍ وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ صِنْوَانٌ وَغَيْرُ صِنْوَانٍ يُسْقَى بِمَاءٍ وَاحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ فِي الأُكُلِ﴾ .

стр. 8215

ولقد شاءت قدرة الله أن تفلح هذه القطع من الأرض وتزرع وتعمر بوساطة الإنسان، حتى يتألف منها ثلاثة أنواع من النبات: الكرم المتسلق العنب وما على شاكله، والنخل السامق بأنواعه، والزرع من بقول وحبوب وخضروات متشابهة وغر متشابهة، حيث تكون كلها مجتمعة حدائق كالجنات، بما فيها من نبات يسبح باسم الله العلي القدير، وذلك النخيل صنوان وغير صنوان، منه ما هو عود واحد ومنه ما هو عودان أو أكثر في أصل واحد، وكله ﴿يُسْقَى بِمَاءٍ وَاحِدٍ﴾ والتربة واحدة، ولكن الثمار مختلفات الطعوم والأحجام، والألوان والخواص الأخرى، ومنها ما هو مختلف كل الاختلاف في نواح وصفات متعددة، وهنا تتجلى عظمة الخالق في جعل حبة الحنظل إذا وضعت في جوف الأرض تطلب من المعادن ما ينمى مرارتها، وجعل حبة البطيخ تأخذ من بين عناصر الأرض ما ينمي حلاوتها، وكلتاهما من تربة واحدة وهيا تسقيان بماء واحد [٤٩] . هذه الجولة في مشاهد الكون تعرض مشاهد عدة تشكِّل لوحة فنية رائعة. تصور أرضا مبسوطة، وجبالا راسية، وأنهارا جارية، وأزواجا من الثمرات، وقطعا من الأرض متجاورات ومتباينات، ونخيلا صنوانا وغير صنوان، وثمارا مختلفة الطعوم والزروع والنخيل والأعناب!.. كلها توقظ القلب، وتنبه العقل، وتؤكد روعة التدبير، وقدرة الخالق سبحانه الذي أخرج كل نبت في هذه الأرض، وفي خلقه دقة وحكام وتقدير لا يزيد أو ينقص، وقد وصفه القرآن الكريم بأنه ﴿مَوْزُونٍ﴾ ، وفيه دليل على التناسق في الخلق الدال على الحكمة الإلهية البالغة، والقدرة العجيبة التي تعين كلى شئ بمقدار، وتزن كل موجود بميزان، بحيث تتحقق فيه المنفعة التي أرادها الله لعباده؛ قال تعالى: ﴿وَالأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْزُونٍ، وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ وَمَنْ لَسْتُمْ لَهُ بِرَازِقِينَ﴾ [٥٠] .

стр. 8216

وقوله: ﴿مَوْزُونٍ﴾ (وزن ميزان الحكمة، وقدر بمقدار يقتضيه لا يصلح فيه زيادة ولا نقصان) [٥١] ؛ ولذلك اتبعه بقوله: ﴿وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ﴾ ؛ لأن ذلك يحسب بحسب الانتفاع بعينه. وقال الراغب الأصفهاني: (وقيل: بل ذلك إشارة إلى كل ما أوجده الله تعالى، وأنه خلقه باعتدال، كما قال: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ [٥٢] . والحقيقة هي أننا نجد قرينة دالة على معنى التقدير بمقدار معلوم في كلمة ﴿مَوْزُونٍ﴾ ، هذه القرينة نفهمها من سياق الآيات الكريمة بعد ذلك، وهي قوله: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلا عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ﴾ [٥٣] ؛ فالآية ظاهرة الدلالة على أن ما يتفضل الله به إنما هو وليد الحكمة في الخلق والتقدير والاتزان؛ فليس من شئ ينزل جزافا، وليس من شئ يتم اعتباطا.

стр. 8217

ولعلنا بعد هذه الجولة في دنيا النبات ومملكته، لنقف عاجزين عن الإحاطة بمشاهده المتعددة، ومروجه الخضر التي تأخذ بالقلوب والأبصار لجمالها.. إنه عالم مترامي الأطراف، غني بشتى أنواع النبات والأشجار وفصائل النبات والأزهار ووافر الثمرات والغلات، التي يتغذى عليها الملاين من ذرية آدم وحواء، وما لا ينحصر من المخلوقات المتنوعة التي تعيش وتدب في الأرض، أو تسبح في الفضاء، أو تغوص في قاع الماء، رأينا الحب والنوى يحفظ الحياة داخل البذرة، ثم ينقل هذه الحياة إلى جذيرها وسويقها، ورأينا في عملية الإنبات تلك الشعب والشعيرات الهينة اللينة تخترق الأرض الصلبة، وتشق طريقها الصعب الوعر، باحثة عن غذائها وعامل نمائها؛ فتعطي الثمر الكبير الحجم والوزن المتفاوت والثمر المختلف شكلا وملمسا ولونا ورائحة وطعنا ومذاقا، وكلها بديع التنسيق والتكوين، وهي تسقى بماء واحد وتتغذى من تربة واحدة.. ﴿وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنْبَتْنَا بِهِ حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ مَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَهَا أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ﴾ [٥٤] . ورأينا في النبت الموزون مع الاختلاف والتعدد دقة الخلق وأحكام التقدير، ﴿وَالْأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْزُونٍ﴾ [٥٥] . نعم لقد رأينا جملة النبات تتفاوت في تركيبها وقدراتها، غير أننا قد رأينا فيها جميعا قدرة الخالق، فسبحان من أوجد الوجود ونظمه، وخلق كل شئ وألهمه، وهدى كل حي وعلمه. . -------------------------------------------------------------------------------- [١] الزمر: ٢١. [٢] النمل: ٦٠. [٣] الأعلى: ١-٥.

стр. 8218

[٤] تفسير جزء عم ص ٥٢ بتصرف. جاء في لسان العرب أن الغثاء هو اليابس، والأحوى من الحوة وهو سواد إلى الخضرة أو حمرة إلى السواد، وقد كثر في كلام العرب حتى سموا كل أسود أحوى. [٥] القرآن والعلم د/ أحمد محمود سليمان: ص ٦٦- ٦٧، دار العودة، بيروت، الطبعة الثانية ١٩٧٤. [٦] القضب: الرطب أو الثمار الغضة التي يتكرر قطف أشجارها أو العلف على اختلاف الأقوال. [٧] غلبا: كثيفة الشجر. [٨] الأب: المرعى على أوجه الأقوال [٩] عبس: ٢٤- ٣٢ [١٠] تفسير الزمخشري: ٤/٢٢٠، طبعة الحلبي، القاهرة ١٩٦٦م. [١١] لأعراف: ٥٧- ٥٨. [١٢] الفرقان: ٤٨- ٤٩. [١٣] فاطر: ٩. [١٤] طه: ٥٣- ٥٥. [١٥] الأنعام: ٩٩. [١٦] النحل: ١٠-١١. [١٧] المؤمنون: ١٨- ٢٠ [١٨] الحج: ٦٣. [١٩] أنظر العلم يدعو للإيمان ص٧٦، لكريسي مريسون، ترجمة محمود الفلكي، النهضة المصرية بالقاهرة: ط ٦. ١٩٧١م. [٢٠] في ظلال القرآن:٣/٣٢٤ [٢١] المنتخب في تفسير القرآن الكريم: ص ١٨٩، طبعة القاهرة ١٩٧ م. [٢٢] عبس: ٢٦. [٢٣] الإسلام في عصر العلم: ص ٦ ٥ ٣٤-٣٥٧ بتصرف/ محمد أحمد الغمراوي، القاهرة، دار الإنسان، ١٩٧٣م. [٢٤] الله والعلم الحديث ص ٤٧٥، عبد الرزاق نوفل، الناشرون العرب القاهرة: ١٩٧١م. [٢٥] الأنعام: ٩٩. [٢٦] تفسير الطبري: ١١/٥٧٨ تحقيق محمود محمد شاكر، دار المعارف. [٢٧] تفسير الزمخشري: ٢/٤٠. [٢٨] انظر منهج الفن الإسلامي محمد قطب ص ٢١٨- دار القلم. [٢٩] انظر: في ظلال القرآن ٧/١٣٥ وما بعدما. [٣٠] انظر في هذا البحث ص ٥. [٣١] الحج: ٥. [٣٢] فصلت: ٣٩. [٣٣] انظر تفسير ابن كثير ٣/٢٠٨ و٤/١٠٢. [٣٤] سير الزمخشرى ٣/٤٥٤. [٣٥] يس: ٣٣. [٣٦] الروم: ١٩. [٣٧] انظر: في ظلال القرآن ٦/٤٤٦ة وما بعدها.

стр. 8219

[٣٨] لأنعام: ٩٥. [٣٩] تفسير الزنحثسرى ٣/٧٢. [٤٠] الرعد: ٣ -٤. [٤١] تفسير الز مخشرى ٢/٣٤٩. [٤٢] الحج: ٥. [٤٣] الشعراء: ٧. [٤٤] الذاريات: ٤٩. [٤٥] يس: ٣٦. [٤٦] انظر: مع الله في السماء: ص ١٧٤، أحمد ذكى، دار الهلال القاهرة. [٤٧] انظر: الله والعلم الحديث: ص ٩٩. [٤٨] تفسير الزمخشري: ٢/٣٤٩. [٤٩] انظر: آيات الله في الآفاق ص٧٣ وما بعدها. [٥٠] الحجر: ١٩-٧٠ [٥١] تفسير الزمخشري ٢/٣٨٩. [٥٢] معجم مفردات ألفاظ القرآن: مادة (وزن) . [٥٣] الحجر: ٢١. [٥٤] النمل: ٦٠. [٥٥] الحجر: ١٩.

стр. 8220

العدد ٤٤ فهرس العدد ١- كلمة العدد - لا منجاة إلا بالإسلام: لفضيلة الشيخ سعد ندا ٢- في رحاب القرآن الكريم تفسير آية من سورة النساء: لفضيلة الشيخ أبو بكر الجزائري ٣- مع الهدي النّبوي - منزلة السنة في التشريع الإسلامي: فضيلة الشيخ محمد أمان بن على الجامي ٤- في ظلال العقيدة الإسلاميّة - مفهوم الربوبية (الحلقة الرابعة والأخيرة) : لفضيلة الشيخ سعد ندا ٥- مرتكزات التربية الإسلامية: لفضيلة الدكتور عباس محجوب ٦- من مشاهد الإعجاز النفس في القرآن الكريم: لفضيلة الدكتور علي البدري ٧- الدعوة الإسلامية في الهند: لفضيلة الدكتور محيي الدين الألوائي ٨- النفاق وَأضرَاره: لفضيلة الشيخ علي الحذيفي ٩- المثالية والواقعية في الإسلام: لفضيلة الدكتور جمعة علي الخولى ١٠- الذكر وأثره في حياة المؤمن: لفضيلة الدكتور عبد الرحمن بله علي ١١- من أبحاث فقه السنة - سنن الفطرة بين المحدثين والفقهاء: لفضيلة الدكتور أحمد علي طه ريان ١٢- قبسات من أخلاق النبوة: الشيخ محمد المجذوب ١٣- الشيخ عبد الرحمن بن ناصر السعدي: لفضيلة الدكتور عبد الرحمن العدوي ١٤- نماذج من الدعاة الصالحين (الحلقة الأولى) : الشيخ أبو بكر الجزائري ١٥- ترجمة البيهقي: لفضيلة الشيخ نايف هاشم الدعيس ١٦- الأفعال الملازمة للمجهُول بين النحويين واللغويين: لفضيلة الدكتور مصطفى أحمد النماس ١٧- مراجعة القول في مواضع في كتب النحو: لفضيلة الدكتور بابكر بدوي دشين ١٨- إليك مددت الكف: لفضيلة الدكتور عز الدين علي السيد ١٩- تنبيه وتحذير: لسماحة الرئيس العام لإدارة البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد ٢٠- بيان من الرئاسة العامة للمجلس الأعلى العالمي للمساجد: رابطة العالم الإسلامي ٢١- تعقيب لا تثريب - السفينة الأولى: بقلم الشيخ محمد المجذوب ٢٢- وقفة مع طب العيون وعظمة الخالق: لفضيلة الدكتور فكري السيد عوض ٢٣- الأسنان ووظيفتها: الدكتور أحمد كرات ٢٤- التدخين وأمراض القلب: لفضيلة الدكتور محمد علي البار ٢٥- ليس كل ما في النهج من أمير المؤمنين: عباس محجوب ٢٦- مختارات من الصحف ٢٧- التبشير في أفريقيا ٢٨- المجلس الأعلى للجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة يعقد دورته السابعة عمادة البحث العلمي - جميع الحقوق محفوظة ١٤٢٣ هـ / ٢٠٠٢ م

стр. 8221

كلمة العدد لا منجاة إلا بالإسلام سعد ندا عضو تحرير المجلة إن الحمد لله، نحمده، ونستعينه، ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. ﷺ وبارك على عبده ورسوله، محمد وعلى آله وصحبه.. وبعد.. فإن الإنسان إذا كان هدفه في هذه الحياة أن يأكل، ويشرب ويتمتع بالملذات، ويربي الشحم واللحم فيتصدر بضخامته المجالس، ويباهي بجسمه الثقيل خفاف الأجسام، غير مدرك أن المرء كما يقولون بأصغريه قلبه ولسانه، إذا كان هدفه من حياته كذلك، ساعياً إلى تحقيق تلك القولة العميا: إنما الدنيا طعام وشراب ومنام فإذا فاتك هذا فعلى الدنيا السلام فإنه بهذا يستوي مع الأنعام التي لا تعيش إلا لتأكل، وتشرب، وتنام، وتربي اللحم والشحم، ثم منها ما يساق إلى المجزر لينحر، ومنها ما يهلك على مدى الزمن. وليس بمستغرب أن يوجد في الناس من هذه النوعية الكثير، بدليل وصف الله جل وعلا مجموعة من الناس بقوله: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الأَنْعَامُ وَالنَّارُ مَثْوىً لَهُمْ﴾ (محمد) .

стр. 8222

ولقد عرف المؤمنون هذه الحقيقة، وربأوا بأنفسهم أن يكونوا بتلك المثابة، ودار كل منهم في فلك الإيمان يسعى في هذه الحياة مؤمناً ليحقق الهدف الإيماني الذي حدده له خالقه تباركت أسماؤه في قوله: ﴿وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الآخِرَةَ وَلا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا﴾ (القصص) وجعل هدفه الآخرة، مستعيناً على طاعة الله والتزود لدار المُقَامَةِ بما يتبلغ به من الدنيا – لهذا كرمه الله في دنياه وآخره، ويشير إلى هذا قوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَرَادَ الْآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُوراً﴾ (الإسراء) .

стр. 8223

وحين نلقى نظرة على العالم اليوم، نجد أممه – إلا من رحم الله – تجعل سعيها، وكدها، ونصبها، وتصارعها، وأول أهدافها وآخرها، الحياة الدنيا، لذا ترى أفرادها يموج بعضهم في بعض: فيتصارعون في عنف، ويتناحرون بلا هوادة، ويتقاتلون بوحشية، ويجدُّ القوي ليبتلع الضعيف، ويخفُّ العَجِل ليلتهم المتأني، ويتحرك المتكلم ليأكل الصامت، كوحوش الغاب، لا شريعة تحكمها، ولا نظام يدبر أمرها، بل تضرب الفوضى بينها أطنابَها، وتعيش هكذا في فزع العدوان ورعب استباحة الحمى؛ وأضحت حياة الناس اليوم كمِرْجَلٍ محكِم الغطاء زاد غليانه، فأوشك أن يتفجر، وإذا انفجر توزع خطره على من حوله جميعاً، فأهلك من أهلك، وشوّه من شوّه، ومن عاش مُشَوَّهاً، عاش عيشة بئيسة يَئنُّ فيها مما ألَمَّ به وأصابه: في معتقده، أو في نفسه، أو في عقله، أو في عِرْضه، أو ماله، ويحاول أن يلتمس سبيلاً للنجاة، فلا يهتدي إليها، ذلك بأنَهُ كَبَّلَ نفسه بأغلال وآصار حسبها حريةً وتقدماً، لكنها في حقيقة أمرها دفن للنفوس في مقابر الحضارات الزائفة، إنها ﴿أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ يَغْشَاهُ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ سَحَابٌ ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُوراً فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ﴾ (النور) . وما جرَّ الإنسان إلى هذا الشقاء إلا إعراضه عن هدى خالقه وشرعه الذي لا تطيب الحياة بدونه، وقد لَفَتَهُ ربنا سبحانه إلى هذه الحقيقة فقال: ﴿فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلا يَضِلُّ وَلا يَشْقَى وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيراً قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى﴾ (طه) ..

стр. 8224

ولما أعرض الإنسان عن شرع خالقه سبحانه، لجأ إلى التشريع بنفسه، فأخذ يضع نظماً – تحكم حياته – نبعث من دخيلة نفسه الأمارة بالسوء ﴿إِنَّ النَّفْسَ لأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلاَّ مَا رَحِمَ رَبِّي﴾ (يوسف) ، نفسه الكفارة ﴿إِنَّ الإِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ﴾ (إبراهيم) ، نفسه التي جُبلت على العجلة وعدم التريث في الأمور ﴿وَكَانَ الإِنْسَانُ عَجُولاً﴾ (الإسراء) .. نفسه التي تهوى الجدل ﴿وَكَانَ الإِنْسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلاً﴾ (الكهف) نفسه الجهولة ﴿إِنَّهُ كَانَ ظَلُوماً جَهُولاً﴾ (الأحزاب) .. نفسه التي يملؤها الهلع فلا تقابل الأحداث بما ينبغي أن تقابل به ﴿إن الإنسان خلق هلوعاً، إذا مسه الشر جزوعاً. وإذا مسّه الخير منوعاً، إلا المصلين﴾ (المعارج) .. نفسه التي تؤثر الدنيا العاجلة على الآخرة الآجلة لباقية ﴿كَلاَّ بَلْ تُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ وَتَذَرُونَ الآخِرَةَ﴾ (القيامة) .. نفسه التي تسيطر عليها الأنانية وحب المال ﴿كَلاَّ بَلْ لا تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ، وَلا تَحَاضُّونَ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ، وَتَأْكُلُونَ التُّرَاثَ أَكْلاً لَمّاً وَتُحِبُّونَ الْمَالَ حُبّاً جَمّاً﴾ (الفجر) . نفسه التي تجهل ما تكسبه في الغد ﴿وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَداً﴾ (لقمان) .

стр. 8225

كيف إذن: والإنسان يحمل هذه النفس التي حوت تلك النقائص. وغيرها. أن يُشَرِّع للغد القريب والبعيد؟ أنه وضع نظماً تحكمه نبعت من نفسه التي بتلك المثابة، وأخذ يفكر: هل يجعل تلك النظم مبقية للأموال في أيدي الناس فتكون الحياة رأسمالية طاغية؟ أو يسلبها من أيديهم فتكون شيوعية أو اشتراكية باغية؟ هل يعاقب مرتكب جريمة الزنا أو يطلق سراحه؟ هل يجري السارق أو يعفو عنه؟ هل يقتل القاتل أو يكتفي بسجنه؟ هل يمنع الربا أو يبيحه بعد تغليفه بغلاف يسميه الفائدة؟ هل يسمح بتأسيس حانات الخمور؟ ويعفو عن السكارى والداعرين؟ هل يملأ البلاد طولاً وعرضاً بمواد مخدرة مفسدة للعقول بل ومذهبةً لها؟ فيرضى أمزجة المجرمين؟ ويشبع هوى الداعرين؟ هل يحمى المجرم الذي ينال منه مغنماً ولو على حساب دينه ويجعله منه في أقرب مكان؟ هل يوالي أعداء الله من اليهود والنصارى والشيوعيين والإشتراكيين الملاحدة ويلقى إليهم بالمودة ليثبتوا قدمه في موضعها الذي يجب؟ هل.. وهل.. وهل..؟ إنه حَسِب أن سيسعد بتلك النظم، لأنه يجاري بها حياة من حادَّ الله ورسوله ويسير إمعة وراء كل ناعق، فتعس وشقي. ﴿إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ، فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ، ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ﴾ (المدثر) . لقد أخذ يتخبط في دروب تلك النظم المظلمة، رغم أن المنقذ منه قريب، والعلاج لشقائه ناجع، والثمن في متناول كل إنسان، وصيدلية الدواء مفتوحة مصاريعها في كل ساعة من ليل أو نهار. إن العلاج هو الإسلام، والإسلام وحده، ولا شيء سوى الإسلام.. الإسلام الذي أقام حدود الله بالقسط والحق، وبين أن هناك رباً خالقاً لا يعبد إلا هو، وإن هناك عبداً مخلوقاً لا ينبغي أن يوجه عباداته إلا لخالقه وحده.

стр. 8226

الإسلام الذي جعل أساسه عقيدة التوحيد الخالصة: توحيد الله ، وتوحيد شرعه الذي يوصل إليه، في معنى (لا إله إلا الله، محمد رسول الله) بحيث لا يقبل أي عمل مهما كثر ومهما حَسُن دون أن يبني عليها، والذي لو مات الإنسان على غيرها لما غُفر له ألبتة، يقول تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ (النساء) .. الإسلام الذي جعل ذروة سنامه الجهاد في سبيل الله بالنفس والمال، يقول سبحانه: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ﴾ (الحجرات) .. الإسلام الذي يطهر النفوس ويربيها على الصفاء والبعد عن الإجرام في حق ربها، وفي نفسها، وفي حق غيرها من النفوس، حتى تلقى خالقها نظيفة غير ملوثة، فتسعد بالنعيم المقيم، يقول جل شأنه ﴿إِنَّهُ مَنْ يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِماً فَإِنَّ لَهُ جَهَنَّمَ لا يَمُوتُ فِيهَا وَلا يَحْيَى، وَمَنْ يَأْتِهِ مُؤْمِناً قَدْ عَمِلَ الصَّالِحَاتِ فَأُولَئِكَ لَهُمُ الدَّرَجَاتُ الْعُلَى، جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاءُ مَنْ تَزَكَّى﴾ (طه) . الإسلام الذي يربط بين أفراده رباطاً أخوياً يفوق كل رباط – يقول تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ (الحجرات) .. ويجعل قلوبهم متراحمة تذل لبعضها وتعز على غيرها، وبذا وصفهم الله تعالى ﴿أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِين﴾ (المائدة) . الإسلام الذي يجعل أفراده حين يصبغهم جميعاً صبغةً مؤمنةً واحدةً، كالبنيان المتماسك الذي يصمد أمام الهزات العنيفة "المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضاً " (البخاري) ..

стр. 8227

الإسلام الذي يجعل في أفراده إحساساً مرهفاً يشعر بأدنى ألم يمس أي واحد منهم في أي بقعة من جوانب الأرض " مثل المؤمنين في توادهم وتعاطفهم وتراحمهم كمثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الأعضاء بالسهر والحمى " (البخاري) ، ومن ثم يقف بجانبه دائماً: ينصره إن ظلم، ويحجزه إن تطاول: "أنصر أخاك ظالماً أو مظلوماً". قال: أنصره مظلوماً، فكيف أنصره ظالماً قال: "تحجزه عن ظلمه فذلك نصره " (البخاري) .. الإسلام الذي يطهر مجتمع أفراده من دناءات الظن، والتجسس، والتحسس، والتنافس المذموم، والتحاسد، والتباغض، والتدابر، والظلم، والخذلان، والإحتقار، والتطاول على الأموال، والدماء والأعراض، والتعويل على مظاهر الأشكال والأجسام، والبيع على بيع الآخرين بما يوغر صدورهم، والهجر الذي يمزق عرى الأخوة ويفرق الأمة "إياكم والظن فإن الظن أكذب الحديث، ولا تجسسوا ولا تحسسوا، ولا تنافسوا، ولا تباغضوا، ولا تدابروا، وكونوا عباد الله إخواناً كما أمركم الله تعالى، المسلم أخو المسلم، لا يظلمه، ولا يخذله، ولا يحقره، بحسب امرئ من الشر أن يحقر أخاه المسلم. كل المسلم على المسلم حرام: ماله ودمه وعرضه. إن الله لا ينظر إلى صوركم وأجسادكم ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم. التقوى ها هنا.. التقوى ها هنا.. التقوى ها هنا – ويشير إلى صدره – ألا لا يبع بعضكم على بيع بعض، وكونوا عباد الله إخواناً. ولا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث " (مسلم) .

стр. 8228

الإسلام الذي لم يعتد بعصبيات ولا ألوان ولا جنسيات ولا أوطان، ولم يجعل منها أساساً لوزن عمل صاحبها، وقربة من الله جل وعلا، بل أذاب كل تلك الإعتبارات جميعاً وصهرها في بوتقة الإسلام لتكون ركيزة التفصيل عند الله رب العالمين هي التقوى – فقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ (الحجرات) . ومن ثم رأينا في الصحابة الكرام- أفضل قرون هذه الأمة- بلالاً الحبشي، وصهيباً الرومي، وسلمان الفارسي، أخاً للمؤمن القرشي، والهاشمي، وغيره من سادات العرب الذين آمنوا بالله ورسوله. الإسلام الذي جمع أفراده تحت أمة واحدة، وصفها ربنا تعالى بقوله ﴿إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ﴾ (الأنبياء) ، وحذرهم من الخلاف في الدين والتفرق في فهمه شيعاً متناحرة، فقال سبحانه: ﴿وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ (آل عمران) .. وقال ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعاً لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾ (الأنعام) .. ولو أنه وجد اختلاف في الفهم- نتيجة لاختلاف العقول والأنظار- فإن ذلك لا ينبغي أن يؤدي إلى تشتيت الأمة، وبلبلة أفكارها، ثم إلى التطاحن والتقاتل، وفي هذا يقول الرسول صلى الله عليه سلم: " إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران، وإن اجتهد فأخطأ فله أجر " (البخاري) .

стр. 8229

الإسلام الذي أوجب الإلتفاف حول إمام المسلمين، والسمع والطاعة له، وحرَّم الخروج عليه ما دام يحكم بكتاب الله تعالى. فعن يحي بن معين عن جدته أم الحصين قال: "سمعتها تقول: حججت مع رسول الله ﷺ حجة الوداع، قالت: فقال رسول الله ﷺ قولاً كثيراً، ثم سمعته يقول: "إن أُمر عليكم عبد مُجدَّع (حسبتها قالت: أسود) يقودكم بكتاب الله تعالى، فاسمعوا وأطيعوا " (مسلم) .. [١] وحذر الإسلام من شق عصا الطاعة على الإمام، وإلا كان ذلك سبيلاً للخروج من الإسلام. فعن أبي هريرة ﵁ أن الرسول ﷺ قال: "من خرج من الطاعة، وفارق الجماعة فمات، مات ميتة جاهلية " (مسلم) .. [٢] الإسلام الذي قرر أن المسلم الذي يحمل السلاح على المسلمين أو يغشهم ينخلع من الإسلام. فعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "من حمل علينا السلاح فليس منا، ومن غشنا فليس منا " (مسلم) .. [٣] الإسلام الذي قضى باستئصال من يريد تفريق جمع الأمة الإسلامية فعن عرفجة ﵁ قال: سمعت رسول الله على الله عليه وسلم يقول: "إنه ستكون هِناتٌ، فمن أراد أن يفرق أمر هذه الأمة وهي جميع، فاضربوه، كائناً من كان " (مسلم) .. [٤]

стр. 8230

الإسلام الذي لا يسمح لأفراده أن يوالوا الذين يعادون الله ويعادونهم ويستهزئون بدينهم. فيقول تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءَكُمْ مِنَ الْحَقّ﴾ (الممتحنة) [٥] .. ويقول سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَكُمْ هُزُواً وَلَعِباً مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَالْكُفَّارَ أَوْلِيَاءَ﴾ (المائدة) [٦] .. ويؤكد لهم أن وليهم الله ورسوله والمؤمنون، فيقول تعالى: ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ﴾ (المائدة) [٧] .. ثم يطمئن نفوسهم بأن من كان وليه الله ورسوله والمؤمنون، فإنه يكون من حزب الله الذي له – بحوله تعالى – الغلبة على صنوف الأعداء – فيقول جل شأنه: ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ﴾ . (المائدة) هذا هو الإسلام الذي حمى الفرد، والجماعة،والأمة، وحرص على عقاب كل من يحاول الاعتداء على الكليات الخمس التي هي جماع مصالح العباد، وهي: النفس، والعقل، والدين، والمال، والعرض ووضع حدوداً، وقرر تعزيرات تقام على المعتدى، وبهذا استأصل شأفة الجريمة، وطهر الحياة الإسلامية من الفحشاء والمنكر.
следующие страницы →